المعالم المأثورة - ج1

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
396 /
253

دليل المجوزين لاستعمال المستعمل اما المجوزون فقد استدلوا بطائفة من الاخبار:

منها صحيحة محمد بن مسلم (باب 9 من أبواب الماء المستعمل ح 3) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الحمام يغتسل فيه الجنب و غيره اغتسل من مائه فقال نعم الحديث و حاصل التقريب انه بعد السؤال عن الماء المستعمل في الغسل أجاب (عليه السلام) بعد اليأس فلا يصير الماء نجسا بواسطة استعماله في الغسل فيجوز الغسل به ثانيا و ثالثا و بعمومه يشمل حتى صورة نجاسة بدن الجنب.

و فيه انه على فرض كون الغسل في الحمام في الماء الكثير العاصم فلا نزاع لنا و لا لأحد فيه و ان كان من الحياض الصغار فإنه مع اتصال بعضها ببعض كما كان هو دائرا في الحمامات أيضا لا نزاع فيه فعدم البأس يكون للعاصمية و نزاعنا يكون في الماء القليل على انه لو كان قليلا لا يصح الغسل إذا كان بدن الجنب نجسا فهذه الرواية لا تفي بمرادهم.

و منها مضمرة أبي الحسن الهاشمي (في باب 7 من أبواب ماء المطلق ح 6) قال سئل عن الرجال يقومون على الحوض في الحمام لا أعرف اليهودي من النصراني و لا الجنب من غير الجنب قال يغتسل منه و لا يغتسل من ماء آخر فإنه طهور.

و تقريب الاستدلال واضح و هو ان المجتمعين أطراف الحوض مع كونهم جنبا و غيره لا بأس باستعمالهم من الماء من الاستعمال ثانيا للغسل و القول بالجواز يطرد احتمال نجاسة بدن الجنب.

و فيه فرض عدم نجاسة بدن الجنب بعيد (1) على ان الماء في الحمامات غالبا‌

____________

(1) خصوصا مع ارادفه بالسؤال عن اليهودي و النصراني فإن السؤال فيها لا يكون الا من جهة النجاسة.

254

يلازم الكثرة و هو لا يكون مورد النزاع نعم في صورة كوننا (2) شاكين في انه اغتسل منه الجنب أم لا، أو اليهودي أم لا يجري أصالة الطهارة و هو لا ربط له بما نحن فيه فان الكلام فيما نحن فيه يكون صورة العلم باغتسال الجنب و اليهودي و غيره منه لا الشك.

فان قيل اغتسال الجنب فيه يكون له حيثان حيث الجنابة و حيث النجاسة فقوله (عليه السلام) لا يغتسل من ماء آخر لا يكون من حيث النجاسة على فرض نجاسة بدن الجنب بل من حيث الجنابة.

قلنا هذا ممنوع لان ظاهر الحكم بيان الفعلي منه لا الحيثى و لا يمكن ان نقول أيضا من هذه الرواية يستفاد عدم البأس حتى في صورة نجاسة بدن الجنب خرج منه صورة النجاسة بدليل آخر فإذا خرج تلك الصورة يبقى صورة كون الماء مستعملا في الجنابة فقط تحت حكم الجواز لما ذكرناه أيضا من ان ظاهر الحكم بيان الفعلية و الحاصل ان هذه الرواية خارجة عن محل الفرض.

و منها صحيحة على بن جعفر عن ابى الحسن الأول (باب 1 من أبواب الماء المستعمل ح 1) قال سئلته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أ يغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره و الماء لا يبلغ صاعا للجنابة و لا بد للوضوء و هو متفرق فكيف يصنع و هو يتخوف ان يكون السباع قد شربت منه فقال ان كانت يده نظيفة فليأخذ كفّا من الماء بيد واحدة فلينضحه خلفه و كفا امامه و كفا عن يمينه و كفا عن شماله فإن خشي ان لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات ثم مسح جلده بيده فان ذلك يجزيه و ان كان الوضوء غسل وجهه و مسح على ذراعيه و رأسه و رجليه و ان كان الماء متفرقا فقدر ان يجمعه و الا اغتسل من هذا أو من هذا و ان كان في‌

____________

(2) ظاهر الرواية هو انه كان للسائل علم إجمالي بوجود الجنب و اليهودي و النصراني و لكن لا يعرفهم بأشخاصهم فلا تكون الشبهة بدونه و خارجة عما نحن فيه و لكن لما يكون السؤال ظاهرا في احتمال النجاسة لنجاستهم و يكون الحياض بقدر الكر و أكثر حكم بعدم البأس فيكون خارجا عما نحن فيه.

255

مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه ان يغتسل و يرجع الماء فيه فان ذلك يجزيه.

و في الرواية احتمالان الأول ان يكون الماء قليلا غير كاف للغسل بدون ضم الغسالة معه فإذا انضمت اليه يمكن الغسل العادي فمفاد كلامه (عليه السلام) انه لا يلزم الاستمداد بالغسالة و هو بنحو الادهان يكفى و هذا ظاهره الترخيص في ذلك لا انه لا يجوز الغسل بالغسالة (1).

____________

(1) هذا النحو من التعبير لا يليق بشأن الرواية لأنه لا يكون السؤال فيها عن ماء الغسالة بل السؤال عن شيئين عدم كفاية الماء للغسل عاديا و كذلك الوضوء و خوف النجاسة لأجل شرب السباع منه فأجاب (عليه السلام) عن الثاني بأنه لو كانت يده نظيفة فليأخذ إلخ.

و المراد بذلك هو ما ذكرنا في رواية ابن مسكان و هو دفع احتمال النجاسة بقاعدة الطهارة أو غيرها و بيان قاعدة اخلاقية فإنه لما كان المياه في الصحاري غالبا كثيفا يقول (عليه السلام) افعل كذا و أجاب (عليه السلام) عن الأول بأنه إن خشي عدم كفاية الماء للغسل عاديا فعليه ان يغتسل بنحو الادهان و ان يتوضأ كذلك فان ذلك النحو يجزيه في الغسل كما في العبارة و في الوضوء يفهم الكفاية بقوله مسح على ذراعيه و رأسه و رجليه فالتعبير بالمسح في الذراع يكون لكفاية الادهان.

ثم زاد البيان (عليه السلام) بأنه لو كان الماء متفرقا و يمكن الجمع و الغسل و الوضوء عاديا فيفعل و الا اغتسل من أيهما شاء بنحو الادهان و الحاصل الى هنا لا يكون في الرواية إشعار بماء الغسالة و تعرض لها و من يفهم من ذلك شيئا يكون كالأكل من القفا نعم ذيل الرواية و هو قوله (عليه السلام) بعد ذلك فان كان الماء في مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله إلخ يدل على صحة الغسل بماء الغسالة مع الماء الأصلي بقوله فلا عليه ان يغتسل اى لا بأس عليه و يرجع الماء فيه فان ذلك يجزيه اعنى الغسل بماء الغسالة مع الماء الأصلي و لكن لا مطلقا بل في صورة عدم كفاية هذا الماء للغسل برأسه حتى بنحو الادهان كما نفهم من الرواية و يصير هذه العبارة تكرارا لقوله اغتسل من هذا أو من هذا.

و الحاصل من جميع ما ذكرناه هو ان الغسل بماء ضمّ مع الغسالة في صورة الاضطرار و عدم كفاية الماء حتى بنحو الادهان صحيح و أولى من التيمم و هذا يستفاد من الذيل فقط و هذا لا يكفى من يقول بجواز الاغتسال بماء الغسالة مطلقا.

و هذا كما ذكره الأستاذ مد ظله و لكن احتمال الاستهلاك التي تمسك به ظاهرا غير وجيه في هذا النحو من الماء الذي لا يمكن الغسل معه و لو بنحو الادهان فهذه الرواية لا تدل على جواز الاغتسال بماء الغسالة.

و لو دلت على صورة الاضطرار بما ذكرناه من البيان لا تدل بما ذكروه من البيان فتدبر جيدا.

256

الاحتمال الثاني ان يكون المراد بالاجزاء هو انه يجزيه الغسل مع ضم الغسالة ثم من ضم الصدر الى الذيل نفهم ان الغسل العادي ما كان يمكنه بقوله لا يبلغ صاعا و الا فبنحو الادهان كان يمكنه و الا فلا معنى للجواب فإنه يقول لا يكفى الغسل و امره (عليه السلام) به مع عدم الكفاية و لو بنحو الادهان مناقضة في الكلام و أمر بالمحال و الحاصل نفهم عدم كفاية الماء للغسل عاديا من الصدر و الذيل.

و فيه ان المورد لو فرضنا جريان الغسالة في ذلك الماء و كان يصح بها الغسل له فرق مع ما نحن فيه لان ما نحن بصدده عدم جواز الاغتسال بالغسالة فقط لا عدمه بها مع غيرها كما فيها نحن فيه خصوصا في صورة اندكاكها فيه فان كلام المانع في هذه الصورة أيضا يمكن رده بهذه الرواية.

ثم انه على فرض عدم تمامية روايات المانعين و المجوزين على ما ذكروه من المذهبين فتصل النوبة الى الأصل لإجمال النص و هو قاعدة الطهارة أو استصحابها و جواز الاغتسال به.

فان قيل هذا الأصل يعارض مع أصالة عدم حصول محصّل الطهارة لأنه يكون‌

257

الشك في المحصل فتصل النوبة الى ما ذكروه من الجمع بين الروايات (1) فمنه ادعاء أن الدالة على الجواز أظهر مما دل على المنع. و فيه ان هذا صرف الادعاء و لا دليل عليه.

و منه (2) القول بأن الدالة على المنع (مثل رواية عبد اللّه بن سنان باب 9 من أبواب ماء المضاف و المستعمل ح 13) تكون في صورة نجاسة بدن الجنب و ما دلت على الجواز في صورة عدم النجاسة و يؤيده ان لنا أخبار في باب الجنابة بأن الجنب من طبعه النجاسة عند الغسل كثير.

و منه ما عن الشيخ الطوسي و الصدوق (قدس سرهم)ا) و هو حمل روايات الجواز على الضرورة و روايات المنع على صورة الإمكان (3) و فيه ان (4) رواية ابن مسكان يكون المنع فيها في صورة الاضطرار على ان الدالة على المنع إلا في صورة الاضطرار هي الرواية الأخيرة فقط و هي لا تدل الا على‌

____________

(1) لو كان لنا وجه جمع صحيح فهو أقدم من ملاحظة الأصل و لكن لعل الوجوه لم تكن تامة عند الأستاذ فعبّر بهذه العبارة و كيف كان فالأمر سهل.

(2) هذا أيضا جمع تبرّعي لا شاهد له من الروايات و كلامنا يكون في صورة قلة الماء و لا أظن ان يكون هذه الروايات من الروايات الدالة على انفعال الماء القليل لأنا لا نحتاج اليه لروايات كثيرة صريحة غيرها بل يمكن ان يفهم منها ان المركوز في ذهن السائلين هو السؤال من جهة كونه غسالة فقط لا من جهة انه هل ينجس الماء القليل أم لا حتى يصح الغسل به أو لا يصح.

(3) أقول لو حملناها على ذلك أيضا لا يثبت المدعى لان ما دلت على الجواز في صورة الاضطرار هو الرواية المرويّة عن على بن جعفر (عليه السلام) و هي لا تدل الا على جواز الاغتسال بماء ضمّ مع الغسالة لا الجواز مطلقا الذي كانوا بصدد إثباته.

(4) أقول قد مر منا عدم دلالة رواية ابن مسكان على المنع بل يمكن الاستدلال به على الجواز بما مر من البيان بل الظاهر عدم صحة هذا الجمع بما ذكرناه آنفا.

258

صورة الاضطرار بالغسل العادي لا ما هو بنحو الادهان فلا اضطرار بالنسبة اليه (1) و منه ان روايات الجواز ناصّة (2) في الترخيص و ظاهرة في عدم المنع مطلقا و روايات المنع ظاهرة في عدم الجواز و صريحة في الهزازة و الكراهة فيرفع اليد‌

____________

(1) قد ظهر مما مرّ في بيان الرواية ان الاضطرار يكون بالنسبة الى ما هو بنحو الادّهان.

(2) أقول لا نصوصية للروايات لأنا لا ندري أيّ مورد من الموارد كان منظورا للشرع هل مورد الاضطرار أم الاختيار بالغسالة مع غيرها أو بها و بغيرها و لا ظهور لها في المنع بل يمكن ادعاء الظهور في الترخيص.

ثم ان ما نفهم من جميع هذه الروايات لا يكون مفيدا لما ادعاه الاعلام لان الكلام في انه هل يمكن الغسل بغسالة الجنب أم لا و الروايات التي استدلوا بها للجواز لا تفيدنا على فرض التمامية الا على صورة ضم الغسالة مع غيرها من الماء الأصلي لأن في بعضها السؤال عن رجوع الغسالة في الغدير الذي يغتسل منه و الجواب عدم البأس به لكن لا مطلقا بل في صورة الاضطرار كما فهمنا من الرواية الأخيرة بحيث لا يمكن الغسل حتى بنحو الادهان الا بضميمتها فعلى هذا جمع الروايات على ما ذكره الشيخ أولى بالإذعان و هو حمل اخبار الجواز على صورة الاضطرار لكن بنحو ما قلناه و روايات المنع على صورة الاختيار الذي يصدق مع وجدان الماء بنحو الادهان.

و الحاصل لو كان دليلنا على صحة الاغتسال بغسالة الجنب هذه الروايات فغير تام و لنا طريق آخر لصحة الغسل لان من شرط ماء الغسل طهارته و لم يثبت نجاسة ما هو المستعمل و لكن حيث يكون في الروايات شي‌ء لا نفهمه اما اخلاقية أو غير ذلك فالاحتياط يقتضي تحصيل الطهور الذي هو شرط للصلاة و هو مع ما ورد مشكوك فيه و الشك كان في التكليف الزائد حيث ان الطهور أيضا يكون له مراتب و الأصل يقتضي البراءة و لكن لا يطمئن النفس بالفتوى بالصحة و ان كانت القواعد تقتضيها فالاحتياط ما دام الإمكان لا ينبغي تركه.

259

بنص إحداهما عن ظهور الآخر فيجمع بينهما بالكراهة و كيفما كان يمكن الفتوى بالجواز و العجب من بعض المعاصرين قد ذهب الى ان الجمع بين الاخبار بالكراهة خلاف ما فهمه العرف و لكن يحمل اخبار المنع على صورة نجاسة بدن الجنب.

