المعالم المأثورة - ج2

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
53

بعام كل جلد يلبس لأصالة عدم زيادة التخصيص في العام مثل ما إذا قيل أهن المرتكب للكبيرة فعمل عملا شك في انه يكون من الكبيرة أو الصغيرة من جهة الشبهة في المفهوم فيتمسك بالعام.

و في الشبهة المصداقية و ان كان المتسالم بينهم عدم جواز التمسك بالعام و المخالف قليل و لكن إذا كانت الخصوصية الفردية الموجبة لكون الشبهة في المصداق كذلك مما تناله يد الجعل و نالته يد الشرع أيضا بجعله شرطا أو جزء بإضافة قيد أو شرط فيمكن التمسك بالعام أيضا لأصالة عدم تخصيص العام بما زاد على المتيقن ففيما نحن فيه لما يكون المناط في صيرورة الحيوان ميتة أولا، بيد الشرع بجعل كلمة بسم اللّه شرطا و كونه مقابل القبلة عند الذبح و قابلا للتذكية فإذا شك في كونه ميتة للشك في شي‌ء من ذلك يمكن التمسك بعام كل جلد يلبس (1).

و قال صاحب الجواهر و الحدائق لا خلاف في ان كل حيوان قابل للتذكية و الروايتان الأخيرتان دالتان على ذلك و الأوليان تكونان مؤيدتان لذلك. (2)

____________

(1) و الحاصل بعد ما رجعت الى الأستاذ (مد ظله) ان المقام يكون من الشبهة المصداقية لا المفهومية و لا الحكمية و لكن لا مثل ما اشتبه بظلمة بل بواسطة الشك في وجود القابلية و عدمها.

(2) أقول غاية ما يستفاد من الأوليين هي السكوت عن حكم ما يقبل التذكية و عدمها سواء كانت نسخة الاولى ذكاه الذابح أو ذكاه الذبح فإنه مع غمض العين عن اشكال ان الصحيح منهما هو ذكاه الذبح لا غير، لا فرق بين العبارتين في عدم الاستفادة و لا يكون المقام مقام بيان هذا الحكم فإن المسامحة العرفية تقع عند بيان حكم لباس المصلى و شرطية كون الحيوان المذكى بقولهم ذكاه الذبح أو ذكاه الذابح فالاوليان لا تكونان مؤيدتان و الأخريان قد مر الاشكال فيهما.

54

البحث في حقيقة التذكية و تأسيس الأصل فيها الأمر الثالث في بيان حقيقة التذكية و المقايسة بين ما هو في الشرع تذكية و بين ما هو كذلك في العرف اما الأول فمحتملاته ثلاثة الأول ان تكون امرا معنويا مثل الطهارة الحاصلة بعد الوضوء مثلا فان فرى الأوداج و غير ذلك يكون كالمحصل لهذا الأمر المعنوي الثاني ان تكون عين الأعمال الواقعة في الخارج مع جزئية اللياقة و الثالث هو الثاني مع كون اللياقة شرطا:

فربما اختير أن التذكية هي عين الاعمال الخارجية مع شرطية القابلية و لا تكون امرا معنويا لانه لا يكون بيد الذابح فإنها تنسب الى الفاعل (1) في الآية المباركة بقوله تعالى إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ (في سورة المائدة الآية 3) و في الرواية (في باب 3 من أبواب لباس المصلى ح 3) عن على بن حمزة أو ليس الذكي ما ذكى بالحديد؟ ففي صورة الانتساب كذلك يفهم عدم كونها امرا معنويا.

و اما الثاني فيتوقف على الكلام في انه بعد فرض ثبوت أصالة قبول كل حيوان للتذكية هل يكون لنا أصل آخر لإثبات الحلية لأن إثبات قابليته لها لا يكون مفيدا للحلية بل ربما يخرج بها الحيوان عن كونه ميتة لا غير، فإذا شك في انها في بعض الحيوانات هل أفادت الحلية أم لا، يجب الرجوع الى أصل مؤسس في المقام لو كان، و الا فيشكل فنقول يمكن ادعاء أصل آخر غير ما مر من أصالة قابلية كل حيوان لها و الدليل عليه أولا الايات و الروايات ففي سورة الانعام (الآية 145) قوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ. فان هذه‌

____________

(1) كلما قيل في باب الوضوء و الغسل يجب ان يقال هنا أيضا فإن اخترتم انه أمر معنوي يكون الافعال محصلة فكذلك هنا لأنه في بعض الاخبار بالنسبة إلى الوضوء و الغسل أيضا نسب الفعل الى الفاعل.

55

الآية ظاهرة في ان كل ما يوحى إليه (صلى اللّه عليه و آله) لا يكون فيه محرما بل هو حلال الا ما استثنى و في سورة المائدة (الآية 5) قوله تعالى الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ و في المائدة أيضا (الآية 4) قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ و الروايات (في الوسائل ج 16 في باب 16 من أبواب الصيد و الذبائح) فمنها (ح 1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: من جرح صيدا و ذكر اسم اللّه عليه ثم بقي ليلة أو ليلتين لم يأكل منه سبع و قد علم ان سلاحه هو الذي قتله فليأكل منه ان شاء.

فإنه يستفاد منه ان التذكية توجب الحلية و الطهارة كلتيهما و لا يضر كونه في باب الصيد بل يكون من بيان الضابطة في مورد خاص (1).

و ثانيا بناء العقلاء فإنه يكون قاضيا في ما لم يردع الشرع عنه فإنهم يرون في عرفهم ان بعض الحيوانات يكون قابلا للتذكية و النقاوة بها، مثل الغنم و الدجاج و بعضها لا يرونه قابلا لها مثل الكلب، و يختلف نظرهم في بعض الموارد مع نظر الشرع الأنور فإنهم يرون الخنزير أيضا قابلا لها و لكن ردع الشرع عنه و لا يرون الجراد مثلا قابلا لها و يراه الشرع قابلا و في بعض المقامات يرون غير المأكول قابلا لها لطهارة الجلد فقط لا حلية الأكل مثل الثعالب فإنهم ينتفعون بجلدها و لا يأكلون لحمها فعلى هذا إذا رأينا ان في العقلاء أيضا نظرا لتحصيل النقاوة و الطهارة و الحلية بالتذكية في الحيوانات فتصير هذا أصلا مؤسسا يرجع اليه عند الشبهة في نظر الشرع فبعدم الردع يثبت الحلية لو رآه العرف كذلك و الا فلا، مثل البيع و الشراء الذي كان فيهم من قبل فينتج ان السلحفاة التي‌

____________

(1) أقول انه لا تكون الرواية في مقام بيان الكلية المطلوبة و هي ان كل حيوان يكون طاهر اللحم و مأكوله حتى غير الصيد بالتذكية بل تكون في مقام بيان كيفية ذبح الصيد و هو كفاية الجراحة و ذكر اسم اللّه تعالى عليه و لا يحتاج الى فرى الأوداج الأربعة و غيره من الشرائط.

56

لا يكون فيها نص على الحرمة و الحلية عن الشرع لما لا يكون بنظر العرف قابلا لها لا تقبلها و الأرنب يكون بخلافها فإنهم يرونه قابلا لها فيحكم بالطهارة و حلية الأكل لعدم وصول الردع بالنسبة إليه عن الشرع.

فتحصل ان لنا أصلين مؤسسين: أصالة قبول كل حيوان للتذكية و أصالة كون كل حيوان طاهرا محللا الا ما خرج بالدليل.

في الشبهات الحكمية و الموضوعية في التذكية الأمر الرابع في نتيجة ما سبق من المقدمات إذا شك في حلية حيوان مشكوك في الخارج. و اعلم انه اما ان تكون الشبهة حكمية مثل ان لا نعلم ان الحيوان مثلا أرنب لا يقبل التذكية أو شاة يقبلها بحيث توجب التذكية حلية اللحم و طهارته و اما ان تكون الشبهة من جهة أصل قبول التذكية و لو من جهة حصول الطهارة فقط مثل ان لا نعلم انه شاة أو خنزير أو ثعلب و اما ان تكون الشبهة موضوعية فتارة في القسم الأول و هو ان لا نعلم ان الحيوان الخارج أرنب أو شاة بعد العلم بالحكم فيهما و تارة في القسم الثاني مثل ان لا نعلم ان الحيوان الخارجي شاة يقبل التذكية من حيث الطهارة و النجاسة أو ثعلب لا يقبل التذكية الا من حيث الطهارة و لنا صورة خامسة و هي ان نعلم ان هذا اللحم لحم شاة و لكن لا نعلم أن التذكية بفري الأوداج مع سائر الشرائط وقعت عليه أم لا.

ففيما كانت الشبهة من قبيل الأول أي كانت حكمية فإن جرت أصالة قبول التذكية و الحلية في كل حيوان الا ما استثنى فهو، و يطابقها العمومات مثل قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ* و غيره مما تقدم آنفا في الأمر الثالث و ان لم تجريا بل جرت أصالة قبوله التذكية فقط الموجبة للطهارة فبالنسبة إلى الحلية تصل النوبة الى الأصل العملي فإن جرى استصحاب الحرمة التي كانت قبل الذبح فيكون حاكما على أصالة الحل فهذا الحيوان كان حرام اللحم قبل الذبح فنشك في ان‌

57

التذكية أوجبت الحلية أم لا فالأصل عدمها فهو حرام لا يجوز الصلاة في جلده.

أقول ما هو المستفاد من الشرع ان الاحكام تكون تابعة للعناوين فكلما صدق عنوان يصدق و ينطبق عليه الحكم فما لم يثبت لا يكون له حكم هذا العنوان الخاص و العناوين المستفادة من الشرع فيما نحن فيه لا تخلو عن ثلاثة: فأما رتبت الحرمة على عنوان الميتة أو على غير المذكى أو على السباع، و الحرمة بالعناوين الخاصة في ما نحن فيه اى في مورد الشك غير منطبقة و لا دليل لنا على حرمة لحم كل حيوان (1) حين الحيوة فالحرمة الذاتية غير معلومة لا يمكن استصحابها و الحرمة العرضية التي كانت بعنوان غير المذكى قد ذهبت بالتذكية فلا يكون لنا متيقن سابق نجرّه الى آن الشك.

و استصحاب الكلي بأقسامه لا ينطبق عليه. اما القسم الثالث و هو ان نعلم حرمة في ضمن غير المذكى التي تكون عرضية و الان نعلم ذهابها قطعا بها و نشك في الفرد الآخر من الحرام و هو الحرمة الذاتية فإن الكلي لا يستصحب في المقام كما عليه القوم و استصحاب الكلى من القسم الثاني أيضا لا يجري بأن نقول انا علمنا بحرمة من قبل و لا ندري انها تكون عرضية حتى يكون عمرها قصيرا و كان آخرها أول آن التذكية أو كان طويلا يبقى حتى بعدها فنستصحب الكلى و الدليل لذلك هو انه لا يكون لنا جامع في المقام إذا كانت الجهة تقييدية أي غير المذكى كان حراما و نعلم حرمته و القيد و المقيد يكونان في حكم الواحد فبذهاب القيد يذهب المقيد.

____________

(1) أقول ان الظاهر التفصيل في ذلك فنقول كل حيوان تكون تذكيته بذهاق الروح و فرى الأوداج فهو حرام قبل ذلك لعدم وقوع التذكية عليه و ان كان غير ذلك مثل السمك فان ذكاته كما في لسان الدليل هو أخذه من الماء حيا و كذا الجراد فلا دليل على انه يجب ان يموت بعد الخروج و الأخذ فيمكن القول بحليته قبل الموت في حين الحيوة.

58

و الحاصل الحرمة العرضية قد زالت قطعا و الذاتية مشكوكة من أصل و بعبارة واضحة ان استصحاب الكلى القسم الثاني انما يكون في صورة وجود الجامع الموضوعي لا الحكمي، و ما نحن فيه يكون له جامع حكمي دون الموضوعي قال قلت ان المناط في وجود الموضوع و عدمه هو العرف فان استصحاب النجاسة بعد زوال التغيير بنفسه من الماء المتغير بالنجس كيف يجرى مع كون الموضوع الماء المتغير و قد زال تغييره فكذلك المقام فإن الحرمة العرضية بالتذكية و ان زالت و لكن عند العرف يرى الحرام السابق و اللاحق واحدا فكلما قيل هناك نقول هنا.

قلت ان الفارق بين المقام و بين باب النجاسات هو انه يمكن ان نقول انها بحدوثها صار موجبا للنجاسة و لها التأثير في البقاء أيضا و لكن في المقام لا يتمشى ذلك لان لازمه عدم التأثير في الطهارة أيضا و هو كما ترى فالحرمة العرضية قد زالت قطعا و الذاتية مشكوكة من الأصل و الحاصل انه يشكل جريان الاستصحاب و على فرضه يكون حاكما على أصالة الحل هذه هي الصورة الاولى من الشبهة الحكمية فما كان الشك من قبيل الثاني و هو ان يكون الشك في انه يقبل التذكية أم لا و هل توجب التذكية الحلية أم لا بان يكون الشك في كليهما. فهنا أيضا ان كان لنا الأصلان المؤسسان فهو و ان كان الأصل في التذكية دون الحلية فتصير مثل الصورة الأولى فيكون الكلام فيها الكلام، و على فرض عدم جريان الأصلين فتصل النوبة إلى أصالة عدم التذكية و هذا يختلف حسب اختلاف المباني في معنى التذكية فإن كانت هي أمرا بسيطا معنويا فيمكن جريان الاستصحاب لانه ما كان حاصلا قبل هذه الأفعال فإذا حصل الأفعال أيضا نشك في إيجاد ذلك الأمر فالأصل عدمه و القدر المتيقن من ترتيب الأثر هو ترتب الحرمة عليه سواء ترتبت عليه النجاسة أم لا.

