المعالم المأثورة - ج2

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
253

و هنا طائفة ثالثة و هي التي دلت على عدم جواز نكاح الناصب معللا بأنه كافر و هذا الكفر يكون هو الكفر في مقابل الإسلام لا الكفر في مقابل الايمان لان العامة يجوز منا كحتهم فيدل على نجاسته و هكذا رواية أخرى بأن نكاح الناصب لنا أهل البيت يكون حربا فارجع إليها في مظانها.

الإشكال الثاني في الروايات جميعها ان حمل كلمة الناصب على من نصب العداوة على أمير المؤمنين (عليه السلام) و التدين به الذي يكون أعلى درجة النصب و ان كان يشمله الروايات و لكن يكون من حمل المطلق على الفرد النادر و ان كان الناصب بمعناه الأعم حتى يشمل مطلق عدوّ الأئمة (عليهم السلام) و عدوّ شيعتهم فيشمل بعض العامة أيضا.

و يؤيده خبر معلى بن خنيس (في باب 2 مما يجب فيه الخمس ح 13) حيث قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد أحدا يقول انا أبغض محمدا و آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و تتبرؤن من أعدائنا.

فإن هذه الرواية تدل على ان الناصب لخصوص الأئمة (عليهم السلام) يكون نادرا و الناصب يكون هو مبغض الشيعة.

و منها مكاتبة محمد بن على بن عيسى (في مستطرفات السرائر) قال كتبت اليه اسئله عن الناصب هل احتاج في امتحانه الى أكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت و اعتقاده بأمّتهما فرجع الجواب من كان على هذا فهونا صب.

و الجواب ان الناصب بحسب المفهوم لو سلم يكون لمعنى عام حتى عند المتشرعة كما تشهد له الروايتان و لكن في الروايات يكون الحكم على الطائفة الخاصة و هي الناصب لهم أهل البيت و المخالف لا يكون كذلك فلا ضير في ان يكون الحكم خاصا مع سعة معنى الناصب.

و اما رواية محمد بن على بن الحسين و ان كان الناصب فيه مطلقا و لكن‌

254

يقيد بسائر الروايات هذا. على انه إذا راجعنا الى كلمات أهل اللغة و الفقهاء يكون الناصب هو العدة الخاصة حتى ان مثل العلامة شريعة الأصفهاني الذي يكون له يد طويلة في التواريخ يقول ان النواصب يكونون من الكفار الحقيقية. ففي القاموس:

النواصب و أهل النصب هم المستدينون ببغض على (عليه السلام) و في المجمع: الناصب هو الذي يتظاهر بعداوة أهل البيت (عليهم السلام)- و قال الفقيه الجزائري بان المتظاهر بالعداوة يكون ناصبا و يمكن أيضا ادعاء ان ارتكاز المتشرعين على انه الناصب لعلى (عليه السلام) و مثل هذا عن العلامة (قده) حتى قال بعضهم بان من ظن ان المخالفين يكونون من النواصب قد ارتكب غلطا. و اما الرواية التي دلت على ان الناصب هو المبغض لعلى (عليه السلام) فهي قليلة لا يمكنها ان تكون اشكالا لما ذكرناه لان ارتكاز العرف يمنعه فان من الواضح من الموارد هو ان أهل اللغة أيضا و الفقهاء قد رأوا هذه الرواية فيكون المراد بيان خباثتهم.

الاشكال الثالث، على فرض تسليم ان الناصب يكون مخصوصا بناصب أهل البيت قلنا الدليل الآخر على عدم النجاسة هو ان الناصبيين في زمن الأئمة (عليهم السلام) كانوا كثيرا و مع ذلك يعاشرهم الأئمة (عليهم السلام) و الشيعة أيدهم اللّه و الحمل على التقية بعيد.

ثم ان هنا كلاما عن الشيخ و قد قبله الأصحاب و هو ان حكم نجاسة الناصب يحتمل ان يكون من زمن الصادقين (عليهما السلام) فمعاشرة الناس إياهم كانت قبل ذلك لعدم علمهم بالنجاسة.

و فيه انه على فرض قبول ان الناصب هو المظهر للعداوة فمن اين ثبت معاشرة الأئمة (عليهم السلام) معهم فمن البعيد ان يعاشرهم من يعلم انهم معروفون بعداوته (عليه السلام) و كذا الشيعة أيضا ما ثبت معاشرتهم معهم.

فتحصل انه لو كان الناصب هو الطائفة القليلة التي يكون في مرتكز العرف فلا شبهة في نجاستهم حسب الأخبار المتظافرة.

255

قوله: و اما المجسّمة و المجبّرة

و القائل بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلا مع التزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد.

أقول ان الأقوال في من ذهب الى جسمية الرب تعالى أربعة: الأول ما حكى عن الشيخ و من تأخر عنه من الحكم بكفرهم مطلقا. الثاني عن ظاهر السرائر و التذكرة و صريح النهاية و الذكرى و هو الطهارة و الثالث التفصيل عن بعضهم بين المجسمة حقيقة و بين القائل بأنه جسم لا كسائر الأجسام فيسلب كل ما هو من لوازم الجسم و الرابع التفصيل بين من هو ملتفت الى لوازم الجسمية فهو كافر و نجس و بين من لا يلتفت فهو طاهر و غير كافر.

اما الدليل على النجاسة فقد قال بعضهم بان القول بان اللّه جسم يكون إنكارا للضروري أو إنكارا للرسالة و فيه ان هذا الكلام لا يأتي فيمن قال بان اللّه تعالى جسم و لكن لا كالأجسام بل جسم الهى و يكون منسوبا الى هشام بن الحكم و ان أنكره بعض بان هذا القول لا يكون منسوبا اليه بل يكون من الاشتباه في اللغة و قال صدر المتألهين أن الجسم على أربعة أقسام جسم طبيعي يكون في المادة و جسم مثالي بلا مادة و جسم عقلي هو نفس الامتداد و جسم الهى و لا بأس ان يقال انه جسم بالمعنى الأخير. فهذا الكلام لا يكون تاما في إطلاق لفظ الجسم.

و ثانيا ان من يظن انه جسم و لا يكون ملتفتا الى كونه مستلزما للوازم الباطلة لا يكون منكرا للضروري لأنه لا يكون من الضروريات فان العوام في ادعيتهم يريدون برفع اليد عند الدعاء انه تعالى في جهة الفوق و لا يلتفتون بان لازمه وجود المكان له، تعالى عن ذلك علوا كبيرا و اما من التزم بأنه يكون إنكارا للضروري بمعنى انه يلتزم بلوازمه يكون كافرا و اما على فرض ان يكون الاعتقاد بشي‌ء من لوازمه إنكار الضروري مع عدم الالتفات باللازم فلا يمكن ان يقال انه إنكار للضروري فإن من قال ان اللّه تعالى قديم و غنى بالذات و مع ذلك يقول انه جسم لا يكون كافرا مع ان بعض الآيات القرآنية ظاهرة في ذلك‌

256

مثل الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ و ان كان عند التحقيق معنى استوى هو استولى أو غيره مما يناسب اللّه تعالى.

فان شك في شي‌ء مما ذكر فالمرجع عمومات روايات دلت على ان من شهد الشهادتين فهو مسلم فإنه لا يدل على انه يلزم ان يكون معتقدا بعدم جسميته و ان كان في الواقع كذلك ثم هنا رواية ياسر الخادم (باب 6 من أبواب حد المرتد و في معناها روايات أخر) عن الرضا (عليه السلام) من شبّه اللّه بخلقه فهو كافر.

قال العلامة ان المشبهة يكونون هم المجسمة بل يكونون من أعلى مصاديقهم و فيه ان هذه ضعيفة السند و لا يمكن ان تكون معارضة لما دل على ان القائل بالشهادتين مسلم.

أما المجبرة فهم طائفة من العامة مثل الأشاعرة يعتقدون بان العباد مجبورون في الافعال و ان كان الثواب و العقاب بحاله لأنه يكون من كسب العبد و كيفما كان فان كان القائل بالجبر ملتفتا الى لوازم مذهبه يكون كافرا لانه يستلزم إنكار النبوة و التكليف و البعث فكفره ضروري لأن هذا لازمه إنكار الرسالة لا من باب كونه إنكارا للضروري و اما ان لم يكن ملتفتا الى لوازمه فإنه لا يمكن إثبات كفرهم على طبق القواعد لان الكفر مقومة إنكار الألوهية و النبوة و هذا الشخص لا يكون منكرا لها فان اعتقاده هذا يكون لعدم اعتقاده التنافي بينهما فإطلاق الروايات الدالات على ان المسلم من يبرز الشهادتين يشمله و على فرض الشك فيكون تحت قاعدة الطهارة و اما مقتضى الروايات فهو الكفر، فمنها عن الرضا (عليه السلام) كل من قال بالتشبيه و الجبر فهو كافر (باب 6 من أبواب حد المرتد ح 17) فإطلاق التنزيل يلزمه القول بنجاسته أيضا فإن الكافر نجس و هذا كافر فهو نجس.

و منها موثقة (باب 6 من أبواب حد المرتد ح 4) عن الصادق ان الناس في القدر على ثلاثة أوجه، رجل يزعم ان اللّه تعالى اجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم اللّه في حكمه فهو كافر و رجل يزعم ان الأمر مفوض إليهم فهذا قد وهن‌

257

اللّه في سلطانه فهو كافر إلخ.

و تقريب الاستدلال هو ان إطلاق التنزيل أيضا يفيد النجاسة منها رواية يزيد بن عمر الشامي (في رجال كشى ص 149) عن الرضا (عليه السلام): القائل بالجبر كافر و القائل بالتفويض مشرك.

و الحاصل من جميع هذه الروايات ان من سلب القدرة عن نفسه فقد قال بالجبر و يكون كافرا فيقيد إطلاقات ما دل على ان الإسلام هو الشهادتين بصورة عدم القول بالجبر فتكون حاكمة فمن حيث الدلالة تكون تامة و لكن ما يوجب الوهن ضعف السند لان المشهور أفتوا بخلافه فإعراضهم يكون موجبا للضعف في السند أو في الدلالة فعلى هذا لا يمكن ان يقال ان هذه المرتبة من الكفر توجب النجاسة بل تحمل على القذارة لأنها لا تكون قابلة للمعارضة.

أقول يكون فتوى المشهور على الطهارة و لكن يجب ان يفهم موضوع حكمهم بالطهارة فإنه لما يمكن ان يكون قولهم بالطهارة في صورة عدم الالتزام باللوازم، فالتفصيل حسن بان يحمل هذه الروايات على صورة الالتزام بلوازمه و اما صورة عدم التزامه فيكون مسلما لأخبار الشهادة.

ثم على فرض نجاسة المجبّرة فإن السيرة قائمة على طهارتهم فان الأشاعرة كلهم كانوا على ذلك و قد قال السيد المرتضى (ره) ما يكون مضمونه ان في بعض الأعصار مال السلطان إلى الأشاعرة فقوى مذهبهم بحيث صار غيرهم قليلا.

و يمكن ان يجاب عنه بأن الأشاعرة لا يكونون جبرية كلهم لان الجبر يكون خلاف الفطرة فإن فطرة الإنسان تكون على الاختيار و لكن إذا جاء في البحث و الدقة و محاسبة الإرادة يجي‌ء في ذهنه الجبر فما ينسب إلى الأشاعرة يكون في المتفلسفين منهم لا العوام و الملة الأشاعرة و لا يكشف من سيرة الأئمة (عليهم السلام) عدم نجاستهم و اما المتفلسفون منهم فلا تكون هذه السيرة بالنسبة إليهم ثابتة.

258

ثم انه لو كان لنا خطاب بعدم اعتقاد الجبر و التفويض و الاعتقاد بالأمر بين الأمرين يشكل الاعتقاد به لأن الأمر بين الأمرين يكون فهمه من المشكلات التي لا تكون في الوسع فلا يمكن ان يكون الاعتقاد الذي لا يمكن تصويره الا نادرا مخاطبا به و يكون المعتقد بخلافه كافرا و نجسا.

على ان الجواب عنه ان لنا روايات عديدة على عدم الغور في القدر و الجبر و التفويض فالاعتقاد الإجمالي يكفي و اما إذا غار و اعتقد بالجبر فيكون معاقبا عليه لان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فان من لا يطمئن من نفسه ان يصير قابلا لفهم هذه الدقيقة لا يجوز عليه البحث فيه. فتحصل ان القائلين بالجبر يكونون من النجس لما ذكرناه من الروايات.

قوله: و القائلون بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم إلا مع العلم بلوازم مذهبهم من المفاسد (1)

[مسألة 3- غير الاثنى عشرية من فرق الشيعة إذا لم يكونوا ناصبين و معادين]

مسألة 3- غير الاثنى عشرية من فرق الشيعة إذا لم يكونوا ناصبين و معادين لسائر الأئمة و لا سابين لهم طاهرون و اما مع النصب أو السب للأئمة الذين لا يعتقدون بإمامتهم فهم مثل سائر النواصب.

أقول ان المشهور طهارة العامة و منشأ الاختلاف ان الاعتقاد بالإمامة هل يكون مقوّم الإسلام أم لا فإنهم و ان كانوا كفرة و كالكلب الممطور في الباطن كما‌

____________

(1) أقول قد أغمض (مد ظله) العين عن البحث عن هذه المقولة لانه بحث طويل الذيل يحتاج الى مقدمات ليتضح المراد.

و كأنه أرجعه إلى الفلسفة و لكن بعض الاعلام ذكر كلام صدر المتألهين هنا فإنه قال: القول هنا أربعة وحدة الوجود مع الموجود كما عن بعض الصوفية و وحدة الوجود لا الموجود و وحدة الوجود و الموجود في عين كثرتها و كثرة الوجود و الموجود هذا فهرست الأقوال و لكن الشرح يطلب من مواضعه و قد ذكر العلامة الحكيم (في المستمسك ج 1 ص 178 مختصرا) في ذلك فارجع إليه.

