المعالم المأثورة - ج2

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
353

زرارة ثم قال انما يريد الخبيث ان يطاع فإذا عصى لم يعد إلى أحدكم.

و في معناهما روايات أخر في الباب فمن شاء الوقوف عليه فليراجع.

و تقريب الاستدلال بهذه الروايات هو ان نقول لما يكون الوسواس اى الاعتياد المخصوص تحت الاختيار لان هذا يكون من ضعف النفس و تقويتها ممكنة فيمكن النهي عنه فعلى هذا يمكن ان يقال ان النهي الوارد فيها يكون باعتباره أو باعتبار نفس العمل اى الوسواس إذا صلى و مضى على ما في روايات الخلل يمكن ان يقال انه لو أراد إعادة الصلاة يكون هذه عملا حراما و لا يخفى أن الصلاة إذا كانت منهية عنها في صورة كثرة الشك التي هي أدون من الوسواس فلو وصل الى الوسواس يكون حرمتها بالأولوية و كذلك يثبت بالأولوية الحكم في النجاسات و أمثال ذلك لان هذا من عمل الشيطان و قد نهى عنه كما هو مقتضى رواية ابن سنان فإنه قد نهى عنه فان المحرمات يكون من عمله قطعا و اما المكروهات و المباحات التي قال بعض بأنها أيضا من عمل الشيطان فكيف لا يحرم اتباعه فغير وجيه لان متابعتها تكون متابعة النفس (1) لا الشيطان و ما ذكرنا من احتمال كون المنهي نفس العمل مثل الصلاة أولى (2) من احتمال النهي عن الاعتياد فتحصل ان الوسواس إذا كان منهيا عنه فتكون مقدمته التي هي الاحتياط منهيا عنها على فرض كون ذلك الجزء الأخير للعلة التامة لأن المقدمات الموصلة تكون حرمتها في صورة كونها الجزء الأخير لها بحيث يقع الفعل بعدها و اما ما ذكره المصنف من كونه في معرض الوسواس فلا نفهم فان المعرضية لا حرمة لها لأنها لا تكون‌

____________

(1) أقول ان متابعة النفس أيضا تكون متابعة لما هو مبعّد عن اللّه تعالى فلو كان معنى الشيطان هو المبعد عن اللّه تعالى فلا فرق بين النفس و غيرها و لكن للبعد دركات منها ما هو ناش عن متابعة النفس و منها غيره.

(2) أقول بل ما هو المنهي عنه يكون نفس الاعتياد و يكون النهي عن الفعل مقدمة ترك المنهي في الواقع و هو الحالة النفسانية التي تنشأ من ضعفها.

354

من المقدمات الموصلة.

[مسألة 1- لا اعتبار بعلم الوسواسى]

مسألة 1- لا اعتبار بعلم الوسواسى في الطهارة و النجاسة.

أقول ان عدم اعتبار علمه تارة يكون بالنسبة إلى نفسه و تارة بالنسبة إلى سائر الناس اما عدم الاعتبار بالنسبة إلى سائر الناس فلان ما هو حجة من شهادة البينة في الموضوعات هو الذي حصل من طريق عرفي عقلائي فإن قطع القطاع لا يكون حجة بالنسبة إلى غيره لان قطعه يكون غير متعارف، و اما بالنسبة إلى نفسه فلا يكون خارجا من احد حالين، التوجه الى كونه وسواسيا و قبول قول الناس فهذا الشخص يمكن ان يقال له ان عملك صحيح لان الشارع مثلا ما شاء منك الوضوء الصحيح في الصلاة إذا كان فيه الوسواس أو ما أراد منك الصلاة إذا كان الوسواس فيها لردعه عن الوسواس و هذا بعد ثبوته يحتاج إلى الإثبات فإن استفيد من الروايات السابقة ذلك فهو و الا فيشكل القول بعدم شرطية الطهارة لصلوته و غيرها مما هو مشروط بالطهارة.

و اما من لم يمكن ان يوجّه الى كونه وسواسيا و اعتقد بطلان عمل الناس لا عمله فلا يمكن ردعه أصلا أعاذنا اللّه و كل المؤمنين من ذلك.

[مسألة 2- العلم الإجمالي كالتفصيلى]

مسألة 2- العلم الإجمالي كالتفصيلى فإذا علم بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما إلا إذا لم يكن محل لابتلائه فلا يجب الاجتناب عما هو محل الابتلاء أيضا.

أقول انه قد مر البحث من أمثال ذلك في المباحث السابقة في المياه و لا يحتاج الى التكرار فان العلم الإجمالي كالتفصيلى يكون له علية تامة فيجب الجري على طبقه و في صورة الخروج عن محل الابتلاء ينحل لخروج بعض أطرافه عن دائرة العلم الذي نحتمل ان يكون هو النجس مثلا.

[مسألة 3- لا يعتبر في البينة حصول الظن بصدقها]

مسألة 3- لا يعتبر في البينة حصول الظن بصدقها نعم يعتبر عدم معارضتها بمثلها.

355

أقول ان عدم اعتبار الظن في البينة لإطلاق الدليل و عدم تقييده بصورة حصوله و عدمه و اما صورة المعارضة بالمثل فلا يعتبر لتعارض الحجتين و لا ترجيح لإحداهما على الأخرى.

[مسألة 4- لا يعتبر في البينة ذكر مستند الشهادة]

مسألة 4- لا يعتبر في البينة ذكر مستند الشهادة نعم لو ذكرا مستندها و علم عدم صحته لم يحكم بالنجاسة.

أقول في هذه المسألة الصور التي يكون لذكر مستند الشهادة فيها دخل أربعة: الاولى ان يكون عالما بان المخبر يكون مخالفا له في الحكم اجتهادا أو تقليدا مثل ان يكون المخبر معتقدا بنجاسة عرق الجنب من الحرام و هو يعتقد طهارته الثانية ان يكون محتملا للاختلاف. الثالثة العلم بالخلاف إجمالا. الرابعة العلم بالموافقة اما صورة العلم بالموافقة فلا إشكال في لزوم ترتب الأثر إنما الكلام في صورة احتمال المخالفة و القطع بها إجمالا فما هو التحقيق في المقام لزوم ترتب الأثر و لكن قال العلامة (قده) في المقام بان خبر البينة يتضمن أمرين الاخبار بالكبرى و التطبيق على الموضوع فان قوله البينة في الصورة الاولى لا يفيد العلم لان الخبر في باب الاحكام يلزم ان يكون عن الرواة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) و الثاني يثبت باخباره و لكن في صورة احتمال الخلاف في الرأي يدور الأمر بين ملاقاة المؤثر و غيره لأنها لو كانت بحسب نظر المشهور عنده غير مؤثرة مثلا لا توجب النجاسة فيجري استصحاب عدم كونها مؤثرة و لازمه طهارة هذا الشي‌ء و لا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة الغير المؤثرة لأنه مثبت لان من آثاره العقلية كون الملاقاة مع المؤثر فيكون نجسا و اما في استصحاب عدم التأثير فنفس عدم المؤثرية يوجب ان يكون هذا الشي‌ء تحت كبرى الطهارة بخلاف استصحاب عدم كونه غير مؤثر فإن نفس ذلك لا يوجب النجاسة.