فان قلت في لسان الأدلة يكون عنوان الميتة مناطا في الحكم على النجاسة و أصالة عدم التذكية لا تثبت انها ميتة لأنها مثبتة و الأصول المثبتة غير حجة كما حرر في محله.

59

قلت لا يكون الاختصاص مقبولا لأن الآية و ان اشتملت على استثناء الميتة بقوله تعالى إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً إلخ (في سورة الانعام الآية 145) و لكن لنا آية أخرى يكون العنوان فيه عدم المذكى بقوله تعالى إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ (في المائدة الآية 3) و انما الإشكال في الجمع بين العنوانين فنقول كلما كان لنا دليلان مثبتان أحدهما أعم و الأخر أخص فالمدار على الأعم الأعلى فرض إثبات وحدة المطلوب من الخارج، فحيث ما استفدنا من الخارج ما يمكن ان يكون دليلا على وحدته فنقول المدار على العنوان العام فكلما صدق انه غير مذكى يكفي في عدم الحلية و لا نحتاج إلى إثبات عنوان الميتة فتدبر.

و اما ان كانت التذكية هي الأفعال الخارجية مع ضميمة اللياقة شطرا أو شرطا فلا وجه لجريان الاستصحاب لأنه إذا شك في اللياقة فلا تكون لها الحالة السابقة العدمية و كذا لا يمكن استصحاب الشخص بان نقول هذا الحيوان الخاص لم يكن قابلا من قبل فكذلك في هذا الان لعدم المتيقن السابق.

نعم يمكن استصحاب العدم في بعض الموارد الذي يكون الشك في رفع المانع مثل صيرورة الحيوان بالجلل خارجا عن القابلية ثم شك في رفعه فإنه يمكن استصحاب الجلل و عدم القابلية.

فإن قلت استصحاب العدم الأزلي يجري هنا فنقول على مسلك التحقيق و هو الفرق بين لوازم الوجود و لوازم الماهية لا يجري لأن المقام يكون من قبيل الثاني لا الأول، فإن القابلية و عدمها تكون من شئون الذات فان الحيوان في الواقع اما ان يكون كذلك أولا فإذا و جدلا يكون في بدو وجوده الا مع أحدهما و لا يكون من طواري الوجود مثل الشجاعة و السخاوة للإنسان فإذا كان كذلك فتصل النوبة إلى أصالة الحل في جميع الأشياء.

و لا يخفى ان هذه الصورة التي نشك في أصل قبولها التذكية و ان كان له فارق مع الصورة السابقة من هذه الجهة الا انه لا دخل لها بالنسبة إلى الحلية‌

60

و عدمها لأنها على فرض قبوله لها و وجود الحرمة العرضية بواسطة عدم التذكية فقد زالت بعد حصولها قطعا و الشك في وجود الحرمة الذاتية باق.

فتحصل انه إذا لم يكن لنا دليل اجتهادي على الحرمة و لم يثبت لنا دليل على الأصلين في الفقه فنرجع الى الأصل العملي الذي هو دليل فقاهتى و نحكم بالحلية هذا كله في الشبهة الحكمية بقسميها.

و اما الشبهة الموضوعية فأيضا لها قسمان: الأول ان يكون الشبهة من جهة قبوله التذكية المولد للحلية بعد قبوله ما توجب الطهارة مثل الشك في حيوان لا ندري أنه ثعلب أو شاة فمع الأول توجب تذكيتها الطهارة و على الثاني توجبها مع الحلية ففي هذه الصورة أيضا لما تكون الشبهة من الشبهة المصداقية للمخصص فلا يمكن التمسك بعموم ما دل على تذكية كل حيوان لو ثبت و استصحاب الحرمة غير جار لأن العرضية قد زالت بالتذكية و الذاتية مشكوكة من الأصل فيرجع الى أصالة الحل في كل شي‌ء.

و اما القسم الثاني من الشبهة الموضوعية و هو ان يكون الشك فيه من جهة قبوله التذكية الموجبة لها أولا مثل الشبهة في انه هل يكون شاة أو خنزيرا فهنا أيضا لا يمكن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فيجب الرجوع الى الأصل.

و من العجب ان بعض الاعلام قبل ما قالوه بجريان استصحاب الحرمة في المقام على نحو المسلمية و لم يقبله في الصورة السابقة.

فمن جميع ما ذكرناه ظهر انه لا وجه لكلام المصنف قده في الصور الأربعة نعم لنا صورة خامسة و هي الشك في وقوعها و عدمه مثل الشك في اللحم المطروح الذي لا نعلم انه وقع عليه التذكية الشرعية أم لا ففي هذه الصورة لا إشكال في استصحاب الحرمة للشك فيما يزيلها هذا من جهة الحرمة و اما حكم النجاسة في جميع الصور فيجي‌ء من قريب.

61

[مسألة 4- لا يحكم بنجاسة فضلة الحية]

مسألة 4- لا يحكم بنجاسة فضلة الحية لعدم العلم بان دمها سائل نعم حكى عن بعض السادة ان دمها سائل و يمكن اختلاف الحيات في ذلك و كذا لا يحكم بنجاسة فضلة التمساح للشك المذكور و ان حكى عن الشهيدان جميع الحيوانات البحرية ليس لها دم سائل إلا التمساح لكنه غير معلوم و الكلية المذكورة أيضا غير معلومة.

أقول هذه المسألة يعلم توضيح حكمها مما مر فلا نعيده.

[الثالث من النجاسات المنى]

في الثالث من النجاسات و هو المنى و في نجاسة المني من كل حيوان له دم سائل‌

الثالث من النجاسات المنى من كل حيوان له دم سائل حراما كان أو حلالا بريا أو بحريا و اما المذي و الوذي و الودي فطاهر من كل حيوان الا نجس العين و كذا رطوبات الفرج و الدبر ما عدا البول و الغائط:

اعلم انه قد ذكر في هذه المسألة مطالب أربعة بالنسبة إلى المنى و قد تعرض لها بعضهم كالعلامة الهمداني في بحث واحد و جعل البحث في الحدائق في كل على حدة و نحن أيضا نبحث في كل على حدة لمزيد فائدة و توضيح في المقام فنقول المطلب الأول في منى الآدمي من غير المأكول لحمه.

الثاني في منى غير المأكول غير الإنسان الثالث في منى المأكول مما له نفس سائل الرابع في منى ما لا نفس سائلة له.

فالبحث الأول في نجاسة مني الإنسان سواء كان رجلا أو مرأة بريا أو بحريا و الدليل عليها ضرورة الفقه أولا، و الإجماع ثانيا و الروايات ثالثا فمنها (في باب 16 من أبواب النجاسات ح 1) عن محمد بن مسلم عن أحدهما قال سئلته عن المذي يصيب الثوب قال ينضحه بالماء إنشاء و قال في المني يصيب الثوب قال ان عرفت مكانه فاغسله و ان خفي عليك فاغسله كله.

62

و الدلالة على المطلوب واضحة لأمره (ع) بالغسل و هو ظاهر في انه صار نجسا بالمني و احتمال كونه للتنظيف أو كون المنى مانعا عن الصلاة مثل عرق الجنب من الحرام و رطوبة الهر غير وجيه لعدم التفصيل بين الرطب و اليابس (1) فالظهور في ذلك مما لا ينكر.

و منها ما عن حريز (في باب 16 من أبواب النجاسات ح 2) عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال ذكر المنى و شدده و جعله أشد من البول ثم قال ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة و ان أنت نظرت في ثوبك و لم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك و كذلك البول.

و تقريب الاستدلال بقوله (ع) فعليك إعادة الصلاة و لا يخفى أن الدلالة في ذلك على النجاسة تكون بالملازمة لا كما كانت في الرواية السابقة لأنها تدل على إعادة الصلاة و منها يفهم النجاسة و يحتمل ان يكون لكونه مانعا عن الصلاة أمر بذلك و هذا له فرق مع ما دل على الغسل بقوله اغسله و غيره و ما فيها من ان المنى أشد، يمكن ان تكون الأشدية (2) بمعنى انه يكون أغلظ وجودا نعم يمكن الاستدلال بها بقرينة سائر الروايات.

و منها الحسنة أو الصحيحة (في باب 16 من النجاسات ح 4) عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه قال إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه منى فليغسل الذي أصابه فإن ظن أنه أصابه مني و لم يستيقن فلم ير مكانه فلينضحه بالماء الحديث.

____________

(1) أقول هذا على فرض ان لا يكون لهما بالجفاف عين و الظاهر بقاء العين بعد الجفاف أيضا فعدم التفصيل لا يصير دليلا على عدم المانعية فقط بل النجاسة و لكن الظهور في النجاسة مما لا ينكر.

(2) المراد بالأشدية يمكن ان يكون الأوسعية في الحكم فإن أبوال ما لا يؤكل لحمه طاهر و منيه نجس و الحمل على الاغلظية في الوجود لا يكون بيانه من شأن الشراعية كما عليه الأستاد مد ظله.

63

و منها عن ابن ابى يعفور (في باب 16 من النجاسات ح 6) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن المنى يصيب الثوب قال ان عرفت مكانه فاغسله و ان خفي عليك مكانه فاغسله كله.

و منها الروايات (في باب 46 من أبواب النجاسات) الدالة على وجوب الصلاة عريانا على فرض كون الثوب متلوثا بالمني و لا ثوب غيره فيصلي إيماء للركوع و السجود، و هي بضم ما دل على وجوب الصلاة مع الستر يفهم منها ان المانع هنا يكون النجاسة لا غير و الا فلا وجه لعدم جواز الصلاة فيها و لو كان من باب كونه مانعا فقط يكفى رفعه لا يحتاج الى الغسل فيظهر ان المانع هو النجاسة لا غير.

و منها الروايات (باب 45 من أبواب النجاسات) الدالة على جواز الصلاة في ثوب يكون متلوثا به عند الاضطرار فيفهم انه لا يجوز في الاختيار و لا يكون إلا للنجاسة.

فتحصل ان المنى نجس بما مر من الأدلة.

ثم ان المنكرين قد استدلوا بروايات معارضة لهذه الروايات (و لا يخفى ان الإجماع على النجاسة على التحقيق لا أساس له لاحتمال كونه سنديا) فلنا الروايات فلو استقر التعارض يشكل القول بالنجاسة.

فمنها ما عن زرارة (في باب 37 من أبواب النجاسات ح 7) قال سئلته عن الرجل يجنب في ثوبه أ يتجفف فيه من غسله قال نعم لا بأس به الا ان تكون النطفة فيه رطبة فإن كانت جافة فلا بأس.

و تقريب الاستدلال يكون محتاجا الى نقل مقدمة في المقام و يجب التوجه إليها في جميع ما سنذكره من الروايات و خصوص هذه الرواية و هي ان للعامة في المقام قولين: الأول هو القول بالطهارة مطلقا كما عن الشافعي و الحنبلي و الثاني انه نجس يطهر بالزوال كما عن الحنفي فإذا عرفت هذا فنقول محتملات هذه الرواية أربعة: الأول ان يكون المراد بها ان المنى طاهر مطلقا و التفصيل في‌

64

ذيلها يكون للإرشاد إلى كيفية النظافة فإن الرطب أصعب زوالا من اليابس.

الاحتمال الثاني ان يكون المراد نجاسة المنى و لكنه يطهر بالجفاف فهو نجس غير منجس الاحتمال الثالث ان يكون المراد نجاسة المني كما هو المركوز في ذهن السائل و التفصيل يكون للإرشاد بان الجاف لا يمس البدن و الرطب يمس معه فينجس.

و الاحتمال الرابع هو ان (1) يكون المراد نجاسة المنى و انه يطهر بالزوال بضميمة ما في رواية عن عائشة ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أزال المني بعد الجفاف بالدلك عن الثوب و صلى فيه ففي كتاب السنن (ج 2 ص 416) انها قالت كنت افرك المنى من ثوب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثم يذهب فيصلي فيه.

ثم إذا عرفت ذلك فنقول على بعض الاحتمالات تكون موافقة لمذهب الشافعي و الحنبلي و هو الطهارة مطلقا و على بعض آخر موافقة لمذهب الحنفي فعلى فرض فهم الطهارة مطلقا توافق الأولين و على فرض فهم النجاسة و انه يطهر بالجفاف أو بالزوال توافق الثاني و لا يخفى انه مع ذلك يجب الحمل على التقية فإن ما خالف العامة يجب أخذه و ما وافقهم يجب تركه عند المعارضة.

و منها رواية زيد الشحام و موثقة ابن بكير (باب 27 من النجاسات ح 3 و 6) (ففي ح 3) عن أبي أسامة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يصيبني السماء و علىّ ثوب فتبله و انا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المنى أ فأصلي فيه قال نعم.

تقريب الاستدلال واضح لقوله نعم بعد السؤال عن الصلاة في ثوب أصابه مني بعد فرض بطلان الصلاة في الثوب النجس فالملاقاة لا تكون منجسة.

(و في ح 6) عن ابن بكير عن أبي أسامة قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب‌

____________

(1) أقول هذا لا يكون من احتمالات هذه الرواية جدا بل يكون شيئا آخر و له دليل آخر لو ثبت و نحن لا نكون في مقام الجمع بين الروايات بل في مقام الاستدلال بكل واحد منها.

65

يكون فيه الجنابة فيصيبني السماء حتى يبتل علىّ قال لا بأس.

و تقريب الاستدلال بقوله لا بأس بعد السؤال عن ثوب مبتلّ ملاق مع المنى.

