المعالم المأثورة - ج2

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
203

ظرف و ليس الجنين جزئه مع انقلاب الموضوع بعد ولوج الروح.

[الثامن: من النجاسات الكافر بأقسامه]

الثامن: من النجاسات الكافر بأقسامه حتى المرتد بقسميه و اليهود و النصارى و المجوس (1) و كذا رطوباته و اجزائه سواء كانت مما تحله الحيوة أولا و المراد بالكافر من كان منكرا للالوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضروريا من ضروريات الدين مع الالتفات الى كونه ضروريا بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة و الأحوط الاجتناب عن منكر الضروري مطلقا و ان لم يكن متلفتا الى كونه ضروريا بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة.

أقول قد اختلفت كلمات الفقهاء مع ما يستفاد من الآيات فجملة منهم على ان الكافر على ثلاثة أقسام كما عليه المصنف، منكر الألوهية و منكر التوحيد و منكر النبوة فان الأوليين قد ادعى فيهما الضرورة و لكن ما في الايات و الروايات يكون النجس بعنوان المشرك و المجوسي و اليهودي و النصراني و الناصب ففي المقام يكون لنا شك في الكبرى و الموضوع اى يكون الشك في ان المشرك من هو؟ و النجاسة في حق من تصدق؟ و نحن قبل ذكر الموضوع نبحث عن الحكم حتى يظهر من مضامين الأدلة ما هو موضوع النجس بنظر الشرع.

فنقول قد استدل لنجاسة الكفار بأقسامهم بقوله تعالى «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ» (التوبة الآية 28).

____________

(1) أقول نجاسة أهل الكتاب ذاتا مشكلة بل لو لا مخافة الشهرة لكان للقول بالطهارة ذاتا وجه وجيه و مع وجود سند الشهرة و هو الروايات لا خوف منا أيضا و لكن مع ذلك الفتوى بالطهارة مشكلة فلا يترك الاحتياط بالاجتناب في مورد الشك لا في مورد العلم بالطهارة لخروجه من ماء عاصم أو تطهيره بقليل فان نجاسته ناشئة عن اكله لحم الخنزير و الخمر و قاعدة الطهارة في حقه في مورد الشك في النجاسة العرضية محكومة و لا نجاسة ذاتية لأهل الكتاب على ما استفدنا من الروايات.

204

و تقريب الاستدلال مع ان التعبير بالنجس بفتح النون و فتح الجيم هو ان نقول انه و ان كان مصدرا و لكن أريد منه الوصف كما يقال نجس بكسر الجيم اعنى كليهما يستعمل في النجس كما عن القاموس و الأزهري و الجوهري و غيرهم.

ثم قد أشكل عليها أولا بأن النجس بفتح الجيم ما ثبت استعماله في المحاورات و اما أهل اللغة فمن ضيق الخناق حكموا بأنه وصف لان المصدر لا يحمل على الذات و غفلوا عن ان المصدر كثيرا ما يحمل على الذات بالتقدير اى المشركين يكونون ذا نجاسة و هذا يكفيه أدنى الملابسة و لو كان النجاسة عرضية فإنها تكون من المتيقن و غيرها لا يكون مشمولا للآية على هذا التقدير و هذا الاشكال لا يكون في محله لانه يكون خلاف الظاهر و التقدير خلاف الأصل و لا يمكن حملها عليه و لكن يمكن ان يكون من باب المبالغة مثل زيد عدل و يكون لفظا مشتركا اى يستعمل مصدرا و وصفا مضافا بأنه على تقدير لفظة ذو أيضا يتم المطلوب لأن إطلاق كونهم كذلك يشمل حتى صورة عدم ملاقاتهم مع النجاسة الخارجية.

و ربما يقال انه لو كان وصفا يجب مطابقته مع الموصوف فاللازم ان يقال انما المشركون نجسون فافراده دليل على عدم كونه صفة لأن ما حقق في علم النحو هو ان الصفة و الموصوف يجب ان يكونان مطابقين في الافراد و التثنية و الجمع.

لأنا نقول تارة يكون الوصف باعتبار الذات و تارة باعتبار الأفراد فإن الطبيعي يكون موصوفا اى المراد ان المشرك نجس سواء كان مفردا أو مجموعا و قد أشكل عليها ثانيا بان النجس يمكن ان يكون بمعنى القذارة اى قذارة خارجية أو قذارة معنوية لا بمعنى النجاسة الدارجة بين العرف التي حكم الشرع فيها بالاجتناب و الحاصل هل كان النجس في زمان الشارع بهذا المعنى أو المعنى اللغوي الذي كان له و هو القذارة فحيث لا حقيقة شرعية لنا فيشكل الأمر.

و اما التفريع بقوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ فلا يدل على النجاسة‌

205

المعروفة بل على النجاسة الباطنية فالاستشهاد بذيل الآية للنجاسة الشرعية في غير محله فيكون مثل الجنب و الحائض الذي يحرم عليها دخول المسجد من المسلمين فما استفدنا شيئا من ذلك لنجاستهم.

و فيه ان القذارة لو كانت عرضية لا يتم لان المشركين كثيرا ما يكونون أنظف من المسلمين من جهة الظاهر على ان المناسب للتشريع لا يكون الاخبار بان الكافر كثيف بل يكون المناسب له بيان حكم شرعي و مع قطع النظر عن جميع ذلك قد مر منا في مباحثنا ان النجس في العرف الشرعي هو القذارة العرفية غاية الأمر تارة يمضى الشرع الأقذار العرفية و تارة يوسع و تارة يضيّق فالكلام في انه لا حقيقة لنا شرعية أو تكون في المقام في غير محله.

و اما احتمال ان النجاسة في الكافر من حيث النفس فمدفوع لان الظاهر نجاسة أبدانهم فلو كان كذلك يجب ان يقال ان الجنب و لو كان محبا للّه يكون مثل الكافر.

فان قلت ان لنا نجاسات لا مانع من إدخالها في المسجد إذا لم تسر فأي مانع في دخول الكافر جافا مثل سائر النجاسات.

قلت الدليل في سائر النجاسات قاصر عن الدلالة على حرمة إدخالها جافا في المساجد فلو كان لنا دليل نحكم بحرمته أيضا و في المقام يكون الدليل تام الدلالة على الحرمة و الحاصل ان الكبرى لا كلام فيه فان النجس هو النجس الشرعي مثل سائر النجاسات.

في بيان ان اىّ قسم من الكفار نجس و اما الكلام في الموضوع و هو ان المشرك من هو؟ فنقول ان كان مشركا كالمجوس الذي يعتقد اليزدان و الاهريمن فهو مشرك حقيقة و اما ان كان شركه في العبادة مثل عبدة الأصنام القائلين بأنا لا نعبدهم ليقرّبونا الى اللّه زلفى و يمكن ان يكون بعض أهل الهند العابد للبقر هكذا فظاهر الروايات أيضا شمول الحكم لهذا القسم أيضا.

206

و اما من يكون غير معتقد للّه تعالى فاما ان لا يكون قائلا بالمدبر للعالم أو يراه الطبيعة فهذا و ان لم يصدق عليه المشرك إلا بالعناية و هي ان الطبيعي قال بخالق غير الخالق الحقيقي فهو شرك في الصنع و لكن قد سمعت من بعض يطلق المشرك عليهم و يحكم بنجاسته بتنقيح المناط و كيفما كان يكون من الضروري نجاستهم و كونهم في حكم سائر الكفار بل هو المتيقن ممن هو نجس.

و اما أهل الكتاب فاما ان يكونوا منتحلة دين الإسلام كالناصب أولا، فعلى الثاني ان قلنا بان من عبد الخالق الحقيقي بعنوان ان له ابن فهو مشرك فهو نجس و ان قلنا انه لا يكون مشركا في الصنع فلا يكون نجسا فيكون حكمه الطهارة و اما الآية و هو قوله تعالى «قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ. سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ» فلا تدل (1) على شركهم لان معناها انهم مشرك من جهة قولهم قولا باطلا.

فقد تحصل ان من عبد اللّه بان يكون له ابن كان مشركا لان واجب الوجود‌

____________

(1) أقول لا نحتاج إلى إثبات أنهم مشركون بل يكفينا صدق الكفر عليهم و هو بمعناه اللغوي الستر و هو ثابت في حقهم و الدليل عليه نقلا هو ان اللّه أمر رسوله ليطبق عنوان الكفر على المشركين أيضا بقوله تعالى قُلْ يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ لٰا أَعْبُدُ مٰا تَعْبُدُونَ و هم مشركو مكة و كل مشرك و هم في هذه الجهة شريك لليهود و النصارى لأنهم أيضا ما كان يعبدون الأصنام بل يجعلونها وسيلة للقرب و اليهود و النصارى ان لم يجعلوا العزير و المسيح شريكا للّه في المؤثرية أيضا يعبدون ابن اللّه لأنه واسطة و ان كان الظاهر انهم يرونهم شريكا و مؤثرا كما في الآية و على اى نحو كان فلا إشكال في نجاستهم و انطباق الشرك عليهم كما هو صريح قوله تعالى سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ و الإيراد على الآية في غير محله لان القول من حيث الاعتقاد بمضمونه يكون شركا لا نفس القول و حمله على التنزيل خلاف ظاهرها.

207

لا يكون له ابن و اما ان اعتقد باله واحد و ان له ابنا بدون الالتفات إلى انه يرجع الى الشرك فهو و ان لم يكن مشركا و لكن ينزل منزلة المشرك اى نزّلهم اللّه منزلة المشرك في حكم النجاسة لو لم يكن قوله تعالى بيانا للواقع و توهم ان هذا التنزيل يكون بعنوان المعهود من النصارى و اليهود في زمن النّبي (صلى اللّه عليه و آله) فلا يشمل غيرهم يكون خلاف إطلاق التنزيل فان صار في موضع آخر كذلك فلا ربط له بالمقام.

و اما اليهود و النصارى في زماننا هذا ان لم يقولوا بالأغانيم الثلاثة فهم موحدون و انما نقصهم في عدم قبول الرسالة و ان كانوا مثل السابقين في الأقانيم فهم نجس من هذا الباب أيضا.

و اما المجوس الذين قائلون بان لنا اليزدان و الأهريمن فيكونون مشركين لان التوحيد يجب ان يكون في الذات و الصفة و الفعل و في الروايات التي سيجي‌ء جعل نجاستهم أشد من الكلب.

لا يقال ان المرائي أيضا يكون مشركا لو وسع المعنى كذلك في الدقة في معنى الشرك. لأنا نقول هو يعبد اللّه متوغلا في التوحيد اى يريد ان يجعل عمله خالصا للّه حتى يجلب نظر المردة و الناس ليأخذ دنانيرهم فهو متوغل في التوحيد و اما المرتد فهل يرجع الى الإسلام بالتوبة أم لا سيجي‌ء.

و اما الروايات التي في المقام على النجاسة فتكون على طوائف منها حسنة سعيد الأعرج أو موثقته (باب 14 من أبواب النجاسات ح 8) قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سؤر اليهودي و النصراني فقال لا.

و سند الرواية صحيح و اما الدلالة فادعى الفقهاء تماميتها فان قوله لا:

ينفى كل ما يشترط فيه الطهارة من الأكل و الشرب و التوضي به و تضم هذه مع ما في أذهان المتشرعة من النجاسة فالسؤال يكون عن النجاسة و الحمل على التعبد يكون خلاف ما هو المرتكز و ما في سائر الروايات من عدم مباشرتهم و‌

208

عدم المؤاكلة معهم.

فان قلت انها تحمل على القذارة و الكراهة مثل الأسئار المكروهة و يؤيده مرسلة وشاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه كره سؤر ولد الزنا و سؤر اليهودي و النصراني و المشرك و كل ما خالف الإسلام و كان أشد ذلك عنده سؤر الناصب (في باب 3 من الأسئار ح 2).

قلت النهي ظاهر في الحرمة مع قطع النظر عن الشاهد فان الحمل على الكراهة خلاف الظاهر و اما الشاهد فلفظة كره كثيرا ما يستعمل في الحرمة على ان المشرك أيضا ذكر في هذه الرواية و لا يقال بأنه طاهر.

ثم اعلم ان الرواية تبين حكم اليهودي و النصراني لا حكم سائر أقسام الكافر فالمجوس يكون القدر المتيقن منه و الناصب يكون فيه الرواية انه أنجس من الكلب و لكن لا يمكن استفادة نجاسة مثل البهائي مع انه نجس الا على القول بعدم الفصل.

و منها (باب 14 من أبواب النجاسات ح 4) صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) في رجل صافح رجلا مجوسيا فقال يغسل يده و لا يتوضأ.

و منها رواية أبي بصير (باب 14 من أبواب النجاسات ح 5) عن أحدهما (عليهما السلام) في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني قال من وراء الثوب فان صافحك بيده فاغسل يدك.

و تقريب الاستدلال ان الأمر بالغسل ظاهر في النجاسة كما مر في سائر الموارد بضميمة ارتكاز العرف بأن النجاسة تكون في ظرف الرطوبة و هكذا في المقام يقيد بالرطوبة لا غرو، و كذا الحمل على التعبد كما كان خلاف الظاهر في سائر الموارد فكذلك هنا.

لا يقال انا ابتلينا في هذه الرواية بتقييد أحد الإطلاقين اما إطلاق الأمر للوجوب بحمله على الاستحباب أو إطلاق المتعلق سواء كان جافا أو رطبا بصورة‌

209

الملاقاة مع الرطوبة فلما ذا يرجح أحد الإطلاقين على الأخر فإن قيل ان هنا قرينة على رفع اليد عن إطلاق الأمر لأن رفع اليد عن إطلاق المتعلق يكون من حمل المطلق على الفرد النادر لان الغالب في الأيدي الجفاف لا الرطوبة كما هو شائع فيلزم رفع اليد عن إطلاق الأمر و حمله على الاستحباب.

و قرينة أخرى و هي رواية خالد القلانسي قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ألقى الذمي فيصافحني قال امسحها بالتراب و بالحائط قلت فالناصب قال اغسلها (باب 14 من أبواب النجاسات ح 4).