و اما بيان المختار ردا للعلامة و من تبعه فهو ان دليل حجية البينة لازمه إلقاء احتمال الخلاف فتارة يكون من جهة الكذب و اخرى من جهة الاشتباه في‌

356

النظر فعلى هذا يلقى احتمال كذب المخبر و احتمال كون اجتهاده أو تقليده خطاء بالنسبة إلى الواقع و لازم ذلك قبول قول البينة و هذا غير عزيز حتى في صورة القطع بالخلاف في الفقه مثل ما يقولون بان من يعتقد بطلان صلاة الامام لعدم اعتباره السورة مثلا يمكنه الاقتداء لان الحكم الظاهري في حقه واقعي للإمام و من كان معتقدا بعدم لزوم كون العقد بالعربي إذا عمل على طبق نظره في صورة معاملة من يشترط ذلك معه يقولون بان الحكم الواقعي له حكم ظاهري لنا و من هنا ظهر ان صورة العلم بالمخالفة أيضا يتبع قول المخبر فان من احتمالات خلافه هو خطاء المخبر في اجتهاده و عليهذا يستقر سيرة العقلاء أيضا فإن من يعطى ثوبه القصار ليغسله لا يسئل عنه انك مقلد لهذا المفتي أو ذاك؟ فإنه يعطيه و بعده يرتب عليه آثار الطهارة و لو لم يخبره (1) بالنجاسة و اما صورة القطع التفصيلي بالمخالفة فلا مجال للقبول لانه يكون من العلم بالخلاف لا احتماله حتى يلقى بدليل حجية البينة.

[مسألة 5- إذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كفى]

مسألة 5- إذا لم يشهدا بالنجاسة بل بموجبها كفى و ان لم يكن موجبا عندهما أو عند أحدهما فلو قالا ان هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام أو ماء الغسالة كفى عند من يقول بنجاستهما و ان لم يكن مذهبهما النجاسة.

أقول هذا واضح لان روح الشهادة هو اطلاع المشهود عنده عن حقيقة الحال فإذا أخبر المخبر بالسبب فلكل واحد من الشاهد و المشهود عنده حكم نفسه فلو رأى أحدهما نجاسة عرق الجنب من الحرام يحكم بنجاسة ملاقيه و لو رأى طهارته لا يحكم بذلك.

[مسألة 6- إذا شهدا بالنجاسة و اختلف مستندهما]

مسألة 6- إذا شهدا بالنجاسة و اختلف مستندهما كفى في ثبوتها و ان لم تثبت الخصوصية كما إذا قال أحدهما ان هذا الشي‌ء لاقى البول و قال

____________

(1) أقول ان هذا خلاف السيرة العقلائية على ما نجدها فان سيرتهم على الاخبار بالنجاسة و الا: فلا يحكمون بالطهارة.

357

الأخر أنه لاقى الدم فيحكم بنجاسته لكن لا تثبت النجاسة البولية و لا الدمية بل القدر المشترك بينهما لكن هذا إذا لم ينف كل منهما قول الأخر بأن اتفقا على أصل النجاسة و اما إذا نفاه كما إذا قال أحدهما انه لاقى البول و قال الأخر لا بل لاقى الدم ففي الحكم بالنجاسة إشكال.

أقول ان الأقوال في هذه المسألة ثلاثة الأول ثبوت النجاسة بهما مطلقا كما هو المختار و الثاني عدم ثبوته مطلقا و الثالث التفصيل بين ما كان صريح كل واحد منهما نفى الآخر فلا يثبت و ما لم يكن كذلك فيثبت كما هو قول المصنف.

اما الدليل على مذهب المختار فهو ما مر منا ان للفظ الخطاب ظهورات متعددة و إذا سقط ظهوره من جهة لا يسقط ظهوره من سائر الجهات: بيان ذلك ان الشارع مثلا إذا قال صلّ يكون هذا الخطاب ظاهرا في وجوب الصلاة فعلا و هو مدلوله المطابقي و في طول ذلك محبوبية الصلاة و كونها مرادة للآمر يكشف عن الملاك للحكم فإذا سقط مدلوله المطابقي عن الحجيّة فكونها محبوبة و لها الملاك لا يسقط عنها و بعبارة اخرى ان الحجية في الجميع يكون في عرض واحد و لكن في الحدوث و الوجود تتبع الدلالات الالتزامية للمدلول المطابقي فالتبعية في الحدوث فقط لا البقاء فعلى هذا إذا أخبر العدل الواحد بان هذا الشي‌ء لاقى البول و آخر بأنه لاقى الدم يكون للكلام مدلول مطابقي و هو ان هذا بول أو دم و مداليل التزامية منها ان هذا نجس و يكون نجاسته من بول بالخصوص أو من دم بالخصوص فعلى هذا إذا سقطت دلالته المطابقية بأن هذا بول عن الحجية لا يسقط دلالته الالتزامية بأنه نجس عن الحجية و كلاهما يكونان متفقان في ذلك و انما الاختلاف في الخصوصية فإن طبيعي النجس يكون متفقا عليه دون الحصص الخاصة.

و ما ورد عن المحقق الخراساني (قده) في باب تعارض الخبرين من انهما بعد التساقط ينفيان الثالث مثل ما إذا دل دليل على وجوب صلاة الجمعة و آخر‌

358

على وجوب الظهر يوم الجمعة فينفيان صلاة أخرى غيرهما فعلى هذا الاخبار من أحدهما بنجاسة البول و من الآخر بنجاسة الدم ينفى الثالث و هو أصل النجاسة، لا وجه له في المقام لان اخبار باب التعارض يكون مختصا بالأحكام لا بالموضوعات فان في المقام لما يكون البحث في الموضوعات و فيها لا يكفي إخبار عدل واحد فلا يثبت أحدهما نفى الآخر اى لا يكون في وسع ما دل على ان هذا بول ان يثبت انه ليس بدم أو بالعكس و لو كان مصرحا بذلك أيضا فحيث ما كان في وسعه ذلك لا ينفى الثالث و انه يكون مما اتفق الكلام فيه و عليهذا لا فرق بين التصريح بالخلاف أولا، فكلام المصنف (قده) في هذا المقام بالتفصيل في غاية السقوط (1) و اما مذهب غيرنا فيكون من جهة انه يرى لزوم المتابعة في الحجية أيضا فحيث سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية فلا وجه للدلالة الالتزامية.

و بعبارة أخرى و أوضح ان المورد الذي يشهد فيه الشاهدان اما ان يكون واحدا بالذات و الاختلاف يكون في الطوارئ فلا شبهة في ثبوت الحكم مع‌

____________

(1) أقول ان ما هو التحقيق هو مذهب المخالف لأن الألفاظ و لو كان لها دلالة مطابقية و يكون لها لوازم تكوينية لا محالة و لكن لا يكون الكلام فيه حتى يقال انها لا تلازم حجية دلالة المطابقة و تبعيتها في الوجود فقط و الحدوث اما البقاء فلا، بل لما يكون قبول الإخبار بواسطة دليل حجيتها حجة و يترتب عليها لوازمها فلا محالة في البقاء أيضا تابعة ضرورة أن تصديق العادل في المدلول المطابقي ينشأ عنه موضوعات لتصديق العادل في طوله و كأنها متولدة منه و حجيتها أيضا منه فكيف يمكن ان يقال لا تصدق العادل في المدلول المطابقي و صدقه فيما هو لازم له و ناش عنه و الحجية في كل واحد يكون في طول آخر لا في عرضه و الا فعلى هذا لا فرق بين التصديق بلوازم الكذب دونه و الخبر الغير المعتبر في المدلول المطابقي يكون مثل الكاذب ضرورة ان الكذب أيضا يكون له لوازم تكوينية و هذا شأن كل لفظ.