ثم ان هاتين الروايتين لا يمكن الاستدلال بهما لان فيهما إشكالات الأول (1) انه يمكن ان يكون عدم المنجسية من خصائص المنى الا ان يقال الغريزة تخالف هذا. الثاني يمكن ان يكون عدم الاشكال فيه لبيان موضوع من الموضوعات و هو ان الامام (عليه السلام) كأنه يقول مع الشك في الملاقاة لا يحكم على الثوب بالنجاسة و الثالث انه ما ثبت كونه مسريا.

و منها رواية على بن حمزة (في باب 27 من النجاسات ح 4) قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و انا حاضر عن رجل أجنب في ثوبه فيعرق فيه فقال ما ارى به بأسا فقال انه يعرق حتى لو شاء ان يعصر عصره قال فقطب أبو عبد اللّه (عليه السلام) في وجه الرجل فقال ان أبيتم فشي‌ء من الماء فانضحه.

و تقريب الاستدلال يكون واضحا بعد ما رأيناه في الرواية من السؤال و الجواب و ان العرق بحيث لو شاء ان يعصره عصره و فيه (2) ان المراد من الجواب‌

____________

(1) أقول انه لا تضر هذه الإشكالات بدلالة الرواية لأن الأول كما أشار إليه يكون خلاف الغريزة و الثاني يكون بعيدا بعد قوله مبتل علىّ الثوب خصوصا مع ضميمة الرواية الاتية عن على بن حمزة الدالة على انه لو شاء لعصره و يخرج منه الماء فان الظاهر من السؤال هو ان يكون سائلا عن حكمه بعد حصول الملاقاة و اما الإشكال الثالث بأنه ما ثبت كونه مسريا أيضا فهو خلاف الوجدان لأن المني ان كان رطبا يكون من الواضح سرايته و على فرض الجفاف أيضا بعد البلة يسرى فدلالة هاتين الروايتين على مطلوب الخصم واضحة الا ان يكون الخدشة فيهما من حيث كونهما موافقتين للعامة بحيث لو لم يكن كذلك يمكن الاستدلال و الاستظهار عنهما لطهارة المنى.

(2) أقول و الظاهر ان دلالة هذه الرواية أوضح من السابقتين و الحمل على*

66

ان السراية مشكوكة فمعنى ما رأى به بأسا أي لا يسري النجاسة حتى يكون فيه بأس ثم على فرض تمامية الدلالة فتتعارض مع ما دل على نجاسة المنى و الترجيح مع الدال على النجاسة لموافقة هذه مع العامة و تكون معرضة عنها عند الأصحاب و لا يخفى ان نجاسة من الإنسان يكون من ضروريات الفقه فان شك احد بعد ذلك فلا مناص الا بالرجوع إلى قاعدة الطهارة.

في نجاسة منى غير الإنسان البحث الثاني في نجاسة منى غير الإنسان من غير المأكول و الدليل عليه إطلاق الروايات التي مرت و منها صحيحة محمد بن مسلم و لو أشكل عليه بان في بعض اللغات ان المنى هو ماء الرجل أو المرأة و هو غير شامل لغير فيه انه في البعض الأخر هو ما يخرج بالدفق الذي يكون شموله لمني غير الإنسان واضح هذا مضافا بان اللغة لا اعتبار بها في بعض الموارد لأن اللغوي يبين موارد الاستعمالات و ما نجد من الاستعمال عرفا يكون المنى صادقا على الأعم من منيّ الإنسان و غيره عند إطلاقه و اما ادعاء انصرافه إلى منى الإنسان فقد أجيب عنه بأنه يكون من قلة الابتلاء بغيره فقد رأينا في طريق النجف الى كربلاء من كان مبتليا بفحل الضراب فإنه ان سئل عن الحكم لا يكون المنى عنده منصرفا عن غير الإنسان.

و اما الإجماع على النجاسة فلا وقع له لانه يمكن ان يكون سنده الروايات فمن قال بأن الإطلاق فيها منصرف فكذا يقول في الإجماع ان إطلاق المعقد منصرف، و احتمال كون سنده غيرها ممنوع و اما ما دل على ان المنى أشد من البول فإنه يستفاد منه على ما قيل ان بول غير المأكول لما كان نجسا فمنيه نجس بالأولوية.

67

و فيه ان الأشدية تكون بمعنى الاغلظية في الوجود و الرواية واردة في بول الإنسان و تنصرف اليه و لا تشمل منى غيره.

في منى مأكول اللحم البحث الثالث في منى الحيوان المأكول لحمه و المشهور نجاسته و الدليل عليه الروايات الماضية و إطلاق لفظ المنى مع إلقاء خصوصية الإنسان و فيه انها لو كانت مطلقة بالنسبة الى غير المأكول لا تكون كذلك بالنسبة إلى المأكول لأن بوله طاهر سيما على فرض الاستدلال بالأشدية فإن ما لا يكون بوله نجسا لا يكون منيّه أيضا كذلك و لا يمكن التمسك بالأولوية على ان في هذا الفرع لنا روايتان أخريان تكونان معارضتين مع الإطلاق:

الاولى موثقة عمار (في باب 9 من أبواب النجاسات ح 12) كل ما أكل لحمه لا بأس، بما يخرج منه.

و المراد بما يخرج هو ما يكون خروجه عاديا و المنى يكون منه و قوله (عليه السلام) و لا بأس، نص في الجواز فلا وجه للإشكال بأن الدم أيضا يكون مما يخرج.

و الثانية رواية (باب 9 من أبواب النجاسات ح 6) عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) قال: ان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي.

و تقريب الاستدلال يكون بما يستفاد منها من ان الصلاة في كل شي‌ء منه جائز فان الشي‌ء يشمل المنى أيضا.

و أشكل عليها بأن الرواية لا تكون في مقام بيان الطهارة و النجاسة بل في مقام بان ما هو المذكى و غيره و أجيب بأنه يكون في مقام بيان ما يصح الصلاة فيه و منه البول و الغائط و المنى.

فتحصل انه لو لم يكن الاستدلال بهذه تاما فالإجماع أيضا لا وقع له فتصل‌

68

النوبة إلى قاعدة الطهارة أو التمسك بأنه يكون من القذارات العرفية فيكون موضوعا للحكم الشرعي على فرض ان يكون المناط في ذلك العرف فيما لم يرد فيه نص خاص.

البحث الرابع في منى ما لا نفس له سائلة و المشهور أيضا نجاسته و الدليل عليه رواية محمد بن مسلم و غيرها مما ذكر و الإجماع و هي منصرفة و هو سندي كما تقدم و الاستدلال بالأشدية أيضا غير وجيه لعدم نجاسة البول و الروث فيه فلا يقاس بما يكون بوله و روثه نجسا.

في طهارة الوذي و المذي و الودي أما الوذي و المذي و الودي فطاهر من كل حيوان الا نجس العين خلافا للعامة و الدليل عليه أولا الإجماع القطعي الا ان يخدش فيه بأنه سندي فلو لا هذه الجهة يكون لنا ما هو فوق الإجماع من التعبير بأنه لا خلاف فيه.

و ثانيا الروايات (في باب 12 من أبواب نواقض الوضوء فمنها ح 1) عن بريد بن معاوية قال سألت أحدهما (عليه السلام) عن المذي قال لا ينقص الوضوء و لا يغسل منه ثوب و لا جسد انما هو بمنزلة المخاط و البصاق.

و منها عن حريز (ح 2) عن زرارة عن أبي عبد اللّه (ع) قال ان سال من ذكرك شي‌ء من مذي أو ودى و أنت في الصلاة فلا تغسله و لا تقطع له الصلاة و لا تنقض له الوضوء و ان بلغ عقبيك.

و منها (ح 3) عن حريز و محمد بن مسلم قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن المذي يسيل حتى يصيب الفخذ قال لا يقطع صلاته و لا يغسله من فخذه انه لم يخرج من مخرج المني انما هو بمنزلة النخامة.

و هذه الروايات في غاية الظهور للدلالة على المطلوب.

و يمكن ان يستفاد من الروايات الدالة على ان المذي و الودي بعد الاستبراء‌

69

عن البول و المنى طاهر و قبله نجس فيفهم عدم نجاسته ذاتا و انما يكون من قبل العارض و هو بقاء البول في المجرى أو المنى و لا يكون المستفاد منها ان المذي طاهر و لو مع ضميمة البول و المنى (و هي في باب 13 من نواقض الوضوء) هذه ما تدل على الطهارة.

و لكن يعارضها روايات صحاح آخر منها ما (في باب 17 من أبواب النجاسات ح 1) عن العلاء عن محمد بن مسلم قال: سئلته عن المذي يصيب الثوب قال ينضحه بالماء ان شاء.

و تقريب الاستدلال يكون بواسطة الأمر بالنضح.

و منها عن الحسين بن ابى العلاء و فيها قال (عليه السلام) يغسله و لا ينقض الوضوء به، و في آخر ان عرفت مكانه فاغسله و ان خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله:

أقول من الجمع بين الطائفتين نفهم ان فيه وجه حزازة يستحب غسله، على ان في الأولى لفظة ان شاء فعلق بالمشية فلو كان نجسا واقعا ما كان وجه لذلك و كذا تكون مما اعرض عنها الأصحاب لو أخذنا بظاهرها و هو النجاسة. و تكون موافقة للعامة أيضا و موافقتهم موجبة لسقوطها عند المعارضة.

و اما نجس العين فجميع رطوباته و منها الثلاثة نجس بلا كلام.

[الرابع] في نجاسة الميتة

قوله الرابع الميتة من كل ماله دم سائل حلالا كان أو حراما

البحث عن ميتة غير الآدمي

أقول و تنقيح البحث في ذلك في ضمن أمور ثلاثة: الأول البحث عن ميتة غير الآدمي و الثاني عن ميتة الآدمي و الثالث عن ميتة ما لا نفس له من غير الآدمي.

اما الأول و هو الميتة من غير الآدمي فقد تردد صاحب المدارك و المعالم فيه و قال لا دليل لنا على النجاسة إلا الإجماع و كذا ينسب المخالفة الى الصدوق و سيأتي شرح الحال فانتظره‌

70

فنقول الأدلة الدالة على نجاستها على أقسام ثمانية.

الأول السيرة العملية فإن العقلاء و منهم المتشرعة يتنفرون عن الميتة و نستكشف اتصالها الى زمان المعصوم (عليه السلام) و لم يردع عنها.

الثاني السيرة الارتكازية عن المتشرعة فإنه يظهر من سؤالاتهم عن الجيف ان السؤال كان عن النجاسة الا ان يقال ان الاولى عقلائية فلعلهم من جهة كونهم عقلاء يتنفرون عنها و ان الثانية مهملة لا تشمل جميع الأقسام لأن السؤال يكون عن موارد خاصة.

الثالث الروايات الدالة على ان الميتة إذا غيّر الماء لا يمكن الوضوء به و لا شربه فيعلم من عدم جواز شربه و الوضوء به بواسطة تغيير النجاسة و الشاهد عليه جواز الشرب لو لم يغيره و هي على قسمين: قسم منها ما تكون ناطقة بالنجاسة في صورة التغيير بالميتة و قسم آخر ما دل على النجاسة في صورة التفسخ دون غيرها.

فمنها (في باب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1) عن حريز بن عبد اللّه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب فإذا تغير الماء و تغير الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب.

و منها (ح 4 في الباب المتقدم) عن ابى خالد القماط انه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في الماء يمر به الرجل و هو نقيع فيه الميتة و الجيفة فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ان كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضأ منه و ان لم يتغير ريحه و طعمه فاشرب و توضأ.

و منها (في الباب المتقدم ح 8) عن زرارة عن ابى جعفر قال قلت له راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرد أو صعوة قال إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها و لا تتوضأ و إذا كان غير متفسخ فاشرب منه و توضأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها طرية و كذلك الجرة و حب الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء و قال أبو جعفر إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجسه شي‌ء تفسخ فيه أو لم يتفسخ فيه الا ان يجي‌ء ريح فغلب ريح الماء.

71

و الجواب عنها ان هذه لا تدل على النجاسة لأن الأمر بالاجتناب يكون من بيان الآداب و الشاهد عليه انه لو لم يغير الماء يجوز الشرب و الوضوء فلو كانت نجسة لا وجه للتفصيل بين المغير و غيره.

فان قلت التفصيل يكون من جهة عاصمية الماء فنقول (1) الرواية تكون مطلقة من هذه الجهة و كذا التفصيل بين المتفسخ و غيره يكون لجهة اخلاقية لا النجاسة.

و الرابع روايات وردت في البئر مثل صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (في باب 22 من أبواب الماء المطلق ح 1) سئل محمد بن مسلم أبا جعفر (عليه السلام) عن البئر يقع فيها الميتة فقال ان كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا.

و تقريب الاستدلال هو ان هذه الرواية و أمثالها دلت بالمطابقة على ان النزح يكون للتطهير و لازمه النجاسة فبالدلالة الالتزامية نفهم أن البئر تصير نجسة و لا وجه لنجاستها الا وقوع الميتة فيها و نجاستها فهي نجسة منجسة.

فإن قلت ان البئر عاصمة و لا تنجس قلت لا ملازمة بين الدلالة الالتزامية و المطابقية في الحجية و ان كانت الدلالة الالتزامية تابعة لها في الوجود.

و فيه أولا ان الأمر بالنزح فيها لا تدل على النجاسة بوجه أصلا بل النكتة فيه التعبد فقط و الشاهد عليه ما ورد في بعضها من وجوب النزح لموت ما لا نفس له مثل الجراد و العقرب الذي لا يكون نجسا.

