المعالم المأثورة - ج1

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
396 /
353

و فيه ان هذا على مبناه صحيح و لكن على ما قلناه من الانحلال فلا يختص بالزماني بل الرتبي أيضا يكفي فلا يصح فلا يلزم الاجتناب عن الملاقي بما ذكرناه و لكن ما يسهل الخطب ان هذا الاشكال يكون مبنائيا.

اما قول الشيخ الأعظم بعدم وجوب الاجتناب أيضا فتام على حسب مبناه في العلم الإجمالي و هو الاقتضاء لان التقدم الزماني لا يكون و التقدم الرتبي لا يكفى فلا ينحل المعلم فيكون الشك فيهما سببيا و مسببيا فإذا تعارض الأصلان في رتبة السبب يبقى الأصل بالنسبة إلى المسبب بلا معارض فإن قاعدة الطهارة في الملاقي أو الطرف تجرى و تتساقط للعلم الإجمالي الذي هو في البين و في الملاقي تجرى بلا معارض فتحصل ان الشيخ قائل بعدم وجوب الاجتناب و نحن أيضا نقول به الا ان طريقه مبناه فيه و هو الاقتضاء و طريقنا انحلال العلم بالرتبة على مبنى العلية التامة.

و اما التفصيل بين ما كان المعلومان متقدمين و الملاقاة مؤخرا و العلم الإجمالي متأخرا عنهما و بين ما إذا كان المعلومان بالإجمال و الملاقاة مقارنين بعدم لزوم الاجتناب عن الملاقي في الأول و لزومه في الثاني فغير مقبول عندنا: و بيان ذلك يحتاج الى نقل الدليل أولا ثم تزييفه ثانيا.

فنقول ان الدليل على الأول هو انه لما كان العلم طريقا و لا شأن له الا الكشف فإذا كان المنكشف في يوم الأربعاء يؤثر أثره فالأصلان في ذاك اليوم يتعارضان و يتساقطان للمنافاة مع العلم فإذا لاقى أحد الأطراف مع شي‌ء يوم الخميس و شك في طهارته و نجاسته فقاعدة الطهارة بالنسبة إليه سليمة عن المعارض و العلم الإجمالي الثاني لا أساس له بخلاف ما إذا كانت الملاقاة و المعلومان متقارنين زمانا و زمانه هو يوم الخميس الذي فرضناه في المثال عليه فحصول العلم على الأطراف يكون في زمان واحد فيجب الاجتناب عن جميعها.

و فيه ان هذا كلام غير تام لان المدار لا يكون على المنكشف بل على الكاشف المنجز و هو لا يكون إلا في زمان حصول العلم و لا فرق من هذه الجهة فيما كان‌

354

المعلومان متقدمين أم لا.

و بعبارة اخرى ان للواقع آثارا يترتب على وجوده الواقعي و آثارا يترتب على العلم به و ما نحن فيه يكون من قبيل الثاني لا الأول، و العلم البعدي لا يمكن ان يؤثر في الرتبة المتقدمة.

فتحصل ان التفصيل في المقام غير وجيه و ما هو التحقيق للانحلال هو الانحلال الرتبي (1) و مسلك الشيخ و الخراساني (قدس سرهم)ا) على حسب مبناهما أيضا صحيح في الصورة الثالثة من الملاقي للشبهة المحصورة الصورة الثالثة: و هي ان يفقد الملاقي بالفتح بعد الملاقاة ثم حصل العلم الإجمالي بنجاسة المشتبه الباقي و الملاقي له فأفتى الشيخ الأعظم بالاجتناب عن‌

____________

(1) أقول انه يمكن ان يكون السبب للقول بالتفصيل خلجان هذا المعنى في ذهن القائل و لكن لمّا رأى القائل ان العلية في الملاقي لا تكون تكوينية بل تكون من جعل الشارع الحكم بالاجتناب عن الأطراف مقدمة فتصور نحو تقدم بهذا النحو و قد مر منا الإشكال في الانحلال الرتبي في الصورة السابقة و لكن الاشكال فيه ان هذا النحو من التقدم أيضا يرجع الى التقدم الزماني بل هو نفسه و نحتاج الى وجود منجز في الزمن السابق و المنجز في هذا الزمان لا يمكن ان يكون منجزا بالنسبة إلى السابق كما ذكره الأستاذ (مد ظله) .

هذا كله على فرض كون العلم علة تامة و التمسك بالانحلال لإسقاطه و لكن على فرض كونه مقتضيا فيمكن جريان قاعدة الطهارة بالنسبة إلى الملاقي بالفتح و الطرف في هذا الان لترتيب أثر الطهارة على الملاقي في هذا الان و لا فرق في هذا بين هذه الصورة التي لم يتعرض الأستاد لهذه النكتة فيها و بين الصورة الاتية التي تعرض لها فان فقد الطرف و وجوده لا يؤثر و لا يكون فارقا بين المقامين بل في المقام أوضح لأن المعلومين كان في رتبة سابقه على الملاقاة على فرض المفصل.

و الحاصل على فرض عدم قبول التفصيل أيضا يمكن التمسك بجريان القاعدة على ما قرره الأستاذ في الصورة الاتية و هي صورة فقد الطرف.

355

كليهما و تبعه المحقق الهمداني (قده) و اساتيذنا العظام (قدس اللّه أسرارهم).

و الدليل عليه ان العلم الإجمالي الأول لا اثر له في هذا الحين لأن أحد الأطراف يكون خارجا عن محل الابتلاء بالفقد و لنا علم آخر ناش عن العلم بالملاقاة فبالنتيجة نعلم اما يكون الملاقي نجسا أو الطرف فكأن الملاقي يكون مقام الملاقي في الطرفية للعلم فيجب الاجتناب بمقتضاه.

فان قلت ان المسبب له أصل و هو قاعدة الطهارة قلت يكون له معارض لأن الأصلين في الملاقي و الطرف لم يتعارضا في الرتبة السابقة لعدم العلم حتى ينتج سلامة هذا الأصل عن المعارض.

أقول اما ان يكون المسلك في العلم الإجمالي العلية التامة فعدم جريان الأصل في مقابله يكون على القاعدة و اما على فرض كونه مقتضيا فالتحقيق ان جريان الأصل يكون على القاعدة لأن قاعدة الطهارة لا تكون من الأصول المحرزة فيمكن جريانها باعتبار الأثر السابق.

و بعبارة واضحة ان الخروج عن محل الابتلاء لا يمنع عن جريانها لأن الأصل لا يجرى مطلقا إذا لم يكن له اثر لا بالاعتبار السابق و لا باعتبار الان الحاضر اما إذا كان له اثر باعتبار الان الحاضر فهو جار كما إذا صلينا مع الوضوء بماء فنشك في هذا الان بأنه هل يكون الماء المتوضأ به طاهرا أم نجسا فتجري قاعدة الطهارة بالنسبة إليه لترتيب الأثر في هذا الان و هو صحة الصلاة بصحة الوضوء بهذا الماء و في المقام أيضا يكون كذلك فإنها تجري لترتيب الأثر عليه في الإن و هو طرد النجاسة عن الملاقي.

لا يقال (1) ان الأثر على ما ذكرتم لا يكون مترتبا على جرم السابق بل يكون‌

____________

(1) أقول ان هذا الاشكال غير وارد من أصله لأن جريان القاعدة في الغير لا يكون من جريانها في الملاقي و لا يوجب ان يكون له قاعدتان حتى يشكل بأنه كيف جمعتا في شي‌ء واحد و ان كان اثر جريانها في الغير لظهر فيه فعلى هذا لا نحتاج الى تصحيح المقام بأن الأصلين طوليين لا عرضيين.

و الحاصل قاعدة الغير يكون للغير و قاعدة هذا لنفسه.

356

لإثبات الطهارة في الملاقي و هو في الواقع يكون من جريان القاعدة بالنسبة إليه فكأنه جرت فيه و يتعارض مع القاعدة في الطرف و لا يمكن ان يكون للشي‌ء أصلان فالإشكال بحاله.

لأنا نقول لا يكون للشي‌ء أصلان عرضيان في رتبة واحدة و اما الطوليان فلا اشكال فيه مثل استصحاب الطهارة و قاعدتها بالنسبة إلى شي‌ء واحد و تظهر الثمرة في صورة سقوط أحدهما بواسطة معارض أو مانع آخر ثم هنا كلام عن شيخنا النائيني (قده) كتبته في جزوتي و لكن لا أفهمه الان نذكره لعل غيرنا يفهم عنه محصلا و هو ان الأصل ان كان محرزا يجرى و لو كان غير محرز فلا هذا و لكن الاحتياط لا ينبغي تركه لأن المخالفة مع مثل المحقق الخراساني و الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سرهم)ا) مشكلة.

الكلام في اراقة الإنائين المشتبهين

[مسألة 7- إذا انحصر الماء في المشتبهين تعين التيمم]

مسألة 7- إذا انحصر الماء في المشتبهين تعين التيمم و هل يجب إراقتهما أو لا، الأحوط ذلك و ان كان الأقوى العدم.

أقول ان الدليل على ذلك أولا هو الرواية الموثقة عن سماعة (باب 8 من أبواب الماء المطلق ح 2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل معه انائان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدرى أيهما هو و ليس يقدر على ماء غيره قال (عليه السلام) يهريقهما جميعا و يتيمم و منها (في باب 8 من الماء المطلق ح 14) عن عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال سئل عن رجل معه إناء آن فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدرى أيهما هو و حضرت الصلاة و ليس يقدر على ماء غيرهما قال يهريقهما جميعا و يتيمم.

و تقريب الاستدلال بالروايتين واضح فإنهما صريحتان في ان الإراقة واجبة‌

357

فيجب التيمم لعدم وجدان الماء هذا مقتضى ظاهر الرواية.

اما بيان المسألة فيجب ان يكون تارة بما هو مقتضى القواعد مع قطع النظر عن الرواية و تارة بما هو المستفاد منها حتى نرى ان الحكم بوجوب الإراقة هل يكون للتوسعة و دفع الحرج أو من باب التعبد فنذكر هنا للجهتين.

الجهة الاولى لا شبهة و لا ريب على مقتضى القواعد في انه إذا كان أحد المائين بقدر يمكن معه تطهير الموضع بعد الوضوء بالماء الأول ثم الوضوء به ثانيا فيمكن الامتثال الإجمالي و هو واجب عند عدم القدرة على الامتثال التفصيلي.

لا يقال ان الروايات الدالة على وجوب الإراقة يفهم منها ان الوضوء له حرمة ذاتية و الا فلا وجه للاراقة لانه يمكن الحيلة بما ذكر لتصحيح الوضوء فيكون الباب من دوران الأمر بين المحذورين و لا يكون الحكم بحرمة الوضوء من باب تغليب جانب الحرمة لقولهم دفع الضرر اولى من جلب المنفعة بل لان الوضوء لا يكون له مصلحة في هذا المورد كما كشفناه من موارد أخر مثل ما ورد في رواية أبي يعفور (في باب 3 من أبواب التيمم ح 2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا أتيت البئر و أنت جنب فلم تجد دلوا و لا شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد فان رب الماء هو رب الصعيد و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم مائهم فإنه لرعاية قاعدة اخلاقية و هي عدم إفساد الماء على القوم حكم بالتيمم فيعلم ان مصلحته يكون غير مؤكدة لأنا نقول مع اشمئزاز الطبع بان يكون حرمة ذاتية في الوضوء بهذا الماء يمكن ان يكون عدم وجوبه لرفع الحرج النوعي فإن الوضوء بهذا النحو و ان كان يمكن و لكن لا يخلو غالبا عن الحرج و هو مناطه النوع فيمكن ان يكون بالنسبة إلى شخص من الأشخاص غير حرجي فيجب و إذا شك في انه حرج أم لا يمكن إتيانه برجاء الواقع و لا يكون من التشريع المحرم و الأمر بالإراقة يكون للإرشاد كما سيجي‌ء.

لا يقال على فرض صحة الوضوء كذلك لو قلنا بان البدن يكون مبتلى بالنجاسة فلا يمكن قصد التقرب في الصلاة ببدن نجس بواسطة الاستصحاب.

358

لأنا نقول (1) نحتمل ان يكون الثاني مطهرا للاول على فرض نجاسة الكأس الأول و الاحتمال لا يمنع من الاحتياط. فتحصل ان في هذه الصورة التي فرضناها لا مانع من القول بوجوب الوضوء لوجدان الماء إجمالا.

ثم هل يبتلى البدن بالنجاسة بعد الوضوء كذلك أم لا فيه خلاف و لا يخفى ان ثمرة البحث تظهر في موضعين على فرض القول بابتلائه بهما الأول في صورة وجدان ماء آخر يجب تطهير البدن لبقية الصلوات و الثاني وجوب تكرار الصلاة بعد كل وضوء لحصول الاحتياط بان يصلى بعد الوضوء بالأول لاحتمال كونه طاهرا ثم بعد الوضوء الثاني لاحتمال كونه مطهرا للبدن و مصححا للوضوء.

