المعالم المأثورة - ج1

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
396 /
203

و تقريبها ان الكثير في لسان الامام (عليه السلام) يحمل على الكر.

و منها رواية الحسن الصالح الثوري (باب 9 من الماء المطلق ح 8) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) إذا كان الماء في الكركيّ كرا لم ينجسه شي‌ء قلت و كم الكر الحديث و تقريبها واضح و هو ان الكركي بمعنى البئر و حكم (عليه السلام) بان الماء فيه إذا كان بقدر الكر لا ينجسه شي‌ء.

و منها ما في الفقه الرضوي كل بئر عميق مائها ثلاثة أشبار و نصف في مثلها فسبيلها سبيل الجاري، و تقريب دلالتها واضح.

و منها صحيحة ابن بزيع التي نستدل بها على الطهارة و فيها قوله (عليه السلام) ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الحديث.

و تقريبها على ما قرروها ان المراد بالواسع اى كثير الماء لا واسع الحكم و الكثير يكون بمعنى الكر فعلى هذا إذا كان كرا لا يفسده شي‌ء و ان كان قليلا ينجس بالنجاسة.

و الحاصل ان مدار عدم التنجيس هو الكرية و يؤيد هذا التفصيل انه يكون مقتضى الجمع بين الروايات السابقة هذا حاصل استدلالهم.

و اما الجواب عنه فهو ان رواية عمار التي استفادوا من الكثرة فيها الكرية لا يكون المراد بالكثرة فيها هي الكرية بل المراد الكثير العرفي لدفع خيال التغيير بواسطة وقوع زنبيل عذرة فكأنّه قال (عليه السلام) إذا كان كثيرا فلا محالة لا يتغير فلا ينجس اما إذا لم يكن كذلك فينجس بالتغيير الذي هو المتفق عليه.

و اما رواية صالح الثوري (باب 9 من الماء المطلق ح 8) و الفقه الرضوي فكلتاهما ضعيفتان لان القدماء و المتأخرين أعرضوا عن مفادهما لأن الأولين قالوا بالنجاسة مطلقا و الآخرين بالطهارة مطلقا فالقول بالتفصيل لا يوافق كلا القولين.

على انه يكون موافقا للعامة و أيضا يحتمل ان يكون المراد بالبئر هو الابار التي لا مادة لها بل يصنع لجمع الماء فيها كما احتمله التهذيب في رواية الثوري و لو‌

204

أغمض عن جميع ذلك فالرواية الدالة على العصمة حاكمة عليها لان فيها يتمسك بالمفهوم و مثل صحيحة ابن بزيع صريح في ان ماله المادة عاصم فالحكم بوجوب الكرية لعدم التنجيس مخالف مع هذا النص.

و اما الجمع العرفي الذي اتخذه شاهدا للتفصيل فأيضا لا وجه له لان نزح المقادير على فرض كونه كرا لا يتسالم عليه مع الأمر بالنزح في بعضها يكون في مورد يمكن القطع بأنها كانت كرا و مع ذلك حكم بالنزح.

و الحاصل لا وجه لقول المفصل لانه مخالف للقدماء و للمتأخرين مع عدم تمامية الدلالة في بعض الروايات التي استدلوا بها.

الدليل الثاني للمفصل و هو الشيخ أبو الحسن محمد بن محمد البصروي من قدماء أصحابنا الإمامية و هو ان عمومات الانفعال قد خصص بدليل الكر و البئر ينصرف دليلها الى ما كان كرا لان الابار غالبا تكون كرا أو أكثر فإذا لم تكن بقدر الكر فيشملها عمومات الانفعال.

و فيه انه لا وجه لدعوى الانصراف لأن الغلبة ممنوعة و على فرضها لا توجب الانصراف لانه يلزم ان يكون تحت اللفظ و النسبة بين الأدلة هي العموم من وجه فموضع الافتراق الكر غير البئر و القليل غير البئر فالأول يشمله دليل العاصمية و الثاني أدلة الانفعال و مورد الاجتماع البئر القليل فدليل الانفعال يحكم بالانفعال و دليل البئر بالطهارة فيتعارضان و بعده يرجع إمّا الى قاعدة الطهارة أو عموماتها.

و التحقيق تقدم دليل البئر على دليل الانفعال لان فيه ذكرت العلة بان له المادة و هذا يكون منشأ النصيّة و الا فيوجب إسقاط عنوان البئر إذا قلنا بالعاصمية فقط في صورة الكرية.

و الحاصل يقدم الروايات الدالة على عاصمية البئر مطلقا للأظهرية لأنه قد مر انه لو لم يكن كذلك يلزم ان يكون في صورة كونها كرا انزل من الكر بواسطة اتصالها بالمادة و لان الماء النجس يطهر بالاتصال لا بالنزح على ان اختلاف الروايات في‌

205

النزح يضعف كونه للتطهير و على فرض عدم تقديم الروايات و عدم الحمل على الاستحباب نرجع الى المرجحات.

منها ان القول بالتفصيل موافق للعامة و هو يوجب سقوطها و لا يخفى عليك انه إذا راجعنا الى هذا المرجح لا يبقى وجه للقول باستحباب النزح لان رواياته تسقط من رأس و على فرض عدم كون هذا مرجحا و استقرار التعارض فالمرجع عموم خلق اللّه للماء طهورا لا ينجسه شي‌ء أو قاعدة الطهارة.

ثم انه لو ثبتت الطهارة لجريان قاعدتها فلا يوجب العاصمية الأعلى قول بعض اساتيذنا و هو النائيني (قده) فإنه يقول نحن نحتاج عند ملاقاة النجاسة بماء طاهر و هذا الماء طاهر حتى حين الملاقاة و لا يكون قلّته مسلمة فكيف لا يكون عاصما و قد مر شرحه فيما سبق.

ثم ان هنا شيئا و هو انه إذا استقر التعارض و راجعنا الى عمومات الفوق مثل خلق اللّه الماء إلخ أو استصحاب الطهارة أو قاعدتها كما ذكره في الجواهر فلا يكون هذا الرجوع مطلقا بل ان كان دليل الانفعال منصرفا بالطبع عن عنوان البئر كان ما ذكر صحيحا.

و الحاصل الدليل على ذلك هو الانصراف فلازمه العاصمية دفعا و رفعا و اما إذا كان المرجع الاستصحاب أو قاعدة الطهارة فاختلف الكلام في العاصمية بين أستاذنا النائيني و غيره فإنه كما مر آنفا حكم بالعاصمية و غيره بغيرها.

و اما إذا لم يكن دليل الانفعال منصرفا عن البئر فيجب التفصيل في المقام بان نقول عنوان الكر خرج عن دليل الانفعال قطعا فإذا كان البئر كرا فهو عاصم و إذا لم يكن كذلك فليس بعاصم لشمول مفهوم دليل الكر له و هو الانفعال إذا لم يكن بقدره بقي في المقام شي‌ء و هو انه ربما يتخيل بان الروايات الدالة على النجاسة يفهم منها حكمان النجاسة و وجوب نزح المقادير المعينة و الدالة على الطهارة يفهم منها الطهارة فقط فإذا تعارض يكون تعارض بين الطهارة في هذه و النجاسة في تلك فيبقى وجوب النزع بلا معارض فلما ذا يسقط و لا يكون له الوجوب الشرطي‌

206

على هذا الفرض و لكن لا مانع من حمله على الوجوب النفسي كما ان القائلين بالطهارة اختلفت كلماتهم فبعضهم يقول بان النزح له وجوب شرطي عملي و لا يكون للتطهير بل لجواز الاستعمال.

و فيه ان هذا ممنوع لانه بعد تقديم روايات الطهارة لا وجه لما دل على النزح إلا حمله على الاستحباب و لا نلتزم بالوجوب النفسي لانه واضح الفساد لان من لوازمه ان نقول لا يجوز طم البئر الذي تنجس لانه يصير مقدمة لترك الواجب و هو النزح و ترك الواجب حرام فمقدمته أيضا كذلك و هذا كما ترى.

على انه لو كان له وجوب نفسي يجب للشارع ان يبين ان هذا على من يجب هل على صاحب البئر أو يجب كفاية على المسلمين كافة أو على الحاكم الشرعي.

ثم هنا كلام لميرزا حبيب اللّه الرشتي (قده) نذكره إعظاما له و هو انه قال هذا من تعارض الأحوال فإنه إما يحكم بأصالة الوجوب في النزح و عدم كونها للتقية أي يجري أصالة عدم التقية فيجب الحكم بالوجوب فقط أو نقول بأصالة عدم الوجوب و كونها للتقية فيجب الطرح لا القول بالاستحباب فيدور الأمر بين القول بالوجوب أو الحمل على التقية و لا ثالث لهما.

و فيه ان القول بالاستحباب لدلالة نفس الروايات عليه من قوله لا بأس بالوضوء مع كونه قبل النزح فلا وجه لهذا الإشكال.

الشبهة المفهومية في البئر الأمر الثاني في الشبهة المفهومية في البئر مثل ما إذا كان البئر بحيث إذا أخذ منها الماء لا يخرج منها ثانيا الا بالحفر فنشك في كونها بئرا فنقول تارة نتكلم على مذهب المختار و هو القول بالطهارة و العاصمية و اخرى على مسلك من يذهب إلى النجاسة.

فعلى الأول و هو المختار فلا يشملها دليل البئر لأن الشبهة في مفهومها و لكن‌

207

إذا كانت كرا يشملها دليل الكر و الا فدليل الانفعال إذا لم نقل بانصرافه عن البئر و امّا إذا قلنا به فالنسبة بينهما عموم من وجه فمورد الافتراق القليل الذي غير البئر فيشمله دليل الانفعال و لا يعارضه دليل البئر و الكر الذي هو البئر فيشمله دليل البئر و لا يعارضه دليل الانفعال و مورد الاجتماع البئر الذي يكون قليلا فنحتمل ان يكون بئرا حتى يكون عاصما أو لا فيكون حكمه حكم القليل فلما كان المخصص لدليل الانفعال و هو البئر منفصلا عنه فلا يسري إجماله اليه فينطبق على المورد إذا لم نقل انه حاكم عليه و اما إذا قلناه فيسري إجماله إليه فيرجع اما الى عمومات الطهارة أو قاعدتها هذا على المسلك المختار.

و اما على الثاني و هو القول بالنجاسة ففي الشبهة المفهومية يحصل التعارض بين دليل الكر و دليل البئر لأنه لا ندري ان هذا بئر حتى يكون الكر منه أيضا ينجس بالملاقاة أولا فيكون حكمه حكم سائر المياه و ينحصر نجاسته بالقليل.

و الحاصل النسبة بينهما عموم من وجه الكر غير البئر و البئر القليل يكون مورد افتراق الدليلين و مورد الاجتماع البئر الكر فإذا كان بئرا ينجس و الا فلا على مذهب القائل بالنجاسة مطلقا هذا إذا كان دليل الانفعال منصرفا عن عنوان البئر اما إذا لم يكن كذلك فيفصل بين ما إذا كان كرا فإنه قد خصص دليل الانفعال قطعا و ما كان قليلا فينجس لدخوله تحت دليل الانفعال و اما في مورد التعارض فان كان دليل البئر حاكما ففي شبهتها المفهومية لا يمكن التمسك بعام الانفعال و ان كان مخصصا فلانفصاله لا يسري إجماله إليه فعلى الأول يرجع الى عمومات الفوق أو قاعدة الطهارة أو استصحابها.

ثم هنا شي‌ء و هو ان القائلين بالنجاسة في الشبهة المفهومية يجب ان لا يقولوا بالتطهير بواسطة النزح لان هذا طريق تعبدي في البئر دون سائر المياه فكيفية تطهير هذا الماء (1) لا محالة لا يكون الا بالاتصال بالعاصم و إذا كان للنزح وجوب تعبدي‌

____________

(1) أقول و أضف إليه انه على فرض كونه مقدمة للتطهير مع كون وجوبه وجوبا شرطيا تعبديا فلازمه الاحتياط اى ان قيل التطهير منحصر بالنزح في البئر فهنا يجب الاحتياط بالنزح و الاتصال و لكن الانصاف يكون على التطهير بالاتصال فقط.

208

فعند الشك هنا يجرى البراءة.

الكلام في طهارة البئر بزوال التغيير من نفسه

[مسألة 1- ماء البئر المتصل بالمادة إذا تنجس بالتغيير]

مسألة 1- ماء البئر المتصل بالمادة إذا تنجس بالتغيير فطهره بزواله و لو من قبل نفسه فضلا عن نزول المطر عليه أو نزحه حتى يزول و لا يعتبر (1) خروج ماء من المادة في ذلك.

اعلم انه قد مر طريق تطهير المياه مفصلا و لكن هنا نذكر شيئا من باب فذلكة البحث فنقول ان البئر تنجس بالتغيير اتفاقا و أيضا لا دخل للنزح بخصوصه في التطهير بل يكون مقدمة له لكن لا بنحو الانحصار بحيث لا يطهر بالاتصال بالعاصم انما الكلام في انها إذا زالت تغييرها من قبل نفسها فهل يكفيه الاتصال أو يحتاج الى المزج خلاف بينهم فقيل انه معتبر و قيل لا يعتبر فنقول انه قيل كل ما هو متحد مع العاصم بالوحدة الاشارية بان يمكن ان يقال هو هو بنفسه فهو عاصم لانه يكون من أصحابه و كل ما كان كذلك يطهر مثل الاتصال بالجاري و غيره و إطلاق دليل العاصم يشمل حتى صورة عدم المزج إذا حصلت الوحدة ثم ان ما نحن فيه يكون كذلك اى لا نحتاج بعد الاتصال بالمادّة إلى النزح بالإجماع و لكن هنا أقوال:

منها ان الاتصال فقط يكفى سواء نبع من المادة شي‌ء أم لا و دليله صدق الوحدة بالاتصال و لا يكون لماء واحد الا حكم واحد لانه لا يخلو اما ان يقال بان النجس صار طاهرا أو العاصم صار نجسا أو كل منهما باق على حكمه من النجاسة و الطهارة ثم نجاسة العاصم و وجود حكمين لماء واحد غير مرضى فيبقى القول بالطهارة.

و فيه ان قضية الوحدة مهملة يجب الأخذ بالمتيقن منها و هو صورة المزج لا أقل‌

____________

(1) بل يعتبر خروج مّا و مزج مّا و امره سهل.

