المعالم المأثورة - ج2

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
303

(في باب 5- من أبواب الأشربة المحرمة ح 3- 4).

و اما الأولى فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئل عن الزبيب كيف يحل طبخه حتى يشرب حلالا قال تأخذ ربعا من زيب فتنقيه ثم تطرح عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقيه ليلة فإذا كان من غد نزعت سلافته ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يعمره ثم تغليه بالنار غلية ثم تنزع مائه فتصب على الأول ثم تطرحه في إناء واحد ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و تحته النار.

و حاصل ما يستفاد منها ان العصير الزبيبي إذا غلى يحل بذهاب الثلثين لأن السؤال في صدرها أيضا عن الحلية و قد أجابوا عنها بأن النكتة للحرمة يمكن ان تكون للفساد بعد البقاء كما قلنا في الرواية السابقة و هنا مؤيد و هو ان هنا يكون خواص لا يكون لها دخل.

و اما الثانية فأيضا يستفاد منها عدم الإشكال في طبخ الزبيب فارجع إليها و لكن الاشكال هنا أيضا إعراض المشهور، عنها كما عن سابقها فتحصل (1) من جميع ما تقدم ان العصير الزبيبي حرام و نجس.

في استصحاب التعليقي في العصير الزبيبي هذا كله ما يستفاد من الروايات لحكم العصير الزبيبي فإذا لم يتم و وصل النوبة إلى الشك فيجب الرجوع الى الأصول المعدة لحكم الشك و الأصل الذي توهم جريانه هنا هو الاستصحاب بوجهين:

أحدهما الاستصحاب التعليقي و الثاني الاستصحاب التنجيزي:

اما الأول فتقريبه ان يقال ان العصير العنبي إذا غلى يحرم و ينجس فإذا صار‌

____________

(1) بعد ما ذكر من الإشكالات في الأدلة لا ادرى أين وجه هذا التحصيل و لكن يمكن ان يكون ما ذكر مما شاة لهم و كانت دلالتها عنده تامة و لم يذكر هنا أو لم نلتفت اليه.

304

زبيبا فهل يكون له الحكم على فرض الغليان أم لا فيستصحب الحكم التعليقي و هو الحرمة على فرض الغليان.

و الجواب عنه بأحسن التقاريب هو ما عن النائيني (قده) بتقريب منا و هو انه (قده) ذكر مقدمتين لمرامه: أوليهما هي ان كل قضية صارت مشروطة بشرط يجب ان يرجع الشرط الى الدخل في الموضوع و يصير مفاده جزئه فإذا قيل العصير العنبي إذا غلى فمعناه العصير المغلي حكمه كذا فيصير الموضوع في الواقع ذا جزئين العصير و الغليان.

و ثانيتهما هي ان الاحكام التي تكون على العناوين يجب ان تكون بنحو القضايا الحقيقية مرآتا عن الواقع إذا وجد في الخارج (1).

فيقول بعد تمهيد المقدمتين ان المقام لا يكون لنا ما ذكرنا من المقدمات منحفظا لجريان الاستصحاب فان الشرط إذا رجع الى كونه جزء الموضوع فإذا وجدنا جزء منه دون جزء آخر لا يمكننا استصحاب الحالة السابقة فانا إذا شككنا في العصير الزبيبي بعد الغليان يكون الغليان الذي كان جزء الموضوع محرزا بالوجدان و لكن جزئه الآخر و هو كونه عصيرا عنبيا فلا، ففي صورة تغيير الموضوع كيف يستصحب الحكم و اما ما يستفاد من المقدمة الثانية و هو ان‌

____________

(1) أقول و بعبارة واضحة ان ما استفدته من كلامه في تقريراته هو ان الموضوع يجب ان يكون مما يكون موجودا في الخارج فإنه يمكن ان يقال الخمر حرام و لكن لا يمكن ان يقال العصير العنبي حرام إذا غلى لعدم تنجيز الحكم بدون وجود الشرط في الخارج فالعصير العنبي لا يكون له حكم منجز في السابق حتى يستصحب بعد صيرورته زبيبا فإنه ما دام لم يغل لا يكون عليه حكم الحرمة فإذا غلى يكون عليه و لكن إذا كان الموضوع و هو كونه عن عنب منحفظا اما مع عدم الانحفاظ فلا فان العصير الزبيبي يكون حكمه مشكوكا و لا يكون له حكم متيقن سابقا.

305

الحكم يجب ان يكون منجزا في السابق حتى يستصحب فأيضا لا يكون في المقام لان العصير إذا لم يغل لم يكن عليه حكم الحرمة فإن العصيرية محرزة بالوجدان و لكن الغليان لا يكون محرزا حتى يصير الحكم منجزا فان ترتيب الاحكام فرع وجود الموضوعات فأين حكم حتى يستصحب في الزبيب فتحصل من جميع ما ذكرناه عدم جريان الاستصحاب الحكمي لعدم الحالة السابقة له.

و الجواب عنه (قده) هو ان ما ذكرتم من ان الشرط يرجع الى الدخل في الموضوع و يصير جزئه باطل و ان كان لا يضر هذا الإشكال بأصل الاستدلال لانه على فرض كونه شرطا أيضا يكون أقوى من جعله جزء الموضوع لان الشرط يكون دخيلا في المصالح فان الحج بدون الاستطاعة لا مصلحة فيه و لا احتياج بان يقال المستطيع يجب عليه الحج:

بيان البطلان ان الشرط يكون دخيلا في المصلحة و الموضوع لا يكون كذلك بل وجوده من شروط إمكان الامتثال و هذا بعينه مثل شرب المسهل للمرض فان المرض دخيل في مصلحة شرب الدواء و شرب المسهل يتوقف على شرب المنضج و هذا لا يكون دخيلا في المصلحة.

و اما ما ذكر من ان الاحكام لا يمكن ان تصير بدون الشروط منجزة فهو أيضا باطل لان الحكم يكون هو الإرادة المبرزة و لا فائدة في الجعل فإنه لو علمنا عدم ارادة المولى و قال جعلت هذا الحكم لا يصير منجزا و لو علمنا ارادته الجدية و لو بغير الجعل يصير الحكم منجزا و هذا بعينه يكون مثل قولك ان رزقت ولدا فاختنه فان لك الإرادة الجدية لختان الولد و لو لم يكن ولد في الآن موجودا فالوجوب في جميع الواجبات المشروطة و المعلقة و المطلقة فعلىّ (1) و لكن لا يكون الفاعلية حين الفعلية فانظر الى واجب مطلق مثل الصلاة عند الدلوك‌

____________

(1) و التحقيق رجوع الواجبات المعلقة الى المشروطة على ما حررناه في الأصول تبعا للنائيني (قده).

306

الذي يكون مطلقا من جميع الجهات و يكون مورد القبول له (قده) فنسئل منه أ ليست القدرة أيضا من الشروط التي يتوقف عليه فعل الصلاة أم لا فلا محالة يقول انها أيضا من شروطها فنسئل منه مع عدم علمنا بقدرتنا فيما سيجي‌ء كيف يحكم علينا بوجوب الصلاة فكلما قلت هنا نقوله في سائر الموارد و الفرق بين شرط الواجب و شرط الوجوب هو ان شرط الوجوب يكون دخيلا في المصلحة و لكن شرط الواجب يكون دخيلا في كيفية الامتثال مثل ان شرب الدواء لا يكون إلا لمصلحة و هي المرض و لكن احتياج شرب المسهل الى شرب المنضج لا دخل له في المصلحة بل يكون دخيلا في الامتثال و من هنا يظهر الفرق بين الواجب المعلق و المشروط.

فإذا عرفت ما ذكرناه فنقول ان العصير العنبي على فرض الغليان يكون له حكم فعلى و لو لم يكن الغليان موجودا فالحكم على الفرض يقيني فكيف يقول النائيني (قده) بأنه لا يكون متعلقا لليقين حتى يستصحب فهذا الاشكال منه (قده) غير وارد عليه.

الإشكال الثاني و هو الذي يكون أهم من سابقه هو ان هذا الاستصحاب معارض باستصحاب تنجيزي في المقام و هو ان العصير الزبيبي قبل الغليان كان حلالا يقينا فبعده نشك فيه اى بعد صيرورته زبيبا إذا غلى نشك في بقاء الحلية بواسطة هذا الغليان فيستصحب بقائه و هذا يعارض استصحاب الحكم التعليقي كما بيناه فيتعارضان و يتساقطان فيرجع الى قاعدة الطهارة و الحلية.

و قد قيل في مقام الجمع ان الاستصحاب التعليقي مقدم على المنجز لان الغليان جعل غاية الحلية فإذا استصحب الحكم التعليقي يصير غاية له، و ببيان واضح في الروايات التي كانت في العصير كما مر، جعل غاية الحلية الغليان فإذا غلى صار حراما و جعل. غاية ذلك ذهاب الثلثين فتارة يكون الغليان بالوجدان في العنب فيترتب عليه حكمه و هو الحرمة و تارة نشك في كونه غاية فيستصحب‌

307

غايتيته حتى في صورة كونه زبيبا و قد أشكل عليه بان الاستصحاب لا يكون حاكما إلّا في صورة كون الشكين سببيا و مسببيا مثل الثوب الذي شك في طهارته من جهة غسله بماء مشكوك الكرية فالشك في نجاسة الثوب مسبب عن الشك في الكرية.

فإذا استصحب الكرية يرفع موضوع الأصل في الثوب و هو الشك ضرورة انّه بعد كون الماء كرا لا شبهة في طهارة الثوب الذي غسل به و المقام لا يكون كذلك لان الشك في حلية العصير الزبيبي بعد الغليان لا يكون مسببا عن الشك في حرمته بالغليان حتى يستصحب حكم الحرمة التعليقية فثبت به رفع الشك عن الحلية ضرورة أنهما متضادان ففي كل مورد يكون الشك في الحلية يكون طرف الشك أيضا الحرمة و كل مورد نشك في الطهارة يكون الشك في النجاسة أيضا فكيف يقال بان الاستصحاب التعليقي مقدم على التنجيزي فإن هذا لا يرفع غائلة التعارض.

و الجواب عنه ان المقام و لو لم يكن الشك من جهة الموضوع العرفي سببيا و مسببا و لكن في لسان الدليل جعل بينهما ترتب فإذا جعل غاية الحلية في العصير الغليان فكأنه يكون الشك في أحدهما مسببا عن الشك في الأخر فانا إذا وجدنا الغليان في العصير العنبي لا شبهة لنا في انتهاء حكم الحلية فإذا شك في ذلك أي في الغليان الموجب للحرمة و قلنا انه موجب للحرمة بواسطة التعبد بحكم الاستصحاب التعليقي فلا يبقى لنا شك في الحلية بل نحكم بالحرمة بالدليل التعبدي و هو الاستصحاب و لا يكون هذا الأصل مثبتا لان ما يثبت بالاستصحاب هو الحكم الشرعي أعني غايتية الغاية و إذا كان المستصحب حكما فالآثار العقلية أيضا تترتب عليه فان الأثر لو كان عقليا من الأول لا يثبت به، مثل إثبات طول لحية زيد باستصحاب حيوته اما إذا كان التلازم من جهة الشرع كما في المقام فلا يكون مجرى لهذه الإشكالات فلا شبهة في حكومة الاستصحاب التعليقي على التنجيزي.

الا ان الأشكال المهم في المقام هو تغيير الموضوع فان الموضوع للحرمة‌

308

على فرض الغليان كان هو العنب لا الزبيب فاذن كان الحكم في الزبيب غير الحكم في العنب ضرورة انّ من شرائط الاستصحاب اتحاد الموضوع في القضية المتيقنة و المشكوكة و في المقام لا يكون الزبيب عين العنب فجزء من الموضوع و هو الغليان موجود و جزئه الآخر غير موجود فتحصل ان عدم جريان الاستصحاب التعليقي لا يكون الا لتغيير الموضوع و الا فعلى فرض الجريان يقدم على الاستصحاب التنجيزي الذي يكون قبل الغليان.

في بيان الاستصحاب التنجيزي في العصير الزبيبي و اما الاستصحاب التنجيزي فهو ان نقول ان هذا الموضوع الخارجي إذا كان عنبا كانت، الملازمة بين الحرمة و الغليان ثابتة فيه فإذا صار زبيبا و تغير بعض حالاته نشك في ان الملازمة التي كانت لها قبل ذلك رفعت أم لا فيستصحب بقائها و يحكم بالحرمة في صورة غليانه أيضا.

و توهم ان الملازمة أمر انتزاعي و الانتزاعيات لا يمكن ان تكون موضوع الاستصحاب لعدم هوية مستقلة لها في الخارج و عدم قابليته للجعل و الرفع مندفع بان جميع الانتزاعيات إذا كان أمر منشأ انتزاعه بيد الشرع يكفى لقابليته للجعل و الرفع بتبع منشأه فلا شبهة في جريان هذا الاستصحاب.

و انما الإشكال الوحيد في المقام هو تغيير الموضوع فان الزبيب غير العنب كما بيناه مضافا بان العصير لا يصدق على ماء الزبيب فان الزبيب الذي يكون جاف العنب و يصب عليه الماء من الخارج فالماء الخارجي الذي يصير مخلوطا به كيف يصير عصير الزبيبي.

فتحصل من جميع ما ذكرناه عدم جريان الاستصحاب التعليقي لتغيير الموضوع في الزبيب فإنه غير العنب و من هنا يظهر ضعف ما استدل به للحلية ببيان ان العصير العنبي إذا صار ثلثين يصير حلالا فإذا جف فلا يبقى له ماء أصلا فما‌

309

هو الغاية من الغليان قد حصل أقوى منها فلا يتمشى القول بأنه أيضا يحتاج الى ذهاب الثلثين و وجه الضعف ان المستفاد من روايات الزبيب و طريق طبخه يفهم ان المراد هو صيرورته ثلثين بما هو دارج في العرف لا ما جف بواسطة الهواء.

في العصير التمري و اما العصير التمري فقد ذهب جملة من الأعلام بطهارته و حليته حتى بعد الغليان و القائل بحرمته و نجاسته قليل جدا بل ربما قيل بتحقق الإجماع على العدم ففي الحدائق لم أقف على التحريم ممن تقدمنا من الأصحاب و انما حدث القول بذلك في هذه الأعصار المتأخرة.