فنقول ان المقام يكون من باب توارد الحالتين فانا نعلم قطعا ان أعضاء الوضوء مرّ عليه مطهر و منجس أو بتعبير آخر طاهر و نجس و لا ندري تقدم أحدهما على الأخر أم لا؟ فيكون من باب مجهولي التاريخ على تقرير، و من باب معلومه على‌

____________

(1) أقول ان اشكال المستشكل اما يكون على فرض نجاسة البدن كما هو الظاهر من قوله باستصحاب النجاسة أو على فرض احتمال النجاسة فإن كان الثاني لا يرد من أصل لأن لازمه القول بعدم قصد التقرب في الصلاة بواسطة وضوء يكون بماء كان فيه قاعدة الطهارة لأن الاحتمال لو كان مؤثرا ففي هذه الصورة أيضا يكون و لا يلتزم بذلك.

و ان كان الأول أعني إثبات ان البدن يحكم بنجاسته لا احتمالها فالجواب لا يتم ظاهرا إذا قلنا بكفاية صلاة واحدة لأنه يدور الأمر بين الصلاة مع الوضوء ببدن نجس أو الصلاة ببدن طاهر مع التيمم فلا يجوز استعمال هذا الماء لتنجيس البدن نعم على فرض القول بوجوب إتيان صلوتين على فرض نجاسة البدن احتياطا فيصح الجواب كما يحكم به الأستاذ بعد سطر و لكن الظاهر من الاشكال و الجواب هو الاحتمال الأول أعني لاحتمال نجاسة البدن يقول القائل لا يجوز الوضوء و عليهذا الفرض فلا يكون الاشكال واردا من أصله بما بيناه.

359

تقرير آخر فنذكر حكم ما كان من مجهولي التاريخ أولا سواء فرض الماءان قليلين أو كثيرين فنقول انا نعلم إجمالا بورود نجاسة و طهارة على العضو و لا يكون العلم منجزا و لا يوجب مخالفة عملية لان مركزه لا يكون واحدا بالشخص و على جميع المسالك في الاستصحاب لا يمكن جريانه في المقام بل تجري قاعدة الطهارة اما على مسلك المحقق الخراساني (قده) فلان الاتصال زمان اليقين و الشك من شروطه و هو هنا مفقود فلا يجرى فالمرجع القاعدة.

و اما على مسلك النائيني (قده) فلان الاستصحاب لما يكون من الأصول المحرزة فلا يجري في أطراف العلم الإجمالي و لو لم يكن منجزا و لا يلزم منه مخالفة عملية و المقام أيضا كذلك اى لا يكون العلم منجزا فلا يجرى الاستصحاب فتصل النوبة إلى القاعدة.

و اما على مسلك التحقيق و هو جريان الاستصحاب في أمثال المقام لعدم شرطية ما ذكروه شرطا فيجري الاستصحابان و يتعارضان و يتساقطان فالمرجع القاعدة.

فإن قلت لا نسلم تعارض الأصلين لأن التعارض يكون في صورة الانتهاء إلى المخالفة العملية و هنا لا يكون كذلك لان العلم الإجمالي يكون إما بالطهارة أو بالنجاسة و لا يكون لنا تكليف في البين حتى يوجب تعارض الأصلين.

قلت لما نرى بالوجدان ان في موضوع واحد لا يكون الطهارة و النجاسة كلتاهما فيتعارضان لا لان العلم منجز هذا في صورة كون الشبهة من جهة انهما من مجهولي التاريخ اما تقرير كون أحدهما معلوم التاريخ أعني النجاسة و أحدهما مشكوكه اعنى الطهارة فنبحث في مقامين: الأول على فرض ان يكون الماءان قليلين و الثاني على فرضهما كثيرين: اما بيانه على الأول فهو ان نقول إذا توضأ بالماء الأول و أراد الوضوء بالكأس الثاني فحين ملاقاة الماء للعضو قبل خروج الغسالة نقطع بنجاسة العضو فإنه إما صار نجسا بالماء الأول على فرض كونه هو النجس و اما تنجس بهذا الماء على فرض كونه هو النجس و الفرض على انه على فرض طهارته أيضا لا يكون محصلا‌

360

للطهارة فالقطع بالنجاسة في هذا الان موجود و الترديد لا يكون في هوية النجس بل في علته بأنه هل كان الكأس الأول أو الثاني فالنجاسة متيقنة و الطهارة مشكوكة فتستصحب النجاسة المعلومة التاريخ فيحكم بان البدن نجس و هذا هو مسلك المحقق الخراساني و لا يكون هذا معارضا باستصحاب الطهارة لأنها بعد خروج الغسالة أيضا مشكوكة.

و التحقيق (1) في المقام جريان أصل الطهارة أيضا لفساد مبنى الخراساني (قده) فإن النجاسة و لو كانت متيقنة و لكن الطهارة أيضا على فرض طهارة الماء الثاني متيقنة و الحاصل الترديد في العلة يوجب الشبهة.

لا يقال على فرض عدم جريان استصحاب النجاسة لنا علم إجمالي في عضوين من أعضاء الوضوء فإنه إذا غسل بالماء الثاني أحد العضوين يقطع بأنه إما يكون هذا العضو نجسا بهذا الماء أو الأخر نجس بالماء السابق فيقطع بنجاسة هذا أو ذاك و هو منجز و يكون له أثر عملي و هو وجوب الاجتناب عن كلا العضوين.

و لا يخفى ان هذا يحصل من تدريجية الغسل لانه لا محالة يغسل عضوا أولا و آخر ثانيا لعدم إمكان إيجاد الغسل دفعة فعلى هذا قاعدة الطهارة لا يمكن ان تجرى للعلم الإجمالي.

لأنا نقول ان العلم الإجمالي الكذائي لا يكاد ينكر الا انه ينقلب بعد تمام الغسل بالثاني فإنه إذا غسل جميع الأعضاء يعلم بأنه لو كان الثاني نجسا فجميع الأعضاء نجس و ان كان طاهرا فجميع الأعضاء طاهر.

فتحصل من ما ذكرناه انه يمكن فرض اربع استصحابات في المقام ثلاثة منها‌

____________

(1) أقول إني دققت كل دقة و ما فهمت كلام الأستاذ لأن النجاسة إذا صارت معلومة التاريخ فالطهارة تصير مشكوكة الوجود لأن الطهارة الأولية ذهبت يقينا بالنجاسة الطارية و الطهارة الثانية على فرض طهارة الماء الثاني يمكن ان تصير حاصلة و لكن نشك في ان الماء الثاني يكون طاهرا حتى تحصل أولا فلا تحصل فاستصحاب النجاسة لا اشكال فيه فالحق مع الخراساني (قده)

361

بالنسبة إلى النجاسة و واحدة بالنسبة إلى الطهارة: الأول استصحاب النجاسة من جهة كونهما مجهولي التاريخ الثاني من جهة العلم التفصيلي بالنجاسة كما مر و الثالث من جهة العلم الإجمالي في العضوين و الرابع استصحاب الطهارة فإنه على التحقيق يعارض جميع الاستصحابات للنجاسة في رتبة واحدة و يكون معارضا واحدا في مقابل الثلاثة الأخرى (1).

لا يقال ما ذكرتم من استصحاب الطهارة في صورة صيرورة النجاسة من معلوم التاريخ يكون من الفرد المردد، بيانه ان الطهارة المستصحبة لو كانت الاولى فلا تكون باقية قطعا و ان كانت الثانية فتكون باقية فكيف يجري الأصل بالنسبة إليها.

لأنا نقول لا يكون الترديد هنا في الهوية فإنه في مثال البق و الفيل يكون الترديد في هوية المستصحب و انها تكون فيلا أو بقا بخلاف ما نحن فيه فإنه يكون مرددا في الزمان لا في الهوية أي لو كان في الزمان القبل فلا يكون باقيا أو في الزمان البعد فيكون باقيا مثل (2) الشك في حياة زيد مثلا من جهة كونه في الجبل أو في الصحراء فان كان في الأول قد مات بواسطة وجود السباع فيه و ان كان في الثاني فلا فيكون من قبل الشك في الرافع.

____________

(1) أقول ان التعارض في الصورة الأولى واضح و انقلاب العلم الإجمالي أيضا كذلك انما الكلام في صورة كون النجاسة معلومة التاريخ و قد مر بأنه يجري استصحاب النجاسة و لا يعارضه استصحاب الطهارة.

(2) أقول ان هذا قياس مع الفارق بعد تسليم عدم كون الشك في الهوية فيستصحب وجود زيد لوجود الحالة السابقة القطعية له و ما نقضت بيقين آخر في البين بخلاف ما نحن فيه فان الطهارة السابقة قد نقضت قطعا بواسطة العلم القطعي في آن الملاقاة بالنجاسة فلا تكون هي موجودة قطعا و انما الكلام في حدوث طهارة ثانية فالمناسب للمقام ان يكون نظيره ما إذا فرض بلع سبع زيدا دفعة مثلا ثم نشك في انه لو كان عند حضور صياد لقتل السبع و إخراج زيد من بطنه فزيد يكون حيا و الا فميت و كيف يمكن إثبات الحياة له بعد بلع السبع إياه.

362

فتحصل ان استصحاب الطهارة أيضا جار و يعارض استصحاب النجاسة فالمرجع قاعدة الطهارة.

هذا إذا كان الماء الثاني قليلا و اما إذا كان كرا فلا يحصل العلم بالنجاسة حين الملاقاة لأنه يمكن ان يكون طاهرا و التطهير به لا يحتاج الى خروج الغسالة فلا نقطع بنجاسة العضو حين الملاقاة مثل السابق حتى يقال يستصحب النجاسة كما هو الظاهر عن النائيني (قده) فإذا صارتا من مجهولي التاريخ فلا يجرى استصحابهما فالقاعدة محكمة كما عن المحقق الخراساني (قده) أيضا.

و قد أشكل على هذا بأنه و لو لم يحصل على هذا الفرض علم قطعي بنجاسة العضو و لكن لما يكون أعضاء الوضوء متعددة فعند ملاقاة أحد الأعضاء مع الماء يحصل لنا علم إجمالي بأنه اما هذا العضو الملاقي للكثير نجس أو العضو الأخر على فرض نجاسة الكثير أو نجاسة الأول و لذا يسجّل على الخراساني (قده) بأنه يجب عليك القول باستصحاب النجاسة.

و فيه ان العلم الإجمالي بعد غسل تمام الأعضاء ينقلب عما هو عليه بأنه اما ان يكون الأعضاء جميعها طاهرة أو نجسة و على فرض قبول ما ذكر فنقول على ما هو التحقيق عندنا تكون معارضة باستصحاب الطهارة و لكن الفرق بينه و بين القليل هو انه يتشكل فيه ثلاث استصحابات للنجاسة في صف واحد يعارضها استصحاب واحد في الطهارة و هنا استصحابان للنجاسة في مقابل استصحاب واحد للطهارة بحذف احتمال القطع بالنجاسة عند ملاقاة الثاني لأنه كثير فتدبر تفهم بأنه لا فرق بين القليل و الكثير في الحكم على مقتضى قاعدة الطهارة (1).

____________

(1) الفرق بين المقامين يظهر بما ذكرناه سابقا بأنه إذا حصل القطع بالنجاسة في القليل تستصحب و ان كان ادعاء العلم الإجمالي فيه باطلا لانقلابه بخلاف الكثير فإنه لا يحصل لنا قطع تفصيلي بالنجاسة في حين حتى نستصحبها و ادعاء العلم الإجمالي أيضا باطل لانقلابه كما ذكره الأستاذ فتحصل ان قاعدة الطهارة في الكثير يمكن ان تجرى دون القليل.

363

و اما ثمرة البحث فقد أشرنا إليها إجمالا في صدر البحث و ذكرنا ان في هذا البحث ثمرتين الاولى وجوب (1) التطهير لبقية الصلوات على فرض نجاسة البدن و عدمه على فرض طهارته و الثانية وجوب إتيان صلوتين بان يصلى بعد الوضوء بكل واحد منهما لأن في الوضوء الأول يكون احتمال بقاء الحدث و في الثاني احتمال بقاء الخبث فالاحتياط يتمشى بإتيان الصلاة كذلك.

فتحصل ان الوضوء و الصلاة معه ممكن بالمائين المشتبهين على فرض نجاسة البدن و طهارته على القاعدة.