و لكنا في مقام الفتوى ذهبنا الى وجوب الاحتياط و في صورة الدوران بين الغسل بهذا الماء و التيمم الاحتياط بالجمع بينهما (1) ثم ان القائل بعدم جواز استعمالها في رفع الحدث يستثنى الرشحات التي تقع في الإناء على فرض كون الرشح معتنى به و ممدا للغسل و الا فما هو المستهلك و لا يعتنى به فهو واضح لإطلاق روايات الباب مثل رواية فضيل (باب 9 من أبواب الماء المستعمل ح 1) قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الجنب يغتسل فينتضح من الأرض في الإناء فقال لا بأس هذا مما قال اللّه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.

فان هذه الرواية تدل بإطلاقها على صورة عدم (2) الاستهلاك و ماء الغسالة‌

____________

(1) أقول ان الحاصل عندنا عدم استفادة شي‌ء لعدم جواز رفع الحدث بالمستعمل في الأكبر و لم يثبت مانعيته و من شرط الماء الطهارة و هي حاصلة و الشك يكون في التكليف الزائد و الأصل يقتضي البراءة و ان كان الشك شكا في المحصل فالأقوى جوازه و لا ينبغي ترك الاحتياط.

(2) أقول ان كان المراد بالرشحات القطرات فهي مستهلكة غالبا و ان كان ما يكون مثل الجريان فالروايات المانعة تدل على المنع في هذه الصورة إلا إذا كانت مضطرة إليها و القطرات و لو كانت ممدة للغسل الا انها مستهلكة عرفا و تشمل الرواية هذه الصورة فقط.

اما صورة عدم الاعتناء بها بحيث لا يصير موجبا لترديد العرف في الجواز و عدمه بحيث يكون خارجا عن موضوع البحث و صدق الموضوع عليه فلا شبهة في انه لا نحتاج إلى الرواية لعدم المصداق و ما هو محل البحث تكون القطرات الممدة المستهلكة عرفا و لعل مراد الأستاذ مد ظله بعدم الاحتياج إلى الرواية لا يكون هذه الصورة بل صورة عدم الاعتناء بها عرفا.

260

المستقلة قد دلت الرواية على منع استعماله على مذهبهم و في صورة الاستهلاك لا نحتاج إلى الرواية بل هو واضح من الخارج لعدم صدق المستعمل على الماء الكذائي.

في الماء المستعمل في الاستنجاء اعلم ان في ذيل هذا الفرع نبحث عن أمور:

الأمر الأول يبحث فيه عن الأقوال في المسألة و هي أربعة:

الأول ان تكون ماء استنجاء طاهرا حقيقة و رافعا للحدث و الخبث فكلما يشترط فيه الطهارة يكفيه هذا الماء.

الثاني ان يكون رافعا للخبث غير رافع للحدث كالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر.

الثالث يكون طاهرا حقيقة و يترتب عليه جميع ما يترتب على الماء الطاهر مثل الأكل إذا جعل في الأغذية و الشرب دون رافعيته للحدث و الخبث.

الرابع ان يكون نجسا و لكن كان معفوا عنه و في هذا الأخير قولان و هو ان يكون ملاقيه أيضا نجسا غير لازم الاجتناب أو لا يكون نجسا و سيجي‌ء مقدار العفو و قد فصل الكلام في ذلك المحقق النوري (قده) في شرح نجاة العباد لصاحب الجواهر (قده).

ثم بعد نقل الأقوال نقول بما هو مقتضى القواعد الأولية و هو انه على فرض نجاسة الغسالة فماء الاستنجاء أيضا غسالة فهو نجس و أيضا كل ملاقي النجس نجس فملاقى ماء الغسالة أيضا نجس و لو لم نقل ذلك في الجامدات نقول به في المائعات بضرس قاطع سواء كان الملاقي متنجسا أو نجسا و الدليل على القاعدة الثانية و هي‌

261

ان كل ملاقي النجس نجس موثقة عمار بن موسى الساباطي (باب 4 من أبواب الماء المطلق ح 1) انه سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يجد في إنائه فارة و قد توضأ من ذلك الإناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه و قد كانت الفأرة متسلخة فقال ان كان رآها في الإناء قبل ان يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه ان يغسل ثيابه و يغسل كل ما اصابه ذلك الماء بعد الوضوء و الصلاة و ان كان انما رآها بعد ما فرغ من ذلك فلا يمس من الماء شيئا و ليس عليه شي‌ء لانه لا يعلم متى سقطت فيه ثم قال لعله سقطت في تلك الساعة التي رآها.

تقريب الاستدلال هو ان للأمر بغسل الثوب و كل ما اصابه ذلك دليل على نجاسة ملاقي النجس و هذا دليل واضح على القاعدة الثانية.

ثم من آثار القاعدة الأولية ان هذا الماء لا يجوز شربه و لا الوضوء منه و لا سائر الاستعمالات بعد إثبات نجاسة الغسالة.

فإذا عرفت ما ذكرناه فلو سقطت القاعدة الأولية أي لم نقل بنجاسة الغسالة فلا نحتاج الى دليل خاص لصحة الوضوء و الغسل و غسل الثياب النجسة بماء الاستنجاء ثم انه لو سلمنا تمامية القاعدة الأولية أي نجاسة الغسالة مطلقا و منها ماء الاستنجاء فنحتاج الى دليل تعبدي لعدم نجاسة ملاقية و بعد القول بنجاسته نحتاج الى تعبد فوق تعبد للعفو عنه مع انه نجس فيكون في ذكر منك ما ذكرناه لتحصيل المطلوب.

الأمر الثاني هو الكلام في إثبات ما ذكرناه في الأمر الأول فإن فيه كان البحث في الثبوت و الآن في الإثبات: فنقول ادعاء كون ملاقي النجس مع كونه نجسا معفوا عنه بعيد جدا فيدور الأمر بين تخصيص القاعدة الاولى و القاعدة الثانية فإن قلنا بأن غسالة الاستنجاء طاهر فيخصص القاعدة الكلية و هي ان غسالة النجس نجس و ان قلنا بأنه لا ينجس ملاقيه يخصص قاعدة كل نجس منجس و لا طريق لنا لإثبات الأطراف إلا الروايات الواردة في الباب فربما يقال ان مفادها طهارة ماء الاستنجاء.

فمنها رواية يونس بن عبد الرحمن (باب 13 من أبواب المضاف ح 2) عن‌

262

رجل عن العنزار عن الأحوال انه قال لأبي عبد اللّه في حديث الرجل يستنجى فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به فقال لا بأس فسكت فقال أو تدري لم صار لا بأس به قلت لا و اللّه فقال ان الماء أكثر من القذر.

و تقريب الاستدلال ان قوله (عليه السلام) لا بأس يحتمل ان يكون راجعا الى الثوب اى هو لا بأس به أو إلى الماء فان حملناه على الأول فعدم البأس بالثوب يحتمل ان يكون لطهارة الماء أو تعبدا مع نجاسة الماء (1) و قد قيل ان ذيل الرواية يدل على عدم البأس بالماء للتعليل و هو قوله لان الماء أكثر من القذر و الحاصل احتمال كون الملاقي غير نجس لطهارة الماء أقوى عندهم لهذا التعليل فيكون تخصيصا لقاعدة الغسالة نجسة.

ثم انه قد أشكل على الرواية أولا بأن هذه كالمرسلة بقوله عن رجل و هو غير معلوم الحال و دفعه بان مراسيل يونس كمسانيده غير مرضى في موضعه مع انه ما ورد هذا في مراسيل يونس بل في مراسيل ابن ابى عمير لان يونس و ابن عمير و بقية أصحاب الإجماع و ان اجمع على قبول روايتهم و لكن اشخاصهم يعتمدون عليهم لا غيرهم بروايتهم و على فرض التسليم يعتمد على رواية غيرهم ممن هو مقدم عليهم في النقل إذا كانوا معلومين بالاسم في سلسلة السند و لم نجد ما هو قادح عليهم فيعتمد على رواية أصحاب الإجماع عنهم بهم، بخلاف ما إذا لم يكونوا معلومين فان الرجل مثلا يمكن ان يكون غير معتمد عندنا لو سمّوه باسمه على ان إثبات عدم نقل ابن عمير الا عن ثقة محل كلام لانه وجد منه و من يونس النقل عن غير ثقة.

و الجواب عنه انا لا نحتاج إلى إتعاب النفس لتصحيح السند لان اعتماد‌

____________

(1) أقول و هنا احتمال ثالث و هو أن يكون راجعا الى الوقوع فان الوقوع لا بأس به و هو الظاهر من الرواية و العبارة، و معنى عدم البأس بالوقوع فيها هو عدم نجاسة الثوب بذلك و هو و ان كان يحتمل معه نجاسة الماء و لكن الذيل كما ذكر يكون رافعا لهذا الاحتمال فان عدم البأس يكون لعدم نجاسة الماء و التعبد فقط بعيد.

263

الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) يغنينا عن ذلك و يحصل لنا الاعتماد بواسطة تمسك جلّ من الفقهاء ما لم يحصل بتوثيق بعض أهل الرجال و احتمال تمسكهم للمطلوب برواية أخرى في المقام لا يضر مع تمسكهم بهذه الرواية أيضا (1).

و قد أشكل ثانيا بان التعليل في ذيل الرواية غير معمول به في الفقه لان أكثرية الماء على القذر لا تدل على عدم الانفعال فمتن الرواية أيضا مخالف لما دل على عدم الاعتماد بذلك.

و الجواب عنه (2) ان ما في ذيل الرواية من التعليل يكون حكمة لا علة من العلل السارية في جميع الموارد و لا يضر بما نحن فيه.

ثم انه بعد غمض العين عما ذكرناه إذا كان في الرواية احتمالان و هو عدم البأس بالماء أو الثوب فان ثبت الاحتمال الأول فهو و الا فنفهم من ارتكاز العرف انه إذا حكم بعدم نجاسة الثوب يكون هذا لعدم نجاسة ملاقية و هو الماء فالماء اما‌

____________

(1) أقول أضف الى ذلك انهم لو أفتوا في مسألة و لم نعلم تمسكهم بهذه الرواية أو بغيرها من الروايات الصحيحة من حيث السند فيشكل الإذعان بأن هذا الخبر أيضا موثق عندهم بخلاف ما إذا جعلوه مستندا لفتواهم.

(2) حملها على ما ذكر خلاف الظاهر فان هذه العبارة لو كانت في غير المورد الذي ثبت خلافه يستفاد منها التعليل و عليهذا يمكن ان يكون الأكثرية في الباب سببا لعدم الانفعال و يؤيده الروايات التي دلت على ان تطهير البول يكفيه الماء إذا كان مثليه و عليهذا يمكن ان تكون هذه الرواية من الروايات المخصصة لما دل على انفعال القليل في سائر الأبواب و السر في ذلك يمكن ان يكون عدم شدة النجاسة في العذرة و لكنه في البول مشكل لأنه أنجس من الدم الذي ينفعل القليل به.

و الحاصل لا يمكن الجواب عن هذا الإشكال بأنه (عليه السلام) كان في مقام بيان الحكمة لصراحة الكلام في التعليل فاما ان يقال بإجمال الرواية أو كونها مخصصا لسائر الروايات التي دلت على انفعال القليل.

264

يثبت طهارته بدلالة المطابقة أو بالالتزام (1) و الشاهد على الثاني هو الحكم بنجاسة أشياء في الروايات الذي فهم من نجاسة الملاقي.

و منها حسنة محمد بن نعمان (باب 13 من أبواب ماء المضاف و المستعمل ح 1) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) اخرج من الخلاء و استنجى بالماء فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به فقال لا بأس به.

و تقريب الاستدلال هو ان ضمير لا بأس به ان كان راجعا الى الثوب فيخصص قاعدة كل نجس منجّس أو الى الماء فيخصص قاعدة ان ماء الغسالة نجس و لا يكون في هذه الرواية القرينة التي كانت في الرواية السابقة بقوله ان الماء أكثر من القذر و على اى حال فاما ان نقول بان الثوب لا بأس به فيلازمه (2) عدم البأس بالماء بالارتكاز العرفي أو ان الماء لا بأس به فلا يحتاج الى ذلك.

و منها صحيحة عبد الكريم العتبة الهاشمي (في الباب المتقدم ح 5) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أ ينجس ذلك ثوبه قال لا.

و تقريب الاستدلال بهذه الرواية أوضح من سابقتها لانه يسئل فيها عن منجسية الماء و يجاب بأنه لا ينجس ففيه تصريح بان ماء الاستنجاء لا ينجس الا ان الكلام في انه هل يكون طاهرا و لا ينجس أو نجسا لا ينجس و لكن لما ان ارتكاز العرف مساعد بأنه طاهر لا ينجس نحكم بطهارته.

و منها صحيحة محمد بن نعمان في الباب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت له استنجى‌

____________

(1) لازم هذا الالتزام هو الالتزام بعدم نجاسة العذرة أيضا أو الالتزام بنجاستها و نجاسة الماء و الثوب و لكن حيث ثبت في محله نجاسة العذرة نفهم أن الملاقاة لا تكون سببا للنجاسة في المقام.

(2) قد مر اشكال الملازمة فيما تقدم آنفا بالنسبة إلى الملازمة الحقيقية و اما العرفية فهو مما يساعد عليه العرف:

265

ثم يقع ثوبي فيه و انا جنب فقال لا بأس به.

و تقريب الاستدلال في هذه الرواية مثل الرواية السابقة عن محمد بن نعمان الا ان هذه صحيحة و تلك حسنة و لكن في هذه اضافة كلمة و انا جنب و هذه الإضافة صارت سببا للإشكال و هو القول بعدم نجاسة الماء القليل بملاقاة النجاسة لأن الجنب غالب أحواله النجاسة عند الغسل و الحكم بعدم البأس في هذه الصورة لا يكون الا لعدم نجاسة القليل فتصير الرواية من أدلة عدم انفعال القليل و لا يكون هذا القول مرضيا عند الفقهاء فلا تكون معمولا بها.

و الحاصل ما يفيده هذه لا يكون معمولا به و ما نحن بصدده و هو إثبات عدم نجاسة ماء الاستنجاء لا يفيده.

هذا كله إذا حمل تلك على أغلب أحوال الجنب اما ان قلنا بأنه ما كان نجسا بالمني فالاستدلال بها على المطلوب واضح هذا.