و لا يكون للنجاسة دليل الا ما يتوهم من جملة الروايات- منها موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) انه سئل عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل قال (عليه السلام) خذ ماء التمر فأغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر (في الوسائل باب 32 من الأشربة المحرمة- و موثقته الأخرى سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النضوح قال يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه ثم يتمشطن به (في الوسائل باب 37 من أبواب الأشربة المحرمة) و منها صحيحة ابن سنان كل عصير اصابته النار فهو حرام (في باب 2 من الأشربة المحرمة).

و منها صحيحة معاوية ابن وهب قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان رجلا من بنى عمى و هو من صلحاء مواليك يأمرني أن اسئلك عن النبيذ و أصفه لك فقال انا أصف لك قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كل مسكر حرام قال فقلت فقليل الحرام يحله كثير الماء فرد بكفه مرتين لا، لا (في الوسائل باب 17 من الأشربة المحرمة ح 1).

و منها صحيحة صفوان الجمال قال كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أصف لك النبيذ فقال بل أنا أصفه لك قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كل مسكر حرام و ما أسكر كثيره فقليله حرام الحديث (باب‌

310

17 من الأشربة المحرمة ح 3).

و منها رواية و وفد اليمن (باب 24 من أبواب الأشربة المحرمة ح 6) عن عبد اللّه بن حماد عن محمد بن جعفر عن أبيه في حديث ان و وفد اليمن بعثوا و فدا لهم يسألون عن النبيذ فقال لهم رسول اللّه صلّ اللّه عليه و آله و ما النبيذ صفوه لي، قال قالوا يؤخذ التمر فينبذ في إناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ ثم يوقد تحته حتى ينطبخ فإذا انطبخ أخرجوه فألقوه في إناء آخر ثم صبوا عليه ماء ثم مرس ثم صفوه بثوب ثم القى في إناء ثم صب عليه من عكر ما كان قبله ثم هدر و غلا ثم سكن على عكره فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يا هذا قد أكثرت على أ فيسكر قال نعم فقال كل مسكر حرام الحديث.

و تقريب الاستدلال في الروايتين الأوليتين هو ان الامام (عليه السلام) بعد سؤال السائل عن التمر حكم بان رفع الاشكال و الحرمة عنه يكون بذهاب الثلثين فمن ذلك نفهم انه بالغليان يصير حراما و يتوقف حليته و رفع نجاسته بما ذكر و النضوح كما في بعض كتب اللغة نوع من الطيب تفوح رائحته و المعتق اى الخالص و الصافي.

و فيه ان النضوح كما رأيت معناه و يكون في الرواية الثانية الشاهد عليه شي‌ء يستعمل في المشط و يستعمله النساء لشعورهن ليصير طيبا فالسؤال يكون في الواقع عن غير جهة الأكل فحينئذ لا نستفيد من الرواية ما يمكن ان يستند به لانه على فرض صيرورته بالغليان نجسا أو مسكرا فلا دليل لنا على ان استعمال المسكرات و النجاسات حتى من غير جهة الأكل حرام فلعل ذلك طريق يبينه (عليه السلام) لكيفية طبخ التمر ليصير قابلا للاستفادة المطلوبة منه.

و اما الرواية الثالثة فبعموم كل مسكر حرام يتمسك لحرمة هذا لانه يصدق عليه المسكر كما يصدق على عصير العنب.

و اما سائر الروايات فتقريب الاستدلال بها انه بعد السؤال عن النبيذ حكم (عليه السلام) بحرمته لكونه مسكرا و في رواية و وفد اليمن بين ان النبيذ يكون‌

311

التمر يفعل به كذا و كذا.

و قد أجابوا عنها بان المراد بقوله (عليه السلام) كل مسكر حرام ان النبيذ على قسمين مسكر و غير مسكر فما هو مسكر فهو حرام لا كل اقسامه فلا وجه للاستدلال بها لحرمة كل عصير التمر.

و لكن التحقيق ان السؤال في هذه القضايا يكون عما هو الدارج بين الناس و كان مرتكز أذهانهم مما هو معمول فحكم (عليه السلام) بان كل مسكر حرام اى ما هو الدارج بينكم مسكر فهو حرام. هذا، و لكن التحقيق ان مخالفة المشهور غير ممكن و ما نقلنا من رد الاحتمالات عند جواب البعض عنها كان مقتضى الصناعة و لكن يمكن القطع عليه و لا أقل من الشك فنحكم بالطهارة لقاعدتها.

[مسألة 2- إذا صار العصير دبسا بعد الغليان]

مسألة 2- إذا صار العصير دبسا بعد الغليان قبل ان يذهب ثلثاه فالأحوط حرمته و ان كان لحليته وجه (1) و على هذا فإذا استلزم ذهاب ثلثيه احتراقه فالأولى ان يصب عليه مقدار من الماء فإذا ذهب ثلثاه حل بلا إشكال.

أقول الظاهر من المتن ان الحرمة احتياطية و لكن لحليته وجه كما تراه و البحث الآن في دليل ما ذكر من الوجه و قد ذكر و إله وجوها من الدليل.

منها منع الصغرى كما في المسالك عن الشهيد الثاني بأنه لا يمكن ذلك فان العصير إذا لم يذهب أربعة أخماسه لا يصير دبسا.

و منها ما عن الشيخ الشهيد (قده) و هو الاستحالة أو الانقلاب فقال موضوع الحكم بالحرمة كان العصير العنبي بعد الغليان و هو شي‌ء و في الآن يكون شيئا آخر و هو الدبس بتغيير صورته النوعية فحينئذ لا وجه لحرمته مثل الخمر إذا صار خلا.

____________

(1) و هو ضعيف.

312

و قد أجيب عنه بان بين الاستحالة و الانقلاب فرق فالأول هو ترك الشي‌ء صورته النوعية مثل المثال المعروف من صيرورة الخمر خلا و صيرورة الكلب في المملحة ملحا و الانقلاب هو تغيير الشي‌ء بوجه لا يخرج عن صورته النوعية مثل المقام فإنه لم يخرج العصير عن كونه عصيرا بواسطة الغليان بل هذا عصير قد اشتد.

و فيه ان هذا القول يكون جسارة بالنسبة الى هذا الرجل النحرير المتبحر الماهر فإنه كما يستهجن ان نبين للشيخ الأنصاري بان الشبهة تارة تكون بدوية و تارة في موارد العلم الإجمالي كذا يستهجن ان نبين للشهيد معنى الاستحالة و الانقلاب فإنه (قده) لما رأى ان آثار الدبس يكون غير آثار العصير و هو كذلك حكم بالاستحالة و هو في محله و لكن يمكن الاشكال عليه بان هذا المقام يكون مثل الخمر إذا انجمد فإنه كما قلنا في محله بأنه لا يخرج بواسطة الانجماد عن صدق الخمرية كذلك المقام لا يخرج العصير بواسطة صيرورته غليظا عن صدق اسمه عليه.

و منها ان ملاحظة الموضوع في تطبيق كل دليل لازمة و في المقام لا يكون الموضوع متحققا ضرورة انه كان حراما في صورة كونه عصيرا و مشروبا فإذا فإذا صار دبسا يصير من المأكولات و هي غير المشروب عرفا و العصير الذي كانت غاية حليته صيرورته ثلثين هو الذي لا يكون دبسا و اما إذا صار دبسا فإنه قد يحفظ عن الفساد و لا سبيل له اليه بخلاف ما إذا لم يكن كذلك فإنه يمكن ان يصير بعد الغليان خمرا و لا يكون هذا الاحتمال في الدبس و الشاهد عليه رواية عمر بن يزيد (باب 7 من أبواب الأشربة) و فيها إذا كان يخضب الإناء فاشربه.

و تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) إذا كان يخضب الإناء فاشربه فقد جعل علامة الحلية خضب الإناء و لم يكن فيه ذكر من صيرورته ثلثين.

و فيه ان صيرورته مأكولا لا يخرجه في العرف عن الموضوعية و عدم ذكر التثليث في الرواية و جعل المناط خضب الإناء لا يكون كاشفا عن عدم اعتباره بل يكون من كواشف تثليثه على ان لها معارض و هو صحيحة معاوية ابن وهب قال‌

313

سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البختج قال (عليه السلام) إذا كان حلوا يخضب الإناء و قال صاحبه قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه فاشربه (باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة ح 3) على ان إطلاق دليل اعتبار الثلثين يشمل سواء كان مأكولا أو مشروبا.

و لا يخفى انه لو شك في بقاء الموضوع و عدمه لا يكون الاستصحاب جاريا لانه يكون من الشبهة المفهومية و فيها لا يجرى الاستصحاب الموضوعي و لا الحكمي كما حرر في محله.

[مسألة 3- يجوز أكل الزبيب و الكشمش و التمر في الامراق و الطبيخ و ان غلت]

مسألة 3- يجوز أكل الزبيب و الكشمش و التمر في الامراق و الطبيخ و ان غلت (1) فيجوز أكلها بأي كيفية كانت على الأقوى.

أقول ان حكم هذه المسألة يختلف حسب اختلاف المباني في العصير فان كان المبنى حليته و طهارته بعد الغليان فلا إشكال في شي‌ء من ذلك و ان غلى و ان كان المبنى حرمته و نجاسته فلا إشكال في حرمته و نجاسة الغذاء به ان غلى و اما إذا لم يغل مثل ما كان في وسط طبيخ الأرز فلا اشكال فيه أيضا و ان كان المبنى حرمته دون نجاسته فهو حلال أيضا إذا كان الغليان بحيث يستهلك اجزائه في المرق مثل الزبيب الذي يطبخ مع السمن فان خرج من أطرافه شي‌ء يغلى قالوا لا اشكال فيه أيضا لأن هذا يكون مثل التراب القليل الذي كان حراما و مستهلكا في الدقيق بخلاف صورة القول بالنجاسة فإنه لا يصير طاهرا بالاستهلاك هذا، و لكن الإشكال في الاستهلاك فإنه مع وجدان حلويته لا يصدق و كيف كان فالقول بحليته لا اشكال فيه كما عليه المصنف قده لكنا من جهة الإشكال في الاستهلاك يصير عندنا مشكل.

[العاشر الفقاع]

في حرمة الفقاع‌

(العاشر الفقاع و هو شراب متخذ من الشعير على وجه مخصوص و يقال

____________

(1) في صورة الغليان لا يترك الاحتياط بالحرمة و النجاسة.

314

ان فيه سكرا خفيفا و إذا كان متخذا من غير الشعير فلا حرمة و لا نجاسة إلا إذا كان مسكرا.

أقول ان البحث فيه عن جهات أربعة: الجهة الاولى في بيان الدليل على الحرمة و النجاسة فنقول قد استدل على حرمة الفقاع و نجاسته تارة بالإجماع و اخرى بالروايات و لكن الاختلاف يكون في انه يدور مدار الاسم أي إذا صدق انه فقاع يترتب عليه الحكم أو يدور مدار السكر فحيث لا يكون مسكرا لا يصدق عليه و اما الإجماع على نجاسة الفقاع فقد نقله العلامة في النهاية و المنتهى و الشيخ في الاستبصار و الخلاف و كذا عن الغنية و المهذب البارع و التنقيح و كشف الالتباس و إرشاد الجعفرية و حكى المحقق في المعتبر عن الشيخ انه قال الحق أصحابنا الفقاع بالخمر يعني في التنجيس و لا خلاف فيه الا عن صاحب المدارك و لكن المشهور نجاسته و يدل عليه الروايات أيضا.

أقول على فرض قبول الإجماع المنقول في ذلك فلا يمكننا استفادة النجاسة من كلماتهم و ان التنزيل منزلة الخمر و الإجماع على ان حكمه حكم الخمر لا يكون مثبتا للنجاسة بل يمكن ان يكون الحكم كذلك في الحرمة فقط.

و اما الروايات التي تكون في المقام فقد بلغت حد الاستفاضة بالسنة مختلفة ففي بعضها هو خمر و في بعض آخر خمر مجهول، و خمر بعينها، و خمر استصغرها الناس، و لا تقربه فإنه من الخمر.

فمنها ما (في الوسائل باب 39 من أبواب النجاسات ح 1) عن ابن ابى عمير عن مرازم قال كان يعمل لأبي الحسن (عليه السلام) الفقاع في منزله قال ابن ابى عمير و لم يعمل فقاع يغلى.

و منها (في هذا الباب ح 2) عن سعيد بن عثمان بن عيسى قال كتب عبد اللّه بن محمد الرازي الى ابى جعفر الثاني (عليه السلام) ان رأيت ان تفسر لي الفقاع فإنه قد اشتبه علينا أ مكروه هو بعد غليانه أم قبله فكتب (عليه السلام) لا تقرب الفقاع الا ما لم يضر آنيته‌

315

أو كان جديدا فأعاد الكتاب اليه كتبت اسأل عن الفقاع ما لم يغل فأتاني ان اشربه ما كان في إناء جديد أو غير ضار و لم اعرف حد الضرارة و الجديد و سأل أن يفسر ذلك له و هل يجوز شرب ما يعمل في الفضارة و الزجاج و الخشب و نحوه من الأواني فكتب (عليه السلام) يفعل الفقاع في الزجاج و في الفخار الجديد الى قدر ثلاث عملات ثم لا يعد منه بعد ثلاث عملات إلا في إناء جديد و الخشب مثل ذلك.

و منها موثقة ابن فضال (باب 27 من أبواب الأشربة المحرمة ح 2) قال كتبت الى ابى الحسن أسئله عن الفقاع فقال هو الخمر و فيه حد شارب الخمر.

و منها موثقة عمار (هذا الباب ح 4) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفقاع فقال هو خمر.

و منها (في الباب أيضا) رواية محمد بن سنان عن حسين القلانسي قال كتبت الى ابى الحسن الماضي اسئله عن الفقاع فقال لا تقربه فإنه من الخمر.

و منها عنه أيضا (في الباب) قال سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الفقاع فقال هي الخمر بعينها.

و منها عن ابى جميل البصري عن يونس و منها (في الباب) عن هشام ابن الحكم انه سأل أبا عبد اللّه عن الفقاع فقال لا تشربه فإنه خمر مجهول و إذا أصاب ثوبك فاغسله و منها (في الباب) عن زادان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لو ان لي سلطانا على أسواق المسلمين لرفعت عنهم هذه الخمرة اعنى الفقاع.

و منها (في الباب) عن محمد بن إسماعيل قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن شرب الفقاع فكرهه كراهة شديدة.