209

من الشك و استصحاب النجاسة قبل المزج (1).

فان قيل ان الدليل على العاصمية فيما له المادة لا يكون فيه ذكر عن المزج فلو كان دخيلا في التطهير يجب ان يبين و عدم البيان دليل على عدم الاعتبار.

قلنا ان الدليل يكون صحيحة ابن بزيع و في صدرها ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء و في ذيلها لان له المادة و المراد بالواسع اى انه واسع الحكم اى هو عاصم لان له المادة و ما ذكرتم من عدم ذكر المزج مقبول الا انه لا يوجب إطلاق العلة لأن المورد يحصل فيه المزج غالبا بالنزح بل في تمام الأوقات و المورد و ان كان لا يخصص الا ان نظر العرف لما يكون دخيلا في باب الطهارة و النجاسة فيما لا تصريح به في لسان الشرع فهنا نقول غريزة العرف أيضا شرطية جريان المطهر على ما يراد تطهيره ففي الماء يحصل بالمزج فمساعدة العرف هنا صار سببا للقول به.

ثم انه لهم تقريب آخر لعدم اعتبار المزج و هو ان صدر الرواية يفهم منه الدفع و الرفع فمعنى ماء البئر واسع لا ينجسه شي‌ء أي طبعه عدم قبول النجاسة و هذا هو معنى الدفع و الرفع و من قوله ينزح حتى يطيب يستفاد انه إذا خرج عن طبعه الأولي ينزح حتى يرجع اليه فإذا رجع فهو عاصم.

و الحاصل من هذا التقريب هو انه إذا رجع الى طبعه الاولى لا يحتاج الى المزج لان ما هو خلاف طبعه و كان علة للنجاسة و هو التغيير قد زال فلا دليل على ما ذكر من المزج.

و فيه ما ذكر و هو ان استفادة الدفع و الرفع من الصدر و ان كان صحيحا الا ان ما قيل من عدم اعتبار المزج غير مرضى عندنا لان الغالب في البئر هو المزج بواسطة النزح و هذا استظهار فقهي لا ربط له بقولهم المورد لا يخصص لمساعدة العرف معنا.

____________

(1) أقول هذا مضافا بأنه يمكن ان نحكم بنجاسة بعضه و طهارة بعضه كما في صورة وجود لون الدم مثلا و لا فرق بين هذا و ذاك في ان الوحدة لا تفيد فائدة.

210

و الحاصل ان النزح و ان كان غير منحصر لحصول التطهير الا انه لما كان ملازما مع المزج نقول بلزومه لانه يلزم بنظر العرف دخول المطهر على المطهر بفتح الهاء.

و بعبارة واضحة لنا قاعدة شرعية و هي ان المماسة للمطهر مع المطهر لازمة و في الماء قد خصصت القاعدة و لكن لا يكون التخصيص بحيث انه لا يحتاج الى المزج أيضا خصوصا ما نقول من اعتبار مزج ما و على فرض الشك فيؤخذ بالمتيقن.

[مسألة 2- الماء الراكد النجس كرا كان أو قليلا يطهر بالاتصال]

مسألة 2- الماء الراكد النجس كرا كان أو قليلا يطهر بالاتصال بكر طاهر أو بالجاري أو النابع غير الجاري و ان لم يحصل الامتزاج على (1) الأقوى و كذا بنزول المطر.

اعلم انه قد مر في ما سبق آنفا طريق تطهير البئر و أيضا قد مر فيما سبق طريق تطهير القليل و لكن المصنف ذكر هذه المسألة لنكتة و هي بيان الدليل على عاصمية الكر و انه يوجب الطهارة باتصاله بالقليل النجس.

و الحاصل ان الأدلة في باب الجاري و البئر و الحمام كان لسانها تطهير بعض الماء بعضا بقوله ماء الجاري يطهر بعضه بعضا أو ماء الحمام كماء الجاري يطهر بعضه بعضا أو البئر واسع لان له المادة و لكن لا يكون لدليل الكر نطاق بأنه يطهر فذكر هذه المسألة يكون لإيضاح سند مطهرية الكر.

فنقول قد مر مرارا ان لنا طرق ثلاثة للتطهير، الوحدة و الاتصال و إطلاق الدليل فالأول و الثاني بالنسبة إليه واضح اما إطلاق الدليل أيضا فهو بإلقاء الخصوصية فيما له نطاق.

قنقول مما له نطاق هو دليل البئر بقوله (عليه السلام) واسع لان له المادة و المراد بها هو ان يكون لها مبدء عاصم فنفهم عدم خصوصية المادة مع انه قد عرفت أنها يكفى ان يكون بنحو الرشحات أو بمبدء بخارى يستعدّ لان يصير ماء فالكر الذي يكون مبدئيته بالفعل و عاصميته مسلمة من الشرع أولى بأن يكون مطهرا غاية الأمر لما يكون المستفاد من دليل‌

____________

(1) بل يلزم الامتزاج.

211

البئر هو اعتبار المزج ففي الكر أيضا نقول باعتباره أي الكر المتصل الممزوج مطهر و منها رواية كلما اصابه ماء المطر فقد طهر فإنه لا خصوصية للمطر لأنه ان لم نقل بأنه يجب ان يكون له مبدء و لو بخاريا فالكر اولى بالتطهير لان له مبدء فعلى و ان قلنا به فالأولوية أوضح و هذا هو التحقيق اى القول بلزوم وجود المبدء للمطر.

نعم هنا قد مر اشكال فيه و هو ان دليل المطر لا إطلاق له حتى يشمل صورة تطهيره المياه و قد أجبنا عنه بقاعدة الوحدة.

و منها روايات باب الحمام و هي أقوى دليل لنا في الكر لأن في دليله انه يتقوى السافل من العالي فإذا قلنا بوجوب كرية البئر فيفهم منه ان الاتصال بالكر يصير سببا للتقوّى و ان لم نقل به ففي صورة كون المبدء كرا يكون مطهرا بالأولوية.

ثم الاستدلال بالرواية التي ذكر فيها ان هذا (مشيرا الى الغدير من الماء) لا يصيب شيئا الا و قد طهر غير وجيه لضعف الرواية فتحصل ان الكر عاصم مطهر اما بقاعدة الوحدة أو بدليل البئر و الجاري و الحمام.

[مسألة 3- لا فرق بين أنحاء الاتصال في حصول التطهير فيطهر بمجرده]

مسألة 3- لا فرق بين أنحاء الاتصال في حصول التطهير فيطهر بمجرده و ان كان الكر المطهر مثلا أعلى و النجس أسفل و على هذا فإذا ألقى الكر لا يلزم نزول جميعه فلو اتصل (1) ثم انقطع كفى نعم إذا كان الكر الطاهر أسفل و الماء النجس يجرى عليه من فوق لا يطهر الفوقاني بهذا الاتصال (2)

اعلم ان عنوان هذه المسألة يكون لدفع اشكال يظهر من جملة من الاعلام و هو ان تطهير المياه فيه شرطان: الأول ان يكون الجريان من الأعلى إلى الأسفل و الثاني ان يكون الإلقاء دفعة واحدة و لا يكفي التدريجي.

اما الأول فدليله هو عبارات الفقهاء بتعبيرهم بالإلقاء و هذا لا يصدق إلا إذا كان‌

____________

(1) و حصل المزج.

(2) الا ان يكون العالي متقوّيا به كما في أمثال البئر و مادته.

212

من الأعلى إلى الأسفل و في مقابل هذا القول قول من يقول بان تساوى السطوح شرط في التطهير.

و فيه انه لا دليل لنا على ما ذكروه (1) الا ان يستفاد من روايات الحمام فإنه يكون جريانه من الأعلى إلى الأسفل غالبا.

و اما قول من يشترط تساوى السطوح فيمكن ان يكون من جهة صدق الوحدة فعلى هذا فكلام المصنف يكون في غاية المتانة فإنه بأي نحو حصلت الوحدة و الاتصال يحصل التطهير غاية الأمر إذا كان من الأعلى إلى الأسفل ينطبق دليل الحمام و إذا كان بالعكس ينطبق دليل المادة.

اما الثاني و هو وجوب الإلقاء دفعة فمجهول المراد و من العجب ادعاء صاحب الجواهر (قده) النص و لكن لم نجده في كتب الأحاديث و اما ان كان المراد ان الدفعة العرفية لازمة و لا يكفى ان يكون الإلقاء بدفعات متفرقات مثل ان يلقى فيه بقدره مثلا بدفعات فهذا كلام صحيح و لا يمكن القول بالطهارة إذا كان الإلقاء بالدفعات بهذا المعنى الا من باب متمم الكر و هو كما ترى.

و ان كان المراد ان الدفعة التدريجية لا تكفي لأنها توجب ان ينجس كل جزء إذا وصل الى النجس قبل التطهير فلا يصح فيجب ان يلاحظ المبادي التي استفدنا منها ان الكر عاصم مطهر:

فمنها الاتصال بالمادة و هو في البئر يكفى ان يكون عرفيا فإذا كان كذلك نعلم انه لا يتصل بتمام المبدء بل بجزء منه و هذا يكفي للطهارة فالكر أيضا كذلك.

و منها نفس دليل الكر و التمسك بالوحدة و هي أيضا حاصلة فعلى هذا لا وجه لما ذكروه.

____________

(1) أقول انه أضف الى ذلك ان لفظ الإلقاء يكون من الفقهاء و لا يكون في كلام الامام (عليه السلام) حتى نتمسك بظهوره و تعبيرهم بهذه العبارة يكون للأغلبية كما قال الهمداني قده أيضا.

213

اما الإشكال بأن الاجزاء إذا لاقى مع النجس ينجس إذا لم يكن الإلقاء دفعة فهو مشترك الورود حتى في صورة كون الماء في ظرف كبير و يلقى دفعة فإنه بالأخرة يجب ان يكون مزجه بالتدريج لان حال امتزاج الأجسام المركبة يكون كذلك لا محالة.

أضف الى ذلك ان دليل الحمام الذي يستفاد منه تقوى السافل بالعالي يكفينا و الا فهذا الاشكال يجي‌ء في دليله أيضا فعلى هذا لا نحتاج الى التطويل في المقام و النقض و الإبرام فيه.

[مسألة 4- الكوز المملو من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر]

مسألة 4- الكوز المملو (1) من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر و لا يلزم صب مائه و غسله.

أقول و سيجي‌ء البحث فيها.

[مسألة 5- الماء المتغير إذا القى عليه الكر فزال تغييره به يطهر]

مسألة 5- الماء المتغير إذا القى عليه الكر فزال تغييره به يطهر و لا حاجة الى إلقاء كر آخر بعد زواله لكن بشرط ان يبقى الكر الملقى على حاله من اتصال اجزائه و عدم تغيره فلو تغير بعضه قبل زوال تغير النجس أو تفرق بحيث لم يبق مقدار الكر متصلا باقيا على حاله ينجس و لم يكف في التطهير و الأولى إزالة التغيير أولا ثم إلقاء الكر أو وصله به.

اعلم ان هنا مطلبين اختلطا في ألسنة الأعلام: الأول ان يفرض ماء زال تغييره بالاتصال بالكر فهل يحتاج إلى إلقاء كر آخر أم لا فيستشم من بعض عبائرهم أن الاتصال بالكر بعد زوال التغيير شرط و لكن لا وجه له (2) الثاني ان يفرض الاتصال أولا ثم يفرض زوال التغيير في آن زوال الاتصال‌

____________

(1) هذا إذا لم ينفد الماء النجس في جوفه و الا يلزم تجفيفه ثم وضعه في العاصم ليطهر.

(2) لو بقي مقدار الكر في المبدء بعد زوال التغيير اما إذا نقص فلا.

214

اما الأول فلا شبهة و لا ريب في عدم الاحتياج الى الاتصال ثانيا بعد زوال التغيير لان من العواصم البئر فإذا زال التغيير بالاتصال بالمادة لا نحتاج إلى مادة اخرى لتطهير هذه البئر و الكر احدى طرق مطهريته كان دليله دليل البئر.

إنما الكلام في الثاني و هو اتحاد آن زوال التغيير و قطع الاتصال فربما يقال في المورد أيضا يكفي الاتصال للعمومات مثل ما اصابه ماء المطر فقد طهر فإذا أصاب المطر و زال التغيير و انقطع تصدق الإصابة و في المقام يصدق الاتصال بالكر.

و لكن التحقيق عدم التطهير لانه مشكل قلنا بوجوب المزج أم لا لأن الأدلة منصرفة عن هذه الصورة لأنها نادرة الذات و يجب ان يكون للماء لياقة التطهير قبل الاتصال بالمطهّر و الماء المتغير لا يكون له هذه اللياقة و عند حصول قطع الاتصال فلا يمكن القول بالكفاية.

في طريق ثبوت نجاسة الماء و غيره بالبينة و غيرها

[مسألة 6- تثبت نجاسة الماء كغيره بالعلم و بالبينة]

مسألة 6- تثبت نجاسة الماء كغيره بالعلم و بالبينة و بالعدل الواحد على اشكال لا يترك فيه (1) الاحتياط و بقول ذي اليد و ان لم يكن عادلا و لا تثبت بالظن المطلق على الأقوى.

اعلم ان النجاسة تثبت بالعلم لانه يكون كاشفيته و حجيته ذاتية لا تحتاج الى جعل جاعل و لا فرق في ذلك بين ان يكون في مورده حجة أخرى أم لا مثل الاستصحاب و الامارة.

و تثبت بالبينة و هي العدلان الموثقان كما تثبت بهما الملكية و الزوجية و تعارض مع سائر الحجج.

انما الكلام في سندها بعد تسالم الفقهاء على ذلك و كونها من مسلمات الدين‌

____________

(1) بل الأقوى ثبوتها بالموثق الواحد في صورة عدم المعارض له مثل اليد و السوق و لا بدّ من التعدد في باب المرافعات.

215

و لإثباتها طرق: منها بناء العقلاء فإنهم في أحكامهم العرفية و الشرعية يكتفون بالخبر الموثق سواء كان في الموضوع أو الحكم و هذا البناء منهم إذا لم يردع عنه يكون صحيحا فأمضى الشارع بنائهم في الأحكام مطلقا بأدلة حجية خبر الواحد و اما في الموضوعات فلم يردعهم أيضا الا انه جعل له شرطين و هما العدالة و الاثنينية بخبر مسعدة بن صدقة فعلى هذا امضى الشارع بناء العقلاء.