259

في الجواهر و لكنهم طاهرون بحسب الظاهر و لا يخفى ان البحث يكون فيمن لا يعتقد إمامة الأئمة (عليهم السلام) المسمى بالسني.

و اما الدليل على نجاستهم فيكون على ثلاثة تقاريب الأول انه إنكار للضروري فان امامة مولانا أمير المؤمنين على بن أبى طالب (عليه السلام) يكون مما جاء به النبي (صلى اللّه عليه و آله) كالصلاة و الزكاة فمنكرها يكون كافرا سيما في صورة الالتفات و عدم الالتفات به يكون نادرا فإن قضية إمامته تكون دارجة بين الناس و لذا خوطب النبي (صلى اللّه عليه و آله) بأنك ان ما بلغت ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ما بلغت رسالتك و هو قوله تعالى (في المائدة 71) يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ.

و أجيب عنه بأن الولاية على معنيين الأول بمعنى المحبة و الولاية بمعنى الخلافة و هي بالمعنى الأول تكون مما جاء به النبي (صلى اللّه عليه و آله) و لا ينكرونها و هي بالمعنى الثاني أيضا يعتقدونها الا انه (عليه السلام) في المرتبة الرابعة عندهم و اما الخلافة بلا فصل و ان كانت مسلمة عندنا و لكن لا تكون ضرورية بحيث يوجب إنكارها الكفر على انه يكون من شأن من يكون في صدد فهم الخلافة فإن هذا يكون اعتقادهم على خلافه فضلا عن ان يكون ضروريا لجميع المسلمين.

و فيه ان الخلافة بالمعنى الثاني أيضا تكون مما جاء به النبي (صلى اللّه عليه و آله) فإن التصريح بأنه (عليه السلام) خليفة يكون مسلما و معنى كونه ضروريا انه لو لم يكن دسّ الدساسين لصار ضروريا.

و توهم ان جميع الاحكام يكون لها الضرورة اللولائية مدفوع بان الاهتمام بها يكون مثل الاهتمام بالولاية نعم يكون مغفولا عنه لشبهة حصلت، فلا يكونون نجسا نعم لو كان إنكار الضروري الواقعي موجبا للكفر و لو لم يصر ضروريا بالفعل يمكن الحكم بكفر المخالف.

الدليل الثاني لنجاسة العامة روايات عديدة قد بلغت حد الاستفاضة في‌

260

على (عليه السلام) و ان من كان على خلاف مسلكه فهو على باطل و كفر.

فمنها ما عن الباقر (عليه السلام) قال ان اللّه عز و جل نصب عليا علما بينه و بين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا و من أنكره كان كافرا و من جهله كان ضالا (في الوسائل في باب 10 من أبواب حد المرتد).

و تقريب الاستدلال عموم التنزيل الموجب لترتب جميع الآثار حتى النجاسة فإن جميع الأحكام العقلية و النقلية تكون من باب أمير المؤمنين (عليه السلام) لقوله (صلى اللّه عليه و آله) أنا مدينة العلم و على بابها. فإذا كان المنكر كافرا يترتب عليه جميع آثار الكفر و منها النجاسة.

و منها رواية عن أبي حمزة قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ان عليا (عليه السلام) كان بابا فتحه اللّه من دخله كان مؤمنا و من خرج عنه كان كافرا. (في باب 10 من حد المرتد) و الاستدلال بها هو عموم التنزيل الشامل لترتب أثر النجاسة على الكفر أيضا.

و منها غير ذلك كرواية فضيل بن يسار و مروان بن مسلم و سدير و يحيى بن قاسم و ابى خالد الكابلي و ابى سلمة (في الباب المتقدم).

و يعارضها الروايات الدالة على عدم دخل الولاية في الإسلام:

فمنها عن سماعة (باب 2 من أبواب مقدمة العبادات في الوسائل و في الكافي ج 2 الطبع الجديد ص 25 ح 1) ان الايمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الايمان قال قلت لا أبي عبد اللّه (عليه السلام) أخبرني عن الإسلام و الايمان أ هما مختلفان فقال ان الايمان يشارك الإسلام و الإسلام لا يشارك الايمان فقلت فصفهما لي فقال (عليه السلام) لي، الإسلام شهادة ان لا إله إلا اللّه و التصديق برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث.

فنقول انا إذا لاحظنا هذه الروايات نرى عدم اشتراط شي‌ء في الإسلام غير الشهادتين و ما ذكرنا يدل على دخالة ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) و النسبة بينهما‌

261

و ان كانت عموما و خصوصا مطلقا و لكن الترجيح مع ما دل على عدم دخالة الولاية في الإسلام كما يشهد به الروايات التي استدلوا بها للنجاسة فانظر الى الشاهد عليه في رواية أبي حمزة من مقابلة الكفر للإيمان و كذا في الرواية التي قبلها فإنه (عليه السلام) قال فمن عرفه كان مؤمنا و من أنكره كان كافرا فالكفر يكون مقابل الايمان لا الذي يكون مقابل الإسلام.

ثم ان توهم متوهم بأن الإسلام الموجب للمواريث قد بيّن و الكفر الذي يكون منشأ عدمه قد بيّن و لكن لا يكون لنا جامع بحيث يتمسك به في الطهارة و النجاسة أيضا فيشكل ترتيب أثرهما عليه. مدفوع بأن أشدية النجاسة عن المواريث ضعيفة على ان السيرة القطعية تكون على معاشرة الأئمة (عليه السلام) معهم و تكون من المؤمنين أيضا في زماننا فيعلم اتصالها بزمان المعصوم (عليه السلام) فلا وجه لهذا التوهم.

الدليل الثالث على نجاستهم هو ان الناصب كافر بالإجماع و الروايات المتضافرة فإنها في مستطرفات السرائر و رواية أخرى قد مرتا في البحث عن نجاسة الناصب. فان مضمونها ان الناصب من يكون مبغضا للشيعة و حقيقة النصب تكون الاعتقاد بالجبت و الطاغوت.

و الجواب عنه ان ارتكاز المتشرعين على ان المراد به هو الناصب الذي جعل النصب دينا لا من لا يظهر و لو كان في قلبه مبغضا و اما الروايتان فتكونان ضعيفتا السند و الدلالة اما الثاني أي ضعف الدلالة فلان الحكم بندرة الناصب بمعناه المعروف يكون خلاف الواقع على انه لو صدق الناصب عليهم لا يكون لنا دليل على ان كل ناصب نجس فان في الروايات الناصب لنا أهل البيت كافر لا الناصب للشيعة و لو فرض وجود الكبرى فلنا السيرة القطعية على عدم نجاستهم.

فتحصل ان أقوى الأدلة على طهارة العامة هو السيرة و لا تتم الروايات و لا يمكنها ردع السيرة.

262

و اما الطوائف الأخرى غير أهل السنة مثل من اعتقد بأقل من اثنى عشر ائمة أو أزيد مثل الزيدية القائل بإمامة زيد بن على بن الحسين و الكيسانية القائل بامامة محمد الحنفية و الإسماعيلية القائل بامامة إسماعيل بن موسى بن جعفر و الفطحية القائل بامامة عبد اللّه افطح ابن الصادق (عليه السلام).

فهل يكونون نجسا لكفرهم أو يكونون مسلمين و يكونون نجسا تعبدا فيه خلاف: و لكن مقتضى القواعد و الروايات عدم نجاستهم و الدليل عليه ما دل من الروايات على ان الولاية لا دخل لها في الإسلام و السيرة أيضا قائمة بان الأئمة (عليه السلام) كانوا معاشرين معهم فما دل على طهارة أهل التسنن يكون هنا مع زيادة و هي ان الروايات التي قيل بدلالتها على الكفر من جهة إنكار ولاية على (عليه السلام) لا تجي‌ء هنا لان هذه الطوائف لا يكونون منكرا لولايته (عليه السلام) و ما في بعض الروايات من ان منكر واحد منهم يكون مثل منكر جميعهم (عليهم السلام) يوجب ان تكون هذه الطوائف ملحقة بأهل الخلاف أعني أهل التسنن فلا إشكال في طهارتهم للتساوي و لكن في خصوص بعضهم تكون الروايات التي يجب علاجها.

منها ما دل على ان الزيدية و الواقفية و النصاب بمنزلة واحدة (في كتاب الكشي ج 6 ص 287 في الواقفة).

و تقريب الاستدلال عموم التنزيل فكلما كان من الأثر على الناصب و منه النجاسة يكون مترتبا عليه.

و منها ما دل على ان الزيدية كالناصب (أو أشد من الناصب) و هو قول الصادق (عليه السلام) «ان من شيعتنا بعدنا من هم شرّ من النصاب (في كتاب الكشي ج 6 ص 286) و تقريب الاستدلال بعموم التنزيل كما مر فلو تم هذه تقيد عمومات ان الإسلام يكون بالشهادتين فيكونون نجسا و استبعاد طهارة أهل الخلاف و نجاسة الشيعة لا وجه له لانه يمكن ان يكون التوقع منهم دون التوقع من أهل الخلاف فإن مجاري الأمور بيد اللّه تعالى لا نعلم سرّها.

263

و الجواب عنها ان السند ضعيف و المتن مخدوش لان الناصب لو كان له معنى واحد يشمل حكمه لهذا و اما إذا كان له عرض عريض من شموله لمطلق المبغض فلا يترتب بالتشبيه أثر النجاسة و الذي يسهل الخطب ان السيرة تكون على طهارتهم و ما ورد من الروايات لا يكون رادعا لها فالأقوى الحكم بطهارتهم و حكم صاحب الجواهر بالاحتياط فان كان مراده به الوجوبي ففيه الاشكال.

و قد استثنى المصنف عن هذه الطوائف من يكون ناصبا فنقول ان كان لنا شخص من الشيعة يكون ناصبيا لا شبهة و لا ريب في كفره لأن أدلة نجاسة الناصب كلها يجي‌ء هنا لانه لا فرق بين كونه مخالفا و ينصب أو شيعة ينصب كمن نصب ما بعد السادس منهم (عليهم السلام) و اما ان لم يكن فيكون سلب الحكم من باب سلب الموضوع.

و قد استثنى أيضا السابّ، فأقول قد استدل لنجاسة الساب بدليلين: الأول الارتداد فان ساب النبي كافر كما عن الشيخ في الاستبصار، و فيه انه لا شبهة و لا ريب في وجوب قتل الساب و اما هل يكون للارتداد كما في الاستبصار أو لغيره فهو غير معلوم لنا لان السب لا يلازم إنكار الرسالة فإنه يمكن ان يكون لغرض دنيوي و اما ان قيل كل من سبّ ينطبق عليه عنوان الارتداد عرفا.

فنقول ما أخذ في لسان الدليل هو العنوان اى عنوان الارتداد (1) لا غيره، على انه لو كان كذلك يكون مختصا بساب النبي (صلى اللّه عليه و آله) فيمكن ان يكونوا طاهرين في الدنيا نجسين في الآخرة.

الدليل الثاني ان الساب يصير من الناصب لانه يبرز نصبه بهذا فهو محكوم بالكفر قال الفقهاء ان الساب تارة يكون سبّه للبغض و تارة يكون لداع من الدواعي مع وجود المحبة في نفسه فالقسم الأول يشمله حكم الناصب اى يكون‌

____________

(1) ان صدق عليه العنوان يكون صغرى لكبرى الارتداد و لو لم يؤخذ في لسان الدليل فلا افهم وجه ما ذكره (مد ظله) .

264

مصداقا له و اما ان لم يكن كذلك فقالوا انه طاهر و لكن ما يكون في نظري هو عدم الوجه للتفصيل لان عنوان النصب مع عدم القصد أيضا يصدق فان من يضع القرآن تحت رجله العياذ باللّه و لو لم يقصد الهتك يكون الهتك من آثاره الوضعية التي لا تحتاج الى القصد على ان ما كان أقوى دليل لنا للطهارة كانت السيرة و لا تكون فيمن يسب الأئمة (عليهم السلام) فتحصل ان استثناء المضي يكون في هذا المورد في مورده و كلمات الفقهاء و الدقدقة فيه لا تتم.

في الشك في الإسلام و الكفر

[مسألة 4- من شك في إسلامه و كفره طاهر]

مسألة 4- من شك في إسلامه و كفره طاهر و ان لم يجر عليه سائر أحكام الإسلام.

أقول في هذه المسألة تارة نتكلم في الشبهة الموضوعية و تارة في الشبهة الحكمية فنقول ان كانت الشبهة موضوعية فالاستصحاب حاكم فان كانت حالته السابقة الإسلام فالإسلام و ان كانت الكفر فالكفر فيترتب عليه النجاسة أو الطهارة و اما ان لم نعلم حالته السابقة فهل يكون محكوما بالإسلام بأصل مؤسس أو بالكفر بالاستصحاب أو الإسلام بالاستصحاب أو الطهارة لقاعدتها وجوه و أقوال:

ربما يقال بأن أصالة الإسلام حاكمة في صورة عدم الحالة السابقة بدليلين:

الأول ما روى من ان الإسلام يعلوا و لا يعلى عليه (في الوسائل في باب 1 من موانع الإرث ح 11) كما فعله بعضهم في لقيط دار الإسلام و الثاني بأصالة الإسلام لما دل من الرواية من ان كل مولود يولد على الفطرة (في الكافي الطبع الجديد ج 2 باب فطرة الخلق على التوحيد ح 4) و تقريب الاستدلال انه كلما دار الحكم بين الإسلام و الكفر فالإسلام يقدم و كل مولود يكون له فرد تنزيلي من الإسلام يتحقق بواسطة الفطرة السليمة الأصلية فيرتب عليه الآثار و في صورة الشك أيضا يستصحب و لذا يمكن الاستنتاج منه في الشبهات الموضوعية.

265

و قد أشكل على الأول سندا لا رسالة و دلالة لان العلوّ يكون مجهول الدلالة فلا نفهم انه هل يشمل هذه الموارد أم لا.

