المعالم المأثورة - ج1

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
396 /
303

المقتضى و المانع فباستصحاب عدم المانع يؤثر المقتضي أثره.

و من الوجوه التي استدل بها للنجاسة التمسك بالعام من جهة كون الشبهة مصداقية و هو ظاهر البطلان الا ان ما يسهل الخطب هو ان لنا طريقا للنجاسة لا نحتاج الى التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.

ثم انه لا يشكل على المسالك الثلاثة بأن الأصل كما يجري في طرف ماء الاستنجاء يجري في مقابله فكما نقول الأصل عدم كونه مستعملا في الاستنجاء فكذلك الأصل عدم كونه مستعملا في سائر النجاسات المنتج للطهارة.

لأنا نقول لا أثر لهذا الأصل لأن ما هو في لسان الدليل و المتلقّى من الشرع هو ان الملاقاة في القليل لها علية للنجاسة و فيما نحن فيه الملاقاة قطعية (1) لا نحتاج الى الأصل فيها و لكن الشك يكون في ناحية أن الاستعمال كان في الاستنجاء حتى لا يكون هذه مؤثرة أولا فإذا ثبت بالأصل عدم استعماله فيه فلا يبقى مقام للأصل المعارض.

و ان كان في الواقع الملاقاة للمنجس سبب الانفعال و لكن ما أخذ هذا في‌

____________

(1) قطعية الملاقاة لا تفيد بل اللازم هو أن يكون الملاقاة مع الماء الذي ليس بغسالة الاستنجاء و قلة هذا الماء محرزة و لكن عدم كونه من الاستنجاء غير محرز و هذا يكون على فرض تعنون العام بعنوان ضد الخاص كما لا يبعد و يكون في العرف كذلك، و فرق عندنا بين ان يقول المولى أكرم العلماء ثم يموت بعضهم أو يأخذ يد بعضهم و أخرجه عن حيطة الإكرام و بين ان يقول أكرم العلماء الا الفساق منهم فان الموت يكون من انعدام الموضوع رأسا و إخراج بعضهم أيضا لا يعلم أنه بأي عنوان كان و لذا لا يعنون العام بعنوان الضد بخلاف صورة التصريح بالعنوان فان ذكر الفسق يكون له علية تامة منحصرة و لذا نحكم في المقام بالطهارة على هذا الفرض و على فرض تعارض الأصلين أي أصالة عدم ملاقاة ماء الاستنجاء مع أصالة عدم ملاقاة غيره فالقاعدة تقتضي الطهارة.

304

لسان الدليل و لا يكون دليل ماء الاستنجاء كذلك فان الحكم يكون عليه لا على عنوان آخر مثل الملاقاة في ما ذكرناه فتأمل (1) فإنه دقيق.

فتحصل مما ذكرناه ان النجاسة على المسالك الثلاثة لا اشكال فيها هذا كله في الشبهات المصداقية.

و اما الثانية و هي الشبهات المفهومية فالتمسك بالعام فيها واضح كما مر في شرائط ماء الاستنجاء فإنه بعد قصور الإطلاق عن شمول المقام فلا محالة يحكم عام الانفعال نعم على فرض كون دليل ماء الاستنجاء حاكما على العام فالإجمال على مسلكنا يسرى فيرجع الى الأصل.

و لكن استصحاب الطهارة و قاعدتها في الشبهات الحكمية مشكل.

[مسألة 8- إذا اغتسل في كر كخزانة الحمام أو استنجى فيه]

مسألة 8- إذا اغتسل في كر كخزانة الحمام أو استنجى فيه لا يصدق عليه غسالة الحدث الأكبر أو غسالة الاستنجاء أو الخبث.

أقول الحكم في هذه المسألة اتفاقي ظاهرا لعدم صدق المستعمل في العاصم قال في المعتبر لو منع هنا لمنع في صورة الاغتسال في البحر أيضا فيلزم هنا ان نتعرض لدليل المنع في صورة كون الماء قليلا حتى نرى انه يشمل المقام أو يقصر عنه و على فرض الشمول فلنا صحاح على جواز الاستعمال فلنا دعويان قصور الدليل أولا و الروايات الخاصة ثانيا.

و لا يخفى ان الكلام في القليل كان على فرض طهارة الغسالة لا على فرض نجاستها فيه فنقول من الأدلة على جواز الاستعمال في القليل و هو انصراف دليل الغسل عنه و هو مفقود في المقام فان الذهن لا ينصرف عن ماء الحمامات و الأنهار و البحار الذي يغتسل فيه عند الأمر بالغسل أو الغسل.

و منها الإجماع و المتيقن منه القليل لانه دليل لبّى.

____________

(1) في ذلك أيضا يكون لسان الدليل و هو النص.

305

و منها رواية عمار الساباطي (في باب 53 من النجاسات ح 1) الذي فهم من الحكم بإفراغ الماء ثانيا و ثالثا فيها عند تطهير الظرف عدم جواز الاستعمال و هي تكون في مورد القليل.

و منها رواية عبد اللّه بن سنان (باب 9 من أبواب المضاف ح 13) و فيها الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضؤ منه و أشباهه و تقريب استدلالها على عدم جواز الغسل و الوضوء به بقوله لا يجوز إلخ واضح و فيه ان الفرق بين الاغتسال بالماء أو في الماء يرشدنا الى ان المراد فيها القليل لانه مما يغتسل به غالبا لا ما يغتسل فيه مثل الكر و الجاري.

و قد أشكل بعض المعاصرين على الشيخ (قده) بان الباء في كلمة يغتسل به للاستعانة فالماء مما يستعان به على الغسل سواء اغتسل فيه إذا كان مجتمعا أو به إذا كان غير مجتمع هذا من حيث اللغة و اما الحكم فمنقوض بان اللازم من ذلك هو الفرق بين الكثير و القليل إذا كان الكثير يصبّ و يغتسل به و القليل يغتسل فيه بعدم جواز الاستعمال في الأول و جوازه في الثاني و هو كما ترى.

و فيه ان الباء لا يكون للاستعانة بل للسببية لان الاستعانة تكون بالظرف و اليد اللذان يكونان آلتين للغسل و اما الماء (1) فهو محقق الغسل و مقومة فلا يمكن ان يقال استعنت بالماء للتطهير.

و اما النقض فغير وارد أيضا لأن الشيخ (ره) لا يستدل بذلك على الانصراف بل يدعى ان الانصراف عن الكثير يكون هذا سرّه أي الغالبية في صب القليل و الاغتسال في الكثير.

و من الأدلة على المطلوب السيرة المستمرة القطعية الاتصال الى زمان المعصوم (عليه السلام) بان الناس يغتسلون من ماء الحمام و الجاري بعد اغتسال جمع فيه و ما بلغ ردع عنها فهي المحكمة فالدليل من أصله قاصر عن شمول المقام و اما على فرض الشمول‌

____________

(1) صحته مما لا اشكال فيه

306

فلنا صحاح كما أشرنا إليها آنفا.

منها صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض التي ما بين المكة إلى المدينة تردها السباع و تلغ فيها الكلاب و تشرب منها الحمير و يغتسل فيها الجنب و يتوضأ منها قال و كم قدر الماء قال الى نصف الساق و الى الركبة فقال توضأ منه (في الوسائل باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 12) و تقريب الاستدلال هو انه بعد السؤال عن قدر الماء و الجواب بأنه يكون كذا حكم بعدم البأس لأن الماء في الصحاري إذا كان بهذا القدر يكون كرّا أو أكثر غالبا.

و منها صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال كتبت الى من يسأله من الغدير يجتمع فيه ماء السماء و يستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الإنسان من بول أو يغتسل فيه الجنب ما حدّه الذي لا يجوز فكتب لا توضأ من مثل هذا الا من ضرورة إليه (في باب 9 من الماء المطلق ح 15).

و تقريب الاستدلال بأنه بعد الثبوت في الفقه بأن الضرورة لا تصير سببا لجواز الوضوء بالنجس ضرورة يفهم من هذه الرواية الجواز مع الكراهة لكثافته فيكون (عليه السلام) في مقام بيان الجواز و بيان قاعدة اخلاقية.

و بعبارة أخرى لا ضرورة في الوضوء بالنجس على فرض النجاسة بل يمكن الأمر بالتيمم و النكتة فيما نقول تفهم أيضا من رواية على بن جعفر (في باب 11 من الماء المضاف ح 2) فان فيها من اغتسل من ماء قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومنّ الا نفسه و هنا كلام عن بعض بان الماء إذا حكم بأنه عاصم فعاصم عن الطواري مثل كونه سببا للجذام أو غيره و لكن مع لطافته لا وجه له لانه ما ثبت من الشرع هذا الذي ذكره.

[مسألة 9- إذا شك في وصول نجاسة من الخارج أو مع الغائط]

مسألة 9- إذا شك في وصول نجاسة من الخارج أو مع الغائط يبنى على العدم.

حكمه واضح لجريان استصحاب العدم.

307

[مسألة 10- سلب الطهارة و الطهورية عن الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر أو الخبث استنجاء أو غيره]

مسألة 10- سلب الطهارة و الطهورية عن الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر أو الخبث استنجاء أو غيره انما يجرى في الماء القليل دون الكر فما زاد كخزانة الحمام و نحوها.

قد عرفت حكمها من مضمون المسألة الثامنة فلا نعيد.

[مسألة 11- المتخلف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر]

مسألة 11- المتخلف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر فلو اخرج بعد ذلك لا يلحقه حكم الغسالة و كذا ما يبقى في الإناء بعد اهراق ماء غسالته.

أقول انه يفهم من هذه المسألة مطلبان الأول ان المتخلف في الثوب طاهر و الثاني انه إذا خرج بيد أقوى من يد الغاسل أو بوسيلة أخرى كذلك يكون طاهرا على مسلك القائل بنجاسة الغسالة مطلقا.

فنقول على مسلك القائل بطهارة ماء الغسالة مطلقا أو في المتعقبة بالطهارة فالباقي و الخارج حكمه واحد و هو الطهارة اما على القول بالنجاسة فطهارة الباقي مشكلة لأن الباقي و الخارج ماء واحد فلا يكون له الا حكم واحد و ادعاء طهارة الباقي بخروج الخارج يكون من ادعاء حصول شي‌ء بلا سبب فلا بد من القول بالانصراف كما مرّ، اى انصراف أدلة الانفعال عن المورد (1).

و لكن فليعلم ان إثبات المطلب لا اشكال فيه لان هذا الفرع من ضروري الفقه بالسيرة و الملازمة بين التطهير و بقاء مقدار من الماء بعد ثبوت الطهارة بدليل من الأدلة و يكون أيضا عرفا تابعا للمحل فعلى فرض عدم الانصراف فيكون من المخصص لدليل الانفعال هذا.

تذكرة فيها تنوير:

و هي انه في مطاوي الكلمات ذكرنا التعبية من الأدلة التي تكون على طهارته كما ذكره القوم و لكن هذا غير وجيه لأن التبعية في اليد و الظروف و مطلق آلات التطهير يمكن القول بها و السرّ فيها هو مرور المطهر على آلة التطهير أيضا و لكن في‌

____________

(1) قد مر الاشكال فيه

308

المقام الماء لا يكون له مطهر آخر سوى نفسه فالثوب يطهر بالماء و لكن الماء لا يكون له مطهر فتدبر تفهم هذا تمام الكلام في الفرع الأول.

و اما الثاني فيكون لدفع توهم ان وجوده في المحل يكون سببا للتطهير فذكر المصنف (قده) بأنه بعد القول بالطهارة لا فرق بين كونه في المحل أو خارجا عنه فنقول هذا الكلام صحيح لو لم يكن الدليل هو التبعية كما هو التحقيق و إلا فتزول بعد الخروج و المتخلف خرج حكما فلا نكون بصدد انه يصدق عليه الغسالة أولا حتى يشكل في صورة الخروج و لا فرق بين كون القول بالطهارة بالتخصيص أو التبعية على فرض القول بعدم شرطية الاستمرار في التبعية و الا فيشكل كما مر آنفا.

الدليل على التبعية في الغسل

[مسألة 12- تطهير اليد تبعا بعد التطهير فلا حاجة الى غسلها]

مسألة 12- تطهير اليد تبعا بعد التطهير فلا حاجة الى غسلها و كذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب و نحوه.

أقول انه لا شبهة و لا ريب في انه أقيمت أدلة في المقام على التبعية مثل السيرة و الارتكاز العرفي و الإطلاق المقامى و الحرج و لكن ما أخذ في لسان دليل من الأدلة عنوان التابع و المتبوع فيجب ذكر المحتملات التي يكون في المقام من السيرة و غيرها:

الأول ان يكون دائرة التبعية واسعة بحيث لو لم ينطبق المطهر عليه حين تطبيقه على النجس يقال بطهارته مثل اليد التابعة للغسل و المركن و مثل ظروف الخمر إذا صار خلا الذي يطهر ظرفه بدون انطباق المطهرية عليه و هو انقلاب الخمر خلا و كذا الآلات و الظروف التي تستعمل في طبخ الشيرج يطهر بتثليث ماء العنب مع عدم انطباق المطهر عليه حتى حكموا بان الماء النجس إذا انتضح على أعلى اليد حين غسل أسفلها يطهر الأعلى حين غسل الأسفل و الحاصل سواء انطبق عنوان المطهر على التابع أو لم ينطبق يحكم بطهارته.

الاحتمال الثاني هو اشتراط انطباق المطهر على التابع الا انه لو كان له خصيصة‌

309

في غير هذه الصورة تكون في هذه تابعة للمحل مثلا الظرف يحتاج الى الغسل ثلاث مرات فإذا كان مع ما يكفيه المرتان يكفيه أيضا مرتان.

الثالث انه لا أساس للتبعية أصلا و أجابوا عن رواية المركن الدالة على التبعية و سيجي‌ء البحث فيها.

اما الأدلة فمنها السيرة المستمرة المتصلة إلى زمن المعصوم (عليه السلام) و هي أصلها مسلم لكن الكلام في حدها فما هو التحقيق هو ثبوتها في الصورة الثانية من الاحتمالات لا مطلقا فكلام المشهور غير وجيه لأنه إفراط في معنى التابع.

و منها ادعاء الانصراف: بيان ذلك ان العرف عند تلقى الخطاب من الشرع بان الشي‌ء الفلاني يطهر بواسطة الغسل مرة أو مرتين يكون ذهنه منصرفا عن ان التابع أيضا كان يحتاج الى غسل جديد فنقول التحقيق في المقام أيضا هو القول الوسط في الاحتمالات اى نقبل الارتكاز لكن لا مطلقا.

و منها الإطلاق المقامى بيان ذلك ان الشارع عند بيان حكم تطهير المتنجسات لما بيّن و ما فصّل ان التابع أيضا يحتاج الى الغسل أم لا مع انه يكون في مقام البيان فمع عدمه نستكشف عدم الاحتياج الى غسل جديد.