لا يقال ان الأمر بالنزح و لو لم يكن للتطهير الا ان الظاهر منه ان النزح يكون لأثر الميتة فحيث يكون وقوعها فيه موجد موضوع لحكم تعبدي فكأنه‌

____________

(1) و أضف إليه انه يمكن ان يقال ان التفصيل يكون في مورد القليل في الرواية الأخيرة بالنسبة إلى المتفسخ و غيره كما تراه في ذكر الحب و الجرة و أمثال ذلك و لا يكون التفصيل في الكثير و هذا صريح الرواية كما تراه فلا وجه لهذا الإشكال.

72

يستأنس منه النجاسة و الشاهد عليه ما ورد (في باب 15 من أبواب النزح، ح 2) عن حريز عن زرارة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) بئر قطرت فيه قطرة دم أو خمر قال الدم و الخمر و الميت و لحم الخنزير في ذلك كله واحد فينزح منه عشرون دلوا فان غلب الريح نزحت حتى تطيب.

و تقريب الاستدلال باردافه (عليه السلام) الميت مع الدم و ما ذكر من النجاسات في وجوب النزح فيكشف منه نجاسة الميت.

و فيه ان الارداف (1) لا يمكن ان يصير دليلا على ذلك لان الأمر بالنزح لا يكون للنجاسة بل لنوع تعبد و هو لا ينافي عدم نجاسة الميت.

الخامسة: الروايات الدالة على ان ما وقع في المائعات من الميتة يصير سببا لنجاستها.

فمنها ما (في الوسائل باب 5 من أبواب نجاسة المضاف ح 1) عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال إذا وقعت فأرة في السمن فماتت فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك ثم دلالتها على المطلوب واضحة من قوله (عليه السلام) فألقها و ما يليها في صورة الانجماد و الاستصباح به في صورة الذوبان و لا اشكال فيها الأمن (2) جهة أنها وردت في خصوص الفار فلا تثبت العموم بها في جميعها و من جهة انها تثبت منجسية الميتة بالنسبة الى‌

____________

(1) أقول ان الظاهر من الرواية بذكر الميت فيها في عداد النجاسات هو ان يكون الميت مثل الدم و الخنزير و ان لم يكن وجوب النزح للنجاسة سيما بملاحظة ذيل الرواية بقوله (عليه السلام) فان غلب الريح نزحت حتى تطيب فإنه لعصمته لا ينجس و لكن في صورة تغيير الريح يكون الميت أيضا منجسا فدلالة الرواية تامة لا خدشة فيها.

(2) أقول انه لا يكون المورد مخصصا فبضميمة عدم القول بالفصل و عدم خصوصية المورد لا يبقى مجال للاشكالين كما سيأتي منه مد ظله الإشارة إليه.

73

المضاف لا جميع المائعات حتى الماء و سائر الأشياء من غير المائع و لكن احتمال وجوب الاجتناب لكونه ميتة لا للنجاسة ممنوع لان الظاهر من الرواية هو بيان النجاسة و ما مر من الاشكال يكون في مقامه.

و منها ما عن جابر (في باب 5 من نجاسة المضاف ح 2) عن ابى جعفر (عليه السلام) أتاه رجل فقال وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله قال فقال أبو جعفر لا تأكله فقال الفأرة أهون الىّ من ان اترك طعامي من أجلها قال فقال أبو جعفر انك لم تستخف بالفأرة بل استخففت بدينك ان اللّه حرم الميتة من كل شي‌ء.

و تقريب الاستدلال واضح و الاشكال فيها يكون من جهة خصوصية المورد و هي الحكم بالنسبة إلى الفار و من جهة التعليل في الذيل بقوله (ع) ان اللّه حرم الميتة من كل شي‌ء فإن الحرمة لا تلازم النجاسة لاحتمال كونها من جهة ما يحصل (1) فيه اى في الطعام من اجزاء الميتة فيمكن ان يكون المنع للنجاسة أو لحرمة أجزاء الميتة.

نعم يستعمل في بعض الموارد لفظ الحرمة في النجاسة كما في رواية عن على (عليه السلام) (في باب 44 من أبواب الأطعمة ح 1) عن السكوني عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) ان أمير المؤمنين سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فارة فقال يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل.

و تقريب الاستدلال بقوله يهراق فإنه لا وجه له الا النجاسة (2) و فيها‌

____________

(1) ما ذكر بعيد عن سياق الرواية فإن الفار بمجرد الوقوع في السمن و الزيت لا يتلاشى فورا بل بقائه على حاله فيها أطول من غيره من المائعات مثل الماء و على فرض التفسخ أيضا تكون الرواية مطلقة فإنه يجب الاجتناب اما لكونه نجسا أو ميتة أو لكليهما فدلالتها على المطلوب تامة.

(2) و أضف اليه قوله (عليه السلام) يغسل اللحم و يؤكل فان الغسل لا يكون إلا للنجاسة فان المرق لا يمكن غسله بالماء دون اللحم فلذا أمر بالغسل فيه دونه.

74

أولا انها ضعيفة سندا بالسكوني و ثانيا ان الطبخ يلازم انتشار بعض الاجزاء من الميتة على ان المورد خاص بالفارة.

و كما في رواية معلى بن خنيس (في باب 31 من أبواب الأطعمة ح 1) عن الحسن بن على (عليه السلام) قال سئلت أبا الحسن (ع) فقلت ان أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها قال هي حرام قلت فيستصبح بها فقال اما تعلم انه يصيب اليد و الثوب و هو حرام.

السادسة ما دلت على وجوب اعادة الوضوء إذا كان بماء يكون فيه الميتة و ليس هذا الا لنجاسة الماء كما (في باب 4 من أبواب الماء المطلق) عن عمار بن موسى الساباطي انه سئل أبا عبد اللّه عن رجل يجد في إنائه فارة و قد توضأ من ذلك الإناء مرارا أو اغتسل منه و غسل ثيابه و قد كانت الفأرة متسلخة فقال ان كان رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمس من الماء شيئا ليس عليه شي‌ء لانه لا يعلم متى سقطت فيه ثم قال لعله انما وقعت فيه تلك الساعة التي رآها.

و تقريب الاستدلال واضح بقوله لانه لا يعلم متى سقطت فيه فإنه مشعر بأنه يكون نجسا بواسطة الميتة و صحة الصلاة تكون لقاعدة الفراغ و احتمال ان يكون السقوط بعد الوضوء بحيث لو لم يكن كذلك بان يعلم السقوط قبل الصلاة لا تصح و الظاهر تمامية الدلالة فيها و انما الإشكال من خصوصية المورد و هو الفارة فقط و لكن يمكن رفع المحذور بعدم القول بالفصل.

السابعة روايات دلت على وجوب الاجتناب عن ان مآكل أهل الكتاب لأنهم لا يتحرزون عن الميتة و ليس الا لنجاستها فمنها ما (في باب 24 من أبواب الأطعمة باب تحريم الأكل في أواني الكفار ح 6) عن محمد بن مسلم عن أحدهما قال سئلته عن آنية أهل الكتاب، فقال لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير.

و تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) لا تأكل في آنيتهم لأنهم يأكلون فيه الميتة‌

75

و لا يكون الأشكال فيه من جهة الخصوصية بل لفظ الميتة مطلق يشمل جميع أفرادها الثامنة ما وردت (في باب 2 من لباس المصلى ح 1) عن ابن بكير.

و الاستدلال بقوله (عليه السلام) إذا علمت أنه ذكي و قد ذكاه الذبح إلخ فيكون جواز الصلاة فيه من جهة تذكيته اى تطهيره بالذبح بحيث لو لم يذك يكون من الميتة و لا يجوز الصلاة فيه لنجاسته و فيه ان الذكي (1) في اللغة ما عنى بالطهارة على انها تكون في مقام بيان جواز الصلاة و عدمه لأنه ميتة لا من جهة النجاسة.

التاسعة ما ورد من قوله تعالى (في سورة الأنعام الآية 145) قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

و الضمير في كلمة فإنه يرجع (2) الى الميتة لا إلى الأخير فقط كما توهم و لكن الاشكال فيها هو ان الرجس أعم من النجاسة.

فتحصل (3) من جميع ما ذكر ان الأدلة من الروايات و الايات لا تتم على‌

____________

(1) أقول ان الذكي في لسان الشرع في باب اللحوم يفر بما هو في مقابل الميتة و يستفاد من بعض الروايات إطلاق الميتة على غير الذكي و حررناه في مباحث الأصول في البحث عن أصالة عدم التذكية لكن النجاسة و الطهارة أمر آخر و احتمال عدم جواز الصلاة لكونه مما لا يؤكل بعيد و الذي يسهل الخطب كفاية سائر الأدلة مع هذه الرواية تأييدا له.

(2) بل يرجع الى كلمة ما، الموصولة الشاملة للجميع.

(3) أقول ان بعض الروايات مثل رواية الأكل عن أواني أهل الكتاب تام الدلالة على المطلوب كما اعترف به و بعض ما لم يعترف مد ظله أيضا به يدل على المطلوب و هو رواية جابر باب 5 من أبواب نجاسة المضاف و بعض آخر يستشم منه هذا المعنى و البقية تكون مؤيدة له انصافا فلو لم تكن لنا ضرورة أيضا يكفينا ما ذكر من الأدلة.

76

المطلوب و لكن ضرورة الفقه هي النجاسة فلا يمكن مخالفة القائلين بالنجاسة.

في نجاسة ميتة الآدمي

إما ميتة الآدمي فالأقوال فيها مختلفة و كذا في انها من أية قسم من النجاسات فان الفيض الكاشاني (قده) ذهب الى انها تكون نجاسة واقعية نفسانية تذهب بالغسل و اما غيره فذهب إلى أنها نجاسة مثل سائر النجاسات و فرقوا في حكمها من جهة كونها نجسة غير منجسة أو انها تكون في صورة الرطوبة نجسة دون غيرها و الدليل عليها صحيحة الحلبي (في باب 34 من أبواب النجاسات في حديث قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصيب ثوبه على جسد الميت قال يغسل ما أصاب الثوب و صحيحة إبراهيم بن ميمون قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يقع ثوبه على جسد الميت قال ان كان غسل الميت فلا تغسل ما أصابك منه و ان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه يعني إذا برد الميت.

و تقريب الاستدلال ان غسل الثوب لا يكون إلا لنجاسة الميتة قال المحقق الخراساني في شرح التبصرة و العلامة الهمداني (1) ان الغسل يكون للرطوبات المخرجة عن الميت و لا يكون هذا المقال صحيحا لأن الرواية مطلقة من جهة كون الغسل واجبا للرطوبات أو لبدن الميت.

____________

(1) أقوى ما يكون تقريبا للاستدلال وردا للمحققين المذكورين (قدس سرهم)ا) هو ان في رواية إبراهيم بن ميمون فرق بين كون الإصابة قبل الغسل فيجب الغسل لا بعده فلا يجب و هذا يشعر و يؤذن بأنه لما يصير بعد الموت طاهرا بالغسل لا يكون نجسا فلا يجب الغسل فلو كان الاجتناب من جهة الرطوبات مثل البول و الغائط لا يكون له فرق، قبله كان أو بعده، على انه لو كان المراد مطلق الرطوبات ففيه اشكال من جهة ان رطوبة الفم لما ذا يصير نجسا و كذا الأنف فرواية إبراهيم تكون أقول و أصرح دليل للنجاسة فتأمل.

77

و قد أشكل على الإطلاق بأنه لو سلم يلزم منه ان نقول بإطلاقه من جهة كونه رطبا أو يابسا و هو كما ترى.

و فيه انه و ان كان للرواية هذا الإطلاق أيضا و لكن لما يكون المناط في باب الطهارات و النجاسات العرف فلما لا يرى الرطوبة لا يرى السراية فصورة كونه يابسا خرج عن الإطلاق بواسطة فهم العرف.

و من الروايات الدالة على النجاسة التوقيع المبارك (في باب 3 من أبواب مس الميت ح 4) في الاحتجاج قال مما خرج عن صاحب الزمان (عليه السلام) الى محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري حيث كتب اليه روى لنا عن العالم (موسى بن جعفر (عليه السلام) انه سئل عن امام قوم يصلى بهم بعض صلوتهم و حدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه فقال يؤخر و يتقدم بعضهم و يتم صلوتهم و يغتسل من مسه، التوقيع: ليس على مسه إلا غسل اليد و إذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تم صلوته عن القوم.

و تقريب الدلالة بقوله (عليه السلام) ليس على من مسّه إلا غسل اليد و لم يحكم بوجوب الغسل فيجب حمل الرواية على صورة حرارة البدن و اما إطلاقها من جهة الجفاف و عدمه فسيجي‌ء.

و منها توقيع آخر عنه (عليه السلام) كتبت اليه روى عن العالم ان من مس ميتا بحرارته غسل يده و من مسه و قد برد فعليه الغسل و هذا الميت في هذا الحال لا يكون الا بحرارته فالعمل بذلك على ما هو عليه و لعله ينحيه بثيابه و لا يمسه فكيف يجب عليه الغسل، التوقيع، إذا مسه على هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده. و قد أشكل على الروايتين و ما سبقها بأنها مطلقة من جهة الجفاف و عدمه فيلزم الغسل حتى في صورة الجفاف. و فيه ان هذا (1) لا وجه له لوجوب حملها على ما هو‌

____________

(1) المناط في باب الطهارة و النجاسة و ان كان العرف و لكن في صورة عدم احتمال ما يكون خلافه فان العرف أيضا يجتنبون عن الميت و يتقذرون حتى عن جافة و الشرع حكم على طبقه و المؤيد لذلك ما ورد من القول بان غير الإنسان من الحيوانات لا يجب على من مسه الغسل بل يستحب غسل اليد فإنه يعطى الظهور بان استحباب غسل اليد لا يكون للنجاسة المسرية حتى ينصرف عن مورد كونه جافا و أظن ان المستند لذلك الروايات، و لكن لم يسعني الوقت حتى أبينها و كيفما كان استحباب غسل اليد في سائر الحيوانات يكون هو المشهور فيؤيّد بهذا على المطلوب سيّما على ما نقل بأن الأطباء يحكمون بان جميع الميكربات من الميت بعد الموت يقوى و يظهر على الجلد و اللّه العالم.