لا يقال ان النسبة بين الخبر الواحد و البينة عموم من وجه فمورد الافتراق ان يكون خبرا واحدا موجبا للوثوق و البينة التي لا توجب الوثوق و مورد الاجتماع البينة مع الوثوق ففي صورة كون البينة غير ملازم مع الوثوق لا يكون هذا إمضاء لبناء العقلاء فإنهم لا يعتنون بخبر لم يوجب الوثوق فكيف يقال انها حجة من باب بناء العقلاء.

لأنا نقول بعد التسليم بانا نحتاج الى الردع و لا يكون ردع من الشارع فعدم الردع دليل للإمضاء و الشارع ضمّ ضميمة بالنسبة إلى الموضوعات فهذا الاشكال غير وارد لان العدلين يلازم قولهما مع الوثوق فان كل عاقل يفهم معنى العدالة إذا أخبره العدلان يحصل له الوثوق و إنكار هذا مكابرة ظاهرة فلا يكون للشرع بالنسبة إلى البينة قانون جديد و ادعاء بعضهم ان إثباتها لا يكون من جهة الخبر الواحد غير مرضيّ عندنا.

و منها الأولوية القطعية المستفادة من باب المحاكمات فان فيها روايات دالة على حجية شهادة العدلين حتى في صورة وجود الحجة مثل الاستصحاب و اليد ففيما نحن فيه الذي لا معارض له هي حجة بالأولوية.

و فيه ان هذا الدليل أخص من المدعى لانه يوجب حجيّة البينة في صورة عدم المعارض مع ان ما نحن فيه أيضا تارة يكون لها المعارض فيجب اقامة دليل للحجية مطلقا لأنها المدعى و لا يثبت بالقياس.

و منها الروايات الواردة لحجية البينة حتى في صورة وجود المعارض و هي كثيرة منها خبر مسعدة بن صدقة (في الوسائل كتاب التجارة باب 4 من أبواب‌

216

ما يكتسب به ح 4) عن على بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول كل شي‌ء لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب قد اشتريته و لعله سرقة و المملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك و الأشياء كلها عليهذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة.

و تقريب الاستدلال واضح و هو انه (عليه السلام) قال الأشياء كلها عليهذا و استثنى صورة وجود البينة و العلم و لكن المراد بها لا يكون معلوما لانه لم يبين وجوب كونها رجلين عدلين فنتمه بما وردت في باب المحاكمات و يبين المراد منها و لا يخفى ان حجيتها تكون حتى في صورة وجود الحجة في مقابلها لأن الأمثلة المنطبقة عليها الرواية يوجد لها حجة من السوق و اليد و الاستصحاب في الشك في الأختية إذا كان من نفسه و الفراش إذا كان الشك للغير.

و أشكل عليها أولا بأنها مختلّة النظام لان الصدر يدل على البراءة بقوله كل شي‌ء لك حلال حتى تعلم و الموارد المنطبقة من الأمثلة يكون له الدليل من اليد و الفراش و الأصل أصيل حيث لا دليل.

و أجاب المحقق الهمداني بما يظهر عجزه عن رد الاشكال فقال ان موضوع الأصل هو الشك و هو منحفظ حتى في صورة وجود الامارة فباعتبار انخفاظ الموضوع يمكن التطبيق و لو كان إثبات الحلية بطريق آخر.

و فيه ان الشك في مورد الدليل محكوم له و لو كان وجدانا موجودا و المحكوم منه كالعدم فليس هذا جوابا عن الاشكال.

و لكن الصحيح في الجواب ان نقول ان الصدر أنشأ به إنشاءات متعددة فكأنه قال (عليه السلام) كل شي‌ء لك حلال تارة بالأصل و تارة باليد و اخرى بالفراش الى ان يستبين أو تقوم به البينة و بعبارة واضحة نفهم من انحصار الناقض بالبيان و البينة ان الكبرى تكون في مقام بيان ما هو أوسع من أصل البراءة و الا فلا ينحصر نقض أصل البراءة باثنين‌

217

بل يسقط بالاستصحاب أيضا فالتطبيق و الغاية دليلان على سعة الإنشاء فيكون الحديث في غاية المتانة.

و أشكل ثانيا على فرض تسليم صحة النظام بأنها لا تدل على الموضوعات بل تكون في مقام بيان الحكم فكل شي‌ء لك حلال أي حكمه كذا حتى تعلم حكما آخر فلا يثبت ان البينة في الموضوعات مثل النجاسة حجة.

و فيه ان في الحديث شواهد على انه يكون في الشبهات الموضوعية الأول لفظة بعينه في قوله (عليه السلام) حتى تعلم انه حرام بعينه فإن الاحكام لا يكون له أعيان خارجية و تقسيماتها و الثاني مثال الامام (عليه السلام) بقوله و ذلك مثل الثوب إلخ فإنه و غيره يكون من الموضوعات و الثاني ذكر الغاية لهذه القاعدة و هي البينة فإنها لا تكون إلا في الموضوعات و الشاهد على هذا هو انها في باب المحاكمات وردت في الموضوعات و من هنا قد انقدح انه لا حاجة لنا بما تكلف به بعض الاعلام بقوله ان الشك في الحلية و الحرمة لا فرق بين ان يكون في الحكم مستقلا أو الحكم المستتبع للموضوع فان كل شبهة موضوعية ترجع الى شبهة حكمية و بعبارة أخرى نطاق الحديث و ان كان في الشبهة الحكمية و لكن في الموضوعات نفهم حجية القاعدة التزاما.

و أشكل ثالثا بأنه على فرض تسليم كونه في الموضوعات و الاحكام لا يكون متعرضا لجميع الشبهات بل الحلية و الحرمة، فما نحن فيه و هو الشك في النجاسة لا يثبت بهذا الحديث.

و فيه ان البينة إذا كانت احدى الطرق عند العقلاء و أمضاها الشارع لا يكون عندهم فرق بين موضوع دون موضوع و بين حكم دون حكم و إذا كان دليله أيضا ما ورد في باب المحاكمات فهناك أيضا يكون حجيتها عامة.

ثم انه قد أصلح هذا بعض الأعلام بأن الشك في سائر الموضوعات بالأخرة يرجع الى الحل و الحرمة و إذا لم يكن كذلك في مورد من الموارد نتممه بعدم القول بالفصل فيندفع الإشكال.

218

فإن قلت سند الحديث أيضا ضعيف فلا يمكن التمسك به من رأس قلنا انه منجبر بعمل المشهور به لان كل من كان بصدد إثبات حجية البينة تمسك بهذه الرواية.

فإن قلت ان الحديث لو كان مفاده التأسيس يمكن ان نقول انه كان سند المشهور و اما إذا لم يكن كذلك بل تثبت حجيتها من بناء العقلاء فلا يمكن انجبار الضعف بعملهم قلنا انه تأسيس من جهة و إمضاء من جهة أخرى فإن أصل البينة و ان كان عند العقلاء موجبا لوثوقهم و لكن لا يشترطون العدالة و الاثنينية و هذا الشرط أسّسه الحديث و هذا القدر منه يكفى و لما لا يكون البينة عنوانها في العرف يجب ان يؤخذ معناها من لسان الشارع في سائر الموارد و هو باب المحاكمات فان فيه يستبين معناها بأنها يجب ان تكون عادلة مع التعدد.

و من الروايات رواية عبد اللّه بن سليمان عن الصادق (عليه السلام) في الجبن كل شي‌ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أنه ميتة (باب 61 من الأطعمة المباحة ح 2) تقريب الاستدلال هو بيان الكبرى بقوله كل شي‌ء لك حلال مع جعل غايتها شهادة الشاهدين فإنه دليل على حجية البينة و هي شاهدان و تطبيق الكبرى يكون في الجبن.

و لا يخفى ان ذكر الشاهدين يكون المراد منه قاطع الأصل كناية يدا كان أو سوقا أو شاهدا و ذكره بخصوصه يكون لخصوصية في المورد و هو ان العلم الوجداني في مثل الجبن غالبا غير ممكن الا قليلا و اليد و السوق أيضا يكون فيه و لكن يكون الامام (عليه السلام) بصدد بيان انها في مورد المعارضة أيضا حجة فممنوعية العلم الوجداني و وجود المعارض في المقام صار سببا لخصوصية ذكر الشاهدين.

نعم لا يكون في الرواية ذكر من العدالة و لكن حصول الوثوق قطعي لان الرجلين اللذين يكونان من ذوي العقول إذا أخبرا بخبر يوجب خبرهما الوثوق للعاقل و لو لم يكونا عادلين و لكن لا نكتفي به بل نقول يفهم وجوب العدالة من باب المحاكمات‌

219

في ثبوت النجاسة بالعدل الواحد ثم انه قد حكم المصنف بان النجاسة تثبت بخبر عدل واحد على اشكال لا يترك فيه الاحتياط فنقول ما تقدم كان في صورة كون الإثبات بالشاهدين العدلين أما الإثبات بخبر عدل واحد فهل يمكن أم لا فيه خلاف و التحقيق إثباته بذلك في صورة عدم المعارض مثل اليد التي هي أمارة الملكية و الحاصل ان الخبر الواحد حجة مطلقا في الاحكام و البينة حجة مطلقا في الموضوعات و خبر العدل الواحد حجة إذا لم يكن في مقابلة معارض و الا فلا لان السند ان كان بناء العقلاء فإنهم لا يعتنون بخبر العدل في صورة وجود الحجة مثل اليد و السوق و ان كان الاخبار الواردة لحجية الخبر الواحد فاما ان تكون أيضا إمضاء لبنائهم فيكون مثل الأول كما هو التحقيق و الا فلا و ان كان السند الروايات الكثيرة في خصوص قبول خبر الثقة في الموضوعات مثل الأذان و استبراء المرأة فهو أيضا لا غبار عليه من جهة إثباته المطلوب.

لا يقال ان الروايات الخاصة اما ان تلقى خصوصية المورد فيها فتكون مثل العمومات أو لا تلقى فلا وقع لها في سائر الموارد. لأنا نقول انكم قد قبلتم ان العمومات لإثبات حجية الخبر الواحد تكون في الاحكام و هذا على فرض إلقائها تكون في الموضوعات و هذا فرق واضح.

و الحاصل إثبات النجاسة بخبر العدل فيه أقوال: الثبوت مطلقا و عدمه مطلقا و التفصيل بين ما إذا وجد المعارض فلا يثبت و الا فيثبت و هذا هو التحقيق في الموضوعات دون الاحكام.

و حاصل الدليل على ذلك هو ان حجية الخبر الواحد إذا كانت من جهة بناء العقلاء فإنه لا يفرقون بين الاحكام و الموضوعات و اما في الثاني فإذا كان لنا حجة معارضة فلا يعتنون به و إذا كانت الروايات أيضا فهو مثبت لها مطلقا لكن يعارضها خبر مسعدة بن صدقة و الدليل الثالث ما وردت في موارد متفرقة في خصوص قبول خبر العدل الواحد.

220

فمنها ما ورد (في الوسائل باب 47 من أبواب النجاسات ح 1) عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سئلته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلى قال لا يؤذنه حتى ينصرف.

و تقريب الاستدلال هو انه يفهم من ذلك انه إذا أخبره بالنجاسة يترتب عليه الأثر مع انه خبر عدل واحد.

و أشكل عليه بأنه يمكن ان يكون موجبا للعلم كما قال به في الجواهر و بأنه ربّما يراه إذا أخبره و يحصل العلم.

و فيه ان هذا احتمال محضا لأن الإطلاق الاحوالى لا يناسب الشخصية و يشمل حتى صورة عدم حصول العلم.

و منها ما (في الوسائل كتاب الصلاة باب 3 من أبواب الأذان ح 1) عن على (عليه السلام) قال المؤذن مؤتمن و الامام ضامن.

تقريب الاستدلال ان الوقت احدى الموضوعات فحكم بإثباته بأذان المؤذن مع انه واحد و القول بالاختصاص بالمورد فقط بعيد.

و منها (ما في الوسائل باب 7 من الوكالة ح 1) و فيها الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة.

تقريب الاستدلال بالحكم بالعزل إذا أخبر ثقة و صرف وجودها يكفى و لو كانت واحدة و يعارض مع استصحاب الوكالة و يقدّم.

و منها ما ورد في الوصية (كتاب الوصايا باب 97 باب ثبوت الوصية بخبر الثقة ح 1) عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن رجل كانت له عندي دنانير فكان مريضا فقال لي ان حدث بي حدث فأعط فلانا عشرين دينارا و أعط أخي بقية الدنانير فمات و لم اشهد موته فأتاني رجل صادق فقال لي انه أمرني أن أقول لك انظر الدنانير التي أمرتك ان تدفعها الى أخي فتصدق منها بعشرة دنانير و اقسمها في المسلمين و لم يعلم أخوه ان عندي شيئا فقال ارى ان تصدق منها بعشرة دنانير‌

221

تقريب الاستدلال هو انه (عليه السلام) حكم بتصدق عشرة دنانير مع انه قد أخبر بهذا رجل صادق و هو العدل الواحد فيعلم حجية قوله.

و منها ما ورد عن معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 4) في جرذ مات في الدهن ما تقول في بيع ذلك؟ فقال بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به.

فيعلم منه ان قول هذا الرجل كان موجبا للوثوق و يصح ان يعتمد عليه فلذا قال الامام (عليه السلام) بينه حتى يترتب عليه اثر الاستصباح.

و فيه ان هذا يثبت حجية خبر العدل الواحد ذي اليد و كلامنا في حجية خبر العدل مطلقا.

و الحاصل يثبت بهذه الاخبار مع كثرتها ان خبر العدل حجة و لكن يعارضه روايتان عن مسعدة بن صدقة و عن عبد اللّه بن سليمان فان قلنا بضعف السند كما قال به بعض المعاصرين فهو و اما على ما قلناه من انجبار الضعف بعمل المشهور فيجب ان يجاب عن إشكال المعارضة.