و لكن الإنصاف انه إن أحرز ان النظر كان متوجها الى طهارة ماء الاستنجاء و نجاسته من غير كونها بالمني فهو، و على فرض عموم الرواية أي عمومها بالنسبة إلى المنى و كون هذا الماء ماء الاستنجاء و الحكم بطهارتهما ظاهرا لا يمكن طرد الرواية من رأس بل نقول انه في صورة ملاقاته مع المنى قد خصص بالإجماع اما صورة عدم كونه كذلك و كونه ماء الاستنجاء فقط فيمكن الاستدلال بهذه الرواية أيضا مثل السابقة عليها (1)

____________

(1) أقول ان الظاهر من هذه الرواية كما فهموه ان السائل يسئل عن الاستنجاء في حال الجنابة و غالب أحوال الجنب النجاسة بالمني و الحمل على غير ذلك يكون نادرا فلا بد من طرد الرواية من هذه الجهة و لا يمكن الاستدلال بها للجهة الأخرى أيضا لأن الظاهر من ضم السائل الاستنجاء بحال الجنابة هو السؤال عن ماء الاستنجاء المنضم مع المنى.

و احتمال كون السؤال عن ماء الاستنجاء و كونه في حال الجنابة و لكن لا من جهة النجاسة بل لاحتمال نجاسة الماء الذي لاقى بدن الجنب و لو لم يكن نجسا بعيد و الحاصل صرف كونه جنبا لا يكون منشأ لانضمام قيد الجنابة و السؤال عنها بل نفهم من سئواله مع قطع النظر عن الغالب انه كان نجسا بالمني فالسؤال عن ماء الاستنجاء في هذا الحال و هذا النحو من السؤال لا يناسبه الجواب مطلقا بعدم البأس بل يجب التفصيل لكونه (عليه السلام) في مقام البيان فلا بد من حمل الرواية على ظاهرها و هو الإطلاق و هي غير معمولة بها بالإطلاق فلا وجه للاستدلال بها على صورة عدم الانضمام مع المنى.

266

و منها رواية لم يذكروها الأصحاب و لكن ذكر في الوسائل (باب 13 من المضاف ح 3) عن الكاهلي عن رجل عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت أمرّ في الطريق فيسيل علىّ الميزاب في أوقات اعلم ان الناس يتوضؤن قال ليس به بأس لا تسئل عنه و تقريب الاستدلال بهذا الحديث الشريف على وجهين الأول ان يكون المراد بعدم البأس و عدم السؤال عن حكمه هو بيان حكم ظاهري و هو جريان قاعدة الطهارة في هذا لانه يكون من (1) الموضوعات فلا يجب الفحص عنه فلا ربط له على هذا بما نحن فيه.

و الثاني ان يكون المراد به طهارة ماء الاستنجاء و النهي عن السؤال سرّه هو انه إذا سئل بالأخرة اما لا يصل الى كونه ماء استنجاء فلا يكون نجسا أو يكون ماء استنجاء فأيضا كذلك فما لا فائدة في سئواله ينهى عنه الامام (عليه السلام) و عليهذا يمكن ان يكون من الأدلة على طهارة ماء الاستنجاء و لعل الذين لم ينقلوا هذه الرواية رأوها غير مربوطة بالمقام و مربوطة ببيان قاعدة الطهارة هذا آخر ما استدل به للمقام من الروايات.

ثم انهم قد ذكروا طرقا فنيّة في المقام أكثرها عليلة.

فمنها ما تمسك به شيخنا الأعظم الأنصاري (قده) من التمسك بالعام في صورة الشبهة في المصداق مع معلومية حكم المخصص: بيان ذلك ان العام إذا خرج عنه‌

____________

(1) و هو الأظهر

267

فرد قطعا و لكن لا ندري انه يكون بالتخصيص أو بالتخصص مثلا مثل عام الصلاة معراج المؤمن خرج عنه الصلاة الفاسدة و لكن لا ندري انها لا يكون صلاة أو تكون صلاة و لكن خرجت بالتخصيص.

فقال المحقق الخراساني (قده) انه يكون خارجا بالتخصص و الشيخ (قده) على انا نتمسك بالعام في إثبات ان هذه صلاة خرجت بالتخصيص فكلام الأول يكون على مبناه في باب الأصول من ان الألفاظ وضعت للصحيح لا للأعم منه و الفاسد.

إذا عرفت ذلك فنقول في المقام لنا كبرى كل نجس منجّس خرج ماء الغسالة في الاستنجاء عنها يقينا و لكن لا ندري انه يكون بالتخصيص أو بالتخصص حتى ينتج على الأول انها على فرض نجاستها لا يلزم الاجتناب عنها و على الثاني انها طاهرة غير لازمة الاجتناب فقال الشيخ (ره) انها خارجة بالتخصص لأنه إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصص فالثاني أولى فماء الاستنجاء الذي يكون من أحد أفراد الغسالة لا يلزم الاجتناب عنه لانه طاهر.

و يرد عليه مضافا الى عدم تمامية كبرى الدوران أولا بأنه في المقام له معارض فان لنا عاما و هو ان الماء القليل ينفعل نقطع بخروج الغسالة عنه و لكن لا ندري انه يكون بالتخصيص أو بالتخصص (1) و حفظ العموم فيه يقتضي أن نقول بان ماء الغسالة نجس.

____________

(1) أقول انه لا يتعارض المقام مع ما ذكروه لان العام الأول على فرض القول بالخروج تخصصا ينتج طهارة ماء الاستنجاء و العام الثاني كما اعترفوا به هو ان القليل ينفعل خرج عنه ماء الاستنجاء و لكن لا ندري انه لا ينفعل حتى يكون تخصصا أو مع كونه ينفعل يحكم بعدم لزوم الاجتناب عنه حتى يكون تخصيصا فعلى فرض التخصص أيضا ينتج طهارة ماء الاستنجاء فأين المعارضة و اين التهافت في الحكم بالتخصص في العام الأول و الثاني و الحاصل لا إشكال في القول بأن الخروج في الأول و الثاني يكون من باب التخصص.

268

و الحاصل حفظ أصالة العموم في الأول يقتضي الطهارة في الأول و النجاسة في العام الثاني لأنه على المبنى يلزم حفظ أصالة العموم في كلا الطرفين.

أقول ان العام الثاني أعني كبرى ان الماء القليل ينفعل لا يخلو اما ان يكون من صغريات كبرى كل نجس منجس أولا بل يكون هذه كبرى مختصة بحكم الماء دون الاولى و عليهذا يمكن فرض القول بعاصمية القليل مثلا مع تسليم كبرى كل نجس منجّس فإنه يشمل الماء و غيره.

فعلى التقديرين يكون التخصيص أو التخصص في إحداهما لا يمنع القول به في الأخرى و لكن القول بالتخصص في ماء الاستنجاء بالنسبة إلى كبرى انفعال القليل لا يكون الا مع الالتزام بأن العذرة لا تكون نجسة و الالتزام بهذا كما ترى، فيلزم على فرض القول بطهارة ماء الاستنجاء تخصيص هذه الكبرى فيدور الأمر بين تخصيص كبرى أو تخصص اخرى لا تخصص هذا أو ذاك (1) و ثانيا لا نتسلم المبنى فان التمسك بالعام لإثبات خروج فرد منه تخصصا ممنوع لان المناط في ذلك بناء العقلاء و لا يكون لهم بناء عليهذا فانا نرى إذا قيل لهم أكرموا العلماء ثم قيل ثانيا لا تكرم زيدا لا يحكمون جزما بعدم عالمية زيد ليسلم العام عن التخصيص.

نعم إذا لم يكن حكم فرد من الافراد معلوما مثل ان لا نعلم ان زيدا من العلماء‌

____________

(1) أقول ان الدوران كذلك ممنوع ظاهرا بل ان قلنا بالتخصيص في إحداهما يجب القول به في الأخرى و ان قلنا بالتخصص ففيهما أيضا:

بيان ذلك انكم سلمتم ان التخصص في الثانية لا يمكن إلا مع القول بعدم نجاسة العذرة فنقول مثله في الأولى فإن الحكم بخروج ماء الاستنجاء عن حكم كل نجس منجس تخصصا لا يمكن الا مع القول بعدم نجاسة العذرة و الا فمع القول بنجاستها فكيف يمكن القول به فيكون خروجه من باب التخصيص على فرض القول بنجاستها و الحاصل على فرض القول بنجاسة العذرة فالتخصيص يكون فيهما و على فرض عدمه فالتخصص فيهما أيضا فلا يدور الأمر بين تخصيص إحداهما أو تخصص اخرى.

269

حتى يجب إكرامه أو من غيرهم حتى لا يجب نجري أصالة عدم وجوب إكرامه فينتج خروجه عن العلماء تخصصا.

ثم هنا طريق آخر للخروج تخصصا للمحقق الهمداني (ص 65 من كتاب طهارته) و هو انه يقول بانا نعلم ان فردا من افراد العام خرج عنه اى انخرم العام اما بان العذرة لا تنجس شيئا و اما بان الغسالة لا يجب الاحتراز عنها فإذا دار الأمر بينهما فالقول بعدم منجسية العذرة أهون من القول بطهارة الغسالة مع منجسيتها لانه مع القول بالثاني يلزم تخصيص كبريات كثيرة بخلاف الأول فإنه إذا قلنا العذرة لا تنجس خصص كبرى كل نجس منجس فقط و تكون سائر الكبريات سليمة عن التخصيص مثل كبرى لا يجوز شرب الماء النجس و لا يجوز الوضوء به و لا يجوز رفع الخبث به أيضا فإنه على القول بمنجسيتها يجب تخصيص جميع ذلك و أمثاله بقولنا إلا إذا كان ماء الاستنجاء.

و فيه أولا من الممكن ان لا يكون كبرى كل نجس منجس جارية في الماء القليل بان نقول انه أيضا عاصم مثل الكر و أمثاله فلا يكون القول بطهارة ماء الاستنجاء هو القول بتخصيص الكبرى بل هو خارج تخصصا حتى يكون من دوران الأمر بين التخصيصين و نقول بأن أحدهما أهون.

و ثانيا على فرض شمول الكبرى حتى الماء القليل فلا نقبل الأهونية في أحدهما لأن الأمر دائر بين القول بإطلاق لا بأس في رواية عبد الكريم حتى يشمل غير الثوب و يكون الماء في حكم الطاهر و بين القول بتخصيص كبرى كل نجس منجس في العذرة الملاقية للماء حتى يكون الماء طاهرا حقيقة و لا نرى وجها لتقدم أحدهما على الأخر (1) و للشيخ الأعظم الأنصاري (قده) كلام في نجاسة ماء الاستنجاء و خروجه عن الكبرى بنحو التخصيص (في طهارته ص 57) و هو انا نقطع بتخصيص كبرى كل‌

____________

(1) في هذا الجواب عندي نظر لانه يمكن ان يختار الإطلاق و مع ذلك يقرر دليله كما مرّ ففي الحقيقة هذا التقرير قاصر للجواب عنه.

270

نجس منجس فالعام سقط عن عمومه و لكن لا ندري ان التخصيص يكون بالماء اى الماء مع ملاقاته العذرة طاهر لا يلزم الاجتناب عنه أو ان الماء نجس و لكن الثوب مع ملاقاته للماء النجس طاهر كذلك فكبرى كل نجس منجس يكون لها المعارضة بالنسبة إلى الفردين فالمرجع عمومات الانفعال فإنه لا فرق بين ان يكون المعارضة في لفظ الدليلين أو من العلم الإجمالي كما فيما نحن فيه.

و الحاصل نحن مردد في التخصيص و التخصص و لا سبيل لنا الى القول بالثاني حتى نحكم بطهارة الماء ليكون خروجه عن كبرى كل نجس منجس بالتخصص و القاعدة عند الشك تقتضي الرجوع الى أدلة انفعال القليل و هذا الماء منه فيكون نجسا فإذا رأينا بعد ذلك حكم الشارع بطهارة الثوب نقول هذا الماء مع كونه نجسا لا ينجس الثوب فيخرج عن كبرى كل نجس منجس بالتخصيص.

و فيه ان كبرى الانفعال لا يكون إلا صغرى من صغريات كل نجس منجس و لا يكون شيئا آخر حتى يكون هو المرجع بعد عدم استطاعة كبرى العام لا ثبات شي‌ء.

فتحصل من جميع ما ذكرناه القول بطهارة ماء الغسالة بالملازمة العرفية (1) ثم ان الظاهر من الدليل على الطهارة هو القول بأنه رافع للحدث و الخبث و لكن الأول خرج بالإجماع المنقول عن الفاضلين. و تلقاه الأعاظم كصاحب المدارك و المعالم و الذخيرة بالقبول.

و برواية عبد اللّه بن سنان التي قد مرت (في باب 9 من أبواب ماء المضاف‌

____________

(1) السرّ كله في ان الملازمة عرفية و الا فلو كانت حقيقية لكان اللازم القول بطهارة العذرة و هو كما ترى و لكن بعد في الذهن شي‌ء و هو ان الملازمة العرفية محققة بالنسبة إلى طهارة الماء و طهارة العذرة لو لم نقل بالملازمة الحقيقة و لا بأس بأن يقال العذرة هنا طاهرة و في غير هذه الصورة نجسة و لا استبعاد في ذلك لأنها في حال الاستنجاء يمكن ان يكون طهارتها من باب عدم تلوثها بالميكربات الخارجية اما بعد مضى زمان فيمكن ان ينقلب أو يستحيل فتصير نجسة.

271

ح 13) على فرض شمولها للمقام و عدم اختصاصها بموردها فإنه نهى (عليه السلام) فيها عن الوضوء بماء استعمل في رفع الحدث الأكبر و ما استعمل لغسل الثوب (1) و الاشكال على الإجماع بأنه منقول مدفوع لان تمسك جمع من الأعاظم به يخرجه عن كونه منقولا و يوجب الاطمئنان بالتمسك بمفاده.

في الماء المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء (2) قد مر في المتن بأنه لا يجوز استعماله في الوضوء و الغسل و لكن في طهارته و نجاسته يكون الأقوال مختلفة: فنقول توضيح المقال يكون في ضمن جهات.

الجهة الأولى في نقل الأقوال: الأول الطهارة مطلقا سواء كانت مزيلة أم لا و سواء كان محتاجا الى التعدد أم لا و الثاني النجاسة مطلقا كما هو المشهور و الثالث مختار المصنف و هو القول بنجاسة المزيلة و طهارة غيرها و لكن يحتاط في مقام الفتوى‌

____________

(1) أقول ان شمولها للمقام مشكل لان الاستعمال في الحدث الأكبر عنوان آخر و على فرض الملازمة للنجاسة يكون داخلا تحت مطلق الغسالة و كذلك غسالة الثوب و ماء الاستنجاء خرج عنه على قول الأستاذ مد ظله تخصصا،

(2) أقول ان حاصل ما استفدنا من جميع الأدلة في المقام هو أن القليل ينفعل بواسطة الملاقاة و لو في حين الغسل و يكفي طهارة المطهر قبل الصب كما هو المرتكز و الروايات الواردة في نجاسة الغسالة لا تكون فيها التفصيل بين الغسلة المزيلة و غيرها و إطلاقها لا تكون في غاية القوة و ان كان يحتمل ان يؤخذ الإطلاق من رواية الطشت و غيرها و لا يكون لنا ارتكاز محرز بعدم الاجتناب عن الغسلة المطهرة سيما العرف الذي نراه أنه يغسل مقام الدفعتين الدفعات نعم الذي يكون مسلما هو أن العرف لا يجتنب عن القطرات التي تصب بعد تمام الغسل عرفا و كذلك لا يجتنب عما في الثوب و أمثاله من الرطوبة أو الماء بغير الغسل و العصر فلا يبعد القول بنجاسة الغسالة مطلقا و لا يترك الاحتياط بالقول بالنجاسة و اللّه العالم.