و قد أشكل على الثانية بأن فطرة التوحيد لا تكون الإسلام لأنه يكون التوحيد مع الإقرار بالرسالة فتكون الروايتان لبيان حكم أخلاقي بأن الفطرة الإنسانية على التوحيد هذا حاصل الاشكال.

و الجواب عنه بان ضعف السند في الأول قد انجبر بعمل الأصحاب لأن جميع موارد الشك يتمسكون فيها بأصالة الإسلام (1) مثل لقيط دار الإسلام، و العظم الموجود في مقبرة المسلمين الذي لا يدرى انه من مسلم أو كافر حتى يجب الغسل بمسه أو لا يجب.

و اما الجواب عن الإشكال بالدلالة فإن الإسلام بالتبع يكون إسلاما تنزيليا و يترتب عليه آثاره و يتصور فرد تنزيلي آخر و هو الإسلام بالفطرة فيترتب عليه آثاره و في صورة الشك يستصحب هذا الإسلام التنزيلي.

و توهم لغوية هذا التنزيل لان هذا الفرد يكون محكوما بواسطة تبعية المسلم يكون المولود مسلما و بتبعية الكافر كافرا فلا يوجد له مورد. مندفع بان هذا الفرد التنزيلي و ان كان لا زال محكوما للإسلام التبعي و لكن في مورد الشك ينتج نتيجة تامة بواسطة عدم العلم بحالته السابقة و انه يكون ولد مسلم أو ولد كافر.

و توهم ان الاستصحاب يجب ان يكون المستصحب فيه ذا اثر و في المقام لا يكون للفطرة اثر لمحكوميته للتبعية مندفع بان الأثر و لو لم يكن له حدوثا و لكن يكون له بقاء و هو الذي يكون اثر الاستصحاب هذا مقتضى الثبوت، و اما الإثبات فإن ذيلها يكون قرينة على ان الفطرة هي الإسلام إلا ان أبواه هما اللذان‌

____________

(1) يمكن ان يكون مرادهم بأصالة الإسلام في موارد عديدة للغلبة لا للتمسك بالحديث كما احتمله بعضهم في لقيط دار الإسلام و العظم الموجود في مقابر المسلمين و لا دليل على حجية الغلبة من حيث هي غلبة.

266

يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه.

و الحاصل من جميع ما ذكر ان لنا إسلام تبعي مثل إسلام ولد المسلم تبعا لأبويه و كفر ولد الكافر كذلك و هذا إسلام تنزيلي لا حقيقي و يمكن ان يكون لنا فرد تنزيلي آخر و هو الإسلام بالفطرة الذي ينتج للاستصحاب في صورة الشك على فرض وجود دليل لإثباته.

فإن قلت لا اثر لهذا الإسلام لأنه يكون لا زال محكوما للإسلام التبعي بالمعنى الأول فإن الولد ان كان عن الكافر فهو كافر و ان كان عن المسلم فهو مسلم فأيّ نتيجة للفطرة قلت في صورة إحراز التبعية لا نتيجة له و اما في صورة الشك في انه ولد كافر أو مسلم و عدم العلم بحالته السابقة يجري أصالة الإسلام الثابت بالفطرة المشكوك خروجه عنه.

فان قلت ثانيا ان المستصحب يجب ان يكون ذا أثر شرعي و هذا الإسلام في صورة إحراز التبعية لا اثر له. قلت يكفى للأثرية الأثر البقائى فإنه و ان لم يكن له اثر حدوثا و لكن بقاء يكون ذا اثر فلا كلام في ثبوت الإسلام بالفطرة إنما الكلام في الإثبات و هو أيضا لا اشكال فيه لأن الرواية التي دلت على ان كل مولود يولد على فطرة بقرينة المقابلة بينها و بين التهود و التنصر و التمجس بقوله الا ان أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه يفهم ان المراد من الفطرة الإسلام بالمعنى المعروف لا التوحيد و الإقرار بالربّ تعالى فقط.

و اما الذي يكون حالته السابقة الإسلام التبعي مثل ولد المسلم فهل يمكن استصحاب بقاء الفرد التنزيلي من الإسلام أم لا؟ ربما يقال ان الاستصحاب جار لان هذا الفرد من الإسلام يكون له بحدوثه و بقائه ذو اثر هكذا قيل.

أقول ان كان البناء على ان الولد بواسطة البلوغ لا يخرج عن التبعية و يكفيه للإسلام هذا الا ان يخرج بالإنكار و الجحود عنه فهذا الكلام منهم (رضوان اللّه عليهم) صحيح بان في صورة الشك يستصحب ذلك و اما على المبنى المختار بأن‌

267

التبعية لا تفيد بعد البلوغ لانه يصير مخاطبا بالخطابات الشرعية و التبعية و كذا لا يحتاج الى المخرج بل يجب الإقرار لا ان عدم الإنكار يكفي.

هذا كله تقريب أصالة الإسلام و اما تقريب أصالة الكفر فنقول قد مر منا النسبة بين الإسلام و الكفر و اخترنا انها تكون من باب العدم و الملكة لا التضاد، فعلى التحقيق من انه يكون من باب عدم الملكة فهل يمكن إثبات الإسلام للمميّز بواسطة توسعة العدم و الملكة بالإنسان و لو كان غير مميز فيمكن ان يكون من شأنه لكونه إنسانا ان يكون مسلما يستصحب عدم إسلامه فيجري استصحاب عدم الإسلام النعتي (1) لأنه حين ولد ما كان مسلما سواء كانت النسبة بينها الإيجاب و السلب أو العدم و الملكة فإذا شك فيه يستصحب العدم هذا إذا كان للعدم و الملكة توسعة.

و اما إذا لم يكن كذلك ففي حال صيرورته مميزا لا ندري له حالة (2) سابقه لان رفع احد الضدين لا يوجب وجود الضد الآخر فإذا لم يمكن الاستصحاب النعتي يجري استصحاب العدم الأزلي في صورة عدم اشتراط العدم الخاص.

فان الرجل الخارجي يكون له الشأنية للإسلام بالوجدان فما كان مسلما حين ما كان موجودا فالآن كما كان، و اما ان كان المناط العدم الخاص في العدم و الملكة فلا يجرى هذا الاستصحاب أيضا لعدم إمكان إثبات العدم الخاص قبل الوجود لعدم الميز بين الاعدام من حيث العدم.

لا يقال ان العدم الأزلي قد انقطع قطعا اما بتبعية مسلم أو تبعية كافر فلا‌

____________

(1) و الحاصل ان هنا ثلاثة أقسام من الاستصحاب الأول النعتي و الثاني استصحاب العدم الأزلي و الثالث استصحاب عدم الإسلام حال كون النسبة بينه و بين الكفر التضاد.

(2) هذا مسامحة في التعبير بل يكون له حالة سابقه و لكن الأصل مثبت لو شئنا إثبات الكفر بعدم الإسلام.

268

أثر لهذا الاستصحاب لعدم المستصحب المتيقن الحدوث مشكوك البقاء بل يكون عدم البقاء قطعيا.

لأنا نقول على فرض كونه تبعا لكافر يكون مؤكدا للعدم الأزلي و ان كان مسلما يكون فيه الشبهة فالحالة السابقة التي كانت عدما ازليا لا ندري بقائها و ارتفاعها و يصير أركان الاستصحاب موجودا.

ثم ان سند القائلين بأنه لا يكون لنا أصالة الكفر و لا أصالة الإسلام عدم الاعتداد بدليل القائلين بأصالة الإسلام و عدم الاعتداد أيضا بدليل القائلين بأصالة الكفر فتجري قاعدة الطهارة.

و لكن التحقيق ان المميز الذي يكون مستقلا في الخطابات يكون المناط في الحكم بالإسلام و الكفر فيه دائرا مدار الإقرار و الإنكار فعلى الأول مسلم و على الثاني كافر.

هذا كله في الشبهة الموضوعية و اما الشبهة الحكمية فمثل رجل نعلم قطعا انه كان مسلما بالتبعية ثم بلغ فلا نعلم حكمه لأنه قد انقطع تبعيته مع العلم بحالته السابقة ففي هذا ان قلنا ان الإسلام و الكفر أمران وجوديان يدور إسلامه و كفره مدار الإقرار و الإنكار و الاستصحاب يجري في صورة كون التبعية جهة تعليلية و اما إذا كانت تقييدية أو شك في كونها تقييدية أو تعليلية فلا يجرى الاستصحاب فعلى هذا لا يكون مسلما و لا كافرا لانه ما أحرزنا كل واحد منهما قبل الإنكار و الإقرار فلا يترتب أثر الإسلام و لا اثر الكفر الا ان طهارته تكون لقاعدة الطهارة و اما ان قلنا ان هذا الشخص يكون مسلما بحكم الروايات إذا كان له سابقه الإسلام و اما ان لم يكن له حالة سابقه في الإسلام بل نشك في إسلامه ابتداء جمعا بين الروايات لأن في بعضها ان العباد ان جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا فلا يتم.

و بعبارة واضحة قد مر منا في مقام الجمع بين الروايات الدالة على ان الإقرار‌

269

لازم و ما دل على ان الإخراج يكون بالجحود، بأن الأول مختص بمن لا يكون له سابقه الإسلام و الثاني بمن يكون له ذلك و التمسك به في المقام لا يتم لان هذا يكون في صورة الإسلام الأصلي لا الإسلام التبعي الذي يكون الكلام فيه فان الكلام كان في مسلم قد ثبت إسلامه بإحدى الطرق و أشك في خروجه منه فحكمنا بان الشك فيه لا يخرجه عن الإسلام بل الجحود كان هو المخرج و في المقام يكون الشك في أصل الإسلام ابتداء (1).

[التاسع: الخمر]

قوله: التاسع: الخمر

[حرمة الخمر]

أقول اتفق الأصحاب قديما و حديثا على حرمة الخمر و لكن في الحكم بنجاسته يكون الخلاف بين الأصحاب فعن الصدوق و والده في الرسالة و العماني و الجعفي الحكم بطهارته و قال الفقيه الهمداني بأن القول بالطهارة يستفاد من الروايات التي تكون قول القدماء موافقا لها و كذلك جملة من المتأخرين كالأردبيلي و صاحب الحدائق على الطهارة و اما النجاسة فعن جملة من الأصحاب دعوى الإجماع عليها.

و كيف كان فقد استدل للنجاسة بالإجماع أولا و فيه ان مع الخلاف الكثير و احتمال كونه سنديا بواسطة الروايات لا وجه له لعدم تحققه و لسنديته.

و بالآية المباركة ثانيا «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ».

و تقريب الاستدلال ان الرجس في اللغة هو النجس (و بالفارسية يعنى پليد) فيجب الاجتناب عنه بجميع أنحائه و منه ملاقاته.

____________

(1) أقول جريان الاستصحاب في الإسلام و الكفر مشكل و قاعدة الطهارة جارية فالحق مع المصنف في الطهارة و عدم ترتيب آثار الإسلام نعم في بعض الموارد الذي أحرز الإسلام بالنسبة الى هذا الشخص إذا شك فيه يستصحب.

270

و فيه ان الرجس و لو كان في لسان بعض أهل اللغة هو النجس و لكن كثير منهم قالوا بأنه لا يكون هو النجس العرفي على ان في كل واحد مما ذكر في الآية يجب ان يكون الرجس بمعنى كلى قابل للتطبيق على كل واحد و المناسب لكل واحد يجب ان يكون بدال آخر و لو كان هو أظهر الخواص مثل ان أظهر الخواص في الخمر هو الشرب و قد أطال الكلام هنا صاحب الجواهر و لا يرجع الى محصّل.

و بالروايات ثالثا. فطائفة منها أمر بالغسل فيما اصابه خمر و طائفة أخرى فيها الأمر بإراقة ماء قطر فيه خمر.

و تقريب الاستدلال بالأولى هو ان الأمر بالغسل كما مر مرارا يدل على النجاسة و كذلك التقريب بالثانية فإن الأمر بالإراقة بإطلاقه يشمل حتى صورة الاستهلاك و عدمه و لا وجه له الا النجاسة المصطلحة.

و طائفة ثالثة روايات وردت في البئر فإن الخمر إذا وقع في البئر يلزم النزح و هنا و لو لم نقل بأن البئر نجس و النزح واجب يكون لها دلالة على نجاسة ما يقع في البئر كما مرّ في بحثه منا و طائفة رابعة وردت في غسل الأواني الملوثة بالخمر.

فلنذكر الروايات: فمنها ما عن عبد اللّه بن سنان (باب 38 من أبواب النجاسات ح 1) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل لحم الجرّي أو يشرب الخمر فيرده أ يصلى فيه قبل ان يغسله قال لا يصلى فيه حتى يغسله.

و الاشكال على هذه الرواية بأن الثوب الذي اعرناه لا نعلم انه يكون نجسا غير وارد لان هذا يحمل على المورد الذي تكون الملاقاة مما حصلت بالاطمينان العادي بان الثوب إذا أعاره شارب الخمر يلاقيه الخمر عادة و الحاصل يكون الفرض في صورة حصول الاطمئنان و عدم جريان الأصل.

271

و منها ما عن على بن مهزيار (باب 38 من أبواب النجاسات و كذا ما بعدها) قال قرأت في كتاب عبد اللّه بن محمد الى ابى الحسن (عليه السلام) جعلت فداك روى زرارة عن ابى جعفر و ابى عبد اللّه (عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل انهما قالا لا بأس بأن تصلي فيه انما حرم شربها و روى عن (غير) زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعنى المسكر فاغسله ان عرفت موضعه و ان لم تعرف موضعه فاغسله كله و ان صليت فيه فأعد صلوتك فأعلمني ما أخذ به، فوقع (عليه السلام) بخطه و قرأته، خذ بقول ابى عبد اللّه (عليه السلام).

و منها ما عن على بن محمد عن سهل بن زياد عن خيران الخادم (في الباب ح 4) قال كتبت الى الرجل (عليه السلام) اسئله عن الثوب يصيبه الخمر و لحم الخنزير أ يصلى فيه أم لا فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم صل فيه فان اللّه انما حرم شربها و قال بعضهم لا تصل فيه فكتب (عليه السلام) لا تصل فيه فإنه رجس.