فنقول غاية ما يستفاد منهما ان البينة حجه في صورة وجود المعارض و اما إذا لم يكن المعارض في المبين فهي ساكتة عن وجوب كون الإثبات بالبينة أو بخبر العدل.

و اما الإشكال بأنه إذا كانت مختصة بصورة وجود المعارض ففي غير هذه الصورة يصير عنوانها لغوا فمدفوع بأنه يكفينا لعدم اللغوية صورة وجود المعارض و لا يوجب عدم الفرق بينها و بين خبر العدل في غير مورد المعارضة إسقاطها من رأس و لا يتوهم من قولنا انها حجة في صورة وجود المعارض انها ليست بحجة في صورة عدمه اعنى لا مفهوم لهذا الكلام حتى يشكل بأنه يوجب ان يكون في صورة عدمه أهون حالا من خبر العدل الواحد بل يثبت انها في هذه الصورة نحتاج الى هذا العنوان اما في غيره فلا نحتاج فإذا وجدت لا تكون أهون حالا من خبر العدل (1)

____________

(1) أقول ان رواية مسعدة بن صدقة في إثباتها حجية قول العدلين واضحة و لكن الكلام في خبر العدل الواحد و لا شبهة في ان السيرة على ترتيب آثار خير العدل الواحد فيما لا يكون فيه المعارضة بيد أو سوق و غيره و يكون عليه بناء العقلاء و اما المستفاد من الرواية فيمكن ان يقال بان قوله (عليه السلام) حتى يستبين يكون المراد منه الاطمئنان الذي هو البيان العادي و يسمى بالعلم العادي و هو يحصل غالبا بواسطة اخبار الثقة و لذا يتبعه العقلاء.

و اما في صورة عدم حصول الاطمئنان فالبينة مما لا محيص عن قبولها في نظر الشارع و هو ان يكون غالبا في صورة وجود ما يعارض البينة فإنه لا يحصل الاطمئنان غالبا إلا بواسطة العدلين أو الثقتين و لو لم يحصل أيضا يكون حجة تعبدية و الروايات الخاصة في الموارد أيضا يكون في صورة عدم المعارض مثل اليد أو كونه موافقا لقول الواحد مثل الرواية التي مرت في المتن في التصدق بالدنانير فالحق في صورة عدم المعارض هو قبول قول الواحد في أمثال المقام مطلقا عدلا كان أو ثقة و اما في باب المحاكمات و حقوق الناس فسيأتي في محله إنشاء اللّه تعالى.

و لنا ان نقول كما عن بعض اعلام العصر ان البينة حجة مطلقا و ان لم يحصل منها الاطمئنان للشخص و ليس في مفهومها التعدد و العدالة.

222

في ثبوت النجاسة بمطلق الظن و عدمه ثم ان النجاسة بعد إثبات انها تثبت بالبينة هل تثبت بالظن المطلق أم لا فيه خلاف (1) المشهور عدم الإثبات و سندهم على ذلك هو ان الأصل عدم حجية ما لم يقم دليل عليه فالظن الغير المعتبر لم يقم عليه دليل فلا تثبت متعلقة.

و اما غير المشهور فقالوا بحجية الظن المطلق مطلقا حتى في غير النجاسات تارة كما يرى من بعضهم و حجيته مطلقا بالنسبة إلى النجاسات فقط كما عن آخرين كما هو مورد النزاع في المسألة فالقائلين بالأول استدلوا بأمور:

____________

(1) و اما الظن الخاص كما مر في ثبوت النجاسة بخبر العدل الواحد فهو لا اشكال فيه.

223

الأول ان الظن بالموضوع لا ينقص عن الظن بالحكم لانه مستتبع للظن به فإذا كان الظن حجة في الأحكام فلم لا يكون حجة في الموضوعات و منها النجاسات و القواعد الكلية التي دلت على طهارة الأشياء مثل قوله (عليه السلام) كل شي‌ء نظيف حتى تعلم انه قذر يكون العلم الذي جعل غاية بمعنى الظن.

و فيه ان المراد بالظن ان كان الانسدادى منه ففيه إشكالان و هو عدم ثبوت الانسداد لأن الأدلة الخاصة تكفي و على فرضه لا يكون في الموضوعات لان طريق الفحص فيها و العلم بها لا ينسد غالبا.

و الثاني انه إذا دار الأمر بين الظن و الوهم فالعمل بالأول أولى عند العقل من العمل بالثاني فالظن بالنجاسة يوجب متابعته بحكم العقل.

و فيه ان الظن إذا قام عليه دليل من الأدلة فالعمل عليه لا اشكال فيه و اما ما ليس له دليل فلا يكون اولى من الوهم بل إذا قام الدليل عليه كان أولى من الظن و في موارد وجود الدليل لا يتبع الظن و لو كان أصل مثل الاستصحاب فإنه إذا كان للشي‌ء حالة سابقه و هي الطهارة فاستصحاب الطهارة قاض بالطهارة و لو كان فيه الظن بالنجاسة على ان الوهم في غير المقام قام الدليل على اعتباره فان القواعد الكلية المستفادة من الروايات دليل عليه مثل قوله (عليه السلام) كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر.

و الثالث الروايات الخاصة الدالة على متابعة الظن: منها ما عن على بن جعفر (في الوسائل باب 5 من أبواب النجاسات ح 1) عن أخيه موسى بن جعفر قال سئلته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدرى لمن كان هل تصلح الصلاة فيه قال ان كان اشتراه من مسلم فليصل فيه و ان اشترى من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله.

و تقريب الاستدلال هو ان نقول لا وجه للأمر بالغسل في صورة اشترائه من نصراني الا لحجية الظن بالنجاسة لأنه يمكن ان يلمسه بالرطوبة فتصير هذه الرواية حاكمة على العمومات الدالة على ان الأشياء طاهرة الا ان يعلم النجاسة.

224

و فيه أولا ان الاشتراء من النصراني لا يلازم الظن غالبا فدعواه ممنوعة و ثانيا انها معارضة بروايات.

فمنها رواية عبد اللّه بن سنان (باب 74 من أبواب النجاسات ح 1) قال سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و انا حاضر انى أعير ثوبي و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده علىّ فاغسله قبل ان أصلي فيه فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه فلا بأس.

و تقريب الاستدلال هو ان نقول حكم الامام (عليه السلام) بعدم لزوم الغسل مع الظن غالبا بان شارب الخمر يكون نجسا لا يكون الا من جهة طرد الظن و سند هذه الرواية أصح من سابقها و لا فرق من جهة ان هذا الظن يكون في مقابله الاستصحاب بقوله أعرته و هو طاهر و الظن في الرواية السابقة لا يكون كذلك (1).

و منها رواية ابى على البزّاز (باب 73 من أبواب النجاسات ح 5) عن أبيه قال سئلت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن الثوب يعمله أهل الكتاب أصلي فيه قبل ان يغسل قال لا بأس و ان يغسل أحب الى.

تقريب الاستدلال ان هذه الرواية تكون شاهد جمع بين ما دل على عدم الاعتماد بالظن و الاعتماد عليه بحملها على الاستحباب لانه (عليه السلام) بعد حكمه بعدم البأس جعل الغسل أحب و هذا يكون لظن النجاسة و الاحتياط في كل حال حسن و منها ما روى من حكاية السجاد ع (في باب 61 من النجاسات ح 3) فإنه اجتنب عما هو تحت الفر و الذي كان من عراق و كان محكوما بنجاسته عند الصلاة فلا يكون هذا الا للظن بان ما تحت الفرو لعله صار نجسا فالظن المطلق بالنجاسة يكفي للحكم به.

و فيه ان عمل الامام (عليهما السلام) كقوله فإنه على الفرض اجتنابه (عليه السلام) عمّا تحت الفرو لا يكون لوجوبه بل للاستحباب و لا يكشف عن اللزوم.

____________

(1) بل الفرق واضح فان الظن الاستصحابى حجة دون غيره.

225

فتحصل من جميع ما ذكر انه لا دليل لنا على حجية الظن المطلق في النجاسات و غيرها فلنا في صورة عدم دليل معتبر عمومات الطهارة مثل كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر و غيره.

في اخبار ذي اليد بالنجاسة و تعارضها مع البينة و تعارض البينات

[مسألة 7- إذا أخبر ذو اليد بنجاسة و قامت البينة على الطهارة]

مسألة 7- إذا أخبر ذو اليد بنجاسة و قامت البينة على الطهارة قدمت البينة (1) و إذا تعارض البينتان تساقطتا إذا كانت بينة الطهارة (2) مستندة الى العلم و ان كانت مستندة الى الأصل تقدم بينة النجاسة.

اعلم انه قد تعرض المصنف قده في هذه المسألة لفرعين: الأول فيما إذا تعارضت البينة و اليد و الثاني فيما إذا تعارضت البينتان:

اما الأول فاما ان يذكر فيهما السند أولا و على الثاني فاتفاق الكلمة على الحمل على العلم الوجداني و يعامل معاملته و لكن الكلام في ان البينة لماذا تقدم على اليد كما ذكره المصنف (قده).

فنقول ان البينة اما ان تكون حجة من باب أنها شأن من شئون الخبر الواحد أو من باب بناء العقلاء أو اخبار خاصة في موارد متعددة في الموضوعات مثل أذان الثقة و غيره و كذلك اليد اما أن تكون حجة من باب بناء العقلاء أو اخبار خاصة في موردها.

____________

(1) إذا كان مستنده العلم و اما إذا كان الأصل فيقدم قول ذي اليد كما في اخبار الخادم بنجاسة ما كان طاهرا للسيرة و بناء المتشرعة عليهذا.

(2) و كذلك لو فرضنا المسألة بالعكس اى كانت بينة النجاسة مستندة الى الأصل و بينة الطهارة مستندة الى العلم فيقدم بينة الطهارة و الدليل عليه ان غاية لا تنقض العلم، و البينة علم و أصل الاستصحاب يثبت بالبينة.

226

فإذا عرفت ذلك فقد أشكل في المقام على القول بالتقدم بأن بناء العقلاء إذا كان سند حجية البينة فهو لا يكون في صورة المعارضة مع اليد و هكذا الأولوية المأخوذة من باب المحاكمات كانت في صورة عدم التعارض و كذلك الاخبار في موارد خاصة فلا وجه للقول بالتقديم.

و فيه ان هذا الإشكال بالأخرة يرجع الى قصور الدليل و مثل السيد (قده) يقول ان اليد أيضا حجة في صورة عدم المعارض فعلى فرض قصور الدليل يجب الرجوع الى قواعد ممهدة في المقام.

و اما نحن فنقول جوابا عن الإشكال بأن تعارض البينة و اليد يكون من باب تعارض الامارة مع الأصل و السيرة عامة تشمل حتى صورة ما كان المعارض كذلك لان الاعتبار بقول ذي اليد لا يكون (1) من جهة الوثوق به حتى نقول العقلاء يتوقفون في صورة كونه معارضا بل هو من جهة السلطة و لو لم يكن موثقا فلا يكون لها كاشفية عن الواقع أصلا فيكون مثل الأصول التعبدية بخلاف الامارة فإنها حجة لأنها لها نحو كاشفية عنه.

نعم ان قيل ان السلطة توجب الوثوق فيشكل التقديم بهذا الدليل و لكن التقديم يكون من جهة أخرى و هي ان نقول إذا كان أخبار ذي اليد موجبا للوثوق فيكون مثل الخبر الواحد و رواية مسعدة بن صدقة أسقطت كل خبر واحد في الموضوعات فإنها دلت على أن الاثنينية (2) شرط في الموضوعات و في صورة المعارضة سلمناه و لكن في صورة عدم التعارض قلنا ان الخبر العدل الواحد أيضا يكفي فلو كان ذو اليد قوله‌

____________

(1) أقول انه لا يخفى وجود نحو كاشفية لها حيث ان من كان الشي‌ء بيده يكون أخبر بما وقع عليه و في كثير من الموارد يحصل الوثوق أيضا حيث لا داعي على الكذب و لو لم يكن المخبر عادلا و لكن كاشفية البينة أقوى.

(2) أقول الحق انه لا دلالة لها على الاثنينية لعدم كونها في مفهوم البينة فإن معناها الحجة.

227

حجة من جهة كونه ذا اليد لا إشكال في تقدم البينة عليها و كذلك في صورة كونه موثقا فاما ان نتمسك بتقديم الامارة على الأصل أو بتقديم البينة برواية مسعدة بن صدقة التي قد مرت.

و على الأول و هو صورة ذكر السند ففي صورة كون البينة عن علم وجداني تقدم انما الكلام في صورة كونه امارة أو أصلا من الأصول المحرزة مثل الاستصحاب أو غيرها مثل قاعدة الطهارة أو ما هو بين المحرز و غيره مثل أصالة الصحة و الفراش لأن أمثال هذه يكون له جهة كشف أيضا و لكن لم يتوجه إليها.

و كيفما كان نذكر مقدمتين اختصارا ليتضح المرام و ان كان هذا له بحث طويل في موضعه: الاولى و هي ان الشهادة بغير العلم الوجداني صحيح أم لا؟ و الثانية بيان حكم صورة التعارض.

اما الاولى فلا شبهة و لا ريب في ان الشهادة بغير العلم الوجداني مقبولة لأن الدليل الدال على قبول الشهادة و ان كان ظاهره الشهادة عن العلم لما ورد عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و قد سئل عن الشهادة هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع (في الوسائل باب 20 من كتاب الشهادات ح: 3).

و هذا صريح بأن القطع و العلم في الشهادة لازم و لكن الامارات و الأصول المحرزة تقوم مقام العلم بدليل اعتبارها بلا تأويل و تأمل و لا نحتاج الى ما ذهب اليه بعضهم بأن المراد من العلم هو الأعم من الوجداني و ما قام الدليل عليه.

و أيضا لنا روايات دالة على ان الشهادة مستندة الى الفراش و الاستصحاب و الامارة صحيحة و هذا لا اشكال فيه انما الكلام في ان الأصول التي تكون بين المحرز و غيره مثل أصالة الصحة هل يمكن ان تكون سند الشهادة أم لا فنقول فيها أيضا قام الدليل الخاص على اعتبارها و اما الأصول الغير المحرزة فلا يمكن ان تكون سند الشهادة.