أقول في ذلك أيضا ما مر فيما تقدمه و هو ان القيد في المقام يجب ان يكون مغفولا عنه حتى ينعقد الإطلاق فنحن ندعي أن المغفول في المقام يشمله الإطلاق و هو صورة جريان الماء على التابع مثل المتبوع و الحاصل انطباق المطهر على التابع شرط و اما الصورة التي تعد النجاسة خارجة فلا يكون حكمها مغفولا عنه بل يحتاج الى غسل ثانوي و مما يؤيد الأساس صحيحة محمد بن مسلم (باب 2 من أبواب النجاسات ح 1) و فيها اغسله في المركن مرتين و في الجاري مرة واحدة.

و تقريب الاستدلال بها ان المركن مع انه ينجس بواسطة الاستعمال لم يبين حكمه في الرواية فيفهم منه ان غسل الثوب يكفى عن غسل المركن فلا يحتاج اليه ثانيا و لكن في صورة مرور الماء على المركن أيضا كما يمر على الثوب كما هو ظاهر‌

310

الرواية و لا ظهور لها أزيد من ذلك و الحاصل لها إطلاق لكن بما ذكرنا فدلت على ان التابع حكمه حكم المتبوع.

ثم قد أجاب عنه المنكر للتبعية أصلا بأن هذا لا يشمل جميع الموارد لأن الإناء منصرف عن مثل المركن بما يعد للأكل فلا يمكن الاستدلال بها في سائر الموارد و فيه ان الانصراف ممنوع جدا لان كل احد يعرف ان الطشت أيضا يكون من الظروف فتحصل ان دلالة الرواية على المطلوب تامة.

[مسألة 13- لو اجرى الماء على المحل النجس زائدا على مقدار يكفي في طهارته]

مسألة 13- لو اجرى الماء على المحل النجس زائدا على مقدار يكفي في طهارته فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر و ان عد تمامه غسلة واحدة و لو كان بمقدار ساعة و لكن مراعاة الاحتياط أولى.

أقول ان ما في الروايات من كيفية تطهير المتنجسات هو ان الشي‌ء الفلاني يحتاج الى غسلة أو غسلتين و المراد بذلك هو صرف الوجود و هو يصدق على الدائم أيضا فإن الشي‌ء الذي يحتاج الى صب الماء ثلاث دقائق فقط لتطهيره ان صب عليه ساعة يصدق انه غسل مرة ففي هذه المسألة كيف حكم المصنف بان الزائد على المقدار المعتبر يكون طاهرا مع انه يكون من الغسالة.

و الفرق بين الحدوث و البقاء لا جدوى فيه كما عن بعض المعاصرين لأنهما أمران منتزعان عن موجود واحد.

اللهم الا ان يقال ان المناط فهم العرف و هو يحكم بأن المقدار القليل الكافي من الماء إذا صب على النجس فالزائد لا يكون من المستعمل لا يكون مصداق الغسالة فلا يكون نجسا.

[مسألة 14- غسالة ما يحتاج الى تعدد الغسل كالبول مثلا إذا لاقت شيئا لا يعتبر فيها التعدد]

مسألة 14- غسالة ما يحتاج الى تعدد الغسل كالبول مثلا إذا لاقت شيئا لا يعتبر فيها التعدد و ان كان أحوط (1)

____________

(1) لا يترك خصوصا في الأولى لأن العرف يرى غسالة البول كالبول و لا يكون لنا نص في ذلك حتى نرجع اليه و بدون التعدد لا يكون لنا علم بحصول الطهارة و ان كان مقتضى الأصل البراءة لانه يرجع الى الشك في التكليف الزائد و لو كان مثل موارد الاشتغال و لكن بالنظر الى ما ذكرنا من دأب العرف يشكل الحكم بكفاية المرة فإن العرف يرى أن نجاسة المحل حملت إلى الغسالة.

311

قد مر بحثها و لا نحتاج الى التكرار‌

[مسألة 15- غسالة الغسلة الاحتياطية استحبابا يستحب الاجتناب عنه]

مسألة 15- غسالة الغسلة الاحتياطية استحبابا يستحب الاجتناب عنه (1)

هذه أيضا واضحة لا نحتاج الى الشرح.

[فصل] الكلام في الماء المشكوك طهارته أو إطلاقه

فصل الماء المشكوك نجاسته طاهر الا مع العلم بنجاسته سابقا و المشكوك إطلاقه لا يجرى عليه حكم المطلق الا مع سبق إطلاقه.

في هذا الفصل أمور: الأول حكم الماء المشكوك طهارته فمع العلم بحالته السابقة حكمه الطهارة للاستصحاب و الا فقاعدة الطهارة و هذا يكون من ضروريات الفقه لكن نبينه لضبط السند له.

فنقول ان الشبهة في الطهارة تارة تكون حكمية مثل الشبهة في طهارة ماء الزجاج و الأدلة مختلفة في هذا المقام و لكن يعرف من بعضها ان الحكم الاولى في الأشياء خصوصا الماء الطهارة الخلقية اما ما دل على طهارة جميع الأشياء خلقا كما ورد (في باب 37 من أبواب النجاسات ح 3) قوله (عليه السلام) كل شي‌ء نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك.

اما الخاص بالماء كرواية حماد بن عثمان (في باب 4 من الماء المطلق ح 2) قوله (عليه السلام) الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر.

تقريب الاستدلال هو ان حكمه (عليه السلام) بان الماء كله طاهر يكون لبيان حكم واقعي مثل الصلاة واجبة فنفهم منها ان أصل خلقة الماء يكون هو الطهارة و كذا سائر‌

____________

(1) اى يحسن في صورة عدم كون الاحتياط واجبا

312

الأشياء و لكن الواقع لما لا يكون مغيى بالعلم نفهم ان الحكم الواقعي قابل للجرّ اى زمان العلم فنفهم من ذلك حكما ظاهريا فنقول الماء طاهر خلقا و لكن في ظرف الشك يكون الواقعي منجزا حتى إذا حصل العلم فيدور الأمر بين حفظ ظهورين أو ظهور واحد فنحن نحفظ الظهورين اى ظهور الصدر و الذيل.

و بعبارة اخرى ان الصدر و الذيل و ان كانا في حكم جملة واحدة و الذيل يصير قرينة على الصدر و لكن الصدر يقيد بمقدار اقتضاء القرينة أي له طاقة ان يكون مبينا لحكم واقعي و ظاهري في زمان الشك فلا يكون مثل رأيت أسدا يرمي فإنه لا فرد للأسد الرامي إلا الرجل الشجاع و اما الطهارة الواقعية فهي تجامع مع الطهارة الظاهرية و الحاصل فهمنا من الرواية الحكم الواقعي و الاستصحاب و قاعدة الطهارة فلو كان له حالة سابقه و شك فيه فالاستصحاب و الا فقاعدة الطهارة.

فإن قلت ان مقتضى ذلك ان لا يبقى مورد لقاعدة الطهارة لأن كل مورد نشك في طهارته و نجاسته نستصحب حالته السابقة الخلقية.

قلت في صورة تعارض النصين و إجمال النص و توارد الحالتين لا يكون له حالة سابقه فيصير المقام مقام قاعدة الطهارة فإذا كان لنا نص بأن الشي‌ء الفلاني نجس و آخر بأنه طاهر نشك في حالته الخلقية و كذا إذا حصلت الملاقاة و الكرية في زمان واحد.

ثم انه على فرض عدم فهم الحكم الواقعي من هذه الرواية بواسطة مانعية الذيل فلنا الرواية (في باب 1 من الماء المطلق ح 9) قوله (عليه السلام) خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء فالخلقة الأولية تكون الطهارة.

و الحاصل لنا حكم واقعي بطهارة الأشياء و حكم ظاهري فإذا اتصل زمان الشك باليقين فيكون هو الاستصحاب و إذا لم يتصل فيكون مجرى قاعدة الطهارة.

ثم هنا يجب ان نذكر مسالك القوم في الأصول لبيان الحكم الواقعي و الظاهري فنقول هنا أقوال ثلاثة منشأها عن المحقق الخراساني (قده) و هذا الاختلاف‌

313

مختص بالماء فقط لا في سائر الأشياء.

الأول ان يكون القاعدة و الاستصحاب مقتضيان لحكم واقعي ثانوي و هذا هو مسلكه (قده) فإذا صلى الإنسان مثلا الصلاة بوضوء ثبت طهارة مائه بقاعدة الطهارة ثم انكشف النجاسة لا تجب الإعادة.

فالمراد بجعل الطهارة في طرف الشك هو جعل ثانوي ابتدائي فيكون الوضوء بالطاهر الواقعي فلا تجب إعادة الصلاة لان من جملة ترتيب آثار الواقع الطهارة الجعلية هو صحة الصلاة.

و يرد عليه أولا ان العلم و الاستصحاب و القاعدة و كل ما جعله الشارع حجة على العباد يكون لحفظ الواقع و لكل منها مرتبة من الطريقية فالعلم له تمام الانكشاف و الامارة لها انكشاف ناقص و الأصل انقص فلا معنى للجعل الابتدائي فإن قلت فلم يجوز الدخول في الصلاة مع الطهارة الظاهرية مع انه نحتاج لها من طهارة واقعية نقول انه لنا الإجماع على جواز الدخول فيها معها.

و ثانيا انه لو كان الصدر للحكم الواقعي فقط يجب ان يكون الذيل أيضا كذلك و هو كما ترى لان العلم لا يمكن ان يكون سببا تكوينا للقذارة الواقعية على ان لكلامه قده نقوض يكون مقام بيانها في أصول الفقه فلا نطيل هنا.

في الحكم بالإباحة في مشكوكها

و المشكوك اباحته محكوم بالإباحة إلا مع سبق ملكية الغير أو كونه في يد الغير المحتمل كونه له.

مثال مشكوك الإباحة الماء الذي لا ندري انه يكون من بئرنا أو بئر جارنا و في غير الماء مثل ولد المعز الذي لا ندري أنه متولد من معزنا أو معز الغير ففي أمثال هذه الموارد ان كان لنا أصل منقح مثل الاستصحاب أو اليد أو البينة فنعمل عليه و اما في صورة عدم المستند من هذا القبيل فالأقوال في المسألة ثلاثة:

الأول القول بان عمومات الحلّ تشمل جميع الموارد سواء كانت وضعية‌

314

أو تكليفية فما هو مفاد رواية مسعدة بن صدقة (في باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 1) من قوله (عليه السلام) كل شي‌ء لك حلال حتى تعلم انه حرام هو ان يكون الماء المشكوك قابلا للشرب و البيع.

الثاني القول بعدم جواز التصرف مطلقا سواء كان مثل البيع أو الشرب و استدلوا عليه بان الأموال و النفوس و الدماء و الفروج خرجت عن العموم وضعا و تكليفا و المثال يكون في المال فلا يجوز التصرف مطلقا (1) الثالث التفصيل بين الأحكام الذي لا يكون متفرعا على الملك فيجوز التصرف مثل الشرب و ما يكون متفرعا على الملك مثل البيع فلا يجوز فنذكر المستند للأقوال الثلاثة بعون اللّه تبارك و تعالى فنقول:

اما مستند القول الأول فعمومات الحل مثل قوله (عليه السلام) كل شي‌ء لك حلال حتى تعلم انه حرام في موارد كثيرة مثل المروي عن عبد اللّه بن سنان و مسعدة بن صدقة (باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4 و ح 1) من قوله (عليه السلام) كل شي‌ء لك حلال حتى تعلم انه حرام» و غيره.

و تقريب الاستدلال بأن الرواية تكون في مقام جعل حليّة واقعية لترتب جميع الآثار المترقبة فإذا لاحظنا عدم جواز التصرف في مال الغير في المشكوك و عدم جواز الشرب يكون هذا حاكما عليه بأنه يجوز لانه عام.

لا يقال ان أصالة الحل غير محرزة بل وظيفة عملية للمتحير و لكن النتيجة فيه جواز الشرب مثل قاعدة الطهارة التي تكون مجعولة للشاك و مجوزة للدخول في الصلاة بماء جرت فيه القاعدة فالإباحة اللااقتضائية تثبت لا الإباحة الاقتضائية.

لأنا نقول كل أصل من الأصول و امارة من الامارات يكون لإحراز الواقع و المقام أيضا كذلك: بيان ذلك ان الشارع جعل قوانين و رأى حبّه لحفظه بعد احتمال عدم الوصول الى المكلفين فجعل هذه الطرق لإحرازه فهنا أصالة الحلّ‌

____________

(1) لو كان كذلك فكيف يقال بتخصيص الأموال مع كفاية كون الدليل فيه مع إطلاق لفظ الشي‌ء الشامل لها.

315

تكون لإحراز الواقع فإنه تارة يحرز بها و تارة بالاستصحاب و اليد و أمثال ذلك.

نعم المقام له فرق مع قاعدة الطهارة و هو ان الإجماع على جواز الدخول في الصلاة يكون محرزا بان هذه القاعدة محرزة بعد فرض ان شرط الصلاة هو الطهارة الواقعية و هذا الإجماع و ان كان بالنسبة إلى الماء الذي ثبت اباحته لجواز الدخول مع الوضوء به في الصلاة و لكن لا يكون محرزا لأنها محرزة لأن الإباحة لا تكون شرط الوضوء بل الغصب مانع عن صحته فبأصالة الإباحة نكشف ان المانع لا يكون في المقام هذا ما قيل و لكن يثبت بها أيضا نحو من الكشف بواسطة انها في مقام الشك يكون رافعا للمانع بندائها ان الغصب لا يكون في المقام.

لا يقال لو سلم جميع ذلك فنقول هذا كله في صورة عدم كون موضوع الجواز ما هو الملك و اما إذا كان كذلك فبالأصل يثبت الإباحة لا الملكية.

لأنا نقول ما يتوهم في الأدلة انها تكون للملك بكسر الميم خلاف الواقع لان الظاهر من الرواية لا بيع إلا في ملك و لا عتق إلا في ملك هو الملك بضم الميم و هو السلطنة على التصرف فكل مورد ثبت السلطنة فيصح التصرفات و من ذلك تصرفات الوكلاء و الأولياء مع انهم لا يكونون مالكين فإذا ثبتت الإباحة يثبت جميع ما يكون مترتبا على جواز التصرف من البيع و غيره.

لا يقال ان أصالة الإباحة لا تختص بشخص دون شخص فلا مرجح لجريان الأصل لأحد حتى يصح بيعه دون الأخر.

لأنا نقول هذا الأصل في بعض الموارد يختص ببعض الأشخاص دون بعض بعد عدم أصل منقح في المقام فإنه إذا لم يكن الجار مثلا في مسألة ماء البئر شاكا في ان هذا مائه أم لا يكون موضوع الأصل بالنسبة إليه متحققا فهذا لا يكون مانعا عن جواز جميع التصرفات إذا كان كذلك أو من المباحات الأصلية التي نشك في انه خرج بالحيازة عن جواز التصرف أم لا.