272

و الرابع ما عن سيدنا الأستاذ السيد ابى الحسن الأصفهاني (قده) و هو التفصيل بين المتعقب بالطهارة و غيرها ففي الثاني يقول بالنجاسة و تظهر الثمرة بين هذا التفصيل و تفصيل المصنف في صورة احتياج المغسول الى التعدد.

الجهة الثانية في الأدلة التي استدل بها المشهور على مدعاه و نذكرها أولا ليتضح ما في سائر الأدلة من الإذعان أو الرد و هي أمور: الأول عموم ما دل على انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة و هو مفهوم دليل الكر فان قوله الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء مفهومه انه إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء و كما ان في طرف المنطوق الإطلاق الأفرادي يشمل جميع النجاسات و الاحوالى يشمل جميع الحالات من الوارد و المورود فكذلك في طرف المفهوم فالماء القليل بواسطة صبّه على النجس أو وقوع النجس فيه ينجس سواء كان في الغسلة المزيلة أو غيرها.

و قد أشكل على هذا الدليل تارة بعدم قبول العموم الأفرادي في المفهوم و تارة من جهة عدم قبول العموم الاحوالى اما بيان الاشكال على العموم الأفرادي فهو ان نقيض السالبة الكلية هو الموجبة الجزئية فإنه ان حكم بعدم نجاسة الماء في صورة كونه كرا بقوله لا ينجسه يكون نقيضه ينجسه لكن ينجسه شي‌ء مّا لا جميع الافراد من النجس.

و فيه ان العموم في طرف المنطوق ينحل على (1) الافراد اى البول و الغائط و الدم و المتنجس و النجس لا ينجس الكر و ينجسه شي‌ء يكون قضية شخصية في مقابل قضية شخصية ينحل إليها العموم في طرف المنطوق و نقيض الجزئي جزئي فإنه إذا اشترط الكرية لعدم النجاسة فعند عدم الشرط ينتفى المشروط لأنه علة تامة للحكم‌

____________

(1) أقول هذا مضافا الى إنكار كون قضية المفهوم من باب التناقض لان الوحدات الثمانية أو العشرة منها وحدة الشرط و في كل المفاهيم المخالفة لا يكون الشرط في القضيتين واحدا و قولنا إذا بلغ قدر كر فيما نحن غير قولنا ما لم يبلغ قدره فالبالغ و غير البالغ موضوعان و الشرط متعدد.

273

و اما الإشكال عليه من جهة العموم الاحوالى فهو انه يعلم من الفرق بين الوارد و المورد فإنه في الأول يمكن إنكار الإطلاق كما يظهر من مطاوي ما نذكر.

و لا يخفى ان الاحوالى يكون على وجهين: الأول: من جهة كونه واردا أو مورودا و الثاني من جهة كونه مزيلة أو غيرها فان المستشكل ان أنكر الإطلاق الأول بأن يقول الوارد خارج عن الحكم بالانفعال فلا يحتاج الى الاستدلال بالإطلاق الثاني لأنه يقول: الوارد سواء كان مزيلا للنجاسة أو غيره لا ينجس فلا يبقى مقام للاستدلال به على الفرض.

و اما تقريب القول بالإطلاق و ردّ ما يدعيه المنكر فهو ان نقول لها لا يكون لنا قاعدة مبينة من طرف الشرع لكيفية التطهير في النجاسات فلا محالة تكون الكيفية موكولة إلى نظر العرف فنقول للعرف هنا غريزة و هي انه يفهم من قوله الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء و إذا لم يبلغ ينجسه شي‌ء أن النكتة للتنجيس هي الملاقاة و هذا حاصل في الوارد و المورود.

فان قيل هذا الارتكاز صحيح في صورة اجتماع الملاقي و الملاقي في مكان واحد اما ما يمرّ على شي‌ء فالعرف لا يساعد على صدق الملاقاة فيقال في جوابه ان الدعوى لا شاهد له، على انه ينقض بموارد الحكم بالتطهير مع اجتماع الماء فإنهم يحكمون بحصول الطهارة في قدر كبير يدور الماء إلى أطرافه في الدفعات و خروج الغسالة منه في كل دفعة و كذلك الكأس و أمثاله فكيف يحكم بالتطهير (1) فلا فرق بين الوارد و المورود.

____________

(1) أقول ان النقض غير وارد لانه يمكن ان يلزم بطهارة الأواني و نجاسة غسالته و لذا يجب إخراجها لأنه على مسلكه و هو اجتماع المتنجس مع الماء و صدق الملاقاة تكون الغسالة هنا نجسة و هو موافق لمسلكه و لا يكون نقضا عليه لأن النكتة هي صدق الملاقاة بالاجتماع فادعاء انه من قسم الوارد الذي قال بطهارة غسالته ممنوع لما مر و لكون المقام مثل المورود حكما.

274

ثم هنا اشكال عويص يرد على المشهور و هو انه إذا كان المغسول بالماء القليل هو الثوب و أمثاله فكيف يحكم بطهارة الثوب مع بقاء بعض الغسالة في جوفه فلا بد من الالتزام اما بالطهارة و هو خلاف مذهبه أو بالنجاسة كالخارج و هو يستلزم عدم حصول التطهير في الثوب بالماء القليل أو بطهارة الباقي و نجاسة الخارج بان يقول الباقي يكون طاهرا من الأول فنقول من اين يعلم التميز على ان الماء الواحد كيف يكون له حكمان و لهذا قال سيدنا الأصفهاني بان المتعقب بالتطهير طاهر.

و لكن نحن نجيب عن هذا الاشكال مع اختيار الأخير بأن التميز عند اللّه معلوم و هو يكفى فما يبقى طاهر من الأصل و الخارج يصير نجسا و الماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد ما لم يصر ذا عنوانين مثل الجاري إذا تغير بعض أطرافه بالنجس نحكم بنجاسة ما تغير و طهارة الباقي (1) فما نحن فيه الباقية و الخارجية عنوانان فان قيل هذا يوجب تخصيص قولنا الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء فنقول بعد إثبات ان التطهير بالماء القليل صحيح نكون في ضيق الخناق و لا بد من هذا القول.

و بعبارة أخرى ندعي انصراف دليل الانفعال عن المورد و لكن الإنصاف ان الذي ذكرناه من الجواب لا يساعده ذوق العرف بل التحقيق مسلك سيدنا الأصفهاني كما سيجي‌ء ثم انه لا يخفى كما ظهر مما ذكرناه ان الاشكال على المشهور لا يكون من جهة عدم حصول التطهير بالقليل لانه صار بالملاقاة نجسا لانه مدفوع بأن الطهارة قبل الملاقاة تكفى بل من جهة ان الماء في الثوب اجتمع و الملاقي و الملاقي يكونان معا.

الثاني من أدلة المشهور على النجاسة هو الاخبار الواردة في المقام: منها رواية‌

____________

(1) أقول ان هذا قياس مع الفارق و هو ان هذا عاصم و ان كان تعدد العنوان صحيحا على ان تعدد العنوان و هو الصغرى في المقام ممنوع و لو ثبت حصول التطهير بالقليل من دليل قطعي يجب استفراغ الوسع لدليل آخر فنيّا و الا السكوت و الحكم بالتعبد.

275

عيص بن القاسم المنقول عن المنتهى و المعتبر و الذكرى و الخلاف (باب 9 من أبواب المضاف في الوسائل ح 14) قال سئلته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال ان كان من بول أو قذر فيغسل ما اصابه.

تقريب الاستدلال انه من الحكم بوجوب غسل ما اصابه يفهم النجاسة.

و أشكل عليها سندا و دلالة اما الأول فللارسال و الإضمار و الثاني واضح من قوله سئلته، و الأول لأن الرواية منقولة عن عيص و لا يكون في كتب الاخبار بل في كتب الفقهاء و لا نعلم الواسطة منه و بين الامام (عليه السلام).

و فيه ان الإضمار لا يضر لان من كان من دأبه نقل الروايات عن المعصومين (عليهم السلام) لا ينقل رواية عن غيرهم فإنه بعيد جدا و الإرسال لا يتحقق لان الظاهر من نقل الشيخ عنه هو النقل عن كتابه لأن له كتابا معروفا و طريق الشيخ عنه حسن كما في الفهرست للشيخ و كتاب الرجال للمامقانى (قدس سرهم)ا) على ان تمسك الفقهاء بروايته يكفينا.

نعم لو يثبت له طريق و لم يكن تمسك الفقهاء و نقله عنه يمكن الخدشة و كيف ذلك و ان ممن تمسك بها هو الشهيد مع انه يكون له بسط يد في الرجال.

و اما الثاني و هو الدلالة فقد أشكل عليه أولا بأن وجوب الاجتناب عن القطرات في المقام يكون سرّه وجود العين فيه و القائل بطهارة الغسالة لا يقول بطهارة هذه الصورة ليستدل له بالرواية.

و فيه ان هذا متين على القول بان المزيل للعين هو الماء فقط لا غير حتى يكون لازمه ان مثل البول الذي يجف بالشمس أيضا لا يذهب عينه بالجفاف فعلى هذا يتمشى القول بالنجاسة لوجود العين اما على القول بالتفصيل و هو ان بعضها يذهب بالماء و بعضها يزيل بغيره فالرواية مقتضى إطلاقها هو الأعم مما فيه العين أولا فلا يرد عليه الاشكال و هذا هو الحق.

و ثانيا بان الغالب لما يكون في النجاسات وجود العين عند الغسل فندعى انصراف الرواية اليه.

276

و فيه ان لفظ الوضوء أعم من ان يكون فيه العين أولا و لا يصح الانصراف الذي يكون منشأه الغلبة الخارجية.

و منها موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (باب 53 من أبواب النجاسات ح 1) قال سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل و كم مرة يغسل قال يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيحرك ثم يفرغ ثم يصب ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك ثم يفرغ منه و قد طهر.

و تقريب الاستدلال هو ان الأمر بتفريغ الماء في كل دفعة دليل على نجاسته و الا فلا وجه له في الدفعة الثالثة.

و فيه انه يمكن ان يكون الدفعة الثالثة أيضا مثل الاولى و الثانية مؤثرة في تحقق الغسل ثلاث مرات فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال (1).

و منها روايات باب الحمام (باب 11 من أبواب الماء المضاف) فإنها بعبارات مختلفة ففي بعضها من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومنّ الا نفسه و في بعضها لا تغتسل من ماء الحمام معللا بان فيه غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و أمثال هذه العبارات.

و تقريب الاستدلال بها واضح و هو ان الأمر بالاجتناب لا يكون إلا للنجاسة.

و فيه ان هذا المورد نجاسته يكون متسالم الجميع في الفقه حتى القائل بطهارة الغسالة لأنه يكون فيه الأعيان النجسة مخلوطا بها و القول بخلافه شاذ مثل من يقول بطهارة غسالة المزيلة أيضا.

ثم انه قد زعم بعض منهم في مقام الجواب عنها انها معارضة في موردها بيان ذلك: ان لنا روايات في باب الحمام يستفاد منها جواز الغسل بمائه ففي بعضها هو بمنزلة الجاري و في بعضها لا بأس ان يغتسل منه و يقول الامام (عليه السلام) و انا اغتسل منه‌

____________

(1) أقول و أضف الى ذلك ان المؤيد له هو ان الأمر بالتفريغ في الدفعات يكون توضيحا للغسل ثلاث مرات.

277

و تقريب الاستدلال به ان جواز الغسل يكشف عن الطهارة.

و فيه ان الطائفة التي زعموا معارضتها تكون في أصل ماء الحمام لا غسالته فالمورد فيهما متعدد.

ثم انهم قد عالجوا المعارضة و دفعوها بان في بعض الروايات ان له المادة و لذا يحكم بجواز الاغتسال اما ما نهى عن الاغتسال به فلا يكون متصلا بها.

و منها رواية دعائم الإسلام (في المستدرك باب 3 من أبواب النجاسات ح 2) عن على (عليه السلام) في المني يصيب الثوب يغسل مكانه فان لم يعرف مكانه و علم يقينا أصاب الثوب غسله كله ثلاث مرات يفرك (1) في كل مرة و يغسل و يعصر.

و تقريب الاستدلال بان وجوب العصر يكون كاشفا عن النجاسة و ان الطهارة يحصل به و الا فلا وجه له.

و قد أشكل عليه كما في الموثقة بأنه يمكن ان يكون محققا للغسل و فيه ان هذا لا يرد لأن في الكر و الجاري يتحقق الغسل و لا يلزم العصر (2).

و الدليل الثالث للمشهور هو الإجماع المنقول عن المنتهى و التحرير و لكن الكلام فيه بعد غمض العين عن كونه منقولا و جبره بتمسك المشهور هو ان الناقلين له يفهم من بعض عباراتهم ان ما يكون فيه نجاسة عينية فغسالته نجسة و هذا يشمل المزيلة فقط فالدليل أخص من المدعى لان المشهور يدعى نجاسة أعم من المزيلة و غيرها كما استظهر ذلك المحقق الهمداني (قده) أيضا نعم حملوه بعضهم على ان المراد به نجاسة الغسالة مطلقا و ان المراد بالمزيلة للعين ما يصدق عليه بالفارسية (شستشو) و هو يصدق بتمام الغسل.

اما الدليل على قول من يذهب إلى طهارة المتعقبة بالطهارة و منهم سيدنا‌

____________

(1) و فرك الثوب دلكه.

(2) أقول و فيه ان فيهما أيضا محل كلام فان بعضهم يحكمون بوجوب العصر و لعله هو الأصح لأن الغسل العرفي لا يصدق بدون العصر حتى في الكرّ و الجاري.