و أما الثانية و هو محاسبة صورة التعارض فنقول اما ان يذكر الشاهد سند شهادته‌

228

أو لا فان لم يذكر يعامل معه معاملة العلم الوجداني كما في باب القضاء و الشهادات لإطلاق الدليل و لا بحث لنا فيه و اما ان ذكر السند كما نحن فيه فاما ان يكون الاستصحاب فيجب ان ننظر الحالة السابقة فإن كان ادعائهما معا ان هذا في الأمس كان نجسا أو كان طاهرا و كل يستصحب ما ظهر عنده فهذه صورة التعارض و اما ان كان ادعاء أحدهما انه طاهر في الأمس و ادعاء الأخر انه صار نجسا في الصبح و يستصحب الى العصر فلا معارضة بينهما.

إذا عرفت ذلك فان ذكر الشاهد السند مثل الاستصحاب و لم يذكر الآخر اعنى ذا اليد سنده فنقول يقدم اليد على البينة إذا كانت اليد امارة و اما على فرض كونها أصلا فيتعارضان و يتساقطان.

الفرع الثاني يكون في صورة تعارض البينتين و في هذا أيضا صور:

الأولى صورة عدم ذكر السند فلا إشكال في أنه اما ان يكون علما وجدانيا أو ملحقا به فيتعارضان و يتساقطان.

و التحقيق ان الأصل في الأمارات التكاذب في صورة المعارضة فإن المدلول المطابقي و الالتزامي في كل منهما ينفى الأخر مثلا إذا دل الدليل مثل البينة على حرمة شي‌ء فمدلوله المطابقي ان هذا حرام و مدلوله الالتزامي هو ان قول القائل بالوجوب كاذب و كذا العكس إذا قامت البينة على الوجوب و لعله لهذا قيل في فتوى المجتهدين بالتخيير في صورة التعارض لأنها من الامارات.

فتحصل من جميع ما ذكر انه في صورة عدم ذكر المستند لما يكون جميع المستندات في حكم العلم الوجداني فيحصل التعارض و لازمه التساقط، و التخيير الذي يكون في صورة تعارض الخبرين في الاحكام لا يجي‌ء هنا.

الثانية صورة ذكر السند فلا يخلو اما ان يكون كلاهما الأصل مثل الاستصحاب فلا محالة يرجع الى مبدئهما و ينجرّ إلى الان بالاستصحاب فينتج أيضا التعارض و التكاذب و التساقط و اما ان يكون أحدهما العلم و الأخر الأصل فيقدم العلم على الأصل‌

229

فتحصل انه في صورة عدم ذكر السند و صورة كونه أصلا في كلا الطرفين فالتعارض يوجب التساقط في الطهارة و النجاسة و في صورة كون سند أحد الطرفين العلم و الأخر الأصل يقدم العلم، كان العلم بالنجاسة أو بالطهارة فلا فرق بينهما و مما ذكرنا يظهر قصور عبارة المصنف (قده) حيث فرّق بقوله إذا كان بينة الطهارة مستندة الى العلم و إذا كانت مستندة الى الأصل تقدم بينة النجاسة (1) و لا فرق أيضا في الطهارة و النجاسة بأن يكون الطهارة هي عدم النجاسة أو كان كلتاهما أمرين وجوديين.

[مسألة 8- إذا شهد اثنان بأحد الأمرين و شهد أربعة بالاخر]

مسألة 8- إذا شهد اثنان بأحد الأمرين و شهد أربعة بالاخر يمكن بل لا يبعد تساقط الاثنين بالاثنين و بقاء الآخرين.

____________

(1) أقول انه قد قيل لا صلاح عبارة المصنف بان البينة على الطهارة اما يكون مستنده العلم الوجداني أو الاستصحاب و كلاهما يقدم على دليل النجاسة إذا كان غير العلم أو غير الاستصحاب و اما إذا كان دليل النجاسة الاستصحاب و دليل الطهارة قاعدة الطهارة فلا تقدم على الاستصحاب فمراد المصنف بالأصل في الطهارة يكون قاعدة الطهارة و فرقه يكون من جهة انه لا يكون لنا في النجاسة قاعدة النجاسة حتى تحاسب مع الاستصحاب و يقال بأنها لا تقدم.

و لكن هذا بشرط ان يكون قاعدة الطهارة مما يمكن ان يكون سندا للشهادة و قال شيخنا مد ظله لا يكون كذلك اى لا يصح الشهادة بقاعدة الطهارة لكن يمكن ان يقال بأنه إذا ذكر مستند الشهادة لا دليل لنا على عدم جواز الاخبار كذلك فكأنه أخبر بما يفهمه فيقدم بينة النجاسة عليه من باب تقديم البينة على القاعدة أو نقول ان المراد بالأصل هو الاستصحاب و هو لو كان مستند النجاسة العلم الوجداني يحتمل محكوميته خصوصا في صورة إخبار المستصحب انه كان كذا في الصبح و اخبار الآخر بأنه صار كذا بعده و هذا في الواقع لا يكون من التعارض و حيث ان الأستاد مد ظله سلّم انه إذا كان السند العلم يكون المقدم ما يكون سنده كذلك فإصلاح العبارة بأن يقال حيث كان البحث هنا في إثبات النجاسة تعرض له و في جانب الطهارة أيضا كذلك لكن يكون منوطا بفصل إثبات الطهارة بالبينة و كيف كان فلا يكون على المصنف كثير إشكال.

230

اعلم ان هذه المسألة من عجائب فتاوى المصنف قده و يقرر الشهادة التي تعرض لها على أنحاء ثلاثة:

الأول ان يكون الشهادة من الشاهدين في وقت واحد و شهادة اثنين من الأربعة في وقت آخر مثل ان يشهد في الصبح على النجاسة و تعارضه في الصبح أيضا بينة الطهارة ثم يشهد على النجاسة مثلا شاهدان في العصر.

الثاني ان تكون الأربعة و الاثنان في آن واحد و هذا نادر و الثالث ان يكون قيام البينات في وقت واحد و لكن بالتدريج بحيث وقع الشهادة في ساعة مثلا بأن يحضروا على التعاقب و يشهد كل على أمر.

إذا عرفت ذلك فإن الاعلام قبلوا الصورة الاولى و حملوا كلام المصنف عليها اعنى يتهاتر شاهدان بشاهدين و يبقى للطرف الأخر حجة أخرى و هي الشاهدان الباقيان و استشكلوا في الصورة الأخيرة و هي صورة التدريج و قالوا بأن الأربعة حجة واحدة و اثنان أيضا كذلك فتتهاتر حجة بحجة و البينة يعتبر فيها الاثنينية في الطرف الأقل اعنى تكون بشرط شي‌ء في طرفه و اما بالنسبة إلى الأكثر تكون من اللابشرط اى يمكنه ان تكون أزيد من اثنين.

و فيه ان اختلاف الزمان إذا كان مؤثرا لا فرق بين قليله و كثيره فإنهم في الصورة الأولى كيف يحكمون بان الزمان دخيل فصورة التدريج أيضا كذلك الا ان زمانه أقل من الأخر و لكن ان شهد اثنان بعد شهادة الأربعة على احد الطرفين يمكن ان يقال الاثنان يسقطان الأربعة و اما ان شهد اثنان أولا على أمر ثم شهد أربعة بالتدريج فيمكن ان يقال إذا حصلت بالتدريج شهادة اثنين من الأربعة يتهاتر مع الاثنين ثم يقيم الشهادة على الطرف الأخر.

نعم إشكالهم في الصورة الثانية واردة أعني إذا كانا في آن واحد أو نقول بأن العرف يحكم في الصورة الأولى بالفرق مع الأخيرة و لكن هذا غير منوط بنظيره هذا في صورة القول بالتهاتر و اما مع قطع النظر عنه فيمكن ان تكون الأكثرية ملاك الترجيح للسيد لا من جهة ان يكون المستند أدلة ترجيح أشهر الخبرين على الأخر‌

231

كما في باب التعادل و التراجيح بل من جهة الاستفادة من أدلة البينات في باب القضاء و الشهادات لان روايات العلاج يمكن ان يدعى حصرها في صورة كون التعارض في خبرين لإثبات حكم كلى لا في الموضوعات فيصير حاصل دليل الترجيح ما استفادوا من الرواية في باب القضاء ادعاء بان الامام (عليه السلام) قدم في موضوع من الموضوعات ما كان أكثر بينة فإذا قدم في باب القضاء فهنا بطريق أولى أو ان يقال هذا أيضا مثله.

فنقول ما يمكن ان يكون سندا روايتان الاولى (ما في الوسائل باب 12 من أبواب كيفية الحكم ح 1) عن ابى بصير قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي القوم فيدعى دارا في أيديهم و يقيم البينة و يقيم الذي في يده البينة أنه ورثها عن أبيه و لا يدرى كيف كان أمرها قال أكثرهم بينة يستحلف و تدفع اليه الحديث.

و تقريب الاستدلال هو ان الامام (عليه السلام) حكم بأن أكثرهم بينة يستحلف فجعل الحق للأكثر للاكثرية غاية الأمر لما يكون المقام مقام المحاكمات أضاف الحلف أيضا و أما ما نحن فيه فلا نحتاج الى الحلف.

و الثانية ما (في باب 12 من كيفية الحكم ح 5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال كان على (عليه السلام) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء و عددهم، أقرع بينهم على أيّهما تصير اليمين الحديث.

تقريب الاستدلال هو انه (عليه السلام) حكم في صورة التساوي بالقرعة مع اليمين على من خرجت القرعة باسمه اما صورة عدم التساوي فلا يحتاج إلى القرعة بل إذا كان احدى البينتين أكثر تقدم بالحلف فيصير مفاده مفاد الرواية السابقة.

و لكن التحقيق عدم دلالة ما ادعوه من الروايتين على المدعى لان الرواية الأولى ظاهرة في ان الحلف مقدم و مرجح في مورد العدد الأكثر (1) و لا نفهم منها ان‌

____________

(1) أقول انه لا يكون هذا في المورد و لم يكن السؤال عنه في الرواية عن السائل بل الامام (عليه السلام) جعل مناط التقديم الأكثرية مع الحلف و هذا ظاهر لا ريب فيه انما الكلام في إسقاط اعتبار الحلف في المقام و المسألة لم تتضح لنا إلى الإن و أمرها مشكل.

232

الحلف إذا لم يكن الاحتياج إليه في المقام أيضا يقدم الأكثر و هكذا الرواية الثانية لا يستفاد منها انه مع عدم التساوي لا يحتاج إلى القرعة و الحلف بل يقدم الأكثر.

و الحاصل انه لا نطاق لهاتين الروايتين لما ادعى فما ذكره المصنف من التهاتر و هذا كلاهما مشكل اما الثاني فقد عرفت و اما الأول فلان الأصل الاولى في صورة التعارض التكاذب حتى في الروايات و لكن قام الدليل التعبدي على تقديم أشهرها في مورد الخبرين و نقتصر عليه.

في ان الكرية تثبت باليد أم لا

[مسألة 9 الكرية تثبت بالعلم و بالبينة]

مسألة 9 الكرية تثبت بالعلم و بالبينة و في ثبوتها بقول صاحب اليد وجه و ان كان لا يخلو عن (1) اشكال كما ان في (2) اخبار العدل الواحد اشكالا.

اعلم انه لا شبهة و لا ريب في ان البينة تثبت بها الكرية كما تثبت بها النجاسة فإنه إذا تعدّينا عن موردها و هو باب المرافعات و شملت صورة كون الادعاء إثبات نجاسة شي‌ء شملت كل مورد و لا اختصاص لها بمورد دون مورد.

و لا إشكال أيضا في انها تثبت بالعلم لانه عين الكشف إنما الإشكال في ان الكرية هل تثبت باليد أم لا.

و العجب من المصنف (قده) فإنه مع حكمه بأن النجاسة تثبت بقول ذي اليد و لو لم يوجب الوثوق قد أشكل هنا و لكن ما هو التحقيق عندنا ثبوتها بقول ذي اليد مثل النجاسات.

____________

(1) لا اشكال فيه لان اليد أمارة عرفية عقلائية و إمضاء أماريتها في غير المقام يكفى له.

(2) مر عدم الاشكال فيه أيضا في صورة عدم المعارض له و الاحتياط حسن

233

و سند الاختلاف هو الاختلاف في المبنى فإنهم في إثبات الطهارة و النجاسة بنوا على ان قول ذي اليد مقبول و دليلهم كان سيرة المتشرعة من زمن المعصوم (عليه السلام) الى هذا الزمان فادعوا ان هذه السيرة لا تكون في الكر دونها و اما نحن فنقول ان قول ذي اليد حجة من باب بناء العقلاء فإنهم بنوا على ان صاحب البيت ادرى بما في البيت و القول بان كل من ملك شيئا ملك الإقرار به يكون اصطيادا من هذا البناء و لا يراعون في ذلك موثقية المخبر و عدمها فإذا كان كذلك فلا فرق في هذا البناء بين الكرية بين و الطهارة و النجاسة.

هذا على فرض اختلاف المبنى و اما على فرض التسليم لمبناهم أيضا فلا نسلم ذلك فان ادعاء ان الكر و الاخبار به لم يكن في زمنهم (عليهم السلام) بخلافهما ممنوع جدا لأنا إذا تفحصنا اخبار باب الكر نحو الاختلاف في ان الكر يكون برطل المدينة أو العراق أو مكة و السؤال عن مقداره كان دارجا بينهم في زمنهم (عليهم السلام) و لا يمكن ان نقول الكر يكون من العناوين المستحدثة بعد الشارع و الأئمة (عليهم السلام) فعلى هذا ندعى وجود سيرة المتشرعة أيضا في الكر.

بقي في المقام شي‌ء و هو إثبات عدم الردع عن السيرة و الكلام في الارتكازي منها: اما الثاني فتقريره ان يقال ان الكرية و الاخبار بها و لو لم تكن في زمنهم على الفرض و لكن تكون في مرتكز أذهان المتشرعة و انهم لو سئلوا عن ذلك و كان هذا أيضا دارجا فيجيبهم المعصومون (عليهم السلام) بمثل الجواب عن الطهارة و النجاسة و لا يردعون عن ذلك.