و منها عن هشام بن الحكم انه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفقاع فقال لا تشربه فإنه خمر مجهول فإذا أصاب ثوبك فاغسله.

و منها عن ابى بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال النبيذ قال ما يبلّ الميل ينجس حبا من ماء يقولها ثلاث مرات.

و في معناها روايات أخر في الوسائل في هذا الباب إلى الرواية التاسعة.

و هذه الروايات من جهة السند تامة بل يمكن ادعاء التواتر الإجمالي و من جهة الدلالة أيضا تامة و لكن في مقابلها روايات صحيحة الدلالة و السند تدل على طهارة الخمر (في باب 38 من الحديث التاسع من الباب المتقدم الى آخره).

فمنها ما عن ابى بكر الحضرمي قال قلت لا أبي عبد اللّه (عليه السلام) أصاب ثوبي نبيذ أصلي فيه قال نعم قلت قطرة من نبيذ قطر في حب أو شرب منه قال نعم ان أصل النبيذ حلال و ان أصل الخمر حرام.

و تقريب الاستدلال بها ان من المائز بين الخمر و النبيذ يفهم منه ان‌

272

الخصوصية في الخمر الحرمة فيكون الاجتماع في الطهارة و الافتراق في الحرمة و منها عن حسين بن أبي سارة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان أصاب ثوبي شي‌ء من الخمر أصلي فيه قبل ان اغسله قال لا بأس ان الثوب لا يسكر.

و منها ما عن الفضيل بن يسار عن ابى جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن النبيذ فقال حرم اللّه الخمر بعينها و حرم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من الأشربة كل مسكر (في الوسائل في أبواب الأشربة المحرمة باب 15 ح 6).

ثم بعد تمامية الدلالة و السند في الروايات الدالات على الطهارة و الدالات على النجاسة و بعد فتوى العلماء بالنجاسة و فتوى جمع من الكمّلين بالطهارة مثل الصدوق و غيره فمقتضى الجمع حمل روايات النجاسة على الاستحباب لان نص كل يسقط ظهور الآخر فان الدالة على النجاسة ظاهرة في النجاسة ناصة في الحزازة و الروايات الناصة في الطهارة ظاهرة في عدم الحزازة فيرفع اليد عن ظهورها بنص ما دل على الحزازة.

و الشاهد على الجمع رواية عمار (باب 38 من النجاسات ح 7) و رواية على بن رئاب (ح 14) فما عن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لا تصل في بيت فيه خمر و لا مسكر لأن الملائكة لا تدخله و لا تصل في ثوب قد اصابه مسكر حتى تغسله.

و تقريب الاستدلال ان من المقارنة بين عدم الصلاة في دار فيه خمر و ثوب ملوث به يفهم الحزازة لأن الصلاة في بيت فيه خمر لا يكون للإنسان ملاقاة معه لا مانع منها فالنهي تنزيهي.

و اما رواية على بن رئاب: قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر و النبيذ المسكر يصيب ثوبي فاغسله أو أصلي فيه قال صل فيه الا ان تقذره فتغسل منه موضع الأثر ان اللّه تعالى انما حرم شربها.

و تقريب الاستدلال بإناطة الغسل بمشية السائل لرفع القذارة. فالحاصل من‌

273

الروايتين هو ان في الخمر مرتبة من القذارة لا تصل إلى النجاسة هذا.

و لكن الالتزام بهذا الجمع فيه محاذير يوجب عدم الاعتماد عليه فمنها ان بعض روايات النجاسة بحيث ينفى انتفاعات الخمر بجميع الجهات حتى في صورة كونه منعدما عرفيا مثل ما في المرق و ما يبل الميل فهذه صريحة في النجاسة و لا يلائم ان يكون فيه قذارة ما حتى يكون النهي عنها تنزيهيا.

و منها ان في جل الروايات تشديدات لا تلائم القذارة فقط التعبير بان في صورة العلم بالموضع يغسل و في صورة عدم العلم به يجب ان يغسل جميع الثوب و سنخ هذا التعبير يكون في البول و المنى اللذان لا كلام في نجاستهما عندنا.

و منها ان الروايات الدالة على النجاسة لا يختص الاستدلال فيه بكلمة الغسل حتى يقال انها ظاهرة في النجاسة فيجمع بينها و بين غيرها بل فيها ما يبل الميل إلخ، فإن هذه العبارة تكون نصّا مثل كلمة لا بأس.

و منها ان الجمع العرفي كان من صدر الإسلام في نظر مهرة الفن فكيف ذهلوا عنه و توجهوا إلى سائر الوجوه فهل يمكن ان يكون هذا الا بواسطة الاعراض عن روايات الطهارة فهذه قرينة على اعراضهم و ترجيح روايات النجاسة.

فإن قلت ان الشيخ الطوسي لماذا تمسك بالتقية قلت هذا يكون رمية بغير رام و لم يعتقد به. و لكن الاشكال عليه ان جلا من الفقهاء قد أفتوا بالطهارة في مقابل المشهور فيكون السند فيها صحيحا و لا يوجب اعراضهم إسقاط الدالة على الطهارة من جهة ضعف السند و الجمع العرفي باطل فتصيران متعارضتان.

فإذا استقر التعارض فقيل ان هنا مرجح من حيث الجهة و هو ان العامة يحكمون بالنجاسة فمقتضى ذلك ان يكون الرشد في خلافهم و القول بالطهارة أو الجمع كما مرّ.

ثم قال صاحب الحدائق بأن عملهم يكون على الطهارة و لا يجتنبون عنه بل يشربه سلاطينهم فلهم رأى و عمل فإذا كان كذلك فروايات الطهارة توافق العمل‌

274

و روايات النجاسة توافق رأيهم فيستقر التعارض و لا وجه لما قيل في رد صاحب الحدائق بأن الأخذ بما خالف العامة يكون في صورة مخالفة الرأي.

فمقتضى الصناعة القول بالطهارة بواسطة قاعدة الطهارة لتساقطها بالتعارض و لكن الحق مع المشهور و الدليل عليه رواية على بن مهزيار التي مرّت (في باب 38 من النجاسات).

فهذه الرواية كأنها تكون مثل روايات العلاج لدلالتها على ترجيح قول الصادق (عليه السلام) في هذا المورد الخاص و هو مورد الخمر فان روايات العلاج تكون في مقام التعارض مطلقا و هذا في هذا المورد فقط و قد أشكل عليه بأنه ان كان البناء في مخالفة العامة مخالفة الآراء لا العمل فهذه تتعارض مع روايات العلاج لان اخبار العلاج يوجب الأخذ بما خالف العامة و هو الحكم بالطهارة و هذه تدل على الأخذ بالنجاسة و هذا مما عليه العامة فإن كان لسانها لسان اخبار العلاج يتعارضان فلا يمكن الأخذ بها للترجيح.

و الجواب عنه ان هذه قابلة لتخصيص اخبار العلاج في هذا المورد الخاص فيصير حاكما بحكومة ظاهرية لان لسانهما لسان اخبار العلاج أو حكومة حقيقية كما سيجي‌ء.

و منها رواية خيران الخادم عن سهل بن زياد و قد مرت (ح 4 من باب 38 من النجاسات).

و تقريب الاستدلال ان اختلاف الأصحاب يكون لاختلاف في الروايات و لا معنى لان يبين السائل للإمام (عليه السلام) اختلاف آراء العلماء فطرد (عليه السلام) أخبار الطهارة و حكم بمقتضى أخبار النجاسة.

و من هنا يظهر ان الاشكال عليه بان اخبار العلاج يكون في صورة اختلاف الروايات لا اختلاف الأصحاب و هنا يكون من قبيل الثاني فلا تشمل هذه الرواية، مندفع بما ذكرنا من ان الاختلاف لا يكون في الآراء بل في الروايات فان في زمان‌

275

الامام الحاضر لا معنى لا يكون لكلمات العلماء وقع في مقابل قول الامام (عليه السلام).

و قد أشكل عليها بما مر من الاشكال فيما قبلها بان هذه معارضة مع أدلة الترجيح و الجواب الجواب فان هذه أيضا مخصصة لروايات الترجيح.

انما الكلام في طريق الرواية فإن فيه سهل و الأمر فيه لا يكون سهلا لان التوثيق ما ورد في الرجال بالنسبة إليه فإن كان نقل العلماء الحديث عنه مما يوجب الوثوق به فهو و الا فتكون من المؤيدات للترجيح.

هذا كله في صورة كون هذه الروايات الثلاثة حاكمة بحكومة ظاهرية و اما إذا كانت حاكمة بحكومة واقعية فيكون المراد ان الحكم الواقعي في الخمر النجاسة و يكون من لوازمه سقوط أخبار الطهارة و لا يكون في صدد بيان اخبار العلاج فلا يأتي التعارض هنا لان نقول هذه تدل على الأخذ بما وافق العامة و روايات العلاج تدل على الأخذ بما خالف العامة فتتعارضان.

و بعبارة واضحة لا يكون الامام (عليه السلام) في مقام تأييد روايات النجاسة و جعلها حجة بل تكون في مقام بيان حكم الخمر واقعا فتحصل انه لا مجال للحكم بالطهارة في الخمر ففي مقام المعارضة تتقدم روايات النجاسة فلا وجه لما ذهب اليه بعض الاعلام من الحكم بالطهارة على فرض التعارض.

قوله: بل كل مسكر مائع بالأصالة و ان صار جامدا بالعرض

أقول قد توافق آراء الأصحاب بأن كل مسكر حرام و لو لم يصدق انه خمر فيكون الإجماع البقى؟؟؟ على حرمته إنما الإشكال في نجاسته بعد تسليم ان الخمر نجس فإنه الموضوع الذي أخذ من العنب كما عن الحدائق ان المفهوم من كلام الأصحاب ان كل مسكر يكون كالخمر في النجاسة.

و حكى عن صاحب المعالم بأنه لا نعرف خلافا من الأصحاب و لكن لا يتم لان الخلاف واقع.

276

و كيفما كان قد استدل بأدلة ثلاثة لنجاسة كل مسكر: أحدها ما عن صاحب الحدائق بأن مفهوم اللغوي للخمر و لو لم يصدق على غير ما أخذ من العنب و لكن له حقيقة شرعية فيطلق على جميع المسكرات و ثانيها روايات دالات على نجاسة كل مسكر و ثالثها روايات واردة في النبيذ.

فاما دليل الحدائق فهو ان كل ما يخمر العقل خمر فكل ما يوجب تخمير العقل يكون عليه حكم الخمر و ان كان لا يصدق عليه الخمر لغة لرواية أبي الجارود في تفسير على بن إبراهيم عن ابى جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ: أما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر و ما أسكر كثيره فقليله حرام و ذلك ان أبا بكر شرب قبل ان يحرّم الخمر فسكر فجعل يقول الشعر و يبكي على قتلي المشركين من أهل بدر فسمع النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال اللهم أمسك على لسانه فلم يتكلم حتى ذهب عنه السكر فانزل اللّه تحريمها بعد ذلك إلخ.

و تقريب الاستدلال ان الرواية دلت على ان الخمر الذي يكون في القرآن يطلق على كل مسكر و لو لم يؤخذ من العنب حسب ترتيب الآثار و منها النجاسة.

و قال ابن عباس ان المراد بالخمر جميع ما يسكر مع انه يكون من مهرة فن التفسير فيعتمد على قوله و لرواية عطاء بن يسار: من طريق العامة قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كل مسكر حرام و كل مسكر خمر و يشهد لذلك روايات تدل على ان الخمر من أشياء خمس فمنها صحيحة عبد الرحمن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) قال قال رسول اللّه الخمر من خمسة العصير من الكرم و النقيع من الزبيب و التبيع من العسل و المرز من الشعير و النبيذ من التمر (في الوسائل باب 15 من الأشربة المحرمة ح! 5).

هذا حاصل استدلال الحدائق (قده) و قد أشكل عليه أوّلا بأن الآية ما استفيد منها نجاسة الخمر فكيف يمكن استفادة نجاسة سائر المسكرات منها و انما‌

277

دلت على ان الخمر رجس و لا نتحاشى عن إطلاقه لسائر المسكرات.

و فيه ان مصب كلامه (قده) لا يكون استفادة النجاسة عنها بل استفادة التنزيل فان الحقيقة الشرعية لا يكون معناها وضع لغة في مقابل اصطلاح أهل اللغة بل إثبات حكم كان على شي‌ء لشي‌ء آخر في موارد متعددة بحيث يفهم مراد الشارع من ذلك ان استعماله لهذا اللفظ في عرفه مثل استعمال أهل اللغة فإذا قال صلوا كما رأيتموني أصلي ثم تكرّر هذا بنحو خاص يفهم المخاطبون ان مراده من الصلاة ليس الدعاء في عرف اللغوي.

و قد أشكل عليه ثانيا ان غاية ما يستفاد من الآية إطلاق الخمر على كل مسكر و هذا لا يوجب الحقيقة الشرعية فإنه أعم من الحقيقة و المجاز فلا يمكن الحكم عليه لعدم وجدان المعنى الحقيقي.

و فيه ان الحدائق لا يكون في صدد ان يقول ان الحقيقة الشرعية هي رفع اليد عن المعنى اللغوي ثم الاستعمال في المعنى الشرعي بل معناها التنزيل أي إذا نزّله في الحكم منزلة الخمر في موارد عديدة يفهم مراد المولى و يتعين الحقيقة و ان يفرق بين الخمر و المسكر في رواية لا يضرنا مثل رواية أبي ربيع الشامي قال قال أبو عبد اللّه ان اللّه حرم الخمر فيها فقليلها و كثيرها حرام كما حرم الميتة و الدم و لحم الخنزير و حرم رسول اللّه الشراب عن كل مسكر و ما حرمه رسول اللّه فقد حرمه اللّه عز و جل.

و رواية فضيل بن يسار عن ابى جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن النبيذ فقال حرم الخمر فيها و حرم رسول اللّه من الأشربة كل مسكر.