و منها عن محمد بن عيسى عن الوشاء قال كتبت إليه يعني الرضا (عليه السلام) اسئله عن الفقاع فكتب حرام و من شربه كان بمنزلة شارب الخمر قال و قال أبو الحسن لو أن الدار دارى لقتلت بايعه و لجلدت شاربه و قال قال أبو الحسن (عليه السلام) الأخير حده شارب الخمر و قال هي خمر استصغرها الناس (باب 28 من أبواب الأشربة المحرمة).

316

و منها ما عن على بن يقطين (باب 39 من أبواب الأشربة المحرمة ح 3) عن ابى الحسن الماضي قال سألته عن شرب الفقاع الذي يعمل في السوق و يباع و لا ادرى كيف عمل و لا متى عمل أ يحل ان اشربه؟ قال لا أحبّ.

و قبل البحث في مفادها تفصيلا يجب البحث في ان ما وقع في الأسئلة من الجواب بأنه خمر هل يكون للتنزيل (1) أو لبيان الحقيقة فقوله هو خمر هل كان معناه مسكر نجس كما ان الخمر يكون كذلك أو انه بمنزلة الخمر في الحرمة و النجاسة و تظهر الثمرة في صورة صدق الاسم عليه من دون الإسكار فإن كان معنى هو خمر بيان الحقيقة و خفائه للناس لخفائه فلا محالة يجب ان يقال في صورة عدم الإسكار بأنه ليس بحرام و نجس و اما على فرض التنزيل فقط فاللازم الحكم بهما و لو في صورة عدمه.

فنقول الوجه لكونه لبيان الحقيقة هو قوله هو خمر بعينها أو خمر استصغرها الناس و قوله لا تقربه فإنه خمر و أمثال هذه العبادات يبعد ان يكون لبيان الحكم فقط و الشاهد عليه رواية هشام بن الحكم عن يونس عن جميل البصري و قد تقدمت فإن الأمر بالغسل فيها صريحة في النجاسة كما في سائر الموارد من نجاسة البول و المنى و غيره و استدللنا بان ظاهر الأمر بالغسل هو النجاسة و حمله على التعبد خلاف الظاهر.

و اما الوجه لعدم كونها لبيان الحقيقة هو ان نقول ان التنزيل يكون في الحكم فقط لا في الموضوع و يكفى للتنزيل الآثار الظاهرة للمنزل عليه و الأثر الظاهر للخمر عند صدور الروايات كان هو الحرمة لا النجاسة فإذا قيل الفقاع خمر اى حرام لا انه نجس لا أقل من الشك و الحكم على فرضه هو الطهارة بقاعدتها و لكن المشهور بين القدماء حرمته و نجاسته كلتاهما فيمكن ان ندعى هنا علما‌

____________

(1) أقول لو كان للتنزيل أيضا فإطلاقه يشمل الحرمة و النجاسة و سائر الآثار خصوصا بالنسبة إلى ملاحظة ما ورد من ان حده أيضا حد الخمر.

317

إجماليا ينتج الاجتناب عنه و هو ان نقول عمل المشهور اما ان يكون من جهة ان المرتكز في زمان صدور الروايات كانت الحرمة و النجاسة كلتاهما و لذا فهموا من التنزيل كليهما أو كان سندهم الرواية الضعيفة التي قد مرت فكيفما كان اما ينجبر ضعفها بعملهم و اما نكشف منه الارتكاز في الآثار الظاهرة.

في انه هل يتوقف حرمة الفقاع على النشيش أم لا و كذلك هل يتوقف النجاسة على السكر أم لا

الجهة الثانية في انه هل يتوقف حرمته و نجاسته على السكر أو يكون التنزيل من جهة الحكم فقط الظاهر حرمته لسكره فحيث كان الفقاع و لم يكن السكر لا يمكن الحكم عليه بحكم الخمر و الدليل عليه هو ان التنزيل في الروايات و التشبيه بالخمر يجب ان يكون لعلاقة بينهما و ليس هنا الا السكر (1) فان من قوله (عليه السلام) هو خمر أو هو خمر بعينها يستفاد ذلك فعلى هذا الإشكال في دوران الحكم مدار السكر و عدمه و هذا شي‌ء لا ينكره العرف فان قلنا زيد اسد فلا بد ان يكون فيه علامة من علاماته الظاهرة مثل الشجاعة و مما يؤيد عدم دوران الحكم مدار المسكرية ما في فقه الرضا اعلم ان كل صنف من صنوف الأشربة التي لا يغير العقل شرب الكثير منها لا بأس به سوى الفقاع فإنه منصوص عليه لغير هذه العلة.

الجهة الثالثة (2) في انه هل يكون النش و الغليان دخيلا في حرمته أم لا الظاهر من الروايات أيضا دخله و كذا ما عن بعض اللغات مثل القاموس فإنه، يستفاد منه ان صدق المفهوم عليه يكون في صورة نشه و صيرورة شي‌ء كالزبد عليه.

و اما الروايات فمنها رواية ابن ابى عمير التي قد مرت و فيها قوله و لم يعمل‌

____________

(1) أقول و يمكن ان يقال ما ليس بمسكر لم يصل الى حد الفقاع.

(2) لا اعتبار بالغليان بل الفقاع يكون طبخه بنحو مخصوص و ليس الحرام ماء الشعير المغلي بل الفقاع بأي نحو كان.

318

فقاع يغلى، دفعا لتوهم ان عمل الفقاع في دار الامام (عليه السلام) لأي جهة كان مع انه حرام فقال بهذه الجملة ليشير بأن الفقاع الذي كان يعمل في منزله ما كان مغليا حتى يصير حراما بل كان هو من القسم الطاهر منه.

و توهم انه (عليه السلام) كان في تقية فكان يعمل في بيته خلاف الظاهر، فان المستفاد من لفظ كان الداخل على فعل المضارع هو الاستمرار و هو ينافي التقية و كذا مكاتبة الرازي الى ابى جعفر الثاني (عليه السلام) فان المستفاد منه ان الظروف التي تكون فيها سبيل نفوذ للمواد مثل الظروف السفالية و الخشبية لما يبقى فيه مواد من عمل السابق فيه و يمكن ان ينش فيه فحكم (عليه السلام) لا يعمل فيها أزيد من ثلاث عملات و لا يكون هذا الا لاستفادة النش فإنه قبله لا يكون فيه ذلك و يكون بعده.

و هذا الحكم حكى عن الأستاد في حاشية المدارك بأن حرمة الفقاع و نجاسته تدوران مع الاسم و الغليان لا للسكر فهو حرام و نجس و ان لم يكن مسكرا لان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حكم بالحرمة من دون استفصال.

الجهة الرابعة في معنى الفقاع فإنه هل كان خصوص المتخذ من الشعير فقط أو للأعم منه و من الزبيب و التمر و سائر الأشياء؟ الظاهر من بعض اللغات مثل مجمع البحرين حيث ذكروا في معناه انه شراب متخذ من ماء الشعير فقط و كذا عن البستان و لسان العرب انه ليس بمسكر و لكن ورد النهي عنه و كذلك يستفاد من رواية على بن يقطين التي قد مرت في نقل الروايات فإن السؤال عن الفقاع الذي يكون في السوق و عدم الدراية بكيفية عمله يكشف منه انه كان على أقسام المتخذ من الشعير فهو حرام و من غيره و هو حلال و قوله (عليه السلام) لا أحبه يكون للاحتياط في الشبهة.

[الحادي عشر عرق الجنب من الحرام]

في عرق الجنب من الحرام‌

الحادي عشر عرق الجنب من الحرام (1) سواء خرج حين الجماع و بعده

____________

(1) لا يكون نجسا بل لا يجوز الصلاة فيه.

319

من الرجل أو المرأة سواء كان من زنا أو غيره كوطئ البهيمة أو الاستمناء أو نحوهما مما حرمته ذاتية بل الأقوى ذلك في وطئ الحائض أو الجماع في يوم الصوم الواجب المعين أو في الظهار قبل التكفير.

أقول قد اختلف كلام القوم في عرق الجنب من الحرام على ثلاثة أقوال:

الأول النجاسة كما هو المشهور بين المتقدمين مثل الشيخ في النهاية و الخلاف و حكاه العلامة في المختلف عن ابن براج و ابن الجنيد و على بن بابويه و الصدوق و صاحب الرياض فإنه قال انها الأشهر بين قدماء الطائفة و البهبهاني و كاشف الغطاء.

الثاني القول بالطهارة و المانعية في الصلاة مثل اجزاء ما لا يؤكل لحمه و لعاب الهر و أمثال ذلك كما عن الصدوق في المقنع و ابن إدريس مدعيا الإجماع على طهارته بان من حكم بنجاسته رجع عنه في كتاب آخر و هكذا القول عن العلامة و المحقق و عامة المتأخرين و اختاره العلامة في المختلف و السبزواري في كفايته، قال: الأقرب الأشهر طهارته.

القول الثالث هو الحكم بالطهارة مع عدم المانعية للصلاة مع حزازة كما عن بعض متأخري المتأخرين.

ثم استدل على النجاسة بوجهين: الأول الإجماع المنقول على النجاسة و الشهرة القدمائية عليها و فيه انه بعد نقل القول على الطهارة لا يبقى موقع لهذا الإجماع و اما الشهرة التي ادعاها المتأخرون و كتبوه في كتبهم بأنها تكون على النجاسة و ينسبون الى المتقدمين فهو خلاف التحقيق بل ما نجد في كلماتهم هو الشهرة على عدم جواز الصلاة في عرق الجنب من الحرام فان ثبتت الملازمة بين عدم جواز الصلاة و النجاسة فهو و الا فلا يمكن استفادة النجاسة من هذه الشهرة فمن المسلم عندنا شهرة القدماء على عدم جواز الصلاة و شهرة المتأخرين على عدم النجاسة لفهمهم المانعية من الاخبار الآتية فلا يكون لنا شهرة و إجماع على النجاسة نعم يوجد في بعض كلمات الشيخ (قده) الحكم بالنجاسة و لكنه أيضا‌

320

يمكن ان يكون من اجتهاده و لا يكون في الاخبار كذلك و كيفما كان فلا يمكن الاعتماد على الإجماع المدّعى و الشهرة للحكم بذلك.

الثاني و هو العمدة في المقام الروايات: فمنها ما في البحار نقلا عن كتاب المناقب لابن شهرآشوب نقلا عن كتاب المعتمد في الأصول قال قال على بن مهزيار وردت العسكر و انا شاك في الإمامة فرأيت السلطان قد خرج الى الصيد في يوم من الربيع الا انه صائف و الناس عليهم ثياب الصيف و على ابى الحسن (عليه السلام) لبابيد و على فرسه تخفاف لبود و قد عقد ذنب فرس و الناس يتعجبون منه و يقولون ألا ترون الى هذا المدني و ما قد فعل بنفسه فقلت في نفسي لو كان اماما ما فعل هذا فلما خرج الناس الى الصحراء لم يلبثوا إذ ارتفعت سحابة عظيمة هطلت فلم يبق أحد إلا ابتلّ حتى غرق بالمطر و عاد (عليهم السلام) و هو سالم من جميعه فقلت في نفسي يؤشك ان يكون هو الامام ثم قلت أريد أن اسئله عن الجنب إذا عرق في الثوب و قلت في نفسي ان كشف وجهه فهو الامام فلما قرب منّى كشف وجهه ثم قال ان كان العرق الجنب في الثوب و جنابته من حرام لا تجوز الصلاة و ان كانت جنابته من حلال فلا بأس به فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة. (بحار ج 12 ص 139).

و منها ما عن الكفرتوئي أو عن الكفر بوتى على اختلاف في النقل (باب 27 من أبواب النجاسات في الوسائل) و نقل الشهيد في الذكرى قال روى محمد بن همام بإسناده إلى إدريس بن زياد الكفرتوثي انه كان يقول بالوقف فدخل سرّ من رأى في عهد ابى الحسن و أراد ان يسأله عن الثوب الذي يعرق فيه الجنب ا يصلى فيه فبينما هو قائم في طاق باب لانتظاره إذ حركه أبو الحسن (عليه السلام) بمقرعته فقال ان كان من حلال فصل فيه و ان كان من حرام فلا تصل فيه.

و منها ما عن الفقه الرضوي (ص 4 سطر 18) و فيه ان عرقت في ثوبك و أنت جنب و كانت الجنابة من حلال فتجوز الصلاة فيه و ان كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل.

321

و منها مرسلة الشيخ (أي الطوسي) فإنها أيضا مذيلة بكلمة حتى يغسل.

و منها أيضا ما في البحار عن على بن عبد اللّه بن الميمون عن محمد بن على بن معمر عن على بن مهزيار بن موسى الأهوازي عنه مثله (اى مثل ما مر سابقا) و قال ان كان من حلال فالصلاة في الثوب حلال و ان كان من حرام فالصلاة في الثوب حرام.

و تقريب الاستدلال بهذه الروايات للنجاسة يكون من فهم الملازمة بين عدم جواز الصلاة و النجاسة أو عدم القول بالفصل اى عدة قائلون بالنجاسة و عدة بالطهارة و القول بالمانعية دون النجاسة يكون من القول بالفصل.

و فيه انه لا يخفى على المتأمل البصير ان هذه الروايات لا تدل بوجه على النجاسة فإن الملازمة غير تامة بل يمكن ان يكون عدم جواز الصلاة لكونه مانعا من الموانع مثل لعاب الهرة على انّ خفاء النجاسة إلى زمان العسكري (عليه السلام) على الأمة من البعيد غايته فان الناس قبله (عليه السلام) أيضا كانوا يسئلون، عن حكم الجنابة و لا يكون في رواية تفصيل كما في روايته (عليه السلام) و هو (عليه السلام) أيضا لا يصرح بالنجاسة نعم في رواية الفقه الرضوي يكون كلمة حتى يغسل، و يمكن استفادة النجاسة منها لانه لو كان مانعا فقط لا يحتاج الى الغسل بل يكفيه الإزالة و كذلك رواية الشيخ و لكن الفقه الرضوي يكون ضعيف السند من أصل لا يعبأ برواياته و كذا رواية الشيخ مرسلة لا يكون لضعفه وجه انجبار لأن الشهرة كما قلنا لا تتحقق على النجاسة فعلى فرض تسليم تمامية (1) الدلالة تكونان ضعيفتا السند على ان الشيخ غالبا ينقل مضمون الروايات بصورة الفتوى فيمكن ان تكون هذه الكلمة‌

____________

(1) أقول تمامية الدلالة محل نظر فإن الأمر بالغسل يمكن ان يكون لغلبة ازالة الموانع عن الثوب و البدن بالماء فيصدق الغسل و الإزالة بمثل البنزين و أمثال ذلك يكون من الافراد النادرة فلو استفدنا من الغسل في سائر الموارد النجاسة لا نستفيدها هنا خصوصا مع ضميمة سائر الروايات و مع ما ذكره (مد ظله) من ضعفه.