فنقول ان السيرة و لو لم تكن حجة ما دام لم تكن عملية و لكن الارتكاز يوجب ان يردع عنه الامام (عليه السلام) الخبير بأحوال الناس لو ثبت لها ذلك من باب اللطف حتى لا يقع الناس في المهلكة من حيث لم يشعروا فالسيرة الارتكازية أيضا يمكن ان تكون دليلا على قبول قول ذي اليد في الكرية و لكن نحن لا نحتاج الى ذلك لما مرّ من ان السيرة عقلائية.

234

و اما الأول و هو إثبات عدم الردع فنقول ما يتوهم ان يكون رادعا عنها هو رواية مسعدة بن صدقة التي مرت في حجية قول البينة فإنه شرط فيها ان يكون المخبر في الموضوعات عدلين و لكن أجبنا عنه فيما سبق بان الحصر لا يكون حقيقيا في الرواية بقوله الأشياء كلها على ذلك حتى يستبين أو تقوم به البينة لأن قاطع ما سبق من اليد و السوق و الفراش تارة يكون الاستصحاب و لم يذكره فحيث لم يعد جميع القواطع لا يكون الحصر حقيقيا حتى يصير ما نحن فيه خارجا أيضا، سلمنا و لكن البينة تكون حجة في الموضوعات لا غيرها في صورة وجود المعارض مثل اليد و السوق فإنها حاكمة عليها و يحفظ عنوانها بهذه الصورة سلمنا و لكن جعل القاطع في الرواية إما البينة أو الاستبانة و ما نحن فيه يمكن ان يكون داخلا تحت ما هو مستبين فتحصل من جميع ما ذكرناه ان بناء العقلاء على حجية قول ذي اليد تمام كبرويا و ينطبق صغرويا حتى على الاخبار بالكرية.

شرب ماء النجس حرام

[مسألة 10- يحرم شرب ماء النجس إلا في الضرورة]

مسألة 10- يحرم شرب ماء النجس إلا في الضرورة و يجوز سقيه للحيوانات بل و للأطفال (1) أيضا و يجوز بيعه مع الاعلام.

قد تعرض المصنف في هذه المسألة لأربعة مطالب: الأول عدم جواز شرب الماء النجس إجماعا و ضرورة و يدل عليه روايات عديدة في باب الأطعمة و الأشربة و هنا (في باب 13 من الماء المطلق باب عدم استعمال الماء النجس الا عند الضرورة ح 1) عن سعيد الأعرج انه سئل أبا عبد اللّه عن الجرة فيها أوقية من دم اشرب منه و أتوضأ قال لا. و تقريب الدلالة واضح و لزيادة التوضيح لا بد من مراجعة الاخبار في الأطعمة و الأشربة.

الثاني جواز الشرب عند الضرورة ضرورة و إجماعا و هكذا يجوز شرب عين‌

____________

(1) عدم الجواز لا يخلو من قوة.

235

النجس عندها الا ان تشخيص الموضوع مشكل.

الثالث جواز اشرابه بالحيوانات و السند عليه الروايات منها رواية أبي بصير و سيجي‌ء في البحث عنه (في باب 10 من الأشربة المحرمة ح 5).

ثم ان هذا لا غبار عليه الا ان الاشكال في انه هل يجوز ذلك في الأعيان النجسة أم لا لأن الأعيان النجسة ضارّة و التحقيق عدم الجواز لعموم دليل لا ضرر فإنه يشمل حتى الحيوانات (1) الرابع هل يجوز إشراب ماء النجس بالأطفال أم لا بنحو الصب في فمهم أولا قال السيد (قده) يجوز و اما الأعيان النجسة فحرام و التنجس على قسمين الأول ان يكون من جهة فم الطفل و الثاني ان يكون من خارجه و الكلام في الثاني و هو ذو قولين و يظهر من جملة من الاعلام الجواز و لكن التحقيق عدمه.

اما الدليل على عدم الجواز هو ان النواهي الواردة عن الشارع تكون من كواشف المفسدة في المتعلق بشهادة ان النهي في صورة كون الشي‌ء عينه نجسا مثل الميتة وارد بعدم جواز التسبيب بالأكل و الشرب للصبي.

و قد أشكل أولا بأن الخطابات تكون بالنسبة إلى المكلفين محققة و كاشفة عن المفسدة و اما بالنسبة إلى الأطفال فالشك يكون في الكاشف فلعلها تكون لغيره و ثانيا على فرض وجود المفسدة التي هي مناط النواهي أيضا لا نسلم عدم الجواز لان المفاسد على قسمين فمنها ما لا يرضى وقوعه في الخارج بأي نحو كان مثل شرب الخمر مثلا و منها ما لا يرضى وقوعه بالنسبة إلى فاعل خاص و لذا يفتون بالجواز فيما نحن فيه فإنهم لم يحرزوا كون المقام مما لا يرضى وقوعه على اى حال (2)

____________

(1) و فيه انه مكروه لما ورد في باب 10 من الأشربة المحرمة ح 4 و عموم القاعدة يكون مع فرض عدم النص بالخصوص.

(2) مسألة التسبيب غير هذه المسألة فإنه ربما لا يكون التسبيب صادقا و مع ذلك يكون العمل مما لا يرضى وقوعه في الخارج.

236

و لكن لا وجه للاشكالين اما الأول و هو عنوان طويل الذيل في الفقه و يترتب عليه فروع كثيرة فلان عدم القدرة على الامتثال لا يوجب عدم الأمر أو النهي فان الطفل حيث انه غير قادر على الامتثال لا يكون عليه النهي مثل سائر موارد عدم قدرة المكلف مثل وجوب إنقاذ الغريق مع عدم القدرة عليه.

و ثانيا (1) ان لنا الطريق لا ثبات الملاك حتى في الأطفال على منع الجواز لا بإطلاق المادة كما ذكره القوم لانه لا يكون مرضيا عندنا و لكن نقول كل الخطابات لها مدلول التزامي و مدلول مطابقي فإن الأول تابع ثبوتا و لكن غير تابع حجية فإذا سقط المدلول المطابقي عن الحجية يمكن بقاء المدلول الالتزامي.

فعلى هذا نقول ان الزجر عن إيجاد شي‌ء في الخارج يكشف عن البغض و هو على المفسدة فإذا سقطت الحجية بالنسبة الى غير المكلف لا يسقط مدلوله الالتزامي و هو الكشف عن المفسدة و بعبارة أخرى إذا خوطب بخطاب عام يشمل المكلف القادر و غيره الغير القادر مثل يا ايها الناس و يا أيها الإنسان فلا يكون الفعلية بالنسبة الى‌

____________

(1) أقول ان هذا ممنوع لتلازم الدلالة المطابقية و الالتزامية حدوثا و بقاء كما حررناه في الأصول و العمدة في ذلك التسبيب و هو يكون بالنسبة إلى المكلف لا بالنسبة إلى الطفل حتى يقال لا ملاك له فروايات عدم جواز التسبيب يكون لها إطلاق بالنسبة إلى الطفل و غيره مضافا بأن الولي أو من يحذو حذوه يجب عليه مراعاة مصلحة الطفل و اشرابه النجس يكون خلاف ذلك و سيأتي الكلام في التيمم أيضا في مسألة 22 و المصنف هناك أيضا قال بالجواز و لم يكن حاشية أكثر المحشين للعروة في عصرنا مخالفا له و بحمد اللّه قد وجدت حاشية جملة من الاعلام قبل هذا العصر مخالفا له فإن العلامة البروجردي (قده) قال عدم الجواز لا يخلو عن قوة و السيد الأصفهاني (قده) قال فيه اشكال و الحاج آقا حسين القمي (قده) قال لا يترك الاحتياط، فعدم الجواز لا يخلو عن قوة بعد ارتكاز العرف بان النجاسات مضرة و الأثر الوضعي كاف في عدم الجواز و ان لم يكن خطاب في البين.

237

غير القادر لان الشرط و هو القدرة مفقود و لكن المفسدة لا تنفى و لا تسقط بواسطة عدم قدرة غير القادر و ما نحن فيه أيضا كذلك فان الخطاب و ان لم يكن بالنسبة إلى الصبي ممكنا لانه غير القادر و فيه مانع من إفهامه الخطاب و لكن ثبوت المفسدة مسلم.

و الحاصل إذا صدر خطاب و زجر عن فعل نفهم بالملازمة وجود المفسدة مطلقا و لا يجوز إضرار الغير بإيقاعه فيها.

و اما الجواب عن الإشكال الثاني و هو قولهم ان المفاسد و ان كانت و لكن لها مراتب بحيث لا يرضى وقوع بعض في الخارج دون بعض آخر هو ان هذا مسلم الا انه إذا شككنا في واحد منها انها تكون مما لا يرضى وقوعه أو غيره فبالنسبة إلى النفس يمكنه جريان أصل البراءة و لكن بالنسبة إلى الغير فدليلها قاصرة عن الشمول.

نعم للولي ولاية على التصرف في الطفل و لا يجوز لأحد ان يتصرف في إنسان إلا الولي و لكن دليلها أيضا قاصرة عن شمول الولاية حتى في صورة احتمال الضرر لو لم نقل ان من شرطها مراعاة المصلحة فتحصل انه لا يجوز إشراب الطفل الماء النجس في صورة كون النجاسة عن الخارج.

اما إذا كانت من جهة فم الطفل فالظاهر هو الجواز لا من جهة دليل الولاية و لا لعدم المفسدة بل بالسيرة و هي مع دليل الولاية تصيران دليلين على الجواز فظهر سرّ تفصيل المصنف قده بين الموردين.

و من هنا ظهر عدم جواز إشراب نجس العين بالصبي لانه سمّ و إضرار به و لا تكون في ذلك سيرة يتمسك بها.

في اعلام من يشرب النجس و عدمه المطلب الثاني في انه هل يجب اعلام من يشرب النجس سهوا أم لا إذا كان من المكلفين.

المشهور عدم وجوبه و لكن عن بعض انه واجب و ما يتوهم كونه دليلا على‌

238

ذلك ثلاث: الأول شمول أدلة النهي عن المنكر للمورد لان العلم لا يدخل في كون المنكر منكرا فان جرم العمل هنا منكر يجب الاعلام حتى لا يقع في الحرام و لا يحصل منكر في الخارج.

و فيه ان الأدلة تشمل المنكر الفاعلي لا الفعلي فإن المقام لا يكون كذلك لعدم توجه الفاعل الى ذلك.

الثاني ان إرشاد الجاهل واجب و هو من ضروريات المذهب و من شئون الرسالة و المرسل و ما نحن فيه أيضا يكون من مصاديق الإرشاد.

و فيه ان وظيفة الرسل و المسلمين بعضهم بالنسبة الى بعض يكون فيما هو شأن المقنن فالارشاد في الأحكام واجب اما في الموضوعات فلا دليل لنا يدل عليه.

الثالث ان التسبيب بالدخول في المحرم حرام قطعا و ما نحن فيه يكون كذلك فإنه إذا لم يعلم الجاهل يشرب و يقع في الحرام و لا يكون وجود هذا الحرام الا من ترك الاعلام.

و فيه ان ترك الاعلام لا يكون غالبا سببا لانه يمكن ان يقع الحرام مع الاعلام أيضا إذا كان المخاطب ممن لا يبالي و يمكن ان يقال لا ربط لهذا الفعل بمن لا يقدم على الاعلام نعم إذا أعطينا أحدا طعاما نجسا أو ماء نجسا يمكن صدق التسبيب على ان التسبيب بكل محرم لا يكون محرما.

فتحصل انه لا وجه لما ذكر إلا إذا كان مما لا يرضى وقوعه في الخارج من مهام الأمور فإنه يجب الاعلام به و المنع من وقوعه على اى نحو كان.

الكلام في التسبيب الى الشرب المحرم المطلب الثالث هو ان التسبيب الى محرم حرام أم لا افتى المصنف و غيره بأنه حرام قطعا بلا اشكال و لكن إثبات ذلك فينا في غاية الإشكال الا ان يكون لنا إجماع أو يكون الأمر مما لم يرض الشارع وقوعه في الخارج على اى حال مثل شرب‌

239

الخمر و اما شرب الماء النجس الذي كان الكلام فيه فيحتمل ان يكون منه أو مما لا غرو في وقوعه.

و قد استدلوا عليه أولا بأن نفس الخطاب يشمل المباشر و غيره لقوة السبب على المباشر فمعنى لا تشرب من الثلاثي المجرد يكون لا تشرب من المزيد فيه من باب الافعال.

و فيه انه لا دليل على ما ذكروه لان الخطاب لا يشمل غير المخاطب و المثال بالموالي و العبيد غير وجيه إذا لم يكن قرينة في الخارج فإنه إذا قال المولى لعبده لا تدخل على زيد لا يفهم منه عدم دخول عمرو إلا إذا كانت قرينة في الخارج تكون دالة على عدم رضاء المولى حضور احد عنده و هو مما نحن نسلمه أيضا.

و ثانيا بالروايات الواردة في باب البيع: فمنها ما (في باب 6 من أبواب ما يكتسب به باب جواز بيع الزيت و السمن النجسين للاستصباح بهما مع إعلام المشتري ح 3) عن ابى بصير قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفارة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه فقال ان كان جامدا فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي و ان كان ذائبا فأسرج به و أعلمهم إذا بعته.

و منها ما (في الباب المتقدم ح 4) عن معاوية بن وهب عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك فقال بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به و منها ما (في الباب ح 5) عن إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سأله سعيد الأعرج السمان و انا حاضر عن الزيت و السمن و العسل تقع فيه الفارة فتموت كيف يصنع به قال اما الزيت فلا تبعه الا لمن تبين له فيبتاع للسراج و اما الأكل، فلا اما السمن فان كان ذائبا فهو كذلك الحديث.

و تقريب الاستدلال في كل هذه واضح لان بيع الثمن و الزيت مع الاعلام و البيان صحيح و فهموا منها انه لا يكون الا لدفع وقوع الغير في المفسدة و عدم جواز التسبيب على الحرام.

240

و اما نحن فنذكر احتمالات الروايات حتى يظهر ان اى احتمال منها يمكن ان يفيد لهم و نجيب عنه فنقول ان الأمر بالإعلام و البيان له احتمالات.

الأول ان يكون تعبديا اى الاعلام واجب و لو ترك عصى تاركه و لكن لا ربط له بالصحة و الفساد في البيع و لا فرق بين البيع و سائر المعاملات من جهة إلزام هذا النحو من الأوامر فيها.