278

الأستاذ السيد أبو الحسن الأصفهاني (قده) هو ان الدليل على الانفعال يكون العمومات و الخاص لا يدل على المقام فلنا عام الانفعال و هو مفهوم دليل الكر فنقول نلتزم بان له إطلاق أفرادي و إطلاق أحوالي في غير المورد اى تعقبها بالتطهير و الدليل على انصرافه عن هذا المورد اما هو الذوق العرفي (1) فإنه لا يستقذر من الماء الذي يكون في الدفعة الأخيرة أو ضيق الخناق في باب طهارة الثوب فإنه كما مر اما ان يقال بأن الباقي نجس فلازمه عدم طهارة الثوب بالقليل أصلا و اما ان يحكم بطهارة الداخل و نجاسة الخارج فالماء الواحد لا يكون له الا حكم واحد و اما ان يقول بطهارتهما و هو خلاف مسلك المشهور في نجاسة الغسالة فيدور الأمر بين القول بتخصيص العام في الثوب أو خروج الثوب تخصصا و لعل القول بالثاني أولى لأن ضيق الخناق يفيد الانصراف‌

____________

(1) أقول ان هذا لا يساعده العرف لانه و ان كان يرى نجاسة غير المزيلة و ما فيه عين النجس أخف من غيره لكن مع ذلك يستقذر ما خرج و كأنه يرى حمل قذارات الثوب الى الماء و اما عدم استقذاره ما يدخل في الثوب فلا يكون الا من جهة ما استفاده من حكم الشارع أو عدم ردعه في صدر الإسلام عمن يفعل ذلك اى يطهر الثياب بالقليل و عدم توجه العرف أيضا بأن هذا الاشكال يكون في المورد و الا فيتوقف و يسئل حكمه.

فعلى هذا بعد كون دليل الانفعال عاما يشمل المقام أيضا فكون طهارة الثوب بالقليل من ضروريات الدين بواسطة الفحص في الأدلة و السيرة لا يمكن ان يكون موجبا للانصراف و الا فكل عام إذا كان له مخصص قطعي يجب القول بانصرافه عن مورد المخصص لئلا يلزم التخصيص و يتمشى ان نقول لا خصيصة لخروج هذا الفرد تخصيصا فيجب ان يكون تخصصا.

و الحاصل ما استفدنا من كلام الأستاذ في الأصول ان الانصراف يجب ان يكون عن حاق اللفظ فإنه إذا قيل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ أو قيل أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ يكون عند إلقائه منصرفا في نظر العرف عن غير الوطي و الأكل و ما نحن فيه ليس كذلك بان يفهم عن إلقاء دليل الكر عمومية المفهوم لغير مورد التطهير ان كان منشأ الانصراف الذوق العرفي كما هو المناط و بعد إلقاء هذا الدليل إذا تفحص و ظهر له من الشرع ان الثوب يطهر بالقليل لا يكون هذا سببا للانصراف له بل هو دليل مخصص فلا وجه لأولوية ما ذكروه في هذا الباب.

279

و اما الدليل على قول القائل بالطهارة مطلقا فأمور، و المهم منها الأخبار الواردة في الباب.

فمنها رواية الأحول عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (باب 13 من الماء المضاف ح 2) في حديث قال أ و تدري لم صار ماء الاستنجاء لا بأس به قلت لا و اللّه فقال ان الماء أكثر من القذر. و تقريب الاستدلال هو ان الماء أكثريته من القذر صارت سببا للطهارة فالعلة عامة فكلّما كان الماء أكثر من القذر في أيّ نجس كان لا بأس به.

و فيه أولا ان هذا اعنى تعليله (عليه السلام) حكمة (1) لا علة حتى يكون لها العموم على ان المورد يكون في ماء الاستنجاء و هو الذي يستعمل في طهارة موضع النجو و لا يمكن ان يكون الحكم الخاص بمورد ساريا إلى سائر الموارد مع انه لو فرض العموم و نسلم العلية فتكون الرواية من أدلة من ذهب الى عدم انفعال الماء القليل و القائل يكون ممن دأبه الانفعال فكيفما كان لا تدل هذه الرواية على مطلوبهم لان الأكثرية اما هي علة لا تفيد القائل أو حكمة كذلك.

و منها ما ورد في غسالة الحمام بأنه لا بأس بها بالسنة مختلفة أدلها دلالة مرسلة الواسطي (في الوسائل باب 9 من أبواب المضاف ح 9) عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا عن ابى الحسن الماضي (عليه السلام) قال سئل عن مجتمع ماء في الحمام من غسالة الناس فيصيب الثوب قال لا بأس.

و تقريب الاستدلال ان غسالة الحمام لا تكون خالية من الخبث لان الناس غالبا يدخلون الحمام لرفع القذرات و من حيث انهم جنب غالبا يستعملون الماء أكثر من دفعة في رفع القذارة فمع ذلك إذا حكم (عليه السلام) بعدم البأس نفهم طهارة الغسالة.

____________

(1) قد مر بيان الإشكال بأن هذه التعابير ظاهرة في العلية لا الحكمة.

280

و فيه ان الحاصل مما استفدنا من روايات الحمام هو ان لنا مجتمعين من الماء في الحمام أحدهما مجتمع الماء الذي يكون هو الحياض الصغار المتصلة بالمخزن و هو لا كلام فيه لانه لا ينجس لانه متصل بالعاصم فهو في حكمه.

و ثانيهما الآبار التي تجتمع فيها الغسالة و هذه غالبا يكون فيها عين النجس كما ادعى الخصم ان الغالب فيهم النجاسة فهذه النجاسة تجرى بواسطة الماء و يصل الى الابار و لا يقول أحد بطهارة ذلك.

فان قال الحكم بعدم البأس لعله يكون لاتصال الابار بما يجرى عن أطراف الحياض الصغار فيصير هذا خارجا عن محل الكلام لانه يصير من العاصم (1) و منها ما ورد عن أبي هريرة ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) أمر بتطهير المسجد من بول الأعرابي يصب الذنوب من الماء. و الذنوب هو الأقل من القربة (في مستدرك الوسائل باب 52 من النجاسات ح 4) متن الرواية «ان اعرابيا بال في المسجد فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله) صبوا عليه سجالا من ماء أو قال ذنوبا من ماء.

و تقريب الاستدلال بأنه لو صار القليل نجسا في الاستعمال و بعده فهذا الطريق لا يوجب طهارة المسجد بل يوجب اتساع النجاسة إلى الأطراف فلا بد من القول بالطهارة و فيه انها ضعيفة بابى هريرة أولا و ثانيا يكون قضيته في واقعة و حكما في مورد لا ندري كيف كان ذلك المورد فيمكن ان يكون المراد بصبب الذنوب عليه لحصول الرطوبة حتى يطهره الشمس أو الذنوب كان مثل القربة التي كانت واحدة منها بمقدار الكر أو كان في طرف من المسجد بحيث يخرج غسالته الى الخارج أو الى البئر مثلا فلا تدل‌

____________

(1) أقول انه على فرض وجود النجاسة فيها لا يكفى الاتصال بالحياض أيضا لأن المتصل بالعاصم إذا كان فيه عين النجاسة مخلوطة بها لا يكون طاهرا. و لو سلم يكون هذه معارضة بما دل على نجاسة غسالة الحمام و له التقدم لموافقته للمشهور مع كثرته.

281

على مطلوبهم (1).

و منها ما ورد من صب الماء على الثوب في بول الرضيع (في الوسائل باب 3 من أبواب النجاسات ح 1) عن الحسين بن ابى العلاء قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصبي يبول على الثوب قال تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره.

و تقريب الاستدلال بها هو ان كفاية الصب مرة دليل على طهارة الغسالة.

و فيه ان هذا الحكم في مورد خاص و هو بول الصبي الغير المتغذي كما في بعض الروايات أو لأنه أخف نجاسة كما في البعض الأخر فلا يمكن الاستدلال به لجميع الموارد.

و منها صحيحة محمد بن مسلم (في الوسائل باب 2 من أبواب النجاسات ح 1) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول قال اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة.

و تقريب الاستدلال ان ماء المركن و هو الإجانة لا يصير نجسا بالدفعة الاولى فلذا يمكن ان يغسل فيه دفعة ثانية فهذا هو الكاشف عن عدم نجاسة غسالة الثوب في المركن.

و فيه ان الظاهر من الرواية خلاف هذا بل هي في صورة وضع الثوب في المركن و صب الماء عليه دفعة و خروج غسالته ثم غسله دفعة اخرى كذلك فيمكن ان يكون في مرسوم ذاك الزمان كذلك و طهارة المركن تكون تابعة لطهارة الثوب أو نلتزم (2) بأنه نجس و الثوب يصير طاهرا.

و منها ما عن محمد بن نعمان (باب 13 من أبواب المضاف ح 4) عن أبي عبد اللّه‌

____________

(1) أقول هذا كله مضافا الى ان السجال يكون جمع سجل و هو الدلو العظيمة و الجمع فيه اشعار على لزوم الدفعات.

(2) أقول ان الالتزام بذلك مشكل لان المركن إذا كان نجسا حتى بعد خروج الغسالة فكيف يتمشى القول بطهارة الثوب مع ملاقاته مع هذا.

282

(عليه السلام) قال قلت استنجى ثم تقع ثوبي فيه و انا جنب فقال (عليه السلام) لا بأس به.

و تقريب الاستدلال بعد استظهار ان الجنب لا يخلو بدنه عن مقدار من المنى بوجهين الأول ان يكون المراد من الاستنجاء أعم من الجنابة و البول و الغائط و الثاني ان يكون المراد به هو الخاص لكن العادة لما تكون في الجنب بقاء القذارة المنوية فيه حكمنا بأنه كان أعم و على التقديرين الحكم بعدم البأس مع ذلك دليل على طهارة ماء الغسالة.

و فيه ان العادة ممنوعة و الاستنجاء هو الخاص لانه يضيف بعد قوله استنجى و انا جنب فلعله كان في ذهن السائل ان الاستنجاء مع الجنابة نجس فأجيب بأنه لا بأس أي لا يصير الجنابة سببا لعدم طهارة ماء الاستنجاء على انه على فرض الغلبة و التعميم لا يشمل غير المورد من الموارد بل هو حكم مخصوص بان ماء الاستنجاء و لو مع المنى طاهر.

الدليل الثاني لهم انصراف أدلة الانفعال اى لا يكون له إطلاق أحوالي حتى يشمل مورد التطهير أيضا.

و فيه ان دعوى الانصراف بالنسبة الى غير المتعقبة بالتطهير ممنوع و فيها صحيح لان العرف يرى انه ماء قليل لاقى النجس.

الدليل الثالث لهم انه لو قلنا بنجاسة الغسالة يجب ان نسقط قواعد ثلاثة مسلمة في الفقه الاولى ان الماء المطهر يبقى على طهارته الى ان يطهر المحل و بعد طهارة المحل لا وجه لنجاسته فالقول بها موجب لعدم قبول هذه القاعدة.

و فيه أولا انها لا سند لها و استفادته من العرف الذي حوّل اليه كيفية التطهير أيضا ممنوع لانه لا يراه كذلك.

و ثانيا نستفيد من الفقه ان المطهرات ثلاثة الشمس و الماء و حجر الاستنجاء فإن الأولى تطهر و لا تنجس قطعا و الثاني العاصم منه يطهر و لا ينجس قطعا و حجر الاستنجاء يطهر و ينجس قطعا بقي الماء القليل فإنه مشكوك الطهارة و النجاسة بعده‌

283

و لا دليل لنا على الطهارة مع الدليل على انفعال القليل.

الكبرى الثانية انه يشترط في المطهر ان يكون طاهرا فكيف يمكن ان يكون النجس سببا للطهارة.

و فيه ان المسلم من هذا انه يشترط الطهارة قبل الاستعمال اما بعده فلا يساعده الدليل.

الكبرى الثالثة هي ان التناسب بين العلة و المعلول شرط و لا يمكن ان يكون شي‌ء علة لضده فان الماء إذا لاقى النجس ينجس لا محالة فكيف يمكن ان يكون في هذا الحال مطهرا سواء كانت الطهارة و النجاسة ضدين أو نقيضين فلا بد اما من رفع اليد عن هذه القاعدة أو القول بان القليل لا ينفعل و الأول محال فيتعين الثاني.

و قد أجاب عن هذا الاشكال شيخنا الأستاذ النائيني (قده) بأنه لا سببية تكوينا في باب التشريعيات فان خروج المنى لا يكون سببا في عالم التكوين لوجوب الغسل و دلوك الشمس لا يكون سببا لوجوب صلاة الظهر و كذلك فيما نحن فيه صب الماء لا يكون علة للتطهير فكلما يرى من ظاهر دليل الشرع انه يكون علة معناه انه ظرف لهذا اى الجنابة و الدلوك و صب الماء ظرف لوجوب الغسل و الصلاة و حصول الطهارة فلا غرو ان يكون الماء النجس ظرفا لحكم الشارع بحصول التطهير و جعله فإن الأمور بيده يجعل و يرفع.

و فيه ان هذا الجواب لا يرفع الإشكال لأنه على فرض قبول مبناه في الأصول بأنه لا علية تكوينا في باب التشريعيات و لم نقل انه خلاف التحقيق لا ينفع فيما نحن فيه لانه و لو لم يكن علية تكوينا بين الطهارة و صب الماء و لكن كيف يمكن ان يكون ما هو النجس علة لجعل ضده و هو الطهارة (1).

____________

(1) أقول انه لا استبعاد في ذلك بعد قبول انه لا تكون في باب التشريع علية تكوينية لأن هذا ظرف لا دخالة له في المظروف و علة الجعل تكون ملاكات الاحكام في الواقع الا ان يدعى ان الطهارة في نظر الشرع هي النظافة في نظر العرف و نحن نرى بالوجدان ان الماء يكون سببا تكوينا لحصول النظافة و هذا في الواقع هو إنكار المبنى في هذا الباب و اما ان قلنا انه غير النظافة العرفية فلا إشكال في الجعل في هذا الظرف و لكن الإنصاف ان الطهارة في نظر الشارع هي النظافة في نظر العرف مع جعل خصوصية و هي انه يلزم التعدد أم لا لانه عالم بالخفيات من الأمور و بشدة بعض الميكربات و القذارات بحيث تحتاج الى الغسل أزيد من غيرها.

284

و الجواب الصحيح في المقام انه انما يكون الكلام في ما كان الماء طاهرا قبل الاستعمال لا ما هو النجس حتى يكون مطهرا في عين النجاسة فعلى هذا ففي الان الأول من الملاقاة يطهر و ينجس (1) فيمكن ان تكون الغسالة المتعقبة بالتطهير طاهرة بالانصراف الذي قد مر.