322

منه (قده) فهما منه من الروايات.

و اما سند سائر الروايات أيضا ففيه ما فيه فان رواية البحار لا يكون سلسلة السند فيه مذكورة حتى نرى انها ضعيفة أو صحيحة و كذا الكفرتوثي ضعيف لعدم بيان الواسطة و كذلك الرواية الأخرى عن البحار التي تكون في سندها ابن ميمون (1) و هو ضعيف و لكن يمكن انجبار الضعف بالشهرة القدمائية التي قد مرت بأنها يمكن إثباتها لخصوص عدم جواز الصلاة فيه و لا يكون لهم مستند لهذا الحكم الا هذه الروايات لان الفتوى بلا دليل غير مسموعة.

فتحصل من جميع ما تقدم ان سند الروايات يمكن جبره بالشهرة و اما دلالتها فالاحتمال الثبوتي فيها اثنان أحدهما استفادة المانعية دون النجاسة و الثاني استفادة النجاسة و هنا احتمال ثالث عن بعض بأنه لا يكون مانعا و لا نجسا اما احتمال المانعية فلأن عدم جواز الصلاة لا يكشف منها النجاسة كما ذكرنا بل يمكن ان يكون مثل لعاب الهرّ و يعارض هذا الاحتمال احتمال كون عدم الجواز للنجاسة بأنه لو كان مانعا لا يحتاج الى الغسل بل يكفي إزالته و لو بغير الماء و رواية الفقه الرضوي و مرسلة الشيخ على فرض تماميتهما تدلان على وجوب الغسل و إطلاق عدم جواز الصلاة أيضا يشمل حتى صورة الإزالة لأن المانع لما يكون رطبا نحتمل ان يكون موجبا للحكم حدوثا و بقاء و هذا يؤيد الحكم بالنجاسة و لكن يمكن ان يقال ان المانع إذا كان مثل و بر ما لا يؤكل لحمه فإذا لم يكن في البدن موجودا لا حكم له و المقام لما يكون العرق رطبا نحتمل ان تكون الإزالة غير كافية بغير الماء فالاحتياج الى الغسل يمكن ان يكون لذلك فمع فرض تسليم الروايتين أيضا يمكن تأييد جانب المانعية و النجاسة لما كانت مشكوكة تجرى بالنسبة إليها قاعدة الطهارة و يمكن ان يقال ان القدماء حكموا بالنجاسة و ان المتأخرين حكموا بالطهارة فالقول بعدم النجاسة و المانعية يكون‌

____________

(1) أقول قال في جامع الرواة للأردبيلي انه ثقة و ذكر القول بأنه زيدي.

323

من القول بالفصل فان قلنا انه طاهر لا وجه للمانعية و استفادة الكراهة جمعا بين الأدلة يكون شيئا آخرا.

ثم هنا طائفة ثانية من الروايات التي تكون صحاحا يجب نقلها حتى نرى انه هل يمكن استفادة شي‌ء منها للحكم بالنجاسة أم لا. فمنها صحيح محمد الحلبي (باب 27 من أبواب النجاسات ح 11) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره قال يصلى فيه و إذا وجد الماء غسله.

و تقريب الاستدلال ان صحة الصلاة في الثوب الذي أجنب فيه تكون للشك في اصابة المنى فيمكن ان يكون مصيبا بفخذيه فقط و الأمر بالغسل بعد وجدان الماء لا يكون الا للعرق الذي خرج منه و أصاب ثوبه فعلى هذا يكون دالا على المطلوب و هو نجاسة عرق الجنب من الحرام بواسطة إطلاق الحكم من حيث كون الجنابة من حرام أو حلال.

و فيه ان الإطلاق في كل مقام يصح في صورة كون المتكلم بصدد بيان الحكم و اما إذا لم يكن بصدده فلا فان الظاهر من هذا الحديث الشريف هو السؤال عن الشبهة الموضوعية للشك في السراية فإن وجه السؤال تكون عن العرق الذي يكون واسطة في إيصال المني إلى سائر الأعضاء لا عن العرق نفسه.

و منها ما عن ابى بصير (في الوسائل باب 27 ح 10) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب الذي يجنب فيه الرجل و يعرق فيه فقال اما انا فلا أحب ان أنام فيه و ان كان الشتاء فلا بأس ما لم يعرق فيه.

و تقريب الاستدلال به ان السؤال لما يكون من الثوب الذي يعرق فيه و الجواب بنحو التفصيل بأنه لو كان في الشتاء فلا بأس و عدم البأس يكون لعدم العرق فيه مفهومه ان كان في الصيف لانه يعرق و عرقه كان نجسا ففيه بأس يعطى الظهور بنجاسة العرق بإطلاقه من حيث كونه من الحرام أو من الحلال.

و فيه ان السؤال يكون عن القميص و أمثاله فإن الجنابة غالبا لا تخلو من‌

324

عرق و جواب الامام (عليه السلام) يكون بنحو «اما انا فلا أحب ان أنام فيه» و عدم الحب غير الحكم بالحرمة أو النجاسة مخصوصا إذا قال الامام (عليه السلام) الذي يجتنب عن المكروهات و عن ترك الاولى، لا أحب، فلا يتفوه احد ان يكون عرقه من حرام.

ثم هنا طائفة أخرى من الروايات معارضة لما استدل به على النجاسة: منها ما (في الوسائل باب 27 من أبواب النجاسات ح 4) عن على بن أبي حمزة قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و انا حاضر عن رجل أجنب في ثوبه فيعرق فيه فقال ما ارى به بأسا قال انه يعرق حتى لو شاء ان يعصره عصره قال فقطب أبو عبد اللّه في وجه الرجل فقال ان أبيتم فشي‌ء من ماء فانضحه به.

و تقريب الاستدلال- بقوله (عليه السلام) ما ارى به بأسا و لم يفصل بين ما كان من حرام أو حلال حتى بعد سؤال السائل ثانيا بأنه يعرق بحيث لو شاء ان يعصره عصره الممهد للجواب بالتفصيل من هذه الجهات و مع ذلك انزجر (عليه السلام) من هذا القول و قال فشي‌ء من ماء فانضحه به فإنه لو كان نجسا لا وجه لنضح الماء عليه.

و منها ما (في الوسائل ح 9 باب 27 من أبواب النجاسات) عن حماد عن شعيب عن ابى بصير قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القميص يعرق فيه الرجل و هو جنب حتى يبتل القميص فقال لا بأس و ان أحب ان يرشه بالماء فليفعل.

و منها ما (ح 9 باب 27 من أبواب النجاسات) عن زيد بن على عن أبيه عن جده عن على (عليه السلام) قال سئلت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن الجنب و الحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما فقال ان الحيض و الجنابة حيث جعلهما اللّه عز و جل ليس في العرق فلا يغسلان ثوبهما.

و تقريب الاستدلال بالأول بقوله لا بأس الذي هو كالصريح في عدم البأس و الأشكال و اناطة رش الماء باختيار المكلف و مشيته أيضا دليل عليه و كذلك عدم التفصيل بين الجنب من حرام أو حلال و كذا الاستدلال بالثاني بأن العرق لا يكون حائضا و لا جنبا اى لا يكون نجسا و الحاصل ان ما ذكر من الروايات جعلوه معارضا‌

325

بإطلاقها لما دل على ان عرق الجنب من الحرام نجس.

و الجواب عنه (1) ان المقام لا يستقر التعارض فيه لأن النسبة بينهما عموم و خصوص مطلق لان هذه بإطلاقها دلت على عدم النجاسة و تلك خاصة بالعرق الذي يكون من الجنابة بالحرام فكيف يمكن ان يجعل بينهما التعارض.

ثم قال الهمداني (قده) بان مقتضى الجمع بين الروايات هو ان يحمل روايات المنع على الكراهة اى القذارة ثم قال بعد ذلك الا ان يكون التفصيل لخصوص المنع في الصلاة لا النجاسة التي تنصرف إليها سائر الروايات و الحاصل حمل هذه الاخبار على الكراهة أهون من الالتزام بالتفصيل من حيث الطهارة و النجاسة أي من حيث القول بالطهارة و المانعية و عدم النجاسة و فيه ان ما هو المانع للهمدانى (قده) من استبعاد التفكيك من جهة ان الموانع إذا كان مثل عرق الجنب من الحرام مما له رطوبة نشك في ان حدوثه فقط مانع أو بقائه فيحتاج رفع الشبهة بالغسل كما في روايتي فقه الرضوي و مرسلة الشيخ و الاحتياج اليه مما يشعر بالنجاسة- ففي المقام أيضا موجود أي في مقام الحمل على القذارة فإن‌

____________

(1) هذا إذا استفدنا من روايات الطائفة الأولى النجاسة بادعاء الظهور و اما إذا كان المستفاد منها المانعية في الصلاة فلا يكون التعارض بينهما لان هذه الطائفة بإطلاقها دلت على عدم البأس بعرق الجنب من الحرام و الحلال و تلك دلت على المانعية فقط و هما قابلان للجمع و هذا هو الظاهر من الروايات فإن استفادة النجاسة منها مشكلة خصوصا ان الابتلاء بهذه المسألة كان من صدر الإسلام فإن الاعراب كانوا يستمنون و يحضرون بحضرة النبوي صلّ اللّه عليه و آله و في بعض الروايات ما لكم خضخضتم و تجيئون عندنا بلا غسل فإنه من البعيد في غاية البعيد عدم بيان هذا الحكم كما ذكروه و هذه الروايات و ان كانت مطلقة بالنسبة إلى الطائفة الاولى و لكن يكون أظهر في عدم البأس و الطهارة فاستفادة المانعية من الجميع هو المنصور بعد ضعف الإجماع و عدم وجدان شهرة من القدماء على النجاسة.

326

أمثال الغسل لو صار سببا لبعد التفكيك بين المانعية و النجاسة يمنع عن حمل الاخبار على الكراهة بمعنى القذارة.

ثم الدليل على عدم الفرق بين خروجه حين الجماع أو بعده هو ان الجنابة تحصل بالتقاء الختانين سواء خرج المني أولا يخرج لان خروجه ليس محصلها فعلى هذا إذا خرج في حين الجماع قبل الانزال و التمام فهو نجس على فرض النجاسة لأنه يكون عرق الجنب اما قبله فلا يكون جنبا حتى يكون عرقه عرق الجنب فيكون موضوعا للطهارة أو النجاسة.

ثم انه لا فرق بين كونه من زنا أو غيره كوطء البهيمة أو الاستمناء أو نحوهما مما حرمته ذاتية و الاختلاف و النزاع في ذلك يكون مما ابدعه صاحب جامع المقاصد و منشأ النزاع ما توهمه من ان الغالب كما كان هو الزنا و الجنابة المحرمة تكون الجنابة من قبله فتوهم بان الأدلة تشمله و لا تشمل سائر الأقسام.

و فيه ان الغلبة (1) لا تكون بحيث توجب انصراف الأدلة إليه فقط فالحكم عام كما في المتن، بل الأقوى ذلك في وطئ الحائض و الجماع في يوم الصوم الواجب المعين أو في الظهار قبل التكفير.

قال في المنتهى أما الوطي في الحيض و الصوم فالأقرب الطهارة و لكن في نظائره إشكال و قال الشيخ الأنصاري (قده) لعل وجه الحكم بالطهارة في الحيض و الصوم هو ان الحرمة تكون من جهة الفعل لا الفاعل أو القابل.

و فيه ان هذا وجه عرفانى لا نفهمه لان المقام أيضا تكون الحرمة من جهة الفاعل في الصوم و من جهة القابل في الحيض.

و لا يخفى انا نتصور التفكيك بين الفعل و الفاعل فإن التجرّي يكون قبحه و حرمته من جهة الفاعل لا الفعل و الناسي لكون عمل حراما و غير الملتفت يكون الحرمة منسوبة إلى فعله لعدم توجهه الى القبح و لكن في المقام لا نتصور التفكيك‌

____________

(1) بل لا غلبة أصلا و الانصراف الى الحرام الذاتي بدوي يشكل الاعتماد عليه.

327

فان الوطي في حال الصوم قبيح ينسب الى القابل و الوطي في الحيض قبيح ينسب الى القابل مع عدم التفات الفاعل و اما عدم الحكم بالطهارة في مثل الظهار يمكن ان يكون لتوهم كونه برزخا بين الذاتي و العرضي بتوهم ان الظهار مما له دوام و الحيض و الصوم لا يدوم (1).

[مسألة 1- العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس]

مسألة 1- العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس و عليهذا فليغتسل في الماء البارد و ان لم يتمكن فليرتمس في الماء الحار و ينوى الغسل حال الخروج أو تحرك بدنه تحت الماء بقصد الغسل.

أقول هذا الحكم يختلف حسب اختلاف المباني فعلى مبنى التحقيق و هو عدم لزوم سبق تطهير العضو قبل غسله فلا إشكال في الغسل بالماء الحار ترتيبا و ارتماسا لأن الغسلة المزيلة يمكن ان تكون مطهرة و دليلنا عدم وجدان دليل على لزوم سبق الغسل بفتح الغين لرفع النجاسة على الغسل بضم الغين لحصول الطهارة فإذا غسل العضو ترتيبا و حصلت الإزالة و الطهارة، فإن عرق بعده العضو الباقي و سرت نحاسته الى العضو المغسول لا اشكال فيه لأنه نجاسة عرضية تكفيه الإزالة، و خروج العرق لا يوجب جنابة هذا العضو ثانيا.

و اما على مبنى غيرنا ممن يرى اشتراط وجوب الغسل للإزالة قبل الغسل فالترتيبى منه بالحار مشكل و كذلك الارتماسي و لا فرق بين ان يحرك بدنه تحت الماء أو لم يحرك:

بيان ذلك انّ من الاختلافات بين الأصحاب في باب الغسل الارتماسي شيئين: الأول هو ان الترتيب هل يجب فيه أم لا و الثاني انه هل يحتاج الى وجود‌

____________

(1) أقول ان المراد بالدوام و عدمه هو ان الظهار لا يرفع بنفسه و لكن الحيض و الصوم لهما أمد مخصوص ينتهيان بنفسهما اليه و الا فالظهار أيضا لا يدوم بملاحظة ان الكفارة ترفع الحرمة، و الحاصل يرجع الى ما كان أمر زواله بيد المكلف و اختياره و ما لم يكن كذلك مثل الحيض.