اما الروايتان فالأمر فيهما بالإراقة و التيمم من حيث الثبوت فيه احتمالات الأول التعبد المحض الثاني ان يكون من باب الحرج النوعي فعلى فرض وجود المصلحة في المادة في صورة لزومه يمكن صحة الوضوء و لو لم يكن له أمر فعلى هذا يمكن ان يكون كلفة (2) الوضوء مرفوعة و هو بملاك المادة لا اشكال فيه.

ثم انه ربما يخطر بالبال بان هذا الاحتمال يكون فيه إشكال عقلي من حيث الجمع بين الوضوء و التيمم لان موضوع أحدهما الفقدان و موضوع الأخر الوجدان فكيف يمكن ان يكون الحكم بالتيمم لرفع الكلفة مع وجود الماء للوضوء و لكنا نقول لما لا يكون شرط الوضوء الوجدان بخلاف التيمم فان شرطه الفقدان كما في آلائه‌

____________

(1) إذا فرضنا وجوب صلوتين واجبتين في وقت مترتب بلا فاصلة مثل صلاة الظهر و العصر عند ضيق الوقت أو في وسعة الوقت مع احتمال عدم وجدان الماء لتطهير البدن الى آخره بعد قراءة الصلاة الاولى بالماء بين المشتبهين.

فيدور الأمر بين قراءة صلاة الظهر و العصر بالبدن الطاهر مع التيمم أو صلاة واحدة مع الوضوء و الصلاة الأخرى مع البدن النجس و التيمم لو لم يكن له ماء آخر و إثبات ان الطريقة الأولى أقوى ملاكا من الثانية مشكل لان الوضوء يكون له بدل و هو التيمم و بدن النجس لا يكون له بدل.

(2) رفع الكلفة أيضا يكفي لعدم وجوب الوضوء حتى في صورة إمكانه بما مر.

364

فيمكن ان يكون هذا الحكم تخصيصا لدليل الوضوء.

الثالث ان الرواية تكون في صورة لزوم الحرج الشخصي فلمن لم يكن بالنسبة إليه حرجيا يجب عليه و الذوق يكون مؤيدا للأخير و على فرض عدم القبول فالقول الوسط وسط (1). هذا بالنسبة الى الأمر بالتيمم.

و اما الأمر بالإراقة ففيه أيضا احتمالات: الأول الإرشاد الشرطي أي لما يكون شرط التيمم عدم وجدان الماء و هو يحصل بالإراقة فأمر بها و هذا لا أساس له على مسلك المختار لانه مع إمكان تحصيل الطهارة المائية بالتكرار لا معنى للأمر بها مع تمامية مصلحة الوضوء فلا تجوز لتحصيل شرط التيمم.

و اما ما يقال من انه يكون من ارادة الملزوم بجعل اللازم أعني الأمر بالإراقة يكون كناية عن نجاسة الكأسين فيكون من باب الحكم بنجاستهما واقعا فالاجتناب عن ملاقيه لازم فلا وجه له بأنه لا ظهور للعبارة فيما ذكروه.

و الثاني احتمال التعبد المحض أيضا و هو بعيد جدا و لو لم يكن مستحيلا.

الثالث الإرشاد بحكم العقل لعدم الابتلاء بنجاسة الكأس في البين في صورة عدم إمكان (2) تحصيل الطهارة بهما بالتعاقب.

____________

(1) بل ما هو الظاهر هو احتمال التعبد لان الوضوء مكررا لا يكون حرجيا غالبا لا نوعا و لا شخصا إلا بالنسبة الى بعض الافراد على ان كون الرواية في مقام بيان مصداق من مصاديق الحرج خلاف الظاهر فتخصيص دليل الوضوء بها و لو للزوم مشقة لا تصل الى حدّ الحرج اولى بشأن الرواية لأنها مطلقة أو لعدم صدق الواجد لهذا الماء واجدا شرعا لاحتمال نجاسة أحدهما، و الحاصل هذا الماء مطرود من نظر الشرع و لذا القول بصحة الوضوء كذلك كما سيأتي لا يخلو عن الاشكال و كذا الجمع بينه و بين التيمم بل الأظهر عدم صحة الوضوء و عدم رضاء الشارع بالنجاسة الاحتمالية.

(2) على فرض كونها مخصصة لدليل الوضوء فمع الإمكان أيضا لا يجب كما مر و اما على فرض كونها لبيان صورة الحرج الشخصي كما هو مختار الأستاذ ففي صورة عدم لزومه للشخص فهذا الكلام صحيح.

365

خاتمة في انه هل يمكن تطهير الثوب النجس بالمشتبهين أم لا فيه أقوال الأول حصول التطهير بأحدهما و هو باطل و الثاني حصوله بهما بالغسل بهما متعاقبا و الثالث عدم حصوله و لو بالتعاقب.

فالأول لبطلانه لا نبحث عنه و اما الثاني فنبحث عنه و يظهر من النقض و الإبرام في دليله بطلان الثالث أو صحته:

فنقول الدليل على حصوله بهما هو انه بعد استعمال المائين مع التعاقب نقطع بزوال النجاسة الاولى و نشك في النجاسة من قبل الاستعمال و استصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الشك لا مانع منه.

لا يقال انه يكون من الفرد المردد لأنها إن حصلت بالماء الأول تكون مقطوع الزوال و ان كانت بالماء الثاني تكون مقطوع الوجود مثل الفيل و البق.

لأنا نقول ما ذكر يكون فيما كان الترديد فيه بالهوية و اما ما لا يكون الترديد فيه الا من حيث الزمان أو المكان فلا إشكال في استصحابه لان هذا الاختلاف يصير منشأ الشك كما فيما نحن فيه.

لا يقال المقام يكون من باب توارد الحالتين لأنا نعلم إجمالا بمرور منجس و مطهر على الثوب لا ندري تقدم أحدهما على الأخر فاستصحاب الطهارة يتعارض مع استصحاب النجاسة.

لأنا نقول الجواب منه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه (1) لا يقال ادعاء العلم الإجمالي بالنجاسة بواسطة مرور طاهر و نجس على الثوب لا اثر له لان الكأسين ان كان أو لهما نجسا فمر النجس على النجس فما زاد في هذه الصورة تكليفا فإذا كان كذلك فلا يؤثر هذا العلم شيئا لأنه قد مرّ ان من شرائط تأثيره كونه مؤثرا في في كلا الطرفين.

____________

(1) أقول ان الظاهر ان المراد بمطاوى الكلمات هو انه على فرض كونه من توارد الحالتين المجهولي التاريخ فقاعدة الطهارة محكمة و ان كان من معلومه فيكون المعلوم التاريخ هنا هو الطهارة و الشك يكون في حدوث النجاسة.

366

لأنا نقول (1) هنا عويصة في العلم الإجمالي تحتاج إلى الدقة و هي ان الاعلام فرقوا بين كأسين يكون أحدهما نجسا ثم وقع نجاسة لا ندري انها في أيهما وقعت و ما إذا كان كأس واحدة أو شي‌ء واحد نجس فورد عليه حالتان من النجاسة و الطهارة فحكموا بعدم منجزية العلم الإجمالي في الأول دونه في الثاني.

لا يقال لا نحتاج الى التمحل للعلم الإجمالي لأنه يمكن في المقام تصوير علم تفصيلي فإنه بعد ملاقاة الماء الثاني للثوب قبل خروج الغسالة نقطع بالنجاسة اما من قبل الأول أو من قبل الثاني فيصير استصحاب بقاء النجاسة محكمة فيكون مثل الفرع السابق في الوضوء.

لأنا نقول في زمان خروج الغسالة يكون لنا استصحاب الطهارة جاريا (2) لتردد السبب التفصيلي في العلم التفصيلي بالنجاسة فإنه بعد خروج الغسالة يمكن ان يكون الثاني طاهرا فطهر ما صار من النجس و بعد تعارض الاستصحابين يكون المرجع قاعدة الطهارة‌

____________

(1) أقول انه لا فرق بين الموردين لأنه في الثاني أيضا ما أفادنا توارد الحالتين شيئا بالنسبة إلى النجاسة بل هي كانت مقطوعة من الأول و لكن بعد التوارد يحصل لنا قطع بزوال النجاسة الاولى و شك في حدوث نجاسة ثانية فاستصحاب الطهارة مقدم على استصحابها و قد مر من الأستاذ مد ظله في موارد عديدة عدم منجزية العلم الإجمالي إذا لم يكن في مورد واحد و هذا المورد و ان كان الثوب واحدا الا انه يكون من دوران الأمر بين المتباينين النجاسة و الطهارة.

و الحاصل لا يكون المقام بحيث يتعارض الأصلان في أطرافه بل له أصل بلا معارض فهو طاهر.

(2) أقول انه ان حصل القطع بالنجاسة قبل خروج الغسالة فالترديد في السبب لا يوجب جريان استصحاب الطهارة كما مر فعلى هذا كما يكون البدن مبتلى بالنجاسة في الوضوء يكون الثوب أيضا باقيا على نجاسته.

367

ثم هنا كلام عن المحقق الهمداني مجمل المراد فإنه يقول بعد استعمال الماء الثاني نعلم ان في هذا الثوب قد تشكل حالة ضد حالته السابقة و لكن لا ندري أنه تكون الطهارة أو النجاسة فلا مجرى للاستصحابين فتصل النوبة إلى القاعدة.

و فيه انا يعد مرور الماء أيضا نتفكر في أنفسنا فنجد علما إجماليا بحصول نجاسة مّا و طهارة مّا على هذا الثوب فتعارض الاستصحابين لا مانع منه.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الاستصحاب لا يجرى على التحقيق و المرجع القاعدة و اما على مسلك الخراساني (قده) فهو في النجاسة جار لأنها تكون من معلوم التاريخ و لا يخفى انه (1) في الفرع المعروف في الوضوء و هو انه يعلم بوضوء و حدث لا يدرى أيهما كان أقدم لا يفيد استصحاب الحدث و الوضوء جريان قاعدة الطهارة لأنه بعد ذلك يكون الاشتغال بالوضوء حاكما.

و اما الدليل على القول الأول و هو كفاية التطهير بأحدهما فغاية ما يقال هو انه يكون من الشبهة المصداقية للمطهّر اى النجس يحتاج الى مطهر ففي صورة كونه ماء طاهرا قطعا فيطهره و اما في صورة الشك فيه فيكون الشبهة في مصداق المطهر و لا يمكن التمسك بعام ان الماء مطهر فتجري قاعدة الطهارة.

و فيه ان الشبهة المصداقية في المطهر لا تكون مانعة عن جريان استصحاب النجاسة لأنه يكون من الشبهة المصداقية في الرافع و ان أرجعه إلى الشك في المقتضى بأن يقول لا نعلم ان النجاسة في الثوب هل كان له اقتضاء البقاء بعد الغسل بهذا الماء أم لا فأيضا باطل لانه لا يبقى مورد للاستصحاب بهذا البيان فان كل شك في الرافع يمكن إرجاعه إلى الشك في المقتضى.

[مسألة 8- إذا كان إناءان أحدهما المعين نجس و الأخر طاهر]

مسألة 8- إذا كان إناءان أحدهما المعين نجس و الأخر طاهر فاريق أحدهما و لم يعلم أنه أيهما فالباقي محكوم بالطهارة و هذا بخلاف ما لو كانا

____________

(1) لا ربط لهذا الفرع بالمقام لانه لا يكون من الشك في الطهارة و النجاسة الخبثية فالحق الحاقه ببابه.

368

مشتبهين فاريق أحدهما فإنه يجب الاجتناب عن الباقي و الفرق ان الشبهة في هذه الصورة بالنسبة إلى الباقي بدوية بخلاف الصورة الثانية فإن الماء الباقي كان طرفا للشبهة من الأول و قد حكم عليه بوجوب الاجتناب.

لا تحتاج الى البيان لأنها واضحة (1)

[مسألة 9- إذا كان هناك إناء لا يعلم انه لزيد أو لعمرو]

مسألة 9- إذا كان هناك إناء لا يعلم انه لزيد أو لعمرو و المفروض انه مأذون من قبل زيد فقط في التصرف في ماله لا يجوز له استعماله و كذا إذا علم انه لزيد مثلا لكن لا يعلم انه مأذون من قبله أو من قبل عمرو.

البيان (2) في هذه المسألة فرعان كما هو الظاهر: الأول ان يكون مأذونا من قبل زيد و لا يعلم ان الإناء الخارجي يكون له أو لعمرو و حكم المصنف و الفقهاء بعدم جواز استعماله و الوضوء به و الدليل عليه هو ان التوقيع الشريف عن مولانا صاحب الزمان أرواحنا فداه بأنه لا يجوز التصرف في ملك الغير إلا باذنه (و هو في الوسائل ج 17 باب 1 من أبواب الغصب ح 4 و مثله في المضمون ما ورد في باب 3 من‌

____________

(1) الأمر و ان كان كما في المتن بحسب الفتوى و اما بحسب العلم الإجمالي فلا فرق بين ما يتشكل بعد التفصيلي و ما كان و أريق احد الإنائين لان العلم إذا كان حاصلا يكون له أثره الا ان يكون السند النص و إطلاقه بقوله (عليه السلام) يهريقهما جميعا و يتمم.