و تقريب الاستدلال هو ان في الرواية حكم بمس اليد بالجدار أو التراب فان كان نجسا لا وجه لذلك و في الناصب حكم بغسل اليد في صورة كونه ناصبا فتكون قرينة على ان المس مستحب فكذا الغسل سواء كان مع الرطوبة أولا بقرينة قوله «فالناصب قال اغسلها» اى يجب الغسل عليه لا على غيره و بقرينة ارتكاز العرف يحمل على صورة الرطوبة.

و فيه ان الادعاء و هو وجود الإطلاقين صحيح و لكن الشاهد على الترجيح غير وجيه اما الأول لأن أيدي العراقيين كثيرا ما تكون مرطوبة اما للعرق أو لشي‌ء آخر فلا يكون تقييد إطلاق المتعلق من الحمل على الفرد النادر.

و اما الرواية فلا يمكن ان تكون شاهدة لضعفها على ان صدرها مطلق من جهة الوجوب و الذيل مطلق من جهة الرطوبة و الجفاف و لا مرجح لتقييد أحد الإطلاقين دون الأخر فالتعارض الذي كان في المشهود عليه يكون في الشاهد أيضا (1) فيمكن الجمع بين الصدر و الذيل بحملها على صورة الجفاف فيكون الأمر بالمسح و الغسل استحبابيا.

____________

(1) أقول فالمسح في اليهود و النصارى واجب و الغسل في المجوس و لا تصير شاهدة للاستصحاب الا ان يدل دليل بان المسح غير واجب مع إمكان رفعه لمرتبة من النجاسة.

210

فنقول ان الارتكاز العرفي في صورة الأمر بالغسل يكون مناسبا لتقييد إطلاق المتعلق. (1)

و اما الإشكال على رواية أبي بصير بخصوصها و هو ان التفصيل بين كون المصافحة من وراء الثياب أو غيره فيكشف عن انه لو كان من ورائه لا يكون فيه حزازة و الا فتكون غير وارد فان اليد و الشرب سواء في نجاستهما بالملاقاة فكيف يفرق بينهما.

فأقول (2) حكمه (عليه السلام) بالفرق يكون لنكتة الشك في السراية في صورة كونها من وراء الثياب أي الملاقاة و لو مع الرطوبة شك فيها الإنسان في السراية و اما إذا مس اليد باليد الرطبة فيحس الرطوبة و لا شك فيها.

و منها صحيحة على بن جعفر (باب 14 من أبواب النجاسات ح 9) انه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام قال إذا علم انه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام الا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل و سئله عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء أ يتوضأ منها للصلاة قال لا الا ان يضطرّ اليه.

و سند هذه الرواية في غاية المتانة و تقريب الاستدلال ان المورد في هذه الرواية يشعر بأنه يكون في الماء القليل فان اغتسلا فيه معا يكون ممنوعا لانه نجس ينجس المسلم و اما ان كان هو الخارج فلا إشكال لأنه يغتسل و يخرج ثم المسلم يطهر مكانه و يغتسل فيه.

____________

(1) و ببيان منا لعله مد ظله يريد ان الإطلاق من جهة الرطوبة و الجفاف يكون فيهما فيقيدان بصورة الرطوبة بارتكاز العرف بان كل ما كان يابسا لا ينجس و عليهذا فالأمر فيها يكون ظاهرا في الوجوب.

(2) أقول و هو كذلك في صورة كون الرطوبة مما يشك في سرايته مثل اليد المعرقة قليلا و اما إذا كانت الرطوبة من الماء أو غيره بحيث لا شك فيها فلا.

211

و توهم ان بدن الكافر يمكن ان يكون لكونه نجسا بالنجاسات العرضية مثل المنى كما هو الغالب فيمن يدخل الحمام.

مدفوع لان غيره أيضا يكون كذلك فلا اختصاص بذكر النصراني فقط فحيث ذكره بخصوصه يعلم نجاسته الذاتية.

على ان ذيلها يحكم بعدم جواز الوضوء من الماء الذي أدخل يده في الإناء إلا في صورة الاضطرار سواء كان المراد بالوضوء الاستعمال أو الوضوء الشرعي إنما الكلام في حكمه و هو انه في صورة الاضطرار يجوز الوضوء لعدم نجاسته و في غير هذه الصورة يكون الأمر بالغسل للحزازة أولا. فحمل الشيخ الطوسي (قده) بان التقية توجب ذلك لان الوضوء بالنجس أيضا على قول الشيخ صحيح في صورة الابتلاء بالتقية و قد أشكل عليه الناظرون الى كلامه بان المراد يكون الاضطرار من جهة فقدان ماء آخر لا من جهة التقية فالوضوء صحيح يكشف عن الطهارة لاعن ان الوضوء بالنجس صحيح في حال التقية.

أقول لا يمكن رفع اليد عن ظهور الصدر الناص في وجوب الغسل بهذا الظهور فحمل الشيخ (قده) متين.

و منها صحيحة محمد بن مسلم (باب 24 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 3) سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن آنية أهل الذمة و المجوس فقال لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون و لا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر.

و تقريب الاستدلال بالنهي في ثلاثة فقرات النهي عن الأكل من الانية مطلقا و من الطعام المطبوخ و من الآنية التي يشربون فيها الخمر.

و قال بعض الفقهاء بان هذا يكون على خلاف المطلوب أدل لأنه أيّ خصيصة في قوله (عليه السلام) انهم يشربون الخمر فيعلم ان النجاسة تكون للخمر لا لذواتهم و آنيتهم التي يطبخون فيها أيضا يكون فيه احتمال أكل لحم الخنزير فعدم الأكل يكون منوطا بالخمر و الخنزير لا من جهة نجاسة ذاتهم.

212

أقول صدر الرواية دلّ بنحو عام من جهة شرب الخمر و أكل لحم الخنزير و غيره و تعقيب العنوان العام بعنوان خاص لا يقتضي رفع اليد عن العنوان العام الذي ورد في مورده خاص مثبت فان المثبتين (1) لا يكونان متصادمين.

و منها حسنة كاهلى (باب 14 من أبواب النجاسات ح 2) عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم مسلمين يأكلون و حضرهم مجوسي أ يدعونه الى طعامهم فقال اما انا فلا أواكل المجوسي و اكره ان أحرّم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم.

و قد أشكل بعض الفقهاء عليها بان الامام (عليه السلام) يقول انا لا أواكلهم فإنه لما يكون زعيم المسلمين لا يليق بشأنه أن يجلس مع من هو خارج عن الدين و يكون من اردء الناس عنده.

و فيه ان عدم اكله (عليه السلام) مطلق شامل لجميع الحالات و الظاهر ان اجتنابه (عليه السلام) كان لحكم إلزامي لا احتياطي.

و اماما في العرف الذي ادعيتموه فجوابه ان اللائق بشأن من هو كذلك ان يجلس معهم و يخالطهم ليرشدهم الى طريق الحق و الى الصراط المستقيم الإسلام فإنه لا يؤثر روحياتهم في روحه الشريف القدسي.

و اما احتمال كون الأمر للاحتياط فكما مر انه خلاف الظاهر.

و اما الروايات المعارضة فمنها صحيحة إسماعيل بن جابر (باب 54 من أبواب الأطعمة ح 4) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في طعام أهل الكتاب‌

____________

(1) أقول لا إشكال في هذا الكلام الا توهم كون الخاص و العام في كلام واحد و ظهوره في الخاص. و لكنه مندفع لانه يمكن ان يكون التخصيص بالذكر لشدة الاهتمام بالاجتناب عمّن يكون كذلك و كيفما كان فللتأمل في هذا أيضا وجه يمنع عن التصريح بنجاستهم بهذه الرواية.

213

فقال لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال لا تأكله ثم قال لا تأكله و لا تتركه تقول انه حرام و لكن تتركه تنزّها عنه ان في آنيتهم الخمر و لحم الخنزير (1).

و تقريب الاستدلال على قول بعض هو انها صريحة في الدلالة على النجاسة لأنه (عليه السلام) يقول و لكن تتركه تنزّها و هذا ظاهر في عدم اعتقاد الحرمة بل الترك يجب ان يكون على نحو التنزيه و يكون شاهد جمع مع سائر الروايات التي دلت على النجاسة فإنها أيضا يكون النهي فيها تنزيهيا و لا يكون المراد من الطعام ما يكون جافا بل يشمل صورة الرطوبة ليصح التعليل بقوله فان في آنيتهم الخمر.

و فيه ان الترك هنا يكون للاحتياط لانه مع العلم بان في آنيتهم الخمر لا يمكن ان يكون مستحب الاجتناب الا ان يدل على عدم نجاسة الخمر و لحم الخنزير و يحتمل ان يكون من باب الشك في الملاقاة أي الشك في ملاقاتهم و مباشرتهم من غير جهة الخمر فباحتماله لا تدل على الطهارة على ان تكرار النهي يكشف عن ان النهي لا يكون تنزهيا و انقلاب المطلب بأن النهي تنزهى يعلم منه ان الامام (عليه السلام) كان في تقية و ضيق خناق.

و منها صحيحة عيص بن القاسم (باب 54 من أبواب الأطعمة ح 1) سألت عن مؤاكلة اليهود و النصارى و المجوس فقال (عليه السلام) ان كان من طعامك و توضأ فلا بأس.

____________

(1) أقول دلالة هذه الرواية على المطلوب تامة و احتمال التقية ضعيف لأن إطالة الكلام في مقام التعليل بأنه لا تتركه و تقول انه حرام بل النهي يكون للتنزيه و إظهار منشأ الاحتمال بان في آنيتهم الخمر لا يليق بشأن من هو في تقية بل اللائق في هذه المقامات ان يظهر (عليه السلام) شيئا يدفع به المحذور و تكرار النهي مع هنيئة أيضا لا يدل على شدة الاهتمام لان من الشائع في العرف ان يظهروا المطالب في بعض الأحوال هكذا و ادعاء الظهور في هذا المعنى أيضا ممنوع للتذييل و التعليل.

214

و تقريب الاستدلال يكون بمفهوم الرواية و هو انه إذا كان من طعام السائل فإن الطعام طاهر و يكون يد الكافر تدخل في الطعام و هو لا يكون نجسا و اما ان كان من طعامهم فلكونه من الخمر أو لحم الخنزير فهو نجس لا من جهة نجاسته الذاتية.

و فيه انه لا يدل (1) على المؤاكلة في كأس واحد بل الأكل على سفرة واحدة و اما غسل اليد فيكون للتنزه و الآداب على ان المفروض من المفهوم ان كان من طعامه فغسل يده ففيه بأس و هو لا معنى له فلا يمكن التمسك بها لما نحن فيه و منها صحيحة إبراهيم بن محمود قلت للرضا (عليه السلام) الجارية النصرانية تخدمك و أنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ و لا تغتسل من جنابة قال (عليه السلام) لا بأس تغسل يديها (باب 14 من النجاسات ح 11).

و تقريب الاستدلال واضح من جهة ان الخادمة في الدار يكون شغله، الملاقاة مع الظروف و الألبسة و سائر وسائل الدار مع الرطوبة بدونها فالحكم بعدم البأس كاشف عن الطهارة.

و فيه ان كان السؤال عن قضية خارجية و هي ان تكون الخادمة لشخص الامام (عليه السلام) فيمكن ان يكون معاشرة الإمام (عليه السلام) لضيق الخناق لجبره من سلطان‌

____________

(1) هذا الاحتمال كما ذكره غيره بعيد جدا فان الظاهر من المؤاكلة هو الاختلاط في الأكل سواء كان في كأس أولا.

و بعبارة أخرى سؤال السائل يكون عن المخالطة معه في أكل و شرب فحكم (عليه السلام) بعدم البأس و اما الإشكال بالمفهوم أيضا فغير وارد لأنه إذا كان من طعامه فالأكل منه حرام و لو غسل يده لانه يكون من لحم الخنزير و شرابه الخمر و الحاصل إذا كان من طعامنا الحلال إذا غسل يده عما كان من النجاسات فيه من النجاسات العارضية يرفع المحذور و اما طعامه الحرام فلا يرفع محذورة بغسل يده.

215

الجور و وجهة الكلام تكون للتقية.

و ان كان السؤال عن القضية الحقيقية فتدل على الطهارة و الظاهر (1) هو هذا الاحتمال و منها صحيحة أخرى عنه (في الوافي باب التطهير من مسّ الحيوانات ح 21) قال قلت للرضا (عليه السلام) الخياط و القصار يكون يهوديا أو نصرانيا و أنت تعلم انه يبول و لا يتوضأ ما تقول في عمله قال (عليه السلام) لا بأس.

و تقريب الاستدلال ان القصّار و الخياط يباشر الثوب فجعل و جهة النجاسة شيئا آخر و هو ان اليهودي و النصراني يبول و لا يغسل يديه و ما سئل عن النجاسة الذاتية فكأنها كانت مفروغة عنها.

و كيفما كان فادعاء انه ليس لنا رواية على الطهارة ممنوع و ادعاء عدم رواية للنجاسة أيضا ممنوع فيتعارضان.

و عند التعارض يكون لها وجوه جمع: منها حمل روايات النجاسة على الكراهة.

و على فرض عدم قبول الجمع فالترجيح مع روايات النجاسة لكونها مخالفة للعامة و فيه ان هذا المقام لما يكون له جمع عرفي بالحمل على الكراهة لا يمكن التمسك بها لكونها مخالفة لهم على ان الكلام في التقية هل تكون تقية الإمام أو المأموم سيجي‌ء البحث فيه.

و هنا روايات أخر الدالة على الطهارة (في باب 73 من النجاسات).