328

احداثى أو الوجود البقائى يكفى و بعبارة واضحة هل يحتاج الى حصول الارتماس من خارج الماء الى داخله أو يكفي بقاء الكون تحت الماء و نية الغسل في حال البقاء فان التزمنا بالترتيب و اشترطنا عدم كفاية الوجود البقائى لا يمكن الغسل ترتيبا حتى في غير الجنب من الحرام لأن الإنسان يدخل الماء معمولا من رجله لا من رأسه إلا في بعض نادر و لا يمكن ذلك لأكثر الناس و على الفرض ان البقاء لا يكفى حتى نقول انه تحت الماء يحرك رأسه أولا ثم طرفه الأيمن ثم طرفه الأيسر و اما ان قلنا بان الترتيب لا يشترط و الوجود البقائى يكفى كما هو التحقيق فالغسل تحت الماء صحيح سواء يحرك جسده أو لم يحرك لأنه إذا بقي في الماء بعد كونه فيه و نوى الغسل يكفيه ذلك فعلى هذا يمكن الغسل الارتماسي تحت الماء الحار بنية الغسل و البقاء فيه و من يشرط التحريك يجب ان يقول ان الوجود الاحداثى لازم فتحصل انه على مبنى التحقيق يمكن الغسل ترتيبا و ارتماسا في الماء الحار و على مسلك غيرنا يحصل ارتماسا تحت الماء بحركة الجسد (1).

[مسألة 2- إذا أجنب من حرام ثم من حلال]

مسألة 2- إذا أجنب من حرام ثم من حلال أو من حلال ثم من حرام فالظاهر نجاسة عرقه أيضا خصوصا في الصورة الأولى.

أقول توضيح هذه المسألة يحتاج الى رسم كلام حرر في الأصول و هو ان العلة إذا تعددت و كان المعلول قابلا للتعدد يتعدد بتعدد علته و اما إذا يكن تعدده ممكنا فتعدد العلة لا يوجب تعدده مثل قوله (عليه السلام) إذا خفي الجدران فقصّر و إذا خفي الأذان فقصّر فان الصلاة لا تقصر دفعتين بل هو معلول واحد و كل واحد من‌

____________

(1) أقول اما من لا يشرط الوجود الاحداثى و لكن يقول بوجوب الترتيب يجب ان يقول بحركة الرأس أولا، و طرف الأيمن ثانيا و هكذا لحصول الترتيب لا لإحداث الغسل و لكن التحقيق ان الارتماسي مقابل الترتيبي لو ثبت كفاية الارتماسي و المرجع في كيفيته العرف و هو يرتمس في الماء إذا قيل له انه يكفى و لكن في الماء القليل بناء العرف يكون على الابتلاء بالرأس أيضا.

329

خفاء الأذان و خفاء الجدران يكون من أسبابه فإذا جمعا أيضا لا يفيدان أزيد مما كان كل واحد منهما عليه الا على فرض القول بكون كل واحد منهما جزء العلة.

فإذا عرفت ذلك فنقول ان الجنابة اما ان يقال انها مثل الطهارة قابلة للشدة و التعدد كما يقال الوضوء على الوضوء نور على نور و اما لا يقبل ذلك فان كانت مما يتصور فيها التعدد فلا فرق بين ان يكون الاجناب من الحرام أوّلا أو من الحلال فان لازم ما كان من حرام نجاسة العرق دون ما كان من حلال فان كان الاجناب من الحرام أوّلا و من الحلال ثانيا فالأول يؤثر أثره و هو النجاسة و الثاني لا يكون مقتضيا لشي‌ء و ان كان الحرام بعد الحلال فالأول أثّر أثر الجنابة فقط و الثاني الجنابة مع نجاسة العرق فما يفرق بين ما كان الحلال أولا أو الحرام في تأثير النجاسة مما لا دليل له على هذا الفرض و اما على القول بان الجنب لا يجنب ثانيا فلما كانت مما لا يمكن فيها التعدد فكلما ازدادت العلة لا تؤثر شيئا فإن كان الأول من الحرام فهو يؤثر النجاسة و لا ينفع في كون الثاني من الحلال و ان كان الثاني من الحرام فالأول أثر الجنابة دون النجاسة و الثاني و لو كان من حرام لا يؤثر شيئا على هذا الفرض و هو ان الجنب لا يجنب ثانيا و لكن التحقيق انه لا فرق بين الصورتين لأن الجنابة مما يمكن ان تكون ذات مراتب فإذا حصلت أولا من حلال ثم من حرام فإمكان كونها ذات مراتب يكفينا ان نحكم بالنجاسة لأن كل واحد منها يكون له اثر بخصوصها و اما من لا يثبت مكانه لا يمكنه ان يحكم بذلك و نحن لا نحتاج إلى الإثبات.

[مسألة 3- المجنب من حرام إذا تيمم لعدم التمكن من الغسل فالظاهر عدم نجاسة عرقه]

مسألة 3- المجنب من حرام إذا تيمم لعدم التمكن من الغسل فالظاهر (1) عدم نجاسة عرقه و ان كان الأحوط الاجتناب عنه ما لم يغتسل و إذا وجد الماء و لم يغتسل بعد فعرقه نجس لبطلان تيممه بالوجدان.

أقول الأقوال في التيمم و كونه طهورا ثلاثة: الأول ان يكون التيمم مثل‌

____________

(1) بل الظاهر نجاسته كما قبل الغسل على فرض نجاسة عرقه.

330

الغسل بالماء طهارة واقعية إلى أول آن وجدان الماء و وجدانه لا يكون من مبطلاته بل ينتهى أمده الى هذا الوقت كما يقال التيمم احد الطهورين و اما ما يقال التراب احد الطهورين فلا يكون رواية و ما وجدناه في رواية إلى الآن.

الثاني ان يكون نازلا منزلة الطهارة المائية و لا يكون طهارة واقعا الثالث ان يكون مبيحا للدخول فيما هو مشروط بالطهارة.

فعلى الأول و هو ان يكون موجدا للطهارة الواقعية لو تصورنا ذلك فلا إشكال في طهارة عرقه من الحرام و جواز دخول المساجد و مس كتابة القرآن و أمثال ذلك لأنه طهارة واقعا و لكن على فرض الاستبعاد من جهة ان وجدان الماء كيف يرفع الطهارة الواقعية و كيف يوجب رجوع حال الحدث إلى أوله فلا يمكن الحمل على ذلك.

و اما على الفرض الثاني و هو كونه منزلا منزلة الطهارة المائية لنكتة عدم تصوير كونه طهارة واقعية فهو يكون من قبيل سائر التنزيلات الشرعية مثل الطواف في البيت صلاة أو جعل الظن منزلة العلم و أمثال ذلك فكما ان المراد بالتنزيل في سائر الموارد ترتيب آثار المنزل عليه فكذلك هنا يكون التنزيل موجبا لترتيب الآثار الشرعية مثل كفايته لمس كتابة القرآن و الدخول في الصلاة و أمثال ذلك و اما عدم نجاسة العرق فعلى هذا الفرض فيه إشكال لأن التنزيل يكفيه ترتيب ما هو المتيقن من آثار المنزل عليه و هو هنا الآثار الشرعية دون مثل عدم نجاسة العرق.

و على الفرض الثالث و هو كونه مبيحا للصلاة فقط فلا يترتب عليه اثر غير إباحتها و سائر الآثار غير مترتب و على هذا يكون من باب تخصيص أدلة لا صلاة الا بطهور لانه مع انه لم يكن طهارة صحت الصلاة معها فيرجع الى عدم اشتراط الطهارة فيها في هذه الصورة و اما على فرض التنزيل فلا يكون من باب التخصيص بل من باب التخصص و الحكومة فإذا قيل أكرم العلماء و قيل زيد ليس من العلماء‌

331

مع انه منهم لا يكون تخصيصا بل فرض هو لفسقه و أمثال ذلك غير عالم فإذا فهمنا من إطلاقات التيمم ذلك فينزل منزلته كما هو الظاهر و يكون دخوله في الطهارة المائية بنحو الحكومة و لا تخصص أدلة لا صلاة الا بطهور بل هذا طهور.

فتحصل انه على الأول لا يكون العرق نجسا و لعدم تصويره فعلى الثاني و الثالث لا يمكن الحكم بطهارة عرق الجنب من الحرام خصوصا على الثالث و اما على الثاني فيمكن ان يشك في النجاسة من جهة احتمال شمول التنزيل حتى لهذا الأثر فالمرجع أصول (1) أخر.

[مسألة 4- الصبي الغير البالغ إذا أجنب من حرام ففي نجاسة عرقه اشكال]

مسألة 4- الصبي الغير البالغ إذا أجنب من حرام ففي نجاسة عرقه اشكال و الأحوط أمره بالغسل إذ يصح منه قبل البلوغ على الأقوى.

أقول لا شبهة و لا ريب في ان الصبي المميز قابل للتكليف من الشرع و تكون التكاليف بالنسبة إليه فعلية لان ما هو المناط لتوجه التكاليف و هو العقل الذي يميز بين الحلال و الحرام و الحسن و القبيح و وجوب شكر المنعم و اطاعة أو أمره يكون في حقه موجودا فلا قصور لأدلة التكاليف و لا من جهة القابل من حيث انه إنسان بخلاف غير المميز و المجنون فإنهما لا يكونان قابلين للزجر و البعث.

انما الكلام في رفع القلم عنه و الاحتمالات الثبوتي فيه ثلاثة: و من ذكرها يظهر وجه ضعف قولهم بأن الحرمة تارة تكون فعلية و تارة ذاتية و الصبي و ان لم يكن له حكم فعلى لعدم البلوغ و لكن لما يكون أصل الوطي مما هو قبيح ذاتا فيكون من آثاره نجاسة عرق الصبي، ضرورة انه إذا لم يكن حراما فكيف يمكن‌

____________

(1) أقول و الأصول الأخر مثل استصحاب النجاسة فإن عرق هذا الشخص قبل التيمم كان محكوما بالنجاسة فإذا شك بعده فيكون حالته السابقة النجاسة و الآن يكون الشك في زوالها و يمكن أن يقال ان التيمم يكون له آثار الغسل من دخول المساجد و غيره و من آثاره هنا جواز الدخول في الصلاة مع العرق على فرض النجاسة و اما طهارة ما هو نجس به فهو مشكل.

332

الحكم عليه على مقتضى الحرمة الغير الفعلية.

أما الاحتمال الأول و هو ان يكون التكليف في حقه فعليا و لا يكون له حالة منتظرة و لكن إذا فعل الصبي فعل الحرام يرفع عنه قلم العقاب لا قلم الآثار الوضعية و التكليفية مثل قاعدة الفراغ في العبادات فإن الصلاة في مقامها لا تنقص عن الاجزاء المعينة بل إذا كانت خمسة تكون في حق الناس للجزء أيضا كذلك اى يتعلق عشق المولى بها و لكن بعد التمام لنكتة يرى عدم صلاحية الأمر ثانيا فيتم مصلحة هذا الجزء بمصلحة أخرى.

و هنا أيضا كذلك فإن الصبي أيضا يكون عليه النهي عن العمل الشنيع و لكن المولى بعد الفعل لنكتة يرى عدم صلاحية عقابه فرفع القلم اى قلم العقاب عنه فعلى هذا لا إشكال في نجاسة عرقه مثل أب ينهى ابنه جدا عن النسية في الدكاكين و اما مع عصيان الولد لحفظ ماء وجهه يقضى دينه فإن النهي فعلى غير مستلزم للعقاب و يكون هذا على فرض كون الحديث في المقام مثل قاعدة الفراغ في الصلاة و غيرها.

الاحتمال الثاني ان يكون الأحكام بالنسبة إلى الصبي مثل الواجب المعلق فكما انها فيه لا يكون فاعليا و يكون فعليته مسلمة فكذلك في المقام يكون النهي بالنسبة إليه فعليا غير فاعلي فان فاعليته تكون بعد البلوغ لانه شرط له فعلى هذا أيضا لما يكون النهي فعليا يترتب عليه أثر النجاسة إذا كانت جنابته من حرام و بعبارة واضحة و تقريب آخر إذا كان الحديث موجبا لرفع الحجية و إسقاطها لا يوجب إسقاط الملاك فان الخطابات لها ظهورات ثلاثة: الحجية و كون هذا مرادا للمولى و كونه ناشيا عن المصلحة فإذا سقطت الحجية لا يسقط الملاك و المصلحة عن الظهور فان الخطاب كاشف عن الملاك ابتداء اى الملاك يكون تابعا له في الوجود و اما في البقاء (1) فلا ربط له به فعلى هذا أيضا نحكم نجاسة‌

____________

(1) و التحقيق كما حررناه في محله هو ان الملاك يكشف بالخطاب فحيث لا خطاب لا يكون لنا ملاك إثباتا لانحصار كاشفة بالخطاب.

333

عرق الصبي الجنب من الحرام لوجود الملاك و هو المفسدة في هذا العمل الحرام و الاحتمال الثالث ان يفصل بين الواجبات و المحرمات فنقول ان الواجبات لما تكون حرجيا على الصبي لا يكون الحكم بالنسبة إليه فعليا و لكن المحرمات لما يكون هو الترك فقط فلا إشكال في ان يكون مكلفا بها فعلى هذا أيضا عرقه نجس لفعلية النهي هذا كله في حكم عرقه اما انه هل ترفع النجاسة بواسطة الغسل أم لا ففيه خلاف و احتاط المصنف (قده) و ما فهمنا الى الآن وجه الاحتياط لانه اما ان نقول ان الصبي مكلف و يكون عباداته شرعية أولا فعلى هذا أيضا اما ان نقول بنجاسة عرقه بالبيان السابق أولا فإن قلنا بعدم نجاسة عرقه فلا يجب عليه الغسل لرفعها لانه فرع وجودها و اما على فرض النجاسة على المسالك الثلاثة في حديث رفع القلم من كونه من قبيل قاعدة الفراغ أو مثل الواجبات المعلقة أو كشف الملاك و القول بان عبادات الصبي قبل البلوغ شرعية و لشمول الخطابات له أيضا فإن غسله صحيح و إذا رفع أثر الجنابة يرفع أثر النجاسة أيضا و ان قلنا بنجاسة عرقه مع عدم كونه مشمولا للخطايات فعرقه نجس الى آن البلوغ و الغسل و هذا كله واضح فليس وجه للقول بالاحتياط ثم قد مر منا بيان سقوط الخطاب و بيان وجود الملاك بعده و لكن بعضهم تمسك بإطلاق المادة و هو لا يتم عندنا.