(2) أقول الاشكال و الجواب الذي مرّ فيما سبق في مسألة 5 من حيث أن الغصب الواقعي لا يضر بل معلوم الغصبية مضر يأتي هنا أيضا لأن كل هذا الماء نشك في أنه غصب أم لا و لكن إحراز كونه مال الغير و عدم إحراز الاذن بالنسبة الى هذا بالخصوص يكفى للقول بعدم الإباحة فإن العلم بأنه إما لزيد أو لعمر و أحسن حالا من العلم بأنه إما نجس أو غصب لعدم الاحتياج الى جريان قاعدة الطهارة هنا على فرض القول بعدم كون الغصب الغير المعلوم مضرا و لكن هنا يكون الاستصحاب لعدم جواز التصرف و ليس في الصورة السابقة.

369

مكان المصلى ح 1 و 2 في الوسائل ج 3) قد خرج عنه صورة اذن المالك لانه يكون للامتنان فلا ينافي اذن المالك و فيما نحن فيه يكون الماء من الشبهة المصداقية للمخصص فإنه لا نعلم انه يكون إناء زيد حتى يكون مأذونا فيه أو إناء عمرو حتى لا يكون كذلك فلا يمكن التمسك بدليل المخصص فلنا شبهة بدوية في جواز التصرف و عدمه فإن القائل بعدم جواز التصرف مبناه أصالة الحرمة في الأموال فهنا جارية و ان كان ممن يكون دأبه جريان أصالة الحلّ فيها فهنا لا يكون مقام جريانها لان الدليل عليها يكون منصرفا عن مورد مسبوقية شي‌ء بملك الغير فان المقام مسبوق بالملكية إما لزيد أو لعمرو.

ثم انه لو لم يكن التمسك بعموم عدم جواز فهل يكون لنا أصل موضوعي يوجب إدخال هذا الفرد في موضع العام أم لا فيه خلاف: فقيل بتحققه لان معنى العام انه لا يجوز ما لم يؤذن فباستصحاب عدم تحقق الاذن نحرز موضوع العام و نحكم بعدم جواز التصرف فان هذا الكأس الخارجي كان مسبوقا بعدم الاذن لسبق ملك الغير و نعلم ان إذنا مّا صدر و لكن لا نعلم انه وقع على هذا الشخص أم لا و الأصل عدمه.

و قد أشكل عليه بان هذا يكون من استصحاب الفرد المردد لأن الإذن الصادر يكون مشكوك الانطباق فان كان من زيد فهو باق و ان كان من عمرو فلا.

و فيه (1) ان هذا لا يكون من الفرد المردد لانه قبل صدور الاذن لم يكن طبيعي الاذن موجودا في هذا الإناء فنستصحبه بعد صدور اذن مشكوك الانطباق.

ثم لو فرض عدم جريان هذا الاستصحاب فالاستصحاب الحكمي لا مانع منه فان هذا الإناء كان التصرف فيها حراما فنشك في زواله بعد اذن ما، فنحكم بأصالة بقاء الحرمة و لا تصل النوبة إلى أصالة الإباحة.

و قد أشكل بان استصحاب الحكم يحتاج الى بقاء الموضوع و هو هنا إثبات ان هذا الكأس يكون مال الغير و هو كما ترى لا يكون باقيا بل نشك في انه يكون مال‌

____________

(1) أضف إليه انه لو فرض صدور اذن عن عمر و أيضا في مدة معينة و صدوره عن زيد مطلقا يمكن فرض الترديد و لكن لا يكون الاذن عن عمرو صادرا قطعا.

370

الغير أم لا كما عليه الشيخ (قده) فلا يمكن استصحاب الحكم قبل إثبات الموضوع.

و بعبارة أخرى قد تمهد في الأصول بأن العام إذا خصص بمخصص يقيد بنقيض الخاص فلنا في المقام عام عدم جواز التصرف في مال الغير و هو قد خصص بصورة الاذن من مالكه فيقيد العام بنقيض الخاص فيصير هكذا المال الغير المأذون فيه يكون التصرف فيه حراما فعلى هذا يكون موضوع عدم جواز التصرف المال مقيدا بغير المأذونية و ما في الخارج في مسئلتنا هذه نشك في انه يكون غير المأذون فيه أم لا فنشك في بقاء حكم الحرمة عليه و عدمه.

و قد أجاب البعض عن هذا الإشكال بأنه إذا كانت الجهة تقييدية يصح ذلك و لكن في صورة كونها تعليلية فلا فهنا العلة للحرام هي كونه غير مأذون فيه و لا دخالة له في الموضوع و ان شئت فعبر بما ذكرناه لرفع الاشكال و هو ان الصفة لا تكون جزءا للموضوع بل هو من المقارنات التي تكون منشأ للشك في الحكم لا في الموضوع (1) الفرع الثاني هو ما إذا علم ان الإناء يكون لزيد و لكن لا يدرى انه مأذون من قبله أو قبل عمرو و الحكم فيه واضح لاستصحاب عدم الاذن في هذا الظرف الشخصي في الخارج و لا نحتاج الى استصحاب الحكم و لا يكون الموضوع من الفرد المردد بلا اشكال.

[مسألة 10- في المائين المشتبهين إذا توضأ بأحدهما]

مسألة 10- في المائين المشتبهين إذا توضأ بأحدهما أو اغتسل و غسل بدنه من الأخر ثم توضأ أو اغتسل صح وضوئه (2) أو غسله على الأقوى لكن

____________

(1) و بعبارة أخرى على مذهب الأستاذ في الأصول لا يصير العام مقيدا بنقيض الخاص بل المخصص يقطع مقدارا من الافراد التي كانت تحت العام.

(2) بل المتعين هو التيمم و لا يكتفى بالوضوء فقط و ان كان الوضوء معه أيضا يوافق الاحتياط و لكنه مطرود بالنص و بين مسألة 8 و هذه تهافت من حيث قوله بتعين التيمم فيما مر و قوله بكفاية الوضوء هنا.

371

الأحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة و مع الانحصار الأحوط ضم التيمم أيضا.

قد مر ما هو بمنزلة شرحها في السابق.

في قاعدة الفراغ في الوضوء

[مسألة 11- إذا كان هناك مائان توضأ بأحدهما أو اغتسل]

مسألة 11- إذا كان هناك مائان توضأ بأحدهما أو اغتسل و بعد الفراغ حصل له العلم بأن أحدهما كان نجسا و لا يدرى انه هو الذي توضأ به أو غيره ففي صحة وضوئه أو غسله اشكال (1) و اما إذا علم بنجاسة أحدهما المعين و طهارة الأخر فتوضأ و بعد الفراغ شك في انه توضأ من الطاهر أو من النجس فالظاهر صحة وضوئه لقاعدة الفراغ نعم لو علم انه كان حين الوضوء غافلا عن نجاسة أحدهما يشكل جريانها.

البيان: اعلم انه في الفرع الأول من المسألة يمكن إبداء ثلاث احتمالات الأول ان يكون عالما بأنه توضأ بالكأس الصغير و لكن لا يدرى انه هو النجس أم لا. الثاني ان لا يدرى بأيهما توضأ و أيهما كان نجسا و الثالث ان يعلم نجاسة الكبير عينا مثلا و لكن لا يدرى انه كان التوضأ به أو بالصغير:

و الأولى بعبارة المصنف هي الاحتمال الأول لأنه يقول لا يدرى انه هو الذي توضأ به أو غيره و هذا ظاهره العلم بأنه توضأ بأي الكأسين.

ثم لتوضيح المقام نحتاج الى رسم مقدمات: الاولى اشتهر بين الاعلام المتأخرين‌

____________

(1) أقول العلم الإجمالي الفعلي يكون له الأثر بالنسبة الى ما بعد العلم كما إذا توضأ حينئذ بأحد المائين و اما بالنسبة إلى الآثار المترتبة قبلا مثل الصلاة و غيرها يكون فيه الاشكال فلا يترك الاحتياط بإعادة ماله الإعادة فإن البطلان يحسب من اثر هذا العلم فعلا كما انه يمكن أن يدعى ان الحكم الواقعي للمائين كان الإهراق قبل و لم يلتفت إليه فإن العلم طريق و لا موضوعية له.

372

انه لو كان عنوان العمل منحفظا في البين تجري قاعدة الفراغ بخلاف ما إذا لم يكن كذلك مثل ان يصلى الى طرف معين بظن انه قبلة ثم شك بعد الصلاة في انه هل طابق مع القبلة أم لا اى هل كان الطرف قبلة أم لا ففي هذا المثال صورة العمل منحفظة و هي العلم بأن الصلاة كانت إلى جهة كذائية و مثل ما إذا صلى الى طرف بظن انه قبلة ثم شك بعد إتيان الصلاة بأنه هل كانت الجهة قبلة و شك في انه صلى بأيّ جهة من الجهات ففي هذا المثال صورة العمل لا تكون منحفظة لانه لا يدرى انه صلى الى اى طرف من الأطراف.

و بعبارة أخرى في صورة الانحفاظ يكون الشك في انه طابق صلاته مع القبلة أم لا و في صورة عدمه يكون الشك في انطباق القبلة على صلاته و لا يخفى انه لا يكون الاشكال من جهة الالتفات و عدمه.

اما الدليل على الاختصاص على زعمهم فهو ان الروايات منصرفة (1) عن هذه‌

____________

(1) أقول انه لم يبين الأستاذ مد ظله وجه الانصراف و لكن ما افهم من كلامه و يمكن ان يكون وجه الانصراف في المقام هو ان قاعدة الفراغ في العبادات تكون مثل أصالة الصحة في المعاملات و هي أصل عقلائي فإن الناس مع قطع النظر عن الشرع أو مع النظر اليه يكون لهم بناء على صحة أعمالهم إذا شكوا في صحته و سقمه بعد ما فرغوا من العمل و قد مضى فان كانوا متشرعين أيضا فبعد الفراغ إذا شكوا في إتيان العمل على وجهه أم لا يبنون على الصحة و هي في العبادات تكون اسمها قاعدة الفراغ لأنه في بعض الروايات يكون لفظ الفراغ بهيئات مختلفة فأمضى الشارع بها ما يكون دأبهم في غيرها فعلى هذا يمكن بيان الانصراف الذي ادعوه.

فنقول العرف في أعمالهم العرفية مثل المعاملات و أمثالها يكون بنائهم على انه إذا كانت معاملتهم معلومة الوجه مثل ان يعرف البائع المشتري و ما كان مورد المعاملة و مقدار الثمن فإذا شكوا بعد الفراغ و مضى العمل لا يبنون على الصحة بل يرجعون و يتفحصون و اما إذا لم يعلموا ذلك بان كانت صورة المعاملة و موردها مجهولة فيبنون على الصحة.

ثم انه بعد بيان وجه الانصراف نقول كما عليه الأستاذ لا يفرقون العقلاء بين الموارد كما نرى سيما إذا كانوا عالمين بالالتفات حين المعاملة.

373

الصورة و فرقوا تأبيدا لكلامهم بين ان نصلي صلاة نشك في انه أتينا بالسورة فيها أم لا فنجري القاعدة أو نصلي صلاة نعلم انها تكون بلا سورة و لكن يكون الشك في أنها هل تكون جزء للصلاة أم لا ففي الصورة الثانية لا تجري القاعدة للعلم بصورة العمل و فيه ان تأييدهم بالمثال غير وجيه لأن الشبهة في صورة الشك في جزئية السورة تكون حكمية و كلامنا لا يكون من جهتها و اما في غير هذه الصورة فلو كان الدليل على القاعدة الروايات فقط (1) يمكن ما ذكروه و اما لو كان بناء العقلاء فلا فرق بين المقامين في نظرهم مثل قاعدة الطهارة.

المقدمة الثانية في انه هل يشترط في جريان قاعدة الفراغ الالتفات حين العمل أو يعم حتى صورة القطع بعدم الالتفات فعلى ما هو التحقيق انها لا تختص بمورد الالتفات فقط بل تشمل جميع الموارد فهي مثل قاعدة الطهارة الجارية في الثوب بعد إعطائه‌

____________

(1) لو كانت الرواية هي الدليل على ما ذكروه فلا وجه لادعاء الانصراف بل يجب الكلام في الإطلاق و التقييد و العموم و الخصوص و انما يدعى الانصراف من كان دليله بناء العقلاء أيضا ضرورة انه ما لم يكن كذلك أي أصالة الصحة لم تكن معمولة بها عندهم لا وجه للقول بأنه عند قول الشارع في العبادات تجري قاعدة الفراغ ينصرف أذهانهم إلى صورة فقط فعلى هذا لا نفهم تصحيح الأستاذ مد ظله صورة كون الدليل الروايات و على فرض كونه تلك فقط أيضا لا يصح كلامهم لأنها مطلقة.