فمنها صحيحة معاوية سألت أبا عبد اللّه عن الثياب السابرية يعملها المجوس و هم أخباث يشربون الخمر و نسائهم على تلك الحال ألبسها و لا اغسلها و أصلي فيها قال (عليه السلام) نعم قال معاوية فقطعت له قميصا و خطته و فتلت له أزرار أو رداء من‌

____________

(1) أقول بل الظاهر خلافه لانه لو كانت الجارية بدون الالف و اللام اى كانت نكرة يمكن حمل الكلام على القضية الحقيقة بل هو الظاهر و أما مع التعريف بال، فالظاهر كونها قضية خارجية.

216

السابري ثم بعثتها إليه في يوم الجمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما أريد فخرج بها الى الجمعة.

و تقريب الاستدلال من السؤال و الجواب و عمل الامام (عليه السلام) على الطهارة واضح لان و جهة الكلام تكون لنكتة الجنابة و عدم غسلهم فإن النجاسة لو كانت ذاتية ما جعل السؤال عما ذكر فتكون الطهارة الذاتية مفروغة عنها.

و فيه ان التمسك بمثل هذه يكون كالمزاح لان السابري لا يكون من الأشياء التي تحتاج إلى الرطوبة فإن السابري هو القماش و ما ظهر من الرواية من الطهارة يكون للشك في ملاقاتهم أو العلم بعدم ملاقاتهم فيما لا يكون محتاجا الى اللعاب و اما ما يحتاج الى اللعاب فنشك (1) في ملاقاة أيديهم له.

و منها ما دلت على انه يجب الرش بالماء بالنسبة إلى ظروفهم و ألبستهم و يقرب الاستدلال بها بأن النجاسة لا تكون فيها و الا فلا يكفيه الرش بل يكون لرفع مرتبة من القذارة.

و الاستدلال بها في غاية الضعف فإنه لو كان نجسا لا يطهّره الرش بالماء فالتمسك بها غير صحيح و لو كان طاهرا لا يحتاج الى الرش (2).

و منها ما (في باب 74 من النجاسات ح 1) في إعارة الثوب باليهود و النصارى عن ابن سنان قال سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) ابى و انا حاضر انى أعير الذمي ثوبا و انه اعلم انه بشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده علىّ فاغسله قبل ان أصلي فيه فقال‌

____________

(1) على اى نحو كان يكون وجهة السؤال عن النجاسات العرضية و هي تشعر بان طهارتهم الذاتية كانت مفروغة عنها و ما ذكر من قوله يشربون الخمر يكون قرينة على ان المراد بكونهم اخباثا هو الخبث بالنجاسات العرضية.

(2) لا وجه ظاهرا لهذا الاشكال على ما فهمته لانه يمكن ان لا يكون نجسا و لا طاهرا لا يحتاج حتى الى الرش بل تكون القذارة بحدّ يذهب بها الرش كما ورد ذلك في بيوتهم بأنه يستحب الرش فيها للسكونة أو في معابدهم للعبادة

217

أبو عبد اللّه (عليه السلام) صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإن أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجّسه فلا بأس ان تصلى فيه حتى تستيقن أنه نجّسه.

و وجهة الكلام أيضا هنا تكون للنجاسة العرضية لا الذاتية فكانت طهارتها مفروغة عنها.

و فيه لما يكون (2) من الغالب شربهم للخمر و أكلهم للحم الخنزير فيمكن ان يعبّر بهذا التعبير مع أصل نجاستهم.

و من الروايات ما يكون في باب جواز غسل اليهودي و النصراني المسلم في صورة فقد المسلم المماثل و هو في باب 19 من أبواب غسل الميت.

و تقريب الاستدلال ان نقول ان اليهودي و النصراني ان كانا نجسين لا يمكن الغسل بالماء النجس فيجب ان يقال انهما طاهران و احتمال عدم ملاقاتهم للميت بغسله مع آلة أو بتقلّب مسلم لا يعرف الغسل به دستور الكافر بعيد جدا و كيفما كان فالدالة على الطهارة لا تقاوم ما دلت على النجاسة مع قطع النظر عما هو ضعيف منها و على فرض استقرار التعارض فالدال على النجاسة يكون أظهر و لكن لما يكون فيهما وجه جمع يشكل ذلك و هو ان الدالة على الطهارة يفهم منها ان الغالب كان السؤال عن الخمر و لحم الخنزير و علّل البأس بما ذكر فمما دل على ما نقول رواية زكريا بن إبراهيم قال دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقلت انى رجل من أهل الكتاب و انى أسلمت و بقي أهلي إلخ و قد مرت و كذا رواية محمد بن مسلم الدالة على عدم جواز مؤاكلتهم لأكلهم لحم الخنزير و كذا موثقة عمار التي يكون الأمر فيها بالغسل مع انها لو كانت ذاتية لا ترفعها الغسل.

و بالجملة ان النهي في ما يستفاد منها النجاسة العرضية يكون النهي حقيقيا للغلبة لأن الغالب في أهل الكتاب نجاسة أوانيهم بالخمر و الخنزير و أمثالهما لعدم‌

____________

(2) الظاهر خلافه فعند الرجوع الى العرف يظهر ان السؤال إذا كان كذلك لا يفهم منه الا النجاسة العرضية.

218

مبالاتهم بذلك أو يكون تنزيهيا جمعا بينها و بين ما دلت على الطهارة فإن مقتضاه القول بذلك أو يكون تنزيهيا لمرتبة من النجاسة- اى النجاسة لها مراتب فالغسل يطهر مرتبة من النجاسة التي كانت في الكافر.

و لكن خالف هذا الجمع الشيخ الأنصاري مع ذكره لهذه الشواهد (و كذا صاحب الحدائق) فقال ان ما دلت على الطهارة يكون مما وافق العامة فوجب تركه و يستفاد من رواية زكريا بن إبراهيم قال دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و قلت انى رجل من أهل الكتاب و انى أسلمت و بقي أهلي كلهم على النصرانية لم أفارقهم بعد فآكل من طعامهم فقال لي يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت لا و لكنهم يشربون الخمر فقال لي كل معهم و اشرب.

فان الاستفصال بين الخمر و الخنزير يكون للتقية و الا فلا فرق بينهما من جهة النجاسة و كذا رواية الكاهلي تدل على التقية و قد مرت في الاخبار الدالة على الطهارة فإن الكراهة المستفادة من قول الامام (عليه السلام) «أكره ان أحرم عليكم ما تصنعونه في بلادكم» يكون لجهة كثرة الابتلاء. و منها رواية إسماعيل بن جابر التي قد مرت في اخبار الطهارة أيضا و تقريب الاستدلال على التقية هو ان تكرار النهي يوجب عدم حملها على الكراهة.

و قد أشكل على الشيخ (قده) بان التقية تكون في صورة عدم إمكان الجمع العرفي و معه لا يكون موضوع للتقية و ما ورد من الروايات يبعد ان يكون جميعها للتقية- كما عن المحقق الخراساني (قده).

أقول ما كنا نترغب هذا عن الخراساني و اتباعه لأن الجمع العرفي يكون في صورة عدم وجود القرينة على التقية كما ان الجمع العرفي يكون للقرينة على الكراهة فكل واحد منهما اى الجمع و الحمل على التقية كان لهما قرينة فلما ذا يرجح احد الحملين على الآخر فإنه ترجيح بلا مرجح.

فنقول أولا ان القرائن على التقية ضعيفة و ثانيا ان اخبار العلاج لا يكون قابل التطبيق.

219

فلنا دعويان: الاولى ان اخبار النجاسة يكون أقوى ظهورا للنجاسة العرضية كالخمر و الخنزير و الثانية عدم تطبيق الاخبار العلاجية لعدم استقرار التعارض (1) و اما التفصيل بين الخمر و الخنزير في الرواية فيكون لنكتة و هي ان الخمر يكون له أسباب مستقلة للشرب غير مربوطة بالطعام و لكن لحم الخنزير مما يكون طعاما للعموم يتلوث جميع الكأس و الكوز و اللباس و الظروف به بخلاف الخمر فان شارب الخمر يكون له زجاجة مستقلة غير مربوطة بتشكيلات الغذاء فلا يصير التفصيل قرينة للتقية.

و اما الرواية الثانية التي حملت على التقية للشيوع في البلاد فلا تتم لان لسانها من جهة الحبوبات و سائر الأطعمة عام فان معناه ان الامام (عليه السلام) كأنّه قال لي يسر الاجتناب عنهم اى لا أكون في ضيق و اما أنتم فتكونون مجبورين لارتكاب هذه المنقصة فلذا لا أحرم عليكم و اما التعبير بالحرمة فيكون لتسلط الامام على التحريم لولايته على المسلمين حتى في أمور دنياهم فله ان يحرم ما يباح لشخص من الأشخاص لمصلحة رآه (عليه السلام) و ان يوجب ما لا يكون واجبا كذلك فيكون له تحريم مؤاكلتهم و لكن يتركه ترفيقا بهم.

و كيفما كان فالظهور مع روايات النجاسة في مقام التعارض و التقية لا تصير موجبة لسقوطها عن الدلالة لأن احتمالها ضعيف.

و مع قطع النظر عن جميع ما ذكر ان التقية لا معنى لها هنا لأن التقية تارة تكون في فعل المأمور و تارة تكون في فعل الامام (عليه السلام) فعند الدقة في بيان الروايات في مورد غسل أهل الكتاب المسلم و إعارته يفهم عدم كونه (عليه السلام) في التقية و من البعيد ان يحكم عليه بالتقية و اما تقية المأمور فلا تكون أيضا لأنه لا يمكن‌

____________

(1) أقول هذا على الظاهر يرجع الى ما نقل عن الخراساني (قده) لأنه أيضا للجمع العرفي يقول لا يستقر التعارض فلا ادرى من اى وجه يكون الاشكال عليه و تلقى مد ظله بانا ما كنا نترغب منه هذا الكلام و اللّه العالم.

220

ان يكون نجسا و قال لا بأس به مثلا مع ان جميع الناس يكونون في ابتلاء هذه النجاسة فمن البعيد ان يكون نجسا و رفع حكمه و لا يقول لأحد حتى مخفيا ان هذا الحكم تقية ففي صورة الابتلاء بالنجس في الوضوء مثلا يكون له البدل الاضطراري مع ان الأئمة المروية عنهم هذه الروايات مختلفة و صدورها في سؤالات متعددة، فمن البعيد ان يحمل جميعها عليها.

و ربما يقال ان الحكم الوضعي رفع بالحرج فيكون عفوا و الحكم التكليفي يرفع بواسطة التقية.

و فيه ان الحرج يكون قسمين: الأول الحكم في مقام الحرج مثل الحكم بطهارة الحديد للحرج و الثاني ان يكون بالنسبة إلى شخص حرجيا دون آخر فان كان المقصود انه لما يكون حرجيا جعل الحكم فيه الطهارة فإنه لا يكون من رفع اليد عن أخبار الطهارة بل يكون موافقا لها و اما ان كان المراد بالحرج ما يكون ثابتا بدليل الحرج فهو يدور مدار الأشخاص ففي كل صورة يكون الحرج فلا يلزم الاجتناب و اما في غيرها فلا بد من الاجتناب فيدل على نجاستهم لا على طهارتهم.

فتحصل انه لا يمكن حمل الأخبار على التقية كما ذهب اليه الشيخ هذا أولا و ثانيا يتمسك (قده) بدليل آخر و هو كون الروايات الدالة على الطهارة خلاف الإجماع و هو ان القدماء مع رؤيتهم لهذه الأخبار لما أفتوا بالنجاسة يعلم منه ان الروايات تكون فيها خلل اما من جهة السند أو الدلالة أو الجهة فإنهم يكونون نقادين لها و اعرف بحالها.

أقول و لتوضيح هذا يجب البحث عن مقامين المقام الأول الإجماع و انه هل يكون ثابتا أم لا فان كان المراد الاتفاق المستفاد من كلمات العلماء جميعا فمدفوع لعدم وصول كلماتهم إلينا فرب عالم جليل قد جعل مكتوباته في زاوية النسيان.

221

و ان كان المراد استفادة الإجماع عن الأعيان ممن له كتاب كالمورخين في زماننا فيجب أيضا الفحص عن المخالف و البحث في ان المراد منه أيّ الأقسام منه فان كان المراد الكشف فلا نحتاج إلى إطالة الكلام في الأخبار و حساب معارضتها بل يكفينا وجداننا ما هو رأى المعصوم (عليه السلام). المجمعون فعدة من العلماء على النجاسة مثل صاحب التهذيب و الاستبصار و الغنية و السرائر و المنتهى.

و اما المخالفون فيحتمل ان يكون الشيخ المفيد في غريته لما يستفاد منها من أنه اكره مؤاكلتهم. و الشيخ الطوسي في نهايته بهذه العبارة «و يكره ان يدعو الإنسان أحدا من الكفار الى طعامه فيأكل معه فان دعاه فليأمر بغسل يديه» و العماني قائل بكراهة سؤر الكافر.

و اعتذروا عن جانب المخالف بان مراد الشيخ (قده) الذي يعبّر عنه بالكراهة لا يكون لمخالفته بل يكون من باب النقل كما اعتذر الحلي (قده) فإنه نقل متن الرواية كما هو عادته على نقل الروايات هكذا أو ليس ترى انه خالف هذا المسلك في سطور بعده.

و اما المفيد فقد أراد من الكراهة الحرمة- و فيه ان هذا خلاف الظاهر.

و اما العماني فيكون كلامه في عدم نجاسة الماء القليل لان كلامه يكون في كراهة سؤر الكافر و فيه ان السئور يكون أعم من الماء (1) و غيره.

أقول ان كان المراد بالإجماع الكشفى فلا يضر مخالفتهم و ان قلت انه لا يكشف عن رأى المعصوم و يكون المخالف ضارا به فلا يصح الاعتذار لان ما قيل بالنسبة إلى الشيخ (قده) انه ما يكون من فتواه ينقله بنحو متن الحديث لا ان كل مالا يكون عقيدته ينقل متن الحديث و أسوء من ذلك اعتذار الحلبي بأن الشيخ نقل ما هو مسلك الغير و هذا عجيب فإنه من البعيد ان ينقل فتوى الغير من دون الاستناد.