359

اختلافها أيضا مثل ان يتفقا على ان الكأس الفلاني في زمان كذا وقعت فيه قطرة دم و لكن قال أحدهما انه صفراء و قال الآخر انه حمراء لا يؤثر في رفع النجاسة لأنهما ما اختلفا في أصل النجاسة و الدم سواء كان اصفر أو أحمر يوجب النجاسة و اما إذا كانا مختلفين بالنوع كأن يشهد أحدهما انه نجس بالبول و الآخر بالدم فهذا يكون مورد الاختلاف و النزاع لأن الخصوصية المنوعة إذا كانت غير ثابتة فيشكل عندهم التمسك بالنجس و الكلام كما مرّ منا و من مخالفينا.

[مسألة 7- الشهادة بالإجمال كافية أيضا]

مسألة 7- الشهادة بالإجمال كافية أيضا كما إذا قال احد هذين نجس فيجب الاجتناب عنهما و اما لو شهد أحدهما بالإجمال و الأخر بالتعين كما إذا قال أحدهما أحد هذين نجس و قال الأخر هذا معينا نجس ففي المسألة وجوه (1) وجوب الاجتناب عنهما و وجوبه عن المعين فقط و عدم الوجوب أصلا.

أقول اما كفاية الشهادة بالإجمال فلأنها تكون مثل العلم الإجمالي بدليل اعتباره فكما انه إذا شهدا بالتفصيل كان كالعلم التفصيلي فإذا شهدا بالإجمال يكون مثل الإجمالي و العلم الإجمالي كما هو التحقيق علة تامة للتكليف.

و اما الفرع الثاني فهو كما ترى يكون الاحتمال أو الأقوال فيه ثلاثة:

وجوب الاجتناب عن المعين و يمكن ان يستدل له كما استدلوا بأن القائل بأن أحدهما نجس يكون لكلامه مدلول مطابقي و هو عنوان أحدهما لا على التعيين القابل للانطباق على كل واحد من الأطراف و هذا ليس بحجة و مدلول التزامي و هو نجاسة أحد الكأسين الذي هو أحد أطرافه المعين في الواقع و قد مرّ ان المدلول الالتزامي حجة و لو لم يكن مطابقية حجة و في المقام أيضا كذلك فإن الشهادة على أحدهما من لوازمه نجاسة المعين أيضا فهو مما قامت عليه البينة لأن الشهادة متحققة فيه بالخصوص و يجب الاجتناب بواسطة عنوان اللازم لأحدهما‌

____________

(1) الوجه الأول هو المتيقن على فرض قبول خبر العدل الواحد إذا لم ينف أحدهما قول الآخر و الا فالأخير هو المتعين.

360

و فيه (1) ان كبرى عدم لزوم متابعة المدلول الالتزامي للمطابقي و ان كان صحيحا عندنا و لكن في المقام خصيصة و هي ان المدلول الالتزامي إذا كان من اللوازم التكوينية فهذا الكلام صحيح و اما إذا كان حكما فهو لا محالة يجب ان يكون تابعا لحجية المطابقي فإذا لم يكن حجة لا يمكن استفادة الأمر بالاجتناب و المقام من قبيل الثاني فإن العلم الإجمالي لازمه الاجتناب عن الطرفين لا نجاستهما و لا نجاسة أحد الطرفين بالخصوص.

و بعبارة أخرى على فرض وقوع النجس في غير المعين في الواقع فلا يكون هو بعينه مما قام عليه الشاهدان بل يكون واقعة و شهادة و اخرى أيضا كذلك و خبر الواحد في الموضوعات لا يكون حجة فلا يجب الاجتناب عنهما.

و اما وجوب الاجتناب عنهما معا فلان اللازم من الشهادة في المعين هو النجاسة و الشهادة على عنوان أحدهما و ان لم تكن بهذا العنوان مفيدا الا انه في الواقع لا يخرج عن كلا الطرفين فشاهد المعين لا يعارض شاهد المجمل فالنجاسة في البين مما قامت عليها البينة فيجب الاجتناب عنهما مقدمة للواقع.

و فيه ان العلم الإجمالي في صورة كونه منجزا يلازمه الاجتناب عن الطرفين دون المقام فإن الشهادة الواحدة على عنوان أحدهما لا اثر لها في الموضوعات فلا يجب الاجتناب عن المعين و لا عن الجميع فمن هنا ظهر وجه القول بعدم لزوم الاجتناب.

[مسألة 8- لو شهد أحدهما بنجاسة الشي‌ء فعلا و الأخر بنجاسته سابقا مع الجهل بحاله فعلا]

مسألة 8- لو شهد أحدهما بنجاسة الشي‌ء فعلا و الأخر بنجاسته سابقا مع الجهل بحاله فعلا فالظاهر وجوب الاجتناب.

أقول اما الفرع الأول فإن قيام البينة على موضوع واحد لما يتوقف على وحدة القضية فلا محالة يلزم التمسك بالاستصحاب و الا فأحدهما يكون في زمان‌

____________

(1) أقول انه قد مر ان كبرى عدم تبعية حجية المدلول الالتزامي للمطابقي غير تامة.

361

و الآخر في زمان آخر فإنه يمكن طريان الطهارة بين الزمانين و هو تارة يلاحظ بالنسبة إلى المشهود عنده بان يستصحب النجاسة المخبر بها ليصير المعين نجسا فعلا و استصحابه لا يتم الا على ما قال المحقق الخراساني (قده) في باب الاستصحاب بأن الملازمة في البقاء يكفى لجريان الاستصحاب فان المشهود عنده و ان كان لا تثبت عنده الحالة السابقة لأن المخبر واحد في الموضوع و لكن لو كان في الواقع كذلك يكون ملازمة في الوجود و البقاء و هذا يكفى لا ثبات النجاسة.

و فيه ان الملازمة المدعاة غير تامة فإن الشك و اليقين يجب ان يكونا فعليين بالنسبة إلى المستصحب فحيث لا يقين بوجود المتيقن سابقا فكيف يمكن استصحابه فعلا فيكون هذا من باب عدم اتحاد الواقعة فان إحداهما كانت في السابق و الأخرى في الحال فلا تثبت النجاسة.

و اما الاستصحاب بالنسبة إلى الشاهد فإنه يمكنه ان يستصحب في نفسه و يحكم أو يشهد فعلا بالنجاسة فإذا كان كذلك فتكون مثل واقعة واحدة.

و لا يخفى ان عبارة المصنف يحتمل فيها احتمال آخر غير اتحاد الواقعة و هو ان يكون نجاسة كاس في الليل و الآخر في النهار و لكن مراده (قده) هو صورة وحدة القضية بأن يكونا في مجلس واحد و اختلفا في ساعة وقوعها.