الثاني ان يكون وجوب الاعلام وجوبا شرطيا: بيان ذلك ان جميع المعاملات يتم إذا كان في المبيع و العوض منفعة محللة لأنه إذا لم يكن كذلك يصير الثمن سحتا و أكلا للمال بالباطل فهنا ان المشتري ينصرف بواسطة الاعلام عن سائر الاستعمالات الغير المحللة غير الاستصباح فكأنه شرط في البيع شرطا يوجب عدم كون الثمن سحتا بلحاظ هذا.

و فيه ان الثمن لا يكون بإزاء المنفعة بل يقع بإزاء المال لا بإزاء المالية نعم المالية لا تتحقق إلا إذا كان للعين منفعة محللة و الحاصل لا نحتاج الى الشرط و الثمن يقع بإزاء المال و له منفعة محللة واقعا و هذان الاحتمالان لا ربط لهما بالمقام.

الاحتمال الثالث ان يكون المراد بوجوب الاعلام نفى التسبيب على الوقوع في المحرم و يكون البيع احد مصاديقه و لا يكون معنى وجوبه الا المنع عن الوقوع في سائر المنافع غير الاستصباح الذي يكون حراما.

و فيه أولا ان المشتري ان استعمل الزيت أو السمن في غير الاستصباح لا يكون من سببية البائع له بل من جهة قاعدة الطهارة و ثانيا ان احد الاستعمالات هو الشرب و هو لا ينتفي بالإعلام بل هو سبب لان يعلم، فإنه إذا علم تارة يترك و تارة لا يترك فالاعلام لا يصير سببا للمنع عنه و لا دليل لنا على وجوب هذا النحو من الأسباب.

فتحصل انه لا دليل لما ذكروه من وجوب الاعلام و عدم التسبيب إلا الإجماع و يجوز البيع مع الإعلام اما مع عدمه فدونه خرط القتاد.

241

[فصل] الماء المستعمل

فصل الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر من الحدث و الخبث و كذا المستعمل في الأغسال المندوبة و اما المستعمل في الحدث الأكبر فمع طهارة البدن لا إشكال في طهارته و رفعه للخبث و الأقوى جواز استعماله في رفع الحدث أيضا و ان كان الأحوط مع وجود غيره التجنب عنه و اما المستعمل في الاستنجاء و لو من البول فمع الشروط الاتية طاهر و يرفع الخبث أيضا لكن لا يجوز استعماله في رفع الحدث و لا في الوضوء و الغسل المندوبين و اما المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء فلا يجوز استعماله في الوضوء و الغسل و في طهارته و نجاسته خلاف و الأقوى ان الماء الغسلة المزيلة للعين نجس و في الغسلة الغير المزيلة الأحوط الاجتناب (1)

اعلم ان في هذا الفصل أمور يتعرض لها المصنف قده الأول ان الماء المستعمل في الوضوء مطهر للحدث و الخبث إجماعا بل ضرورة و ما قال أبو حنيفة من القول بالتنجيس بواسطة الاستعمال و ان نجاسته أضعف من سائر النجاسات لا وجه له للتهافت في كلامه فمن شاء فليرجع الى المفصلات فلا نطيل الكلام فيه و لنا مضافا الى الإجماع الروايات.

فمنها ما (في باب 8 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال كان النبي (صلى اللّه عليه و آله) إذا توضأ أخذ ما يسقط من وضوئه فيتوضؤن به.

و منها ما (في باب 9 من الماء المضاف ح 13) قوله (عليه السلام) لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل الحديث.

الثاني الماء المستعمل في الأغسال المندوبة أيضا لا خلاف في انه طاهر‌

____________

(1) بل لا يخلو عن قوة لإطلاق مفهوم دليل الكر

242

مطهر مزيل للحدث و الخبث و الخبث و لنا العمومات على الدالات طهارة الماء و الاستصحاب في صورة الشك و لا قاطع لها لانه ليس لنا دليل على ان الماء ينجس بواسطة استعماله في الغسل.

نعم هنا رواية تمسك بها الشيخ المفيد للكراهة في رفع الحدث ثانيا و سنذكرها و لا يستفاد منها الا الإرشاد (1) فهذا الحكم أيضا مما لا اشكال فيه.

الثالث الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر مثل الجنابة هل يمكن رفع الحدث الأكبر به أم لا قال جمع من الاعلام بأنه لا ينبغي ترك الاحتياط بعدم الغسل منه فنقول هنا مقامان.

المقام الأول الغسل بالعواصم و الثاني في غيرها اما العواصم فلا إشكال في انه يجوز الغسل منها ثانيا و ثالثا و أكثر، و الدليل عليه السيرة الدارجة بين المتشرعين الى زمن المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)فإن جميع الملل يغتسلون من العواصم و لا نجد دليلا على المنع منه.

لا يقال ان إثبات السيرة ممنوع لانه لم يكن في زمن المعصومين (عليهم السلام) الحياض الكبار العواصم مثل الخزانة في زماننا هذا فكيف يمكن إثبات السيرة و إمضائها.

لأنا نقول الحمامات في زمنهم (عليهم السلام) و ان كان فيها حياض صغار الا انها بالاتصال تصير كالعواصم كما مر في دليل الحمام (2) و السؤال عن ماء الحمام في بابه كان عن الطهارة و النجاسة لا من جهة انه هل يرفع الخبث ثانيا بعد رفعه أولا.

الدليل الثاني الروايات فمنها ما (في باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 12) عن صفوان بن مهران الجمال قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض التي بين‌

____________

(1) نقل هذا القول في الحدائق ج 1 ص 436 الى 437 نقلا عن الشهيد في الدروس.

(2) أضف اليه ان العواصم لا تختص بالحمام و الكر و ذكر الحمامات يكون لكثرة ابتلاء الناس بها لا لخصوصية فيها.

243

المكة و المدينة تردها السباع و تلغ فيه الكلاب و تشرب منها الحمير و يغتسل فيها الجنب و يتوضأ منها قال و كم قدر الماء قال الى نصف الساق و الى الركبة فقال توضأ منه.

و تقريب الاستدلال واضح لأن السؤال يكون عن قدر الماء و الجواب يفهم منه انه يكون كرّا لان الماء في الوادي إذا كان الى نصف الساق و الركبة في الغدير يكون بقدر الكر و أزيد عادة فأمر الإمام (عليه السلام) بعد اغتسال الجنب منه بالوضوء منه و لا يخفى ان الروايات على ثلاثة أقسام المانعة و المجوزة و ما هو شاهد الجمع و المتأخرون القائلون بأن المستعمل في الحدث قابل لرفع الحدث اما ان يقولوا بعدم دلالة روايات المنع على المنع أو ان المجوزة أظهر و يجمعون بينهما فنذكر الروايات تفصيلا و نقدم روايات المانعين.

فمنها صحيحة محمد بن مسلم (باب 7 من الماء المطلق باب عدم نجاسة ماء الحمام بمجرد الملاقاة ح 5) عن أحدهما (عليهما السلام) قال سئلته عن ماء الحمام فقال ادخله بإزار و لا تغتسل من ماء آخر الا ان يكون فيهم جنب أو يكثر اهله فلا تدري فيهم جنب أم لا.

تقريب الاستدلال هو انه (عليه السلام) على فرض وجود الخبث في الحمام يفهم من كلامه عدم جواز الغسل بهذا الماء بل يجب ان يكون بماء آخر و إطلاق العبارة أيضا يفهم منه انه لا فرق بين ان يكون بدن المغتسل طاهرا أو نجسا.

و بعبارة أخرى للمراد بالنهي في لا تغتسل بماء آخر هو ان هذا و غيره مساو لا انه لا يجوز الاغتسال بماء آخر و ما بعد لفظة الا، يفهم منه المرجوحية اما للمزاحمة و كثرة الجمعية أو انه لا يجوز الاغتسال بهذا الماء فإذا دار الأمر بين الحرمة و الكراهة بعد إثبات المرجوحية فالظاهر الحمل على الحرمة فينتج انه لا يجوز استعمال هذا الماء لاغتسال الجنب فيه هذا غاية تقريب الاستدلال.

و فيه انه في الرواية جعل صورة عدم العلم بان فيهم جنبا أم لا ملحقا بما إذا‌

244

كان فيهم جنب ففي صورة عدم العلم يكون الجنب فيهم أم لا لا يمكن القول بأنه ردعه لان فيهم جنبا بل يكون بجهة المزاحمة و صورة كون العلم بالجنابة أيضا يكون إرشادا لدفع القذارة.

و بتقريب آخر للرواية أن صدرها دلت على ان الغسل بماء الحمام جائز و بقوله (عليه السلام) الا ان يكون فيهم جنب و ما بعده انه لا يجوز الاستعمال و لا وجه لهذا النهي أي النهي المستفاد عن العبارة بعدم الاستعمال الا ان يقال ان الغسالة التي يكون من الجنب لا يجوز الغسل منها.

و فيه ان حمل هذا النهي على الحرمة غير وجيه لان المياه التي تكون في الحمام على ثلاثة أقسام الأول ما يكون في الخزانة كرا و فوقه و هو لا إشكال في انه يجوز الغسل منه أولا و ثانيا و أزيد.

و الثاني ما يجتمع من المياه في البئر المعدّ لاجتماع الغسالة فيها في الحمامات و هو لا يكون مظنة للاغتسال منه حتى نقول يكون النهي عنه.

و الثالث الغسالة التي تكون من صب الماء على الرأس للاغتسال من الحياض الصغار و هو لا يكون قابلا للاغتسال منه قبل الاجتماع و لا وجه لان نقول يكون النهي عن الاغتسال بالحياض الصغار لأنها لا تكون غسالة و المدعى ان الاغتسال بماء الغسالة غير جائز فالصحيح ان يحمل الرواية على الكراهة.

و وجهه ان الجنب لما يكون غالبا نجسا و ما كان من دأب الاعراب مخصوصا تطهير أنفسهم قبل الغسل بماء آخر و كان طريق غسلهم صب الماء بكأس على الرأس و لازمه الترشح على الأطراف فأمر الإمام (عليه السلام) بترك الغسل إرشادا لدفع المزاحمة (1) فالمهم في المقام الذي يمكن ان يكون ملاكا للنهى هو المزاحمة‌

____________

(1) أقول أضف اليه ان العرف أيضا يساعد على ذلك فان من يريد ان يكون في راحة من غسله يدخل الحمامات التي لا يكون فيها اجتماع كثير ممن لا يبالي و غيره.

245

و اما فقرة لا تغتسل بماء آخر فلا معنى لها لان من يدخل الحمام لا يكون له ماء آخر غير مائه.

و قد قال بعض الفقهاء انه على فرض وجود المزاحمة يجوز الاستفادة من ماء آخر اما مع عدمها فيجب الاستفادة من الحياض الصغار.

و فيه ان الناس لا يغتسلون بماء آخر الذي هو الغسالة حتى يكون مشروطا (1) فالصحيح ان يقال انه (عليه السلام) نهى عن الغسل بماء آخر في غير الحمام لرفع الزحمة فان الحمام أسهل تناولا.

و منها موثقة ابن مسكان (باب 9 من أبواب ماء المطلق ح 3) قال حدثني صاحب لي ثقة ان سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق فيريد ان يغتسل و ليس معه إناء و الماء في وهدة فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع قال ينزح بكف بين يديه و كفّا من خلفه و كفا عن يمينه و كفا عن شماله ثم يغتسل به.

و تقريب الاستدلال هو ان الامام (عليه السلام) قد امضى ما في ذهن السائل و لذا جعل له طريقا للعلاج فإنه كان عدم جواز الاغتسال بماء الغسالة مرتكزا في ذهنه و قال (عليه السلام) يجب نزح أكفّ باليمين و الشمال و الامام و الخلف.

اما كون هذا طريق للعلاج فقالوا فيه وجهان: الأول ان يكون المراد باليمين‌

____________

(1) كأنه فهم (مد ظله) ان مرادهم بماء آخر هو الغسالة و لكن إذا كان مرادهم بماء آخر ماء الخزانة فهو يكون أليق بشأن الفقيه فيكون النهي عن هذا لقاعدة اخلاقية و هي ان ماء الخزانة يجب مراعاة النظافة فيه ما دام لم يكن الجمعية كثيرة فلعل مراد القائل أيضا كان ذلك لكني ما رأيت عبارته و هذا الاحتمال أيضا بعيد على هذا الفرض الذي يمكن ان يحتمل و ما ذكرت من البيان كان إيضاحا و وجها لمراد القائل بالتفصيل.

و بعد ففي كلام الأستاذ مواقع من النظر لا مجال هنا لتوضيحه.

246

و اليسار و غيرهما هو الأرض أطراف الماء فيأمر (عليه السلام) بذلك لأن الأطراف إذا كان بلا رطوبة لا يجذب الرطوبة و يجتمع الماء فورا في الوهدة بخلاف ما إذا كانت مرطوبة فإنها تجذب الغسالة و لا يجتمع فورا في الوهدة.

و الثاني ان يكون المراد باليمين و اليسار و غيرهما يمين بدنه و يساره فيكون وجهه للعلاج هو ان البدن إذا كان مرطوبا بنحو الادّهان يمكن ان يغتسل فورا قبل ان يجتمع الماء في الوهدة فمن ذلك كله يستفاد ان ماء الغسالة لا يجوز الاغتسال به ثانيا (1).

____________

(1) هذا ما ذكروه و لكن يمكن ان يستدل بهذه الرواية على جواز الاغتسال بالغسالة أو بما يكون غسالة و غيرها.

بيان ذلك انه إذا نظرنا الى هذه الرواية نرى ان السائل سئل ذلك بعد ان لم يكن له كأس حتى يغرف به الماء فكان مضطرا بان يغترف بيده الماء و من كان حاله كذلك لا بد ان يكون قريبا من الغدير الذي فيه الماء عادة و عرفا و ان من كان حاله كذلك فبالأخرة يجري ماء غسالته في الغدير و لو نزح الأكفّ عن جهات بدنه أو الأرض لو سلمنا ان يكون هذا الطريق مانعا لسرعة وقوع الماء في الغدير فالحمل على هذا الوجه بعيد.