و اما مستند القول الثاني و هو سقوط أصالة الحلّ في المقام في جميع الموارد‌

316

حتى مورد الشرب هو السيرة بأن أصالة الإباحة لا تكون جارية في الأموال و النفوس و الفروج و الدليل عليه هو الاستقراء المعبر عنه بالإجماع عن الشيخ الأنصاري (قده) هذا أولا.

و ثانيا رواية محمد بن زيد الطبري (باب 3 من أبواب الأنفال ح 2) كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله الاذن في الخمس فكتب (عليه السلام) بسم اللّه الرحمن الرحيم الى ان قال لا يحلّ مال الا من وجه أحلّه اللّه، الحديث.

و تقريب الاستدلال بها واضح سواء كانت جملة لا يحلّ ما الا من وجه أحله اللّه إنشائية أو اخبارية لان هذا حكم بان التصرف حرام الا من ناحية الأسباب الشرعية التي جعلت للحلية فينتج ان جميع التصرفات لا يحلّ الا من سبب فما دام لم يثبت ذلك السبب لا يحكم بالحلية و لا فرق بين التصرفات المنوطة بالملكية أو غير المنوطة بها و قد أجابوا عن الاشكال بطرق:

طريقنا بعد فرض تسليم سند الرواية و الإجماع و الدلالة هو الإشكال بأن الرواية لا تزيد عن القاعدة شيئا لأنها تدل على ان التصرفات تحتاج الى سبب و مجوز و أصالة الإباحة تكون من الأسباب و الطرق ضرورة ان العام لا يكون متكفلا لبيان مورد الشك فهي كاشفة عن الواقع بمرتبة.

لا يقال ان وجوب وجود السبب للحلية أحرز بالرواية ففي صورة الشك يستصحب العدم فلا يبقى موضوع لجريان أصالة الحل لأن الأصل الحاكم مقدم فاستصحاب العدم يجرى فلا يباح التصرف.

لأنا نقول (1) ان الأصل الموضوعي يقدم على الأصل الحكمي و لكن لا في‌

____________

(1) أقول انه بعد قيام الامارة على الحلية بهذا السبب لا تصل النوبة إلى استصحاب عدم السبب لانه فرض أن هذا هو السبب فلا يكون الأصل جاريا في الموضوع لعدم تمامية أركانه و الأصل الموضوعي لو كان يكون حاكما على الحكمي لأن كل مورد يكون الدليل المحكوم له موارد و الحاكم في بعض المصاديق يكون حاكما و عدم المورد هنا لأصالة الإباحة يكون من جهة عدم ملاحظة كونه رافعا للشك و حاكما لا محكوما.

317

جميع الموارد فان مسئلتنا هذه لو قدمناه يلزم منه ان لا يبقى مورد أصلا لأصالة الإباحة فالتقدم لهذا الأصل هنا يكون لهذه النكتة فتحصل ان الحكم بعدم الحلية في الرواية يكون واقعيا لا يعارض مع أصالة الحل.

اما مستند قول المفصلين فهو ان ما أخذ في كبرى دليله لزوم الملكية لجواز التصرف لا يثبت بأصالة الإباحة مثل لا بيع إلا في ملك (المرسل المروي في المستدرك ج 2 ص 460 مضمون هذا الخبر وجدته فيه لا نفسه) و لا عتق إلا في ملك و اما ما لا يكون كذلك مثل الشرب و أمثاله فلا يجوز فان في التوقيع الشريف عن مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) لا يجوز لأحد ان يتصرف في ملك الغير الا بطيب نفسه فانيط عدم جواز التصرف بكونه ملكا للغير و استصحاب عدم ملكية نفسي لا يثبت ملكية الغير و بالعكس أيضا لا يثبت ملكية نفسي فلا يجوز بيعه و لكن يجوز سائر التصرفات لانه لم يثبت ملكية الغير له و الجواز الكذائي لا يحتاج الى سبب خاص في الإسلام و اما التصرفات الملكية فلا يصير استصحاب عدم ملك الغير مثبتا له.

فان قلت ان الانتفاعات تكون منوطة بالسبب و لا يكفى عدم إثباته ملكية الغير أو ليس الشيخ (قده) ادعى الإجماع و في رواية محمد بن زيد الطبري (في باب 3 من الأنفال ح 2) لا يحل مال الا من وجه أحله اللّه فالحلية بجميع أقسامها تحتاج الى سبب مجعول ففي موارد الترديد لا يجوز البيع و لا سائر التصرفات لعدم إحراز السبب.

قلت الإجماع الذي يكون هو تعبير الشيخ عنه بالاستقرار لا يثبت و مع ثبوته يمكن ان يكون سنده الرواية و الرواية ضعيفة بسهل و محمد بن زيد الطبري و قد وجهوا وجها لسهل كما عن المجلسي و عن بعض المعاصرين و الأمر في السهل سهل. فنقول يمكن الاشكال على الرواية ببيان آخر و هو ان يدعى انها تكون في مقام بيان الحكم حتى صورة الشك فأصالة الحرمة تصير حاكمة في جميع الموارد و لكن هذا لا وجه له كما ترى و على فرضه لا سند لها صحيحا و أيضا في ظرف الشك يكون لنا سبب محرز و هو أصالة‌

318

الحل فلا نحتاج الى القول بعدم الاحتياج الى السبب.

فان قلت ان الرواية مضبوطة في الكافي و يكون عليها عمل الأصحاب لأن المشهور يذهبون الى الاحتياط في الموارد الثلاثة. قلت (1) ادعاء ذلك أي الشهرة ممنوع و صرف وجودها في الكافي أيضا لا يصير دليلا للقوة.

و الحاصل لو التزمنا بان المباحات تحتاج في انتقالها الى السبب فنقول أصالة الإباحة مثبتة بعد إثبات عدم ملكية الغير فعلى المسلك الصحيح في صورة الشك في حلية مال يجري الأصل و يترتب عليه جميع الآثار مما يحتاج إلى الملكية و ما لا يحتاج إليها بقي الكلام في تطبيق الحكم على الموارد: فمنها الشك في الثمر الذي لا ادرى انه سقط من شجري أو شجر جاري و منها الماء الذي لا ادرى انه من بئري أو بئري أو بئر جاري و لا ندري انه حين خلق كيف خلق فهل خلق في ملكي أم لا، فلا حالة سابقه حتى نستصحبها الا ان يجري الأصل الأزلي فيه و لكن التحقيق عدم جريانه و قانون التنصيف أيضا مختص بموارد الأمانات فجميع التصرفات لا اشكال فيه اما على فرض جريان استصحاب العدم الأزلي فلا يبقى مقام لجريان أصالة الإباحة لأنه بجريانه نحرز عدم الملكية و هو مزيل للشك.

فلا وجه لما عن (2) بعض المعاصرين بأنه يثبت به عدم جواز التصرفات المختصة بالملكية و اما غيرها فأصالة الإباحة محكّمة فان جواز الأكل ما أنيط بالملكية بل أنيط بعدم كونه ملك الغير و هو يحتاج إلى الإحراز فما لم يحرز فلا وجه للقول بالحرمة لأن الاستصحاب بعد الجريان يزيل الشك نعم لو تعارض استصحاب عدم ملك نفسه‌

____________

(1) أقول هذا مضافا الى عدم تمامية الدلالة في مورد أصالة الإباحة كما مر منه

(2) أقول ان الرواية بقوله (عليه السلام) كل شي‌ء لك حلال إلخ بإطلاقها تشمل جميع التصرفات المحتاجة إلى الملك أو غيره غاية الأمر في موارد الشك يلزم الفحص في الأمثلة التي ذكروها ليستقر الشك و لعل ما ذكره الشيخ من السيرة يكون للارتكاز على أن من يحتمل أن يكون الشي‌ء لجاره يتفحص و لا يتصرف ابتداء و اما في المورد الذي لا طريق له للفحص أو فحص و لم يظهر له شيئا كان يكون الجار أيضا شاكا فإن الأصل يجري في الأموال أيضا.

319

مع استصحاب عدم ملك الغير فيجوز التصرف مثل الشرب هذا كله في صورة عدم كون المال من المباحات الأصلية و الا فإن شك فيها من حيث انها هل صارت ملكا للغير بالحيازة أم لا فالاستصحاب لا اشكال فيه.

قال الشيخ الأنصاري (قده) ان لنا قاعدة بان ما علم من الشرع الاهتمام به لانه من الأمور الخطيرة يكون الاحتمال فيه كالعلم و الأموال و النفوس و الفروج من ذلك فإذا احتمل الحرمة فيها يجب الاجتناب عنها و فيه ان ما ذكر في النفوس و الفروج صحيح لا في الأموال (1).

العلم الإجمالي بالنجس أو المغصوب في محصور و غيره

[مسألة 1- إذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور]

مسألة 1- إذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور كإناء في عشرة يجب الاجتناب عن الجميع و ان اشتبه في غير المحصور كواحد في ألف (2) مثلا لا يجب الاجتناب عن شي‌ء منه.

بيان ذلك انه يظهر من هذه المسألة الفرق بين المحصورة و غيرها فيجب الاحتياط في المحصور لا غيره و الكلام في معنى الشبهة المحصورة و غيرها يكون منقحا في الأصول مفصلا و إيراده هنا يوجب الإطالة فنذكر مسلك التحقيق فقط فنقول تعرض المصنف لفرعين كما ذكر و لا يخفى ان المورد يكون على تنجيز العلم الإجمالي و عدمه‌

____________

(1) ان الظاهر صحة قول المعاصر لان الشك و ان كان من جهة جميع التصرفات و لكن استصحاب عدم الملك يحكم بأنه لا يكون هذا ملك نفسه فإذا التزمت بحكمه يبقى مقدار من الشك و هو انه بعد عدم كونه ملك نفسه هل يجوز شربه مثلا لانه غير منوط بالملك أم لا فالاستصحاب لا يوجب في جميع الموارد ازالة الشك و لكن الأصل لا يجرى عند التحقيق.

(2) أقول ان المناط في الشبهة الغير المحصورة ضعف احتمال تطبيق الخطاب على كل طرف من الأطراف كما في رواية الجبن و هو حاصل غالبا في الواحد الذي يكون في الألف.

320

فلو لم يكن له مانع يؤثر أثره و اما في صورة وجود المانع مثل الحرج مثلا فيحصل المانع.

و لا يخفى أيضا ان الأصل الجاري في ناحيته اما ان يكون في الفراغ أو في جعل التكليف و الأول لا ينافي الجعل بل يؤكده مثل قاعدة الفراغ في الصلاة مثلا فإنها مع ندائها بان الصلاة مثلا تكون لها خمسة أجزاء تحكم بكافية الأربعة لتتميم المصلحة من ناحية أخرى و اما الأصول الجارية في ناحية الجعل فهي مثل أصالة البراءة عن التكليف و هذه لا تجري في المقام ضرورة تعارض الأصلين أو الأصول فإذا فرض العلم بنجاسة أحد الكاسين فاصل البراءة عن الاجتناب في البين بالنسبة الى كل طرف يعارضه الأصل في الطرف الأخر.

فتحصل انه إذا قام الدليل على التوسعة في الجعل يمكن ترجيح ما قام الدليل عليه بخلافه في غيره لعدم المرجح و هذا في المحصور واضح و العقل مستقل بوجوب الاجتناب.

انما الكلام في غير المحصور فقال المصنف (ره) بأنه لا يجب الاجتناب عن شي‌ء من الأطراف و يجوز المخالفة القطعية فلتوضيح المرام في المقام نشير الى معنى المحصور بعد عدم كون العلم في المقام مزاحما بمثل الحرج و أمثاله:

فنقول ما فهمنا و تلقينا من كلام الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) و هو التحقيق ان أطراف الشبهة يجب ان تكون من الكثرة بحيث يعد احتمال تطبيق المشكوك على ما نريد استعماله ضعيفا بحيث يطمئن النفس بان المشتبه يكون في غير هذا الطرف و ان شئت فعبّر بان ضعف هذا الاحتمال كأنه يكون طريقا عقلائيا و قد امضى الشرع هذه الطريقة أو عبّر بأنه يكون موجبا لجعل البدل.

و لا يخفى عدم إمكان جعل البدل بواسطة أدلة البراءة لأن إثبات البراءة بنفس أدلة البراءة دور فعلى هذا لا يكون مستندنا هذا الأصل ليشكل بأنه معارض و لكن كما ذكرنا انه كما يمكن جعل البدل في سائر الموارد بأدلة البراءة كذلك يمكن جعله هنا بواسطة‌

321

اطمينان النفس بان المشتبه لا يكون في المورد المشكوك و هنا يظهر فساد الإشكال بان ضعف الاحتمال لا يكون مجوزا للارتكاب لأنا نتمسك بالاطمينان (1) فإذا ارتكبنا ما يخرجنا عنه فيجب الاحتياط.

لا يقال عدم تأثير العلم الإجمالي لا يكون لما ذكرتم بل للزوم الحرج أو الخروج عن محل الابتلاء فالأول يكون أصلا في ناحية الفراغ ضرورة انه لا يمكن الاجتناب عن جميع الافراد و لا نحتاج الى الارتكاب في جميعها فيكون خارجا عن الابتلاء لأنا نقول في الشبهات الوجوبية (2) يصح ذلك لانه لا يمكن إتيان جميع‌

____________

(1) أقول ان حاصل تقريبه مد ظله هو ان النفس بارتكاب بعض الافراد لا يرى نفسه متلبسا بخلاف ما إذا ارتكب الأطراف فإنه بعد ارتكاب شطر منها يخرج عن الاطمئنان. و هذا ممنوع لان النفس بعد ارتكاب النصف مثلا من الأطراف إذا أراد ارتكاب فرد من افراد النصف الأخر اما ان يرى ما ارتكب قبل ذلك داخلا في الأطراف أو خارجا عنها فان كان الأول فالاطمينان الذي ادعاه يكون في هذا الفرد أيضا و في سائر الافراد، و ان كان الثاني فيصير من المحصور و لا كلام فيه.

و لتوضيح ذلك يجب تقرير مثال و هو انا إذا كنا في بلد كبير يكون فيه مقدار غير محصور من القصابين و كنا في برهة من الزمان في محل منه و برهة أخرى في محل آخر و هكذا فهل عند شرائنا اللحم من بعض القصابين في آخر محل يكون في هذه البلدة مع العلم بأن أحدا يبيع الميتة في البلد يكون له فرق عند النفس مع شرائنا اللحم من أول مكان كنا فيه مع هذا الاحتمال؟! فنقول ما هو الحق ان الإنسان في جميع الأطراف يرى ضعف الاحتمال حتى في الأخير بعد ارتكاب الجميع فإنه يقول يمكن ان تكون المعصية حاصلة في سائر الافراد و لا يكون المشتبه هنا و أنت إذا راجعت الى العرف و كيفية أعمالهم تجد ما ذكرناه.