____________

(1) قد مر من الأستاذ (مد ظله) ان السؤر يطلق على الماء و ينصرف الى خصوصه فقوله هنا ظاهره خلاف ما سبق منه في باب الأسئار.

222

المقام الثاني على فرض كشف الإجماع و ثبوته فان كان المقصود و كشف الإجماع التعبدي الكاشف عن رأى المعصوم (عليه السلام) فلا ربط له بالمعارضة لأن الروايات لا تكون إلا ظهورات تسقط به و ان كان المقصود منه الشهرة التي هي المرجح في مقام المعارضة أو كشف السيرة من المتشرعة أو غرائزهم العملية فلا يثبت الإعراض لأن فتاوى الفقهاء من البدو الى الآن كان على عقيدتهم ان روايات الطهارة تكون موافقة للتقية كما ان الشيخ أيضا فعل كذلك فإذا احتمل ذلك لا يثبت الأعراض كما ان إجماعهم أيضا لا يكشف عن قرينة في الرواية لم نعثر عليها و اما غرائز الشيعة كما نرى من رجالهم و نسائهم و صبيانهم فهو على النجاسة و هذا يكشف عن رأى المعصوم (عليه السلام) في صورة عدم وجود رواية في المقام و مما يكون دليلا على ذلك مكاتبة الحميري و سؤاله الكاشف عن ان الطهارة الذاتية كانت مفروغة عنها فتحصل ان مخالفة الإجماع لا يمكن ان تكون دليلا على سقوط الروايات.

و الحاصل ان كلماتهم في ذلك لا يتم بل ما هو التحقيق ان روايات النجاسة تكون أظهر من ما دل على الطهارة و هو جمع عرفي و فتوى الإعلام بالنجاسة يوجب الظن المتاخم للعلم بان اليهود و النصارى يكونون نجسا و لا وجه لقولهم الا لكونها أظهر في نظرهم. فان قوله (عليه السلام) في حسنة (1) سعيد الأعرج لا يكون نصّا في النجاسة لأن يعم جميع ما يتوهم ان يكون فردا له من أوانيهم و أبدانهم و سائر ما يلاقي جسدهم.

لا يقال ان الروايات الدالة على الطهارة تكون حاكمة على ما دل على النجاسة فإذا كان كذلك يجب ان تقدم عليها.

____________

(1) أقول غاية ما يستفاد منها الظهور في نجاستهم و روايات الطهارة أيضا ظاهرة فيجمع بينهما بل يمكن ان يقال انها أظهر و لكن يكون لها جمع بالكراهة لشهادة بعض الروايات على ان النهي تنزيهي.

223

لأنا نقول لكل من الطائفتين قرينة ففي أخبار الطهارة القرينة على التقية في اخبار النجاسة و في اخبار الطهارة القرينة على ان اخبار النجاسة تكون ظاهرة في النجاسة العرضية و لكن لا يكون لسانه لسان الحكومة بل يكون لسان التعارض و انما النكتة للتقديم الأظهرية في روايات النجاسة.

فتحصل ان اليهود و النصارى لا شبهة في نجاستهم و لا يكون فيه دغدغة أصلا.

هذا حكم اليهود و النصارى و اما سائر الطوائف من الكفار مثل منكر الضروري فإنهم ان كان عنوان الكفر لهم صادقا فسيجي‌ء بيانه فإنه لو كان الإجماع على النجاسة تماما يكونون نجسا و اما المرتد فسواء كان فطريا أو مليا فيحاسب مع من رجع إليه فإن صار يهود يا أو نصرانيا فحكمه حكمه و ان كان الارتداد الى غير من له العنوان مثل ان يصير بهائيا فسيجي‌ء بيانه و من العجب ان الشيخ الأنصاري (قده) ادعى انصراف الأدلة عنهم اى عن المرتدين و لكنه توجه و قال انه ضعيف فان انطباق الأدلة على من يصير كافرا له العنوان مثل اليهودي و النصراني لا شبهة فيه و لا انصراف و اما غير من له العنوان فان كان كل كافر و لو لم يكن له عنوان نجسا و كان هذه الكبرى من المسلمات فلا شبهة في النجاسة و اما على فرض عدم ثبوت ذلك ففيها إشكال.

في حكم نجاسة اجزاء الكافر مما تحله الحيوة و ما لا تحله أقول كما ان الكلب و الخنزير يكون اجزائه نجسا سواء كان مما تحله الحيوة أولا فكذلك الكافر و المخالف صاحب المعالم و السيد في الناصريات كما كان في الكلب مخالفا و لازمه القول بذلك هنا و لكن لا دليل له و اما صاحب المعالم فله دليل صحيح بدوا و هو ان العنوان تارة يكون تحت الحكم فان في هذه الصورة يعترف بان جميع اجزائه لا فرق فيه من جهة النجاسة لأن العنوان أخذ في موضوع الدليل و لذا نقول في الكلب بنجاسة جميع اجزائه و في المقام المشرك لا يكون‌

224

له عنوان و اليهود و النصارى أيضا لا يكون لهما عنوان فان السؤال في الروايات يكون في البدن و ملاقاته و اللحية و أمثالها لا يكون في الدليل فما يقتضيه الدليل لا يكون الا ما ذكر.

و الحاصل لا عنوان لنا بان يقال النصارى نجس و اليهود نجس و مما يرشدك الى ذلك قولهم بطهارة ما لا تحله الحيوة من الميت و كلامه (قده) تام و من العجب ما أجاب به صاحب الحدائق فيه مما لا يتم عندنا و منه رواية الوشاء (باب 3 من الأسئار ح 2) فإنه مع قطع النظر عن الضعف في السند و الدلالة من جهة ذكر المشرك تكون مثل سائر الروايات في الدلالة و لا ترجيح فيها للاستدلال فكما لا تدل التقية على المطلوب كذلك هذه فارجع إليه في الحدائق ج 5 ص 175 و كلامه (قده) فنى و لكن يرد عليه تارة على حسب المعنى و تارة نقول ان الغرائز العرفية يكشف منها عدم الفرق بين أخذ العنوان و ما يستفاد منه ذلك و في بحث نجاسة الميتة ادعيتم انه غير تام لأن النكتة في نجاستها الموت فما لا حيوة له لا يكون له موت فلا نجاسة له.

في معنى الكفر و لا يخفى ان البحث هنا لا يكون كلاميّا بل يجب ان يبحث عنه لانه يكون موضوع حكم شرعي فإنه لو قبلنا تسالم الفقهاء بان كل كافر نجس يجب شرح الكفر في الفقه و اما لو لم يقبل ذلك فما صدق عليه العناوين فهو كافر و اما من لم يصدق عليه فلا يكون نجسا.

فنقول مستعينا باللّه، الكفر في اللغة بمعنى الجحد و الإنكار و لكن أكثر الكفرة يكون من الشاك فلا ينطبق عليه هذا المعنى اللغوي و لكن المستفاد من الروايات ان الشاكين من الكفرة و لنا ارتكازا المتشرعين بان الكفر يكون ضد الايمان لانه معناه الاعتقاد و في مقابله تارة يكون الإنكار و تارة الشك فسلبه ذو فردين‌

225

و لسان الأدلة بأن كل كافر نجس و كل كافر مهدور الدم يشمل ما كان شاكا أو منكرا و هذا واضح.

و اما الروايات التي دلت على ما ذكر فتكون على طائفتين: منها ما دل على انطباق الكفر على الشاك و منها ما دلت على عدم الانطباق:

اما الطائفة الأولى فمنها صحيحة منصور بن حازم (في الكافي جلد 2- ص 387) قال قلت لأبي عبد اللّه من شك في رسول اللّه، قال كافر قال قلت فمن شك في كفر الشاك فهو كافر فأمسك عنّي فرددت عليه ثلاث مرات فاستبنت في وجهه الغضب.

و تقريب الاستدلال ان هذه الرواية تكون شارحة للموضوع اى هذا الشخص كافر فينطبق عليه حكم كل كافر نجس.

و منها صحيحة ابن سنان (في الوسائل باب 2 من أبواب مقدمة العبادات) من شك في رسول اللّه فهو كافر.

و تقريب الاستدلال بهذه أيضا يكون واضحا مثل ما سبق فهو يكون في صدد بيان الموضوع فلو كان لنا كبرى كل كافر نجس يصحح موضوعه بهذه.

و منها ما دلت على ان الكفر إنكار و جحد و هي الطائفة الثانية منها صحيحة زرارة (في الكافي ج 2 و في الوسائل باب 2 من مقدمة العبادات ح 7) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لو أن العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا.

و تقريب الاستدلال انهم لو جهلوا و جحدوا يكونون من الكفار و هذا يكون مفهوم الرواية فتكون مبيّنة للموضوع و أم لو جهلوا و لم ينكروا فلا كما هو منطوقها.

و منها رواية أبي بصير (الكافي ج 2 ص 299) بعد بيان حكم الشاك في اللّه و في رسوله بأنه كافر فيها ثم التفت الى زرارة فقال انما يكفر إذا جحد و الظاهر ان الذيل يكون قرينة الصدر فالجحود سبب للكفر.

فتحصل أن الطائفتين من الروايات تكونان معارضتان بجعل مدار الكفر الشك‌

226

في البعض و الجحد مدار بعضها الأخرى فنقول ان الايمان تارة يكون واقعيا قلبيا و تارة يكون غيره اى يكون منشأ أحكام الشرع و هذا يقبل الجعل فإنه يمكن ان يتصرف فيه الشارع.

إذا عرفت ذلك فتارة يكون المسلم مسلما حقيقة ثم يشك لايرادات من المخالف مثل الطائفة البهائية و تارة يكون شاكا ابتداء فيمكن ان يجمع بين الروايات بان نقول الشاك الابتدائي لو كان قاصرا كافر و الشاك بعد الإسلام لا يكون كافرا و لو كان مقصرا و الشاهد عليه رواية عبد الرحيم القصير (باب 2 من أبواب مقدمة العبادات ح 18) و فيها قوله (عليه السلام) و لم يخرجه الى الكفر الا الجحود و الاستحلال فان من كان مسلما لا يخرجه عنه الا الجحود لا الشك.

لا يقال ان الشاك يمكن ان يكون قاصرا فإذا كان كذلك لا يمكن القول بنجاسة الشاك الابتدائي إذا كان قاصرا.

لأنا نقول (1) إطلاق الدليل يشمل صورة كون الشاك قاصرا أو مقصرا فلا وجه للإيراد هنا و ما قيل من ان ما دل على الكفر مطلقا شاكا أو غيره يكون لبيان حال المعاد و ما دل على ان الجاحد كافر فالمراد بالكافر هو الشرعي، لا وجه له لان هذا ادعاء بلا دليل فإذا وصل إلينا دليلان من الشرع يجب محاسبتهما معا و التقييد خلاف الظاهر.

و ربما يستفاد من القرآن ان الشاك كافر و هو قوله تعالى «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدٰاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ».

فإن إطلاق الكافر على المريب قد كان في الآية و لكن لما يكون ذيلها‌

____________

(1) على انا نقول على فرض تخصيص كفره بصورة كونه مقصرا لا يضرّ بالجمع فان الروايات تحمل على هذا المورد.

227

الخوف عن العذاب يكون راجعا إلى أمر المعاد لا الكفر (1) الشرعي فعند تعارض الأدلة يرجع الى مرتكز أهل الشرع.

ثم انه لا شبهة و لا ريب في ان منكر الألوهية و الرسالة و التوحيد نجس و اما منكر المعاد مثل الكسروي القائل بأن اللّه لا يكون شأنه الانتقام فهل يكون نجسا أم لا؟ ربما يقال بأنه يصدق الكفر عليهم فان في الآيات ان من كان يؤمن باللّه و اليوم الأخر يكون مؤمنا و اما من لا يكون كذلك اى يكون فيه الايمان باللّه و باليوم الأخر معا فيكون كافرا.

و لا يخفى انه لو رجع الى إنكار الرسالة فسيجي‌ء حكمه و لكن مع قطع النظر عن ذلك فما هو الظاهر انه لا يصدق الكفر على هذا العنوان اى عنوان إنكار المعاد نعم يصدق عليه الكافر بكفر و أخروي الا ان يرجع الى إنكار الرسالة أو إلى أذهان المتشرعين الذين يكونون من العرف الخاص على فرض عدم عرف عام.

فتحصل ان الكافر نجس بما هو في أذهان المتشرعين و هو منكر الألوهية و التوحيد و الرسالة و المعاد.

فيمن أنكر ضروريا من ضروريات الدين أقول في هذا الفرع تارة نقول ان الإنكار للضروري لرجوعه إلى إنكار‌

____________

(1) أقول لا إشكال في ان يكون الكفر هنا هو الشرعي لأن الآية تكون في مقام ردع مشركي مكة و التعبير بالريب يكون دارجا في الكلمات حتى عند الإنكار فإنك تقول لمن أنكر أشد الإنكار ان كنت في ريب فأتنى بجوابه أو افعل كذا، مع انك تعلم انه منكر فهم كفار شرعا و جعل لهم العذاب على انه على مسلكه أيضا يمكن ان يقال ان شكهم كان ابتدائيا فهم كفار شرعا.

و الحاصل انهم كانوا منكرين لا الشاكين و كانوا بصدد المحاجة فما ذكر في الرد غير تام ظاهرا.

228

الرسالة كفر و تارة نقول نفس إنكار الضروري يكون سببا للكفر فالبحث في مقامين: الأول ما يرجع الى إنكار الرسالة فإن من أنكر، تارة يعلم انه ضروري من الدين و تارة يجهل و على هذا التقدير اما ان يكون متوجها الى ان هذا يرجع الى إنكار الرسالة و تارة لا يتوجه الى ذلك فان من يعلم ان الذبح في المني يكون مما جاء به النبي (صلى اللّه عليه و آله) و لكن يرى في نفسه ان هذا الزمان لا يقتضي ذلك لا يكون متوجها الى ان هذا يرجع الى إنكار الرسالة.