ثم ان هنا قاعدة أخرى لهم لطهارتها و هي لزوم الحرج و هو غير مجعول في الدين و له موارد منها ان الماء إذا التزمنا بنجاسته إذا خرج عن الجزء الأول في صورة كون المكان متسعا مثل اليد و الرجل و الثوب و أمثال ذلك فينجس بقية الأطراف و أيضا على فرض القول بطهارة الماء المتخلف في الثوب و أمثاله على فرض نجاسة الخارج من اين يعرف قدره فان بعض الناس لهم قوة للعصر أكثر‌

____________

(1) أقول انه لا يخفى ان هنا اشكالا على القائل بنجاسة الغسالة و هذا الجواب كأنه قاصر عما نحن بصدده لانه يمكن ان يكون في الان الأول طاهرا فيأخذ النجاسة من الحمل و يعطى طهارته في هذا الان و لا غرو فيه لان الفعل و الانفعالات التكوينية كثيرا ما تكون كذلك و لكن هذا لا يرفع الاشكال بحذافيره لان الكلام يكون فيما بعد هذا الان أيضا لأن المحل الذي نكون بصدد تطهيره يكون ذا اجراء لا محالة فعند مرور الماء على سائر الاجزاء على فرض نجاسته في الان الأول و طهارة الجزء الأول فكيف يتمشى ان يكون مطهرا فيعود الاشكال نعم على مسلك من يقول بأن الغسالة المتعقبة بالتطهير طاهرة يتمشى ذلك و لكن سره هو انه لا ينجس حتى في الان الأول فالقائل بنجاسة الغسالة مطلقا لا يرفع اشكاله.

285

من البعض الأخر مثل الشاب و الهرم فلا بد ان نقول بالطهارة لرفع المحذور و كذلك يلزم الحرج ان قلنا بالنجاسة في صورة وجوب الاجتناب عن القطرات التي تتفرق.

و فيها ان الاشكال في المورد الأول مندفع لان الجميع بحسب غسله واحدة و اما ما يلزم من الحرج في صورة الاجتناب عن القطرات فهو اما ان يكون نوعيا أو شخصيا فعلى الثاني نقبله و نقول يكون هذا دائر مدار الشخص فيمكن ان يكون على احد من الناس حرجا دون الأخر فالاجتناب بالنسبة إلى النوع لا يكون حرجيا و اما إثبات ان المناط في الحرج هو النوعي فدونه خرط القتاد و لا يخفى انه مع قبول الحرج تكون الغسالة نجسة غير لازم الاجتناب فهذا لا يفيد طهارة الماء (1).

في ان الغسالة على فرض طهارتها هل يرفع الحدث و الخبث أم لا ثم ان ماء الغسالة على فرض طهارتها هل يرفع الخبث و الحدث أم لا.

فيه أقول: الأول و هو المشهور انه لا يرفع أحدهما و الثاني انه يرفع مطلقا كما عن الأردبيلي و الحدائق و الثالث التفصيل بين الحدث و الخبث برفعه الثاني دون الأول كما عن الهمداني (قده) و ما هو الحق هو قول المشهور و لكل دليل.

اما الدليل على قول المشهور فيمكن ان يكون ادعاء انصراف أدلة الغسل‌

____________

(1) أقول اما الجواب عن اشكال العصر و اختلاف مراتبه فلم يقرّبه الأستاذ مد ظله و لكن يمكن ان يقال بعد إثبات ان الثوب و أمثاله يطهر بالماء القليل من الشرع فيمكن ان يكون الباقي طاهرا في كل فرد بحسبه لان حكم الشارع بذلك يكون في دائرة ان الناس مختلفون في العصر و ان كان احد يطهر ثوب نفسه و الالتزام بقدر مخصوص من العصر هو أيضا حرج آخر فهذا الإشكال أيضا مندفع فقاعدة الحرج غير مفيدة بتمامها.

286

(بفتح الغين) و الغسل (بضمها) بالماء فإنه بعد الأمر بأنه يجب ان يكون بالماء ينصرف الماء عن مثل الغسالة في نظر العرف فعلى القول بالانصراف يتمشى القول بعدم رفعها الخبث و الحدث و اما على فرض عدم قبول الانصراف فلنا رواية خاصة لخصوص عدم رفع الحدث بها و هي رواية أحمد بن الهلال (في الوسائل باب 9 من المضاف ح 13) و فيها الماء الذي يغسل فيه الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ به و أشباهه (1).

و تقريب الاستدلال انه بعد عدم خصوصية للثوب في ذلك بل مطلق الغسالة يكون مرادا هو انه حكم بعدم جواز الوضوء به صريحا و أشباه الوضوء هو الغسل فدلالة الرواية على المطلوب واضحة فعلى تقدير إطلاق روايات الغسل بالماء حتى في مورد الغسالة فهذه الرواية تكون مقيدة لها.

و أشكل عليه سندا بواسطة أحمد بن الهلال فإنه ضعيف و قد مر الكلام في صفحات قبل في شأن أحمد بن الهلال و قلنا ان المناط بالوثوق الخبري و هو هنا حاصل لأن الرواية تكون معمولة بها عند المشهور. ثم انهم قد تمسكوا أيضا لعدم جواز رفع الحدث بالإجماع المنقول عن المنتهى و المعتبر و فيه انه مع كونه منقولا نحتمل ان يكون له سند و هو ان المجمعين على عدم الجواز يمكن ان يكون سندهم نجاسة الغسالة و نحن نبحث على فرض الطهارة فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

هذا تمام الكلام في البحث عن عدم جواز رفع الحدث بالغسالة.

____________

(1) أقول ان الكلام فيها هنا كالكلام فيها فيما مر فان من شرط الماء للغسل و الوضوء و رفع الخبث هو الطهارة و لو كانت حاصلة لا وجه لعدم الجواز و يحمل النص على صورة النجاسة أو غيرها و الانصراف عن الغسالة ممنوع جدا و لو كان يكون من جهة نجاستها.

287

في الكلام في رفع الحدث و الخبث بالغسالة أما الدليل على عدم جواز رفع الخبث و الحدث فهو أيضا اما الانصراف اى انصراف أدلة الغسل عن ماء الغسالة و هو هنا أقوى من التمسك به لرفع الحدث و على فرض عدم قبوله و الاشكال فيه بأنه بدوي للغلبة في نظر العرف للماء الغير المستعمل فإنه إذا قيل مثلا اغسل بالماء يأتي في الذهن أولا الماء الطاهر الذي ما استعمل في رفع الحدث و الخبث لان الغالب في افراد الماء و في التطهيرات يكون هذا دون المستعمل.

فلنا دليل خاص و هو موثقة عمار السّاباطي (باب 53 من أبواب النجاسات ح 1)- عن أبي عبد اللّه قال سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل و كم مرة يغسل قال يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه ثم يصب ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرق ذلك الماء ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك ثم يفرغ منه و قد طهر.

أقول انه يستفيد أولا النجاسة منها و معها لا تبقى النوبة للقول بمطهريتها.

و تقريب الاستدلال بها بوجهين:

الأول أمره (عليه السلام) بصب ماء آخر يكون دليلا على عدم جواز التطهير بالغسالة التي خرجت من الإناء فإنه لو كفت هذه للتطهير فلا يكون وجه للأمر بالغسل بماء آخر و الثاني يفهم من امره بتفريغ الماء في الدفعات انه لا يجوز التطهير بها و لو قيل كان هذا لصدق الغسل قلنا يكفى لصدق الدفعات ان يدور الماء في أطراف الانية دفعة ثم يصير مقدارا قليلا ثم يدور و هكذا حتى تصدق الدفعات فعلى هذا يكون في امره بالافراغ خصوصية و هو عدم جواز رفع الخبث بالغسالة فتحصل من جميع ما ذكرناه انه لا يجوز رفع الحدث و الخبث بها.

اما الدليل على الجواز مطلقا فهو إطلاقات أدلة الغسل و عدم قبول الانصراف و ضعف الرواية بابن هلال و عدم التوجه إلى الرواية الثانية عن عمار الساباطي و الجواب عنه يعرف مما مر.

288

و اما دليل المفصل و هو العلامة الهمداني (قده) من المتأخرين فهو الرواية الخاصة لعدم جواز رفع الحدث و عدم التوجه إلى الرواية الثانية و عدم قبول الانصراف فلا يرى مانعا بالوجدان عن القول بجواز رفع الخبث بها.

بقي هنا كلام فيه اشكال و دفع: و هو ان القائل بطهارة الغسالة و عدم جواز رفع الخبث و الحدث بها يلزمه إسقاط أصالة العموم في عامين فإنه بقوله طاهرة يخصص عام الانفعال و بقوله لا يجوز رفعها بها يخصص دليل العام و هو اغسل بالماء.

و القائل بنجاستها يلزمه إسقاط عام واحد و هو عموم قولنا المتنجس لا يطهر فان قلنا ان الغسالة نجسة و تطهّر خصصناه فعلى هذا إذا دار الأمر بين إسقاط عام واحد عن أصالة عمومه أو عامين فالأولى اختيار سقوط الواحد فكيف يحكم القائل بالطهارة بأنه لا يرفع الخبث و الحدث و لا يحكم بالنجاسة لئلا يكون له هذا المحذور.

و فيه أولا ان العام الأخير لا يكون دليلا لفظيا متلقّى من الشرع بل هو قاعدة فقهية فلا معنى للتخصيص العرفي فيها فالدوران باطل و ثانيا ان قلنا بانصراف أدلة الغسل عن هذا الماء فلا يكون القول بعدم مطهريته خروجا عن عام اغسل و تخصيصا له فلا معنى لقوله يلزم تخصيص عامين بل يكون تخصيص عام واحد.

نعم لو ثبت الدوران بين تخصيص عام أو عامين يصح ما ذهبوا اليه و يجب القول اما بالمطهرية مطلقا أو في الغسلة المتعقبة بالتطهير على اختلاف الأقوال و لكن انى لهم بإثبات ذلك؟! ثم إذا وصلت النوبة إلى الشك و ما أفادنا الدليل الاجتهادي إلى القول بأنه مطهر أولا فقال صاحب الجواهر (قده) ان استصحاب النجاسة حاكم و لم يجر استصحاب المطهرية في الماء قبل الاستعمال الذي هو أصل سببي و لعل الداعي له (1) على هذا القول هو انه يرى تغيير الموضوع فان المستعمل موضوع و غيره‌

____________

(1) أقول انه يمكن ان يكون السبب لعدم إجرائه استصحاب المطهرية الشك في المقتضى فإنا نعلم ان الماء قبل الاستعمال كان له اقتضاء المطهرية و لكن لا نعلم انه كان بحيث يبقى حتى بعد الاستعمال أم لا مثل انا نعلم ان في الدار حيوانا و لكن لا نعلم انه كان فيلا حتى يكون الان أيضا موجودا أو بقّا حتى لا يكون، فيكون هذا الماء كالفرد المردد فمن يجرى الاستصحاب هناك يمكنه إجرائه هنا أيضا و اما من لا يجريه فلا يتمسك هنا باستصحاب الطهارة.

289

موضوع آخر.

و فيه انه لا يكون هنا تغيير الموضوع بل تغيير حالة من حالاته.

كيفية غسل ملاقي الغسالة بقي في المقام كلام آخر و هو الفرع الذي تعرض له صاحب الجواهر (قده) أيضا و هو انه إذا لاقت الغسالة على فرض نجاستها محلا آخر فهل يكون حكمها حكم المحل قبل الغسل ففي صورة لزوم التعدد فهو اللازم و في صورة لزوم الوحدة فهي لازمة أو يكون حالها حال المحل بعد الغسل أو يجب الفحص عن الدليل لانه عنوان غير عنوان سائر النجاسات فيتمسك بإطلاق دليل الغسل و كفاية المرة فيه أقوال:

و اختار المحققون القول الأخير و لذا طعنوا عليه بان مقام هذا الفرع يكون باب المطهرات.

و الدليل على هذا القول أعني كفاية المرة إطلاقات الأدلة و المهم منها روايات منها صحيحة زرارة (باب 42 من أبواب النجاسات ح 2) قال قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من منى فعلّمت أثره الى ان أصيب له الماء فأصبت و حضرت الصلاة و نسيت ان بثوبي شيئا و صليت ثم انى ذكرت بعد ذلك قال تعيد الصلاة و تغسله قلت فانى لم أكن رأيت موضعه و علمت أنه أصابه فطلبته فلم اقدر عليه فلما صليت وجدته قال تغسله و تعيد، الحديث.

و تقريب الاستدلال ان السؤال يكون عاما فإنه لا فرق بين ان يكون النجس دم رعاف أو غيره من الأعيان أو غيرها و كذا السؤال يكون عن المني أيضا و الجواب‌

290

مطلق بقوله تغسله فإنه (عليه السلام) ما فصل بين انه يحتاج الى التعدد أولا فاما ان نتمسك بإطلاق قوله تغسله بعد فهم العموم من لفظة و غيره.

أو نتمسك بالأولوية فإنه إذا كان في الأعيان النجسة تكفي المرة بما يستفاد من الإطلاق ففي المتنجس بطريق اولى.

و منها رواية عمار الساباطي (باب 45 من أبواب النجاسات ح 8) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب و لا تحل الصلاة فيه و ليس يجد ماءا يغسله كيف يصنع قال يتيمم و يصلى فإذا أصاب ماء غسله و أعاد الصلاة.

و تقريب الاستدلال هو انه بعد فرض نجاسة الثوب لم يفصل الامام (عليه السلام) بين أقسام النجس و حكم بأنه يجب الغسل و لم يتعرض للمرة و التكرار.

و منها عن ابى الحسن (عليه السلام) (باب 75 من أبواب النجاسات ح 1) في طين المطر انه لا بأس ان يصيب الثوب ثلاثة أيام الا ان يعلم انه قد نجسه شي‌ء بعد المطر فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله و ان كان الطريق نظيفا لم تغسله.

و تقريب الاستدلال واضح لان قوله نجسه مطلق و كذا الجواب بقوله اغسله.

و أشكل على هذه الروايات بأنها لا تكون في مقام بيان كيفية التطهير بل تكون واردة لبيان معنى آخر و هو إعادة الصلاة و وجوب غسل الثوب عن طين المطر بعد ثلاثة أيام فلا تفيدنا في المقام فلا يصح التمسك بالإطلاق.

و فيه انه يمكن ان يفهم من جميع ذلك الإطلاق و لو فرض ما فرضتم مانعا موجبا لعدم الإطلاق فلا يوجد لنا إطلاق في الفقه (1).