و يمكن ان يوجه الاستصحاب (1) بان نقول لما كانت الواقعة واحدة و نعلم انهما متفقان في النجاسة اى نعلم أن الكأس الذي يقول هذا وقع قطرة دم فيه في الحال يكون هو الذي يقول الآخر بأنه كان واقعا فيه سابقا فنحن ندعي أن‌

____________

(1) أقول انى رأيت في كلام بعض معاصري الأستاذ تعبير هذا الاستصحاب بالكلي القسم الثاني و بيانه انا نعلم بحدوث نجاسة في هذا الكأس و لكن لا نعلم انه وقع فيه في الحال حتى يكون باقيا قطعا أو في السابق حتى نشك في بقائه من جهة طرو المانع فنستصحب أصل النجاسة مثل ان نعلم بوجود حيوان في الدار و لكن لا نعلم انه فيل حتى يكون باقيا أو بقّ حتى لا يكون كذلك.

362

هذا الكأس صار نجسا يقينا اما في الحالة السابقة أو في الان الحاضر لأنهما متفقان على ان هذا نجس أو صار نجسا و لكن نشك في النجاسة من باب انه لو كان في السابق يمكن ان يمر عليه الطهارة فنستصحب العنوان الأعم و لا نعتني بالشك و هذا الشاهد و لو كان واحدا لا يفيد قوله اليقين في السابق و ما كان له اثر و لكن لا يلزم ان يكون للمستصحب اثر حدوثا بل الأثر بقاء يكفى لجريان الاستصحاب.

قوله: و كذا لو شهدا معا بالنجاسة السابقة لجريان الاستصحاب.

أقول هذا هو الفرع الثاني و بيانه يتوقف على رسم كلام و هو ان المسالك في باب الأمارات مختلفة فانا نذكر هنا ثلاثة مسالك: الأول مسلك التحقيق و هو تتميم الكشف و إلقاء احتمال الخلاف الثاني مسلك الشيخ (قده) و هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع و الثالث جعل الحجية كما هو مسلك الخراساني (قده) و باقي المسالك لا نتعرضها هنا و القول في الاستصحاب أيضا مختلف فعلى مسلك الخراساني (قده) هو انه الملازمة بين الحدوث و البقاء و على المختار تنزيل الشك منزلة اليقين.

فان كان المسلك مسلك من قال بأن الأمارات تكون حجيتها من باب تتميم الكشف و في الاستصحاب تنزيل الشك منزلة اليقين فهنا الاستصحاب يكون جاريا في المقام لان هذا المعين مما قامت الامارة على نجاستها سابقا و هو على ما فرض كان بمنزلة العلم الوجداني و اليقين فإن جرى استصحاب يكون من باب عدم نقض اليقين بالشك و ان لم يجر فهو من نقض اليقين به على ما فرض من ان الاستصحاب تنزيل الشك منزلة اليقين فهذا الإناء نجس مثلا بحكم الاستصحاب.

و كذا لو كان الاستصحاب جعل الملازمة بين الحدوث و البقاء لان الحدوث يقيني على هذا الفرض و الشك في البقاء فالملازمة بينهما دالة على البقاء و ان كان المسلك تنزيل المؤدى منزلة الواقع على مسلك الشيخ (قده) فمعناه ان الآثار التي تكون على الواقع تترتب على المشكوك أيضا و لا يكون مفاد الأمارة علما فلا يجرى الاستصحاب على فرض كونه من باب عدم نقض اليقين بالشك و تنزيل‌

363

المشكوك منزلة المتيقن لان ترتيب الآثار لا يصير مفادها علما حتى يصدق انه يقين و لا يجوز نقض اليقين بالشك و اما لو كان المسلك في الاستصحاب على هذا الفرض جعل الملازمة بين الحدوث و البقاء فإنه يجري لان آثار النجاسة كانت في السابق و الآن يكون باقيا.

و ان كان المسلك مسلك المحقق الخراساني (قده) بان حجية الأمارات تكون من باب جعل الحجية فقط فلا تجرى الاستصحاب على فرض كونه من باب التنزيل و يجري إذا كان من باب الملازمة لأنها لا تحتاج الى اليقين بل ما حدثت له الحجية يكون باقيا.

[مسألة 9- لو قال أحدهما انه نجس و قال الأخر انه كان نجسا و الان طاهر]

مسألة 9- لو قال أحدهما انه نجس و قال الأخر انه كان نجسا و الان طاهر فالظاهر عدم الكفاية و عدم الحكم بالنجاسة.

أقول قد أشكل محشي العروة جلهم على المصنف بان هذا الفرع و الفرع السابق سواء فكيف فرّق (قده) بينهما و حكم في السابق بالنجاسة و هنا بالطهارة مع ان جريان الاستصحاب في المقام أيضا لا اشكال فيه و ان الذي صار موجبا لتوهم عدم جريانه هو الشهادة ثانيا بعدم الطهارة و لا وجه لمانعية هذه لأنها شهادة و خبر في الموضوع و لا اعتبار بها كما هو المفروض.

و فيه ان الفرق بين المقام و سابقه هو ان المقام قد وجدنا ما هو ناقض لليقين السابق بخلاف الصورة السابقة: بيانه انه كما مرّ منا مرارا أن الدلالة الالتزامية لا تكون تابعة في الحجية للدلالة المطابقية ففي المقام الدلالة المطابقية هي الحكم بالطهارة و الالتزامية هي ان هذا علم فيكون غاية للاستصحاب فإنه حجة يمنع عن تأثير الاستصحاب أثره و بعبارة واضحة ان الدليل العام على حجية خبر الواحد قد خصص في الموضوعات اما بالإجماع أو بذيل خبر مسعدة و القدر المتيقن منه عدم حجيته في الإثبات لا في النفي الذي يوجب جريان الاستصحاب في المقام. و على فرض عدم قبول هذا القول منا و الاستنكار منه فيمكن ان يكون‌

364

هذا الكلام من المصنف (قده) لاعتبار الشهادة الواحدة عنده و عدم اعتبار الاثنينية فيكون العلم بالنجاسة السابقة منقوضا بالعلم بالطهارة الثابتة من طريق الشاهد.

و الحاصل (1) اما ان يقال على طبق ما نقول إذا كان المناط الاثنينية أو على اعتبار الواحد في الموضوعات.