(2) أقول انه إذا فرض أطراف المحصور مثل ما ذكره في بيان هذا المطلب يمكن الفرق بين الوجوبية و التحريمية و هو انه قال لو كان لنا ألف إناء في مكان واحد مثل مدرسة و كان أحدها نجسا نتركه و نتوضأ من مكان آخر و لا حرج فيه و لكن لا يكون الغرض مختصا بما ذكره بل نفرض وجود خبّازين متعددة في أطراف بلد نعلم ان أحدهم نجس خبزه فإن شئنا الاجتناب عن الجميع يوجب الحرج فإن النهي عن بيع خبز بلد و شرائه من بلد آخر واضح الحرجية فلا فرق بين الشبهات سواء كانت وجوبية أو تحريمية و لا يصير عدم لزوم الحرج في مورد سندا لقاعدة كلية في المحصور و غير المحصور فالذي أجاب الأستاذ عن القائل و ان كان جوابا له لأنه يدعي الحكم كليا و لكن هذا الجواب أيضا بكليته ممنوع و الذي يسهل الخطب هو ان الأستاذ مد ظله قائل بالتفصيل بأن صورة لزوم الحرج و الخروج عن الابتلاء تكون من الأصول في ناحية الفراغ و نعترف بعدم الاجتناب و في غير هذه الصور نتمسك بما ذكره.

322

المحتملات ليحصل الفراغ و لكن في التحريمية منها فلا لان ترك الجميع لا حرج فيه و لا يكون خارجا عن محل الابتلاء لانه يمكن فرض ألف كاس في مكان واحد نريد التوضي به أو الشرب مع وجود نجس بين الجميع.

لا يقال في المضار الدنيوية يمكن ان يؤثر ضعف الاحتمال و اما في الأخروية فلا، لان العقلاء لا يهتمون بالسموم الدنيوية اهتمامهم بالاخروية.

لأنا نقول (1) يحصل الاطمئنان بعدم المضرة لا انه يكون الاحتمال على العدم فإذا فرض واحد من الأطراف في طرف و سائر الافراد في طرف آخر فلا محالة يطمئن النفس بعدم الحرام في هذا الطرف.

ثم ان ما ذكرنا من المحصور و غيره يختلف حسب اختلاف الوقائع مثلا اللقمة في ظرف مثل القدر المعمولى يكون من المحصور و حبّة أرز فيها تكون من غير‌

____________

(1) أقول انه على فرض حصول الاطمئنان لا ينتفى الاحتمال الضعيف لان كل اطمينان يكون في مقابله ضعف الاحتمال فالنفس لو رأس الضعف و لكن مع ذلك لمّا ترى المضرة أخروية تقف عن الحكم الا ان يكون لها مؤمن مثل الرواية الاتية.

323

المحصور (1) بالنسبة الى جميع الطعام كما قال الشيخ الأنصاري (قده) فتحصل من جميع ما ذكر انه لو كان للعلم الإجمالي مزاحم مثل الخروج عن الابتلاء أو الحرج فهو و الا فالطريق على عدم التنجيز في غير المحصور ما ذكرناه فان كان هذا عندك وجيها فهو و الا فما ذكره المحقق الخراساني (قده) حسن و هو ان الملاك في عدم لزوم الاجتناب لزوم حرج أو خروج عن الابتلاء هذا كله في معنى المحصور و غيره.

ثم ان العلم الإجمالي لا يكون بالنسبة إلى الموافقة القطعية منجزا و اما المخالفة القطعية أيضا فلا يجوز على ما ذكر من المسلك لان الاطمئنان يكون حتى في ظرف وجود العلم الإجمالي أي هو يكون مانعا عن التنجيز فإذا ذهب الاطمئنان باستعمال بعض الأطراف فلا يجوز الارتكاب فكأن استعمال ما يجوز استعماله يكون مثل جعل البدل و من شواهد عدم جواز ارتكاب الجميع عدم معنى (2) للبدلية في صورة ارتكاب الجميع فان شك في جواز المخالفة القطعية و عدم جوازها لا يكون مجال للبراءة بل يجب الاحتياط لانه يكون من الشك في القدرة بعد الفراغ عن جعل الحكم التكليفي و الشك فيها مجرى للاشتغال. و بعبارة أخرى للخطابات مدلول مطابقي و مدلول (3) التزامي فإن سقط‌

____________

(1) أقول و الحاصل أن الملاك يكون في صيرورة الخطاب مستهجنا بالنسبة الى كل فرد و هو يختلف حسب اختلاف الموارد و حبّة أرز في قدر كبير تكون في صورة عدم نجاسة القدر بها و هو واضح. و العمدة في هذا الباب الرواية التي ستأتي منه.

(2) أقول ان هذا يصح في صورة رؤية جميع الأطراف في وعاء واحد و لكن كل فرد من افراد الطرف حين ارتكابه إذا لوحظ فيمكن جعل البدل له فان العقل يحكم بعد ارتكاب جميع الأطراف إلا الأخير بأن الحرام لعله كان فيما ارتكب قبله و لم يتوجه اليه فيرى الحرام فيما لا اثر له بعد الاستعمال.

(3) مع أنه مدخول من أصله، المقام يكون الشك في كل فرد في وجود الخطاب و لا يكون لنا العلم بوجود الخطاب عليه ثم سقوطه حتى يدخل تحت هذا الباب.

324

المدلول المطابقي و هو الحكم بالحرمة فمدلوله الالتزامي باق و هو بقاء الملاك فإذا كان موجودا ينادي بأن المقام يكون مملوا من المفسدة فيحكم العقل بوجوب الاحتراز بعد ثبوت أصل التكليف.

نعم ان قيل بان العلم الإجمالي يسقط عن التأثير مثل ما قال السيد (قده) فيمكن الحكم بجواز المخالفة القطعية و لكنه بعيد و قد ذهب البعض منهم بأن الموافقة القطعية واجبة هذا حكم العقل في غير المحصور.

الدليل الثاني على عدم وجوب الاحتراز عن الأطراف الإجماع.

و الدليل الثالث الروايات فمنها رواية أبي الجارود (في الوسائل ج 17 باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة ص 91) قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن فقلت أخبرني من رأى انه يجعل فيه الميتة فقال من أجل انه كان (ن خ- مكان) واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرضين فما علمت منه انه ميتة فلا تأكله و ما لم تعلم فاشتره و بعه و كله و اللّه انى لأعترض السوق فاشترى منه اللحم و السمن و الجبن و اللّه ما أظن كلهم مأمون هذه البرابر و هذه السودان.

و تقريب الاستدلال يكون بفقرتين من هذه الرواية.

الأولى قوله (عليه السلام) من أجل مكان واحد إلخ فإنه يفهم منه ان أطراف العلم الإجمالي إذا صارت كثيرة فلا يكون معتنى به فكأنه أمضى ما هو مغروس أذهان العقلاء.

الثانية قوله (ع) اشترى اللحم الى ما قال ما أظن: كلهم يسمون إلخ فإنه يفهم منه انه مع العلم بان بعض البرابر و السودان لا يسمون عند الذبح يحكم باضمحلال اثر العلم لكثرة الأطراف.

ثم انه قد أشكل عليها أولا كما عن الشيخ بأن الرواية ناطقة و دالة على عدم ترتيب الأثر للعلم الإجمالي في صورة الخروج عن محل الابتلاء فإن سائر الأمكنة غير المكان الذي يجعل الميتة في الجبن لا يكون محل الابتلاء فالفقرة الاولى لا تدل على‌

325

ان الاجتناب عن أطراف غير المحصور لا يلزم في غير هذه الصورة.

و ثانيا بأن الفقرة الثانية لا تدل على صورة العلم بل يكون متعرضا لصورة الشك فإنه (عليه السلام) ما قال انى اعلم انهم لا يسمون بل احتمل عدم التسمية.

و الجواب عن الأول ان سؤال السائل لا يكون عن الجبن في البلاد بل عما يجيئون به عن البلاد المختلفة في السوق بحيث يكون جميعه محل الابتلاء.

أضف الى ذلك انه يجب التفصيل في الجواب لو كان الفرض كما يقال بين ما إذا كان خارجا عن الابتلاء أو لم يكن، على انه (عليه السلام) جعل ملاك عدم الاحتراز هو كثرة الافراد لا الخروج عن الابتلاء فلم يقل (ع) انك لا تكون مبتلى به بل قال لأجل مكان واحد يجعل فيه الميتة تترك جميع ما في الأرض فلا وجه للقول بعدم تنجيز العلم الإجمالي لعدم الابتلاء (1).

و اما الجواب عن الإشكال في الفقرة الثانية بأن الشبهة هنا لا تكون بدوية كما فرض المستشكل بل يكون من تطبيق القول على العمل فإنه (عليه السلام) يقول انا أيضا لا اجتنب عن الشبهات الغير المحصورة و الشاهد عليه انه (عليه السلام) قال ما أظن أنهم يسمون كلهم فيفهم منه انه (عليه السلام) يعلم قطعا عدم التسمية.

لا يقال في المقام أصالة عدم التذكية حاكمة لأنا نقول لا يكون المقام مقام جريانها لذكر السوق فإنه امارة على الحلية، لا يقال كيف يعارض السوق مع العلم الإجمالي، لأنا نقول لا تأثير لهذا العلم.

فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الاجتناب عن غير المحصور لا يجب. (2)

____________

(1) أقول هذا مضافا بأن المراد من الابتلاء المعرضية لا الابتلاء الفعلي بأن يكون مشتريا لجميع الأطراف.

(2) أقول ان أقوى دليل على عدم الوجوب هو هذه الرواية و لا نحتاج إلى إثبات ان العلم الإجمالي يكون أم لا فإنه مع فرض وجوده أيضا حكم الشرع بعدم لزوم الاجتناب و هي مطلقة من حيث استعمال جميع الافراد أو بعضها بحيث يصير الاحتمال الضعيف قويا كما قال الأستاذ مد ظله بل كل طرف من الأطراف لا يلزم الاجتناب عنها بإطلاقها.

326

في التوضي بمطلق مشتبه في المضاف

[مسألة 2- لو اشتبه مضاف في محصور]

مسألة 2- لو اشتبه مضاف في محصور يجوز ان يكرر الوضوء و الغسل الى عدد يعلم استعمال مطلق في ضمنه فإذا كانا اثنين يتوضأ بهما و إن كانت ثلثة أو أزيد يكفى التوضي باثنين إذا كان المضاف واحدا و ان كان المضاف اثنين في الثلثة يجب استعمال الكل و ان كان اثنين في أربعة تكفي الثلاثة و المعيار ان يزاد على عدد المضاف المعلوم بواحد و ان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها كما إذا كان المضاف واحدا في ألف و المعيار ان لا يعد العلم الإجمالي علما و تجعل المضاف المشتبه بحكم العدم فلا يجرى (1) عليه حكم الشبهة البدوية أيضا و لكن الاحتياط أولى.

اعلم ان العلم بالإطلاق تارة يكون في محصور و اخرى في غير المحصور مع وجود ماء محرز الإطلاق غير المشتبه و مع عدمه فان كان لنا ماء محرز إطلاقه فهل يجوز التكرار في صورة كون المشتبه في محصور أم لا خلاف يبنى على ان الامتثال التفصيلي إذا كان ممكنا فهل يجوز الإجمالي منه أم لا فان قلنا بالأول كما عن بعض المعاصرين فيجوز التكرار و الامتثال الإجمالي، و ان قلنا بالثاني كما عن النائيني فلا لأن الإجمالي يكون في طول التفصيلي و التحقيق الأول (2) بل هو اولى و أتم‌

____________

(1) لا شبهة في كون الشبهة بدوية و العلم الإجمالي يكون ضعيف التطبيق في كل مورد و لا أصل في المقام يرفع الشك بخلاف الشك في الطهارة و النجاسة حيث أن قاعدة الطهارة هناك موجودة فتأمل فلا يترك الاحتياط لأن إحراز الشرط لازم.

(2) أقول ان الامتثال الإجمالي في هذه الصورة و ان كان يمكن ان يكون حجة على العبد يوم القيامة على وجه و لكن لا يكون اولى و أتم من التفصيلي لأن هذا يكون كاللعب في بعض الموارد بأمر المولى و الأكل من القفا مع ان الإسراف أيضا حرام لان الوضوء بالماء الواحد لا يكون إسرافا و لكن بالمتعدد خصوصا إذا كان كثيرا يصدق ذلك فيمكن ان يكون من باب اجتماع الأمر و النهي في العمل العبادي و هو الوضوء و نقول بالفساد على فرض عدم جواز الاجتماع و بهذا الوجه لا يكون الامتثال صادقا فضلا عن الأهمية لكن هذا كلام آخر.

327

و لا شبهة في وجوب الامتثال الإجمالي على فرض الانحصار كما قال المصنف ثم لا يخفى انه إذا كان المشتبه في غير المحصور يجوز التوضي بكل واحد منه لما مر و لكن تفصيل بيانه يحتاج الى مقدمة.

و هي الإشارة إلى الأقوال في العلم الإجمالي فمنها ان العلم الإجمالي في أطراف غير المحصور يسقط عن المنجزية بكلا طرفيه الموافقة القطعية و المخالفة القطعية كما هو مذهب المصنف (قده) فكل واحد من الأطراف يكون فيه شبهة بدوية فإن كان المورد من الموارد الخطيرة مثل الفروج و الدماء يجب الاحتياط و الا فلا (1) و منها ان الشبهة لا تكون بدوية أيضا لأن الموجب لها هو العلم و هو العلة التامة لوجودها فإذا ذهب فيذهب أثره فربما يقال في المورد بأنه مبتن على الاختلاف في ان العلم الإجمالي يكون علة تامة كما عن المحقق الخراساني (قده) أو مقتضيا كما عن الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) فعلى الأول تكون الشبهة بدوية لأن وجود الاحتمال يكون تابعا لوجود العلم لا لتنجيزه فإذا لم يكن المنجزية فلا يمكن القول بعدم الشبهة أيضا‌

____________

(1) أقول انه في المقام يشكل القول بصحة الصلاة لأن إحراز الشرط لازم و هو غير محرز مع الشك في كون المائع مضافا أو مطلقا مع إمكان تحصيل الشرط جزما بواسطة التكرر الذي لا يلزم منه الحرج أيضا الا انه حيث يقال الشك غير مؤثر مع جريان الأصل فتصح الصلاة و لكن الكلام في أنه ليس لنا أصل في مورد الشك في الإطلاق و الإضافة لا أصل عدم الإطلاق و لا أصل عدم الإضافة بخلاف الشك في الطهارة و النجاسة فإن قاعدة الطهارة حاكمة.

328

و على الثاني (1) فلا لان العلم من الأول لا يكون علة تامة.

و فيه انه لا ملازمة بين عدم العلم و عدم كونها منها كما عن الخراساني (قده) و هو التحقيق عندنا و لكن فرض الشيخ (قده) غير تام في الباب فيحمل قول المصنف على ما ذكره الشيخ (قده) ثم ليكن في ذكر منك ما ذكر من مبنى التحقيق في غير المحصور و هو الاطمئنان بالعدم في بعض الأطراف فإنه إذا صار الأطراف مورد الاستعمال بحيث تذهب الاطمئنان لا يجوز الاكتفاء بالوضوء به.