____________

(1) أقول ان هذا ممنوع لأن الإطلاقات كثيرة في الفقه غير شبيهة بهذه الموارد و اشكالاتها فإنه إذا ثبت كون الكلام مساقا لبيان حكم آخر فلا يبقى ظهور له في ما نحن بصدده على ان هذه قد خصصت بالروايات التي دلت على ان البول يحتاج الى التعدد و كذا المنى فتقريب الاستدلال في بعضها بأن الأولوية سبب للقول بكفاية المرة ممنوع جدا نعم يمكن ان يكون لرواية العيص نحو ظهور الا انه عند الدقة يظهر انها تكون في مقام بيان نجاسة الغسالة لا كيفية غسلها.

291

و منها رواية العيص (باب 9 من أبواب الماء المضاف ح 14) قال سئلته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال ان كان من بول أو قذر فيغسل ما اصابه و ان كان من وضوء الصلاة فلا بأس.

و تقريب الاستدلال فيها واضح من إطلاق يغسل و عمومية القذر و انها تكون في المقام أيضا لأنها وردت في نفس الغسالة التي تكون في الطشت و الاشكال فيها بالإضمار و الإرسال مرّ جوابه في السابق.

ثم قد تمسك بعض الفقهاء مثل صاحب الجواهر (قده) بأصالة البراءة في المقام بعد الشك في احتياجها الى التعدد.

و أشكل عليه بان المقام لا يكون مقام جريانها لان لنا أصلا محرزا للنجاسة و هو استصحاب نجاسة المحل و بعبارة أخرى بعد غسلة واحدة نشك في رفع النجاسة عن المحل و عدمه فيكون من قبيل الشك في الرافع فنقول الأصل عدمه.

و فيه انه على مسلك من المسالك يمكن توجيه كلامه (قده) فلا يكون باطلا من الأصل و هو ان نقول ان كانت الطهارة و النجاسة في نظر الشارع هي النظافة و الكثافة في نظر العرف فلا يصح كلامه لان الشك يكون في رفع القذارة و حصول النظافة اما ان لم يكن كذلك بل هما أوامر و نواه واردة من الشرع الأنور لا نعرف الملاك فيها و لذا يحكم بنجاسة (1) بحر من النفط بعد اصابة مقدار قليل من الدم مع ان العرف لا يستقذر ابدا فعلى هذا إذا غسلها ملاقي ماء الغسالة مرة بعد القطع بأن الدفعة واجبة فنشك في أمر آخر فالشبهة حكمية فنجري أصالة البراءة.

و لكن هذا المسلك غير وجيه بل ما هو المختار هو الذي ذهب اليه الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) بأنها واقعيات كشف عنها الشرع بأمر و نهى و الحاصل الاشكال عليه‌

____________

(1) البحر لا ينجس لما مر ان السراية غير صادقة.

292

بعدم الجريان على هذا المسلك صحيح و ما يسهّل الخطب هو ان لنا دليلا اجتهاديا و لا تصل النوبة إلى الشك.

و اما الدليل على ان حالها حال المحل قبل الغسل فهو استصحاب بقاء النجاسة و سائر الأدلة التي جاؤا بها عليل (1) و لا يشكل على القول الأول بأنها لا تكون من العنوانات التي بين في الشرع انها يحتاج إلى المرة لأنا لا نحتاج الى العنوان في ذلك بل نتمسك بإطلاق الدليل في المتنجسات سواء كان منها أو لم يكن.

و اما القول الثالث و هو ان يكون حكمها حكم المحل قبل خروج الغسالة بمعنى ان البول مثلا إذا لزم في تطهيره الغسل مرتين ففي الدفعة الاولى يحمل الماء عين القذارة إلى نفسه فيجب فيه مرتين و في الدفعة الثانية يحتاج المحل الى غسلة واحدة فما يلاقي هذه الغسالة أيضا يجب فيها المرة فالثمرة بين هذا القول و القول الثاني تظهر في الدفعة الثانية و الا ففي المرة الأولى يساوي مع القول بأن حكمه حكم المحل قبل الغسل.

فتحصل (2) من جميع ما ذكرناه ان الغسالة المتعقبة بالطهارة طاهرة بانصراف دليل الانفعال و لا يرفع الحدث و الخبث لانصراف دليل الغسل الى الماء.

في حكم القطرات التي تقع في الإناء عند الغسل

[مسألة 1- لا إشكال في القطرات التي تقع في الإناء عند الغسل]

مسألة 1- لا إشكال في القطرات التي تقع في الإناء عند الغسل و لو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة حدث الأكبر.

____________

(1) الأولى تقديم هذا الدفع في ذيل الدليل على الأول لا في ذيل الثاني.

(2) قد مر منع الانصراف حتى في المتعقبة بالطهارة و اما الانصراف الثاني و دليل الغسل عن المورد على فرض الطهارة فلا يخلو عن شي‌ء لأنه بدوي و ليس لنا الجزم بعدم كونه مطهرا بعد كونه طاهرا و قد مر ان هذا الانصراف نشأ عن ان العرف يستقذر و يرى نجاسة الغسالة فتحصل أن الغسالة مطلقا نجسة على الأقوى و لا يرفع الحدث و الخبث.

293

اعلم ان القطرات التي تقع في الإناء عند الغسل لا تخلو ثبوتا عن ثلاثة صور الاولى ان تكون مندكة عرفا في الماء الغير المستعمل و الثانية ان تكون غير مندكة و لكنها أقل من الماء و الثالثة ان تكون أكثر منه (1).

اما الصورة الاولى فلا إشكال في جواز استعمال الماء ثانيا و عدم صدق العنوان عليه فيكون خارجا من حيث الموضوع لان الماء لا يصير داخلا في المستعمل بالقطرات المندكة سواء قلنا بأن غسالة الحدث طاهرة كما هو التحقيق على فرض عدم الخبث في البدن أو نجسة و لا فرق أيضا بين ان نفصل بين جواز استعمال ما يستعمل في الوضوء و عدم جواز ما يستعمل في الغسل أم لا فعلى اى تقدير لا إشكال في المقام لقصور الدليل و لروايات خاصة نذكرها في المقام.

و ما يتوهم من المنع المستفاد من رواية ابن سنان (باب 9 من أبواب الماء المضاف ح 12) بأنه لا يجوز الوضوء بالماء المستعمل في طهارة الثوب و الجنابة ممنوع لان موضوع الحكم التعبدي بعدم الجواز هو الماء المستعمل و ظهر مما ذكرناه ان الماء لا يصدق عليه المستعمل بالقطرات المندكة هذا مع غمض العين عن الإشكال في السند و الدلالة بأن نقول وردت في مقام بيان الطهارة و النجاسة و عدم جواز الاستعمال يكون بواسطة النجاسة و الا فالمنع أشد أما الروايات الخاصة فمنها صحيحة شهاب بن عبد ربه (باب 9 من أبواب المضاف ح 4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال في الجنب يغتسل فيقطر الماء عن جسده في الإناء فينضح من الأرض فيصير في الإناء انه لا بأس بهذا كله.

و تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) لا بأس بهذا كله سواء كان من الأرض أو البدن بعد السؤال عن القطرات.

و منها رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (في الباب المتقدم ح 2) بعد بيان كيفية الغسل ذكر فيها فما انتضح من مائه في إنائه بعد ما صنع و ما وصفت لك فلا بأس، و تقريب‌

____________

(1) أقول و يمكن تصوير قسم رابع و هو ان يكون مساويا و حكمه يظهر من البحث في صورة الأكثرية أو الأقلية و قد تعرض مد ظله لحكم هذا القسم في مطاوي البحث

294

الاستدلال واضح من قوله فما انتضح إلخ.

و منها (1) صحيحة عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللّه اغتسل في مغتسل يبال فيه و يغتسل من الجنابة فيقع في الإناء ما ينزو من الأرض فقال لا بأس به.

و تقريب الاستدلال بقوله لا بأس بعد السؤال عما ينزو من الأرض.

اما الإشكال في هذه بأن الرواية يمكن ان تكون في مقام بيان انه طاهر لاحتمال كون السؤال من الطهارة و النجاسة فلا تدل على ما نحن فيه، ممنوع لان الظاهر من الحكم بعدم البأس هو الفعلي لا الحيثى فان الظاهر ان الغسل بهذا الماء صحيح.

اما الصورة الثانية و هي ان تكون المستعمل أقل أو المساوي فقد يقال كما احتمله الشيخ الأعظم الأنصاري بجواز الاستعمال لقصور روايات المنع و أضف اليه ان الروايات الخاصة أيضا لا تشمل المقام اما قصورها فلان الموضوع فيها هو المستعمل و هذا لا يكون مستعملا قط بل هو مخلوط بغيره فلا يصدق عليه المستعمل و لا غير المستعمل بل شق ثالث و هو المجموع فينصرف الدليل عن المورد عرفا فالمرجع عمومات مطهرية الماء و فيه ان الانصراف ممنوع و ظاهر الدليل يشمل المقام و لا قصور فيه و الروايات المخصصة قد فرضنا عدم شمولها للمقام.

اما الصورة الثالثة و هي ان يكون غير المستعمل مندكا في المستعمل فلا يحتاج‌

____________

(1) أقول ان الاستدلال بهذه الرواية مشكل لأن السؤال يكون في الاغتسال في مغتسل يبال فيه و الظاهر منه السؤال من الترشحات التي من النجس و انها كيف حالها فأجاب (عليه السلام) لا بأس فاما يكون هذه مخصصة لما دل على انفعال القليل و هذا مشكل أو حكم الامام (عليه السلام) كان لدليل الحرج فإذا كان كذلك فيمكن ان يكون بالنسبة الى هذا الشخص حرجيا و لا يسري حكمه الى غير الموصوف بالحرجية أو نقول بان المراد من السؤال هو انه شك في طهارة القطرات و نجاستها من جهة أنها هل لاقت موضع النجس و وقع في الإناء أولا فحكم (عليه السلام) بأنه لا بأس به للشك في الطهارة و النجاسة و لأنها تصير مستهلكة و لا يصدق عليه الاستعمال.

295

الى البحث فإنه مستعمل قطعا و يشمله دليل المنع.

هذا كله على فرض طهارة المستعمل في رفع الحدث الأكبر اما على فرض النجاسة فيشكل المقام لان القليل ينجس بالقطرات و الاستهلاك لا يوجب الطهارة (1)

في طهارة ماء الاستنجاء و شروطه

[مسألة 2- يشترط في طهارة ماء الاستنجاء أمور]

مسألة 2- يشترط في طهارة ماء الاستنجاء أمور الأول عدم تغيره في أحد الأوصاف الثلاثة الثاني عدم وصول نجاسة إليه من الخارج الثالث عدم تعدى الفاحش على وجه لا يصدق معه الاستنجاء الرابع ان لا يخرج مع البول أو الغائط نجاسة أخرى مثل الدم نعم الدم الذي يعد جزء من البول أو الغائط (2) لا بأس به الخامس ان لا يكون فيه الاجزاء من الغائط بحيث يتميز اما إذا كان معه دود أو جزء غير منهضم من الغذاء أو شي‌ء آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس به (3)

اعلم انه لا يخفى عليك مقدمة ان الإطلاق في الألفاظ يمكن ان يكون من جهة دون جهة فإذا ثبت بالنسبة إلى البعض لا يثبت بالنسبة إلى الكل و لا يخفى انه لا دليل لهذه الشروط المذكورة في المتن إلا إهمال إطلاق دليل ماء الاستنجاء و ثبوت الإطلاق بالنسبة الى بعض المستثنيات مثل كون الدم مثلا يعدّ جزء فمن كان الإهمال عنده مقبولا في جميع الشروط فهو و من صدّق البعض و أنكر البعض أخذ بإنكاره و تصديقه فعلى‌

____________

(1) أقول انه يمكن ان يستدل لهذه الصورة برواية عمر بن يزيد التي قد مرت انها يمكن ان تكون على فرض كون القطرات نجسة و الحكم بعدم البأس و المقام أيضا كذلك بتخصيص أدلة الانفعال و لكنه مشكل و هذا ايداء احتمال لعله أفاد للمتدبر شيئا

(2) بحيث يعد مستهلكا

(3) إذا علمنا ملاقاته في الخارج مع الغائط لا وجه للقول بطهارة ماء الاستنجاء لانه صار متنجسا به فكما أن ذرات الغائط مضرة لنجاستها كذلك المتنجس بها.

296

الإهمال يؤخذ بالقدر المتيقن و على غيره بالإطلاق.

فنقول اما الشرط الأول و هو عدم تغيره في الأوصاف الثلاثة فلا خلاف فيه بل ادعى الإجماع عليه و الدليل عليه هو العمومات التي دلت على نجاسة الماء بالتغيير حتى في صورة العاصمية مثل الكر و الجاري فإنه بعد حكم الشارع بنجاسة العاصم مع عاصميته فكيف يمكن القول بإطلاق دليل ماء الاستنجاء مع انه قليل و تغير و اما لو فرض الجمود على ظاهر الدليل فيعارض مع دليل الانفعال بالتغيير و لا بد من ملاحظة النسبة فأقول لا شبهة في ان التغيير يحصل بالإن الأول من الملاقاة فإذا فرض أغلبية ذلك فانصراف دليل الاستنجاء عنه يوجب حمله على الفرد النادر و مع ذلك لا فائدة في الاستدلال بان هذا لا يكون أعظم و أقوى من العاصم و لكن الكلام (1) في الغلبة و هي ممنوعة فلا يشمل الإطلاق المقام و إذا وصلت النوبة إلى المعارضة فنلاحظ ان دليل انفعال المتغير عام و دليلنا على طهارته مطلق فإذا دار الأمر بين العام و المطلق فالعام مقدم كما حرر في الأصول لأن دلالة العام على افراده بالوضع و دلالة المطلق بمقدمات الحكمة و من مقدماتها عدم البيان و لما فرضنا دلالة العام بوضع فيصير بيانا فاللابيان مع البيان لا يعارض و لو فرضنا الإطلاق في كلا الطرفين فإطلاق دليل المتغير يقدم للأظهرية و ملاك الأظهرية هو الحكم بنجاسة المتغير من العواصم أيضا فشمول دليل طهارة ماء الاستنجاء لصورة التغير غير وجيه ففي صورة الاجتماع يقدم دليل المتغير بعد صيرورتهما عامين من وجه أذى مورد اجتماعه ماء الاستنجاء المتغير و مورد افتراق دليل المتغير، المتغير غير الاستنجاء و مورد افتراق مقابله الاستنجاء الغير المتغير.

____________

(1) أقول ان ممنوعية الغلبة و إنكارها غير وجيهة لأن الناس غالبا يصيرون متلوثا بالعذرة و لو قليلا فغسالة الاستنجاء يصير متغيرا و من لا يكون كذلك يكون من الفرد النادر و لكن الاشكال يرفع بان نقول مناط التغير لا يكون في الآن الأول بل بعد تمام الطهارة و التغيير في هذه الصورة قليل جدا نعم إذا وقع الثوب في الان الأول مع التغيير فيها فينجس.