و الحاصل نفهم من ادعائهم الانصراف قبولهم بناء العقلاء و حاصل الجواب انه لو كان الدليل الرواية فهي مطلقة و لو كان بناء العقلاء فهو أيضا لا يختص بمورد دون مورد.

374

الغسال ليغسله مع عدم اعلامه بنجاسته فإنه (1) تجري القاعدة مع العلم بأنه ما كان ملتفتا حين العمل لانه لا يدرى النجاسة. اما القائلين بأنها مختصة بصورة الالتفات استدلوا بأحد روايات الباب و هو موثق ابن بكير قال قلت الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك فيفهم من قوله (عليه السلام) هو حين يتوضأ أذكر أن للذكر دخالة في الحكم بالفراغ (في الوسائل ج 1 باب 42 من أبواب الوضوء ح 7).

و أما دليل القائلين بأنها مطلقة فالروايات المطلقة في الباب و بناء العقلاء و هي لا يقبل التقييد فما في الموثقة يحكم عليه بأنه قيد يكون في مقام بيان الحكمة لا العلة.

و لكن الانصاف التفصيل بين صورة الاعتياد و غيره فإنه إذا كان العمل مما يعتاد الشخص به و يكون ملكة له مثل الصلاة اليومية فمع عدم الالتفات أيضا تجري القاعدة لأنا كثيرا ما نكون غافلا عن الصلاة و بعد السلام نفهم كوننا في الصلاة و لكن نأتي الأعمال على وجهها و اما في غير هذه الصورة مثل التطهيرات فلا تجري القاعدة في صورة عدم الالتفات و الالتفات فيها أيضا حاصلة غالبا بنحو العادة.

المقدمة الثالثة في ان القاعدة هل يشترط ان يكون موردها عملا شخصيا أو يكفي كونه مرددا بين أعمال: فالأول مثل صلاة شك في إتيان بعض اجزائها بعد الفراغ عنها و الثاني مثل صلاة شك في بعض اجزائها في أربعة صلوات مثل صورة الاشتباه في القبلة فإنه إذا لم نعلم اى الصلوات كانت هي المشكوكة فهل تجري‌

____________

(1) أقول انه لا وجه هنا لجريان قاعدة الطهارة الا أن نقرر تقريرا لعلّه يمكن أن يكون وجها له و هو ان الغالب في العرف لما يكون تعدد الغسلات و مراعاة حال النجاسة حتى في صورة كونهم عالمين بأن الشي‌ء لا يكون نجسا فيمكن أن يقال قاعدة الطهارة تجرى لهذه النكتة فإنكم إذا لاحظتموهم سيّما المتشرعة منهم تراهم يفعلون بالثياب الكثيفة الطاهرة ما يفعلون بالنجسة احتياطا فان كان هذا مقبولا فهو، و الا فمع عدم الاعتناء بالغلبة فجريان القاعدة محل اشكال فاستصحاب النجاسة يكون محكما مع الشك.

375

القاعدة بالنسبة إليها بعنوانها المجهول أم لا وجهان بل قولان:

و التحقيق (1) اختصاصها بصورة معلومية العمل.

فإذا تمهدت هذه المقدمات فنقول في مسئلتنا هذه قد تصورنا في فرعها الأول ثلاثة صور و في كل صورة يتصور صورتان و يبحث عنها و هي انه اما أن يكون أحد الكأسين مفقودا و نبحث عن صحة الوضوء و عدم صحته أو لا يكون مفقودا و لا يخفى ان المراد بالمفقود هو الطرف لا ما توضأ به لان حكمه حكم الوضوء. فنقول في صورة وجود الكأسين قد ادعى وجوها لعدم جريان قاعدة الفراغ:

الأول مع قطع النظر عن العلم بنجاسة أحد الكأسين يتولد لنا بعد الوضوء علم إجمالي آخر و هو انه اما أن يكون الوضوء واجب الإعادة أو الطرف الأخر واجب الاجتناب و هذا العلم الإجمالي ينجّز لنا التكليف فيجب اعادة الوضوء و الاجتناب عن الطرف فيكون الوضوء بمنزلة ملاقي الشبهة المحصورة.

و فيه ان الوضوء لا يكون بمنزلة الملاقي لأحد الأطراف بل يكون بمنزلة استيفاء أحد فردي المشتبه و الصحة في الوضوء يكون من أحكام طهارة الماء الذي توضأت به فإذا كان كذلك فلنا شبهة في صحة الوضوء و فساده من جهة الشبهة في طهارة مائة فيكون مقام قاعدة الفراغ لانه من الشك في وجود الشرط و عدمه.

فان قلت بعد استيفاء أحد الأطراف لنا علم إجمالي بالوجدان بأنه اما هذا نجس أو الطرف فكيف تجري القاعدة قلت لا يمنع هذا من جريانها لأن الأصول في ناحية الفراغ تكون مؤكدة للجعل فلو فرض وجود علم تفصيلي أيضا لا يمنع عن‌

____________

(1) أقول انه إذا فرضنا ان روايات الفراغ تكون إمضاء لبناء العقلاء على الصحة في أعمالهم الماضية فلا وجه لذلك ظاهرا لأنهم لو جروا القاعدة في المعلوم مع إمكان الفحص عن حاله أو الاحتياط فيه فكيف لا يجرونها في صورة اشتباه العمل مع عدم إمكان الفحص عن حاله و كون الاحتياط فيه و إعادته أشق فتأمل.

376

جريانها فضلا عن الإجمالي نعم يمكن (1) أن يكون مانعا عن الدخول في الصلاة.

و الحاصل على فرض جريان قاعدة الفراغ مطلقا أى سواء كان ملتفتا أم لا لا إشكال في المورد من هذه الجهة فكلام القائل بذلك صدر عن غفلة.

الوجه الثاني لعدم جريان القاعدة هو انه لو كان جريانها مختصا بصورة عدم كون العمل منحفظا فلا تجري في المقام لانحفاظ صورة العمل ضرورة انّا نعلم في هذه الصورة قد توضأنا بالكأس الفلاني و لكن لا ندري انه هو النجس أم لا.

و فيه ان القاعدة على التحقيق لا تكون مختصة بصورة عدم الانحفاظ كما مر شرحه في المقدمات.

الوجه الثالث هو انه على فرض دخالة الالتفات في الجريان ففي هذه الصورة لما يكون العلم بعدم الالتفات لا تجري لأن الفرض يكون في صورة حصول العلم بعد الفراغ بحيث نعلم انه حين الوضوء ما كان ملتفتا لعدم التفاته بالنجاسة حينه و هذا الوجه يكون مطابقا لما ذكرنا فان المورد لا يكون من العاديات حتى يصح تفصيلنا و ينطبق على صورة عدم شرطية الالتفات للتعدد.

و اما احتمال شرطية الاذكرية حين العمل بواسطة الرواية التي مرت فإنه ضعيف لانه عليهذا لم يبق حجر على حجر اعنى لا يبقى للقاعدة مورد الجريان لان من كان ملتفتا إلى كيفية (2) العمل لا يكاد يعقل في حقه جريان القاعدة فلعله يكون لبيان الحكمة لا العلة و ما ثبت وحدة المطلوب في المطلقات و أمثال هذه حتى نقول تقيد فيمكن ان يكون المطلوب متعددا و قول المصنف ففي صحة وضوئه أو غسله اشكال‌

____________

(1) مع جريان قاعدة الفراغ المجوزة للدخول في الصلاة لا أفهم معنى هذه العبارة و لا وجه لهذا القول.

(2) أقول ما استفدنا من الرواية اشتراط إحراز العلم بكيفية العمل حتى يشكل بذلك بل استفدنا ان الغفلة إذا كانت في العمل و علمناها تكون مانعة من جريانها و هذا القدر قد قبله مد ظله فلا ادرى ما اراده بهذا.

377

يكون طريقا لمن لا تجري القاعدة مطلقا.

اما إذا كان أحد الأطراف مفقودا حين العلم الإجمالي سواء كان (1) الفقد قبل الوضوء أو بعده ففي جريان قاعدة الفراغ إشكال لحكومة قاعدة الطهارة عليها فإنه يكون لنا شبهة بدوية في صحة الوضوء و عدمه لان الطرف قد فقد فلا يتشكل علم إجمالي حتى يرد ما ذكروه في الصورة السابقة، و كم فرق بين الصورتين فإنه في السابقة كان مقام جريان قاعدة الفراغ لصحة الوضوء و هنا مقام جريان قاعدة الطهارة.

الصورة الثانية من الفرع الأول من المسألة و هي ان لا يكون الظرف الذي توضأت به معلوما بأنه الكبير أو الصغير و علم إجمالا بعد الوضوء بنجاسة أحدهما ففي جريان قاعدة الفراغ وجهان بل قولان: اما الوجه على الصحة هو ان المقتضى و هو جريان قاعدة الفراغ موجود و المانع مفقود فالوضوء صحيح.

و قد أشكل عليه بان المانع أيضا موجود فمنه العلم الإجمالي إما بوجوب اعادة الوضوء أو نجاسة الطرف و مقتضاه اعادة الوضوء و الاجتناب عنه.

و فيه ان قاعدة الفراغ لا تضر بالعلم بل تكون مؤكدة له كما مر و على فرض كون الوضوء مثل الملاقي فالانحلال الرتبي في المقام موجود كما مر في باب الملاقي و الملاقي آنفا.

و منه الغفلة حين العمل لعدم العلم بالنجاسة.

و فيه ان هذا اشكال مبنائى مشترك الورود بين جميع الصور فعلى فرض القول‌

____________

(1) أقول على مذهب من يرى المدار على المعلوم مثل النائيني (قده) في التنجيز و لو كان العلم متأخرا يمكن تصوير الفرق بين الصورتين فإنه إذا كان التلف قبل الوضوء فحين الوضوء كان الشك بدويا و اما إذا كان بعد الوضوء فلا و لكن المبنى غير تام ظاهرا لان المدار يكون على المنجز و هو حين وجد كان الطرف مفقودا فتكون الشبهة بدوية فتجري القاعدة لترتب عليها صحة الوضوء و لا فرق بين التلف قبل الوضوء و بعده كما ذكره الأستاذ مد ظله.

378

بالجريان مطلقا لا يرد و على فرض الاختصاص بصورة الالتفات فهو صحيح فتحصل ان المانع لو كان اشتراط الالتفات فيمكن الوجه له و الا فلا.

ثم انه قد توهم جريان قاعدة الطهارة فيما توضأنا به حتى لا تصل النوبة إلى قاعدة الفراغ و هذا مبتن على القول بجريان الأصول المحرزة في عنوان إجمالي و قد مر منا الإشكال في المقدمة الثالثة في ذلك بالنسبة إلى قاعدة (1) الفراغ و اما قاعدة الطهارة فيمكن القول بجريانها.

و اما صورة فقد أحد الأطراف في هذه الصورة فواضح لعدم الاعتبار بالعلم الإجمالي كما مر و من هنا يظهر حكم الصورة الثالثة في صورة فقد الطرف و عدمه و لا يحتاج الى التكرار.

الفرع الثاني في المسألة و هو ما إذا علم بطهارة أحدهما معينا و نجاسة الأخر كذلك ثم توضأ و اشتبه الكأس المتوضأ به ففي هذه الصورة حكم المصنف (قده) بأن قاعدة الفراغ تجرى ظاهرا و لكن لا ندري ما المراد بتعبيره ظاهرا و اى شبهة كانت في ذهنه حتى عبر بهذا التعبير و لا يجي‌ء الإشكالات التي كانت لها مقاما في الفرع الأول لأن صورة العمل لا تكون منحفظة و الالتفات حين العمل يكون لانه كان عالما بالنجاسة قبل الوضوء و احتمال جريان قاعدة الطهارة الحاكمة على قاعدة الفراغ فيما توضأنا به يكون كما كان في الصورة الثانية من الفرع الأول نعم لو أحرز الغفلة حين العمل يشكل جريان القاعدة لشرطية الالتفات.

____________

(1) أقول لا فرق بين القاعدتين من حيث الجريان كما مر تقريبه في ذيل المقدمة الثالثة.

379

الكلام في ضمان احد المشتبهين بالغصبية

[مسألة 12- إذا استعمل احد المشتبهين بالغصبية لا يحكم عليه بالضمان]

مسألة 12- إذا استعمل احد المشتبهين بالغصبية لا يحكم عليه بالضمان الا بعد تبين ان المستعمل هو المغصوب.