فعلى الأول لا شبهة في انه كفر لانه من إنكار الرسالة و لكن ما في كلماتهم من انه يرجع الى إنكارها فيه تسامح لانه يرجع الى التبعيض في ما جاء به النبي (صلى اللّه عليه و آله) فكأنّه يؤمن ببعض و يكفر ببعض و ينطبق عليه الكفر و من هنا يظهر انه لا يحتاج في إثبات الكفر الى كون الإنكار للضروري فإن من التفت الى انه من الدين و لم يقبله يكون كافرا فان الخمر إذا كان حراما و منه الفقاع، فإن أنكر حرمة الفقاع آمن ببعض و كفر ببعض مع اعتقاده بان هذا مما قاله النبي (صلى اللّه عليه و آله) .

و اما في صورة عدم الالتفات الى كونه من الدين و الى التنافي فسيجي‌ء حكمه و اما من اعتقد عدم التنافي على مسلك فاسد في العقيدة و هو جواز سهو النبي (صلى اللّه عليه و آله) في الأحكام كما عن بعض العامة فيرى سهو النبي (صلى اللّه عليه و آله) في حرمة الفقاع مثلا فعلى هذا يكون معتقدا بعدم التنافي فهو كافر (1) يقينا أي في صورة اعتقاد سهو النبي (صلى اللّه عليه و آله) اما لأوله إلى إنكار الرسالة أولا، لأن هذا يكون خلاف القرآن في قوله تعالى إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوىٰ لأن معنى سهوه (صلى اللّه عليه و آله) يوجب ان يكون أحكامه خلاف الواقع و مع تفوه السهو في الأحكام ينسد باب الرسالة لأنه لا يختص بحكم دون حكم فعلى التحقيق السهو‌

____________

(1) أقول لو وجدنا من لا يصل عقله الى أكثر من هذا ففيه اشكال و لكن ما يسهل الخطب ان البرهان على فساده واضح لمن يكون له ادنى تعقل فإنه لٰا إِكْرٰاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.

229

منه في الموضوعات الغير المستتبعة للاحكام لا يجوز و ان قال به الصدوق (قده) فضلا عما يستتبع الحكم كما في المقام فإنه لو كان لأمثال هذه الاحتمالات مجال فيكون في كل حكم كذلك فان من شأنه السهو يمكن ان يسهو في سائر الموارد أيضا.

و اما غير الملتفت اى من كان إنكاره لاعتقادات أخذها عن المصاحبين مثل العوام فقالوا أيضا ان هذا يكون كافرا و التسامح لا يفيد فان نظائره مثل من أنكر اللّه تعالى تسامحا يكون كافرا مثل منكر المعاد هذا كلامهم (قدس اللّه أسرارهم) و لكن عندي (1) في هذا نظر لان الاعتقاد باللّه تعالى و رسوله (صلى اللّه عليه و آله) بأيّ طريق حصل فقد حصل و هذا الشخص قد اعتقد بالدين و لكن لا يكون توحيده كاملا لانه لا يلتفت الى المناقضة في اعتقاده. فتحصل مما تقدم ان التقييد بالضروري كما قال الشيخ (قده) لا شأن له لانه على الفرض الأخير أيضا لا دخل لكونه ضروريا سواء حكم بالكفر أو الإسلام.

ثم هنا تفصيل للشيخ (قده) و لا يتم و هو انه يقول تارة يكون الاعتقاد بالخلاف عن قصور و تارة عن تقصير فحكم بان القاصر لكونه مأمونا من العذاب لا يكون كافرا، و وجه عدم تمامية كلامه هو ما مرّ من ان الملاك في تشخيص الكافر عن غيره يكون من جهة انه موضوع للحكم الفقهي فيمكن ان لا يكون عليه العذاب في النشأة الأخرى و يكون كافرا في الدنيا فلا يكون منافاة بين القول بعدم العذاب و النجاسة.

____________

(1) أضف اليه ان أكثر عوامنا يكون حالهم كذلك فإنهم مع انه لو سئل عنهم هل تعتقد باللّه و برسوله؟ يجيب بجواب مثبت و يعتقد انه معترف باللّه و برسوله و لكن للجهل بالحكم ينكر هذا الحكم و لكن لما يكون أكثر أهل الفسق عملهم العناد و عدم التوجه الى كلمات العلماء الأمناء فالاجتناب عنهم احتياطا حسن و اما من اعترف بأنه عاص فهو مؤمن لا اشكال فيه.

230

بقي في المقام شي‌ء و هو حكم المؤوّلين و هم على طائفتين: طائفة يأوّلون الأحكام، و طائفة يؤولون الاعتقادات: فالأولى مثل بعض من تبع الصوفية بان المرشد لا يكون له صلاة لانه و قد وصل الى الحق فإن سرّ الصلاة إتيان اليقين و يكون هو متيقنا بزعم باطل من قوله تعالى «وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ».

و الثانية مثل بعض مردة الحكماء القائلين بأن الرسالة تكون للإرشاد فيكون هذا الحكيم أو ذاك أيضا هاديا لنبوغه و لو أنكر شخص الحكيم بأني لا أكون الا خادما لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في الفهم فهل يحكم بكفر هذا القائل و المؤول في الفروع؟ ربما يقال بأنه كافر لانه يمكنه ان يتفحص بطريق عقلائي ليصل الى المطلوب الحقيقي.

و فيه ان هذا الشخص القائل بأن المرشد لا يجب عليه الصلاة لا يكون لاعتقاده ان هذا من دين الإسلام ليكون إنكاره إنكارا للإسلام بل عقيدته انه لا يجب عليه في أصل الشرع فلا دليل لنا على كفر هذا الشخص و الروايات أيضا غير دالة على المطلوب و ستجي‌ء بعيد هذا.

و اما المؤولون في الاعتقادات مثل ما مر من ان بعض الحكماء لنبوغهم يعتقد في حقهم عدم الاحتياج لهم إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فهذا لا شبهة في نجاسته لانه يكون إنكارا لإطلاق الرسالة لانه (صلى اللّه عليه و آله) يكون لكافة الناس رسولا فإنه و ان كان لشبهة غير عقلائية، يحكم بكفره فنفرق بين التأويل في الفروع و الأصول.

هذا كله في المقام الأول و يتلوه البحث عن المقام الثاني و هو انه لو لم يرجع الإنكار إلى إنكار الرسالة فهل يكون له موضوعية للتنجيس أم لا فيه قولان: فان كثيرا من الفقهاء يقولون بان له الموضوعية لأدلة غير تامة و بعضهم على خلاف ذلك فأدلتهم كثيرة نذكر اثنين منها: الأول ما عن الشيخ الأنصاري (قده).

فإنه يقول الدين عبارة عن مجموع الاعتقادات فكل من تحلّى بها يكون مسلما و من الظاهر ان من أنكر بعضها ما اعتقد بالمجموع من حيث المجموع‌

231

فان الدين عند اللّه الإسلام أي جميع ما فيه من الاعتقادات و الفروع فخرج من أنكر بعضه عن ربقة الإسلام.

لا يقال ان بعض الفقهاء أيضا يشتبهون في بعض الاحكام فهل يمكن ان يقال انهم كفار لأنا نقول ان الطريق الذي يكون بأيديهم يكون عقلائيا و من الدين مثل أدلة الأصول و القواعد فان الدين جعل له في هذه و العمل بها هذا. و لكن كلامه (قده) (1) غير تام لان الدين كما ذكره يكون مجموع المعتقدات و لكن الاعتقاد الإجمالي يكفي و الا يخرج أكثر الناس عن ربقة الإسلام فإن من لا يلتفت الى ان الفقاع حرام لعدم وصول دليل اليه لا يرجع إنكاره إلى إنكار الدين.

و الحاصل ان من له اعتقاد إجمالي لجميع ما جاء به النبي و لكن لمبان واهية اعتقد بخلاف حكم من الاحكام لا يكون كافرا لانه يكون قابلا للجمع من الاعتقاد بالرسالة.

هذا بحسب القواعد و اما الروايات الواردة في المقام فعلى طائفتين: منها ما دل على ان منكر الضروري كافر و منها ما دل على ان المعتقد باللّه و برسوله اى الشهادتين مسلم.

و من الروايات في الطائفة الأولى صحيحة أبي الصباح الكناني (باب 2 من أبواب مقدمة العبادات ح 13) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) من شهد ان لا إله إلا اللّه و ان محمدا (صلى اللّه عليه و آله) رسول اللّه كان مؤمنا قال فأين فرائض اللّه‌

____________

(1) أقول ما يسهل الخطب ان الظاهر رجوعه إلى إنكار إطلاق الرسالة و نفس الإنكار لا شأن له الا هذا حتى ان العوام ان باحثوا عن أمثال هذه المطالب يحترزون عن القائل بأمثال هذه الأراجيف لاعتقادهم ان هذا الشخص منكر للّه و لرسوله (صلى اللّه عليه و آله) و لا يرون لنفس القول موضوعية من باب الايمان بالبعض و الكفر ببعض آخر فحيث لا يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة لجهله بان هذا من الدين لا يكون كافرا مثل العوام.

232

الى ان قال ثم قال فما بال من جحد الفرائض كان كافرا.

و هذه الرواية مطلقة بأن منكر فرع من فروع الدين كافر فيتم المطلوب و يصير موضوعا لكبرى كل كافر نجس لو كان لنا كبرى كذلك.

و فيه ان في الرواية يكون عنوان جحد الفرائض في صورة عدم رجوعه إلى إنكار النبوة و من لا يلتفت الى ان هذا الحكم يكون من الدين لا يصدق في حقه الإنكار إلا بالعناية و مع قطع النظر عن هذا الاشكال لا اختصاص له بالضروري.

و منها (باب 2 من أبواب العبادات ح 18) رواية عبد الرحيم القصير الإسلام قبل الايمان و هو يشارك الايمان فإذا اتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى اللّه عنه كان خارجا من الايمان فإن تاب و استغفر عاد الى الايمان و لم يخرجه الى الكفر و الجحود و الاستحلال و إذا قال للحلال هذا حرام و للحرام هذا حلال و دان بذلك فعندها يكون خارجا من الايمان و الإسلام إلى الكفر.

و تقريب الاستدلال ان في صورة تغيير الحرام و الحلال و التدين به يكون خارجا عن دين الإسلام سواء كان هذا راجعا إلى إنكار الرسالة أم لا لإطلاقها علم به أو لا يعلم ضروريا أو غيره لشبهة عقلائية أو غيرها و لكن الفقهاء قيدوه بالضروري.

و فيه ان في الرواية قوله (عليه السلام) «و دان بذلك» فان الدين هنا هو التشريع و جعل الدين من قبل نفسه باعتبار قصور في الرسالة أو قصور هذا الحكم بالنسبة الى هذا الزمان و لا يصدق هذا التعبير إلا في هذه الصورة.

و منها رواية (في باب 2 من مقدمة العبادات) عبد اللّه بن سنان قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يرتكب الكبيرة فيموت هل يخرجه ذلك من الإسلام و ان عذب كان عذابه كعذاب المشركين أم له مدة و انقطاع فقال من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم انها حلال أخرجه ذلك من الإسلام و عذب أشد العذاب و ان كان معترفا انه ذنب و مات عليها أخرجه من الايمان و لم يخرجه من الإسلام و كان‌

233

عذابه أهون من عذاب الأول.

و تقريب الاستدلال بإطلاق خروج مرتكب الكبيرة عن الإسلام سواء كان عالما أم لا لشبهة عقلائية أو غيرها فإذا كان ضروريا يكون اعتقاد خلافه الكفر و هو يكون من القدر المتيقن و الا فإطلاقها يشمل غير الضروري أيضا.

و فيه ان التعبير بالكبيرة يستفاد منه ان هذا مقيد بصورة العلم لأن الكبائر بعنوان انها حرام تكون معلومة لكل واحد من المسلمين.

و هنا روايات أخرى أضعف مما ذكر و لا يكون فيها دلالة على ان صرف الإنكار يوجب الكفر و لو لم يرجع الى إنكار الرسالة بل يكون في صورة كونه كذلك و لو أغمضنا عن ذلك و سلمناه نعلم يقينا ان هذه الروايات لا يكون إطلاقها صحيحا فإن الإجماع قد ثبت بان من غيّر حكما لشبهة عقلائية لا يكون كافرا.

و الحاصل ان لنا مرجحات بان الكفر يختص بصورة التنافي كما مر من التعبير بالكبيرة و الإجماع على خروج من كانت شبهته عقلائية، فاما ان يرجع في دلالتها الى المرجحات التي ذكرناها أو تصير مهملة مجملة و مع قطع النظر عن جميع ما ذكر تكون في مقابلها روايات معارضة معها بأن الإسلام هو الشهادتان:

فمنها ما في موثقة سماعة (في الكافي ج 2 طبع جديد ص 25 ح 1 من باب ان الأيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الايمان) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أخبرني عن الإسلام و الايمان! أ هما مختلفان فقال: ان الايمان يشارك الإسلام و الإسلام لا يشارك الايمان فقلت فصفهما لي فقال: الإسلام شهادة ان لا إله إلا اللّه و التصديق برسول اللّه صلّ اللّه عليه و آله به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث إلخ.

و تقريب الاستدلال واضح من جهة الفرق بين الإسلام و الايمان و ان الإسلام يكون هو الإقرار بالشهادتين. و كيفما كان تكون الروايات معارضة فيمكن الحمل بأنه في صورة كون الاعتقاد على الخلاف في حكم من الاحكام و فرع‌

234

من الفروع لا يخرج عن الإسلام الموضوع للحكم بل يخرج عن الإسلام المساوق للايمان.

فتحصل من جميع ما تقدم ان منكر حكم من الاحكام إذا لم يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة لا يكون له موضوعية للكفر حتى نبحث عن حكمه و على فرض وجود الموضوع اى تصحيح موضوعيته لا يكون لنا كبرى بان كل كافر بكل نحو من الكفر نجس فان العلماء (رضوان اللّه عليهم) قد افتى جمع منهم بطهارة اليهود و النصارى فالإجماع المدعى في المقام غير صحيح.