78

متفاهم العرف من ان الرطوبة شرط السراية فإذا كان جافا لا يكون له السريان فلا يجب الغسل.

و في الفقه الرضوي فإن أصاب ثوبك ميت فاغسل ما أصاب. و هذه مطلقة من جهة ملاقاة الثوب مع الميت أو الميت مع الثوب فلا يجي‌ء فيه احتمال كون (1) الإصابة من جهة ما خرج عن الميت من الرطوبات.

و منها موثقة عمار الساباطي (في باب 21 من نزح البئر ح 2) سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ذبح طيرا فوقع في البر فقال نزح منها دلاء هذا إذا كان ذكيا فهو هكذا و ما سوى ذلك مما يقع في بئر الماء فيموت فيه فأكبره الإنسان ينزح منها سبعون دلاء (الى ان قال) الدم و الخمر و لحم الخنزير في ذلك كله واحد ينزح منها عشرون دلوا.

و تقريب الاستدلال بها مثل ما وردت في روايات باب النزح بالدلالة الالتزامية على النجاسة و الكلام فيه الكلام فإن الأمر بالنزح تعبد و ان الغريزة أيضا لا تساعد على هذا لان تنقيص (2) الماء لا يوجب طهارته.

____________

(1) إطلاقها لا يرفع الاحتمال بل ما يرفعه هو ما ذكر من ان لازمه نجاسة رطوبات الفم أيضا و عدم الفرق بين قبل الغسل و بعده كما مر فإطلاقها مثل سائر الروايات.

(2) هذا يكون في غير محله لان تنقيص الماء من مثل الحياض و الأواني يبعد أن يكون مطهرا للماء و لكن في مثل البئر مع انه لا يبعد يساعد عليه العرف لأن البئر لما يكون له المادة بإخراج الماء عنه يخرج عن المادة ما يمتزج مع الباقي فيصير سببا لطيبة.

79

و اما مستند القول بطهارة ميت الإنسان فمنه ما عن الفيض الكاشاني (قده) فإنه قد استدل بروايات في الوافي على ان الغسل يكون لزوال قذارات على بدن الميت عرضا لا ذاتا فإنه لو كان نجسا ذاتا فلا وجه لطهارته بعد الغسل فان ذلك لا يوجب رفع النجاسة.

و لا يخفى ما فيه من الضعف لضعف السند على ان العلة لذلك لا تكون منحصرة و لا تكون الرواية في مقام بيانها أيضا بل الغسل يكون لرفع القذارات عرفا.

و منها ما دل على ان غسل الميت يكون لجنابته حال الموت. و فيه انّا لا نعلم ذلك على انه لو كان كذلك لا تكون العلة منحصرة و الا لما احتاج الى ثلاثة أغسال.

و منها استبعاد ان يصير طاهرا بالغسل. و فيه ان الاستبعاد لا يصير دليلا لرفع اليد عن أحكام الشرع على انه نوقض بان الكافر كيف يصير بالإسلام طاهرا و كذلك العصير العنبي بالتثليث.

و من المسالك مسلك الحلبي في ميت الإنسان فإنه يقول بدن الإنسان نجس غير منجس و استدل عليه بعدم الدليل على نجاسة ملاقية و غسله يكون للتعبد لا لرفع النجاسة. و فيه انه ساقط الذات مع ما ذكر من الأدلة على نجاسة ملاقية.

ثم ان المصنف حكم بان المس بالجفاف أيضا يوجب الغسل (بفتح الغين) و دليله إطلاق الروايات (1).

و فيه ان الغريزة و الانصراف تكون في صورة الملاقاة حالكونه رطبا‌

____________

(1) و هو صحيح كما مر آنفا

80

فوزانها و زان سائر الروايات.

و على فرض الإطلاق تعارض عموم (1) الموثقة أو الصحيحة (في باب 31 من أبواب أحكام الخلوة) بأن كل يابس ذكي بأن يكون له طهارة ذاتية أو تنزيلية و هو عام يقدم على الإطلاق فلو وصلت النوبة إلى التعارض لدعوى اقوائية الإطلاق فيكون الغسل للتعبد و لكن التحقيق تقدم العام.

قوله: و كذا اجزائها المبانة منها و ان كانت صغارا.

أقول و المخالف في ذلك صاحب المدارك قده فإنه قد أشكل عليه فقاهة و اجتهادا لان الروايات الدالة على نجاسة الميتة لا يشمل المقام لان الجزء لا يقال عليه انه ميت فعند عدم صدق العنوان لا حكم له لانه يدور مداره و الاستصحاب أيضا لا وجه له لأنه في فرض تنصيف الحيوان بنصفين بضربة واحدة لا تكون له حالة سابقه ميتية فان حاله السابق الحيوة و اما إذا كان له حالة سابقه بان يقطع عن الميتة فلا يجرى لتغير الموضوع لان الموضوع للنجاسة كان الميت و هذا لم يصدق عليه ذلك.

و فيه ان كلا الدليلين لا يكون في محلهما و لا وجه له فان الدليل الاجتهادي يشمل أجزاء الميتة سواء كان العنوان تقييديا أو تعليليا فان العرف لا يرى الاتصال مؤثرا في وجود الحكم و عدمه في عدمه فان قيل الكلب نجس لا يرى اتصال اجزائه مؤثرا في الحكم و عدمه في عدمه فان قيل الكلب نجس لا يرى اتصال اجزائه مؤثرا في الحكم و هو المعول في فهم الخطابات. و اما الدليل الفقاهتى أيضا فلا اشكال فيه لان العرف يتصرف في موضوع الدليل ففي المقام يرى الموضوع للحرمة الميتة و هي جهة تعليلية و الجرم يكون حراما و نجسا و هو باق بعد الإبانة أيضا.

____________

(1) هذه الرواية مجملة لان الذكي بمعنى الطاهر في مقابل النجس فيه إجمال، سلمنا و لكن في المورد يكون الإطلاق مقدما فيخصص العام به لما ذكرنا من المؤيدات و لكن حيث لا نقول بوجوب الغسل بل استحبابه كما في مسألة 10 و سيجي‌ء فيكون هذا مقتضى الجمع بين العموم و الارتكاز و الروايات.

81

و أيضا يمكن الاستيناس لذلك بروايات سيجي‌ء في ما لا تحله الحيوة فإن ما لا تحله الحيوة يكون من اجزاء الميتة و لكنه طاهر لما في الرواية من التعليل بأنه ليس فيه روح و مفهومه انه إذا كان مما فيه روح فهو غير طاهر.

قوله: عدا ما لا تحله الحيوة منها كالصوف و الشعر و الوبر و العظم و القرن و المنقار و الظفر و المخلب و الريش و الظلف و السن و البيضة إذا اكتست القشر الأعلى.

أقول لا خلاف في طهارة ما لا تحله الحيوة و بعض ما تحلها مثل إلا نفحة إما للإجماع أو لقصور الأدلة في نجاسة الميتة فالمرجع قاعدة الطهارة أو لروايات خاصة في المقام.

فمنها (ما وردت في باب 68 ح 1- من أبواب النجاسات) عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة ان الصوف ليس فيه روح.

تقريب الدلالة بهذه واضحة بقوله (عليه السلام) ان الصوف ليس فيه روح فهي في غاية المتانة على المطلوب.

و ما توهم (1) من ان عدم المنع يكون من جهة الميتية لا النجاسة ففيه بعد،

____________

(1) ما ذكر من التوهم لا وجه له الا على القول بأن أجزاء الميتة و لو كان نجسا يمكن استصحابها في الصلاة و لا اشكال فيه فكأنه يكون السؤال عن ان المحمول من الميتة هل يكون فيه إشكال أم لا فيقول (عليه السلام) لا اشكال فيه.

و لا يخفى انه لو كان السؤال عن هذا أيضا لا يكون له وجه الا ما كان في ذهن السائل من نجاسته الا ان يقال كان السؤال عن اجزاء غير مأكول اللحم فسئل عن حكمه في الميتة و كيفما كان لا وجه لذلك و لا يكون للرواية ظهور فيه بل ما هو الظاهر من قوله (عليه السلام) لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة هو ان يكون الصوف لباسا له بحيث يصلّى فيه و يصدق عليه ان الصلاة تكون فيه بنحو الظرفية كما أشار إليه الأستاذ مد ظله و ان لم يشرح لنا هذا المطلب حتى عند المراجعة إليه لنصير قانعا و لكن ما هو أظنّه من كلامه هو ان يكون مراده من إيراد التوهم و دفعه ما ذكرناه و اللّه العالم.

82

لأن السؤال يكون من ثوب يكون منسوجا من الصوف و لا يكون جزء من اللباس كذلك حتى يقال انه مانع للصلاة أو ليس بمانع، و الحاصل لا يكون السؤال عن أجزاء الميتة في اللباس بل هو اللباس و يسئل عن حكمه ثم ان قوله (عليه السلام) ليس فيه روح اما ان يكون المراد منه انه ليس (1) ميتة أو على فرض كونه ميتة ينزل على كونه غير ميتة في الاحكام.

و منها ما عن زرارة قال سئلته عن الأنفحة تخرج من الجدي الميت قال لا بأس به قلت اللبن يكون في ضرع الشاة و قد ماتت قال لا بأس به قلت الصوف و الشعر و عظام الفيل و الجلد و البيض يخرج من الدجاجة قال كل هذا لا بأس به.

(في باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 9).

و منها عن حريز قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لزرارة و محمد بن مسلم اللبن و اللبأ و البيضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و كل شي‌ء يفصل من الشاة و الدابة فهو ذكى و ان أخذته بعد ان يموت فاغسله وصل فيه (في باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 3).

و منها عن إسماعيل بن مرار عن يونس عنهم (عليهم السلام) قال خمسة أشياء ذكية مما فيها منافع الخلق الأنفحة و البيض و الصوف و الشعر و الوبر و لا بأس بأكل الجبن كله ما عمله مسلم أو غيره و انما يكره ان يؤكل سوى الإنفحة في آنية المجوس و أهل الكتاب لأنهم لا يتوقون الميتة و الخمر (في الباب المتقدم ح 2).

و منها عن الحسين بن زرارة (في باب 33 من أبواب الأطعمة ح 4) قال كنت عند ابى عبد اللّه (عليه السلام) و ابى يسأله عن السن و من الميتة و البيضة من الميتة و إنفحة‌

____________

(1) لا ترديد في انه كان لعدم الميتية لأن الشعر مثلا لا يكون فيه روح حتى يقال انه مات لا التنزيل في الحكم فقط.

83

الميتة قال كل هذا ذكى، و زاد فيه على بن عقبة و على بن الحسن بن رباط قال و الشعر و الصوف كله ذكى.

و كيفما كان فلا إشكال في دلالتها على الطهارة سواء كان المراد بالذكي الطهارة أو انه ليس بميتة لأنه على الثاني أيضا يكون أظهر خواص عدم الميتة الطهارة و حلية الأكل فيما يؤكل و دعوى الاختصاص بالأكل فقط ممنوع لأن النجاسة أيضا من أظهر الخواص على ان بعض ما ذكر لا يكون من المأكول مثل الصوف و الشعر.

تنبيه: في الأصل عند الشك في الطهارة و النجاسة فيما ذكر و المرجع فيه قاعدة الطهارة لأن أدلة نجاسة الميتة لا يشمله و يكون خارجا من باب التخصص فلا تصل النوبة إلى الشك و على فرض الشك في انه يكون مما تحله الحيوة أم لا فيرجع الى قاعدة الطهارة أيضا لعدم عام في المقام يرجع اليه و ما يرى في بعض الروايات من استثنائه عن الميتة يكون لدفع توهم الشمول و لا يشعر بأنه داخل في العنوان ضرورة انه لا روح للشعر حتى يصدق عليه الموت و على فرض شموله و خروجه بالتخصيص فالمرجع عند الشك هو العام.

في عدم الفرق في كون الصوف و ما ذكر من الميت مأخوذا بالجز أو النتف ثم ان المشهور عدم الفرق بين الانفصال بالجز و النتف و القلع، و المخالف الشيخ الطوسي (قدس سره) فإنه فصّل بين صورة الجز فقال بالطهارة و صورة النتف فحكم بالنجاسة و الدليل للمشهور أولا عدم شمول أدلة نجاسة الميتة مثل ما ذكر حتى يستفاد الإطلاق كما علمت فإنه خارج بالتخصص لا بالتخصيص و ثانيا عموم التنزيل في ما ليس فيه روح و ثالثا على فرض شمول روايات الميتة للمقام بإطلاقها فتكون الروايات الخاصة مقيدات لها لأن إطلاقها أيضا يشمل حتى صورة الأخذ بالنتف.

84

فان قلت (1) ان الدليل على ذلك لو كانت حسنة حريز فإنها كانت مطلقة من جهة دلالتها على وجوب الغسل سواء كان الأخذ بالجز أو النتف.

قلت الإطلاق لا ينكر الا ان الأمر بالغسل فيها تكون مثله في سائر الروايات مشعرا بالنجاسة و مبينا لجهة مانعيتها للصلاة فعلى هذا لا وجه للأمر بالغسل إلا في صورة كون الأخذ بالنتف لان أصول الشعر لملاقاتها مع الميتة تصير نجسة نجاسة عرضية فيجب غسلها لذلك فلا يكون القول بان الغسل واجب مطلقا الا من جهة التعبد و هو بعيد.