[مسألة 10- إذا أخبرت الزوجة و الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها]

مسألة 10- إذا أخبرت الزوجة و الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها

____________

(1) أقول لو سلمنا عدم التلازم في الدلالة الالتزامية في الحجية مع المطابقية لا نفهم معنى ما يقوله الأستاذ (مد ظله) هنا لان ما ذكر في منبر الدرس هو الوجه الذي قد أخذ فيه الالتزام هو العلم فلما خالج ذهني بأن هذا لا يكون من الالتزام في شي‌ء لان الحكم بان هذا طاهر يكون نفس العلم التنزيلي و لا يكون من لوازمه على ان إلقاء احتمال الخلاف في الأمارات كما هو مذهبه لا يجي‌ء هنا لان العلم لا خلاف فيه حتى يلقى فرجعت اليه و ذكرت الاشكال فأنكر ان يكون مراده هذا فبيّن الكلام بان الدليل العام على حجية خبر الواحد مطلقا قد خصص بذيل خبر مسعدة في الموضوعات أو بالإجماع و المتيقن منه هو التخصيص في الدلالة المطابقية و لا يكون في وسعه رد الغير و هو نفى طهارة الغير فهذا خبر و احد دل بمدلوله المطابقي على ان هذا الشي‌ء طاهر فلا يؤخذ به لانه خبر في الموضوع و اما مدلوله الالتزامي و هو نفى طهارة الغير فلا يثبت فالاستصحاب لا يجرى و هذا الوجه كما تراه فإنه لا يفهم منه معنا واضحا لان الغير الذي يدعيه انه لا ينفيه لا يكون من مدلول التزامي هذا في شي‌ء ضرورة ان معنى قولنا هذا طاهر ليس نفى طهارة الغير على ان الغير لا يتصور انه ما هو في المقام الذي يكون موضوع شخصي شك في جريان الاستصحاب فيه أو قبول قول القائل بالطهارة و أيضا لا نفهم انه كيف يمنع استصحاب النجاسة و كيف يصير علما ينقض به اليقين السابق و بعبارة واضحة هذا على فرض ما ذكر يكون لا اقتضاء في نجاسة الغير و الاستصحاب مقتض فتأمل جيّدا فالوجه لو كان اعتبار خبر الواحد في الموضوعات لكان أحسن.

365

من ثياب الزوج أو ظروف البيت كفى في الحكم بالنجاسة و كذا إذا أخبرت المربية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه بل و كذا لو أخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته (1).

أقول لا إشكال في المسألة من جهة ان هذا كله يكون حكمه ناشئا من قاعدة اليد التي قد مرت منا في السابق بيانها و انما الإشكال في هذا الفرع هو في قوله (قده) بان اخبار المولى بنجاسة العبد و الجارية أيضا مقبول من باب هذه القاعدة و هذا مشكل جدا لان الدليل عليها هو السيرة العقلائية في جميع أمورهم بان يقبلوا قول صاحب الاختيار في كل شي‌ء مثل ما مثله في سائر الفروع و لا تكون مردوعة عنها و اما في هذا الفرع فلا تكون محققة لأنها تامة و ثابتة فيما لا يكون له ارادة و اختيار و تميز مثل الثوب و الطفل و المجنون اما من كان من ذوي العقول و صار مستقلا من حيث العقل و البلوغ و تكون له ارادة في الأمور مثل العبد و الأمة فلا نسلم ثبوتها بل في هذه الموارد يلزم الرجوع إليهم لإثبات النجاسة و الطهارة.

[مسألة 11- إذا كان الشي‌ء بيد شخصين كالشريكين]

مسألة 11- إذا كان الشي‌ء بيد شخصين كالشريكين يسمع قول كل منهما في نجاسته نعم لو قال أحدهما انه طاهر و قال الأخر انه نجس تساقطا كما ان البينة تسقط مع التعارض و مع معارضتها بقول صاحب اليد تقدم عليه.

أقول لا إشكال في صورة موافقتهما إنما الإشكال في صورة المخالفة و المعارضة و صورة إخبار أحدهما فإن المصنف (قده) حكم في الصورة الثانية بالإثبات و في الصورة الأولى اعنى التعارض و نفى كل واحد منهما قول الآخر بالتساقط و لكن يتوهم فيها اشكال يرتفع ببيان منا و هو انه و ان كان لا يتصور استقلال كل منهما في التصرف فيما عليه اليد ضرورة مناقضته مع القول بالشركة فإن الشركة و الاستقلال معنيان متنافيان فلا يثبت النجاسة عليهذا و لكن يمكن ان يقال في هذا‌

____________

(1) إذا كانا من السفهاء و الا فلا يثبت النجاسة بواسطة اليد.

366

المقام مثل ما قيل في صورة النزاع في الملكية بأن كان شي‌ء بيد شخصين يدّعى كل منهما انه منه فإنه يحكم بملكيتهما الإشاعية و ان كان الواقع خلاف هذا الحكم الظاهري فلا إشكال في المقام أيضا في ان يقال بان كلا منهما يثبت مفاد قوله الإشاعة، الطهارة إشاعة و النجاسة كذلك و لكن لما تكون الاولى لا اقتضاء و لا اثر لها فيبقى الحكم و الأثر للثانية اى النجاسة فيحكم بالنجاسة في صورة التعارض أيضا.

و كذلك نقول في صورة التعارض و نفى أحدهما قول الآخر فإنه على فرض قبول قول الشريك في النصف المشاع في الفرع السابق فيكون هذا أيضا مثله فإن الذي دل خبره على النجاسة يثبتها إشاعة و الذي دل خبره على الطهارة و ان كان يثبتها إشاعة و لكن لما لا يكون له أثر شرعي فتكون لا اقتضاء بخلاف النجاسة فإنها مقتضية للاجتناب هذا مقتضى ما قلناه و اما على المشهور من استقلال كل واحد منها بالاخبار و قبول قوله فتتعارض القاعدتان و تتساقطان و يرجع الى قاعدة الطهارة.

و على ما قلناه لا يكون لتوهم ان الطهارة أيضا لها اثر و هو جواز الدخول معه في الصلاة مثلا إذا كان ثوبا فكيف يقال بأنه لا اقتضاء، مجال لأن الطهارة في حيطة العلم الإجمالي لا اثر لها، فان الثوب الواحد إذا كانت مشاعة طهارته لا يمكن الصلاة فيها و لكن يمكن الاجتناب عنه.

و اما قوله و مع معارضتها أي البينة بقول صاحب اليد تقدم فقال بعض شارحي ذلك بان المناط في تقدم البينة على قول صاحب اليد يكون من جهة ان دليل اليد السيرة العقلائية و لكن دليل البينة ليس كذلك بل خبر مسعدة بن صدقة و أمثاله فالدليل اللفظي يقدم عليها و القدر المتيقن منها غير هذه الصورة.

و أقول ليت القائل بذلك تمسك بالإجماع لا بادعاء السيرة في أحدهما دون الآخر لان ما هو التحقيق هو ان اعتبار البينة أيضا يكون من بناء العقلاء‌

367

ضرورة أنهم نرى وثوقهم بالخبر الذي يكون صادرا عن الموثقين و الشارع أيضا امضى بنائهم بذيل خبر مسعدة فيمكن ان يقال أيضا ان القدر المتيقن منها أيضا صورة عدم المعارضة مع قاعدة اليد فلا يمكن التمسك بذلك لتقديمها عليها لان القدر المتيقن في كل واحد منهما موجود و لا يمكن ان يقال القدر المتيقن لحجية قاعدة اليد صورة عدم المعارضة مع البينة.

لا يقال يستأنس من تقديم البينة على اليد في باب المخاصمات بالروايات تقديمها في جميع الموارد و عدم اختصاصها بمورد دون مورد.

لأنا نقول التقديم في ذاك المقام يكون بصيرورتها بلا مورد ضرورة انه قلما مورد من البينة لا يكون فيه اليد فإذا كان كذلك نقول انهما دليلان يؤخذان من السيرة العقلائية و لما يكون اللازم من تقديم اليد عليها صيرورتها بلا مورد يحكم بتقديمها عليها و لا فرق بين باب المخاصمات و غيرها فان الموارد التي لا تكون فيه البينة كثيرة و يكون مورد انطباق قاعدة اليد فكأنه يكون النسبة بينهما عموم و خصوص مطلق و مقتضى الجمع بينهما يكون ذلك.