البيان: فرق المصنف قده و بعض الفقهاء بين حرمة التصرف و الضمان بعد التصرف في أحدهما لأن الاجتناب عن الغصب الواقعي يقتضي الاجتناب عن الطرفين و الضمان يكون في طول هذا الحكم و الأصل فيه البراءة و الدارج بين الاعلام لهذا القول طريقان كلاهما غير وجيهين و لا يخفى عدم اليد في المقام لأنه إذا كان بعض الأطراف تحت يده و شك في ان ما في يده يكون ماله أو ما ليس فيه تصير اليد امارة الملك.

الوجه الأول انه لو كانت الغصبية تمام الموضوع لكلا الحكمين يصح القول بالضمان و لكن لا تكون كذلك لان الضمان يكون في معلوم الغصبية كما عن الشيخ الأعظم الأنصاري في الرسائل و لا يكون الضمان لولائيا بل لو انكشف انه كان غصبا يترتب عليه الضمان.

و فيه ان كلام الشيخ و مثاله لا ينطبق في المقام لان ما في البين و هو الغصب يكون تمام الموضوع لحرمة التصرف و الضمان و بعبارة واضحة موضوع عدم جواز التصرف يكون مال الغير و موضوع الضمان أيضا يكون إتلاف مال الغير.

و بعبارة أوضح ان العلم الإجمالي لا يوجب الحكم بحرمة التصرف في الطرفين حرمة ذاتية بل تكون الحرمة حرمة طريقية أي الأمر بالاجتناب و حرمة التصرف في كليهما يكون مقدمة للعلم بالاجتناب عن الغصب الواقعي و لا يكون مقدمة للواقع بل مقدمة للعلم به و الشأن في كل أمر طريقي هو انه لو صادف الواقع فهو و لو لم يصادف يصير لغوا فإذا عرفت ذلك نقول في كل واحد من الأطراف يكون ضمانا لولائيا (1) فالتفكيك بينهما لا وجه له.

____________

(1) أقول ان النزاع بين الأستاذ و من يحكم بأنه لا ضمان فعلا يكون في الطريق أو التفرقة بين موضوع الحكمين و إلا فإثبات الضمان اللولائى لا يترتب عليه أثر عملي و لا شرعي لأن الضمان يكون من الآثار الوضعية فإذا كشف الحال فان كان ما تصرف فيه هو مال الغير فهو له ضامن و الا فلا فلا فائدة في إطالة الكلام من حيث الثمرة العملية.

380

الوجه الثاني ان الحرمة تثبت بالعلم الإجمالي بأن أحدهما غصب و نشك بعد ذلك في جعل الضمان و عدمه فتجري أصالة البراءة و استصحاب عدم الضمان.

و فيه ان دليل الضمان يكون موضوعه الاستيلاء على مال للغير ببرهان اصطيادى عن الاخبار و هو ان من استولى على مال الغير فهو له ضامن و موضوع الغصب أيضا يكون مال الغير فالحكمان (1) يكونان عرضيين و لا يمكن جريان البراءة في أحدهما دون الأخر.

ثم هنا تفصيل عن بعض المعاصرين و هو الفرق بين كون التصرف قبل العلم الإجمالي أو بعده فان كان بعده فالضمان لا يتحقق لعدم منجزية العلم الإجمالي بعد تعارض الأصلين و يكون من قبيل العلم الإجمالي المقدم على الملاقاة و اما ان كان من قبيل الأول بأن يكون التصرف قبل العلم بالغصبية فالضمان يتحقق لانه بعد التصرف في أحد الأطراف بالإتلاف إذا حصل له العلم كذلك يعلم يتحقق لانه بعد التصرف في أحد الأطراف بالإتلاف إذا حصل له العلم كذلك يعلم اما ضمان ما أتلفه أو عدم جواز التصرف في الطرف الأخر فيحكم بضمان التالف و بالاجتناب عن الطرف الأخر.

ثم انه قد أشكل بعض المعاصرين من الاعلام بأنه و ان كان يحصل علم إجمالي كذلك و لكن ينحل بأصالة عدم كون الطرف مالي: بيان ذلك ان الأموال في حصولها‌

____________

(1) أقول ان ما هو الظاهر عندي الفرق بين الموضوعين لان موضوع الغصب يكون مال الغير فقط و موضوع الضمان يكون الاستيلاء على مال الغير بإضافة قيد الاستيلاء و نحن ما أحرزنا الاستيلاء حتى نحكم بالضمان و لكن بالنسبة إلى الغصب أحرزنا مال الغير في البين.

381

و انتقالها الى الغير تحتاج الى سبب كالبيع و أمثاله فإذا شك في انتقال مال إليه يجري أصالة عدم الانتقال فعلى هذا نجري أصالة عدم الانتقال فيما نحن فيه في الطرف الباقي فتصير الشبهة في الضمان بالنسبة إلى التالف بدوية و لا يخفى ان الأصل الجاري هنا يكون موافقا لمقتضى العلم فلا ينافيه و لا يشكل في جريانها و لا يكون من الأصل النافي ليلزم ذلك.

و فيه انه لا ندري لأي جهة لا يجري الأصل بالنسبة إلى التالف أيضا لترتب الأثر الفعلي عليه و هو إثبات الضمان اللولائى فإن الأصل على ما هو التحقيق يجرى فيهما و قد ظهر مما ذكر ان الأصل بالنسبة إلى التالف لا يكون بلا اثر كما توهم و قد مربيان جريان الأصل في التالف لترتيب اثر فعلى مثل أصالة الطهارة في الماء التالف المشكوك طهارته بعد قراءة الصلاة مع الوضوء به و الحاصل ان الأصلين يتعارضان و يتساقطان فحاصل الجواب هو ان الإتلاف بالوضوء به ان كان من قبيل الملاقاة يصح القول بالتفصيل على مسلك المحقق الخراساني القائل بالانحلال الزماني و لكن التحقيق هو الانحلال الترتبي فلا يصح التفصيل بين ما كان العلم قبلا أو بعدا.

[فصل] في الأسئار

فصل سئور نجس العين كالكلب و الخنزير و الكافر نجس و سئور طاهر العين طاهر و ان كان حرام اللحم أو كان من المسوخ أو كان جلالا نعم يكره سئور حرام اللحم ما عدا المؤمن و الهرة على قول و كذا يكره سئور (1) مكروه اللحم كالخيل و البغال و الحمير و كذا سئور الحائض المتهمة (2) بل مطلق (3) المتهم.

____________

(1) في الكراهة تأمل بل لا دليل عليها.

(2) أو غير المأمونة كمجهول الحال فإن إحراز الأمن شرط

(3) لا دليل على الكراهة فيه و لا بأس بالعمل به رجاء

382

البيان: قد اختلف الفقهاء و اللغويين في معنى السئور من جهة انه هل كان ما باشره جسم حيوان أو فم حيوان أو بقية الماء أو بقية كل مأكول و مشروب و لكن المهم في المقام هو ملاحظة وجود أثر فقهي على الاختلاف فنقول ان كان نجاسة السئور من باب الملاقاة فلا نحتاج الى تطويل الكلام في معنى السئور بل كلما حصلت الملاقاة نحكم بنجاسته في صورة كونه ملاقيا مع النجس و هذا هو التحقيق في المقام.

و ان كان السئور موضوعا لحكم فيجب تحصيل معناه اللغوي و الفقهي مثل ما إذا قيل التراب احد الطهورين فيجب ان نفهم انه يكون مطلق وجه الأرض أو الأعم حتى نحكم بأنه طهور فعلى الأول لا نحتاج الى بيان معناه و يصدق ما في بعض الكلمات انه ما باشره جسم حيوان و على الثاني يجب فهم معناه فننقل بعض ما نقل في هذا المقام.

فنقول و قال بعض انه البقية و الفضلة و هذا معنى يصدق على المشروب المأكول و في المجمع عن المغرب و غيره السئور ما يبقيه الشارب في الإناء و في الحوض و هذا المعنى خاص من جهة الشرب و عام من جهة صدقه على ما في الحوض أيضا من بقية الشرب.

و قال الشهيد (قده) انه ما باشره جسم حيوان سواء كانت المباشرة بالضم أم لا و في المدارك ما باشره فم حيوان و الظاهر منه المباشرة بالأكل و الشرب لا مطلق المباشرة هذا نقل بعض الأقوال و قد رأيت ما فيه من الاختلاف فهل نكون محتاجا الى ما نقل عن الفقهاء أو اللغويين في إثبات معناه أو لا نحتاج، فنقول ما فهم من كلماتهم يكون مواضع الاستعمالات و هو أعم من الحقيقة و المجاز فأخذ المعنى عن العرف لعله (1) أقرب الى الثواب و نحن إذا راجعنا عرف العرب نرى أنهم‌

____________

(1) أقول ان هذا بالنسبة الى من نشأ في العربية أو كان عندهم بعضا من الزمان طريق جيد و لكن فقهاء زماننا ممن لا يكون في العراق و سائر البلاد العربية لا زال يحتاجون الى الرجوع الى كتب اللغة و الجمع بين كلماتهم و الا فلا طريق لهم للاجتهاد. نعم في عرف العجم الفارسي يعبرون عن السئور «بنيم خورده غير» و هو يشمل الماء و غيره مأكولا أو مشروبا في الماء القليل و اما الكثير فلا يصدق عليه عندهم أيضا فالعرف في لساننا أيضا ببابنا و يمكن استفادة معنى السئور من الروايات بأنه يكون هو كل ما باشره جسم حيوان و الفم يكون من الغالب و لذا جعل غسل الحائض يديها رافعا للبأس و عدمه موجبا للبأس بسؤرها و لا يختص بالماء بل كل ما باشره جسم حيوان و كان له رطوبة مسرية و كان المباشر نجسا يحكم بنجاسته أو ما لا يؤكل لحمه من الحيوان أو الإنسان الجنب و الحائض الغير المبالي فسؤره نجس أو مكروه من باب شبهة النجاسة أو الهزازة فتأمل و ارجع الى الوسائل تجد ما ذكرناه من انعقاد الأبواب.

383

يسمون بقية الماء القليل من الشرب سئورا.

فان قلت العرفي في زماننا يكون غير العرف في ذاك الزمان نقول حكم الآن مع الماضي واحد إلا إذا علمنا الانتقال.

و يؤيد ما ذكرناه موثقة عمار (في باب 4 من أبواب الأسئار ح 2) عن عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئل عما تشرب منه الحمامة فقال كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره و اشرب و عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب فقال كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه الا ان ترى في منقاره دما فلا تتوضأ منه و لا تشرب.

و تقريب الاستدلال هو ان السؤال يكون عن الشرب و أطلق (عليه السلام) السئور عليه فيعلم منه انه يكون بقية الماء.

فان قلت يكون هذا احد المصاديق و لا يظهر منه الانحصار قلت بعد عدم احرازنا السئور عن الخارج يمكن ان يكون هذه (1) دليلا عليه.

____________

(1) أقول و أضف اليه ان أكثر روايات الباب أيضا يكون السؤال و الجواب فيها عن الشرب و لا يختص بهذه الرواية و لذا إذا لم يغننا كلمات اللغويين في إثبات معناه يغنينا الروايات الباهرات.

384

و يظهر من بعض الروايات ما ذكره الشهيد (قده) و هو رواية عيص بن القاسم (باب 7 من الأسئار ح 1) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سئور الحائض فقال لا توضأ منه و توضأ من سئور الجنب إذا كانت مأمونة ثم تغسل يديها قبل ان تدخلها الإناء و قد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يغتسل هو و عائشة في إناء واحد و يغتسلان جميعا.

و تقريب الاستدلال بما ذكره من غسل يديها فيمكن (1) ان يفهم منه ان السئور هو ما باشره جسم حيوان و هو هنا الجنب قال الشيخ (قده) إطلاقه (عليه السلام) على ما باشر جسم الحيوان يكون من الإدخال في الموضوع ليدخل في الحكم و الا فلا يمكن رفع اليد عن المعنى العرفي و هو بقية الماء المشروب.

فتحصل (2) من جميع ما ذكرناه ان السئور إذا كان موضوعا يكون معناه بقية الماء المشروب و إذا لم يكن موضوعا و كان الحكم من باب الملاقاة لا فرق بين ما باشره جسم حيوان أو فم حيوان أو غيره.

ثم ان سئور نجس العين نجس لانه يكون من مصاديق كبرى الملاقاة فإن النجس‌

____________

(1) الحكم في هذه الرواية لا يكون على السئور بما هو سئور بل باحتمال وجود النجاسة في يديها يحكم بالاجتناب الاحتياطي من باب الملاقاة مع النجس التي توجب ان يكون فمها نجسا و مع الأمن من ذلك فلا يلزم الاجتناب عن سئورها لعدم احتمال نجاسته و هذا معنى يفهم من الدقة في ذيل الرواية فتطبيق السئور هنا لا يضر بما نحن بصدده و هو ان يكون الحكم على عنوان السئور.