و قد أشكل عليه ثالثا بان التنزيل سلمناه و لكن يكون باعتبار أظهر الآثار لا جميعها و الخمر من أظهر آثاره الحرمة لا النجاسة فإن رواية عطاء بن يسار بان كل مسكر حرام و كل مسكر خمر (في باب 19 و 1 من الأشربة المحرمة) بواسطة الاقتران بالصدر الذي يكون الحكم فيه الحرمة يكون التنزيل أيضا بملاحظة الحرمة.

278

و الجواب عنه ان الرواية التي تنقل عن مسلم من طريق أهل التسنن من ان كل مسكر خمر و كل مسكر حرام يكون الاشكال عليه واردا و لكن ان كانت الرواية بحيث ما نقل عن طريق الشيعة فلا يرد لأن في روايتهم يمكن ان يقال يكون الصدر فيها في بيان ان المسكرات خمر و الذيل يكون لبيان ان كل مسكر حرام و لا يكون في صدد بيان حكم آخر و اما رواية الشيعة بأن كل مسكر حرام و كل مسكر خمر يكون ذيلها في مقام بيان حكم آخر و هو ان كل مسكر مثل الخمر في النجاسة و إلا فأصل الحرمة قد بينت بواسطة الصدر و لا يحتاج الى الذيل بل لو لم يستفد النجاسة من الذيل يصير بلا فائدة و الأصل التأسيس لا التأكيد.

و اما الرواية التي وردت في اتخاذ الخمر من أشياء مختلفة و هي خمسة أشياء و قد تقدمت آنفا فهي دالة على عدم صدق الخمر على غير ما ذكر فلا يكون نجسا و لا حراما.

و الجواب ان الدارج من المسكرات من البدو الى الآن كان ما ذكر لا غيره فيفهم ان الخمر يكون ما هو المسكر في العرف و اما المسكرات الحادثة فان استفيد من عدم الانحصار بماء العنب عدم الانحصار بالخمسة أو غيرها فهو المطلوب كما ان أهل اللغة أيضا قالوا بذلك ففي تاج العروس و القاموس ما يدل على ان الخمر كل مسكر يخمر العقل و هذا حكم.

و اما ان وجدنا مناطا قطعيا للحرمة و النجاسة من جميع المسكرات و هو كونه مسكرا فان الخمر حرام لإسكاره و كذلك كل ما كان فيه هذه العلة و هو الإسكار يصير حراما.

هذا كله ان شئنا استفادة نجاسة المسكرات عن عنوان صدق الخمر عليه و اما مع قطع النظر عن هذا فلنا روايات خاصة على نجاسة كل مسكر.

فمنها موثقة عمار التي قد مرت (باب 38 من أبواب النجاسات ح 7) و الاشكال عليها بان الصدر يكون قرينة على عدم كون المراد من الذيل النجاسة‌

279

بل القذارة مندفع لان الذيل بحساب نفسه يدل على النجاسة و إطلاق الغسل فيه يندفع به الاشكال و عدم بطلان الصلاة في دار يكون فيه الخمر فهمناه من مقام آخر و الا فظاهر هذه الرواية عدم الصحة.

و منها رواية عمر بن حنظلة (باب 18 و 26 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته و يذهب سكره فقال لا و اللّه و لا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب.

و تقريب الاستدلال ان الأمر بالإهراق حتى في صورة الاستهلاك يدل على النجاسة.

و قد أشكل عليه بالضعف بواسطة عمر بن حنظلة لأنه لم يرد توثيق فيه في الرجال و ما ورد من روايته (في باب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1) في باب المرجحات يكون مقبولة لا صحيحة و إذا كانت روايته مقبولة في مورد لا تدل على قبول روايته في كل مورد فهي تامة الدلالة و ضعيفة السند.

و فيه ان الطريق الذي صار سببا لصيرورة روايته في باب التراجيح مقبولة الشهرة و عمل الفقهاء فكذلك هنا الفقهاء اللذين يفتون بنجاسة كل مسكر يتمسكون بهذه الموثقة فتصير مقبولة على انه وردت رواية في توثيقه عن يزيد بن حنيفة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت فقال (عليه السلام) إذا لا يكذب علينا (في باب 5 من أبواب المواقيت) و منها صحيحة على بن مهزيار التي قد مرت (في باب 38 من أبواب النجاسات).

و تقريب الاستدلال بذيلها الذي يكون فيه عبارة يعني المسكر على فرض كونها بيانا للأعم من الخمر و النبيذ لا على فرض كونها قيدا احترازيا بان تكون مشيرة الى ان النبيذ منه مسكر و منه غير مسكر ثم انه لو أغمض عن جميع ذلك يكون له معارض و هو رواية عبد اللّه بن بكير قال سئل رجل أبا عبد اللّه و انا عنده (الوسائل‌

280

باب 38 من أبواب النجاسات ح 11) عن المسكر و النبيذ يصيب الثوب قال لا بأس.

و في مقام الجمع فكلمة لا بأس تكون نصا في عدم النجاسة و الحرمة فيجمع بالاستحباب و الا فيستقر التعارض و يكون المحذور في الروايات الخاصة فلا يمكن التمسك بها لنجاسة كل مسكر.

و ما قيل من الترجيح في الروايات الدالة على النجاسة لرواية على بن مهزيار غير آت هنا لأن موافقة العامة و مخالفتهم ما أحرزت هنا فيصير المرجع قاعدة الطهارة عند التعارض مع قطع النظر عن انصراف الروايات عن بعض المسكر المتخذ من الألكل المسمى ب (اسپرتو).

و لكن يمكن ان يقال ان حكومة رواية على بن مهزيار تكون حتى في صورة التنزيل على فرض عموم التنزيل فإن عبارة (يعني المسكر) فيها تدل على الحكومة بين الخمر و النبيذ و كل مسكر، و لو كانت هذه العبارة للراوي أيضا لا تضرنا لأن الإمام (عليه السلام) في المكاتبة بعد ما رأى هذا التعبير ما غيّره فكأنه (عليه السلام) حكم على مقتضاه.

على انه لو قلنا بأن الشهرة الفتوائية أيضا تكون من المرجحات تكون متحققة في المقام بالنسبة إلى روايات النجاسة.

و مع الغمض عنه فقيام هذه الرواية في مقابل جميع الروايات التي ذكرناها مع صحة سندها و عمل المشهور عليه لا يخلو من ضعف.

اما الانصراف فيكون دليل شيخنا النائيني (قده) فان مثل الألكل لما يتخذ من مالا يكون معمولا لأخذ المسكرات و لا يعد منه بل لسائر المنافع كالاستصباح و أمثال ذلك فأدلة نجاسة المسكر منصرفة عنه.

و فيه انه بعد إرشاد الرواية بأن الخمر لا يكون الحكم مختصا به بل يكون سائر الأقسام أيضا من الخمر كما مر في الرواية فلا وجه لادعاء الانصراف لان الفقيه يطمئن من جميع ذلك ان الحكم لا يختص بالخمر سيّما على مسلكه بأن الأحكام يكون بنحو القضايا الحقيقية لا الخارجية نعم هنا نكتة و هي ان ألكل تارة يتخذ‌

281

من مواد طاهرة و تارة يتخذ من غيرها فعلى الأول اما ان يكون مسكرا بالأصل أو يصير مسكرا بالعلاج فان كان مسكرا بالأصل فهو نجس و ان كان مسكرا بالعلاج فحيث نشك في انه هل يكون موجبا لرفع عادية المسكر أو يصير مسكرا مثل سائر المسكرات فيمكن الحكم بالطهارة لأن ماء العنب الأسود أيضا يوجد في المعتادين نحو كيف و هو غير حرام فان كان الألكل الممزوج بالماء كذلك فلا وجه لنجاسته و كيفما كان مع وجود أكثر من سبعين قسم خمر في زماننا الذي ما كان في زمن السابق لا يمكن دعوى الانصراف عنه فان هذه الاقسام مما لا يعرفه الناس و ما كان معمولا في الزمن السابق فكيف يمكن ان يقال ان حكم المسكر لا يشملها لعدم شيوعها.

و اما الروايات الواردة في باب النبيذ لنجاسة كل مسكر.

فمنها رواية على بن مهزيار التي قد مرت (في باب 38 من النجاسات) على فرض كونه عبارة يعني المسكر لبيان كون ما ذكر من النبيذ و الخمر يكون من باب المثال و اما على فرض كونه قيدا احترازيا للنبيذ فلا دلالة فيها لان معناه ان النبيذ على قسمين و المسكر منه حكمه كذا.

و منها رواية يونس إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله ان عرفت موضعه إلخ (في الباب المتقدم ح 3) و منها ما (في الباب المتقدم ح 8) عن زكريا بن آدم سئلت أبا الحسن عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير قال يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب و اللحم اغسله و كله.

و فيه ان هذه لا يمكن ان تكون دليلا مستقلا لنجاسة كل مسكر بل يمكن ان تكون مؤيدة لأنه يمكن ان يقول الفقيه انه من توسعة المسكر من جهة التنزيل في الشرع.

و المؤيد لهذا الاستظهار رواية على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) قال ان اللّه‌

282

لم يحرم الخمر لاسمها و لكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر (في أبواب الأشربة المحرمة باب 19 ح 1).

فتحصل من جميع ما تقدم ان مطلق المسكر حرام نجس بأي من الأدلة نتمسك كما يكون مقتضى الروايات.

قوله: و ان صار جامدا بالعرض

أقول المشهور بل ادعى الإجماع عليه ان المواد الذي يكون نجسا من قبيل الخمر و كان مائعا ثم جف و يكون له الغلظة يكون نجسا و الدليل عليه شمول الإطلاقات فان الشراب إذا كان نجسا مائعا ثم صار ما يقال له ربّا ما خرج عن كونه موضوعا للنجاسة عرفا فلا تشكيك للعرف في ذلك و على فرض التشكيك فما تمسكوا به عند الشك ضعيف فمنها ان الانجماد لا يكون من المطهرات لا في آية و لا في رواية فعلى هذا إذا حصل الانجماد فيكون النجاسة بحالها كما كان من السابق كذلك.

و فيه انا نكون بصدد وجدان موضوع الدليل فان صدق عليه فهو و اما ان لم يصدق فمقتضى القاعدة الطهارة.

و منها استصحاب الحالة السابقة كما تمسك به الهمداني (قده) فإنه إذا جف الخمر فبعده نشك في انه هل خرج عن النجاسة بواسطة الجفاف أم لا؟ فالاستصحاب يحكم بجرّ الحكم السابق الى الآن.

و فيه ان المقام يكون من الشبهة المفهومية فلا يجرى فيه الاستصحاب لا لان الميعان يكون جزءا للموضوع فان الشك يكون في ان الخمر هل يكون ما يصدق على الجاف أو يكون مفهومه ضيقا يشمل صورة الميعان فقط بالأصالة فإن ما نحن فيه لا يكون فيه القطع بالخمرية ثم الشك في الحدوث و البقاء و لا يكون مثل الماء المتغير الذي زال تغيره بنفسه لان الموضوع فيه بنظر العرف هو الماء و هذا كما في الشك في الرضاع فإنه إذا شك في انه هل يحصل بثلاثة عشر رضعات‌

283

أو بخمسة عشر فإنه لا يمكن استصحاب الموضوع لان الموضوع هو الذي يكون عليه الأثر و ما نحن فيه ماله اثر لا يكون فيه شك و ما شك فيه لا اثر له فان مفهوم الرضاع يصدق بثلاثة عشر و لكن لا اثر عليه و ما يكون له الأثر ما تحقق في الخارج و بتقريب آخر الاستصحاب في الشبهات المفهومية ترجع الى الفرد المردد كالفيل و السبق.

و اما استصحاب الحكم و هو استصحاب حكم الحلية التي كان قبل الرضاع فلا يجري لأن الرضاع يكون من الجهات التقييدية للموضوع فحيث شك فيه فيشك في الموضوع و لا يترتب عليه الحكم نعم ان كان الرضاع جهة تعليلية يمكن ان يستصحب الحكم لبقاء الموضوع.

و اما ما نحن فيه فان عنوان الخمر لا يكون عليه الأثر و المائع المسكر الخارجي الذي كان عليه الحكم إذا كان مائعا كان عليه الحكم و لكن بعد الجفاف نشك من جهة ان الخمر هل يكون المائع بالأصالة أم هو الأعم منه و مما جف فان كان الأعم فيكون هذا خمرا واقعا و ان كان الأخص فلا يكون خمرا قطعا فيكون كالفرد المردد.

و اما استصحاب حكمه و هو النجاسة أيضا فلا يمكن لما مر في الشك في الرضاع فان الجهة ان كانت تقييدية يوجب الشك في الموضوع و فرض عدم جريان استصحابه و ان كانت الجهة تعليلية في لسان الدليل فيمكن جريان استصحاب الحكم فيه و لكن المقام لا يكون من هذا القبيل لان الدليل يدل على ان الخمر حرام فالخمرية جزء الموضوع.

هذا كله إذا لم يذهب بالجمود سكره و اما إذا ذهب سكره فإن إطلاق الدليل يشمله على فرض وجود عنوان له غير السكر مثل الخمر و النبيذ فإذا صدق عليه العنوان فلا شبهة في شمول الدليل و اما إذا كان مما لا عنوان له فيدور امره مدار الاشكال و لا شبهة في عدم شمول الدليل في صورة عدمه.

284

فتحصل (1) الفرق في ذلك بين الخمر و النبيذ و سائر المسكرات بالقول بالنجاسة على فرض صدق العنوان و الطهارة في غيرها على الفرض.

قوله: لا الجامد بالذات كالبنج.

أقول و قد ادعى الإجماع عن الدلائل و المدارك و شرح الدروس و غيره على طهارة الجامد و قد أشكل بان إطلاقات المسكر تشمل حتى صورة كونه جامدا مثل الدروس و غيره.