297

و أما الشرط الثاني و هو عدم وصول نجاسة إليه من الخارج فلإهمال الدليل لانه لا يخلو اما أن يكون العنوانان مثل عنوان غسالة الدم و الاستنجاء صادقين فلا إشكال في نجاستها و أما لا يصدق العنوانان و لكن نشك في انه مختص بما يكون من موضع النجو أو يشمل غيره فالإطلاق لا يكون بحيث يرفع عنا الشك فبعد الإهمال يرجع الى أدلة نجاسة الغسالة و لا يخفى ان نجاسة الخارج إذا كان بمتنجسية اليد في الان الأول من الملاقاة لا يكون من النجاسة الخارجية عرفا و لا يخفى أيضا ان موضع النجو إذا صار نجسا و لم نجد الماء لتطهيره ثم وجدنا و طهرناه قبل قضاء الحاجة ثانيا أو بعده أيضا لا يعد من الخارج للصدق العرفي بأنه ماء استنجاء (1).

أما الشرط الثالث و هو عدم التعدي الفاحش (2) فهو أيضا اما أن يصدق معه الغسالتين أو لا تصدقان فان صدقتا فالنجاسة واضحة و الا فالدليل مهمل لا يشمل المقام فالمرجع عموم الانفعال.

و أما الشرط الرابع و هو ان لا يخرج نجاسة أخرى معها مثل الدم فلاهمال الدليل أيضا أو لصدق الغسالتين.

فان قلت الإطلاق محكم سيّما بالنسبة الى صاحب البواسير فان خروج الدم عند الاستنجاء منهم أمر عادى غالبي. قلت: مع صدق الغسالتين و إنكار العادية و ان دليل الانفعال مقتض و دليله يكون بنحو اللااقتضاء و المقتضى و اللااقتضاء لا يعارضان فلا وجه لهذا الإشكال.

____________

(1) أقول لا افهم هذا فإنه إذا كان فرض كل على حدة فلا كلام فيه و ان كان بالاجتماع فالكلام فيه هو الكلام في السابق من عدم صدق ماء الاستنجاء وحده.

(2) أقول ان كان المراد بالتعدي الفاحش ما يظهر من بعض الأمثلة و هو التعدي إلى أطراف الثقبة و ما بين الألية فممنوع لانه داخل في الإطلاق عرفا و اما إذا كان بحيث لا يعد من أطراف المقعد و حواليه فالدليل مهمل و كيفما كان ففي أصل الشرط لا اشكال لكنه في السعة و الضيق.

298

فرع: لا يخفى ان المصنف استدرك بقوله نعم ان الدم الذي يعدّ جزء من العذرة لا بأس به ثم قال شيخنا النائيني (قده) لا بأس به لانه يستهلك فالإطلاق لا مانع فيه و استشكل بعض المعاصرين بأن الاستثناء لا وجه له لأنه ان صار مستهلكا فخروجه من الخروج الموضوعي و ان كان متميزا يكون هو أصل الشرط و لا كلام فيه.

و فيه أولا ان الاستهلاك لا يوجب الانعدام كما توهمه المعاصر فإنكم التزمتم بأن فضلة الفار في الدقيق لا يطهر بواسطة الاستهلاك لأنها موجودة واقعا و المقام أيضا مثلها (1).

و ثانيا ان مراد المصنف من الجزء لا يكون ما كان جزءا من العذرة بل المراد ان البول الذي هو الدم و العذرة التي هي الدم بحيث يصدق انه يبول دما مثلا لا ما إذا كان مخلوطا فهنا لصدق الإدرار يحكم بالطهارة فلا يكون النجس غير البول و العذرة لكنهما دمويان (2).

أما الشرط الخامس هو أن لا يكون فيه أجزاء من الغائط بحيث يتميز فنقول‌

____________

(1) أقول انه يمكن ان يلتزم هناك بالنجاسة و لا يضر بالمقام لان المطلوب هناك طهارة الفضلة بواسطة الاستهلاك و هو ممنوع و اما فيما نحن فيه فلا يكون كذلك اى لا نريد ان نقول يطهر الدم بالاستهلاك في العذرة بل ما هو المطلوب ان العرف يرى هذا الماء ماء الاستنجاء بلا ترديد مع ان الدم و العذرة كلاهما نجسان فالقياس مع الفارق.

(2) أقول و فيه بعد، أما أولا بأنه خلاف ظاهر عبارة المصنف لانه يقول بحيث يعد جزءا و الجزئية تنافي الهوهوية.

و ثانيا انه لا يصدق لمن يبول دما ان بول هذا صار دما بحيث كان له طبيعة ثانية بل هذا يكون لمرض شديد و نحوه لفساد المزاج و تغيير الطبيعة و بعبارة أخرى لا يقولون الناس لمن يبتلى بالاسهال الدموي انه يتغوط دما الا بنحو من المسامحة حتى يصدق على غسالته غسالة الاستنجاء فيقال انها نجسة في هذا الفرض.

299

ان هنا مطلبين قد خلطوا بينهما في هذا المقام (1):

الأول ان يكون الماء مصاحبا مع العذرة بعد الغسل حتى يصل الى الأرض و الثاني ان لا يكون مصاحبا أو كان و تفرق في الهواء ثم صار مصاحبا فيه أو في الأرض ففي الصورة الأولى الحكم بالطهارة صحيح لأن العادة تكون كذلك و الترشحات تكون عند الغسل.

و اما الثانية فلا لانه يعد نجاسة مستقلة لاقى الماء فينجس فعلى هذا ان تفرق الماء عن الجزء المتميز في الهواء و وقع على الثوب فهو طاهر و اما إذا تفرق و انضم ثم تفرق و وقع على الثوب فهو نجس.

و مراد السيد (قده) أيضا هو الصورة التي تصورناها و الا فكلامه بإطلاقه غير صحيح ثم (2) المراد بالتميز لا يكون ما يرى بالعين بل المناط وجوده الواقعي سواء رأته العين أولا و سواء استهلك أم لا.

ثم تعرض المصنف للاجزاء الطاهرة الخارجة مع العذرة و حكم بأنه لا يضر بطهارة ماء الاستنجاء مثل الملاقاة مع الدود أو الأجزاء الغير المنهضمة و قوي‌

____________

(1) أقول ما يكون محل كلام الاعلام لا خلط فيه لأنهم يحكمون بنجاسة الماء الذي قد اجتمع في الأرض أو الظرف كما نطق به الروايات و يكون معه ذرات العذرة و هو نجس قطعا و ما فرضه الأستاذ و ان كان وجيها في عالم الثبوت الا ان إثبات ذلك مشكل و الثمرة التي يذكرها تترتب على غير هذا الفرض أيضا لأنا إذا نرى في ثوبنا قطرة منه و لا نرى فيه العذرة نحكم بالطهارة و لا نتفحص (و لا يمكن غالبا) من انه لاقى العذرة في الهواء بعد التفرق أم لا و لو فرض إثباته بالدقة لا يفيد في الانظار العرفية بل المناط على المجتمع بعد الغسل.

(2) أقول ان المراد و ان كان الوجود الواقعي الا ان المناط و الطريق لذلك رؤية العين لو لم يكن مانع فمن هذا الباب نحكم بأن الرؤية مناط و العرف لا يعتنى باستعمال الآلات الطبيّة لأمثال ذلك و الشرع لا يعلم منه الدقة الكذائية في باب النجاسات.

300

صاحب الجواهر (قده) النجاسة و الشيخ الأعظم الأنصاري حكم بها.

أقول (1) ان الملاقاة ان كانت في موضع النجو فالحكم صحيح لأنه عادى غالبي فإن الأجزاء الغير المنهضمة يخرج غالبا و يلاقي موضعه و ان كانت في الخارج فلا يحكم بالطهارة لعدم الملازمة العرفية فإن الدود في الماء أو الأجزاء الغير المنهضمة يوجب نجاسة الماء.

[مسألة 3- لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد]

مسألة 3- لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد و ان كان أحوط.

قال شيخنا الأعظم الأنصاري قده (في كتاب طهارته) الأقوى نجاسة صورة سبق اليد على الماء و لكن الحق مع المصنف لان السبق و عدمه أمر دارج و الخطابات منزلات على الدارج في العرف و لا يخفى ان دليلنا لا يكون التبعية ليشكل فيما لم يكن آلة التطهير اليد بل كانت شيئا آخر.

[مسألة 4- إذا سبق بيده بقصد الاستنجاء ثم اعرض ثم عاد]

مسألة 4- إذا سبق بيده بقصد الاستنجاء ثم اعرض ثم عاد لا بأس إلا إذا عاد بعد مدة ينتفى معها صدق التنجس بالاستنجاء فينتفى حينئذ حكمه.

حكمها واضح لا يحتاج الى الشرح.

____________

(1) أقول انه ان كان مراد القائلين بهذا الفرع هو انه هل المحل الذي خرج منه الدود مثلا و يصير عند الخروج متنجسا يتنجس بنجاسة أخرى من المتنجس حتى نقول تصدق الغسالتان أم لا و نقول دليله مهمل أو مطلق فله وجه و الا فإن العذرة و الدود المتنجس بها إذا لاقت الماء في الخارج ينجس قطعا و لا يصدق أنه غسالة الاستنجاء و أصل الفرع الذي ذكره المصنف يكون في صورة كون الدود أو الأجزاء الغير المنهضمة في ماء الاستنجاء فكأنه يريد انه لا مانع من القول بطهارة الماء لعدم كونه نجسا و لكنه مشكل جدا لانه ليس في وسعنا ان نقول ما صار بواسطة الملاقاة مع الغائط متنجسا فإنه لا ينجس الماء.

301

[مسألة 5- لا فرق في ماء الاستنجاء من الغسلة الاولى و الثانية]

مسألة 5- لا فرق في ماء الاستنجاء من الغسلة الاولى و الثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدد.

اعلم انه في إدراج البول تحت مقولة الاستنجاء و الحكم بطهارة غسالته مشربان: الأول الالتزام بأن لفظ الاستنجاء موضوع لهما فلا وجه على هذا لاختصاص الحكم بموضع النجو فقط و هذا هو المشهور.

و الثاني ان يكون موضوعا لموضع النجو فقط و لكن لما يكون الدارج و الغالب هو عدم انفكاك البول عن الغائط فيحكم بالطهارة أيضا لما مر من ان الخطاب منزل على ما هو الدارج في العرف و الفرق بين هذا المسلك و سابقه يظهر في صورة انفكاكه عن الغائط فإنه على الأول غسالته طاهرة و على الثاني نجسة لعدم الملازمة ثم على كلا المسلكين الغسالة (1) في الدفعة الثانية في البول الذي يحتاج الى التعدد طاهرة أيضا.

[مسألة 6- إذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي]

مسألة 6- إذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي و مع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات في وجوب الاحتياط من غسالته.

اعلم ان خروج الغائط عن غير المخرج الطبيعي لا يخلو اما ان يكون بنحو الطبيعة الثانية مع انسداد الأول أو انفتاحه أولا فعلى الأول حكمه واضح لصدق الاستنجاء و على الثاني فلا يكون كذلك مثل صاحب البواسير الذي يعمل فيه عمل الجرح فلا بد لذلك ان يجعل لهم مخرجا آخر لان الاستنجاء لا يصدق عليه وضعا و الصدق بالادعاء و العناية لا يشمله الدليل.

____________

(1) أقول انه على فرض طهارة الغسالة المتعقبة بالطهارة و هو غير معلوم بل المعلوم الاجتناب عنها كما مر و كأنه يمكن القول بطهارته و لو منفردا لانه على فرض القول بالطهارة مع الضميمة يبعد القول بالنجاسة إذا كان البول منفردا أو كان الاستنجاء مستعملا في الأعم و أخذه من النجو من باب تطهيره أهم و لو كان نجاسته أخف.

302

فحاصل الكلام هو صدق الاستنجاء بالوضع في الأول بلا تكلف فيشمله الدليل و عدم صدقه في الثاني فلا يشمله و لا يخفى ان دليلنا لا يكون الانصراف حتى يشكل عليه بأنه بدوي فكلام المصنف لا اشكال فيه.

[مسألة 7- إذا شك في ماء أنه غسالة الاستنجاء أو غسالة سائر النجاسات يحكم عليه بالطهارة]

مسألة 7- إذا شك في ماء أنه غسالة الاستنجاء أو غسالة سائر النجاسات يحكم عليه بالطهارة و ان كان الأحوط الاجتناب.

اعلم انه (قده) حكم بالطهارة لعدم حكومة العمومات هنا فنقول ان الشبهة تارة تكون مصداقية و تارة مفهومية و تارة حكمية: و الأولى هي ما نحن فيه في هذه المسألة فللقائلين بالنجاسة وجوه: الأول هو القول بعدم سقوط العمومات لان الموضوع للانفعال بعضه ثابت بالوجدان و بعضه بالأصل.

و لبيان هذا الكلام و توضيحه يجب ان نشير الى كلمات الاعلام في باب العام و الخاص حتى نرى ما هو نتيجة كل مسلك.

فنقول في ذاك الباب يكون مسالك منها ما عن العراقي و النائيني (قدس سرهم)ا) و هو ان العام إذا خصص بأمر وجودي يتصف بنقيض الخاص فان قيل أكرم العلماء الا الفساق يصير معناه أكرم العالم الغير الفاسق ففيما نحن فيه عام الانفعال قد خصص بماء الاستنجاء فيصير معناه الماء الذي هو غير الاستنجاء ينجس بالملاقاة فهذا ماء وجدانا فنستصحب عدم كونه مستعملا في الاستنجاء فيصير موضوعا لعام الانفعال.

و منها ما عن المحقق الخراساني (قده) و هو ان العام و ان لم يتصف بنقيض الخاص الا انه دخيل بكل عنوان الا عنوان الخاص فما لم يثبت عنوان الخصوصية فالعام محكم ففيما نحن فيه لم يثبت سقوط العام عن عمومه بالفرد المشكوك فباستصحاب عدم كونه من الخاص يصير المقام مقام حكومة دليل الانفعال و الأصل نعتي لا أزلي.

و منها مسلكنا و هو أن الخاص لا يقلب العام عن عمومه بل يقرض بعض افراده مثل ان يقول المولى أكرم العلماء ثم اخرج منهم أعدادا عن إمكان إكرامهم بخلاف المطلق و المقيد فإنه يقلب المطلق عن إطلاقه فنسبة العام و الخاص تكون نسبة‌