ثم ان هنا اشكالا و هو ان معنى يجعل فيه الميتة في الرواية ما هو؟ فنقول المراد به هو الانفحة التي تكون من الميتة و هذا لا يوجب الاجتناب عن الجبن عندنا فيمكن ان يكون هذا للتقية كبرويا و صغرويا فلا تدل على ما ذكره. و فيه انه يمكن ان يكون الكبرى لعدم التقية و التطبيق في الصغرى لها مثل ما حكم (ع) بأن الحكم في الهلال يجب ان يكون من القاضي و طبّق عليهم للتقية فلا يرد الاشكال على الرواية. (2)

[مسألة 3- إذا لم يكن عنده الا ماء مشكوك إطلاقه و إضافته]

مسألة 3- إذا لم يكن عنده الا ماء مشكوك إطلاقه و إضافته و لم يتيقن انه كان في السابق مطلقا يتيمم للصلاة و نحوها و الاولى الجمع بين التيمم و الوضوء به (3).

____________

(1) على فرض كونه مقتضيا أيضا يمكن ان يكون الشبهة بدوية لأن العلم و لو كان مقتضيا يحتاج الى رفع المانع و لكن الاحتياج يكون للتنجيز فوجوده يوجب الاحتمال لا تنجيزه فعلى فرض عدم التنجيز يمكن القول ببقاء الاحتمال أيضا.

(2) أقول يمكن ان يكون الاشكال مندفعا بنحو آخر و هو ان الإنفحة من الميتة لا تكون طاهرة مطلقا غير واجب الاجتناب بل ما هو في ذكري منقولا عن الفقهاء هو ان الغنم لو لم يبلغ الى حد أكل العلف فيمكن الاستفادة عن انفحته بعد تطهير ظاهرها في الجبن لا ما يكون كبيرا فيمكن ان يكون نظر السائل الى هذا القسم منها لا ما لا اشكال فيه نعم لو أطلق عدم وجوب الاجتناب فالحمل على التقية حسن.

(3) لا يترك الاحتياط بالجمع ما أمكن للعلم الإجمالي و عدم وجه للانحلال فان وجوب تحصيل الطهارة مسلم و الشك في ما هو محققة و كما أن الشك في وجوب الوضوء متحقق يكون كذلك في وجوب التيمم أيضا.

329

حكم المصنف قده بالجمع احتياطا فنقول الماء المشكوك كذلك اما ان يكون له حالة سابقه من الإضافة و الإطلاق فتستصحب و يترتب على كل حكمه و ان لم يكن له حالة سابقه فينعقد لنا علم إجمالي بأن الواجب اما هو الوضوء لاحتمال كونه واجد الماء أو التيمم لاحتمال عدمه فنعلم إجمالا اما الوضوء واجب أو التيمم فيجب الاحتياط بالجمع للعلم الإجمالي على ما هو التحقيق و لكن الظاهر من فتوى المصنف عدم وجوبه فيمكن ان يكون نظره (قده) الى استصحاب العدم الأزلي و تقريره ان نقول هذا المائع قبل وجوده لم يكن مطلقا فإذا وجد نشك في إطلاقه فنستصحب العدم فيجب التيمم دون الوضوء فلا اثر له فالحكم بالاحتياط يكون لحسنه مطلقا و لا يستصحب العدم الأزلي للإضافة لأنه لا يثبت الإطلاق.

و فيه انه على فرض جريان الاستصحاب في سائر الموارد لا يجرى هنا على ما هو التحقيق من التفصيل في ما إذا كان المستصحب من لوازم الماهية أو الوجود ففي الأول لا يجرى دون الثاني و ما نحن فيه يكون الإطلاق من لوازم ماهية الماء فإذا فرض عدم الإطلاق يفرض قهرا عدم تصور ماهية الماء فلا يمكن ان نقول كانت الماهية و لم يكن الإطلاق و الحاصل لا ينحل العلم الإجمالي بواسطة الاستصحاب لعدم جريانه و من الطرق على الانحلال هو ان وجوب الوضوء منوط بوجدان الماء و لا فرق بين عدم الوجدان العقلي و الشرعي فالواجد عقلا لمطلق مغصوب يكون غير واجد شرعا و في المقام المانع الشرعي هو عدم العلم (1) بوجود الماء المطلق.

و فيه ان الألفاظ تحمل على الواقعيات بحسب الحمل الاولى فمعنى عدم الوجدان هو عدمه واقعا لا شرعيا فان وسع الشارع في المعنى بان جعل الغصبية و النجاسة‌

____________

(1) أقول و من المعلوم ان عدم العلم مانع عقلي و ان كان غصبية الماء مع الموانع الشرعية.

330

من الموانع فوسّع الموضوع فهو و الا فلا ففي صورة الشك لا يكون لنا حكم من الشرع على انك غير واجد و الشاهد على ما ذكر هو انه لو كشف الخلاف تجب الإعادة فإنهم أفتوا بان من صلى مع التيمم بظن عدم الوجدان ثم انكشف الخلاف تجب الإعادة في الوقت.

فعلى هذا لا يكون الموضوع للحكم بالتيمم عدم الوجدان الأعم بل يكون الحكم على الواقع فان كان لنا أصل محرز أو امارة على جواز الدخول فيها بالتيمم فهو و الا فلا كما فيما نحن فيه فان صرف الشك لا يوجب التوسعة في الموضوع و الشاهد على ما ذكر ما عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن ابى بصير (باب 14 من أبواب التيمم باب عدم وجوب إعادة الصلاة ح 5) قال سئلته عن رجل كان في سفر و كان معه ماء فنسيه فتيمم و صلى ثم ذكر ان معه ماء قبل ان يخرج الوقت قال عليه ان يتوضأ و يعيد الصلاة و لا اختصاص لها بحال النسيان لان الجهل البسيط اردء منه فموضوع التيمم هو الغير المتمكن العرفي و الشاك لا يصدق عليه انه غير متمكن و لذا يجب الفحص بغلوة أو بغلوتين كما حرّر في (1) محله و الحاصل يكون المدار على الواقع في عذر وجوب الوضوء لا زعمه سواء كان بالجهل البسيط أو النسيان.

و من الطرق على الانحلال هو ان العلم الإجمالي تعلق بفردين طوليين و الشك فيهما يكون من السببي و المسببي.

بيان ذلك ان العلم الإجمالي يجب ان يكون بحيث إذا فرض في أي طرف من الأطراف يكون منجزا و موجبا للتكليف و المقام لا يكون كذلك لان وجوب التيمم منوط بعدم وجوب الوضوء اى نعلم اما ان الوضوء واجب و على فرض عدم وجوبه فالتيمم واجب و لا يكاد يعقل ان يكون العلم موجبا لتكليفين و هذا يكون مثل من علم بأنه إما يكون‌

____________

(1) و في صورة تحققه و عدم الوجدان فيكون الشك في وجوب الوضوء و الأصل يقتضي البراءة.

331

عليه الدين و على فرض عدمه فهو مستطيع للحج فلا يمكن ان يقال يجب عليه أداء الدين و الحج و ما نحن فيه و ان كانت صورته صورة العلم الإجمالي و لكن الواقع لا يكون كذلك فان كان منجزا بالنسبة إلى الوضوء لا يكون منجزا بالنسبة إلى التيمم.

و الأصل الحاكم هنا يتصور على وجهين: الأول قبل الوضوء لا يكون منجزا بالنسبة إلى التيمم.

و الأصل الحاكم هنا يتصور على وجهين: الأول قبل الوضوء فإنه يشك في وجوبه و عدمه فيجري أصالة البراءة عنه فيجب التيمم و بعد الوضوء ان شك في وجوب التيمم و عدمه فاستصحاب بقاء الحدث يحكم بوجوب التيمم أيضا و يرجع استصحاب الحدث الى عدم التمكن و هذا يكون معنى الأصل السببي و المسببي.

و فيه انه بعد الإذعان بأن الأصل السببي مقدم على المسببي إذا كان الشك طوليا و لكن لا نقبله في جميع موارد الطولية لانه للحكومة فيهما شرطان.

الأول ان يكون الشك في المسبب ناشيا عن الشك في السبب و الثاني ان يكون جريان الأصل فيه موجبا لرفع الشك في المسبب مثل الثوب النجس الذي غسل في ماء مشكوك الكرية.

و فيما نحن فيه ان الشك في وجوب التيمم و ان كان ناشيا عن الشك في وجوب الوضوء و لكن إجراء الأصل فيه لا يوجب رفع الشك عن وجوب التيمم لان لسان دليل وجوب التيمم يكون عدم الوجدان بقوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً»* و انا بعد جريان أصالة البراءة عن وجوب الوضوء لا يثبت لنا عدم الوجدان (1) و لا يقاس بالترديد في الاستطاعة و وجوب الدين لأن أصالة عدم الدين يكون عين الاستطاعة و هنا أصالة عدم وجوب الوضوء لا يكون عين عدم الوجدان و وجوب التيمم (2)

____________

(1) بعد فرض دوران التكليف بين الوضوء أو التيمم و جريان الأصل في الوضوء لا بد ان يقال بتعيين التيمم و الا فأي فائدة في جريان هذا الأصل و لا شك في وجوب التيمم تعبدا و ان كان الشك في الواقع موجودا و هو لا يضر و هذا نشأ من طولية التكليفين و لو كانا عرضيين لكان الواجب الاحتياط.

(2) أقول بعد فرض دوران الأمر بين الوضوء و التيمم ان دل دليل شرعي مثل الاستصحاب أو البراءة على عدم وجوب الوضوء فلا محالة يجب التيمم و الشك لا يبقى بعد جريان الأصل في الوضوء في وجوب التيمم و عدمه و صرف الشك في الوجدان لا يصير دليلا على الشك في التيمم و الا فيجب ان يكون مانعا من الوضوء أيضا لاحتمال الوجدان و الحاصل على فرض وجود العلم الإجمالي ينحل بجريان الأصل و الا فلا معنى لجريانه.

332

و ما قلتم من عدم تنجيز العلم الإجمالي للاناطة ممنوع لأن الإناطة واقعية أي لو كان الواجب علىّ في الواقع الوضوء لا يجب علىّ في الواقع التيمم و لو كان لا يجب في الواقع الوضوء فيجب التيمم لا الوضوء و لكن في الظاهر (1) فلا فيجب الاحتياط من باب العلم الإجمالي إما بوجوب التيمم أو الوضوء فتحصل ان هذا لا يمكن ان يكون طريقا على فتوى السيد (قده) ثم هنا طريق آخر (2) لإصلاح كلامه (قده) و هو ان يكون نظره الى صورة وجود حالة سابقه و هي فقد الماء في زمان فوجد ماء لا ندري انه مطلق أو مضاف فاستصحاب عدم الوجدان و هو بقاء الفقدان حاكم فيجب التيمم دون الوضوء و ان كان كلامه (قده) مطلقا يشمل جميع الصور.

ثم انه على هذا أيضا يكون اشكال عويص في المقام يحتاج الى بيان مقدمة لتوضيح الحال فنقول انه لهم (رضوان اللّه عليهم) في باب الوضوء و التيمم مسلكان:

الأول أن يكون وجوب الوضوء مشروطا بالوجدان و عدمه أى وجوب التيمم بالفقدان و المناط فيهما الوجدان و الفقدان الشرعيان لا العقليان فإذا دخل وقت الصلاة‌

____________

(1) الظاهر أيضا وظيفة قررت للشاك و يكون له اثر الواقع.

(2) كل مورد يكون له فرض حالة سابقه فإنه لو كان له ماء مطلق و ماء مشكوك ففقد الماء المطلق ثم ابتلى بالمشكوك يكون له حالة الفقدان الا أن يقال في هذه الصورة انه كان واجدا و يكون الشك في الفقدان و هذا يصح على فرض العرضية و فيه التأمل.

333

و كان الشرط للوضوء موجودا فيجب و الا فلا و يترتب عليهذا جواز اراقة (1) الماء قبل الوقت فيكون مساقه مساق السفر و الحضر بالنسبة إلى القصر و الإتمام و على فرض كون عدم الوجدان أعم من الشرعي و العقلي ففي صورة لزوم الحرج لا مصلحة للوضوء أصلا فلو توضأ يكون من التشريع المحرّم.

المسلك الثاني هو ان يكون وجوب التيمم مشروطا بعدم الوجدان و لكن الوضوء غير مشروط بالوجدان اى يكون فيه مصلحة مطلقا و لا بدل له فعلى المسلك الأول يجري استصحاب الفقدان و يثبت عدم وجود الشرط للوضوء فيجب التيمم فقط و اما ان كان البدل و هو التيمم مشروطا دون المبدل و هو الوضوء كما هو مقتضى المسلك الثاني فالاستصحاب و ان كان يوجب سقوط العلم الإجمالي و لكن من باب الاشتغال يجب الاحتياط لانه فرض مصلحته ملزمة مطلقا فيكون الباب من باب الشك في القدرة بعد تمامية المصلحة و كل ما كان كذلك يجب الاحتياط فيه.

و قد أجاب عنه بعض أعلام المعاصرين بأنه على فرض إثبات عدم الوجدان بواسطة الأصل فلا دليل لنا على وجوب الوضوء لان هذا دليل على الأمن من المبدل في مرتبة الظاهر و لا يجمع بين البدل و المبدل و الطولية تكون في الظاهر كما تكون في الواقع فعلى هذا لو قلنا بالمسلك الثاني أيضا لا يجب الاحتياط.

و فيه انه لو كان لنا إجماع على عدم لزوم الاحتياط يمكن قبول ذلك و لكن انى لكم بإثباته فان الفتوى منهم بالجمع في الفقه كثيرة فلا مانع من الجمع في‌

____________

(1) أقول انه لو فرض للوضوء وجوب حالي و لو كان الواجب استقباليا و كان عند حضور وقت الصلاة مثل وجوب الحج عند الموسم فلا فرق بين ان نقول بالمسلك الأول أو الثاني لأنه على فرض وجوبه يجب حفظ مقدماته و منه حفظ الماء و ان لم يكن الوجوب حاليا بل كان وجوب الوضوء مشروطا بحضور وقت الصلاة مثل شرطية الاستطاعة للحج فلا يلزم لنا حفظ الماء على المسلكين فلا ادرى كيف فرقوا هذا الفرق بين المسلكين نعم يظهر نتيجة المسلكين في صورة الشك كما ذكروه.

334

الظاهر و لو كان الواقع طوليا.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الفتوى عن المصنف بوجوب التيمم اما تكون لانحلال العلم الإجمالي و هو غير وجيه عندنا أو لاستصحاب عدم الوجدان كما فرضناه ثانيا و هو المنصور عندنا و نساعده عليه (1).

في العلم الإجمالي بأن الماء نجس أو مضاف أو مضاف أو مغصوب أو نجس أو مغصوب

[مسألة 4- إذا علم إجمالا ان هذا الماء اما نجس أو مضاف]

مسألة 4- إذا علم إجمالا ان هذا الماء اما نجس أو مضاف يجوز شربه و لكن لا يجوز التوضي به و كذا إذا علم انه اما مضاف أو مغصوب و إذا علم انه اما نجس أو مغصوب فلا يجوز شربه أيضا كما لا يجوز التوضي به و القول بأنه يجوز التوضي به ضعيف جدا.