و اما الدليل لمخالف المشهور فوجهان: الأول ان أصول الشعر متصلة باجزاء الميتة التي لو بقيت تصير شعرا فقبل استحالتها شعرا تكون نجسة.

و قد أجيب عنه بأجوبة و لكن الصحيح في الجواب هو ان يقال ان ما يكون في أصول الشعر لا يكون من اجزاء الميت لانه لا يكون لحما فيكون من الفضلات التي لا تكون فيها الحيوة. فيكون هذه من الشبهة في مصداق عموم ما دل على نجاسة الميتة على فرض عدم شموله لمثل الصوف و على فرض الشمول يكون من الشبهة المفهومية ففي الأول لا يرجع الى العام بل إلى قاعدة الطهارة كما هو الحق و قد عرفت مما مر و على الثاني فيمكن التمسك بالعام للنجاسة و لكن لا يشمل العام اى عام نجاسة الميتة ما ذكر من الصوف و الشعر و الوبر.

و اما الجواب الذي قد أجاب به غيرنا فهو التمسك بإطلاق ما دل على‌

____________

(1) هذا بيان الأستاذ للمطلب بنحو الاشكال و الجواب و لكن الحق هو ان هذا تنبيه على مطلب في الرواية و لا يمكن ان يكون اشكالا على دليل المشهور الا بنظر بدوي فعند التحقيق يفهم ان الأمر بالغسل لا يكون لرفع النجاسة الذاتية و ما يظهر من القائلين بالنجاسة مثل الشيخ هو النجاسة الذاتية لا العرضية التي تذهب غائلتها بالغسل فلا وجه لان يكون اشكالا و ان كان الظاهر من بيان الأستاذ هذا، فتأمل جيدا لعلك تفهم خلاف ما افهم.

85

الطهارة فيما ليس فيه روح ليشمل حتى مورد النزاع و حكم بالطهارة.

و فيه (1) ان القائل بذلك يمكن ان يكون متسلما للإطلاق و غير منكر للطهارة الذاتية فيكون اشكاله من جهة ملاقاة الأصول مع الاجزاء الصغار من الميتة.

و دعوى غلبة النتف في الأخذ عند العرف ممنوعة (2) لأن الغالب عندهم الأخذ بالجزّ فلا يمكن الكشف الإني لعدم نجاسته أو انه يكون نجسا معفوا عنه فدعوى الإطلاق من هذه الجهة ممنوعة لا يصغى إليها.

الوجه الثاني مما ذكر لمخالفة المشهور رواية فتح ابن يزيد الجرجاني (المروية في أبواب الأطعمة المحرمة باب 33 ح 7) عن ابى الحسن (عليه السلام) قال كتبت اليه سئلته عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها إن ذكي فكتب لا ينتفع بشي‌ء من الميتة بإهاب و لا عصب و كل ما كان من السخال من الصوف ان جز و الشعر و الوبر و الانفحة و القرن و لا يتعدى الى غيرها إنشاء اللّه.

تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) و الصوف ان جز فإن الطهارة تكون مقيدة بصورة كونه بالجزّ.

____________

(1) محل النزاع لا تكون النجاسة العرضية و الا فلا مخالفة بين المشهور و غيره بل النزاع في النجاسة الذاتية كما يظهر من دليلهم بأنه لا يكون مستحيلا و لا ادرى كيف يجيب الأستاذ عنهم بحيث يكون رافعا لاشكالهم انه نجس ذاتا لقوله انه لا يكون من اجزاء الميتة بل من الفضول ثم في مقام ردّ المتمسكين بالإطلاق يقول يمكن ان يكون الإطلاق عندهم مسلما.

على ان الإطلاق المدعى و ان كان غير حاضر عندي أصل كلامهم و اكتفيت بنقل الأستاذ مد ظله هو الإطلاق من جهة شموله لما ليس فيه روح سواء كان من الحي أو الميت كما هو الظاهر من نقله.

(2) هذا الجواب يكون مناسبا لرفع الاشكال لو سلمنا ما يقوله الأستاذ لا ما سبق على ما فهمته الى الان.

86

و فيه ان هذه الرواية تكون ضعيفة السند و المتن مضطرب أيضا لأن خبر المبتداء و هو قوله كل ما كان إلخ محذوف على ان القيد خاص بالسخال و لعله يكون لنكتة رقة جلده و إرشادا إلى أنه بواسطة النتف ينتف اللحم و الجلد و هذه لا تكون في غيره فيمكن القول بأن الأخذ بالنتف أيضا لا اشكال فيه الا من جهة النجاسة العرضية.

و من المستثنيات من الميتة البيضة

قوله: سواء كانت من الحيوان الحلال أو الحرام (1) و سواء أخذ ذلك بجز أو نتف أو غيرهما نعم يجب غسل المنتوف من رطوبات الميتة.

أقول لا اشكال فيه و لكن في العبارات يشترط طهارته بان يكون مكتسيا جلده الأعلى و بتعبير آخر جلده الغليظ.

و الدليل عليه انه يكون مما لا تحله الحيوة و نشوه في بطن الدجاج لا ربط له بذلك فمقتضى الأصل و الروايات الطهارة و التحقيق الطهارة حتى في صورة اكتسائه جلده الغير الغليظ لأنه أيضا مانع عن السراية. و من الروايات التي دلت على ان القشر الأعلى شرط في طهارته رواية غياث بن إبراهيم في بيضة خرجت من است دجاجة قال ان كانت اكتست البيضة الجلد الغليظ فلا بأس بها (في باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 6 في الوسائل ج 16).

و الاشكال عليها هو انها ضعيفة سندا لان غياث بن إبراهيم يكون من الزيدية فعلى أساس صاحب المدارك الذي يشترط في قبول الرواية عدالة الراوي بأن يكون معدّلا بعدلين لا تكون هذه قابلة للاعتماد عليها و اما على مسلك التحقيق الذي هو الاكتفاء بكون الراوي موثقا فلا وجه لإشكال صاحب المدارك فإنه لا دليل للقائل باشتراط الجلد الغليظ الا هذه الرواية فتكون معمولة بها‌

____________

(1) أقول طهارة بيض الحيوان الحرام لا تنافي حرمته إذ اغسل ظاهره.

87

و العمل جابر للضعف.

فان قلت يمكن ان يكون اعتمادهم على ما فهموا من ان الغليظ يمنع السراية و غيره لا يمنع فلا يمكن انجبار ضعف الرواية بعملهم. قلت (1) بالمشاهدة و الوجدان قد ثبت ان الجلد الرقيق أيضا مانع عن السراية فلا وجه لما قيل.

فان قلت ان هذا يكون صحيحا بالنسبة إلى الحليّة فلا يكون لنا دليل بالنسبة إلى الطهارة إلا قاعدتها فمنصرف هذه الرواية تكون الحلية فقط.

قلت أظهر الآثار بالنسبة الى عدم الميتية الطهارة و الحليّة فإنها نجس و حرام على فرض إثبات كونها ميتة فالرواية كافية لإثباتهما و من يتكئ بقاعدة الطهارة فلعله اعرض عنها لضعفها بنظره أو الانصراف الغير المرضى عندنا.

ثم هل تثبت الحلية و الطهارة مطلقا حتى بالنسبة الى غير مأكول اللحم أو يختص بمأكوله خلاف قد ذهب العلامة (قده) الى ان حليته تكون تابعة لذات البيض فان كان حلالا قبل الموت فهو و الا فلا.

و مما يمكن ان يكون دليلا للعلامة (قده) الرواية التي يكون عن الحسين ابن زرارة قال سئلته عن البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة قال تأكلها (في باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 8) تقريب الاستدلال (2) بأنه لما يكون المقام‌

____________

(1) و قد احتمل المحقق الهمداني (قده) السراية في صورة عدم القشر الغليظ و وجّهه بأنه لو بقي يكون قابلا للرشد و لا يكون هذا الا من جهة تأثير الدجاج في البيضة و احتماله بمكان من الإمكان و لا تكون الرواية أيضا تعبدا محضا بل يؤيد في النظر انها تكون لذلك.

(2) أقول هذه الرواية و ما بعدها يمكن الاستدلال بها على فرض كون المورد مخصصا و اما على فرض عدمه فلا، بل ما ذكر من عدم إحراز وحدة المطلوب يكون وجيها و لكن ما يسهل الخطب هو ان السؤال يكون عن العوارض الطارية على الموت كما ذكره الأستاذ مد ظله بحيث نحكم بالتبعية في سائر الأمور فإن الحيوان الذي كان غير مأكول اللحم و البيض لا يصير بعد الموت مأكول البيض ففي غير المأكول لو سئل يكون السؤال عن الطهارة و النجاسة لا الحلية و النظر في الروايات (في باب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة) يوجب تقوية ما ذكر فان العمومات أيضا يفهم منها وحدة المطلوب و يعلم أن المراد بيض الدجاجة و أمثالها و لكن عمومات ما ليس فيه روح تشمل حتى البيضة و البحث عن الحليّة شي‌ء آخر و لا نحرز وحدة المطلوب فبيض حرام اللحم طاهر و حرام.

88

سئوالا عن البيضة التي تخرج من بطن الدجاجة و هي من حلال اللحم يحكم بحلية أكلها.

و منها حسنة زرارة و فيها السؤال عن البيض يخرج من الدجاجة فقال كل هذا لا بأس به. (في باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 10). فإنها أيضا خاصة بالدجاج فتكون الروايتان مخصصتين لما دل على الطهارة مطلقا.

و قد أشكل أولا عليها بان تلك الروايات مطلقها و مقيدها يكون مثبتا و لا وجه لحمل الثاني على الأول الا بعد إحراز وحدة المطلوب و هي غير ثابتة.

و ثانيا على فرض التقييد فما يؤكل لحمه بهذه الروايات يثبت و غيره بقاعدة الطهارة.

و الجواب عن ذلك هو ان السؤال في الروايات يكون من جهة العوارض الطارية على الموت بحيث لو لم يكن الموت يكون حكمه حكمه الذي كان له و ما ذكر (1) من أصالة الطهارة غير وجيه لأنها تنقطع على فرض التقييد اى تقييد المطلقات بما دلت على بيض الدجاج بإحراز وحدة المطلوب فطهارة البيض و حليته تكون تابعة للحيوان الذي خرجت عنه البيضة فإن كان حلالا فهي‌

____________

(1) ما ذكر من انقطاعه يكون على فرض التقييد و المستشكل يكون ممن لا يرى التقييد فالتمسك بالقاعدة أيضا بمكان من الإمكان لو أغمضنا عن سياق السؤال و الجواب الذي يستفاد منه التبعية.

89

حلال و الا فهي حرام و كذا الطهارة الذاتية تابعة له (1).

و من المستثنيات عن الميتة الانفحة

قوله: و يلحق بالمذكورات الانفحة

و الروايات الدالة على طهارتها مستفيضة و كلمات الفقهاء أيضا متفقة إنما الكلام في أنها هل تكون هي الظرف أو هو مع المظروف أو المظروف فقط كما هو الظاهر عن اختلاف عباراتهم في ذلك.

أقول ما يقال بالفارسية (پنير مايه) و بالعربية الدارجة المجبنة و يكون مما ينتفع الناس به يكون مجموع الظرف و المظروف كما نرى من عادة العرف و كلمات أهل اللغة أيضا يستفاد منها ثلاث احتمالات.

ففي محيط المحيط الانفحة شي‌ء يستخرج من بطن الجدي قبل ان يطعم اصفر فيعصر في صوفة مبتلة في اللبن و الظاهر من هذه هو ان تكون الانفحة المظروف (2) فقط.

و في تاج العروس هي آلة تخرج من بطن الجدي فيها لبن منعقد يسمى اللبأ و يغيّر به لبن الحليب فيصير جبنا و هكذا ما في لسان العرب فإنه يستفاد‌

____________

(1) مرّ الفرق بين الحرمة و الحليّة و الطهارة و النجاسة و لا نحرز وحدة المطلوب بالنسبة إلى الطهارة فإن عموم ما ليس فيه روح شامل لبيض حرام اللحم فهو حرام طاهر ذاتا و السؤال غالبا و ان كان عن الدجاجة لكن يكون من جهة كثرة الابتلاء به و ان حرام اللحم لا يعتنى ببيضة أيضا غالبا.

(2) الظاهر منها ان الإنفحة تكون مجموع الظرف و المظروف فإنها تكون شيئا تعصر لا المعصور فقط و ان كان هو مما ينتفع به الناس و لكن الظاهر من تاج العروس انها الظرف لان المظروف يسمى اللبأ و لكن الظرف فقط لا يكون مما يسمّى في العرف بالأنفحة.

90

من اللغتين انها خصوص الظرف.

فإذا عرفت ذلك فأقول ما هو التحقيق انها لو كانت اسما للمظروف فتكون طاهرة فان لم يكن الظرف داخلا يجب علاج نجاستها العرضية بواسطتها فاما ان يحكم بعدم النجاسة أو عدم السراية حتى يكون مخصصا لما دل على ان كل نجس منجس أو يكون خارجا تخصصا بواسطة عدم السراية لأن المظروف لا يكون قابلا للتطهير لأنه مائع.