في عدم لزوم مطابقة الإقرار مع ما في القلب في تحقق الإسلام الظاهري ثم ان الإسلام هل يكون منوطا بإظهار الشهادتين لفظا و يكفى مع العلم بالخلاف أو مع عدم العلم به أو لا يحتاج إلى الإظهار أو يفصل بين من كان مسلما فشك فيه فلا يحتاج الى محرز و إبراز و بين من كان كافرا و يريد ان يدخل في الإسلام فيجب الإظهار وجوه و أقوال:

اما صورة الإظهار مع العلم بخلافه باطنا فهو طاهر و الدليل عليه وجوه أحسنها معاشرة النبي (صلى اللّه عليه و آله) و معاملته معاملة الإسلام مع من كان عالما بأنه ما آمن باللّه تعالى طرفة عين كما يكون في حق بعضهم و كذلك كان أمير المؤمنين (عليه السلام) فإن السيرة منهما (عليهما السلام) تكون من المسلمات و لما كان في صدر الإسلام لا يحتمل كونه حكما سياسيا و الا يلزم ان يكون الحكم الى يوم القيامة خلاف الواقع لان المرجع يكون كلمات النبي صلّ اللّه عليه و آله و أفعاله فإنه في الموارد العديدة في الحرب و غيره و في الأشخاص المختلفة إذا حكم بالإسلام مع عدم الخوف عن بعضهم مثل الأعراب البدوي نفهم ذلك منه.

الدليل الثاني الآية المباركة في سورة الحجرات «قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا

235

قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ».

و تقريب الاستدلال بها ان الآية مع حكمها بأنهم لا ايمان لهم يحكم بأنهم مسلمون فلا يكونون كفارا فان الايمان يكون في القلب و يظهر أثره في القيمة و الإسلام يظهر أثره في الدنيا من حفظ الدماء و الأموال و اما الروايات فمن طريق العامة و الخاصة فكثيرة فعن الخاصة روايات في الوسائل.

فمنها ما (في باب 1 من أبواب العبادات ح 15) عن أبى جعفر (عليه السلام) في حديث قال بني الإسلام على خمس: شهادة ان لا إله إلا اللّه و ان محمدا عبده و رسوله و اقام الصلاة و إيتاء الزكاة و حج البيت و صيام شهر رمضان.

و تقريب الاستدلال إطلاق الحكم بان الشاهد باللّه يكون مسلما يشمل حتى صورة النفاق و عدم مطابقة ما في اللسان لما في القلب. و قد أشكل عليها بان هذه الرواية تكون واردة مورد حكم آخر و هو دفع توهم كثرة المبدئية للإسلام فإنها دلت على ان المبدء هو الشهادة باللّه و برسوله لا شي‌ء آخر و اما ان هذا و و لو لم يكن جدّيا أيضا يكفي فلا تكون بصدده على ان معنى الشهادة هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية.

و فيه ان الإطلاق يستفاد من ارتكاز الناس و سيرة النبي (صلى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) فبضميمة ذلك يتم الاستدلال بها على المطلوب.

و اما الإشكال بأن الشهادة هو القول المطابق للواقع فغير وجيه فإن الأخبار يصدق حتى بالقول و لو لم يكن له واقع (1).

و اما ما عن العامة ففي الصحيح عن البخاري «انى أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه و ان محمد صلّ اللّه عليه و آله رسول اللّه كي يصون بذلك أموالهم و دمائهم».

و تقريب الاستدلال بإطلاق الرواية من جهة كونهم معتقدين أم لا فان صون‌

____________

(1) أقول و الشاهد عليه ان الشهادة تقسم قسمين الكاذبة و الصادقة فلو لم يصدق عنوانها الا على الصادقة فلا يبقى معنى للشهادة الكاذبة.

236

الأموال و الدماء لا يكون مختصا بحال دون حال و لكن العمدة في المقام السيرة التي قد مر ذكرها.

و مما ذكر من الدليل قد ظهر فساد القولين الآخرين و هو الشك في المطابقة و اشتراط المطابقة بالأولوية.

و اما قول المفصل و هو انه لو كان له سابقه الإسلام مثل الصبي المسلم أحد أبويه انه لا يحتاج إلى الإبراز و اما من كان له حكم الكفر مثل ولد الكافر فيحتاج إلى الإقرار للخروج عن الكفر.

و الدليل عليه ان سيرة المسلمين تكون على عدم أخذ الاعتراف عن الصبيان اى صبيان المسلمين إذا بلغوا حدّ التكليف و يحكمون بإسلامهم و يرتبون عليه الآثار و الشاهد ما تقدم من قوله (عليه السلام) «إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يجحدوا لم يكفروا» فالمسلم ما يوجب كفره يكون هو الجحود فلا يحتاج إلى أزيد من الوقفة و اما من له سابقه الكفر فيجب له إبراز الايمان.

و فيه ان هذا لم يرجع الى محصل لانه لا معنى له في المسلم الحقيقي و كذا الكافر الحقيقي و اما المسلم الحكمي مثل أولادهم فما دام لا يكون مميزا لا يكون له حكم الا حكم أبيه و إذا صار كذلك فإنه لا محالة يقول لا إله إلا اللّه و لو دفعة واحدة حين البلوغ و اما ان كان الكلام في من لا يقوله حتى دفعة فنقول يجب الإظهار للحكم بإسلامه.

و اما السيرة فلا تتم حتى فيمن نقطع بأنه ما قال في عمره حتى دفعة واحدة لا إله إلا اللّه، فهو كافر قبله و اما الرواية فلا إطلاق فيها لان الظاهر منها ان المسلم الذي كان له سابقه الإسلام و حصل له الشك لا يخرجه ذلك عن الإسلام.

ثم انه لو كان له واقع بدون القول اى يعتقد بان اللّه واحد و ان محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فهل يكفى للحكم بالإسلام أم لا فيه قولان: فمن جهة أنه أنيط الإسلام بالإبراز و عنوان الشهادتين في الروايات لا يفيد و من جهة ان الاعتقاد في‌

237

قلبه يكون له الأثر بالنسبة إليه فهو كاف في إسلامه (1) و وجه آخر ان يفصل بين ترتيب الآثار لنفسه فلا يحتاج أو لغيره فيحتاج و كان التفصيل عندي حسنا:

في نجاسة أولاد الكفار

قوله: و ولد الكافر يتبعه في النجاسة إلا إذا أسلم بعد البلوغ أو قبله مع فرض كونه عاقلا مميزا و كان إسلامه عن بصيرة على الأقوى.

أقول و لتوضيح المطلب يجب نقل مقدمتين المقدمة الأولى: في أن التبعية في المقام هل تكون مثل التبعية في الكلب و الخنزير اى يسرى نجاسة الآباء إلى أولادهم من جهة الكفر أم لا فيه خلاف و الظاهر من قول بعضهم ان المقام لا يكون مثل تبعية ولد الكلب و الخنزير فان عدم الاعتقاد الذي يكون من أوصاف النفس الناطقة لاعوجاجها لا يسرى الى الولد فإن التبعية في غيره يمكن ان تكون من جهة السموم الذي يكون في ذات الكلب فينتقل الى ابنه و قد صرّح الفقهاء بأنها هنا لا يكون مثلها في الكلب و الخنزير.

و لكن التحقيق ان يقال لو لم نقل بأن نجاسة الكافر تكون سياسية بل كانت ذاتية لا إشكال في ان يقال ان السموم من الكافر قد انتقل الى ولده و لا يكون هذا محالا عقلا فالوحشة من اتحادهما في المعنى في غير محلها على انه لو كان من صفات النفس و كانت سياسية أيضا فكثيرا ما ينتقل الى نفس الولد أوصاف الآباء و الأمهات.

المقدمة الثانية في النسبة بين الكفر و الإسلام، فتارة يقال ان الكفر يكون هو عدم الإسلام من باب عدم الملكة و ما يترتب عليه هو ان من لا يكون له الإقرار و لا الإنكار ان يكون كافرا لأن الإسلام يكون بالشهادتين.

و تارة يقال ان النسبة بينهما التضاد فكما ان الإقرار يوجب الإسلام كذلك‌

____________

(1) أقول الكاشف عن الاعتقاد لا يختص بلفظ خاص بل بأي نحو فهمنا اعتقاده يكفى للحكم بالإسلام.

238

الإنكار يوجب الكفر و ينتج ان ولد الكافر لو لم يكن له إقرار و لا إنكار لا يكون كافرا (1) و لكن لا يقولون بهذا في جميع المقامات كما في المميز فإنه عليهذا يجب ان يقال انه لو لم يقرّ و لم ينكر لا يكون نجسا و لكنهم حكموا بكفره مع عدم الإقرار فمن هنا اى ارتكاز المتشرعين في المميز يفهم ان النسبة بينهما العدم و الملكة.

إذا عرفت ذلك فان الفقهاء جعلوا البحث في المميز و غيره من أولاد الكفار واحدا و لكن الأولى ان يجعل البحث في كل واحد بخصوصه فنبحث أولا عن غير المميز و ثانيا عن المميز فنقول ان الولد إذا كان غير مميز فقالوا بأنه نجس.

و قد استدل على نجاسته بوجوه: منها الاستصحاب و هو أصالة تبعية الجنين في الرحم اى هذا الولد إذا كان في رحم الأم كان جزء منها و كان نجسا فإذا انفصل نشك في حدوث الطهارة فيستصحب بقاء النجاسة. و فيه ان الموضوع كما مر قد انقلب و الحكم لا يكون عليه و كذلك استصحاب نجاسة الدم أيضا لا وجه له بان نقول ان هذا حين كان دما في الرحم كان نجسا فنشك في هذا الحين فيستصحب النجاسة لانقلاب الموضوع هنا أيضا.

و منها تنقيح المناط القطعي فإن ولد الكلب إذا كان نجسا فكذلك الكافر و قد ذهب اليه الشيخ فان الكافر يكون مثل الكلب.

و فيه ان هذا يكون شبيها بالاستحسان فان الولد إذا لم يكن منكرا و كان المناط في الحكم بالكفر الإنكار فلأيّ جهة يحكم بكفره.

و منها روايات في المقام: فمنها رواية وهب بن وهب عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) عن أولاد المشركين مع آبائهم في النار و أولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة.

____________

(1) أقول هذا لان نفى احد الضدين لا يوجب وجود الضد الأخر فإن قلنا ان الثوب لا يكون اسود لا يلازمه ان يكون أبيض كما ثبت في محله.

239

و منها مرسلة في الكافي. فاما أطفال المؤمنين فإنهم يلحقون آبائهم و أولاد المشركين يلحقون آبائهم و هو قول اللّه عز و جل بِإِيمٰانٍ أَلْحَقْنٰا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ.

و تقريب الاستدلال ان التبعية في دخول النار و الجنة بالنسبة إلى أولاد المسلم و الكافر متحققة و لا يكون لها وجه الا لترتب عنوان الكفر على ولد الكافر فيكون نجسا و ترتب عنوان الإسلام على ولد المسلم.

و قد أجاب عنها العلماء بان هذا يكون خلاف العدل و يكون مخالفا لمسلك العدلية لأن الولد الذي لا يكون مجرما و ما فعل حراما لا يكون من العدل ان يدخل في النار بصرف كونه ابنا للكافر.

و لكن التحقيق (1) ان هذا يكون لإثبات التنفر عن الآباء فإن الأخبار يكون بيانا عن أمر طبيعي بأن المسلم أولاده يصير مسلما و أولاد الكافر يصير كافرا فيكون طعنا بالآباء و لا يكون المقصود هو الصبيان اللذين هم كالبهائم و لو لم يقبل ذلك ففيه إشكالات منها انه يكون خلاف مسلك العدلية و منها ان الكفر يكون هنا الكفر الأخروي فالدلالة و السند كلاهما ضعيفان و لا يمكن الاتكال على هذه الرواية لإثبات النجاسة.

و منها صحيحة ابن سنان قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث قال (عليه السلام) كفار، و اللّه اعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم (في الفقيه ب: 151 ح: 2) و تقريب الاستدلال ان فقرة انهم كفار تدل على انهم اما كفار حقيقي و اما تنزيلي و إطلاقها يدل على انهم كفار في الدنيا و الآخرة.

و قد أشكل عليه بان كلمة الموت تدل على ان الكفر يكون بالنسبة الى‌

____________

(1) أقول ان هذا كلام حسن و لكن يكون خلاف ظاهر الرواية فإن ظاهرها انهم معهم في الجنة و النار و الأقوى الإشكال عليه بان هذا يكون لإثبات الكفر في الآخرة لا في الدنيا ثم الإشكال بأنه خلاف مسلك العدلية.

240

أمر الآخرة هذا أولا و ثانيا يكون ذيلها مخالفا لمسلك العدلية فإن اللّه تعالى لما يكون عالما بعواقب الأمور لا يصح ان يكون سببا لتعذيبهم.

و فيه ان الموت يكون ظرف الحكم و غايته أمد الموضوع اى ان هذا الموضوع الذي قد ذهب عن الدنيا يكون من الكفار و اما الذيل فيكون من شواهد انه لا يكون لأمر الآخرة لأنه يصير خلاف مسلك العدلية فان السميّة موجودة و لكن لا يكون معذبا في الآخرة فيكون الاجتناب عنه لكونه مسموما. و منها رواية حفص بن غياث (باب 41 من جهاد العدوّ ح 1) سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليه المسلمون بعد ذلك فقال (عليه السلام) إسلامه إسلام لنفسه و لولده الصغار و هم أحرار و ولده و متاعه و رقيقه له و اما الولد الكبار فهم في‌ء للمسلمين الا ان يكونوا أسلموا قبل ذلك.

و تقريب الاستدلال بأن الأولاد الصغار حيث لا يكونون مكلفين يكونون تابعا لآبائهم فإن الكافر إذا أسلم يكون ولده أيضا تابعا و هو يرشد بان الولد حين الكفر يكون تابعا لأبيه في الكفر ان كان باقيا عليه و هذا هو المطلوب.