[الثاني عشر عرق الإبل الجلالة]

في نجاسة عرق الإبل الجلالة‌

الثاني عشر عرق الإبل الجلالة بل مطلق الحيوان الجلال على الأحوط

أقول البحث في هذه المسألة تارة يكون من جهة بيان نجاسة خصوص الإبل الجلالة و تارة من جهة الأعم منه و من سائر الحيوانات و البحث أو لا يكون في بيان عرق خصوص الإبل و العمدة فيه الروايات و يكون الحكم بالنجاسة مشهورا بين المتقدمين من العلماء (رضوان اللّه عليهم) فصرح عدة منهم بالنجاسة و كذا صرح‌

334

بها بعض المتأخرين فمن المتقدمين كما عن الشيخين و القاضي و ابن براج و من المتأخرين كما عن العلامة و الأردبيلي و تلميذه في المدارك و تلميذه في الذخيرة و كيفما كان فالقول بالنجاسة بين بعض المتأخرين و بين بعض المتقدمين مشهور و لكن عن عدة منهم أيضا القول بالطهارة مثل سلار و العلامة في المختلف و ابن إدريس و كيفما كان فان القول بالطهارة و النجاسة يكون من أعاظم الفقهاء.

و اما الروايات فمنها صحيحة أو حسنة حفص البختري عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا تشربنّ من ألبان الإبل الجلالة و ان أصابك شي‌ء من عرقها فاغسله. هذه و ما بعدها (في الوسائل باب 15 من أبواب النجاسات)، و منها صحيحة هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه لا تأكلوا لحوم الجلالة و ان أصابك من عرقها فاغسله.

و منها (ما في المستدرك باب 11 من أبواب النجاسات) مرسلة الصدوق في المقنع قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا تشرب من ألبان الإبل الجلالة و ان أصابك شي‌ء من عرقها فاغسله.

و مرسلة في الفقيه نهى (صلى اللّه عليه و آله) عن ركوب الجلالات و شرب ألبانها و ان أصابك من عرقها فاغسله.

و تقريب الاستدلال بهذه واضح من جهة قوله (عليه السلام) في رواية حفص اغسله فإن الأمر به ظاهر في النجاسة و كذا في رواية صدوق في خصوص الإبل و في صحيحة هشام بنحو العموم أمر بغسل عرق الجلال سواء كان إبلا أو غيرها على فرض عدم ارادة العهد من الجلال و هذه مما دلت على نجاسة عرق مطلق الجلال كما سيجي‌ء.

و قد أشكل على هذا التقريب بإشكالات ثلاثة الأول منها ان الروايات عمومها و خصوصها يكون لها سياق واحد و الإجماع من العلماء يكون على طهارة عرق‌

335

غير الإبل من الجلالات فيمكن ان يكون هذا قرينة على ان المراد في الخاص أيضا الكراهة لا النجاسة.

و فيه ان العام و الخاص في المقام يكونان مثبتين و قد حرر في محله انه لا يحمل أحدهما على الآخر الا بعد إحراز وحدة المطلوب ففيما نحن فيه كيف أحرز وحدته التي يعبر عنها بوحدة السياق حتى يكون الإجماع على طهارة عرق غير الإبل مضرا بالاستدلال بالروايات الخاصة و مجرد صدق الجلال على كل واحد منها لا يوجب وحدته و الا فلو كان لهذا مجال فكيف لا يقول به في سائر المقامات التي يكون العام و الخاص مثبتين و لا يحمل أحدهما على الآخر.

و الاشكال الثاني هو ان الإجماع يكون قائما على طهارة بدن الجلال مطلقا و عدم كونه نجسا فكيف يمكن انفكاك نجاسة العرق و طهارة البدن و ما رأينا أحدا يغسل بدن الجلال أو يجتنب عنه.

و فيه ان هذا واضح الجواب فان العرق إذا خرج يكون موجبا لنجاسة عرضية للبدن فهو مع كونه طاهرا ذاتا لا ضير في ان يكون نجسا بالعرض مثل عرق الجنب من الحرام فان بدن الإنسان طاهر و عرقه نجس.

و الاشكال الثالث في نجاسة الجلال عن بعض المعاصرين و هو لا يتم فنقول مقدمة لتنقيحه انه قد اختلف الأصحاب في باب موانع الصلاة بان المانعية في اجزاء ما لا يؤكل لحمه هل تختص بما كان حراما بالذات أو يعم و يشمل حتى ما صار حراما بالوطي و الجلل و أمثاله و هذا المعاصر يكون ممن اختار التعميم خلافا لأستاده النائيني (قده) في لباس المصلي. فإنه قد اختار تخصيصه بما كان محرما بالذات ثم على هذا بين بيانا و اختار مانعية عرق الجلال مطلقا للصلاة و عدم نجاسته.

فإنه قال لا شبهة و لا ريب في ان الأمر بالغسل في سائر الموارد مثل البول و المنى يكون ظاهرا في النجاسة سيما ما كان مشتملا على كلمة من بقوله (عليه السلام)

336

«اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» الظاهر بان وجوب الغسل نشأ من البول مثلا و فيما نحن فيه في صحيح حفص يكون الأمر بغسل عرق خصوص الجلال و في صحيح هشام يكون لمطلق الجلال و هو و ان كان ظاهرا في نجاسة العرق و لكن في الكلام ما يكون قرينة على خلاف الظاهر أو مما يحتمل القرينية و هو ان في صحيح حفص صدر الرواية يكون النهي عن شرب ألبان ما لا يؤكل لحمه و في صحيح هشام النهي عن أكل لحوم الجلالة و النهي فيهما ظاهر في التحريم دون النجاسة ضرورة ان غير المأكول اللحم من الحيوانات لا يكون نجسا و لا يكون ألبانه أيضا كذلك اى نجسا فإذا كان النهي في الصدر لعدم النجاسة بل للتحريم فإن الأمر بالغسل في الذيل أيضا لا يكون للنجاسة بل يكون إرشادا إلى المانعية لان العرق يكون من اجزاء ما لا يؤكل لحمه فلا تصح الصلاة فيه (1) ثم اختصاص هذا الجزء بالذكر يكون لكثرة الابتلاء به من بين سائر الاجزاء فلا دليل لنا على نجاسة عرق إبل الجلالة فالمستفاد من الروايات هو المانعية هذا تمام الاشكال.

و الجواب عنه (2) ان هذا غير تام لان تغيير أسلوب الكلام يمنع عن حمل الذيل على ما ذكره فان المناسب للمانعية أن يقول و ان أصابك من عرقه شي‌ء فأزله فحيث غيّر أسلوب الكلام و جاء بلفظة اغسل يجب حمله على النجاسة و اما ما ذكره من شيوع الابتلاء بالعرق فمنقوض بان ريق فم الإبل يكون أكثر ابتلاء من عرقه بل قيل انه لا يعرق أصلا.

____________

(1) أقول هذا الاحتمال خلاف الظاهر فان الصدر لا يكون قرينة على ان الذيل يكون الأمر بالغسل فيه للمانعية و لو سلم لا بد أن يكون الأمر بالغسل تعبدا كالنهي عن الأكل لا المانعية للصلاة.

(2) أقول قد مر من الأستاذ مد ظله في ما سبق في عرق الجنب من الحرام ان الموانع على قسمين قسم يكون مانعا إذا كان باقيا مثل و بر ما لا يؤكل لحمه فإنه ان كان جزء لباس المصلى يكون مانعا اما إذا لم يكن فلا يكون كذلك و قسم يكون مانعا بنفس الحدوث فقط مثل لعاب الهرّ و العرق و أمثاله مما له رطوبة فإنه بنفس الحدوث يحدث أثرا لا يرفعه الإزالة فقط بل يجب الغسل و هذا هو الاحتمال الذي ذكر في مرسلة الشيخ و الرضوي اللتان كان فيهما لفظة اغسل و استبعد نجاسة عرق الجنب من الحرام.

و نحن بعين هذا الاحتمال نقول ان تغيير أسلوب الكلام في هذه الروايات و الأمر بالغسل يكون لنكتة إن العرق مانع لا يزول الا بالغسل فهذا اللفظ إرشاد إلى المانعية و انها لا تزول إلا بغسله و اما احتمال ان لعاب الإبل أكثر من عرقه فإنه أيضا فيه نظر خصوصا في البلاد العربية مع شدة الحرارة و لا أقل من الشك في النجاسة فإن احتمال هذا المعاصر لو لم يوجب القطع يوجب الشك في النجاسة لأنه لا سند لنا إلا هذه الروايات فالمرجع قاعدة الطهارة لا النجاسة و لكن لا نشك في المانعية، لأنه المتيقن من النهي و لكن الإنصاف ان الحمل على المانعية فقط خلاف الظاهر و ترى اختلاف لسان الروايات في المقام و في عرق الجنب من الحرام.

337

و اما غير الإبل من الجلالات فلا دليل لنا على نجاسة عرقها و يكون الإجماع على عدمه مع اعراض المشهور عن الاخبار التي ظاهرها العموم مع احتمال ان يكون الألف و اللام فيها للعهد مع تأنيث لفظ الجلالة.

[مسألة 1- الأحوط الاجتناب عن الثعلب و الأرنب و الوزغ و العقرب و الفار]

مسألة 1- الأحوط الاجتناب عن الثعلب و الأرنب و الوزغ و العقرب و الفار بل مطلق المسوخات و ان كان الأقوى طهارة الجميع.

أقول حكى عن جمع من العلماء المتقدمين القول بالنجاسة كما عن المقنعة في لباس المصلى و مكانه نجاسة الثعلب و الأرنب و في موضع آخر منها نجاسة الفارة و الوزغة و كذا عن النهاية و عن الحلبيين نجاسة الأرنب و الثعلب و في مصباح السيد نجاسة الأرنب و عن القاضي نجاسة الأرنب و الثعلب و الوزغ.

و عن الصدوق في المقنع و الفقيه و عن العلامة و عامة المتأخرين القول بطهارة الجميع و لا يخفى ان القاعدة بعد تعارض الروايات الآتية، تقتضي الطهارة‌

338

لو لم يكن الجمع ممكنا و الدليل على الكل الروايات:

فمنها ما دل على نجاسة خصوص الأرنب و الثعلب و عامة السباع مثل مرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) سئلته هل يحل ان يمس الثعلب و الأرنب أو شيئا من السباع حيا أو ميتا قال (عليه السلام) لا يضره و لكن يغسل يده (في باب 34 من أبواب النجاسات).

و تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) يغسل يده فإن الأمر بالغسل ظاهر في النجاسة و الا فلا وجه له و فيه ان هذه الرواية ضعيفة سندا و دلالة أما السند فضعفه لا يكون للإرسال لأن مرسل يونس معتبر و لكن نقل عن محمد بن عيسى الذي يكون ضعيفا كما عن النجاشي و الصدوق و قال النجاشي لا أثق برواية يكون محمد بن عيسى متفردا بها و ضعّفها و اما إعراض المشهور عنها فلا يدل على ضعفها لأن الشهرة تكون من المتأخرين.

و اما الدلالة فضعفها من جهات: الجهة الاولى ان السباع قد دل الدليل على عدم نجاسته و لا يكون نجس العين الا الكلب و الخنزير، و الثعلب لا شبهة في كونه من السباع و اما الأرنب فإنه قد قيل أيضا انه من السباع و على فرض عدم كونه منها فيكون من الوحوش الذي دل الدليل أيضا على عدم نجاستهم.

و الجهة الثانية ان صدر الرواية و ذيلها فيه تهافت لأن السؤال يكون عن المس و التعبير بالحلية يكون لأجل محذور النجاسة و الا فالحرمة التكليفية لا تكون في المقام فقال (عليه السلام) في جوابه لا تضره و عدم كونه مضرا معناه عدم النجاسة فكيف يمكن (1) ان يقال ان لفظ يغسل يده يكون ظاهرا في النجاسة.

الجهة الثالثة انها على فرض صحة سندها و دلالتها يكون لها معارض و هو صحيحة البقباق (باب 1 من أبواب الأسئار ح 4) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن‌

____________

(1) لا يمكن ان يكون ظاهرا في النجاسة و لكن مقتضاه الحمل على الكراهة و استحباب غسل اليد.

339

فضل الهرة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع فلم اترك شيئا إلا سألته عنه فقال لا بأس حتى انتهيت الى الكلب فقال رجس نجس لا يتوضؤ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء.

و تقريب الاستدلال من جهة ان السؤال يكون عن عدة من الحيوانات بالخصوص لا ربط له بالمقام و عن السباع و الوحوش بنحو العموم الذي يشمل الأرنب و الثعلب فإن الثاني من السباع و الأول لو لم يكن منهم يكون من الوحوش و الجواب بعدم البأس صريح في الطهارة و من جهة قول القائل فلم اترك شيئا إلا سألته عنه فان عدم ترك شي‌ء لازمه السؤال حتى عن مثل الثعلب و الأرنب مما هو محل الابتلاء كثيرا فالجواب أيضا صريح في الطهارة فيكون بينهما تعارض فيتساقطان فيرجع الى قاعدة الطهارة.

ثم انه ربما يتوهم كون النسبة بينهما عموم و خصوص مطلق و بيانه انه و ان كان. الكلام في الرواية السابقة عن السباع و اشتراك حكمه مع الثعلب و الأرنب و لكن ذكرهما يكون لخصيصة فيها لا من باب المثال فلو دل دليل على عدم البأس بمطلق السباع يجمع بينه و بين هذا بالتخصيص.

و قد أجيب بان ما هو المانع عن هذا الحمل ان قضية الاشتراك في الحكم في الرواية تمنع عن هذا الجمع فإنه لو دل الدليل على عدم نجاسة السباع فما كان مشتركا معه أيضا يكون بحكمه و لكن هذا الجواب قابل للدفع و هو انه على مبنى من يقول بان التبعيض في فقرات رواية بالنسبة إلى المعارض جائز ففي المقام أيضا يمكنه ان يقول بالتبعيض فإن الإجماع و الرواية دلا على عدم نجاسة السباع لا الثعلب و الأرنب و لكن ما يوجب سقوط الرواية هو ضعفها سندا و دلالة كما ذكرناه و لا يخفى انه لا سند لخصوص ما ذكر من الثعلب و الأرنب إلا هذه فإذا سقط عن الاعتبار لا يبقى لنا دليل على نجاسة خصوصهما.