أقول ان في هذه المسألة فروعات ثلاثة كما هو الظاهر فنذكر الفرع الثالث أولا لأهميته و هو الشك في النجاسة و الغصبية مع العلم الإجمالي بأحدهما فحكم بعدم جواز الشرب أولا و عدم جواز التوضي به ثانيا اما الأول فلا خلاف فيه و لكن نحتاج الى ذكر السند لهم من انه يكون لتوليد علم تفصيلي في البين أو من بركة العلم الإجمالي أو أصالة الحرمة في الأموال تكون كذلك.

فنقول ربما يقال انه يكون من توليد علم تفصيلي في البين لان الغصب بوجوده الواقعي يكون غير جائز التصرف فإنه إما نجس واقعا فيحرم شربه أو غصب‌

____________

(1) أقول انه قد أشكل مد ظله على هذا الفرض أيضا بأن استصحاب عدم الوجدان يوجب سقوط العلم الإجمالي و لا يوجب عدم وجوب الاحتياط على فرض القول بأن مصلحة الوضوء مطلقة و هو المسلك الثاني فلا ادرى ما معنى مساعدته مد ظله مع المصنف نعم يمكن ان يكون المساعدة في سقوط العلم الإجمالي لا في نفى الاشتغال على الفرض الثاني في كلام المصنف فتدبر.

335

فكذلك و لا يشكل بجواز الصلاة في مشكوك الغصبية لأنه فيها يؤثر بوجوده العلمي (1) لا الواقعي و كذا في الوضوء و ما عن الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) من ان العلم التفصيلي المتولد من الإجمالي لا اعتبار به لا يكون مقامه هنا لانه يكون في صورة كونه مفنيا للاجمالى و اما ما هو الموافق له مثل المقام فلا لأنه مؤكد له.

و فيه انه لو كانت الغصبية من الجهات التعليلية يصح ما ذكر و اما إذا كانت من الجهات التقييدية فلا لان معناها ان الغصب حرام و لا علم لنا بحصول القيد و المقيد أى هذا غصب فالأمر بالاجتناب في هذه الصورة غير معلوم و ما يكون في لسان الرواية يؤيد هذه الجهة فإن فيها لا تتصرف في مال الغير فيجب إثبات انه مال الغير أولا ثم الأمر بالاجتناب عنه و النهي عن التصرف فيه (2).

و اما ان كان السند العلم الإجمالي فلا فائدة (3) فيه لانه يمكن ان يكون الفتوى من باب أصالة الحرمة في الأموال و كيف كان فالأمر سهل في عدم جواز الشرب بأي سند كان.

اما الثاني و هو عدم جواز التوضي به فلا يكون متفقا عليه فإنه خالفه صاحب‌

____________

(1) مضافا بأن هذه الشبهة مقرونة بالعلم الإجمالي و تكون شبهة بدوية محضة و صحة الصلاة في مشكوك الغصبية لذاك الدليل بعد عدم إحراز الغصب الواقعي.

(2) أقول و كيفما كان لا شبهة في عدم جواز الصلاة في ذلك للعلم التفصيلي بذلك و لا يكون الغصبية شبهة بدوية محضة كما مر.

(3) أقول انه حيث انه يكون على فرض أصالة الحل في الأموال أيضا يكون فيه فائدة فهو دليل على من لم يذهب الى ما ذهب اليه المشهور من أصالة الحرمة فالتعبير بعدم الفائدة بصرف إمكان كون هذه الفتوى لأصالة الحرمة غير مفهوم لنا على ان العلم يمكن ان يكون مانعا لجريان الأصل مطلقا لتقدم رتبته على أصالة الإباحة و الحرمة بعد كونه تفصيليا و لو كان متولدا من العلم الإجمالي الذي يكون شرط تنجيزه تعارض الأصول في مورده.

336

الحدائق و أما دليلهم على عدم الجواز فهو انه بعد العلم و الإذعان بأن الغصب بوجوده الواقعي لا يؤثر في عدم جواز التوضي يتشكل لنا علم إجمالي فيؤثر عدم الجواز و هو انه نعلم إجمالا بأنه إما يكون نجسا فيبطل الوضوء به أو يكون مال الغير فيحرم التصرف فيه فالأول حكم وضعي و الثاني حكم تكليفي لما مر من ان الغصب بوجوده الواقعي غير جائز التصرف و الحاصل ان العلم يكون في البين و ان كان أحد أطرافه الوضع و الأخر التكليف.

و فيه ان المناط في العلم الإجمالي هو أن يكون من التنجيز بحيث يوجب تعارض الأصلين (1) في أطرافه و فيما ذكر لا يكون كذلك لان الوضوء و لو كان فاسدا و لكن لا يكون فيه نهى و لا يستلزم الحرام فلا يكون لنا تكليف على أى حال و لذا أشكل بعضهم على عدم الجواز مثل صاحب الحدائق و الشيخ محمد طه نبيرة كاشف الغطاء و لا يخفى ان وجوب الوضوء بماء طاهر لا يكون لهذا الدليل بل لنا دليل آخر و قد أجابوا عنه بتصحيح حكمين تكليفيين و هو انه انا نعلم اما بوجوب (2) إعادة الصلاة التي قرأناها بالوضوء بهذا الماء أو حرمة التصرف في مال الغير فيكون لنا علم إجمالي بين وجوب الإعادة و حرمة التصرف.

لا يقال وجوب إعادة الصلاة لا ربط له بالوضوء فان المراد بالعلم الإجمالي هو أن يكون الأصلان في أطرافه معارضين في مورد واحد و العلم بوجوب الإعادة و حرمة التصرف لا ربط له بالوضوء فقاعدة الطهارة و أصالة الإباحة تجريان و يصح‌

____________

(1) أقول ان العلم الإجمالي علة تامة للتكليف و على فرض الاقتضاء أيضا يتعارض أصالة عدم الغصبية مع أصالة عدم النجاسة بعد العلم بأن إحداهما في البين و لا ترجيح و كون أثر إحداهما وضعيا و الأخرى تكليفيا لا يضر لتحقق المضادة مع العلم.

(2) أقول انه لا يلازم الوضوء في جميع الموارد مع الصلاة فيجب ترتيب حكم تكليفي مع قطع النظر عن الصلاة هذا مع الإشكال الذي سيجي‌ء بعيد هذا عن الأستاذ و اشكال تتميمى منا أيضا.

337

الوضوء لان الغصب بوجوده الواقعي لا يضر.

لأنا نقول لو كان لنا علم إجمالي منجز و ثبت معارضة الأصلين فيه في مورد يكفى (1) لسائر الموارد أيضا فإن ما نحن فيه المعارضة فيها قد تحقق بالنسبة إلى الشرب فيكفي للتنجيز في الوضوء و لو لم يكن طرفاه معارضان.

لا يقال على فرض التسليم فمن صلى بواسطة الوضوء بهذا الماء فان شاء الإعادة بعد العلم بفساد الوضوء لا يمكنه (2) لان الماء ان كان نجسا واقعا فالوضوء الثاني أيضا لا يوجب طهارة المحل.

لأنا نقول يمكن ان يبطل الوضوء الأول لئلا تصدق الإعادة ثم بعد الشك في الطهارة و النجاسة فقاعدة الطهارة تكون بلا معارض فتحصل (3) ان الطريق على عدم جواز الوضوء هو تنجز العلم في الشرب.

____________

(1) أقول انه لا يخفى ان جواب الاشكال لا يكون هذا بل عند التحقيق يكون هذا التزام به و لكن يصحح أصل المطلب بأنه إذا كان أحد الأطراف وضعيا أيضا يكون العلم منجزا و ما يأتي في النظر في الجواب هو أن يقال لا تصل النوبة الى ما ذكر لان سرّ مانعية تعارض الأصلين هو المضادة مع العلم و نحن نرى أن جريان أصالة الإباحة و قاعدة الطهارة يضاد العلم بوجود أحدهما في البين.

(2) عدم الإمكان ممنوع بل يمكنه ان يطهر ما اصابه الماء احتياطا ثم يتوضأ

(3) لا يكون هذا الكلام من دأب المدقق في تهيئة الدليل على مذهبه لان العلم الإجمالي حيثما يكون جميع شرائطه موجودا فهو منجز و لا يقاس صورة منه بصورة أخرى غير ظاهر التنجيز و لا دليل لنا على ان التنجيز في الشرب يكفى للتنجيز في الوضوء مع عدم شرائطه.

نعم هذا الكلام يكون وجها للقول بالاحتياط في المسألة لدعوى عقلائية بأن العلم فيهما واحد فالفتوى بعدم الجواز غير وجيهة و الاحتياط فيه وجه و لكن مر أن العلم الإجمالي يكون منجزا في الصورتين لتمام الشرائط هذا كله مع أن التنجيز بهذا النحو في الشرب أيضا يكون متوقفا على أصالة الحرمة في الأموال لا أصالة الإباحة فيها.

338

ثم ادعى بعض الاعلام علما تفصيليا في المقام و هو انه يقول العلم الإجمالي يكون طريقا على الواقع و هو الغصب و النجاسة فنعلم تفصيلا ان الوضوء فاسد اما للغصب أو للنجاسة.

و فيه ان هذا عجيب (1) فلو لم يكن القائل من الاعلام ما كان قابلا للذكر لان هذا يلزم منه الدور لان تنجيز العلم يكون على فرض الواقع و يكون من أثره و كشف الواقع و أثره يتوقف على العلم فتحصل ان الكلام غير تام و الحق هو ما ذكرناه من طريق التنجيز.

و قد انقدح بما ذكر دليل من قال بصحة الوضوء و حرمة الشرب و لكن نذكره مستقلا لزيادة التوضيح فنقول دليل المفصل هو ان الغصب الواصل بوجوده الكذائي مانع عن صحة الوضوء و يوجب اجتماع الأمر و النهي و المقام لا يكون كذلك ضرورة انه لا علم لنا بالغصب كما يكون في صورة العلم إجمالا بان احد الكأسين غصب فحيث لا يكون لنا علم تفصيلي و لا إجمالي فأصالة الإباحة في هذا الطرف و قاعدة الطهارة في الطرف الأخر لا اشكال فيهما.

و قد أجاب عنه بعض المعاصرين بأن الإشكال في باب اجتماع الأمر و النهي على الامتناع تارة يكون في حصول التقرب و اخرى في حصول القرب فان كان المناط على الأول فيمكن ان لا يكون الغصب بوجوده الواقعي مؤثرا و اما ان كان المناط على الثاني فالغصب بوجوده الواقعي يمنع القرب لانه يكون دائرا مدار الواقع و يرجع الى ان انقداح الداعي في نفس المولى هل يمكن أم لا؟ فهل يكون لهذا الوضوء أمر أم لا؟.

____________

(1) أقول هذا النحو من التكليف لا يدور مدار الغصب الواقعي فإنه بصرف العلم الإجمالي يمكن أن يكون مراده أن مقتضى تنجيزه العلم التفصيلي بالبطلان.

339

و فيه ان الامتناع في مقام الجعل (1) لا اشكال فيه و لكن في مقام الامتثال ان كان المبنى سقوط الأمر بواسطة سقوط مباديه فالغصب بوجوده الواقعي مضر و اما ان كان من باب التزاحم في الملاكين فالقرب يحصل و قصد التقرب يمكن و الحق عدم المعارضة و كونه من باب التزاحم فلا اثر للوجود الواقعي.

فالجواب الصحيح كما مر هو القول بكفاية معارضة الأصلين في أطراف العلم الإجمالي في الشرب للوضوء أيضا و الذي يسهل الخطب هو انه يمكن ان يكون فتوى المشهور بما ذكر من باب أصالة الحرمة في الأموال التي توجب عدم جواز الوضوء بهذا الماء و الشاهد عليه قولهم في عنوان المسألة لا يجوز التوضي و ما قالوا يفسد الوضوء فإنه على ما قلناه يكون عدم الجواز وضعيا و على ما ذكروه يكون تكليفيا هذا تمام الكلام في الفرع الثالث من هذه المسألة.

اما الفرع الأول و هو ان يكون العلم الإجمالي بأن هذا الماء الخارجي نجس أو مضاف فهنا يجوز الشرب و لا يجوز التوضي لأنه على فرض الإضافة لا إشكال في شربه و احتمال النجاسة ينفى بقاعدة الطهارة اما عدم (2) جواز الوضوء فللعلم التفصيلي بفساده للنجاسة أو الإضافة و لا يخفى انه ينشأ ذلك العلم التفصيلي عن الإجمالي و لا يكون مشروطا بما ذكر في الإجمالي بأنه يجب ان يكون طرفاه تكليفين لانه علم تفصيلي الا ان يكون لنا دليل خاص على عدم جواز التمسك بالعلم التفصيلي لمانع كما ذكره الشيخ الأعظم في الفرائد.

____________

(1) أقول انه يمكن الإشكال في مقام الجعل بان نقول التكليف على الطبيعي بلحاظ هذا المورد لا يمكن اى لا يمكن المولى ان يقول أحب هذا العمل الخارجي الذي يكون مجمعا للصلاة و الغصب و أبغضه ضرورة عدم اجتماع الأمر بالفعل الواحد و النهي عن الفعل الواحد.

(2) أقول انه لا ادرى كيف يحكم الأستاذ مد ظله بجواز الشرب مع قوله في السابق بان العلم الإجمالي إذا كان منجزا في صورة من الصور فجميع الصور سواء تعارض الأصلان في طرفيه فيها أم لا و في هذا المقام و ان كان العلم تفصيليا و لكن يكون من بركة العلم الإجمالي فعلى هذا اما يجب رفع اليد عن أصل المبنى أو التعميم للمورد أيضا و قد مر منا ان أصل المبنى غير تام و هذا عكس الصورة التي مرت من حيث التنجيز لان التنجيز هنا في الوضوء مسلم و في الشرب مشكوك و لكن السرّ هو عدم تمامية هذا القياس و لكل مورد حكمه.

340

و اما الفرع الثاني و هو العلم الإجمالي بأنه إما مضاف أو غصب فحكمه واضح لان الشرب جائز فإن المضاف لا اشكال فيه و الغصب يكون فيه أصالة الإباحة (1).

الكلام في اراقة احد الإنائين المشتبهين و التوضي بالاخر

[مسألة 5- لو أريق احد الإنائين من حيث النجاسة أو الغصبية]

مسألة 5- لو أريق احد الإنائين من حيث النجاسة أو الغصبية لا يجوز التوضي بالاخر و ان زال العلم الإجمالي و لو أريق أحد المشتبهين من حيث الإضافة لا يكفى الوضوء بالاخر بل الأحوط الجمع بينه و بين التيمم.

أقول انه تعرض المصنف في هذه المسألة لثلاثة فروع: الأول حكم الإنائين المشتبهين من حيث النجاسة و الثاني من حيث الغصبية و الثالث من حيث الإضافة.