(2) أقول و هذا هو المقبول بعد الرجوع الى الروايات الصادرة عن المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و يمكن ان يقال بتوسعة السئور حسب ما هو عند عرفنا بكل ما يكون له رطوبة و للإنسان ملامسة بدنيّة بالنسبة إليه فلا يشمل المأكول اليابس كالحمص و أمثاله و يشمل كل ما له رطوبة كالفواكه و غيره و هذا ما آل اليه النظر في دورة اخرى من البحث في ذلك.

385

إذا لاقاه شي‌ء مع الرطوبة يصير نجسا سواء كان المباشر ماء أو غيره و الشاهد على ذلك الروايات الدالة على ان نجاسة السئور يكون لنجاسة ذي السئور.

منها رواية معاوية بن شريح (باب 1 من أبواب الأسئار ح 6) قال سأل عذافر أبا عبد اللّه (عليه السلام) و انا عنده عن سئور السنور و الشاة و البقرة و البعير و الحمار و الفرس و البغل و السباع يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال نعم اشرب منه و توضأ منه قال: قلت له الكلب؟ قال لا قلت: أ ليس هو سبع؟ قال لا و اللّه انه نجس لا و اللّه انه نجس.

و سؤر طاهر العين طاهر و ان كان حرام اللحم و هذا الحكم بالنسبة إلى مأكول اللحم اتفاقي و اما بالنسبة إلى غيره فالمشهور على الطهارة و غيره كما عن المنتهى و المهذب النجاسة و الدليل عليهم يمكن ان يكون بملاحظة الميكرب من باب الملازمة بين الحرمة و وجوده أو يكون المراد من الكراهة هي الشرعية و سيجي‌ء ما استدلوا به من الروايات.

اما الدليل على مذهب المشهور فأمور منها القواعد الأولية و الأصول و هو ان الطاهر إذا لاقى طاهرا لا مناط لنجاسة ملاقيه و لو جاءت شبهة من جهة حرمة الأكل فالأصل عدمها.

و منها الروايات التي دلت على ان الجميع يكون طاهرا الا الثلاث (الكلب و الخنزير و الكافر) كما سيجي‌ء.

و اما الدليل على خلاف مذهب المشهور فهو الروايات التي دلت على ان كل ما أكل لحمه فيتوضأ من سئوره و يشرب.

فمنها صحيحة ابن سنان (باب 5 من الأسئار ح 1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لا بأس ان تتوضأ مما شرب منه ما يؤكل لحمه.

و منها رواية عمار بن موسى (باب 4 من أبواب الأسئار ح 2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سأل عن ماء تشرب منه الحمامة فقال كل ما أكل لحمه فتوضأ من سئوره و اشرب و عن ماء‌

386

شرب منه باز أو صقر أو عقاب إلخ.

و تقريب الاستدلال يكون بمفهوم الوصف و في الثانية اختلاف ففي نسخة فيتوضأ و في الأخرى و يتوضأ فعلى تقدير عدم زيادة الفاء و صحة النسخة التي هي فيها فيكون الاستدلال بمفهوم الشرط لان الفاء في خبر المبتداء يكون مفيدا للعلية فيصير معنى الرواية كلما أكل لحمه فيتوضأ من سئوره لنكتة مأكولية اللحم و إذا لم تكن هذه العلة لا يصح الوضوء به.

أقول ان هذا الكلام يكون على مبنى القائلين بأن العلة إذا كانت منحصرة فبمقدمات الحكمة نفهم الحصر و لكن المسلك في الباب ان كل المفاهيم حتى مفهوم اللقب يكون فيه الانحصار بالنسبة إلى شخص الحكم فإذا قيل أكرم زيدا فيكون الزيدية علة منحصرة لشخص هذا الحكم فالصحيح ان يقال كلما استفيد ان الحكم بتمامه و سنخه أنيط على أمر فعند فقده يفقد فإذا كان الكلام بحيث يفهم منه ان الحكم لا يكون الا منوطا بشي‌ء مثل مجي‌ء زيد فيكون للكلام مفهوم و هذا لا يفهم الا من الخارج.

فإذا عرفت ذلك فنقول لا يكون للشرط هنا مفهوم (1) لقرينة خارجة و هي ان السائل بعد حكم الامام (عليه السلام) سئل عن موارد اخرى من غير المأكول فإنه لا مجال بعد فهم الحصر في سنخ الحكم للسؤال عن ذلك و لا مجال للجواب على فرض عدم تمامية السؤال.

فان قلت فلأي نكتة ذكر (عليه السلام) عنوان مأكول اللحم. قلت لإعطاء الضابطة بالنسبة إليه دون غيره لان غير المأكول ربما يكون من نجس العين الذي يكون نجس السئور (2).

____________

(1) عدم فهم السائل لا ربط له بطبع القضية بل له المفهوم و يكون بعض السائلين غير فطن أو محتاج الى الشرح كما نرى فيمن يسئل المسائل عن العلماء

(2) هذا خلاف الظاهر بل يعم ذلك أيضا.

387

فتحصل انه لا مفهوم للروايتين هذا أولا و ثانيا على فرض المفهوم يلزم منه كثرة التخصيص (1) المستهجن في العمومات التي دلت على ان كل حيوان الا الثلاث يكون طاهر السئور على ان سند المشهور روايات تكون معارضة لتلك التي دلت على ان المناط في نجاسة السئور نجاسة ذيه منها صحيحة الفضل عن العباس (باب 1 من أبواب السئور ح 4) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فضل الهرة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع فلم اترك شيئا إلا سئلت عنه فقال لا بأس به حتى انتهيت الى الكلب فقال رجس نجس لا يتوضأ بفضله إلخ تقريب الاستدلال واضح و هو التفصيل بين نجس العين و طاهر العين و صريحة في ان المدار على نجاسة ذي السئور.

و منها ما عن العذافر (باب 1- من الأسئار ح 6) عن معاوية بن شريح و قد مر آنفا:

و هذه أيضا واضحة الدلالة على المطلوب فلا وجه لما تمسك به غير المشهور.

اما دفع المعاوضة من الروايات فيكون بالجمع بينها بالكراهة لأن كل طائفة تكون صريحة في شي‌ء و ظاهرة في شي‌ء فما تمسك به غير المشهور صريحة في الهزازة ظاهرة في المنع و روايات المشهور نص في الجواز ظاهرة في عدم الهزازة فيرفع اليد عن ظاهر كل واحدة منهما بنص الأخر فينتج كراهة استعمال سئور غير المأكول و القرينة على الجمع مرسلة أيوب بن نوح عن أبي عبد اللّه (باب 5 من أبواب السئور ح 2) عن الوشاء عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه كان يكره سئور كل شي‌ء لا يؤكل لحمه على فرض كون المراد بالكراهة الشرعية لا العرفية الا انها مرسلة و لا يمكن جبر سندها بعمل المشهور لانه يمكن ان يكون للجمع بين الروايات لا هذه الرواية و كيفما كان تكون هذه مؤيدة للمطلوب.

____________

(1) يمكن الجمع بين الروايات بالكراهة في بعض و هو غير المأكول الغير النجس و لا يلزم تخصيص في ذلك أصلا كما سيجي‌ء منه مد ظله أيضا.

388

اما المسوخات فتردد المحقق في نجاستها و نجاسة سؤرها و الحق عدم النجاسة كما عليه المصنف و لا دليل له على النجاسة الا أن يكون الدليل على النجاسة ملاحظة الميكرب (1).

اما الجلال من الحيوان فإن سؤره يكون محل الخلاف للخلاف في طهارته و نجاسته و الجلال هو الذي يأكل العذرة اى عذرة الإنسان و ينبت بها لحمه و يشد عظمه اما إذا لم يصل الى هذا الحد بان تكون مخلوطة بالطاهر فلا يصدق الجلل و المصنف و المشهور و الشيخ و ابن جنيد على النجاسة. لكن نحن نقول بالطهارة لطهارته ذاتا و ترك (2) الاستفصال في الروايات و اما الدليل على النجاسة هو انه يكون نجس اللعاب بواسطة الملاقاة مع النجس فإذا شرب الماء يصير سئوره نجسا و فيه أولا انه منقوض بسؤر شارب (3) الخمر و ثانيا لو كان السر فيه ذلك فلا وجه للتفصيل بين حصول شدة العظم و عدمه و ثالثا ان الفم لا يصير نجسا لانه من الباطن.

____________

(1) أقول و هو كما ترى لان الحكم الشرعي لا يثبت بملاحظة الملازمات العرفية التي لا أصل لبعضها.

(2) ان ترك الاستفصال فيها لا يكون دليلا على الطهارة لأن الجلال بالنسبة إلى سائر الحيوانات في غاية الندرة على ما ذكروه من انه ما يكون أكله دائما من عذرة الإنسان فإن أكثر الحيوانات في البرّ و لو أكلوا العذرة و لكن لا تكون خالصة بل مع العلف.

(3) شارب الخمر لا يكون عرقه نجسا و لكن الجلال يكون عرقه نجسا كحرمة لحمه فالقياس مع الفارق و يمكن استيناس نجاسة اللعاب من نجاسة العرق الا أنه قياس. اما حصول شدة العظم فيكون من جهة صدق الجلل ليمكن القياس و الا فلا وجه للقول بنجاسة سئوره لعدم حصول الموضوع و اما عدم نجاسة الفم فيكون على فرض كون المراد بالنجاسة هو النجاسة الحاصلة بالعرض لا بالذات فتأمل.

389

ثم هنا مسألة دارجة بين الفقهاء و هو ان زوال النجاسة عن ظاهر الحيوان يكون دليلا على الطهارة و من هنا حكموا بطهارة سئور الطائر لو لم يكن في منقاره دما إجماعا مع النصوص فلا بد ان يرفع اليد عن احدى القواعد الأربعة بعد وجود استصحاب النجاسة في المنقار و ظاهر الحيوان.

أحدها الاستصحاب الذي أشرنا إليه. ثانيها إسقاط قاعدة كل متنجس منجس بالنسبة إلى الحيوان و تخصيص قاعدته. ثالثها قاعدة كل شي‌ء لاقى النجس مع الرطوبة فهو ينجس فنقول ان المنقار مثلا ما صار نجسا بالملاقى نعم لو كان فيه العين فهو نجس رابعها إسقاط قاعدة كل أصل سببي مقدم على الأصل المسببي فإن استصحاب نجاسة المنقار أصل سببي و استصحاب طهارة الماء أصل مسببي فمع القول بطهارة الماء بعد الملاقاة تسقط هذه القاعدة.

فإذا دار الأمر بين إسقاط أحدها لا على التعيين فإسقاط قاعدة الاستصحاب في المقام اولى من غيره لسيرة (1) العقلاء على ذلك في هذه الموارد.

فان قلت يستصحب وجود (2) عين النجس في المنقار و نحكم بنجاسة الماء لملاقاته مع العين، قلت هذا أصل مثبت لأن الأثر الاولى المترتب على هذا الاستصحاب و هو إثبات ملاقاة الماء مع عين النجس ثم الحكم بنجاسة الماء الذي لاقاه عين النجس و لا نعني بالمثبت الا ما كان الأثر الأول فيه عقليا.

فتحصل ان سئور غير الثلاث طاهر نعم يكره سئور حرام اللحم كما مر اما للجمع بين الروايات و على فرض عدم الاستفادة من الجمع فلنا مرسلة وشّاء في‌

____________

(1) أقول انه لو كان الدليل عليه السيرة يمكن ذلك و لكن لا يكون كذلك بل لنا الروايات و هي أقوى دليل لهذه القاعدة الا ان يستفاد من بعضها انها أيضا تمضي السيرة.

(2) أقول هذا خلاف الفرض لانه يكون في صورة عدم وجود العين و لو شك في بقائه يكون فرعا آخر يبحث فيه عن استصحاب وجود النجاسة و كونه مثبتا.

390

المقام كما مرت الإشارة إليها و الكلام فيها آنفا.

و استثنى من ذلك سئور المؤمن كما هو المشهور فقد اخرج هذا القسم من الحرام اللحم عن غيره و بعد ذلك فاما ان نقول انه لا يكره أو نقول شربه مستحب فلو شئنا إثبات عدم الكراهة يكفينا انصراف الدليل عنه مثل انصراف دليل لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه عن لحية الإنسان و سائر شعره و للثاني أي الاستصحاب نحتاج الى دليل آخر فنقول تكون لنا روايات ضعاف منها رواية عبد اللّه بن سنان (باب 18 من أبواب الأشربة المباحة ح 1) قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في سئور المؤمن شفاء من سبعين داء.