و فيه ضعف السند أولا و الدلالة ثانيا فيمكن ان يكون تأييدا للدليل الذي هو السيرة لأن التنزيل في جانب الكفر حتى في النجاسة فيه خفاء بل يحتمل كما احتملوه بان التنزيل في طرف الإسلام يكون لشرف الإسلام و اما في الكفر فلا، فقياس الكفر به شبيه بالاستحسان و مع قطع النظر عن ذلك يكون لنا روايات معارضة لهذه و هي ما دل على ان أولاد الكفار في القيامة يمتحنون بأمرهم بإدخال النار ثم ان صاروا مطيعين لهذا الأمر و ذهبوا الى النار يرجعون إلى الجنة و ان أبوا فإلى النار.

و لكن هذه أيضا ضعيفة من جهة ان اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل كما ان تلك الروايات ضعيفة من جهة كونها خلاف مسلك العدلية.

و قد جمع صاحب الوافي بان التبعية تكون في نشأة البرزخ و الامتحان‌

241

في القيامة و هو كما ترى لا تجدي فائدة فقهية بل هو مطلب ذوقى عرفانى لو ثبت.

و قد قال صاحب الحدائق ان الاختيار يكون لأولاد المؤمنين لا، لأولاد المشركين فإنهم يتبعون آبائهم و عليهذا يكون مفيدا للفقه و لكن لا يكون للجمع وجه فان جمع بما نقول بان الروايات الدالة على التبعية تكون للنجاسة في هذا العالم و ما دل على الامتحان يكون منوطا بنشأة الآخرة فهو أحسن.

فتحصل ان الدليل على التبعية في الأولاد الغير المميزين هو السيرة القطعية من المسلمين فإنهم من البدو الى الآن يجتنبون عنهم كما يجتنبون عن آبائهم بل يمكن دعوى الإجماع و لا يضر به دغدغة صاحب المعالم.

و ما قال بعض الفقهاء بان الطبع لا يلائم ان يكون الكفر الذي هو الصفة النفسية يرجع الى أولادهم فلا يكونون مثل الكلب و الخنزير فالفتوى بالنجاسة لوهن الإجماع و لاشمئزاز الطبع مشكل، غير وجيه فان حالهم بالنسبة إلى أولادهم مثل الكلب و الخنزير و لا يبعد عقلا فيمكن ان يكون الكفر أيضا موجبا لسمّ ينتقل الى الولد فإذا كان لنا دليل إثباتا لا إشكال في القول بالنجاسة.

و اما الولد المميز فهل كان تابعا لأبويه إذا كان في حجر أبيه و لو أسلم أم لا أو يكون تابعا في صورة عدم الإسلام دون من صار مسلما لاستقلاله في العقيدة فيه خلاف.

و التحقيق هو القول الأخير فإن المميز يكون فردا مستقلا فان الخطابات العقلية لا شأن للبلوغ فيها ابدا و كذلك الخطابات الفرعية بالنسبة إلى الاحكام فان الولد المميز، ان تهوّد أو تنصّر يحكم عليه بالكفر لانه كافر و ان أسلم يكون مسلما لان المدار يكون على العقل.

لا يقال لا شأن لإسلامه كما انهم قالوا بان ولد المسلم المميز لو أنكر الإسلام و تبرّء عنه لا شأن لتبرئة فإنه تابع لأبويه و الدليل عليه حديث رفع القلم و عموم التبعية و الرفع لا يختص بالمؤاخذة فقط بل يشمل الآثار الوضيعة أيضا‌

242

و كذا إطلاق دليل التعبية يشمل حتى صورة الإنكار.

لأنا نقول لا يكون الأحكام الوضعية منوطة بحديث الرفع فان الآثار الوضعية لا ترفع بل ما يرفع هو المؤاخذة فلا يكون للمميز تكاليف شرعية (1) بلحاظ المؤاخذة لا بلحاظ أصل التكليف. و الحاصل ان قيل انه رفع القلم عن الصبي فلا يكون معناه انه لو اعتقد ما يوجب كفره لا يترتب عليه أثر النجاسة فإنها اثر وضعي لا ترفع به.

و من هنا ظهر ان كلام صاحب الجواهر و من قال بأنه في صورة عدم الإظهار و الإنكار يحكم بإسلامه غير وجيه فان خصوص التبعية لا يترتب عليه هذا الأثر.

و اما المميز الذي ما أنكر الإسلام و لا تبع الكفر فان كان الإسلام و الكفر من المتضادين فلا يكون مسلما و لا كافرا و ان كان من باب العدم و الملكة فيكون كافرا.

قوله: و لا فرق في نجاسته بين كونه من حلال أو من الزنا و لو في مذهبه

أقول اختلفت كلماتهم هنا فان من بعضها يستفاد منها ان الخدشة تكون من قصور المقتضى و هو الإجماع أو السيرة لأن المتيقن منه صورة عدم كونه من زنا، الا ان يستفاد مما دل على ان ولد الزنا ليس بولد و لكن هذا لا يكون دليلا لأن السنة الروايات لا تكون نفى الولدية بل تحكم بعدم إرثه و هو يكون تخصيصا في الحكم مع انه ولد تكوينا و ما دلّ بان ولد الزنا نجس لا يكون من جهة النجاسة بل يكون‌

____________

(1) أقول هذا مسلك الشيخ الأنصاري (قده) في الرفع و لكن إطلاق الرفع كما استفدنا منه (مد ظله) في الأصول في حديث الرفع و في الفقه في المعاملات في حديث رفع القلم و هو الحق يوجب رفع مطلق الآثار لكن التكليف يكون متوجها الى كل من يمكنه تلقّيه و لذا عبادات الصبي تكون مشروعة فالحديث منصرف عن الإطلاق.

243

للخباثة للانصراف (1) عن ذلك.

قوله: إذا كان أحد الأبوين مسلما فالولد تابع له إذا لم يكن من زنا بل مطلقا على وجه مطابق لأصل الطهارة.

أقول قد ادعى الإجماع على هذا القول كما في مفتاح الكرامة و شرح المفاتيح و في الخلاف قال دليلنا إجماع الفرقة، فأقول تارة يكون البحث في كون الأبوين كافرين ثم أسلما و كان التولد قبل الإسلام و لا يخفى ان دعوى الإجماع و عدم الخلاف هنا منهم يكون غير دليل التبعية و هو السيرة و الإجماع فإن كان وراء إجماع التبعية إجماع آخر بان كل ولد أسلم أبواه يكون مسلما فيصير دليلا على الطهارة و نستريح كما يظهر من مفتاح الكرامة و اما لو لم يكن لنا إجماع تعبدي بل كان تابعا لا صل التبعية فيجب ملاحظة الإجماع على التبعية أو السيرة فإن كانتا مطلقتين حتى تشملا صورة كون أحد الأبوين مسلما فلا كلام و اما ان كانتا مختصتين بصورة كون الأبوين مسلمين لانه القدر المتيقن فيرجع الى الأصل و لا يخفى ان فرض الكلام يكون في غير المميز الذي لا يمكن ان يحاسب حساب نفسه.

ثم هذا الأصل ربما يقال بأنه يكون استصحاب النجاسة أي حين كان جنينا كان نجسا بالتبع فنشك فيه فيستصحب و قد أشكل عليه بان الحكم بالنجاسة كان من جهة التبعية فحيث ذهبت التبعية لا تكون موجبة للنجاسة.

و فيه ان هذا يكون مندفعا لان الموضوع لا ينقلب عما هو عليه لان العرف لا يرى شخص هذا الولد منقلبا عما هو عليه بواسطة إسلام أحد أبويه و الحاصل لو اخدش في الاستصحاب كما فعل الشيخ و الهمداني (قدس سرهم)ا) يكون لنا قاعدة الطهارة‌

____________

(1) أقول كثرة الروايات و مساقها في باب الحمام و السؤر بحيث يشكل الحمل على غيره و ادعاء الانصراف أيضا مشكل و ان كان لبعض المحامل وجه و لكن لا يكون بحيث يوجب الاطمئنان فلا غرو ان يكون نجسا لكن لا من حيث الكفر بل من جهة أخرى.

244

و لكن لا خدشة فيه و على فرض إطلاق دليل التبعية حتى في صورة إسلام أحد الأبوين ففي المورد يوجد تزاحم بين الملاكين فإن إسلام أحدهما يقتضي الطهارة و كفر الآخر يقتضي النجاسة فيجب ملاحظة الترجيح و يمكن ان يكون المرجح قوله (صلى اللّه عليه و آله) (في مستدرك الوسائل عن غوالي اللئالي باب 1 من أبواب المواريث ح 5) الإسلام يعلوا و لا يعلى عليه نحن نرثهم و لا يرثونا. و قوله تعالى وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.

و تقريب الرواية انه لو كان ملاك الإسلام مزاحما لملاك الكفر يعلو الإسلام على الكفر و قد ذكروا تطبيقها حتى في صورة علوّ جدار الكافر على المسلم و قالوا بعدم جوازه لانه يكون نحو علوّ.

فتحصل انه لو كان لنا إجماع على الطهارة فهو و على فرض عدم إطلاق الإجماع فالمرجع الأصل و ان صارا متزاحمين يجب ملاحظة المرجح و على اى تقدير إذا كان غير مميز و كان أحد أبويه مسلما يكون طاهرا.

هذا إذا كان الولد غير مميز و اما الولد المميز فعلى التحقيق الذي مرّ ان المميز يكون له استقلال سواء أسلم أبواه أو لم يسلما فيكون له حكمه فإن أسلم يحكم عليه بحكمه و الا فلا و ان لم يسلم و لم يكفر فيدور مدار النسبة بين الإسلام و الكفر فان كانت من باب العدم و الملكة يكون كافرا و إلا فلا.

و اما إذا كان أحد الأبوين مسلما قبل التولد فالكلام الكلام الا ان في تلك الصورة كان احتمال الاستصحاب، و لكن هنا لا يكون، لانه لا يقين بنجاسته ليستصحب لانه لا سند لنا للنجاسة.

و اما صورة كون الولد من زنا في صورة إسلام أحد الأبوين فقد نسب الى كاشف الغطاء بان الزنا من أي جهة كان يلحق الولد بالطرف الآخر فلا يكون الحكم بالطهارة واضحا و لعله يكون لقصور دليل التبعية أي لا يكون له إطلاق حتى يشمل صورة كون الولد من زنا و على فرض عدم القصور يمكن ان يكون‌

245

من جهة نفى الولدية بواسطة الزنا فعلى هذا ان كان المسلم زانيا فيكون نجسا للتبعية للكافر و لا يكون له مقتض معارض و ان كان الزنا من طرف الكافر فيكون أسوء حالا.

و فيه ان ولد الزنا ولد حقيقة كما مر فنكون في راحة من هذه الجهة فإن كان للدليل إطلاق يكون الترجيح للإسلام و ان كان مهملا من جهة ان حفظ شرف الإسلام يكون في صورة عدم الزنا و لم يكن لنا دليل أيضا على ترجيح الكفر فالمرجع قاعدة الطهارة و عبارة المصنف على وجه يوافق الأصل غير معلومة لا ندري انه أراد ان للمسألة صور و وجوه فعلى وجه يكون طاهرا أو يكون مراده بالأصل القاعدة (1).

في طهارة ولد الزنا

[مسألة 1- الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين]

مسألة 1- الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين سواء كان من طرف أو طرفين بل و ان كان أحد الأبوين مسلما كما مر.

اختلف كلامهم هنا أيضا: فأقول هل يكون منشأ نجاسة ولد الزنا انه كافر و نجس أو لا بل يكون مسلما نجسا تعبدا بواسطة الروايات وجهان- فان كان الأول فيقولون ان مقتضى جمع الأخبار الذي دل على نجاسة ولد الزنا و القواعد العقلية (أي مقتضى العدل بأنه ليس من العدل إدخاله النار بمجرد ذلك) و الجمع يقتضي ان يكون ايمانه مستعارا فلا يؤمن في الواقع فيكون كافرا نجسا فإنه عند الموت يأخذ الشيطان ايمانه.

____________

(1) أقول و العجب فرقه (قده) بين المقام و صورة كون التبعية في الكفر فإنه لم يفرق في الفرع السابق بين الزنا و الحلال و هنا يفرق مع أن صدق الولد تكوينا يكون فيهما و تمسك بالأصل للطهارة و كيف كان فالحق هو الطهارة بالأصل أو بالدليل.

246

و فيه أولا انه يمكن ان لا يدخل الجنة بل يمكن ان يكون تحت ظل رحمته في مكان آخر و ما دل على انهم في النار يمكن ان يكون فيها متنعما غير معذب (1) فلأي دليل يحكم بعدم إسلامهم و نجاستهم.

و ثانيا لو كان الايمان مستعارا يذهب عند الموت فلأيّ دليل يكون قبله كافرا مع انه أظهر الإسلام و مع عدم الإبراز يكون تابعا لأحد أبويه فكونه كافرا معنويا لا ينافي إسلامه ظاهرا.

و القول الثاني بأنه يكون مسلما و لكن يكون نجاسته تعبديا للدليل فهو كلام فقهي لو تم الدليل عليه و هو الروايات:

فمنها مرسلة وشاء (باب 3 من أبواب الأسئار) أنه كره (عليه السلام) سؤر ولد الزنا و اليهودي و النصارى و المشرك و كل من خالف الإسلام و كان أشد ذلك عنده سؤر الناصب.

و تقريب الاستدلال ان لفظ الكره قد استعمل في المكروه و الحرام و لكن في المقام يكون له قرينة على الحرمة و هي الارداف باليهود و النصارى و معلوم ان سؤرهم يكون حراما فيكون هذا مثلهم و من المعلوم جدّا ان الحرمة لا تكون ذاتية بل تكون للكفر و النجاسة.