و الجواب عنه انه المائع بالأصالة فيكون العرف معنا و نفهم منه مصداقه و لكن في الجامد بالأصالة لا يمكن اما على مسلك الحدائق بأن المسكرات تنزل منزلة الخمر فلا يمكن لأن المناسبة في التشبيه لازمة فان قيل الشراب الفلاني لجودته مسكر لا يمكن القول بأنه خمر فإذا قيل كل مسكر خمر ينصرف عن الجامد و نكتة الانصراف هو ان التنزيل في جميع الروايات يكون المخمرّات المائعات و لكن الاحتياط لا ينبغي تركه لعدم القطع بسقوط الروايات و ان كان مقتضى الصناعة الطهارة لقاعدة الطهارة.

ثم ان صار الجامد مائعا بالعرض فاما ان يكون متمم المسكر كأن لا يكون البنج مسكرا ثم صار كذلك بواسطة الماء و اما إذا لم يكن كذلك فلا فرق في شمول الدليل بين قبل الميعان و بعده.

[مسألة 1- الحق المشهور بالخمر العصير العنبي إذا غلى قبل ان يذهب ثلثاه]

مسألة 1- الحق المشهور بالخمر العصير العنبي إذا غلى قبل ان يذهب ثلثاه و هو الأحوط و ان كان الأقوى طهارته.

أقول ان العصير الموضوع للحكم في الفقه على ثلاثة أقسام: عنبي و تمري‌

____________

(1) هذا الفرق صحيح لو لم نجد من سائر الأدلة ان العلة الوحيدة في نجاسة الخمر و النبيذ هي الإسكار و اما على فرض الوجدان كما هو الظاهر فالفرق مشكل.

285

و زبيبى، و الفقهاء هنا على ثلاثة طوائف في العنبي و المتأخرون أي من بعد العلامة (قده) على النجاسة و المتوسطون على الطهارة و القدماء ما وجد التصريح بالنجاسة منهم فلا يمكن على هذا دعوى الإجماع لأن المسألة ذات قولين.

و الدليل على النجاسة أمور: منها الإجماع كما عن مجمع البحرين و كنز العرفان بعد الغليان و الاشتداد قال بالنجاسة و فيه ان الإجماع المنقول في نفسه فاسد مع ان الاختلاف هنا واضح على انه مدركى نعم يمكن ان يكون مؤيدا لاستفادة النجاسة عن الروايات.

و الثاني ان العصير العنبي الذي يكون البحث فيه يكون خمرا ففي المهذب البارع ان العصير خمر إجماعا و يؤيدون قولهم بان الروايات الدالات على أقسام المسكر يكون العصير أيضا منه فإنهم في الواقع يقولون بان الموضوع متحقق واقعا لا تنزيلا لان هذا لا يكون في كلام الامام (عليه السلام) بان العصير العنبي خمر بل ما فيه ان الخمر يكون من العصير.

و فيه ان هذا في كلمات الفقهاء يبحث عنه في ذاته مع قطع النظر عن كونه مسكرا و اما ادعاء انه خمر اى يكون له عقباته ممنوع جدا لان الخمر أخذ في مفهومه مخمرية العقل و لا يكون هذا كذلك و ان كان يفسد فما يدعيه صاحب الجواهر (قده) من ان فيه مرتبة من التخمير لا نعرفه ممنوع لأنا لا ندري هذا و الروايات أيضا تدل على ان الخمر من العصير لا ان العصير خمر حتى يكون عليه حكمه.

و الثالث الروايات: فمنها موثقة عمار (و سائل باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول قد طبخ على الثلث و انا أعرف أنه يشربه على النصف أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف فقال (عليه السلام) خمر لا تشربه.

و تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) هو خمر لا تشربه فإن إطلاق قوله (عليه السلام) انه‌

286

خمر اما ان يكون حقيقيا أو تنزيليا، فعلى الأول لا مناص من الكشف إنيّا بأن العصير العنبي قبل ذهاب ثلثيه يكون مسكرا فكأنه (عليه السلام) أخبرنا عن موضوع خارجي لا يعرفه إلا الأوحدي من الناس و هو ان العصير مسكر قبل ذهاب ثلثيه.

و على الثاني لا يكون كاشفا عن السكر و يكون خمرا تنزيلا و يترتب عليه جميع الآثار و لا نكون بصدد إثبات كونه مسكرا الا ان يقال ان التنزيل يكون باعتبار الفرد المسكر فإن العلاقة للتشبيه يلزم ان تكون حتى يقال انه خمر و بدون شائبة منه لا يمكن ذلك هذا حاصل التقريب على نجاسة البختج.

و قد أشكل عليه أولا بأن ظاهر هذه العبارة ان البختج لا يكون مطلق العصير بل هو بالفارسية يكون «مى پخته» فما يوجب الإسكار منه يمكن ان يقال انه نجس نعم لو وضع هذا اللفظ لمطلق العصير يمكن القول بنجاسة جميع مراتبه و لكن لا يمكن ذلك و لا يمكن التمسك بعدم القول بالفصل.

و أجاب عنه بعض الفقهاء المعاصرين أطال اللّه بقاه بان ذهاب الثلثين لا يكون من المطهرات بل اما ان يكون الخمر مستطرقا فغايته الخلية و اما لم يكن كذلك فلا وجه و لا غاية لتطهيره فالحكم بطهارة العصير بعد ذهاب ثلثيه لا يكون من جهة الإسكار لان المسكر لا يطهر إلا إذا صار خلّا.

و فيه ان المسلّم هو عنوان الخمر و سمّه بغير المستطرق و لكن من اين ثبت ان كل خمر غير مستطرق لا يكون له سبيل إلى الطهارة بل يمكن ان يكون هذه الرواية كاشفة عن طريقية الذهاب في غير المستطرق أيضا. على انه لو لم يحمل على مرتبة المسكرية يوجب ان يكون عدم شربه تعبدا و هو بعيد جدا نعم يمكن حمل الحرمة على انه نجس فحرام لا انه مسكر فحرام.

و قد أشكل ثانيا بأن الرواية تكون في مقام بيان حكم ظاهري لا الواقعي فإن المفروض ان في بعض المقامات ان الاستصحاب يقدم على خبر ذي اليد و هذه الرواية تقدمه على اخبار ذي اليد المتهم في المقام لا من جهة ان العدالة شرط‌

287

في خبره بل لخصوصية الاتهام و اما على فرض عدمها فيقدم اخباره على الاستصحاب و الحاصل تكون هذه الرواية في مقام بيان ضابطة في الاستصحاب بأنه يقدم على قاعدة اخبار ذي اليد في صورة الاتهام فيحكم بأنه خمر لا واقعا بل تعبدا لهذه النكتة هذا هو الذي يكون متمسك الفقهاء للإشكال عليها.

و فيه ان هذا لا يتم لان ذيل الرواية نص في بيان الحكم الواقعي بقوله لا تشربه فيترتب عدم الشرب على انه خمر لانه لا يناسب ان يقال هذه العبارة في مقام بيان الحكم الظاهري، إنما الإشكال في ظهور الصدر للحكم الظاهري فيمكن ان يقال هنا ما قيل في رواية مسعدة بن صدقة فيكون المعنى ان البختج حرام بحسب الحكم الواقعي و حرام من جهة الحكم الظاهري فإن رواية مسعدة دلت على ان كل شي‌ء حلال واقعا و في صورة الشك لا يكون له الا الحكم الواقعي و غايته العلم بالحرمة و المقام أيضا يكون الامام (عليه السلام) في مقام بيان ان البختج خمر واقعا و في صورة الشك إذا كان مورد التهمة يكون الأصل مقدما على اليد.

و قد أشكل ثالثا بان الحديث يكون من طريقين فما عن الشيخ يكون فيه لفظة «هو خمر» و ما عن الكليني لا يكون فيه هذه اللفظة. فإذا دار الأمر بين الزيادة و النقيصة فأصالة عدم الزيادة تقدم الا ان اضبطية نقل الكليني تمنع عن جريان الأصل فعلى هذا يكونان مثل روايتين متعارضتين فإذا تعارضتا تساقطتا فيرجع الى قاعدة الطهارة.

و فيه ان المعارضة لا معنى لها لأن الأمر يدور بين المقتضى و اللااقتضاء فإن رواية الكليني تكون مقتضية اى يحكم فيها بعدم الشرب بواسطة كونه خمرا و هذا لا ينافي رواية التهذيب التي هي ساكتة عنه فيكون من اللااقتضاء من جهة الخمرية و عدمها فلا تكون المعارضة بين المقتضى و اللااقتضاء.

فما يخطر بالبال من ان التعارض يكون بين المدلولين الالتزاميين ممنوع لان المدلولين الالتزاميين أيضا لا يكون بينهما تعارض بما ذكرناه.

288

و ان قيل ان التعارض يكون في النقل اى ما فيه لفظ الخمر ينفى بنقله ما لم يكن فيه اى يقول هذا النقل غير صحيح و ما ليس فيه ينفي صحة ما فيه هذه اللفظة فيستقر التعارض بينهما.

فنقول هذا صحيح و لكن لا يكون بناء العقلاء على الأخذ بلوازم النقل بل ما هو في نظرهم رفع التهافت بين المدلولين و في المقام ذكرنا عدم المضادة فيها.

و يمكن ان يقال ان تساهل نقل لفظ الخمر عن الكليني يكون لعدم شأنية للخمر فتحصل من هذه الرواية ان العصير العنبي نجس و حرام.

و منها صحيحة عمر بن يزيد (باب 7 من أبواب الأشربة ح 1) قال قلت لأبي عبد اللّه الرجل يهدى الىّ البختج من غير أصحابنا فقال ان كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه و ان كان ممن لا يستحل فاشربه.

و تقريب الاستدلال ان للبختج حالتين حالة الإسكار و حالة ذهاب الثلثين و هي عدم الإسكار فإن كان المهدي ممن لا يشرب المسكر فاهدى بختجا يعلم أنه أغلاه حتى ذهب ثلثاه و ان كان ممن يستحل المسكر فلا يعلم ذلك منه أو علم عدمه فلا يجوز شربه.

و منها ما عن الهيثم عن الصادق (عليه السلام) سئل عن العصير يطبخ في البخار حتى يغلى من ساعته أ يشربه صاحبه فقال: إذا تغير عن حاله و غلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه.

و منها قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير و قد سئل عن الطلا ان يطبخ حتى يذهب اثنان و يبقى واحد فهو حلال و ما كان دون ذلك فليس فيه خير (باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة).

و تقريب الاستدلال بكلمة لا خير فيه فان هذه الكلمة تستعمل في صورة كون الشي‌ء مسلوب المنفعة فينتج انه حرام و نجس لان من الخيرات عدم النجاسة و عدم الحرمة فتكون هذه الكلمة في عرف أهل العرف مثل كلمة لا كرامة له،

289

فكل ما يكون فيه منشأية للشر مثل النجاسة و الحرمة يكون فيه عدم الخير.

و فيه ان عدم الخيرية يكون بالنسبة إلى الآثار الظاهرة مثل الشرب فتدل الحرمة و يمكن ان يقال أيضا ان الحرمة تكون لأي شي‌ء؟ فان قيل انها تعبد محضا فبعيد جدا (1) و ان قيل انه حرام لانه نجس أو مسكر فهو المطلوب و كلاهما يفيدنا لان المسكر نجس و النجس أيضا حمل النجاسة عليه حمل اولى ذاتي.

فتحصل ان هذه الرواية تامة لنجاسة العصير.

ثم هنا تفصيل عن مبدعه صاحب الوسيلة ابن حمزة و تبعه الشريعة الأصفهاني و السيد أبو الحسن الأصفهاني بأن العصير إذا غلى بالنار يكون حراما و يرفع حرمته بذهاب الثلثين و لكن إذا غلى بنفسه فحرام و نجس و لا يرفع حرمته الا بصيرورته خلا و كذلك نجاسته.

و قد استدل له الشريعة (قده) بان العصير إذا غلى بالنار حتى ذهب ثلثاه يذهب سكره بواسطة النار و اما إذا صار نشيشا فيصير خمرا و نجسا و يطهر بواسطة صيرورته خلّا لانه خمر مستطرق.

و الشاهد عليه رواية الساباطي (باب 5 من أبواب الأشربة ح 2) قال لي عمار الساباطي قال وصف لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا فقال تأخذ ربعا من زبيب الى ان قال فإذا كان أيام الصيف و خشيت ان ينش فاجعله في تنور سخن قليلا حتى لا ينش.

____________

(1) أقول ان ما رأينا من ظاهر الروايتين في البختج، رواية عمار و رواية عمر بن يزيد، هو القول بالحرمة من جهة كونه مسكرا فيمكن ان يستكشف من ان العصير إذا غلى و صار بحيث يصدق عليه البختج في العرف يكون حراما لسكره فيكون مسكرا فهو نجس و اما سائر أقسام العصير فلا يكون في الروايات الواردة فيه اشعار بالسكر و يكون المستفاد منه الحرمة فلا بعد في ان نقول غير البختج حرام و غير نجس لحكمة تكون في نظر الشرع معلومة و غير معلومة بنظرنا فالتعبد لا اشكال فيه.

290

و تقريب الاستدلال انه إذا كان بالنار يطهر و يحل بذهاب الثلثين و اما إذا كان بغير النار فيكون نجاسته لسكره فيفهم الفرق بين ما يغلى بالنار و ما يكون غليانه بغيرها و هذا ما فهمناه من قوله (عليه السلام) «فاجعله في تنور سخن قليلا حتى لا ينش» فإن الأمر بهذا يكون من جهة مخافة النش الذي لا يكون له طريق الى الاستحلال و الطهارة إلا الخلية.

و يؤيده المرسل في مجمع البحرين ان نش العصير من غير ان يمسه النار فدعه حتى يصير خلا و كذا عن الفقه الرضوي مثله.