[مسألة 12- لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين ان يكون فاسقا أو عادلا]

مسألة 12- لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين ان يكون فاسقا أو عادلا بل مسلما و كافرا.

أقول لا إشكال في سائر الفقرات غير اخبار الكافر فإنه قد أشكل فيه من جهة أنه لكفره لا تكون السيرة على عدم قبول قوله و توهم ان المقتضى لقبول قول غيره هو حمل فعل المسلم على الصحة بواسطة الروايات التي تكون في الباب و اما هو فلا يكون مسلما حتى يحمل فعله على الصحة على انه لو كانت السيرة تامة على قبول قوله فيكون لنا رادع عنها و هو ما ورد في روايات البختج من ان الكافر الذي يشربه على النصف لا يقبل إخباره بأن العصير صار ثلثين و لا وجه له الا ان الكافر غير موثق به و يكون خبره مطرودا عند الشرع.

و فيه ان مقتضى التحقيق ان العدالة و الإسلام لا دخل لهما في قبول قول‌

368

المخبر حتى على ما هو المستفاد من الروايات و الايات بل ما هو المناط في جميع الموارد هو الوثوق النوعي و هو حاصل في حق الكافر أيضا و ما توهم من عدم جريان أصالة الصحة في حقه مردود بان الروايات التي دلت على وضع أمر أخ المسلم على الصحة تكون اخلاقية اعنى لا يترتب على خبره و فعله آثاره و لا يقال بكذبهم و يعتقد بحسنهم و لا يخفى ان هذا قسم من أصالة الصحة و قسم آخر يترتب عليه الآثار و هو الذي يكون في جهة معاملاتهم و أمثالها و لكن المقام يكون خارجا من كلا القسمين لأن حجية اليد لا تكون مستندة الى ذلك بل للسيرة المستقلة على حجيتها و عدم ردع الشرع عنها فلا ربط لها بأصالة الصحة في فعل المسلم و اما الروايات التي توهم رادعيتها فعند التحقيق يفهم منها ان عدم قبول قوله في الموارد لا يكون لعدم حجية قوله بل لانه متهم فان المتهم سواء كان كافرا أو غيره لا يقبل قوله و الدليل عليه ما في رواية عمار (باب 7 من أبواب الأشربة المحرمة) من روايات البختج بأنه ان كان يشربه على النصف و يخبر بالثلثين لا يقبل قوله فعدم القبول مستند باتهامه بأنه يشربه على النصف لا من جهة كفره و لذا يقبل قول المخالف اى غير أهل المعرفة فيه لو لم يكن متهما فلا وجه للإشكال في قبول قول الكافر في صورة عدم الاتهام.

مضافا الى رواية إسماعيل و فيها عليكم ان تسئلوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك. فإن السؤال يكون للقبول فيعلم ان قوله حجة إذا لم يكن متهما كما قلنا في المقام.

[مسألة 13- في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبيا اشكال]

مسألة 13- في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبيا اشكال و ان كان لا يبعد إذا كان مراهقا.

أقول قيل في وجه الاشكال من المصنف (قده) بان الدليل على اليد لما تكون السيرة فإن المتيقن منها غير صورة كون اليد من صبي فقصورها صار سببا لعدم الدليل على قبول قوله و إيراد الإشكال فيه.

369

مضافا الى حديث رفع القلم عن الصبي فإن أثر قوله من الطهارة و النجاسة مرفوع و لا جدوى في خبره.

و لكن عند التحقيق يفهم عدم وجه لذلك و لإشكال المصنف لان ادعاء ان السيرة قاصرة في غاية المنع فإنه ربّ صبيان كانوا أشد مواظبة على الأمور من بعض الرجال و الناس يرغبون في قبول قولهم أشد رغبة مما عن الرجال فرب رجل مقدس لا حافظة له و يكون بليدا، فهي تامة في قبول قول الصبيان اللذين كانوا مميزين.

و اما ما ذكر من حديث رفع القلم أيضا فلا وجه له عندنا بعد ما مر منا من ان الصبي يكون مكلفا بالخطابات الشرعية لأن شرط التكليف و هو التميز يكون موجودا و حديث رفع القلم يكون معناه رفع قلم المؤاخذة فالآثار كلها مترتبة على قوله.

[مسألة 14- لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد ان يكون قبل الاستعمال أو بعده]

مسألة 14- لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد ان يكون قبل الاستعمال أو بعده كما قد يقال فلو توضأ شخص بماء مثلا و أخبر ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلان و ضوئه و كذا لا يعتبر ان يكون ذلك حين كونه في يده فلو أخبر بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده يحكم عليه بالنجاسة في ذلك الزمان و مع الشك في زوالها تستصحب.

أقول قيل في وجه الفرق بين حال قبل الاستعمال و بعده أدلة ثلاثة: الأول انه بالاستعمال يخرج عن اليد مثل الماء الذي يتوضؤ منه إذا كان قليلا فإنه يعدم بعد الوضوء فما لم يكن لا يكون عليه حكم بالنجاسة و الثاني ان الدليل على اليد هو السيرة و المتيقن منها هو حال كون صاحب اليد مسلطا على الشي‌ء قبل الاستعمال و اما بعده و لو كان تحت يده لا تكون محرزة فلا سبيل لنا الى قبول قوله بعده.

و الثالث رواية صحيحة عن العيص ابن القاسم (في الوسائل باب 40 من أبواب النجاسات ح 6) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلى في ثوب رجل أياما ثم ان صاحب الثوب أخبره انه لا يصلى فيه قال لا يعيد شيئا من صلوته.

370

و تقريب الاستدلال بها هو ان صاحب الثوب الذي أخبر المصلى على عدم جواز الصلاة في ثوبه معللا بأنه لا يصلى فيه حكم الامام (عليه السلام) في حق الرجل بعدم الإعادة فالحكم به يكون ردّ القول ذي اليد بعد الاستعمال و الا فإنه بعد الصلاة إذا أخبر يجب الإعادة فلا وجه لهذا الحكم الا عدم اعتبار اليد بعد الاستعمال.

أقول كل ما استدل به على الفرق لا وجه له عندنا اما الأول فلان الاستعمال لا يلازم غالبا الخروج عن اليد فان الماء إذا كان كثيرا بحيث يبقى بعد التوضؤ لا يصدق فيه الخروج عن اليد و اما الصورة التي تلازم الاعدام فيرى السيرة هذا الحال مثل الحال السابق و متصلا به و لا يفرق في الآثار لان المناط في اليد لا يكون حال الحكاية بل وقت المحكي.

و عن الثاني بان ما ادعى من القدر المتيقن في السيرة ممنوع فإنهم كما قلنا لا يفرقون و يرون البعد مثل القبل في الإلحاق بالحكم.

و اما عن الثالث و هو الرواية ففيه أولا انه لا يكون فيها ذكر عن النجاسة فإن صاحب الثوب أخبر بعدم صلوته فيه فيمكن ان يكون للغصبية أو للنجاسة أو لمانع آخر من الموانع مثل كونه من غير المأكول فعلى غير فرض النجاسة لا ربط له بالمقام و على فرضه أيضا لا اثر له هنا لأن الأخبار مستفيضة على ان من صلى في ثوب نجس أو غصبي و لم يعلم به قبل الصلاة فلا تجب عليه الإعادة فإن عدم الإعادة لا تكون لعدم حجية خبر ذي اليد بل يكون حكما تعبد يا من الشرع.