و بعبارة أخرى نقول يكون هو ما ينتفع به الناس و لا نكون بصدد ان اىّ عام خصص أولا، كما انه لو قيل انه اسم للظرف فلا يكون من اجزاء الميتة و لا يكون ملاقيا لها فهي قابلة للاستفادة و ان كانت هي الظرف و المظروف فأيضا كذلك و يجب رفع نجاستها العرضية بواسطة الغسل فعلى اى تقدير يكون ما ينتفع به الناس بلا اشكال، قال سيدنا الأستاذ الأصفهاني (قده) انها تكون المظروف فقط و قال ان هذا يكون مما يساعده العرف و لكن (1) ما قبلنا عنه (قده) لان العرف لا يكون مساعدا فنقول المظروف على اى تقدير يكون طاهرا قابلا للانتفاع.

____________

(1) ما فهمنا من كلام الأستاذ هو انه كأنّه يميل إلى انها في العرف تكون مجموع الظرف و المظروف و لكن ما ظهر لنا الى الآن و ما تكون كلمات بعض أهل اللغة أيضا ناطقة به هو المظروف فان الدارج في العرف كثيرا هو ما يكون معصورا في صوفة مبتلة باللبن و ان كان غيره أيضا موردا للاستفادة اى يجعلون الظرف و المظروف في اللبن و يعصرونه فيصير جبنا و لكن الغالب هو الأول و كأن السيّد (قده) يكون نظره الى هذا فجعل العرف مساعدا.

91

اشكال و دفع أما الإشكال فهو ان الإنفحة من الميتة لو لم تكن نجسة فلما ذا يحكم ظاهرا بنجاستها في رواية زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) بعد السؤال عن الجبن يجعل فيه الميتة و المراد بالميتة الأنفحة عن الميتة فأجابه (عليه السلام) بأنه أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرضين الحديث (في باب 61 من الأطعمة المباحة ح 5) و هذا كما تراه يكون تصديقا للسائل بان الانفحة عن الميت نجسة و لكن من جهة كونها في دائرة غير محصورة حكم (عليه السلام) بعدم لزوم الاجتناب عنها و إلا فأصل النجاسة مسلمة.

و الحاصل لو لم تكن في الواقع نجسة لا وجه لترتيب الأثر عليها، عند الشك اما الدفع فإن العامة لما يحكمون بنجاستها فكان (عليه السلام) في تقية فكأنه (عليه السلام) أظهر أنها نجسة و لكن بين الواقع بأنه على فرض النجاسة لما تكون في دائرة غير محصورة لا يلزم الاجتناب عنه. (1)

____________

(1) أقول و الشاهد عليه على ما في ذكري عن بعضهم ما في ذيل الرواية بأنه (عليه السلام) يقول أنا اشترى من السوق الجبن و السمن و ما أظن ان هذه البرابرة و السودان يسمون فإنه مع عدم الظن بالتسمية حكم بالطهارة و هو دليل على طهارة الإنفحة عن الميتة و لكن الظاهر من الرواية خلاف ما فهموه بل الظاهر الواضح من الرواية نجاسة الإنفحة و حكمه (عليه السلام) بعدم الاجتناب للشبهة الغير المحصورة فلا مناص الا الحمل على التقية كما ذكره مد ظله أو رمى الرواية بضعف السند كما رأيته في تقريرات الأصول عن العلامة النائيني (قده) و على هذا لا يمكن التمسك بها لعدم الاجتناب في الشبهات الغير المحصورة أو نقول بأن إنفحة الميتة و لو كانت طاهرة ذاتا الا أن ظاهرها نجس يجب غسلها و السائل سئل عن حكم من لا يبالي بذلك و عدم الاطمئنان و قوله و ما أظن هذه البرابرة إلخ شاهد على ما ذكرناه من عدم المبالاة.

92

في انه هل يختص طهارة الإنفحة بالجدي و السخال أم لا ثم انه هل يختص طهارة الإنفحة بالجدي و السخال كما هو المعمول أو يكون عامل يشمل حتى ما عن الحمار و العجل أو يكون أعم بحيث يشمل حتى غير المأكول مثل الذئب، فيه خلاف: فقد نص بعضهم بالاختصاص بالجدي و السخال و ما تعدى الى غيره فإذا نظرنا الى كلمات أهل اللغة نرى بعضهم يخصونه بالرضيع من الجدي و السخال و تعبير بعضهم يكون بما لا يأكل العلف و لكن لا اعتبار بها لأنهم ينقلون موارد الاستعمالات نعم يمكن ادعاء الانصراف إلى المأكول فقط و يستفاد من رواية ابن حمزة الأعمية فقوله (عليه السلام) في التشبيه بالبيضة من جهة انها ليس فيها روح (1) و لا يكون فيها عرق و لادم دليل على ان المناط عدم الروح و هو لا يختص بالجدي و السخال.

و اما الدليل للقائلين بالأعمية من المأكول و غيره فإطلاق الرواية الدالة على ان ما ليس فيه روح من الميتة طاهر.

و لكنه مدفوع لان انصراف الدليل يكون إلى المأكول لأن السؤال في الروايات يكون من جهة العوارض العارضة على الميتة فما كان حراما قبل الموت لا يصير حلالا به و لا يخفى ان الانفحة يكون الكلام في حكميها و هما الطهارة و المأكولية و كذلك الصوف يكون الكلام فيه في حكمين و هما الطهارة و جواز الصلاة فيه، فيمكن ان يقال بالطهارة فيها بالنسبة الى غير المأكول و عدم الحلية في الإنفحة و عدم جواز الصلاة في الصوف فإطلاق الروايات من جهة الطهارة مقبول لا الحلية و جواز الصلاة.

____________

(1) عدم الروح فيه من جهة عدم العرق و الدم في الانفحة لا بد من إحرازه و لو من رواية أبي حمزة و يشكل حمل عدم ذلك على ما في الإنفحة من اللبن فإنه ليس من شأنه ان يكون فيه عرق و لادم حتى ينفيه (عليه السلام).

93

و السر في ذلك ان السؤال فيها يكون من جهة الأكل و هو يتمشى في صورة كون الحيوان مأكولا قبل الموت حتى يسئل عن عارضه بعده و اما الطهارة فلما كانت قبل الموت فيمكن قبول الإطلاق بالنسبة إليها و القول بأنها تكون مثل قبله (1).

فتحصل من جميع ما ذكر ان مستند القائلين بالشمول حتى بالنسبة الى غير المأكول أيضا هو إطلاق الدليل و مستند القائلين بالاختصاص هو الانصراف إلى المأكول و دليلنا التفصيل بين الطهارة و غيرها فنقبل الإطلاق بالنسبة إليها دونه.

ثم ان المتيقن طهارة باطن الجلد الملاقي لما فيه من اللبن لانه ليس لنا خطاب بالطهارة فالاحتياط لا ينبغي تركه بالنسبة إلى الظاهر (2).

.

____________

(1) أقول قد ظهر السر في التفكيك بين الحلية و الطهارة في الإنفحة و لكن الأستاذ مد ظله ما بين سرّ التفكيك بين جواز الصلاة و الطهارة فيمكن ان يكون السر فيه هو ان غير المأكول لا يجوز الصلاة في اجزائه حتى بعد التذكية أو قبل الموت مثل شعر الهرّة فهذا لا فرق له بالنسبة إلى الصلاة قبل الموت و بعده و اما الطهارة فإنها تكون في مقام السؤال عنها فيمكن ان يقال ان الصوف من غير المأكول طاهر و لو بعد الموت و لعل الأستاذ مد ظله أيضا أراد هذا كما يفهم من بيانه بالنسبة إلى الإنفحة و هذا واضح ذكرناه تتميما و منه ظهر ما مر منّا في طهارة البيض من غير المأكول في ذيل كلامه.

(2) أقول وجوب غسل ظاهره مما لا كلام فيه انما الكلام في صورة كون الانفحة هو المظروف فقط و عليه لا بد من القول بطهارة الباطن لا من باب المتيقن بل من باب أن غسل ظاهر ما في الجوف و تحصيل طهارة اللبن غير ممكن

94

في اشتراط عدم كون الحيوان معلوفة ثم لا يخفى ان الحكم في طهارة الإنفحة عن الميتة يكون في صورة عدم صيرورة الحيوان معلوفا فإذا صار كذلك خرج عنه و يحكم بنجاسة انفحته فإنه إذا رأى النبات تصير كرشا كما في اللغة.

فعلى هذا ان اشتبه بشبهة مفهومية مثل ان يأكل الحيوان العلف في يوم أو يومين فشك في انه هل خرج بذلك عن حالته الأولية و دخل في المعلوفة أم لا أو بشبهة مصداقية مثل ان لا نعلم ان ما يشترى في السوق انه يكون من المعلوف أو غيره.

فهل يكون المقام مقام التمسك بالعام الأول أو التمسك بالمخصص فيه خلاف على حسب المباني: فنقول ان العام على التحقيق يكون له انحلال أفرادي و زماني فإذا خرج بعض الافراد عنه في بعض الأزمنة مثل زمان عدم كونه معلوفة ثم شك في تخصيص فرد آخر بواسطة الشبهة في المفهوم فيتمسك به حتى يظهر خروج هذا الفرد المشكوك منه فعلى هذا يجب الرجوع الى عمومات الميتة و القول بنجاسة الانفحة المشكوكة من جهة كونها من المعلوفة أو غيرها.

فان قلت يستصحب عنوان الأنفحة و يترتب عليه حكم الخاص و هو الطهارة و هو المحكم فلأي سبب يتمسك بالعام.

قلت الأثر لا يترتب على العنوان بل على الموجود في الخارج و هو الفرد المردد واقعا كالرضاع فإنه إذا علمنا ان الارتضاع ينشر الحرمة و لكن لا ندري انها تحصل بعشر رضعات أو بخمس عشر فيدور امره بين ان يكون بالأولى فهو حاصل قطعا أو بالثاني و هو منتف قطعا فان هذا لا يكون له حالة سابقه حتى يستصحب الا أن يقال أنه تغيير حالة من حالاتها موجبة للشك في خروجها عن هذا العنوان بعد معلومية أن حد الأنفحة ما هو و هو يكون من الشبهة المصداقية لا المفهومية كما ترى‌

95

ثم ان الجهة إذا كانت تقييدية لا يجرى الاستصحاب في الحكم بخلاف ما إذا كانت تعليلية فإنه لا يلزم إحراز القيد فيمكن ان يقال ان هذا الشي‌ء كان طاهرا قبل فكذا الان فعلى اى حال لا يجرى الاستصحاب على التحقيق في المقام خلافا للمحقق الخراساني (قده).

و اما في الشبهة المصداقية فلا يتمسك بالعام بل يرجع الى قاعدة الطهارة بعد الشك فيها.

في اللبن عن الميتة

قوله: و كذا اللبن في الضرع و لا ينجس بملاقاة ضرع النجس لكن الأحوط (1) في اللبن الاجتناب خصوصا إذا كان من غير مأكول اللحم و لا بد من غسل ظاهر الانفحة الملاقي للميتة هذا في ميتة غير نجس العين و اما فيها فلا يستثنى شي‌ء

أقول من المسائل المشكلة من حيث الأقوال لبن الميتة فعن غاية المرام و الغنية القول بالطهارة و لكن المتأخرين حكموا بنجاسته و على اى تقدير فالقائل بالطهارة و النجاسة كلاهما من الأعاظم و يدعون الإجماع على مطلوبهم اما مستند القائلين بالطهارة فالروايات الواردة في الباب.

فمنها صحيحة زرارة المتقدمة (في باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 9).

و منها حسنة حريز عن حسين بن زرارة المتقدمة (في باب 33 المتقدم ح 4) و منها مرسلة الصدوق أو مسنده- قال الصادق (عليه السلام) عشرة أشياء من الميتة ذكية القرن الحافر و العظم و السن و الانفحة و اللبن و الشعر و الصوف و الريش و البيض (في الباب المتقدم ح 9).

و اما جواب المخالف (2) عن هذه الروايات: فضعف السند أما رواية حسين بن‌

____________

(1) لا يترك مطلقا.

(2) أقول لو سقط هذه الروايات عن الاعتبار بهذا البيان لم يبق سند للمخالف بالنسبة إلى غيره قليلا في بعض

96

زرارة فبه تضعف لانه مجهول لم يرد فيه مدح عن كتب الرجال و فيه انه إمامي و صفوان في الرواية يكون من أصحاب الإجماع و هم لا يروون الا عن ثقة و هذا منهم فيكون هذا كافيا لتوثيقه مع انه ابن زرارة.

و اما مرسلة الصدوق فلإرساله لا فائدة فيها و مسنده في الخصال في طريقه احمد و هو مجهول الا ان يقال ان مرسل الصدوق (قده) كمسنده لان الروايات التي نقلها نقل للعمل و فتواه يكون على طبقها فلا يروى عن غير الثقة الا ان يقال ان الوثوق عنده لا يفيدنا فإنه ربما يكون الموثق عنده غير موثق عندنا و يمكن دفع الاشكال عن مسنده بان نقله عن احمد دليل على توثيقه.

و اما حسنة حريز على مشرب و صحيحته على مشرب آخر كما عن كاشف الرموز فدلالتها غير تامة لأنها غير مطلقة لأن كل ما حكم فيها بطهارته يكون من الحرمة و ما عن الميت مأمور يغسله كما يفهم من قوله اللبن و اللبأ الى قوله و كل شي‌ء يفصل من الشاة و الدابة فهو ذكى و ان أخذته من ميت فاغسله وصل فيه.

و فيه ان اختصاصه بالحي غير وجه بقرينة التنويع فإنه أمر بغسل ما عن الميت و هو لا يمكن إلا في مثل الصوف فان اللبن و اللبأ لما لا يمكن غسله و لم يفصّل بين المأخوذ عن الحي و المأخوذ عن الميت بالنسبة إليه فيفهم الإطلاق.