و قد أجيب عنه بأنه من اين ثبت ان ما نش بنفسه يصير مسكرا و الا فلا فان صناع (1) الدبس و المسكر لا يقولون بهذا، و الشاهد ان الخمر لو كان عمله هكذا فلما ذا يصرفون في عمله كما هو المعروف مخارج كثيرة فيعلم من هذا ان الخمر المعروف لا يكون ما حصل بالنشيش و اما الرواية فأجيب عنها بأنه لا خير فيه لسموم فيه و اما إذا كان بالنار فيذهب ميكرباته و لا مجال للقول بأنه لا خير فيه.

و الجواب عنه في أثناء كلمات القائل ما يستفاد منه ان الخمر يكون في طريق الخل في بعض الأوقات فإذا ثبت ذلك نسأل منكم لأي جهة تصير خمرا نجسا فيلزمكم الجواب بأنه لا وجه له الا المسكرية لان الحمل على التعبد بعيد.

و اما الرواية التي أجاب عنها بان هذا يكون لنكتة طبية فهل يكون الحكم الفقهي فيه جواز الشرب أم لا فان الظاهر من هذه العبارة ان حكمه الفقهي انه لا يطهر بذهاب الثلثين.

الدليل الثاني انا إذا نتفحص في الروايات نرى ان بعضها مقيد بالغليان بالنار و يكون مغيى بذهاب الثلثين و اما الروايات التي لا تكون مقيدة بالغليان بالنار لا تكون فيه هذه الغاية و من قال بالطهارة أو النجاسة يجعل الغاية ذهاب‌

____________

(1) أقول انه يمكن ان يكون عمل الصناع لصيرورته أحسن بحسب طبع الشرب و اما أصل السكر فيمكن ان يحصل بصرف النشيش.

291

الثلثين فلأي ملاك يحكمون بهذه الغاية فيهما؟ فان الروايات التي لا تكون فيها غاية نطلب منك الدليل على ما ذكرت فان ذكر القيد في البعض لا يفيد في البعض الأخر و هذه شبهة معضلة لا يكون لها حل الا التفصيل بين المغلي بالنار و غيره لان في صورة غليانه بها يصير حراما و غايته ما ذكر، و اما في صورة كون الغليان بغير النار فيكون جرمه موجبا للنجاسة فلا يمكن ان تكون الغاية له.

و الحاصل يلزم الالتزام بأحد أمور ثلاثة: أحدها ان ذكر الغاية و عدمه لا اثر له لتنقيح المناط ان النار ليس لها شأن أو بواسطة عدم القول بالفصل.

ثانيها القول بالحرمة الأبدية. و ثالثها ان نقول انه يطهر بواسطة صيرورته خلا.

و المختار هو الثالث لان تنقيح المناط و عدم القول بالفصل لا وجه له لانه يمكن ان يكون للنار خصوصية في الإذهاب بالميكرب لاحتمال أن الحرارة إذا صارت فوق ستين درجة يعدم كل ميكرب مسته و احتمال الحرمة إلا بدية مخالفة للإجماع لأن بواسطة الخلية يطهر فيمكن ان يقال بان الموضوع يكون العصير و لكن في صورة النش بنفسه يجب تغيير الموضوع أي إذا صار خلّا يصير حلالا لتغيير الموضوع و اما إذا كان بالنار فغايته ذهاب الثلثين هذا حاصل احد استدلالاته اى الشريعة (قده).

و قد أشكل عليه من المعاصرين بإشكالات كثيرة أحدها ان دعوى ان الغليان في أحدهما بنفسه باطلة لأن الغليان يكون مطلقا و لا يكون نوع آخر من الغليان في الرواية التي لا غاية لها يعنى مثلا الغليان بالهواء بخصوصه أو ما هو غير النار على ان لنا رواية أخرى يكون فيها الغاية و هي مطلقة من جهة الغليان و هي صحيحة عبد اللّه بن سنان «ان العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه و و يبقى ثلثه فهو حلال».

و تقريب الاستدلال ان العصير مطلق من جهة الغليان بالنار و بغيرها و ذكر فيها ان الغاية في الحرمة ذهاب الثلثين.

292

و فيه ان الطبخ لا يصدق الا مع النار فكيف يحكم بالإطلاق هذا البعض و بظنى انه يكون من اشتباه مقررة.

ثانيها انه بعد كون الروايات على طائفتين تكونان من المطلق و المقيد فيجمع بينهما بان نقول الغليان مطلقا من جهة كونه بالنار أو بغيرها و الرواية الأخرى تكون فيها غاية فما لا غاية له يقيد بماله غاية بالتصرف في الحكم لا في الموضوع كما فعله المستدل (قده) على ان هذا لا ربط له بالنجاسة فما غلى بنفسه لأي دليل يصير نجسا؟

و فيه انه على فرض قبول الإطلاق (1) و التقييد فلما ذا يجمع بينهما فإنهما مثبتين فان العام و الخاص إذا كانا مثبتين لا يجمع بينهما الا على فرض إحراز وحدة المطلوب و ما أحرز هذا هنا.

و قيل ان الغاية تكون غاية للحرمة لا للنجاسة فما تقولون بان الخلية غاية نقول به هنا أيضا.

الدليل الثالث له (قده) صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) انه قال سئلته عن نبيذ (2) سكن غليانه قال كل مسكر حرام.

____________

(1) أقول و الظاهر عدم كونهما من المطلق و المقيد في شي‌ء فان المغلي بالنار غير المغلي بالهواء فإذا كان غاية أحدهما شيئا لا يفيد ذلك ان تكون الغاية في كل واحد ما في الآخر.

(2) الاستدلال بهذه الرواية لا يفيد المفصل و لا القائل بالإطلاق لان من السؤال يكون عن النبيذ و هو أحد أقسام الخمر لا العصير الزبيبي المغلي بالنار فإن مرتبة من الخمرية في الغليان و لكن لا يكون كل ما غلى نبيذا و جوابه (عليه السلام) بهذا الاعتبار ينطبق على هذه الصغرى و يكون الروايات التي دلت على ان كل مسكر حرام، و بصرف وجود لفظ الغليان هنا لا يمكن القول بما قيل.

293

و تقريب الاستدلال ان موضوعا إذا كان بعده ذكر الكبرى يكون تحت تلك الكبرى و يكون حكمها شاملا له.

نعم يمكن التعبير بهذا لتقية أو غيرها و لكنه خلاف الظاهر فالنبيذ الذي سكن غليانه يكون مسكر إحراما و لكن خرج عنه ما يغلى بالنار بدليل يخصه من الروايات اى ليس بمسكر و ليس بنجس.

ثم يتم استدلاله بأمور ثلاثة: الأول ان الحاكم هو الوجدان اى الغالي بالنار لا يصير نجسا. و الثاني قضية و وفد اليمن و سيجي‌ء بان الغالي بالنار لا يحكم بنجاسته، و الثالث ان العصير لو صار مسكرا لا يوجب ذهاب الثلثين طهارته بالضرورة من الدين.

و قد أشكل عليه بأنه (2) من اين ثبت ان الغالي بالنار لا يكون مسكرا فمن اين ثبت عدم الإسكار و فيه انه يمكن ان يقول وجدت هذا من قول من لا يبالى و يشربه و لا يسكره.

و قد أشكل عليه ثانيا بان الكبرى لا تكون في مقام بيان الصغرى بل يكون البيان بيانا للكبرى و وجدان الصغرى بعهدة المكلف.

و فيه ان هذا لا يناسب المحاورات العرفية فإن السؤال إذا كان عن الصغرى يجب ان ينطبق الكبرى عليها.

و قد أشكل عليه ثالثا بان في الرواية لفظة سكن غليانه فيمكن ان يكون الحكم مختصا بصورة السكون و أنتم تقولون بالغليان المطلق و لا يكون العنوان سكون الغليان.

____________

(2) يمكن ان يدعى ان مسكريته يفهم من مطاوي الروايات مثل موثقة عمار قوله (عليه السلام) خمر لا تشربه و في مقام آخر لا خير فيه و رواية عمر بن يزيد بعد السؤال عن البختج يقول ان كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه إلخ و الظاهر انه مطبوخ بالنار.

294

و فيه ان العصير في صورة عدم كون غليانه بالنار يكون غليانه تدريجي الحصول و بعده يسكن فيلزم القول بان تمام الغليان يكون هو السكون و لا فرق بينهما على انه يمكن ان يقال ان هذه تكون مقيدة لما يكون الغليان فيه مطلقا فلا يرد (1) هذا الاشكال على المفصل.

و قد استدل على طهارة العصير بجميع شئونه بان الآلات التي تستعمل في عمل الطبخ لا يحكم بنجاستها بل يكون الحكم فيها الطهارة فلو كان العصير المغلي أو ما حصل له النش نجسا فكيف يطهر آلاته و الحال انه لا يكون هذا الحكم في الروايات فلا بد من القول بطهارة العصير.

و فيه انه في بعض الفروض الذي يحكم بنجاسته لسكره إذا صار خلا تقولون بطهارة الآلات و لم يذكر هذا أيضا في الروايات و السر فيه ان الآلات تطهر بالتبعية و تكون هذه من الفقهاء كما هو المشهور و استفادتهم ذلك يكون من مذاق الأئمة (عليهم السلام).

ثم لا يخفى ان في المسألة خلافين أحدهما ما ذكر من النجاسة و الطهارة و ثانيهما الاختلاف في الغاية فبعضهم يقولون اى صاحب التفصيل ان النجس غايته الخلية إذا كان مسكرا و نشيشه بنفسه و ان كان بالنار فغايته ذهاب الثلثين.

و اما القائلون بالنجاسة فيما غلى بالنار أو بغيره فيكون غايته عندهم ذهاب الثلثين و لا يضرهم عدم ذكر الغاية في بعض الروايات.

ثم انه قد وجد في كلمات الفقهاء ان العصير إذا غلى و اشتد يكون نجسا ففي كلماتهم قيد و هو الاشتداد و لكن ما وجدنا هذا في رواية من الروايات و لا شبهة في ان الاشتداد يكون بعد الغليان فنقول يختلف هذا حسب اختلاف المباني فإن كان المبنى التفصيل كما عن الشريعة الأصفهاني (قده) و كانت الحرمة من‌

____________

(1) أقول انا نمنع بعض ما يقوله المفصل و هو انه قال بالنجاسة في صورة الغليان بنفسه مطلقا و هذه لا تدل الا على النجاسة حالة السكون لا حال الغليان.

295

جهة الإسكار يجب ان يرجع الى اهله و لا يكون لنا إطلاق حتى نأخذ به و على فرض عدم التشخيص فاستصحاب الطهارة حاكم.

و اما على فرض القول بالنجاسة مطلقا ففي بعض الروايات الإطلاق و بعضها لا يكون كذلك فإن رواية البختج لا يكون فيها الإطلاق فإنها يفهم منها تنزيله منزلة الخمر لا من جهة الإسكار نعم لنا روايتان مطلقتان منها رواية ابن هيثم و رواية أبي بصير اللتان قد مرتا فيجب للقائل بالنجاسة اعتبار الاشتداد اما لحصول السكر و اما لتطبيق المورد.

و هنا رواية (في باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة ح 1) عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) لا يحرم العصير حتى يغلى و (رواية 3) عنه قال سئلته عن شرب العصير قال تشرب ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه قلت اى شي‌ء الغليان قال القلب.

قوله: نعم لا إشكال في حرمته سواء غلى بالنار أو بنفسه و إذا ذهب ثلثاه صار حلالا سواء كان بالنار أو بالشمس أو بالهواء.

أقول: لا شبهة في حصول الحرمة بمطلق الغليان سواء كان بالنار أو غيره و يكون إجماعا قطعيا و ضروريا من الفقه إنما الإشكال في الغاية و هو انها تحصل سواء كان بالهواء أو بالنار أو الشمس أو بالاختلاف كان يكون الغليان بالنار و التتميم بالهواء أو بالعكس بان يكون النشيش بالهواء و التيمم بالنار و دليلهم الإطلاق.

و فيه ان العصير إذا غلى بالنار و ذهب ثلثاه يكون طاهرا حلالا و لا يمكن ان يقال إذا كان غليانه بالنار و ذهب ثلثاه بالهواء أو بالشمس فهو طاهر و حلال لانه خلاف الظاهر فلا بد من وجدان دليل آخر و يمكن استيناس دليل من الأخبار في طبخ الزبيب (باب 5 من أبواب الأشربة المحرمة).

و تقريب الاستدلال انه يمكن استفادة ان صيرورته ثلثين و لو كانت بغير‌

296

النار تكفى فان قوله إذا غلى بالنار حتى برد (1) و ذهب ثلثاه يكون مطلقا من جهة كونه بالنار أو غيره.

و اما الروايات التي لا تكون مذيلة اى بصيرورته ثلثين فلا يمكن استفادة ذلك منه لانه لا يكون المناط في الغليان بالنار و بالهواء واحدا لاحتمال ان يكون مسكرا.

و الحاصل لو كان إجماع مفتاح الكرامة على عدم الحرمة تامّا فهو و الا فلا يمكن القول بما ذكر مطلقا فإذا شك يستصحب النجاسة و الحرمة.

قوله: بل الأقوى حرمته بمجرد النشيش و ان لم يصل الى حد الغليان

أقول: النشيش في اللغة هو الصوت قبل الغليان و في بعضها صوت الماء و لا شبهة في ان المائعات كلها قبل الغليان يكون له النشيش، فإذا عرفت ذلك فسند المصنف رواية ذريح و هذه صحيحة أو موثقة (باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة ح 4) قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول إذا نش العصير أو غلا حرم.

و البحث في تقريب الاستدلال في هذه الرواية عن جهتين الاولى الاختلاف في متنها ففي الوسائل و الوافي يكون لفظة أو و في الكافي لفظة، و أو (و الناقل لهذا هو الشيخ الشريعة الأصفهاني) فإن كان السند ما فيه الواو فيفيد الجمع بين الغليان و النشيش و ان كان لفظة أو فيكون كل واحد منهما علة تامة للحرمة و لكن أصالة عدم الزيادة مع ما في الوافي و الوسائل فإن هذا الأصل كما يأتي في الكلمة يأتي في الحرف أيضا و الأضبطية مع ما في الكافي فمقتضى ما فيه الجمع بين النشيش و الغليان و مقتضى ما فيهما استقلال كل في العلية فيتعارضان فإذا تعارضا تصل النوبة إلى الشك فاستصحاب بقاء الطهارة السابقة بعد حمله على القدر المتيقن حاكم و هو اعتبار النشيش و الغليان و اما على فرض كون كل واحد علة تامة فيوجب النقص‌

____________

(1) أقول البرودة التي حصلت بعد الحرارة بالنار و توجب حصول التثليث تحسب من شئون التثليث بالنار فلا يمكن استفادة أنه بغير النار أيضا يطهر.