هذه الرواية مؤيدة لعدم الكراهة و لكن الاستحباب الشرعي لا يستفاد منها لان القول بان فيه شفاء يكون إرشادا الى ما عليه الاجتماع من التبرك به و عدم التنفر عنه و لا يمكن استفادة الاستحباب الشرعي بمساعدة روايات من بلغ لان الثواب هنا لا يكون أخرويا على انها في بابها قد مر البحث عنها بأنها لا تستفاد منها الاستحباب الشرعي كما هو الحق.

و استثنى من حرام اللحم سئور الهرّ و المصرح بذلك صاحب الوسائل و مستنده رواية معاوية بن عمار (باب 2 من الأسئار ح 1 و 2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الهرة انها من أهل البيت و عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال في كتاب على (عليه السلام) ان الهر سبع و لا بأس بسؤره و انى لأستحيي من اللّه ان ادع طعاما لان الهر أكل منه. تقريب الاستدلال بها واضح فان من استفاد الاستحباب استفاده من لفظة انها من أهل البيت.

أقول معنى انها من أهل البيت اى لا محالة تكون في البيت لا انها تكون محترمة فيمكن ان يكون نكتة عدم الاجتناب من سئورها الحرج (1)

____________

(1) هذا بعيد مع قول الامام على بن أبى طالب (عليه السلام) انى لأستحيي إلخ فإن الحياء من اللّه تعالى لا وجه له في المقام على فرض الحرج على ان الحرج يمكن ان يكون بالنسبة الى بعض دون بعض فلا يمكن الحكم كليا فلو لم يكن الظاهر من هذه الرواية و من قوله انها من أهل البيت هو الاستحباب لا أقل من عدم الكراهة و المتعين عدم الكراهة عندنا لا الاستحباب.

391

فلا يستفاد الاستحباب الشرعي.

ثم المستثنى من مأكول اللحم سئور الخيل و البغال و الحمير فان هذه الثلاثة تكون مكروه اللحم و مكروه السئور و لا دليل لنا على ذلك إلا طرق ذكرها الفقهاء منها الروايات.

فمنها موثقة سماعة (باب 5 من أبواب الأسئار ح 3) قال سئلته هل يشرب سئور شي‌ء من الدواب و يتوضأ منه قال اما الإبل و البقر و الغنم فلا بأس.

و تقريب الاستدلال ان سئور الإبل و البقر و الغنم لا بأس به و في غيره بأس و رواية الوشاء و البقباق كانت ناصة في عدم البأس بسؤر مأكول اللحم و مقتضى الجمع بينها و بين ما دل على ان سئور غير الثلاث اعنى الكلب و الخنزير و الكافر لا بأس به هو الكراهة و فيه انه لا وجه للكراهة لان المأكول لا يكون منحصرا في الثلاث لان لنا حيوانات اخرى مثل الطيور و الظبي المأكول اللحم و غير مكروهة فمن القول بان هذه الثلاثة لا بأس بها لا يستفاد ان في غيرها بأس و لو كان هو الكراهة و ادعاء الانصراف الى الأهل غير وجيه لما ذكرنا من الظبي و الطيور و سائر الحيوانات الغير الأهلي المأكول اللحم (1).

ثم ان في بعض الروايات لا بأس بشرب الخيل و البغل و الحمير و هذا دليل على‌

____________

(1) أقول و أضف الى ذلك ان عنوان البحث هو كراهة سئور الخيل و البغال و الحمير فلو شئنا ان نستفيد الكراهة من مفهوم قوله (عليه السلام) تشمل كراهة سئور جميع ما هو مأكول اللحم حتى غير الثلاثة فمن شاء استفادة كراهة سئور الثلاثة يجب عليه ان يقيم دليلا آخر و لنا قرينة على عدم وجود المفهوم للرواية و الجواب بهذا النحو يكون لنكتة كثرة الابتلاء بالبقر و الإبل و الغنم و فهم (عليه السلام) من سؤال السائل انه أراد سؤال حكم هذه الثلاثة.

392

عدم الكراهة الا ان يقال عدم البأس يكون من جهة الحرمة و لا ينفى الهزازة.

و من الأدلة ما هو ناطق بأنه يكره شرب كل ما (في باب 5 من الأسئار ح 2) عن الوشاء عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه كان يكره سئور كل شي‌ء لا يؤكل لحمه. و هو أعم (1) من العادي أو الشرعي فإن الهر يكون من قبيل الثاني و البغل و الحمير و الخيل من قبيل الأول أعني العادي.

الكلام في سئور الحائض قوله و كذا سئور الحائض المتهمة: نقل عن الطوسي و علم الهدى (قدس سرهم)ا) انه مكروه مطلقا و هذا الإطلاق من جهتين من جهة الوضوء و الغسل و الشرب و من جهة كونها مأمونة و غيرها و قد ذهب بعض الفقهاء مثل المحقق (قده) إلى الإطلاق من جهة الشرب و الوضوء و الغسل لا من جهة كونها مأمونة و غيرها فكأنّ في المقام إجماع (2) على انها إذا كانت مأمونة لا بأس بسؤرها (3) و مستند الجميع روايات في المقام منها ما (في باب 8 من أبواب السئور ففي ح 1) عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال اشرب من سئور الحائض و لا تتوضأ منه.

و تقريب الاستدلال بهذه الرواية هو انها تكون مطلقة من جهة كونها مأمونة و يكون التفصيل فيه بين الوضوء و الشرب فالإطلاق من جهة واحدة و في حديث 2 ما عن الحسين بن ابى العلاء قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحائض يشرب من سئورها قال نعم.

و تقريب الاستدلال بها واضحة و تكون مطلقة من جهة كونها مأمونة و غيرها‌

____________

(1) حمله على الأعم غير ظاهر و الا فيلزم الحمل على ذلك في جميع الموارد

(2) يمكن ادعاء الإجماع في صورة كونها مأمونة في الشرب فقط لا الوضوء.

(3) للجمع بين المطلقات و المقيدات.

393

و من جهة الشرب و الوضوء (1).

و في ح 3 عن ابن ابى يعفور قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أ يتوضأ الرجل من فضل المرأة قال إذا كانت تعرف الوضوء و لا تتوضأ (2) من سئور الحائض.

و في ح 4 عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال سئلت عن الحائض قال تشرب من سئورها و لا تتوضأ (3) هذه الأخيرة مطلقة من جهة كونها مأمونة و غيرها و يكون مفصلا بين الوضوء و الشرب.

اما الروايات التي فيه التفصيل بين المأمونة و غيرها (في الباب المتقدم ح 5) عن على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) في الرجل يتوضأ بفضل الحائض قال إذا كانت مأمونة فلا بأس به.

و منها ما عن عيص بن القاسم قال سئلت أبا عبد اللّه عن سئور الحائض فقال لا توضأ منه و توضأ من سئور الجنب إذا كانت مأمونة إلخ (في باب 7 من أبواب الأسئار ح 1).

ثم انه في نسخة التهذيب يكون لفظة لا في لا توضأ منه فعلى هذا لا تدل على ما نحن فيه لان مفادها ان الحائض سواء كانت مأمونة أو غيرها لا يجوز الوضوء بسؤرها و التفصيل يكون في الجنب و اما على نسخة الكافي التي لا تكون فيها لفظة لا فيكون التفصيل فيهما و تدل على المطلوب.

هذه روايات الباب ذكرناها لتوضيح المقال اما رفع المعارضة التي تكون فيها فله طريقان: أحدهما حمل المطلق على المقيد ثانيهما الحمل على مراتب الكراهة‌

____________

(1) لا إطلاق من هذه الجهة لأن السؤال يكون في الشرب فقط

(2) أقول ان هذه الرواية ساكتة عن حكم الشرب و كونها مأمونة أو غيرها و لكن ظهورها في الإطلاق من الجهتين غير خفي

(3) هذا يكون لاحتمال النجاسة في يديها دون فمها.

394

من حيث الشدة و الضعف بان نقول كراهة سئور لغير المأمونة أشد من غيرها.

أقول الظاهر الحمل على المراتب و ان كان الأصل في القيد ان يكون قيدا في جميع المراتب لا في البعض دون البعض و لكن ذلك يكون في صورة إحراز وحدة المطلوب و لا يمكن الا من الخارج و ما لنا طريق على إثباتها من الخارج و حيث ان المناط في المستحبات و المكروهات يكون على التسامح سيما في صورة كون المطلق و المقيد كليهما مثبتين يحمل على المراتب و يكون ذلك أولى لأنه معه يحفظ الظهور ان اى ظهور المطلق في الإطلاق و ظهور المقيد في التقييد بخلاف صورة الحمل فإنه يحفظ ظهور واحد و هو ظهور المقيد بعد حمل المطلق عليه فعلى هذا الحمل على المراتب اولى.

ثم انه قد توهم المحقق الهمداني (قده) إشكالا في المقام و رجح الطريق الأول و هو حمل المطلق على المقيد بإحراز وحدة المطلوب من الخارج فيقول ان العرف يجتنبون عن غير المأمونة دون غيرها فالمراد بالمطلق أيضا هو المقيد و بان المقيد يكون دلالته بالوضع و المطلق بمقدمات الحكمة و الوضع مقدم.

و هو مدفوع لان عدم المبالاة عن النجس (1) يوجب الاجتناب عنها للنجاسة و لا يصير ملاك الكراهة و لا يختص أيضا بالسئور بل يشمل سائر ما يلاقيها و ان كان (2) عدم الاجتناب عن القذارات العرفية فهي و غيرها سواء في ذلك و لا فرق بين المأمونة و غيرها و يؤيد الكراهة مطلقا و الحمل على المراتب ما في رواية عيص بن القاسم على‌

____________

(1) هذا صحيح لو كانت النجاسة محرزة و اما من باب الاحتياط فلا بعد في التفصيل لاحتمال النجاسة في صورة عدم لزوم خلاف احتياط آخر نعم لا يثبت الكراهة الشرعية كما سيذكره الأستاذ مد ظله.

(2) لا إشكال في استفادة أن ملاقاة غير ما باشرها بالفم أيضا يعدّ من السئور في الروايات أو مع عدم صدق السئور أيضا يتضمن الروايات لها لأنا نفهم منها احتمال الجناسة بأي وجه كان و في المأمونة لا يكون احتمالها فلا كراهة.

395

ما في الكافي فإن التفصيل يكون في الجنب (1) دون الحائض و هذا يكون قاطع الشركة فلا يمكن الجمع بين الروايات بالجمع العرفي. و الاختلاف بين الكافي و التهذيب يرفع بان نقول الكافي أضبط و الأصل عدم الزيادة فالجمع بالحمل على المراتب اولى من حمل المطلق على المقيد، هذا.

ثم ان الاستدلال بالروايات الآمرة بالتورع في الدين لإثبات الإطلاق لاستحباب الاجتناب غير وجيه لان هذه الروايات لا توجب ذلك بأدلة التسامح لأنها لا يفهم منها الإرشاد و لا يمكن ان تكون دليلا على الكراهة.

ثم ان المصنف قد عبر عن غير المأمونة بالمتهمة و فرق بينها و بين غيرها و لكن لا وجه له لأن المتهمة و غير المأمونة لا تكونان مترادفتان فان مجهولة الحال لا تكون متهمة و لكنها غير مأمونة على ان هذا التعبير خلاف ما في الرواية.

ثم قالوا ان المتهم لا فرق بين ان تكون حائضا أو غيرها و العلة قد تعمم و لكن (2) لا وجه لذلك بل يكون هذا حكم في مورد خاص.

ثم انه قد وقع الفراغ عما أردنا إيراده في المجلد الأول من الكتاب بيد مؤلفه الأقل محمد على الاسماعيل پور الأصفهاني القمشه‌اى مولدا و القمي مسكنا و يتلوه الجزء الثاني من بحث النجاسات إنشاء اللّه تعالى و قد وقع الفراغ من طبعه في سنة 1406 من الهجرة القمرية المطابقة لسنة 1364 من الهجرة الشمسية على هاجرها آلاف التحية و الثناء.

____________

(1) بل التفصيل في الحائض لقوله (عليه السلام) إذا كانت مأمونة و ضمير المؤنث يرجع إليها لا الى الجنب.

(2) أقول لو كان المناط في المأمونة و غيرها هو ما ذكره المحقق الهمداني من مساعدة العرف يمكن ذلك و لكن على مبنى الأستاذ مد ظله فلا لان كلامه غير مقبول عنده و عندنا أيضا لعدم الدليل على التعميم أيضا.

396

و اسئل اللّه تعالى ان يجعله بعد القبول منى ذخرا ليوم لا ينفع مال و لا بنون و أهديه إلى المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)سيما قائمهم الحجة بن الحسن العسكري روحي له الفداء و (عليه السلام) و اسئله العفو عن زلاتي و قبوله لهذه البضاعة المزجاة و أرجو من إخواني العفو و طلب المغفرة و الحمد للّه أولا و آخرا و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين الى قيام يوم الدين‌