ثم لا يخفى انه قد ذكر في الأصول لأمثال هذه الموارد صور ثلاثة: الاولى ان يكون العلم الإجمالي قبل الإراقة و هي طارئة عليه و الثانية ان يكون العلم بعد الفقد و الثالثة ان يكونا معا و محل كلام المصنف يكون الصورة الأولى.

فنقول لا خلاف بين الفقهاء فيها بل يكون من المتفق عدم جواز الوضوء بهذا الماء الا على ما ذكره المحقق القمي في القوانين و لكن الكلام في ان منشأ الفتوى بذلك هل هو العلم السابق أو التدريجي المتولد منه أو العلم بالاشتغال كما عن المحقق الخراساني (قده).

____________

(1) و الكلام في الوضوء في المقام أيضا هو البطلان لعدم شي‌ء يرفع احتمال الإضافة لعدم أصل لنا فيها بالإطلاق مثلا فالحق مع المصنف في جميع المسألة.

341

فربما يقال ان المؤثر هو العلم السابق بالنجاسة و فقد الطرف لا يوجب ذهاب العلم فلا يكون لنا علم بالتكليف في البين في هذا الحين و الاجتناب لازم فكما ان أصالة الطهارة في الإنائين حدوثا تعارضت و تساقطت كذلك أصالة الطهارة في الباقي تتعارض مع أصالة الطهارة في المفقود حال حدوثه و هذا يكفي لتأثير العلم الإجمالي بقاء بحدوثه و فيه الى هذا القائل مع اعترافه بزوال العلم لا يكون له طريق على تنجيزه في الحال لان لازم ذلك هو ان تكون هذه الصورة مثل الصورة (1) التي يكون الفقد قبل العلم و لا يكون القائل مقرا بذلك لان العلم حادث فالعلم في البين إذا فقد لا تصل النوبة إلى المعارضة.

و ربما يقال بان العلم الإجمالي أثّر أثره و زال و لكن بعد الزوال نعلم بان هذا الطرف كان واجب الاجتناب في السابق فلا ندري بقاء الحكم، مع خروج أحد الأطراف عن محل الابتلاء أم لا فالاشتغال اليقيني يحكم بوجوب البراءة اليقينية و هي لا تحصل الا بالاجتناب عن الموجود أيضا و هذا مسلك الخراساني (قده) و فيه ان التنجيز يكون من بركة العلم الموجود فإنه إذا ذهب يذهب آثاره فإنه كما يكون منجزا بحدوثه يجب ان يكون منجزا ببقائه و لا يكون العقل في (2) حكم نفسه شاكا فإنه في الأول حكم بوجوب الاجتناب عن الأطراف مقدمة لتحصيل ما هو في البين فإذا صار مشكوكا لا يحكم بإتيان الطرف من باب المقدمة.

____________

(1) أقول ان الفرق بينهما يمكن ان يكون من جهة ان العلم في الثاني ما حصل له حالة سابقه في المنجزية بخلاف الأول فإنه حصل العلم ابتداء و نجّز في زمان ثم زال و الحاصل تكون الشبهة من الأول بدوية أي هذا الطرف الذي يكون موجودا لا يكون له حالة سابقه بوجوب الاجتناب و الان يكون الشبهة فيه بدوية و هذا هو الاشتغال الذي حكم به المحقق الخراساني (قده).

(2) هذا الحكم لا يكون عقليا محضا حتى لا يجي‌ء فيه الشك بل من باب تكليف الشارع في البين و نرى بالوجدان وجود الشك بعد التنجيز و هو اصدق برهان و ما لا يكون فيه الشك هو العقلي المحض.

342

و بعبارة أخرى بعد زوال العلم لا شك له حتى يحكم بالاشتغال فلا وجه للحكم به مع الإذعان بأن العلم لا يبقى.

و اما ما هو التحقيق فهو ان العلم الإجمالي العرضي كما انه يوجب التنجيز كذلك التدريجي المولّد منه مثل العلم بوجوب صوم احد اليومين اما الخميس أو الجمعة فإنه إذا مضى يوم الخميس لا ينحل العلم ففي المقام أيضا كذلك اى العلم الإجمالي العرضي و ان كان يعدم بواسطة فقد أحد الأطراف و لكن التدريجي يبقى:

بيان ذلك انه إذا فرض كأسان أحدهما أبيض و الأخر اسود فاشتبها بواسطة العلم بنجاسة أحدهما فنحن إذا تفحصنا في وجد اننا نرى انا نعلم بأنهما معا يكونان نجسا في يوم الجمعة مثلا و نعلم أيضا انهما لو بقيا الى السبت أيضا يكونان واجبا الاجتناب و هذان العلمان يكونان عرضيين ثم هنا علم آخر تدريجي و هو انا نعلم اما الكأس الأبيض في يوم الجمعة يكون واجب الاجتناب أو الأسود يوم السبت فهذا العلم يوجب وجوب الاجتناب عن الثاني بعد فقد الأول (1).

____________

(1) في يوم الجمعة لا يكون لنا علم جزمي بان احد الكأسين يوم السبت يكون واجب الاجتناب لانه مشروط بعدم حصول مزيل للعلم فإنه يمكن ان يكون في الغد فقد أحد الأطراف فتصير الشبهة بدوية فيجب محاسبة العلم في حال التنجيز و ترتيب الآثار و اما التنظير بصوم احد يومين فهو قياس مع الفارق لأن طرفي العلم يكون التدريج في ذاتهما و لا يمكن ان يكون لنا علم إجمالي عرضي فيهما لان الزمان متدرج الوجود و إتيان طرفيه لا يمكن الا بان يكون أحدهما مقدما على الأخر.

و بعبارة واضحة كما ان ترك بعض الأطراف في العلم الإجمالي بالترك في صورة كونه عرضيا لا يوجب ان يكون الشبهة بدوية بالنسبة إلى ترك الأخر لأن الذات ذات لا يمكن ترك طرفاه الا بالتدريج إلا في بعض الموارد الذي يكون الطرفان في مكان واحد كذلك في التدريجيات مثل صوم يومين.

و ان شئت توضيح هذا المقال فتدبر في الشبهة الوجوبية فإنه لا يمكن إتيان طرفاه لحصول العلم ببراءة الذمة إلا بالتدريج بإتيان أحد الأطراف أولا و بالاخر بعد ذلك فمن راجع وجد انه يرى ان التدريج الحاصل من العرضيين يكون صرف فرض و يكون له مائز ذاتي مع التدريجية في اليومين في المثال.

على ان ما تولد منه هذا العلم قد مات باعتراف القائل بذلك فان قيام الثاني كان ببركة الأول فمع ذهابه كيف يحكم ببقاء ماء كان من شئون وجوده.

على أن الاشكال في التدريجيات أيضا يكون بحاله فإن كل يوم يكون الشك في وجوب صومه و لكن الإجماع قام على تنجيز العلم لانه بعد اليوم الأول يكون الشك في اليوم الثاني فالتنظير أيضا فيه ما لا يخفى فيمكن أن يكون فيه أيضا من باب الاشتغال و هو أقرب الى الذهن.

343

لا يقال لنا علم إجمالي عرضي بين الطويل و القصير: بيان ذلك انا نعلم إجمالا بوجوب الاجتناب عن الكأس الأسود مثلا يومين و عن الأبيض يوما واحدا و لا نقول بالتدريجية حتى يقال مولد العلم قد مات و ذهب.

لأنا نقول على فرض عدم التدريج ففي اليوم الثاني بعد فقد الأول و موت العلم فمن اين يكون لكم المنجز فلا محيص الا عن القول بالتدريج لإثبات ذلك و على فرض عدم قبول التدريج التمسك بالاشتغال على ما ذكره الخراساني (قده).

الصورة الثانية ان تكون فقد أحد الأطراف قبل حصول العلم الإجمالي و عدم لزوم الاجتناب في هذا المورد واضح لأن الشبهة بدوية.

الصورة الثالثة ان يكون الفقد و العلم مقارنين و سيجي‌ء حكمه هذا كله في الفرع الأول من المسألة و هو الإناء أن المشتبهان من حيث النجاسة.

و اما الفرع الثاني و هو الإناءان المشتبهان من حيث الغصبية فيجب ترك الوضوء بهما للعلم الإجمالي بوجود الغصب الواقعي في البين مع فرض انه بوجوده الواقعي يكون موجبا لعدم جواز الوضوء به لانه و أصل بالعلم الإجمالي فالنهي الواصل يكون مانعا عن التقرب و لا يقاس هذا الفرع مع الفرع في المسألة السابقة فإن المقام يكون‌

344

لنا علم بالغصب و لكن في السابق كنا مرددين في انه غصب أو نجس فالأول ما وصل إلينا بالعلم لا تفصيليا و لا إجماليا و هذا مانع شرعي و قلنا انه لا فرق بين ان يكون الفقد شرعيا أو عقليا.

و العجب هنا من بعض المحققين لتمسكه برواية كل ما فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه (في الوسائل ج 17 باب 61 من الأطعمة المباحة ح 1) لجواز الوضوء بتقريب ان الماء فيه حلال و هو غير الغصب و حرام و هو الغصب فهو لنا حلال و فيه ان الرواية مختصة بالشبهات الغير المحصورة و كلامنا في المحصورة منها.

و تمسك آخر بأنه حرام يجوز الوضوء به لأن النهي في العبادات على مذهبه لا يوجب الفساد و هو كما ترى.

اما الفرع الثالث و هو ان يكون الشبهة في جواز الوضوء و عدمه من حيث الإضافة بعد اراقة احد الإنائين فحكم المصنف بان الوضوء بأحد الأطراف لا يكفى بل يجب الجمع بينه و بين التيمم مع انه حكم في السابق بوجوب التيمم فقط في صورة كون إناء واحد مشتبها من حيث كونه مضافا أو مطلقا.

أقول لا فرق (1) بين المسئلتين في ذلك لانه لا نرى فرقا بين ان يكون ماء واحد و صار مشتبها أو مائان فاريق أحدهما فصار الواحد الباقي مشتبها.

و التحقيق فيهما الجمع بين الوضوء و التيمم للعلم الإجمالي بأن الطهارة واجبة‌

____________

(1) أقول انه يمكن ان يكون نظر المصنف قده بالفرق فيهما هو ان في المقام في صورة وجود الكأسين معا علمنا قطعا بان الوضوء بكل واحد من الأطراف واجب للعلم الإجمالي بأن الماء المطلق يكون في البين في صورة وجوب الوضوء قبل الإراقة فهذا الطرف الباقي كان واجب الاستعمال قبل اراقة أحدهما و بعدها نشك فاما ان نقول بالاشتغال كما ذكره الخراساني (قده) أو العلم التدريجي الذي ذكره الأستاذ (مد ظله) على فرض قبوله (قده) لذا بخلاف الصورة السابقة فإنها تكون الشبهة فيها بدوية و لا يكون لها حالة سابقه التي يكون مأمورا بالوضوء به.

345

و استصحاب بقاء الحدث قبل الإتيان بالاخر بعد إتيان أحدهما أعني الوضوء أو التيمم فالتمسك في الأولى بالشبهة البدوية دون المقام لا وجه له.

و ما يمكن ان يكون سندا للفرق (1) بين المقامين هو استصحاب وجدان الماء فيما نحن فيه و عدمه في السابق.

و فيه ان استصحاب الفرد المردد الذي يكون من الكلى القسم الثاني لو جرى في سائر المقامات لا يجري في المقام لان هذا الماء لو كان مطلقا فكما يجب الوضوء به قبل الإراقة يجب بعدها و ان كان مضافا فوجب قبلها لا بعدها فيكون من الشك في المقتضى مثل الاستصحاب في المردد بين الفيل و البقّ هذا بيان كونه من الفرد المردد اما سرّ عدم جريانه في المقام بعد فرض الجريان في سائر المقامات هو عدم إثباته ان هذا الماء مطلق فيجب الوضوء به و نحن نحتاج في وجوبه الى الماء المطلق و استصحاب الشخص لا يكون له حالة سابقه.

أو يكون الشك في عدم الوجدان الذي يكون هو شرط التيمم كافيا لوجوب الوضوء و فيه ان هذا دعوى بلا دليل فان حالة الشك لا يكون موضوعا للأمارات و الأصول لأنها طريق محض.

لا يقال يمكن استصحاب عدم الوجدان الأزلي لا ثبات وجوب التيمم فقط.

لأنا نقول استصحاب العدم الأزلي لو جرى في سائر المقامات لا يجرى هنا لأن الإطلاق في الماء يكون من لوازم الماهية لا من لوازم الوجود و يتصور الاستصحاب العدم الأزلي في الثانية لا في الاولى و لا يخفى انه لا يمكن الاشكال عليه أيضا بأن العلم الإجمالي بين الوضوء و التيمم يكون طوليا فلا يكون منجزا بالنسبة إلى الطرفين لما مرّ من الجواب.

فتحصل من جميع ما ذكر عدم صحة الفرق بين الفرعين و ما ذكر وجها للفرق لا يكون وجيها.

____________

(1) أقول انه لا نحتاج للفرق الى هذه التمحلات بعد ما عرفت ما ذكرنا في وجه الفرق بين المذهبين فإنه يرفع النزاع من البين.

346

في ملاقي الشبهة المحصورة

[مسألة 6- ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة]

مسألة 6- ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة لكن الأحوط (1) الاجتناب.

اعلم ان حكم المسألة بدوا واضح لأن الملاقي (بصيغة المفعول) لا يكون معلوم النجاسة و انما الاجتناب عنه يكون للعلم الإجمالي ففي ملاقيه قاعدة الطهارة جارية و لكن يجب زيادة توضيح في المقال لانه يكون من مهامّ المسائل.

فنقول الصور التي يمكن ان تتصور لنجاسة الملاقي (بصيغة الفاعل) على فرض نجاسة الملاقي (بصيغة المفعول) واقعا أربعة:

الاولى ان يكون من باب التعبد المحض و الملاقاة تكون موجدة للموضوع فيصير معناه في ظرف ملاقاة ذا لذاك يجب عليك الاجتناب عنه و لو لم يسر نجاسة منه اليه و الثانية العلية الشرعية: و بيانها ان نقول حكم الشارع بنجاسة الملاقي يكون تعبدا و لكن لا تعبدا محضا بل العرف في ظرف الملاقاة يرى نحو تأثير و خصوصية من الملاقي في الملاقي و لكن لا يكون هذا بحيث يحكم عليه بالنجاسة فيكون الأمر بالاجتناب تعبدا من الشرع في طول التعبد بالاجتناب عن الملاقي.

و الثالثة ان يكون من باب السراية الحقيقية مثل ما إذا صار النجس من كأس في كأسين فكما كان للاول حكم مستقل بالاجتناب كذلك في الثاني فيكون الحكم فيها عرضيا لا ربط لأحدهما بالاخر.