فنقول لما كان المياه في الصحاري غالبا سطح ظاهره كثيفا فقال (عليه السلام) يفعل ذلك لتنظيف الماء و كأنه (عليه السلام) بيّن قاعدة اخلاقية و اجابه (عليه السلام) بأنه لا بأس برجوع الغسالة فيه ثم انه على فرض الحمل على ما ذكروه لا وجه لكون النزح إلى أربع جهات بل الجنب عادة يقوم في أحد أطراف الوهدة و يغتسل و لا يدور حين الغسل لو قلنا ان المراد بالأطراف الأرض لا البدن و لو كان البدن يمكن ان يبدل عن هذه العبارة المفصلة بعبارة قصيرة مثل ان يقول يرطب بدنه بنحو الادهان.

و الحاصل ان قبلت ما قلناه من الوجه فهي دالة على جواز الاغتسال بالغسالة و لكن لا مطلقا بل إذا كان مخلوطا بماء آخر و اما استفادة الإطلاق فمشكلة و الا فإما تقول بإجمال الرواية أو تأتي بوجه وجيه لو خطر ببالك ان الجواب على ما فرضناه لا يطابق السؤال و اللّه المرشد.

247

و فيه ان الغريزة و ان كانت كذلك و لكن لا ندري ان سؤال السائل كان من جهة نجاسة الماء أو من جهة كونه غسالة (1).

و ثانيا من اين يفهم ان الغريزة كانت لذلك فلعلها للكراهة بالاغتسال بهذا الماء فجعل طريقا لرفعها لان الصحاري ماء و هداته يكون سطح ظاهره كثيفا و ثالثا (2) ان الوجهين الذين ذكروهما لعدم رجوع الماء في الوهدة كما عن الحدائق غير وجيهين لانه يمكن ان يقول الامام (عليه السلام) يجب ان يجعل له مانع من تراب و نحوه حتى يغير طريق رجوع الماء في الوهدة.

و منها صحيحة محمد بن مسلم (باب 9 من أبواب ماء المطلق ح 1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و سئل عن الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب قال إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شي‌ء.

تقريب الاستدلال هو ان نأخذ الإطلاق من لفظ «و يغتسل فيه الجنب) فنقول سواء كان الجنب بدنه نجسا أم طاهرا إذا لم يكن الماء قدر كرّ ينجسه و لا يمكن الاغتسال به.

و فيه ان هذا لا يكون من جهة الاستعمال بل من جهة كون بدنه نجسا و لذا قال (عليه السلام) لا ينجسه شي‌ء و القائل بعدم جواز استعمال ماء الغسالة في صورة عدم‌

____________

(1) لا يرد عليهم هذا الإشكال لأنه لو كان سؤال السائل من جهة النجاسة لأن الجنب غالبا كذلك فلا يصح الجواب كذلك بل يجب ان يقول (عليه السلام) لا بأس به على فرض عدم انفعال الماء القليل و على فرض انفعاله لم يعهد منهم (عليهم السلام) طريقا لتطهيره كذلك فالظاهر استقذاره من جهة رجوع الغسالة الطاهرة.

(2) هذا وجه وجيه لرد الاحتمالين فلا يكون ما قاله (عليه السلام) لعدم رجوع الغسالة فلا بأس برجوعها.

248

نجاسة البدن لا يقول بنجاستها.

و منها ما عن سعد بن عبد اللّه الأشعري عن حسن بن على عن احمد بن هلال عن الحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه قال لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل فقال الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ منه و أشباهه و اما الذي يتوضأ الرجل به فيغسل به يده و وجهه في شي‌ء نظيف فلا بأس ان يأخذه غيره فيتوضأ به (في باب 9 من المضاف ح 13) الكلام في أحمد بن هلال و تقريب الاستدلال بهذا الحديث الشريف يستدعي الكلام في جهتين الاولى سنده و الثانية متنه.

أما الأولى فربما يشكل بأن أحمد بن هلال يكون مجهول الحال فلا يعتمد بخبره أو انه ينسب إلى الإفراط في حق الأئمة (عليهم السلام) تارة و التفريط تارة أخرى و استظهر الشيخ من المذهبين المتقابلين بأنه يفهم انه لا دين له و لا يخفى أنا تارة نقول ان وثوق الخبر مناط للقبول و تارة وثوق المخبر و سيجي‌ء ان التحقيق ان المناط على الوثوق بالخبر دون المخبر فقط و عليه يكون هذا الحديث أيضا موثقا فنحن على فرض كون المناط وثوق المخبر نبحث في حال احمد قدحا و مدحا.

و ربما أجيب عن الإشكال بأنه غير موثق بأنه لما كان مستبصرا أولا ثم رجع عنه يكون هذا النقل في زمن الاستبصار لا الرجوع و هو مثل طائفة بني فضال الذين كانوا على هدى ثم وقعوا في الضلالة و لكن أمرنا بأخذ ما رووه في كتبهم في زمن استبصارهم.

و يؤيده ان سعد بن عبد اللّه الأشعري يكون من الطاعنين عليه و القادحين فيه و نقل عنه الرواية و لا يكون من دأب السعد نقل الرواية الا من شيعي موثق عنده فنفهم من قدحه إياه و نقله الرواية عنه ان النقل كان في زمن الاستبصار.

249

و فيه على فرض تسليم انه لا يروى إلا عن شيعي لا يكفى (1) نقل الرواية عن احمد موجبا للوثوق لانه واحد فإذا كان المدار على الوثوق بالمخبر فلا نكتفي بهذا المقدار من المدح و اما إذا كان المدار على الوثوق بالخبر فهذا يكون من باب بناء العقلاء و لعلهم يكتفون بذلك للوثوق.

ثم قال الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) ان لنا أربعة قرائن لتوثيق المخبر في هذا الخبر.

القرنية الاولى ان الراوي عن احمد بلا واسطة هو حسن من بنى فضال و هم ممن ورد في شأنهم عن العسكري (عليه السلام) خذ ما رووا و لكن ظاهر هذه الرواية الأخذ بما رووه أنفسهم فلذا أضاف الشيخ الجليل حسين بن روح كلاما يفهم منه تنقيح المناط فقال لازم قبول خبر بنى فضال قبول خبر ابن هلال فإنهم نقلوا عنه و الأمر بقبول نقلهم لازمه الأمر بقبول نقله و هذا يوجب التوثيق.

و بعبارة أخرى فساد الراوي بعد ما كان مستبصرا لا يضر بما نقل من الرواية في زمن الاستبصار فكما لا يضر فساد بنى فضال بنقلهم قبله كذلك لا يضر فساد ابن هلال بعده و فيه (2) ان استفادة وثاقة الخبر منه (قده) صحيح الا انها من جهة وثاقة الراوي‌

____________

(1) أقول ان القائل بالتأييد لا يريد من ذلك إلا إثبات كون هذا الخبر في زمن الاستبصار بضميمة إثبات أن دأب السعد كان عدم الرواية إلا عن شيعي ثقة و هذا و ان كان لازمه المدح و لكن يجب ان نتفحص عن حاله في زمن الاستبصار و عليهذا فان كان دليلنا على المدح في زمنه هذا النقل فلا يكفى كما ذكره الأستاذ (مد ظله) و الحاصل ان هذا يثبت انه كان في زمن الاستبصار ان ثبت لنا زمن استبصار له و الا مع عدم إثبات ذلك فلا يفيد نقل السعد توثيقا.

(2) لو ثبت ان نقل هذا الخبر من بنى فضال كان في زمن استبصارهم و كونهم في الهداية فهم في ذلك الزمان كانوا موثقين و من لوازمه عدم النقل عمن هو غير موثق عندهم فيثبت انه كان موثقا عندهم نضم هذا التوثيق الى توثيق السعد بنقله عنه أيضا فإن حصل من ذلك الوثوق لك فهو و ان لم يحصل أيضا فنضمه الى نقل السعد فلعل غيرنا وجد دليلا آخر للوثوق فضمه إليهما فحصل من الجميع الوثوق و غرضي مما ذكرت اضافة المؤيد لا ان أقول يحصل الوثوق أو لا يحصل.

250

لان غاية ما استدل به نقل بنى فضال و السعد و هو لا يفيد لأن الأمر بأخذ رواية بني فضال لا يكون أمرا بالأخذ بجميع سلسلة السند و لو علمنا عدم الوثاقة بل يكون المراد انهم من حيث أنفسهم لا اشكال فيهم من حيث كونهم في هذا الان في الضلالة و كذلك السعد من حيث نفسه موثق و لا يوجب ذلك توثيق ابن هلال فهذه القرينة غير منتجة في المقام.

القرينة الثانية ان هذه الرواية رويت عن ابن محبوب و هو يكون له كتابا مسمى بالمشيخة و يكون معتمدا للأصحاب فالرواية لما كانت من كتابه تكون معتمدة لهم فالسند صحيح.

و فيه (1) ان ابن محبوب يكون له كتاب و يكون معتمدا للأصحاب و كلما كان معتمدهم فهو عندنا أيضا كذلك و لكن نقل هذه الرواية يكون من كتابه أم لا محل نظر و على فرضه فمن اين يعلم الصدق (2) لأن في كتابه أيضا يمكن ان يكون رواية ضعيفة.

القرينة الثالثة ان السعد مع ما ذكرنا من دأبه أخذ هذا الحديث من كتاب معتبر عنده فمن ضميمة دابة الى ذلك يفهم الوثوق.

و فيه انه على فرض تسليم كون السعد بمن لا ينقل الا عن شيعي فنقل هذه الرواية في زمن استبصار احمد، لا نسلم انه يكون من كتاب معتبر على انه لا يكون‌

____________

(1) أضف الى ما ذكره الأستاذ انه على فرض كونه معمولا به عنه الأصحاب لاعتمادهم على المشيخة يثبت لنا وثوق المخبر بل وثوق الخبر و هو لا يكون محل الكلام.

(2) و الظاهر ان الصدق يفهم من اعتماد الأصحاب و لكن اعتمادهم كما قلنا لا يكون دليل وثوق المخبر.

251

لنا قرينة على ان أحمد في زمن الاستبصار كان من الموثقين (1).

القرينة الرابعة ان المعتمدين بهذه الرواية يكونون من الاعلام في الفقه مثل الشيخين و الصدوقين و ابن حمزة و ابن براج و في بعض العبارات و القميين ففي عبارة الخلاف اما المستعمل في الجنابة أكثر أصحابنا قالوا لا يجوز استعماله في الحدث مضافا الى ان هذه الرواية رويت في كتب معتبرة مثل الكافي و الاستبصار و الفقيه فمن لم يعمل بهذه الرواية لعله يكون لضعف الدلالة لا السند.

و قد أشكل عليه أو لا بان الروايات التي في الكتب المعتبرة ليس كلها موثقة فإن فيه ضعاف من الروايات فلا يدل نقلها فيه على وثاقة الراوي، و اعتماد الستة (قدس سرهم) عليها لا يوجب اشتهارها فتوى مع ان العلامة لم يعمل بها و الفتوى بخلافها مشهور بين المتقدمين و المتأخرين.

و ثانيا يمكن ان يكون للاعلام مسلك آخر غير ما نذهب اليه و هو ان يكون دأبهم العمل بكل رواية لم يظهر فسق راويها.

و لكن الإنصاف أن الإشكالين غير تامين لأنا نكون بصدد (2) وثوق الخبر المعبّر عنه في الرجال بالوثوق الخبري و كلما ازدادت الرواية ضعفا من جهة الراوي إذا عملوا بها جمع من الاعلام ازدادت قوة لأن الفقيه العادل الذي أحرز عدالته لا يتمسك برواية ضعيفة إلا مع وجود قرينة صالحة للاعتماد و احتمال كون مسلكهم غير مسلكنا لا دليل له و الحاصل اعتماد جمع من الاعلام أو في لفهم الوثوق من قول مادح في كتب الرجال.

____________

(1) و على فرض نقله من كتاب يكون معتمدا لا يفيدنا الوثوق بالمخبر بل بالخبر.

(2) و قد استظهرنا من أكثر ما سبق انه يفيد وثوق الخبر فعلى هذا لا إشكال في سند الرواية إنما الكلام في دلالتها.

252

تقريب دلالة رواية أحمد بن هلال أما الثانية و هي تقريب الدلالة فهو ان نقول الماء الذي استعمل في رفع الخبث مثل ما يغسل به الثوب أو الحدث مثل ما يغتسل به من الجنابة لا يجوز الوضوء به و أشباه الوضوء و هو الاغتسال ثانيا و في قوله (عليه السلام) «أو يغتسل به من الجنابة» إطلاق يشمل صورة كون بدن الجنب نجسا أم لا و يشهد له التعبير «بأو» إذا عطف على سابقه فان لفظة أو يجب ان تكون بين طرفيها و هو المعطوف و المعطوف عليه مغايرة ما و الا فاللازم المجي‌ء بالوا و للعطف فيقال يغسل به الثوب و يغتسل به الجنب إذا كان للخبث لا للحدث و الخبث.

فان قلت عدم جواز الوضوء من الماء المستعمل صريح الرواية اما عدم جواز الغسل فلا، فان قيل نفهم عدم جوازه بالأولوية نقول هذا ممنوع لأنا نكون تابع النقل و أخذ الأولوية يكون من لا استحسانات العقلية و الإجماع لا يكون على المنع ان ادعى.

قلت لا نحتاج لدفع الاشكال و إثبات ذلك الى هذه التمحلات بل كلمة و أشباهه تغنينا عن ذلك و أشباه الوضوء يكون غسل الجنابة و الميت و مس الميت و الحيض و النفاس و الاستحاضة.

هذا غاية الاستدلال بهذه الرواية على المنع.

و فيه ان الروايات يجب ان تلاحظ بأجمعها فنقول لما كان غالب أحوال الجنب ان يكون نجسا و يكون العرب غالبا كذلك قيل لا يجوز الغسل و الوضوء بغسالته للنجاسة لا لأن الجنابة فقط يوجب عدم الجواز و قذارة في الماء و لذا أردفه بالثوب النجس فلا يوجب الغسل فقط نجاسة ذاتية في الماء و اما ذيل الرواية فيكون لدفع توهم العامة ان الماء المستعمل في الوضوء لا يجوز ان يغتسل به هذا تمام الكلام فيما استدل به القائلين لعدم جواز استعمال الماء المستعمل في الجنابة.