و قد أشكل على رواية زرارة بأنها موهونة لتضمنها ما هو خلاف الإجماع و هو الجلد فإنه نجس من الميت فإنها كما ترى يكون السؤال فيها عن الانفحة و أشياء أخر منها الجلد بقوله: سئلته عن الانفحة من الجدي الميت قال لا بأس به قلت اللبن يكون في ضرع الشاة قال لا بأس قلت الصوف الى ان قال الجلد فقال (عليه السلام) كل ذلك لا بأس به، فان الجلد وقع في السؤال و حكم (عليه السلام) بعدم البأس و فيه ان هذه نقلت بطريقين طريق الشيخ و طريق الصدوق و الثاني لا يكون فيه لفظ الجلد هذا أولا و ثانيا لو كانت فقرة من الرواية خلاف الإجماع لا تضر‌

97

ببقية الرواية على ان العلامة القائل بنجاسة اللبن فسّر الانفحة تبعا للقدماء بأنها لبن سيال و حكم بطهارته و لا يكون له مستند الا هذه الرواية.

فتحصل ان هذه الروايات تكون ظاهرة في الطهارة و لا يرد عليها الإشكالات التي أوردها المتأخرون هذا مستند المتقدمين.

و اما سند المتأخرين فأولا عمومات الانفعال فان اللبن يكون من المائعات فيشمله أدلة انفعال المضاف فهو مع ملاقاته للميتة ينفعل.

و فيه ان أدلة الانفعال تخصص بما ذكر من الروايات المخصصة و على فرض عدم التمامية فلا تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة لأنها محكومة للإطلاقات فهي المحكمة كما قال الشيخ و لكن قلنا بأنها تامة الدلالة و السند هذا أولا.

و ثانيا ان الطباع يتنفر عن لبن الميت- و فيه انه منقوض بطهارة ماء الاستنجاء.

و ثالثا عمومات عدم الانتفاع بالميتة تشمل المقام- و فيه انه لا يكون ميتة و على فرض التسليم تخصص بما ذكر من الروايات.

و رابعا بروايتين إحداها عن وهب بن وهب ان عليا سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن فقال ذلك الحرام محضا (في باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 11) و ثانيتها رواية فتح بن يزيد الجرجاني (في باب 33 من الأطعمة المحرمة ح 7) فان قوله بعد ذكر أشياء محللة من الميتة و لم يكن اللبن مذكورا فيها «و لا يتعدى الى غيره إنشاء اللّه» دليل على ان غير ما ذكر لا يكون حلالا.

و الاشكال فيهما ان وهب في الأولى يكون من أكذب البرية و اضطراب المتن في الثانية يوجب سقوطها و لا ينجبر بالشهرة عن المتأخرين لأن المستند عندهم يمكن ان يكون القواعد في المضاف و غيره لا هذه الرواية فلا يمكن الجبار ضعف وهب بشهرتهم.

ثم قال الشيخ ما ذكرتم من الروايات يخالف قاعدة كل نجس منجس‌

98

فنقول ان كان مراده ضعف السند فله وجه و لكن ان كان هذا الكلام مع تسليم سندها فدلالتها على الطهارة غير منكرة و تصير مخصصة للقاعدة ثم لو فرض صحة رواية وهب فلها مع سائر الروايات جمع عرفي و هو ان هذه تدل على الحرمة و تلك على الطهارة فنقول فهو حرام و طاهر فتحصل انه لا سند لفتوى المتأخرين إلا اشمئزاز الطبع و هو كما ترى. (1)

بقي في المقام شي‌ء: و هو ان اللبن على فرض طهارته هل يختص بالمأكول أو يشمل غيره حتى نجس العين.

فنقول انها مطلقة من جميع ذلك و اختصاص البعض بالمأكول لا يصير مخصصا لان المطلق و المقيد مثبتان و ادعاء الانصراف ممنوع لأنه بدوي و لكن الإنصاف في المقام كما مرّ في سائر المقامات ان السؤال في هذه الروايات يكون عن العوارض العارضة على الميتية فحكم كل، لا من هذه الجهة حكمه قبل الموت و كذا يمكن التفصيل بين الطهارة (2) و الحلّية.

لأن الدليل على الطهارة يكون متعرضا لطهارته الذاتية لا العرضية فإنها ان صارت نجسة من جهة نجاسة عرضية يجب غسل ظاهره.

____________

(1) أقول و مع ذلك كله لا يناسب الفتوى بالطهارة و الحلية بالنسبة إلى لبن الميتة ذوق الفقه و الفقيه مع مخالفتها للقواعد و رواية وهب و ان كانت ضعيفة و لكن من جميع اللوازم يوجب نوع وثوق بالخبر لا بالمخبر و فتوى بعض القدماء مثل صاحب السرائر و الشيخين أيضا قابلة للاعتماد فلا يترك الاحتياط بنجاسته و حرمته و هو و أن كان مما ليس فيه روح و لكن بعد تكوّنه يكون مثل بول المأكول في مثانته أو حصول البلغم في جوفه فإنه يحسب من اجزاء الميتة و ان كان هذا اجتهادا في مقابل النص و لكن هذه النصوص كانت بمرأى و منظر من القدماء أيضا.

(2) في غير نجس العين فإنه لا وجه لطهارته أيضا كما سيأتي منه عن قريب.

99

ثم هل يكون للعناوين المستثنيات من الميتة مثل الصوف و الشعر و اللبن و غيره مختصا بغير نجس العين أو يشمله أيضا؟ المشهور الاختصاص و المخالف السيد المرتضى (قده) و لكن لا في جميع الافراد بل في غير اللبن.

و الدليل عليه أولا ان الموت مطهر و ثانيا صحيحة زرارة (في الوسائل ج 1 باب 14 من الماء المطلق ح 2) و فيها السؤال عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء فيحكم بعدم البأس فيه فيفهم منها طهارة شعر الخنزير.

و الجواب عن دليله الأول عدم مساعدة الذوق السليم معه فان الموت كيف يصير من المطهرات في نجس العين بعد ما كان من المنجسات لطاهر العين، و عن ثانية بأن جواز الاستقاء بحبل نجس العين لا يلازم القول بطهارته فإنه يمكن (1) ان لا يكون ملاقيا مع الماء بالرطوبة على ان السؤال يكون من جهة حكمه بعد الفراغ عن نجاسته فكأنه كان من المحرز عند السائل النجاسة فروايات الميتة و ان كانت لا تشمل مثل شعر الخنزير و كل نجس العين لانه لا يكون فيه روح الا انها وردت لبيان العوارض من جهة الموت فيما كان قبله نجسا لا يطهر به و لو أغمضنا عن جميع ذلك يكون لنا روايات معارضة الدالة على نجاسته فالأمر سهل.

[مسألة 1- الاجزاء المبانة من الحي مما تحله الحيوة كالمبانة من الميت]

مسألة 1- الاجزاء المبانة من الحي مما تحله الحيوة كالمبانة من الميت إلا الأجزاء الصغار كالثالول (2) و البثور و كالجلدة التي تنفصل من الشفة أو من بدن الأجرب عند الحك و نحو ذلك.

____________

(1) بعد هذا عند العرف و الواقع لا ريب فيه فإنه إذا كان الاستسقاء به يلاقيه و بإطلاقه يشمل حتى صورة كون المعقود بالدلو نفس الشعر لا شيئا آخر من السلاسل و غيره فالجواب الوجيه هو سائر الأجوبة.

(2) الثالول كغيره قطعة لحم صغيرة ميتة و نجسة إذا قطعت.

100

ينقح البحث في هذه المسألة في ضمن فروع أربعة: الأول الإجزاء الكبار عن الحيوان غير الإنسان مثل أليات الغنم، و الدليل على نجاسته الإجماع و الروايات و قوى دليلية الإجماع بعضهم.

أقول: ان من الآثار الظاهرة في الميتة اثرين و هما النجاسة و حرمة الأكل فكلما صدق عنوان الميتة يترتب عليه الحكمان و نحن إذا لاحظنا العرف نرى انهم لا يرون الفرق في صدق العنوان بين ذهاق الروح عن الجميع أو عن بعض الحيوان و لكن في صورة ابانة الجزء بعد ذهاق روحه فإنهم لا يحكمون بذلك في عضو الفلج المتصل ببدنه كما سيأتي.

فإن قيل كما عن الشيخ لا يصدق العنوان على الجزء المبان فلا تشمله روايات الميتة، قلنا لعل في ذهن الشيخ كان عنوان التذكية فتفوّه بهذا الكلام فان الجزء من الحيوان لا يقبل التذكية و جميعه يقبلها فحيث لا يصدق على الجزء انه مذكى لا يصدق انه غير مذكى (1) أيضا.

لا يقال موضوع الحكم يجب ان يتخذ من العرف و هو لا يحكم بان الجزء‌

____________

(1) هذا يكون نحو توجيه لكلام الشيخ لحسن ظن الأستاذ مد ظله به كظننا به أيضا و لكن لا يظهر من كلامه هذا و ان لم أر كلامه الا بنقل الأستاذ فإنه ان استدل بعدم صدق عنوان الميتة لا يمكن حمله على ان مراده غير مذكى على انه لو لم يصدق عليه غير المذكى لا يصدق المذكى أيضا و لنا دليل إثباتا كما سيجي‌ء عن الأستاذ بأن كل حكم يكون على عنوان الميتة يترتب على ما لا يصدق عليه عنوان التذكية مع انه لو لم يصدق عليه انه مذكى لا وجه للفرار عن كونه غير مذكى أو الميتة و لا رابع، فكلام الشيخ على توجيه الأستاذ يوافق المطلوب و بالأخرة لا افهم وجها محصلا لعدم صدق عنوان الميتة أو لعدم صدق عنوان المذكى حتى يكون هذا وجها لكلامه فلعل مراده (مد ظله) من التوجيه يكون شيئا ما فهمناه.

101

ميتة لأنا نقول عدم الحكم عليه يكون لكثرة أنسهم بما يخرج الروح عن جسده جميعا فإنهم إذا توجهوا بذلك أيضا يقولون انه ميتة.

ثم ان المحقق الهمداني (قده) يقبل صدق العنوان و لكن يقول ان الأدلة منصرفة عنه و فيه انه على فرض صدق العنوان لا وجه للانصراف و الأشكال بعدم صدقه اولى مما ذكره (قده) على فرض القبول.

ثم لو أغمض عن جميع ذلك نستدل بروايات خاصة الدالة على نجاسة الاجزاء المبان (في الوسائل في باب 30 من أبواب الصيد).

فمنها ما عن محمد بن القيس عن أبى جعفر قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا فذروه فإنه ميت.

و تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) فإنه ميت.

و منها ما عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) ما أخذت الحبالة و قطعت منه شيئا فهو ميّت، و لنا روايات أخر بهذا اللسان.

و حاصل تقريب الاستدلال بها ان كلمة الميتة أو الميت التي طبقها الإمام (عليه السلام) على الجزء المبان اما ان يكون من باب التنزيل فلو لم يكن العنوان صادقا عليه نزّله (عليه السلام) منزلته فيشمله الحكم أو يكون التطبيق كما هو شائع في العرف فالتنزيل مثل قوله (عليه السلام) الطواف في البيت صلاة فكل شرط يكون للصلاة يكون له أيضا و كذلك ما نحن فيه و مما ذكر يظهر وجه ضعف ما في المدارك و هو ان التنزيل مجمل و المتيقن منه الأثر الواحد و هو الحرمة لا النجاسة بقرينة ذيلها و هو قوله كل ما بقي، و لا تأكل المبان و التنزيل يكفيه اثر واحد للخروج عن اللغوية. و حاصل وجه الضعف ان من نظر الى سياق الروايات و وجهة التشبيه يلتفت الى انها تكون في صدد بيان ان الجزء ميت و يكون له حكمه على ان لنا روايات غير مذيّلة بما استدل به فإنها مطلقة من حيث الأكل و غيره.

102

ثم انه قد أشكل عليه المحقق الهمداني (قده) بأنها لو كانت الروايات في مقام بيان صدق الميتة واقعا على الجزء المبان لا تشمله الروايات الدالات على نجاسة الميتة لانصرافها عن الجزء المبان و التعليل في الروايات بقوله (عليه السلام) فإنه ميت أو ميتة يكون لحرمة الأكل لا للنجاسة.

و جوابه كما مر بان الانصراف غير وجيه لصدقها عرفا عليه و ما يدعى من ترتيب اثر واحد مثل حرمة الأكل خلاف الظاهر لان الآثار الظاهرة في الميتة الحرمة و النجاسة كلتاهما فلا وجه لكلامه (قده).

و اما المطلقات من الروايات الدالات على النجاسة (في باب 24 من الذبائح) فمنها ما عن ابى بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في أليات الغنم يقطع و هي أحياء انها ميتة.

و منها ما عن الكاهلي سئل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام): الى ان قال ان في كتاب علىّ ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به.

و تقريب الاستدلال واضح فإنه (عليه السلام) لما رأى صلاح المال بقطع بعض الألية حكم بجوازه و لكن قال ان المقطوع ميتة لئلا ينتفع به و عدم الانتفاع به يكون أعم من كونه نجسا لا ينتفع به أو حراما كذلك.

و منها ما عن الوشاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيها اما انه يصيب الثوب و هي حرام.

و تقريب الاستدلال يفهم من باب تناسب الحكم و الموضوع فإنه بعد قوله اما انه يصيب الثوب إذا جعل الحرمة حالا لا يفهم النجاسة فإن الحرمة لا تصيب الثوب.

ثم ان العلامة الهمداني بعد عدم قبول التنزيل و بيان الواقع في الروايات الطائفة الأولى احتمل الاحتمالين في هذه أيضا و رجّح جانب التنزيل و قد مرّ جواب ما كان مانعا من قبوله في الطائفة الاولى و التحقيق عندنا أيضا اقوائية‌