و الرابعة الاتساع العرضي فكأنه يكون الملاقي بالكسر من شئون الملاقي بالفتح و من خوادمه مثل ان يقال أكرم العالم فإن الأمر بإكرامه يتسع على خوادمه اى ان طلب إلى منزله احد عالما جليلا يكون له خوادم و حشم فلا بد ان يكرم خوادمه و فرسه أيضا لأنهم منه فكذلك المقام الأمر بالاجتناب عن النجس يستلزم الأمر بالاجتناب‌

____________

(1) لا يترك

347

عما يلاقيه فكأنه يكون هو هو بنفسه و هذا يسمى باتساع الحكم لانه لا يكون له حكم على حدة هذه هي الاحتمالات الثبوتية في المقام.

و اما في مقام الإثبات فالتحقيق هو الاحتمال الثاني أي احتمال العلية الشرعية لمساعدة العرف عليها و تكون مطابقة لذوقه و اما البواقي فلا يكون كذلك فإنه لا يكون السراية حقيقية بنظره لما نرى انه لا يرى نجاسة البحر من المضاف بملاقاة ذرة من الدم في أحد أطرافه عين ما كان في طرف الملاقاة فعلى هذا لا يحكم بأن الملاقاة يكون من تفريق كأس من النجس في كأسين و كذلك التعبد المحض فإنه لا يساعد على ان لا يكون لنجاسة الملاقي دخالة و الا فكيف لا يحكم الشرع بهذا الحكم في صورة الملاقاة مع الطاهر و كذلك الاتساع الحكمي فإنه في المثال الذي ذكروه من إكرام العالم و خوادمه صحيح و لا يصح فيما نحن فيه فان النجس لا يكون له شأن غير شأن نفسه فان حدث في آخر يحصل له شأن مثله فمن شاء القول بذلك فالتزامه بالسراية الحقيقية أحسن هذا حسب المباني في الأصول إثباتا و نفيا فيجب التعرض للمسألة الفقهية التي مهّد هذا البحث لها.

فنقول في ملاقي الشبهة المحصورة يختلف الأقوال حسب اختلاف المباني فعلى مسلك السراية الحقيقية و التعبد المحض و الاتساع الحكمي يجب الاجتناب عن الملاقي نحو وجوبه عن الملاقي و لا فرق فيها و لا يجي‌ء توهم انحلال العلم الإجمالي الأول بل يكون لنا علم إجمالي واحد و له ثلاثة أطراف يجب الاجتناب عن جميعها لتحصيل الفراغ عن التكليف في البين و عليهذا لو كان لازم هذا المسلك الحرج في بعض الموارد فلا يجب الاجتناب بمقتضاه.

اما على المسلك المختار و هو العلية الشرعية و ان الحكم بنجاسة أحد الأطراف يكون في طول الحكم بنجاسة الأخر و المعروف بين الاعلام في هذه المسألة عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي سواء كان المبنى في العلم الإجمالي هو العلية التامة أو الاقتضاء و ما هو مشترك بين المسلكين اى العلية و الاقتضاء هو ان الملاقي لاقى ما‌

348

هو مشكوك الطهارة و النجاسة فنشك في نجاسته فقاعدة الطهارة بالنسبة إليه جارية و الاحتراز عن الملاقي و طرفه كان لأجل أنه مقدمة لاجتناب ما في البين.

فان قلت الملاقي أيضا يكون من أطراف العلم فكأنه يكون له ثلاثة أطراف قلت لنا علمان اجماليان أحدهما في طول الأخر فينحل الثاني بالأول:

بيان ذلك انهم على فرض كون العلم الإجمالي علة تامة للتنجيز قد وقعوا في إشكال و بهذا البيان ندفعه بأنه منحلّ و الكلام كله في كيفية الانحلال و قول الاعلام فيه. فنقول قد ذكروا لانحلاله وجهين: الأول ان يكون لأحدهما سبق زماني على الأخر و هو عندنا غير متصور: بيانه ان الملاقي بالكسر و الطرف صارا منجزين بالعلم الإجمالي الأول الذي كان في السابق فالطرف قد نجّز في زمان قبل زمان الملاقي و بعد الملاقاة يكون طرف الملاقي بالكسر هو طرف الملاقي بالفتح لأنا نعلم إجمالا إما يكون الملاقي و الملاقي نجسين أو الطرف فيدور الأمر بين نجاسة الملاقي و الطرف و لمّا يكون من شرائط تأثير العلم الإجمالي هو المنجزية في أيّ طرف وقع فنرى الشرط في المقام مفقودا فنحكم بالانحلال اعنى نقول الطرف كان منجزا من قبل فلا ينجز ثانيا و الملاقي يكون مشتبه النجاسة بدوا فتجري قاعدة الطهارة هذا حاصل ما ذكروه لبيان الانحلال الزماني.

و فيه ان العلم الإجمالي لو كان تأثيره بالحدوث مؤثرا في تأثيره في البقاء و كافيا له يصح ذلك و لكن ليس كذلك بل في كل آن من الآنات يكون له تنجيز باعتبار بقائه فلو فرض عدمه لا يؤثر ابدا ففيما نحن فيه التنجيز في آن الحدوث كان مختصا به و التنجيز الذي نحتاج إليه في آن حدوث العلم الإجمالي الثاني يكون ببقاء الأول فعلى هذا عند العلم الثاني يكون الأول مقارنا له في التنجيز فلا تقدم لأحدهما على الأخر فيكونان في مرتبة واحدة و هذا أوضح من ان يخفى على المتأمل في باب العلة و المعلول.

لا يقال لنا لانحلال العلم الإجمالي طرق ثلاثة شرعية و عقلية و عقلائية فالأولى‌

349

هي ان يقيم لنا امارة على تنجيز أحد الأطراف و هو هنا غير موجود و الثانية ان يكون العقل حاكما بالانحلال و هو أيضا لا يكون في المقام و لكن الانحلال في القسم الثالث يكون واضحا بالوجدان فنختاره للانحلال و نقول على فرض الاشكال بالانحلال العقلي نحن نلاحظ العرف يحكمون بالوجدان بان العلم الإجمالي الأول يكون مقدما على الثاني بحيث لو سئل عنهم قضية الحال يقولون اجتناب الطرف كان لازما من السابق و انما الكلام في الملاقي.

لأنا نقول حكم العرف (1) بذلك لا يكون جزافا بل يكون لتصورهم التقدم الرتبي كما سيجي‌ء و القائل لا يقول به فإنه لما رأى ان مقتضى الصناعة الاجتناب عن الأطراف جميعا حتى الملاقي تشبث بهذه الطريقة الباطلة.

الوجه الثاني هو ان نقول بالانحلال بالرتبة: بيان ذلك انه قد فرض أن للملاقاة نحو خصوصية لحكم الشرع بنجاسة الملاقي فتكون علة له و عليهذا و لو كان العلمان في رتبة واحدة و لكن المعلوم في أحدهما مقدم على الأخر فكأنّ العلم يصير مقدما بالواسطة معلومة و هو ان الأمر بالاجتناب في أحدهما يكون سببا للأمر في الأخر (2)

____________

(1) أقول ان العرف إذا رجع الى وجدانه يرى ان العلم بالطرف مقدم على العلم بالملاقى اعنى يذعن في نفسه ان هذا الذي يكون طرفا للملاقي كان واجب الاجتناب و كل شكه يكون في الملاقي فإنه لا يدرى هل حدثت نجاسة فيه بواسطة ملاقاة ما هو نجس واقعا أو لم تحدث النجاسة بواسطة ملاقاته لما هو طاهر واقعا فلا يكون الحكم به جزافا.

بل الوجدان أقوى برهان على هذا سواء عبر ذلك بالانحلال العقلائي أو الرتبي فإن كان الأول فهو المطلوب و ان كان الثاني فيكون من قبيل إتيان الشي‌ء بدون ذكر اسمه و الدقة الفلسفية التي هي في باب العلة و المعلول لا نحتاج إليها بعد الرجوع الى الوجدان فان الطرف كان واجب الاجتناب و يكون في هذا الان أيضا كذلك نعم لو قطع العلم الأول بمانع ثم حدث لا يمكن ان يقال بأنه كان من قبل بل هو حادث.

(2) أقول ان الملاك كل الملاك يكون في المنجز و هو العلم و إثبات التقدم له بالعرض و المجاز لا يكفى للتقدم و العلة الوحيدة لوجوب الاجتناب هي حكم الشارع حتى على اختيار العلية الشرعية فإذا لم يكن مقدما لا تكفي الرتبة للانحلال.

و بعبارة واضحة العلة لما كانت جعلية شرعية لا تكون من صنف العلل التكوينية حتى يكون تقدمها بالرتبة كما في حركة اليد و المفتاح فمعنى الطولية على هذا الفرض هو انه لو كان للملاقي حكم في الواقع مقدما زمانا كان للملاقي حكم بعده.

فتحصل ان العلل الشرعية لا تكون مثل العلل التكوينية و المقام يكون منها فلا ينتج التقدم الرتبي بتقدم الموضوع لانه و ان كان قبلا و لكن ما كان علة بل جعل الشارع علة فعلى هذا ان صح التقدم الزماني بالوجدان فهو و الا فالتقدم الرتبي أشبه بالمغالطة بنظري القاصر.

350

فلا يرد عليه ما يقال بان المناط على العلمين لا المعلومين فان الموضوع لا تأثير له لأنا ما حكمنا بطولية هوهويّة فمن الطولية في الموضوعين ينشأ طولية في الحكمين فتدبر.

فان قلت هذا الحكم صحيح على فرض القول بان ما مع المتقدم متقدم على ما مع المتأخر فيكون الطرف الذي يكون مقدما لتعلقه به مقدما متأخرا أيضا لتأخره عنه.

و بعبارة واضحة الطرف الذي فرضتموه مقدما يكون مع الملاقي أيضا فهو متأخر و متقدم و هذا محال.

قلت هذا الطرف و ان كان طرفا للمتقدم و المتأخر و لكن لما صار منجزا في الرتبة المتقدمة لا اثر للعلم بالنسبة إليه ثانيا فالانحلال ان لم يصح زمانيا فيصح رتبيا و ينتج عدم لزوم الاجتناب عن الملاقي و مع عدم قبوله بكلا تقريريه لا وجه للقول بعدم الاجتناب بل هو واجب.

هذا كله في صورة كون العلم الإجمالي علة تامة اما على فرض الاقتضاء كما هو مسلك الشيخ الأنصاري (قده) فالأصول في طرفي العلم يتعارضان و يسقطان فيبقى الأصل بالنسبة إلى الملاقي بلا معارض.

351

بيان ذلك ان العلم الإجمالي إذا صار مقتضيا فمعناه انه منجّز في صورة عدم كون أصل في المورد اما على فرض وجوده فلا. و أيضا كل شك سببي و مسببي لا زال يقدم الأصل السببي فيه على المسببي ففيما نحن فيه أيضا كذلك لان الشك في نجاسة الملاقي يكون مسببا عن الشك في الملاقي و الطرف، فإن جرى الأصل فيهما و صار مزيلا للشك في الملاقي فهو و الا ففي صورة التساقط يجب ملاحظة الأصل في المسبب فنحن نرى ان قاعدة الطهارة أو استصحابها قد تعارضتا و سقطتا فصار العلم بالنسبة إليها منجزا و لكن بالنسبة إلى الملاقي فالأصل فيه لا معارض له فلا يجب الاجتناب لا يقال ما كان أحدهما في طول الأخر هو الشك في نجاسة الطرفين للعلم و الملاقي فالنجاسة تكون طولية لا الطهارة فالشك في طهارة الملاقي لا يكون مسببا عن الشك في طهارة الطرفين بل الشك في نجاسة هذا يكون مسببا عن الشك في نجاستهما.

لأنا نقول جريان الأصل لا يختص بما كان مؤداه ذا اثر بل لو كان الأثر على النقيض أيضا يكفي فقاعدة الطهارة تجرى لطرد النجاسة (1).

لا يقال ان الطرف كما يقاس مع الملاقي يقاس مع الملاقي أيضا لأنه يكون طرفا لها و يحاسب حسابه معهما فكيف يحاسب الأصل فيه بالنسبة إلى الملاقي بالفتح دون الملاقي بالكسر.

لأنا نقول (2) بعد اثباتنا ان نجاسة الملاقي تكون في طول نجاسة الملاقي‌

____________

(1) أقول و أضف الى ذلك ان حاصل الجواب ان كل شك في النجاسة يكون طرفه الشك في الطهارة ضرورة ان الشك يكون كذلك و لا بد فيه من الترديد بين الطرفين على ان الاشكال من أصله غير وارد لان المناط في الطولية و المسببية هو ان يكون الشك في أحد الأطراف مسببا عن الشك في الأخر لا ان يكون معناه ان نجاسة هذا يكون في طول نجاسة ذاك حتى يشكل بان النجاستين طوليتين دون الطهارتين.

(2) بعد كون حكم الأصل هو الاجتناب فكيف لا يقاس الفرع به.

352

فاصلة إذا سقط عن الاعتبار في الرتبة الاولى فلا يبقى له عند محاسبته مع الملاقي أصل فيكون الأصل فيه بلا معارض.

فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الاجتناب عن الملاقي لا يلزم اما للانحلال بكلا تقريريه على فرض كون العلم علة تامة و اما لكونه مقتضيا و يكون الأصل فيه بلا معارض.

هذا كله في صورة القول بالعلية الشرعية و اما على المسالك الثلاثة من التعبد المحض و السراية الحقيقية و الاتساع الحكمي فلا معنى للانحلال و لا الكلام عن العلية و الاقتضاء بل حكمه عرضي واجب الاجتناب الى زمان العلم بالعدم (1).

الصورة الثانية: و هي ان تكون الملاقاة قبل حصول العلم الإجمالي مثل ان تكون الملاقاة يوم الخميس و العلم الإجمالي بنجاسة أحد الطرفين يوم الخميس في يوم الجمعة فهل يجب الاجتناب عن الملاقي و الملاقي كلاهما كما عن المحقق الخراساني (قده) في رسالته العملية أولا مطلقا كما عن الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) أو يفصل بين صورة كون الملاقاة و المعلومين في زمان واحد مع كون العلم متأخرا مثل ان يكون الملاقاة يوم الخميس و العلم بالنجاسة أيضا يوم الجمعة فيه اى طرفاه كانا في يوم الخميس و نعلم انهما كانا نجسين من قبل لكن نحن نعلم ذلك في زمان بعده فيجب الاجتناب و بين ما إذا كان المعلومان متقدمين على الملاقاة مثل ان نعلم يوم الجمعة بنجاسة أحد الطرفين في يوم الأربعاء و ملاقاة أحدهما في يوم الخميس فلا يجب فيه خلاف بين القوم.

فنقول ان كلام المحقق الخراساني على حسب مبناه في العلم الإجمالي بأنه علة تامة تام لأن رتبة العلم في الصورة السابقة بالنسبة إلى الطرفين كان مقدما زمانا و لا يقول بالانحلال الرتبي و في المقام لا يكون التقدم زمانيا فلا ينحل العلم بل ينعقد ابتداء على ثلاثة أطراف.

____________

(1) أقول و الكل يحتاج الى دليل و نفس الاحتمال لا يثبت شيئا.