الجهة الرابعة من جهات ضعف الرواية ما وردت من الروايات في جواز‌

340

ذبح الأرنب و الثعلب و قبول تذكيتهما فإنه أيضا دالة على عدم نجاسة عينهما ضرورة ان نجس العين لا يقبل التذكية و لا توجب طهارته.

فان قلت ان فتوى القدماء على النجاسة تكون مؤيدة لرواية يونس و لا يضرها وجوه الضعف قلت نحن نقول بقول صاحب الجواهر فإنه (قده) قال انهم أيضا أفتوا في كتب آخر بخلاف أفتوا به في كتاب فلا يتحقق منهم أيضا شهرة.

اما الفار فالدليل على نجاسته صحيحة على بن جعفر (باب 33 من أبواب النجاسات ح 2) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال سئلته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب يصلى فيها قال اغسل ما رأيت من أثرها و ما لم تره فانضحه بالماء و ما عن قرب الإسناد (ص 89) بإسناده عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال سئلته عن الفارة و الكلب إذا أكلا من الخبز و شبهه أ يحل اكله قال يطرح منه ما أكل و يؤكل الباقي و خبر عمار الساباطي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال سئل عن الكلب و الفأرة إذا أكلا من الخبز و شبهه قال يطرح منه و يؤكل الباقي و عن العظاية تقع في اللبن قال يحرم اللبن و قال ان فيها السم (في باب 45 من الأطعمة المحرمة ح 2) و صحيحة أخرى عن على بن جعفر عن أخيه قال سئلته عن الفارة و الكلب إذا أكلا من الخبز أو شماه أ يؤكل قال يترك ما شماه و يؤكل ما بقي. (في باب 36 من النجاسات ح 1).

و تقريب الاستدلال بالأولى هو ان الأمر بالغسل بعد رؤية اثر الفار من الرطوبة يكون ظاهرا في النجاسة سيما بعد القول بالنضح حتى فيما لم يراه.

و بالثانية ان الأمر بالطرح يكون لرطوبة أصابت الخبز و هو ظاهر أيضا في النجاسة و الا فلا وجه له و كذا رواية عمار الساباطي و اما الرواية الأخرى عن على بن جعفر فان الشم يوجب الطرح لانه ملازم غالبا مع إصابة الرطوبة من الكلب و الفار بالخبز و أمثاله و سيجي‌ء الكلام في رواية هارون الغنوي التي نذكرها في الاستدلال على نجاسة الوزغة و هذه صحاح إلا رواية قرب الاسناد.

341

و المعارض لها ما عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الإناء أن تشرب منه أو تتوضأ (في باب 9 من الأسئار ح 2).

و ما عن قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه عن على (عليه السلام) قال لا بأس بسؤر الفارة ان يشرب منه أو يتوضأ (في الباب المتقدم ح 8) تقريب الاستدلال بها واضح لا يحتاج الى البيان فتكونان معارضتان لما دل على النجاسة و تقدم هذه عليها لأنها نص في الطهارة بقوله لا بأس و تلك الروايات ظاهرة في النجاسة فيرفع اليد عن ظاهرها بنص هذه و تحمل على الكراهة.

و الدال على نجاسة الوزغ صحيحة معاوية بن عمار (باب 19 من أبواب الماء المطلق) قال سئلت أبا عبد اللّه عن الفارة و الوزغة تقع في البئر قال ينزح منها ثلاث دلاء.

تقريب الاستدلال بقوله ينزح منها ثلاث دلاء فان وجوب النزح دال على انها صارت نجسة و يكون هذا طريق تطهيره و فيه ما مر (في باب نزح البئر) من عدم دلالة النزح على النجاسة على انه معارض بما ورد عن على بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن العظاية و الحية و الوزغ يقع في الماء فلا يموت يتوضؤ منه للصلاة قال لا بأس به و سئلته عن فارة وقعت في جب دهن و أخرجت قبل ان تموت إلخ و الدال على نجاسة العقرب موثقة أبي بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الخنفساء تقع في الماء ا يتوضؤ به؟ قال نعم لا بأس به قلت فالعقرب قال أرقه (باب 9 من أبواب الأسئار في الوسائل).

و تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) ارقه فإن الأمر بالإراقة لا وجه له الا النجاسة و يكون ظاهرا فيها خصوصا مع تغيير التعبير في الصدر و الذيل.

و فيه ان الأمر به يمكن ان يكون لسمه كما هو مرتكز الأذهان و لم يقل (عليه السلام) ارقه و اغسل ظرفه حتى يدل على النجاسة فلا يمكن الاستدلال بها.

342

و موثقة سماعة (باب 9 من أبواب الأسئار من الوسائل ح 6) قال سألت أبا عبد اللّه عن جرة وجد فيه خنفساء قد مات قال ألقه و توضأ منه و ان كان عقربا فأرق الماء و توضأ من ماء غيره.

و تقريب الاستدلال بها مثل ما مر فلا يلزم التكرار و الجواب الجواب، على ان المعارض لهما موجود و هو رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن الفارة و العقرب و أشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء و يتوضأ؟ قال يسكب منه ثلاث مرات و قليله و كثيره بمنزلة واحدة ثم يشرب منه و يتوضأ منه غير الوزغ فإنه لا ينتفع بما يقع فيه (باب 9 من أبواب الأسئار ح 4).

و تقريب الاستدلال بها هو ان نقول ان سكب الماء بمعنى صبه فأمر (عليه السلام) بأنه كما هو المعمول في رفع الغثاء عن الماء بواسطة صب بعضه كذلك في المقام يسكب منها ثلاث أكف و يشرب الباقي و يتوضؤ به و هذا يكون لرفع السم و مشعر بعدم تعديته الى قعر الآنية.

فتحصل من جميع ما تقدم عدم نجاسة شي‌ء من الحيوانات التي ذكرت في هذه المسألة و السيرة أيضا تكون على طهارتها و اما المسوخات فلا دليل لنا على نجاستها لأنها ما وردت في رواية بل الدليل على خلافه و هو جواز ذبحها و تذكيتها الدال على طهارتها و نقول ما ورد من شهرة القدماء على النجاسة يمكن يكون من جهة قولهم بالنجاسة الحكمية و هو كونها بحكم النجاسات في المانعية للصلاة و بحكم غيرها من جهة عدم نجاسة ملاقيها.

في قاعدة كل مشكوك طاهر

[مسألة 2- كل مشكوك طاهر]

مسألة 2- كل مشكوك طاهر سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة أو لاحتمال تنجسه مع كونه من الأعيان الطاهرة و القول بان الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالنجاسة ضعيف.

343

و الدليل على هذه القاعدة الكلية في جميع الموارد الا ما استثنى موثقة عمار (باب 37 من أبواب النجاسات ح 4 في الوسائل) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال كل شي‌ء نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك.

و رواية حفص بن غياث (في الباب المذكور ح 5) عن جعفر عن أبيه عن على (عليه السلام) قال ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم اعلم.

تقريب الاستدلال بالأولى بالحكم الكلى المستفاد من قوله (عليه السلام) كل شي‌ء نظيف الى آن العلم و لا فرق في ذلك من جهة الشبهة في الموضوعات و الشبهة في الاحكام فان الشي‌ء إذا صار مشتبها لا فرق بين ان يكون من عدم الوصول الى الحكم الشرعي أو الشبهة في الموضوع بعد بيان الحكم.

و بالثانية من جهة بيان حكم الشبهة الموضوعية و قد أشكل عليها في الأصول بإشكالات خمسة نذكر واحدا منها و هو ان العلم الحاصل بالموضوعات بعد الشبهة يحصل من أسباب خارجي و العلم بالأحكام بواسطة بيان من الشرع فالعلمان يكونان مختلفين و استعمال لفظ حتى تعلم فيهما يكون من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد و هو لا يجوز فلا ندري ما المراد من العلم هنا فإنه هل كان العلم الحاصل بعد الشبهة الموضوعية أو غيره.

و الجواب ان العلم من اى طريق حصل يكون علما و لا يوجب تعدد الأسباب لشي‌ء واحد تعددا جوهويا فما حصل من الخارج علم و ما حصل من بيان الشرع أيضا كذلك.

و قد استثنى من هذه القاعدة الكلية موارد: منها ما توهم من ان الدم المشكوك كونه من قسم النجس أو من قسم الطاهر يحكم عليه بالنجاسة مع ان هذه الكبرى منطبقة عليه. و فيه ان هذا لا يتم الا على مبنيين و كلاهما فاسدان الأول ان يكون الأصل المستفاد من الأدلة في الدم النجاسة و الثاني ان يكون التمسك بالعام في الشبهة المصداقية جائزا فإنه لو فرض عدم ذاك الأصل و لم يكن التمسك‌

344

بالعام في الشبهة المصداقية جائزا لا يتم القول بذلك لان المقام يكون منه لانه على ذاك الفرض يكون لنا عام قد خصص بمثل المتخلف في الذبيحة و دم القزوين و لا ندري ان الدم المشكوك يكون من المخصص أم لا مثل ما إذا قيل أكرم العلماء الا الفساق منهم فشك في عالم انه فاسق أو عادل فيكون من الشبهة المصداقية في المخصص و لا يمكن ان يتمسك بالعام فيها.

فتحصل انه لو لم يكن لنا أصل في الدم على النجاسة و قلنا ان الروايات بين فيها موارد خاصة لا وجه للقول بنجاسة المشكوك و لو قلنا بهذا الأصل و استفدنا من الروايات فأيضا لا يكون المشكوك نجسا لكونه من الشبهة المصداقية و يكون للدم المشكوك صورا بعضها يحكم فيها بالنجاسة و لكن هذه الصورة التي ذكرناها تكون مما لا يمكن القول فيها بالنجاسة و قد مرت البقية في بحث الدم و نظر المصنف أيضا كان في هذه الصورة.

ثم هنا بيان عن بعض المعاصرين للحكم بالنجاسة في الدم المشكوك و هو ان المقام يكون من تقديم الظاهر على القاعدة و يكون من الصور المستثناة عنها مثل الرطوبة المشتبهة بين كونه منيا أو غيره أو بولا و غيره و الدليل هنا ظهور رواية موثقة عمار عن أبي عبد اللّه في حديث قال كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه الا ان ترى في منقاره دما فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه و لا تشرب (في باب 4 من الأسئار ح 2) فإنه لما كان الغالب ان يكون منقار الطير متلوثا بدماء الجيف و أمثال ذلك ففي صورة الشك أيضا تغليبا يحكم بالنجاسة فيقدم ظهور الرواية في ذلك على القاعدة.

و فيه ان هذه الرواية لا تكون بصدد بيان الغلبة و الاستثناء بل ما هو المراد منها ان الحيوانات غير الإنسان لما يحصل طهارة أبدانهم بواسطة الإزالة و لا يحتاج الى الغسل فحكم (عليه السلام) بان المناط في نجاسة ملاقية هو ان ترى الدم في منقاره فإن رأيت عين النجس فقد علمت نجاسة الماء بواسطة الملاقاة و اما على فرض‌

345

عدم العين فصرف ملاقاة منقار الطير في وقت ما مع الدم لا يثبت نجاسة ملاقية فإن استصحاب النجاسة في صورة كونه متلوثا سابقا مع الشك في البقاء لا اثر له لانه لا يثبت ملاقاة الماء مع عين النجس و قد مرّ بيان هذا أيضا في بحث الدم فالحكم بالطهارة مطابق للقاعدة و لا يعارضه شي‌ء.

قوله: نعم يستثنى مما ذكرنا الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات أو بعد خروج المنى قبل الاستبراء بالبول فإنها مع الشك محكومة بالنجاسة.

أقول ان البحث عن هذا المستثنى عن القاعدة من حيث أدلته و انه هل يكون الحكم بالناقضية في الشبهة بين المنى و البول من باب الحكم بأنه مني و كذا في الشبهة بين البول و الوذي من حيث انه بول أولا بل يكون تعبدا فقط و لا يلزمه النجاسة، موكول الى محله.

[مسألة 3- الأقوى طهارة غسالة الحمام]

مسألة 3- الأقوى طهارة غسالة الحمام و ان ظن نجاستها و لكن الأحوط الاجتناب عنها.

البحث في هذه المسألة يكون في ضمن جهات:

الجهة الأولى هي ان مراد العلماء من القول بالنجاسة هل يكون في صورة الشك في الطهارة و النجاسة حتى يكون مخصصا للقاعدة التي مرت أو يعم حتى صورة القطع بالطهارة فإنه على فرض اتصال حياض الصغار بالخزانة و اتصال مائها بواسطة كونها مملوا بسطح الحمام و منه الى البئر يكون طاهرا قطعا لان الاتصال بالمادة على هذا الفرض حاصل فعلى هذا لو حكموا بالنجاسة يكون تعبدا محضا.

و التحقيق عدم العمومية لهذه الصورة بل المستفاد من الروايات هو صورة الشك.

الجهة الثانية انه هل المراد بالآبار هو الحياض الصغار التي كانت معمولة في العرب و كانت متصلة بالخزانة و يأخذ الناس منها الماء و يصبون على رؤسهم‌

346

و أبدانهم فيرجع غسالتهم فيه أو الخزانة التي يغتسلون منها أو ما هو مجتمع الماء الذي يخرج من الحمام، الظاهر من بعض الروايات هو الأبار المعمولة لفاضل الماء و من بعضها استبعاد كونها كذلك و هي التي دلت على ان الامام قد اغتسل و لم يغسل رجلاه الا لما اصابه من الطين فإنه من البعيد جدا ان يغتسل في الآبار لانه (عليه السلام) أنظف الناس.

الجهة الثالثة في الروايات و هي على طائفتين: أما الأولى فمنها ما عن على بن الحكم عن رجل عن ابى الحسن (عليه السلام) في حديث انه قال لا تغتسل من غسالة ماء الحمام فإنه يغتسل (1) فيه من الزنا و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم. (هذه في باب 11 من أبواب الماء المضاف و كذا ما بعدها).

و منها ما عن ابن ابى يعفور أيضا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال و إياك ان تغتسل من غسالة الحمام ففيها يجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم فان اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و ان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه و في معناه غيره.

فان هذا لا يكون فيه التصريح بالآبار بل يكون مطلقا من جهة كون الماء هو الذي في الحياض الصغار أو الآبار.