و ثانيا انها معارضة برواية عبد اللّه بن بكير الموثقة الدالة على وجوب إعادة الصلاة في ثوب مجهول النجاسة بعد العلم بها و الفراغ عنها فتدل على قبول قول ذي اليد حتى بعد الاستعمال.

فان قيل انها غير معمول بها عند الفقهاء لأنهم على حسب الروايات المستفيضة حكموا بعدم وجوب الإعادة فلا يمكن ان تكون معارضة لها. قلنا بان الروايات‌

371

تضعف بمدلولها المطابقي و هو عدم وجوبها و اما في الالتزامي فلا حسب ما بنينا (1) عليه من عدم تلازم المطابقة و الالتزام في الحجية ففي المقام مدلولها الالتزامي هو قبول قول ذي اليد و ان كان مدلولها المطابقي و هو وجوب الإعادة غير حجة بواسطة الروايات المعارضة فإذا كان كذلك فتعارض بهذا المدلول مع ما استفيد من الرواية السابقة بأنها دلت على عدم قبول قول ذي اليد على فرض غمض العين عن سائر الإشكالات.

و اما الفرع الثاني في المتن فأيضا يكون موافقا للقواعد لان من كان عنده شي‌ء فباعه ثم أخبر بنجاسته يكون بناء العقلاء و سيرتهم على قبول قوله لأنهم يرون المناط بالمحكى و ظرفه لا وقت الحكاية فإنه و ان كان متأخرا و لكن يرون السلطة في ما قبل كافيا لقبول قول ذي اليد.

فتحصل من جميع ما ذكرنا عدم الفرق بين المقامين و ما ذكره (قده) في المتن في غاية المتانة و اما قوله فمع زوالها فتستصحب فوجهه واضح و هو ان اليد أمارة عقلائية و هي بمنزلة العلم فإذا ثبت لنا العلم التنزيلي في زمان لا ينبغي نقض المتيقن بالشك.

[فصل في كيفية تنجس المتنجسات]

فصل في كيفية تنجس المتنجسات يشترط في تنجس الملاقي للنجس ان يكون فيهما أو في أحدهما رطوبة مسرية فإذا كانا جافين لم ينجس و ان كان ملاقيا للميتة لكن الأحوط غسل ملاقي ميت الإنسان قبل الغسل و ان كانا جافين و كذا لا ينجس إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة غير مسرية.

أقول بعد الفراغ عن ان كل نجس منجس و غمض العين عن البحث فيه اشترطوا من شرائط التنجيس شيئين: أحدهما وجود رطوبة مسرية فيها أو في أحدهما و ثانيهما‌

____________

(1) قد مر منا عن قريب الإشكال في ذلك و إثبات الملازمة بين الدلالتين.

372

ان يكون السراية بالرطوبة لا النداوة و هذا في غاية الإشكال عندنا و هو عويصة نسأل اللّه التوفيق في حله.

و قد استدل على الأول أولا بالارتكاز العرفي في النجاسات و هو بتقرير منا انه لما كان خطابات الشرع منزلة على فهم العرف إلا صورة وصول بيان منه إلينا و حيث ما وصل في طريق نجاسة المتنجسات بيان منه فلا بد من الإيكال إلى نظر العرف و نحن إذا لاحظناه نرى انه لا يرى التنجيس في صورة جفاف المتلاقيين و يعتبر للرطوبة دخلا تاما في السراية و انتقال النجس من المنجس الى المتنجس سواء كان التنجيس من باب علية الأول للثاني بحيث يوجد فرد من افراد النجس فيكون عليه حكم على حدة أو يكون تعبد من الشرع على الاجتناب في ظرف الملاقاة أو غير ذلك مما مر منا في مباحثنا السابقة.

و ثانيا بالروايات و هي على طائفتين الأولى ما ورد في منجسية ما كان مائعا من المائعات مثل البول و الدم و أمثالها فإن المورد لما يكون مما فيه الرطوبة و تكون محققة لموضوعه فلا جدوى للبحث عن اشتراط الرطوبة فيه و الطائفة الأخرى فيما لا رطوبة له مثل الكلب و غيره و هي روايات مطلقة من حيث الرطوبة و الجفاف فيجب البحث فيها حتى يظهر المراد منها ثم نذكر لتقييدها ارتكاز العرف الذي قد مر و الروايات المفصلة بين صورة الجاف و الرطوبة.

أما المطلقات فمنها ما عن محمد بن مسلم (في باب 12 من أبواب النجاسات ح 4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألت أبا عبد اللّه عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل قال يغسل المكان الذي أصابه.

ثم في هذا الباب رواية أخرى عنه عين هذه بسند آخر.

و تقريب الاستدلال بها واضح من عدم تقييد الإصابة بصورة الرطوبة.

و الجواب عنه أولا بارتكاز العرف على اعتبار السراية بالرطوبة المسرية و إلا فالجاف لا يحدث شيئا في ملاقيه حتى يكون العرف مستقذرا منه و ثانيا‌

373

بالروايات المفصلة بين صورة الرطوبة و الجفاف (في باب 26 من أبواب النجاسات) فمنها صحيحة بقباق و كنيته أبو العباس عن حماد عن حريز عن الفضل بن ابى العباس قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله و ان مسه جافا فاصبب عليه الماء. و في معناها روايات أخر مثل الرواية التي دلت على ان العذرة اليابسة لا توجب النجاسة و مقتضى الجمع بينها هو اشتراط السراية و الرطوبة في الملاقاة و اما الشرط الثاني و هو اشتراطهم بأن الرطوبة يجب ان تكون في الملاقي و لا يكفى مجرد سريان الندى فقد استدلوا له أولا بأن السيرة تقتضي عدم الاجتناب عن ذلك فان الفرش الذي يكون في سرداب إذا صار ذا نداوة من الأرض النجسة لا يجتنبون عنه و كذا أمثال هذه الموارد من الجدار الذي ينزّ من بالوعة و ثانيا بما ذكر من رواية بقباق فان الظاهر انه يلزم ان يكون رطوبة من الكلب بحيث يكون الأجزاء المائية في الملاقي.

و ثالثا بأنه على فرض الشك في شمول الدليل لمثله تكون قاعدة الطهارة محكمة لانه من الشبهة المصداقية و قد ذكروا وجها آخر أيضا بأن العرض و ان كان ازالته عن موضوعه محالا و لا محالة يكون الأجزاء المائية في النداوة موجودة و لكن العرف بالنظر المسامحي يراه عرضا كما في البخار المتصاعد الذي لا يراه نفس الماء و ان كان هو من اجزائه اللطيفة.

و الجواب عن الأول هو ان السيرة لا تكون كذلك بل ممنوعة في غاية المنع فإنهم يجتنبون عما كان كذلك خصوصا في الصورة التي تكون النداوة بحيث إذا عصر يخرج منه الماء.

و عن الثاني بأن الرطوبة و النداوة واحدة لا فرق بينهما حتى يكون التعبير بالرطوبة غيرها.