297

في كل روايات الغليان لانه لا زال يكون مقدما بالنش و بعبارة اخرى ان الاشكال في جميع الروايات هو ان لا تكون العلة الغليان فلا محالة لا يبقى شأن له لحصول الحكم بواسطة النشيش الذي يكون قبله.

و قد عولج ذلك بان النش يكون في صورة الغليان بغير النار و يكون الاعتبار به و اما إذا كان بالنار فلما يستتبعه الغليان لا اعتبار بالنش فيه و الشاهد عليه رواية حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (باب 2 من الأشربة المحرمة) و قد مرت و فيها اى شي‌ء الغليان؟ قال: القلب فان معنى الغليان قد بين بأنه يكون القلب فحيث لا قلب لا يكون الغليان صادقا فعلى هذا لا يكون النش منه.

و مثله ما ورد في كتاب الفقه الرضوي.

هذا على فرض كون النش هو الصوت قبل الغليان و لكن لا يكون معناه هذا بل معناه بالفارسية (وزوز) فان العنب إذا أخذ مائه و بقي مدة يحدث له صوت خفيف كذلك و الثانية معارضة قول المصنف برواية حماد المتقدم.

و الروايات التي في الغليان أيضا مطلقة بأنه سواء نش أم لا.

فان كان السند نسخة الكافي يرفع المعارضة بينها و بين غيرها و الأشكال فيها أيضا يرفع أو يقال بان النش يكون في صورة الغليان بالهواء و الغليان في صورة كونه بالنار ليكون من الجمع بين الاحتمالين.

قوله: و لا فرق بين العصير و نفس العنب فإذا غلى نفس العنب من غير ان يعصر كان حراما.

أقول سند المصنف إطلاق الأدلة لأنه لا فرق بين الغليان في جوف العنب أو بعد خروجه.

و قد أشكل عليه صغر و يا بأن المائع الممتاز لا يكون في جوف العنب ليقبل الغليان بل مواد مرطوبة تخرج منه بالعصر فلا مائع حتى يغلى.

و فيه ان الكلام لا يكون صحيحا بإطلاقه فإن العنب الطري يكون كما‌

298

يقول و اما إذا بقي مدة يكون داخله الماء و يكون ظرفا له.

و كبرويا عن الأردبيلي و هو ان معنى العصير لا يصدق الا بعد عصره فما لم يعصر كيف ينطبق عليه العنوان و قد أشكل عليه لجموده شيخنا الأنصاري بأن الخروج إذا كان بغير العصر فيلزم عدم الحكم و انتصر غيره له بان هذه الصورة يشمله العنوان دون ما إذا كان في جوفه و لكن التحقيق ان المقصود من العصير هو ماء العنب و لا دخل لهذه الخصوصيات من العصر و غيره و هو الظاهر من الدليل و لا يتوهم أحد بأن العصر يكون دخيلا في السكر و الميكربات اللازمة.

قوله: اما التمر و الزبيب و عصيرهما فالأقوى (1) عدم حرمتهما بالغليان و ان كان الأحوط الاجتناب عنهما أكلا بل من حيث النجاسة أيضا.

أقول: قد مر (2) حكم العصير العنبي فيما نقلناه بقي في المقام حكم العصير الزبيبي و التمري فالأول البحث فيه في موقفين الأول بالنسبة إلى النجاسة الثاني بالنسبة إلى الحرمة:

اما الأول فلا إشكال في طهارته كما عن جمع من الاعلام مثل الهمداني و صاحب الحدائق نقل عن شرح الوسائل الإجماع على عدم نجاسة غير العصير العنبي و لا يخفى ان المفصل مثل الشريعة الأصفهاني و ابن حمزة صاحب الوسيلة يفهم منه انه يكون نجسا و حراما إذا كان النش بنفسه لعدم فرقه بين الزبيب و العنب.

و الثاني فيه قولان: المشهور الحلية، و عن جمع من المتأخرين الحرمة‌

____________

(1) على المشهور و لكن لا ينبغي ترك الاحتياط ما أمكن خصوصا في الزبيبي

(2) أقول حرمة عصير الزبيب و نجاسته و ان كان خلاف المشهور و لكن ورود الروايات في المقام بحيث لا يطمئن النفس بالقول بالحلية و الطهارة و كذلك في التمر فلا يترك الاحتياط فيهما خصوصا في الزبيبي و انا و ان لم يكن من دأبنا مخالفة المشهور و لكن في المقام ما يكون من الروايات و التفصيل فيها يمنع عن القول بالطهارة و الحلية جزما و مخالفة المشهور أمر مشكل فلا ينبغي ترك الاحتياط.

299

و استدل عليه بطريقين الأول ما يقتضيه الروايات، و الثاني ما يقتضيه الأصل، اما الروايات فمنها صحيحة ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) كل عصير اصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه. (باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة).

و تقريب الاستدلال ان لفظة كل تكون عامة و تشمل جميع الافراد بالوضع لا بمقدمات الحكمة فكلما صدق عليه العنوان يكون حكمه كذلك و لا يكون هنا احتمال السكر و غيره كما في السابق نعم لو قلنا بان فيه مواد مسكرية بواسطة الغليان يمكن استفادة النجاسة.

و قد أشكل عليه صاحب الحدائق طويلا و نقل عن الفقهاء و أهل اللغة بان لنا عنوانين العصير و النبيذ فإن الأول المتخذ من العنب و النبيذ المتخذ من التمر و الزبيب فلا يمكن ان يشمل العصير ما يكون بتعبير النبيذ في الروايات وضعا أو انصرافا و في صورة الشك في ذلك يسقط عموم الحكم و هذه الجملة الأخيرة انتصار له منا.

و التحقيق ان لفهم موضوع العصير يجب الرجوع الى العرف و هو يحكم و يطبق العصير على ماء كل شي‌ء من العنب و الزبيب و البرتقال فيكون الاستعمال في معنى عام و تكون الخصوصية من دال آخر و اما إطلاق النبيذ على ما يؤخذ من الزبيب فيكون لعدم معروفية أخذ ماء السفرجل و أمثاله.

فإن قلت ان معنى العصير هو الذي يؤخذ من كمونه مثل ماء العنب و ماء الدابوقة و لكن الزبيب لا يكون فيه ماء بل يصب في الماء حتى يدخل فيه الماء ثم يخرج.

قلت هذا مندفع بحكم العرف فإن إطلاق ماء المشمش الذي يتخذ من جافة في نظر العرف أيضا لا اشكال فيه على ان التمر يكون كذلك اى لا يكون فيه ماء و مع ذلك يكون الاختلاف فيه أيضا.

300

فإن قلت ثانيا ان العصير لو كان مطلقا شاملا لغير العنب يلزم تخصيص الأكثر فيضعف العموم و يصير مهملا فيؤخذ بالقدر المتيقن و هو ما عن العنب:

بيان ذلك ان العصير على ما قلناه يكون له أفراد كثيرة فإن خصص حتى يبقى تحته عصير الزبيب و العنب يلزم تخصيص أكثره و هو ينافي بيان الحكم بنحو العموم.

و الجواب عنه و ان كان هذا في نظر الفقهاء اشكالا قويا و اعتنوا بشأنه أن نقول انه من تناسب الحكم و الموضوع بواسطة الرواية التي بيّن أقسام المسكر نفهم ان المراد كل عصير مسكر على ان الدارج في العرب هو العصير الزبيبي لعدم العنب غالبا فيهم فيكون كل مورد يكون فيه مواد سكرية حراما بواسطة السكر.

و الا فرواية عبد اللّه بن سنان ان كانت على طبقها شهرة قدمائية فيكون الفقهاء قد أعرضوا عنها و اما ان لم يكن عليه شهرتهم فضعيفة لا تكون قابلة للاعتناء بها.

و لكن التحقيق ان هذا لا يثبت الاعراض فإنه يكشف عنه في صورة كون الرواية تامة الدلالة و اما في صورة عدم ذلك فيمكن ان يكون عدم فتواهم على طبقها لعدم تمامية دلالتها.

و منها رواية زيد النرسي بطريقين الأول ما في جملة من الكتب كالحدائق و تعليقة الوحيد البهبهاني و الجواهر و طهارة الشيخ الأعظم و الثاني (في باب 2 من أبواب الأشربة المحرمة في المستدرك) و في أطعمة البحار أيضا.

فإما الثاني قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الزبيب يدق و يلقى في القدر ثم يصب عليه الماء و يوقد تحته فقال الا تأكله حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث فان النار قد اصابته قلت فالزبيب كما هو في القدر و يصب عليه الماء ثم يطبخ و يصفى عنه الماء فقال كذلك هو سواء إذا أدّت الحلاوة إلى الماء فصار حلوا بمنزلة العصير ثم نش من غير ان تصيبه النار فقد حرم و كذا إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد.

301

و اما الأول فروى زيد عن الصادق (عليه السلام) في الزبيب يدق و يلقى في القدر و يصب عليه الماء فقال حرام حتى يذهب ثلثاه قلت الزبيب كما هو يلقى في القدر قال (عليه السلام) هو كذلك إذا أدت الحلاوة إلى الماء فقد فسد كل ما غلى بنفسه أو بالنار فقد فسد حتى يذهب ثلثاه.

و تقريب الاستدلال ان الغليان بالنار يكون منشأ الفساد يكون حراما و من ذيله يستفاد ان عدم الأكل تارة يكون للحرمة و تارة للفساد فيكون مؤيدا للشريعة الأصفهاني المفصل (1) و لكن يمكن ان يقال ان الفساد أيضا عدل الحرمة و الاشكال فيها على فرض استفادة الحرمة ان الراوي فيه اشكال من جهتين الاولى عدم الوثوق به و لا يكون بالنسبة إليه في كتب الرجال توثيقه و لا ذكر فيه عن كتابه و قد أصلحه بعض الفقهاء مثل العلامة الطباطبائي بان في الأصل الذي يكون من زيد ينقل عنه ابن عمير و نقله يمكن ان يكون سببا لتوثيقه لان ابن ابى عمير لا ينقل الا عن ثقة لأنه من أصحاب الإجماع و الجواب عنه أولا انا لا ندري ان نقل ابن عمير عن شخص هل يكون المخبر معتبرا أو الرواية لأنه يمكن ان يكون عدم اخباره الا عن ثقة- أي الثقة بالرواية لا الراوي فإن كان هذا الاحتمال متجها فلا يكون نقله عن شخص سببا لتوثيقه.

و ثانيا ان النسخة الخطية التي كانت عند المجلسي أو بعض الفقهاء من اين ثبت انها تكون صادرة عن زيد، على ان السلسلة ما كانت تامة حتى نرى الرواة و نبحث عن حالهم نعم يكون في هذا الكتاب أشياء أخر يكون عن أصله و لكنه‌

____________

(1) أقول ان تفصيله (قده) كان في صورة الغليان بالنار و عدم النجاسة بل الحرمة و في صورة الغليان بغيره النجاسة و الحرمة و هنا تدل الرواية على ما قيل بان الغليان بدون النار يوجب الحرمة دون النجاسة و الغليان بالنار يوجب الفساد و هو لو كان المراد منه النجاسة يخالف نظره فإنه ذهب الى ان ما بالنار لا يكون مستطرق الخمرية.

302

يمكن نقل ذلك عنه لتحصيل الوثوق ببقية ما دخل فيه و لكن هذا أيضا مشكل و لكن ما يكون من الإشكالات القوية هو اعراض القدماء عنه لأنهم ما اعتنوا بها مع كونها عندهم و في مرأهم و منظرهم و ما ربما يقال بان هذه ما كانت عندهم و ما رأوها فلا يثبت الاعراض مندفع و ان كان من بعض الاعلام لان احتمال وجود رواية بأيدينا مع كوننا تابعين لهم و عدم كونها عندهم بعيد جدا.

و منها رواية عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال سئلته عن الزبيب هل يصلح ان يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يرفع و يشرب منه السنة قال (عليه السلام) لا بأس به (باب 8 من أبواب الأشربة المحرمة ح 3).

و تقريب الاستدلال بان عدم البأس بعد السؤال عنه يكون تقريرا له في موضوع خاص ففي هذا المورد الخاص يكون كذلك فإذا لم يكن في هذا المورد ينفى الحكم بنفي المورد و الموضوع فيكون سقوط الحلية و لو بعدم اقتضائها أو بوجود مقتضى الحرمة.

و فيه ان هنا جوابا عنها و عن جميع ما سيأتي و هو ان الدارج في طبخ الزبيب هو ذهاب الثلثين مثلا يفسد بعد بقائه ستة أو سنتين و لا يكون هذا موضوعا للحكم و هو الحرمة و لا يكون مثل العصير و لا أقل من الشك.

و الحاصل يكون السؤال مما هو مرتكز الأذهان و لا مانع من سريان الحكم في مقام آخر و بعبارة واضحة تارة يكون لرفع الحرمة و تارة لدفعها كما ان غريزة العرف تكون على هذا في طبخ الزبيب فأيضا تكون غريزة أخرى لهم بان ذهاب الثلثين يكون من المطهرات و يكون متمم الحلية فلا يثبت بهذا ان الذهاب كان لهذه الجهة فإن الغريزة على ان المعتبر فيه أيضا التثليث للحلية فحيث كان هنا غريزتان كذلك فيصير مجملا.

و منها ما ورد في طبخ الزبيب (كموثقة عمار و كرواية إسماعيل الهاشمي‌