و قد أشكل عليها بأن الكراهة تكون أعم من الحرمة و هذا كلام صحيح و لكن السياق لا يدل على ان هذا نجس و لا يخفى أن الوحدة تكون موجودة و لكن يمكن ان يكون فيه مرتبة من الحزازة لا بالحد الذي يكون سببا للحرمة فيكون اتحادهم في قذارة سؤرهم و مع قطع النظر عن ذلك فلو كان لها ظهور تكون مرسلة فساقطة من جهة السند و لا ينجبر بعمل الأصحاب لأنهم أعرضوا عنها فضلا عن الجبر بعملهم.

____________

(1) أقول نفس كونهم في النار يكون عذابا فكيف لا يكونون معذبين فيها اللهم الا ان يريد بها كونهم في مكان من جهنم لا نار فيه.

247

و منها الأخبار الواردة في نجاسة البئر التي تجتمع غسالة الحمام فيها معللا فيها بان ولد الزنا يغتسل فيه (باب 11 من أبواب الماء المضاف ح 1) مرسلة عن احمد بن حمزة عن ابى الحسن الأول قال و سئلته أو سأل غيري عن الحمام قال ادخله بمئزر و غضّ بصرك و لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها ماء الحمام فإنه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم.

و منها ما عن على بن جعفر عن ابى الحسن (عليه السلام): ان أهل المدينة يقولون ان فيه (اى في ماء الحمام) شفاء من العين فقال كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام و الزاني و الناصب الذي هو شر هما و كل من خلق اللّه ثم يكون فيه شفاء من العين (ح 2 من هذا الباب).

و منها ما ورد في رواية عبد اللّه بن يعفور (باب 11 من أبواب المضاف ح 4) و فيها قوله (عليه السلام) ان ولد الزنا لا يطهر إلى سبعة آباء (و في نسخة سبعة أبناء).

و تقريب الاستدلال ان النهي معناه انه نجس لأن الحرمة النفسية لا معنى لها و القرينة عليه الارداف بمن هو نجس مثل الناصب و اليهودي و النصراني فإنها مطلقة من جهة ان تكون النجاسة عرضية أو ذاتية.

و فيه أولا ان هذه الروايات قد مرت في محلها انها لا يستفاد منها نجاسة اليهود و النصارى فضلا عن ولد الزنا بل استفدنا القذارة و الشاهد عليه رواية على بن جعفر و هي ما دل على كذب الناس بان ماء الحمام فيه شفاء العين بان هذا فيه قذارة فكيف يشفي العين فهي ناصة في ان القذارة لا تكون هي النجاسة.

و ثانيا ان استفادة النجاسة تكون من جهة وحدة السياق و هي قد عرفت الاشكال فيها و الشاهد عليه ان ولد الزنا قورن بالجنب و الزاني.

و ثالثا في الروايات قرائن على رفع اليد عن النجاسة فان في بعضها الناصب شرهم و إطلاق الشر يكون للقذارات المعنوية و كذا المقارنة بالزاني فإنه غير نجس بالضرورة و كذلك نجاسة سبعة آباء أو سبعة أبناء غير وجيه بل تكون للخبث‌

248

الباطني مع انه يمكن ان يكون لردع الناس عن الزنا.

و منها ما في البحار عن زرارة قال سمعت أبا جعفر يقول لا خير في ولد الزنا و لا في بشره و لا في شعره و لا في لحمه و لا في دمه و لا في شي‌ء منه و حسنة ابن مسلم عن ابى جعفر قال لبن اليهودية و النصرانية أحب الىّ من ولد الزنا و هذا لا يدل على النجاسة كما هو الظاهر.

فتحصل ان ولد الزنا غير نجس لا بالتعبد و لا لكفره فالحق مع المشهور في عدم النجاسة.

[مسألة 2- لا إشكال في نجاسة الغلاة]

مسألة 2- لا إشكال في نجاسة الغلاة.

أقول ان كان الغالي يعتقد ان نفس أمير المؤمنين (عليه السلام) ربّ و إله فهو كافر لانه لا فرق بين خالقية الصنم أو أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الوجود الشخصي الذي يكون جسمانية الحدوث لانه لم يعبد اللّه و كذا ان قالوا بأنه نبيّ و اما ان قالوا بان لنا خالقا منعزل عن الخلق بالذات و يكون التصرفات بيد الأمير (عليه السلام) فأيضا يكون نجسا لانه يرجع الى اعتقاد وجوب الوجود فيمن هو ممكن و اما ان كان منعزلا بالاختيار اى فوّض شئون الخلقة إلى الأمير (عليه السلام) بالتفويض كالملك الذي فوض الأمر إلى وزيره فهذا أيضا كفر عقلي و اما هل يكون كفرا شرعيا أم لا فيه خلاف، لانه قد ثبت الارتباط بين الواجب و الممكن بنحو الفي‌ء و ذي الفي‌ء لا اليم و النّم.

فعلى هذا لا يمكن ان يكون الأمور بيد الغير مستقلا هذا وجه كونه كفرا عقليا و اما في أساس الشرع فهو أيضا كفر لأنه إنكار للضروري فان الآيات و الروايات دلت على ان شئون الخلقة للّه تعالى و لا يكون في مقابله غيره ابدا فحيث رجع الى إنكار الضروري فإن كان بنفسه كفرا فهو كافر و ان كان من حيث رجوعه إلى إنكار الرسالة فإن كان الإنكار لشبهة عقلائية فلا يكون كافرا و الا فهو كافر و الحاصل كونه من إنكار الضروري لا شبهة فيه فلا وجه لاعتراض البعض‌

249

على صاحب الجواهر من هذه الجهة و اما ما في بعض الروايات من انهم (عليهم السلام) قالوا بنا رزق الورى، و بنا عبد اللّه و أمثال ذلك فلا يدل على التفويض فان معناه لا يكون الاستقلال في التأثير بل الواسطة في التأثير.

و اما الغلاة في الأوصاف مثل القول بأن الأئمة (عليهم السلام) لهم علم حضوري من غير التفات الى جهاته أو الاعتقاد بان الامام (عليه السلام) يعلم الغيب و الحوادث الآتية و اعتقاد عدم سهو النبي صلّ اللّه عليه و آله حتى في صورة عدم استتباعه للحكم فقد يفهم من بعض كلمات الفقهاء أنهم أيضا يكونون من الغلاة و الكفار.

و فيه انه لا وجه لكفر القائل بهذا الاعتقاد فإنهم قالوا نزّلونا عن الربوبية و قولوا فينا ما شئتم و أمثال ذلك بل ادعى بعض الفقهاء مثل الشهيد (قده) بان الاعتقاد بخلافه يكون من الكفر و لكن لا نفهم معناه لأننا لا نكون بصدده في هذا المقام بل نكون بصدد فقه هذا الموضع و الحاصل مما ذكر عدم كفر القائل بهذا (1).

قوله: و الخوارج

اعلم انه يطلق لفظ الخوارج على قسمين: الأول الذين جعلوا بغض على (عليه السلام) موجبا للتقرب الى اللّه تعالى و جعلوا هذا دينا و هذا هو الخوارج المصطلح بين الناس و كانوا في صدر الإسلام إلى الآن.

و الثاني الخوارج بمعناه اللغوي و هم المحاربون مع الامام (عليه السلام) و الخارجون عليه كأصحاب يزيد بن معاوية عليهم اللعنة و القسم الأول كافر بالإجماع أولا و لا دغدغة فيه و بان أيمان أمير المؤمنين (عليه السلام) يكون من ضروري الإسلام ثانيا،

____________

(1) أقول و لزيادة البصيرة يرجع الى كتاب الكافي في أبواب الحجة ليعلم شأنهم روحي لهم الفداء و (عليهم السلام) و انهم إذا شاءوا ان يعلموا علموا بحيث تصل إلى حقيقة قول الشهيد (قده) في ذلك.

250

و اعتقاد كفره يكون من إنكار الضروري فإن ما جاء في إيمانه (عليه السلام) أكثر مما جاء من الاخبار في الصلاة التي يكون وجوبها ضروريا، و بأنهم يكونون من الناصبين ثالثا، فان الناصب بالمعنى الأخص هو من ينسب العداوة دينا لنفسه كما سيأتي و بالروايات رابعا، فمنها ما في سفينة البحار (ج 1 ص 383) انهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرامي الرمية (مرسلة عن النبي صلّ اللّه عليه و آله).

و منها ما عن الفضيل (في باب 10 من حد المرتد ح 55) «دخلت على ابى جعفر (عليه السلام) و عنده رجل فلما قعدت قام الرجل فخرج فقال لي يا فضيل ما هذا عندك قلت كافر قال (عليه السلام): اى و اللّه مشرك».

و لو كان هذا اى قوله (عليه السلام) مشرك باعتبار تنزيله منزلة الكفر فأيضا من آثاره النجاسة و يعلم من سياق الكلام ان مراد الامام (عليه السلام) من كونه من الخوارج اى هم من الخوارج المصطلح الذين كانوا في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام).

و اما الخوارج بمعناه الأعم أي الذين يعتقدون (1) امامة الامام (عليه السلام) و يحاربون معه فالدليل في النواصب لا ينطبق عليه لانه لا يكون من الناصبي بالمعنى الأخص و عنوان الخوارج الذي ورد فيه الروايات يكون هو المصطلح لا ما كان بهذا المعنى اللغوي فلا شبهة في خباثتهم اما كفرهم فلا يثبت و ليس لنا دليل على نجاستهم.

____________

(1) أقول ان الاعتقاد بمعنى درك ان هذا الشخص لائق منصب الإمامة ربما يحصل لمن هو ناصب و مبغض لبعض الدواعي النفسانية و ما له الأثر هو المفيد و من قاتل مع سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) روحي له الفداء إلا شبهة في كفرهم و قد يستفاد من بعض الخطب في يوم العاشور انهم مسلمون ما لم يقع السيف بينهم فإذا وقع القتال كانوا هم الكفار و كذا قاتلي سائر الأئمة (عليهم السلام) و ان لم نقل بكفر بعض ضعفائهم، و القول بطهارتهم مشكل جدا.

251

قوله: و النواصب

أقول عن الحدائق و الأنوار للجزائري الإجماع عليه و في جامع المقاصد و الدلائل إنهم نجس بلا كلام و عن عدة لا خلاف فيها- أقول الناصب يكون له اصطلاحان و قسمان بل أقسام (1) الأول ان يكون شعارهم بغض الامام (عليه السلام) و هو دينهم يظهرونه.

و الثاني من كان له عداوة و لم يبرز و ينفى بعض صفات الأئمة (عليهم السلام) فالأول لا شبهة و لا ريب في كفره و الدليل عليه الإجماع كما مرّ عن بعض و الضرورة و الروايات.

فمنها مرسلة وشاء (في باب 3 من الأسئار ح 2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه كره سؤر ولد الزنا إلخ الى ان قال: و كان أشد ذلك عنده سؤر الناصب فان وحدة السياق تدل على النجاسة و لو كان لفظ الكراهة أعم من الحرمة و الكراهة و لكن مما يرد عليه هو الارداف بولد الزنا فإنه ليس سؤره محرما فكما يكون في الرواية ما دل على النجاسة من وحدة السياق كذلك يكون فيها ما يناسب حلمها على الكراهة و القذارة الا ان قوله و كان أشد ذلك الناصب يوجب قوة الظهور في النجاسة فما عن بعض العلماء من عدم الاشكال فيه من هذه الجهة وجيه.

و منها رواية القلانسي (باب 14 من النجاسات ح 4) و فيها قلت فالناصب قال اغسلها.

و تقريب الاستدلال ان ظهور اغسل يكون في النجاسة و توهم أن المصافحة لا تلازم الرطوبة في غير محله لان ارتكاز العرف بأن النجاسة تكون في صورة وجود الرطوبة و السراية يدفع هذا الاحتمال فهذه ظهورها تام للمطلوب.

و منها الروايات (في باب 11 من أبواب الماء المضاف) الإمرة بالاجتناب عن‌

____________

(1) أقول ذكر الأقسام العلامة الشيخ حسين الحلي (مد ظله) في كتابه دليل العروة ج 1 ص 465.

252

غسالة الناصب و انه اى الناصب أنجس من الكلب، و تقريب الاستدلال ان الأمر بالاجتناب يكون باعتبار النجاسة و اما الناصب الذي يقال فيه انه نجس يكون الشدة فيه في النجاسة الظاهرية مثل البول و الدم فلا وجه للإشكال عليه كما عن بعض المعاصرين بان الأشدية (1) تكون في النجاسة الباطنية لأن الكافر يكون نجسا ظاهرا و باطنا و الكلب نجس ظاهرا فقط لأنا لا نعلم ان باطن الكلب هل يكون خبيثا أم لا.

و قد يشكل عليه بان ملاحظة الزاني في بعضها و الجنب في بعض آخر يعطى الظهور بعدم كون المراد النجاسة و ملاحظة الناصب تعطى الظهور بخلافه فإن بعض التعابير بأنه لأنجس من الكلب يرشد بان المراد النجاسة فأين المفرّ من هذا المحذور الا القول بمرتبة من القذارة.

و الجواب عنه ان الروايات على طائفتين: الأولى ما يشتمل على الجنب و الزاني و ولد الزنا و الأخرى غير مشتملة عليهم و ما قال صحيح الا ان في الكلام قرائن على الظهور في النجاسة لأن في بعضها الناصب شرهم اعنى يكون فيه ما فيهم من النجاسة و لكن يكون أشدهم في النجاسة فيحفظ الظهور في الناصب و ان اخرج شي‌ء فيكون غيره.

و هذا قرينة على بقاء الظهور هذا مضافا الى ان في خبر ابن ابى يعفور (في باب 11 من الماء المضاف ح 5) ان اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و ان الناصب لنا أهل البيت لا نجس منه.

و هذا أيضا يدل على نجاسته ثم ان هذا الخبر يكون من الطائفة الثانية و لا يكون فيها سياق حتى يتمسك بوحدته على النجاسة و لكن فيه التصريح بأنه أنجس من الكلب.

____________

(1) أقول يمكن المساعدة مع المستشكل في الجملة لأن العرف ان راجعنا إليهم و قلنا لهم الكافر أنجس من الكلب يفهمون انه خبيث مضافا الى النجاسة الظاهرية و هذا واضح.