و اما الطائفة الثانية فمنها ما عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها غسالة ولد الزنا و هو لا يطهر إلى سبعة آباء‌

____________

(1) الظاهر من هذه الرواية و ما بعدها هو ان الغسالة لا تجتمع في الآبار لان الضمير في كلمة يغتسل فيه يرجع الى ماء الحمام و الغسالة استعملت في معناها اللغوي و هو ما يجتمع في الآبار و كذا كلمة و فيها يجتمع غسالة اليهودي فإن هذه الكلمة ظاهرة لما في الآبار و الا فإن الحياض الصغار يكون فيه الماء و يترشح فيها القطرات من صب الناس مائها على أبدانهم و لا يقال فيها تجتمع الغسالة فلا شبهة في ان المراد بالغسالة هو الذي يكون في الآبار.

347

و فيها غسالة الناصب و هو شرهما ان اللّه لم يخلق خلقا شرا من الكلب و ان الناصب أهون على اللّه من الكلب.

فان في هذه الرواية التصريح بكون المراد بالغسالة ما تجتمع في الآبار، و المحتملات الثبوتية في هذه الروايات أربعة الأول ان يكون النهي إرشادا إلى النجاسة الثاني ان يكون تعبدا محضا و الثالث ان يكون حكما بالكراهة لنكتة ردع ما في أذهان الناس من ان فيه شفاء العين و أمثال ذلك من انحرافات فحكم بالنجاسة لأن المياه التي يغتسل فيها الجنب مع القذارة المنوية و الناس مع كثافاتهم كيف يكون فيها شفاء. الرابع ان تكون النجاسة نجاسة حكمية و معناها انه يكون مثل ماء النجس في عدم صحة الغسل به و يكون مثل الطاهر في عدم نجاسة ملاقية.

و المختار من بين المتحملات هو احتمال الكراهة لأن التعدي المحض و الإرشاد إلى النجاسة خلاف الظاهر لانه لا يكون في الروايات سوى النهي و لا يكون فيها ذكر من النجاسة و كذا النجاسة الحكمية خلاف الظاهر فان المستفاد منها ان ماء الحمام الذي يغتسل فيه اليهودي و النصراني و أمثالهما و ولد الزنا و يكون فيه الكثافات ينبغي ان لا يغتسل منه بل يغتسل من ماء غيره خصوصا مع قوله من اغتسل بماء قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن الا نفسه.

و اما المعارض لهذه الروايات فهو في باب 9 من أبواب المضاف.

فمنها مرسلة الواسطي (ح 9) عن ابى الحسن الماضي (عليه السلام) قال سئل عن مجتمع الماء في الحمام من غسالة الناس يصيب الثوب قال لا بأس.

هذه الرواية و ان كانت ناصة بعدم البأس و لكن السند ضعيف بالإرسال على انه لو كان مفاد روايات النجاسة المانعية لا تصير هذه معارضة لتلك الروايات لأنها دلت على ان الغسل لا يحصل و هذه دلت على انها ليس بنجس.

و منها ما عن محمد بن مسلم (ح 3) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الحمام يغتسل‌

348

فيه الجنب و غيره اغتسل من مائه؟ قال نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب و لقد اغتسلت فيه و جئت فغسلت رجلي و ما غلستهما الا بما لزق من التراب بهما.

و تقريب الاستدلال بهذه هو ان الإمام (عليه السلام) ما غسل رجله الا لما اصابه من الطين لا من جهة النجاسة فيدل على ما نحن بصدده و هو عدم النجاسة بقوله لا بأس ان يغتسل منه الجنب و فيه ان هذه تكون في مقام بيان ان ماء الحمام لا بأس ان يغتسل فيه لا ماء الغسالة و ان قيل عدم غسل الإمام (عليه السلام) رجله يكون من جهة ان رجله المبارك أصاب الغسالة في أرض الحمام قلت هذا على الفرض لا يدل على عدم نجاسة الغسالة مطلقا بل يمكن ان يكون المجتمع في الآبار نجسا لنكتة لا نعلمها و ان لم يكن ما في سطح الحمام من الغسالة نجسا.

[مسألة 4- يستحب رش الماء إذا أراد ان يصلى في معابد اليهود و النصارى مع الشك في نجاستها]

مسألة 4- يستحب رش الماء إذا أراد ان يصلى في معابد اليهود و النصارى مع الشك في نجاستها و ان كانت محكومة بالطهارة.

هذه المسألة يكون مقام بيانها في البحث عن مكان المصلى فنذر شرحها لنصل اليه.

[مسألة 5- في الشك في الطهارة و النجاسة لا يجب الفحص]

مسألة 5- في الشك في الطهارة و النجاسة لا يجب الفحص بل يبنى على الطهارة إذا لم يكن مسبوقا بالنجاسة و لو أمكن حصول العلم بالحال في الحال (1).

أقول لا شبهة و لا ريب في ان الفحص في الأحكام الشرعية واجب للدليل عليه فان المقنن إذا وضع القانون يجب الفحص لوجدانه بالطرق المجعولة مثل الفحص في الدفاتر و الكتب و السؤال عمن هو أهل لذلك بقدر الإمكان و لا يمكن جريان البراءة قبله كما حرر في الأصول مفصلا و لكن الشبهات الموضوعية لا دليل لنا على وجوب الفحص فيها فبمجرد الشك يرجع الى الأصل نعم ما لا يحتاج إلى مؤنة زائدة في سائر الموارد غير باب الطهارة و النجاسة يلزم الفحص لاستقرار الشك مثل من‌

____________

(1) إلا في صورة كون الفحص قليل المؤنة كفتح العين للرؤية و أمثال ذلك.

349

شك في الاستطاعة و يمكنه الرجوع الى الدفتر فإنه لا يمكن ان يجرى البراءة من الحج انما الكلام في فتوى المصنف هنا بدون الفحص في الحال إذا أمكن كيف لا يجب مع انه في سائر الموارد واجب فإنه قد استدل على خصوص المقام بدليلين أحدهما (1) السيرة على عدم الفحص و الثاني ما ورد من الرواية عن على (عليه السلام) بأنه ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم اعلم (باب 37 من النجاسات ح 5).

و كلاهما مردودان لانه ما ثبتت هذه السيرة و الرواية عن على (عليه السلام) لا تكون بصدد بيان هذا المطلب بل يكون بصدد بيان حكم الشك في الطهارة و النجاسة فاللازم وجوب الفحص في هذه الصورة أيضا إذا لم يكن محتاجا الى المؤنة الزائدة‌

[فصل في طريق ثبوت النجاسة]

فصل في طريق ثبوت النجاسة‌

فصل طريق ثبوت النجاسة أو التنجس العلم الوجداني أو البينة العادلة و في كفاية العدل الواحد اشكال (2) فلا يترك مراعاة الاحتياط و تثبت أيضا بقول صاحب اليد بملك أو إجارة أو إعارة أو أمانة بل أو غصب و لا اعتبار بمطلق الظن و ان كان قويا فالدهن و اللبن و الجبن المأخوذ من أهل البوادي محكوم بالطهارة و ان حصل الظن بنجاستها بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بعدم الاجتناب عنها بل قد يكره أو يحرم إذا كان في معرض حصول الوسواس.

____________

(1) أقول بل السيرة تكون على العدم فان الناس مخافة لتبعات النجاسة من الملاقاة بعد العلم به يتفحصون لاستظهار الحال سيما فيما لا مؤنة له فان المورد الذي يكون فتح العين كافيا لا ثبات الحال يرون غير المتفحص خارجا عن سيرة العقلاء لانه ربما يكون دما يتلوث به لباسهم و غذائهم و جميع و سائلهم ثم بعد آن يتوجه الى ذلك فالأولى الفحص لاستقرار ما للشك و ان كان الأقوى عدم اللزوم لا طلاق دليل كل شي‌ء نظيف حتى تعلم فان المناط عدم العلم و هو حاصل حتى قبل فتح العين.

(2) بل لا تبعد كفاية الثقة الواحدة أيضا

350

أقول قد مر في بحث المياه بيان إثبات النجاسة بالعلم و البينة و العدل الواحد و حكم اليد بقي في هذه المسألة شي‌ء لم نبحث عنه قبل و هو ان الاطمئنان و الظن هل يمكن ان يكون مقام العلم إذا خذ جزء الموضوع أم لا بعد إحراز قيام البينة العادلة مقامه لان الشارع نزل خبر العدل منزلة العلم و أمر بإلقاء احتمال الخلاف فان في المقام يكون العلم جزء للموضوع كما يكون في الرواية «كل شي‌ء نظيف حتى تعلم انه قذر فان علمت فقد قذر» فقد جعل العلم بالقذارة جزء للموضوع فما دام لم يحصل العلم يكون الشي‌ء طاهرا فيجب الكلام في ان العلم هل يكون لا رأيته الواقع حجة أولا دخل له بالواقع فان العلم إذا حصل يكون قذرا و ما دام لم يحصل فلم يكن كذلك فعلى هذا فالاطمينان و ان كان موجبا لاراءة الواقع و لكن لا يكون منزلة العلم و اما على فرض ان يكون العلم لكشفه عن الواقع حجة و الاطمئنان أيضا يكون بالواقع فهو أيضا يكون نازلة منزلة العلم و الظاهر هو اختيار الثاني فإن بناء العقلاء يكون على العمل في صورة الاطمئنان في جميع أمورهم و لم يردع (1) عنه الشرع فإنه حجة حتى في باب النجاسات.

و اما الظن في الموضوعات فلم يقم عليه دليل حتى يكون بمنزلة العلم و ربما استدل الحلبي على حجية الظن في باب النجاسات بالروايات التي مرت في غسالة ماء الحمام فإنه على فرض استفادة النجاسة لما يكون في مقام ظن الناس بها فسئلوا عنها و أمضاه الشارع و من الواضح عدم خصوصية لماء الحمام المجتمع في الآبار بل كل ما كان من هذا القبيل يكون تنقيح المناط بالنسبة إليه غير مشكل فيكون الظن حتى في باب النجاسات حجة في الموضوعات.

____________

(1) انا نستكشف من رواية الجبن ان السوق الذي يطمئن الراوي نجاسة جبنه بعد ردع الامام (عليه السلام) عن هذا الظن و كذا رواية منقار الطير بقوله ان ترى في منقاره دما، ان المناط في باب النجاسات العلم العيني الحسي لا الاطمئنان فقط.

351

و فيه (1) ان الروايات في ذلك المقام ما دلت على النجاسة حتى يستفاد منها ان كل مورد يكون الظن بها فقد أمضاه الشارع نعم لو دلت عليها يمكن القول بالإمضاء.

و اما ما قال المصنف من عدم رجحان الاحتياط في باب النجاسات فإنه بظاهره لا وجه له لان الاحتياط مع قطع النظر عن الطواري التي توجب تارة كراهته و تارة حرمته يكون حسنا فكيف يقول بعدم رجحانه فنقول يمكن ان يكون هذا الكلام منه (قده) على حسب بعض المباني في باب النجاسة و هو مبنى من يقول بأنها لا حقيقة لها إلا الأمر بالاجتناب فان الحسن العقلي الذي يكون للاحتياط على حسب المبنى المنصور لاستفادة الإرشاد من دليله الشرعي على حسب مبنى الشيخ الأنصاري لاستفادة المولوية من أوامر الاحتياط يكون في صورة وجود واقع مردد نكون بصدد إحرازه و اما ما لم يكن له واقع أصلا فلا معنى للاحتياط فيه فكلما يكون الأمر بالاجتناب فيجب و ما لم يكن فلا.

و لكن التحقيق خلاف ذلك فان النجاسات أيضا قذارات في الواقع كشف عنها الشرع بالأمر بالاجتناب فحيث اشتبهت فالاحتياط حسن عقلا أو شرعا على اختلاف المباني و الظاهر المستفاد من انه كلامه لم يرد العدم الذي يكون من‌

____________

(1) أقول ما هو الظاهر في نظري القاصر هو الاشكال حتى في صورة دلالة روايات الحمام على النجاسة لأن علة صدور الحكم بالنجاسة لا تكون الظن حتى يقال كل مورد ظن فيه بالنجاسة يكون نجسا و ما أخذ الظن في دليل جزء للموضوع حتى نقول إذا ظننت فللشارع الحكم بالنجاسة بل علة صدور الحكم يكون أسبابه الواقعية من القذارات التي تكون في نظره قذرا أو غير القذارة لمصالح أخر فإنه كما يقول المنى نجس يقول على الفرض ماء الغسالة من الحمام نجس و لا دليل فيه لإمضاء الظن و الا فلو ظن احد لقذارة النخامة بالنجاسة يلزم على هذا بهذا الدليل القول بالإمضاء.

352

الطواري بقوله. بل فلا وجه لتخيل ان مراد المصنف (قده) هو عدم الرجحان من قبل الطواري.

و اما ما ذكره من الكراهة و الحرمة لصيرورته مقدمة للوسواس فيحتاج الى بيان ان الوسواس مع قطع النظر عن لوازمه هل يكون حراما بالذات أو مكروها بالذات حتى يكون الاحتياط الذي يكون من مقدماته الموصلة مقدمة موصلة إلى الحرام فتكون حراما أو الى المكروه فتكون مكروهة فإنه لو لم يكن له حكم بالذات لا يتمشى الكلام في مقدمته و اما إذا كان ملازما لعنوان محرم فهو حرام لهذا العنوان مثل ان يصير الوسواس علة ترك الصلاة في الوقت أو عدم قضاء الدين و أمثال ذلك فإنه يصير حراما لذلك.

و اما ما يستدل به لحرمته فما ورد من الروايات: فمنها ما عن صحيحة عبد اللّه ابن سنان ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت هو رجل عاقل فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) و اى عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له و كيف يطيع الشيطان فقال سله هذا الذي يأتيه من اى شي‌ء هو فإنه يقول لك من عمل الشيطان (باب 10 من أبواب مقدمة العبادات ح 1) و منها ما ورد (من باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة) فعن محمد بن مسلم إذا كثر عليك السهو فامض على صلوتك فإنه يوشك ان يدعك انما هو من الشيطان.

و عن على بن إبراهيم عن أبيه و عن محمد بن إسماعيل و عن الفضل بن شاذان جميعا عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة و ابى بصير جميعا قالا قلت له الرجل يشك كثيرا في صلوته حتى لا يدرى كم صلى و لا ما بقي عليه قال يعيد قلت فإنه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك قال يمضى في شكه ثم قال لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطيعوه فان الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض أحدكم في الوهم و لا يكثرن نقض الصلاة فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد اليه الشك قال‌