و عن الثالث ان المقام يكون من باب الشبهة المفهومية و لا يمكن التمسك بالعام فيها ضرورة أن الرطوبة لها مراتب منها النداوة فمن حيث سعة المفهوم‌

374

نشك في حكم هذه المرتبة منه و كيفما كان يكون حكم النداوة حكمها بحسب الدليل و اما عن ما ذكر من الوجه الفلسفي و الرجوع الى العرف فنحن لا نسلم في البخار و في المقام كما مر.

و لكن ما هو المحذور هو فتوى جل من الفقهاء بالفرق و نحن أيضا نتبعهم و نذكر له وجها و هو ان السيرة العقلائية عندنا و ان كانت غير تامة و لكن (1) يكون السيرة من المتشرعة على عدم الاجتناب عن النداوة فيكون بمنزلة التخصيص للسيرة العقلائية و عدم الاعتناء بشبهاتهم فهم من حيث هم عقلاء يجتنبون و المتشرعون بما هم متشرعون لا يجتنبون عنها.

قوله: ثم ان كان الملاقي للنجس أو المتنجس مائعا تنجس كله كالماء القليل المطلق و المضاف مطلقا و الدهن المائع و نحوه من المائعات نعم لا ينجس العالي بملاقاة السافل إذا كان جاريا من السافل كالفوارة من غير

____________

(1) إثبات هذه أيضا مشكل حيث نرى الاختلاف فيهم أيضا نعم في النداوة القليلة جدا يمكن إثباته و لكن ما يكون ببالي القاصر ان ما ذكره من الشبهة المفهومية في المورد و أمثاله غير تام لأن الشبهة في الحكم ينشأ عن الشك في سعة المفهوم و ضيقه و لكن في صورة كون العنوان صادقا على جميع المراتب فان الغناء مثلا كما هو المعروف من الشبهات المفهومية فعلى قدره المتيقن يطلق الغناء و على غيره أيضا يطلق هذا اللفظ أو يحتمل ان يطلق في صورة الشك اما في المقام فإن الرطوبة و النداوة شيئان واقعا فإن الرطوبة هي النداوة مع قيد الناعمية كما في اللغة فالمرتبة التي يصدق عليها الرطوبة لا يصدق عليها النداوة و في المرتبة التي يصدق النداوة لا يصدق الرطوبة و ان كانتا في صورة الاجتماع شيئا واحدا و لا يكون النسبة بينهما العموم و الخصوص الاصطلاحي بل الفلسفي فإن الأشياء تصير متباينات بالفصول و كذلك نقول في مثل النوم و الخفقة ففي صورة الشك في النداوة تكون الشبهة حكمية فتجري بالنسبة إليها القاعدة.

375

فرق في ذلك بين الماء و غيره من المائعات و ان كان الملاقي جامدا اختصت النجاسة بموضع الملاقاة سواء كان يابسا كالثوب اليابس إذا لاقت النجاسة جزء منه أو رطبا كالثوب في المرطوب أو الأرض المرطوبة فإنه إذا وصلت النجاسة إلى جزء من الأرض أو الثوب لا يتنجس ما يتصل به و ان كان فيه رطوبة مسرية بل النجاسة مختصة بموضع الملاقاة و من هذا القبيل الدهن و الدبس الجامدين نعم لو انفصل ذلك الجزء المجاور ثم اتصل تنجس موضع الملاقاة منه فالاتصال قبل الملاقاة لا يؤثر في النجاسة و السراية بخلاف الاتصال بعد الملاقاة و على ما ذكر فالبطيخ و الخيار و نحوهما مما فيه رطوبة مسرية إذا لاقت النجاسة جزء منها لا يتنجس البقية بل يكفى غسل موضع الملاقاة إلا إذا انفصل بعد الملاقاة ثم اتصل.

أقول قد تقدم البحث عن ذلك في مبحث المياه منا عند بيان الماء القليل و الكر و لكن نكرر هنا فذلكة منه تبعا للمصنف (قده) فنقول المائع على ثلاثة أقسام الأول ان يكون ماء قليلا الثاني ان يكون ماء كرا و الثالث ان يكون غير ماء سواء كان كرا أم لا فإنه اما ماء أو غير الماء و هو اما كرا و غيره اما القسم الأول و هو ان يكون ماء قليلا فقد تسالم الكلام بين الفقهاء بأنه ينجس بملاقاة ذرة من النجاسة على طرف منه و سنذكر شرحها و منه يظهر حكم سائر الأقسام و الكلام فيها و لكن هذا في جميع الموارد مشكل لانه ما وصل من الشرع إلينا كبرى الملاقاة بأنه إذا لاقى شي‌ء شيئا يكون نجسا بل ما استفيد يكون من الموارد الخاصة مثل البول و الدم و الكلب و أمثاله على انه يلزم ان تكون الملاقاة صادقة ففي صورة عدمها لا يمكن الحكم بالنجاسة على فرض التعبد بهذه الكبرى أيضا فانا إذا فرضنا ماء أقل من كر و لكن كان مستطيلا بحيث يكون طرفه الأخر مثلا ثلاثين ذراع فان لاقى طرفه الأول يشكل الحكم بنجاسة طرفه الأخر و هكذا إذا كان مائعا آخر غير الماء حتى إذا كان مثل بحر من النفط.

و الاشكال ينشأ من ان المناط ان كان في النجاسة على السراية فلا يمكن‌

376

تسليمها هنا جدا و لأن أول الماء لا ربط له بآخره و آخر البحر من النفط لا ربط له بأوله و لا يتفوه احد بالسراية نعم إذا كان مجتمعا في ظرف في الماء القليل و المائعات يمكن تسليمها لوحدة الماء و صدق السراية بنظر العرف، و ان كان المناط على الملاقاة فكيف يمكن القول بها فيما فرضناه فان ملاقاة هذا الطرف لا ربط له بملاقاة الطرف الأخر و عند ملاحظة هذا الإشكال تصدى كل احد لدفعه بوجوه من الأدلة:

منها ان الملاقي للنجس إذا لم يكن عاصما يصير أول جزء لاقى النجس نجسا بالملاقاة ضرورة و الجزء الثاني يلاقي هذا الجزء و هكذا الى آخره. و فيه ان هذا مع بعده لا يكون تاما من أصله لأن الملاقي إذا لاقى سطحه الظاهر المتصل فكيف ينجس سطح الجزء مع عدم الاتصال فان السطح الملاقي من كل جزء من اجزاء الجسم مغاير لجزئه الأخر.

و منها ان الملاقاة مقتضية للنجاسة في الماء و سائر المائعات و الكرية مانعة في الماء فقط فحيث أحرزنا الملاقاة و لا يكون المانع موجودا يؤثر المقتضي أثره ضرورة ان الدليل في الكر دل بمفهومه الشرطي على انه إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شي‌ء و بمفهومه الوضعي على ان غير الماء و لو كان كرا لا يكون له هذا المانع لان هذا الحكم يكون على الماء و هو موضوعه.

و فيه أولا ان الملاقاة من اين ثبت اقتضائه لذلك مطلقا مع انه فيه ما فيه كما ذكرناه و ثانيا ان مفهوم الشرط و لو كان حجة و لكن مفهوم اللقب لا يكون حجة ضرورة ان إثبات شي‌ء لا ينفى ما عداه فإذا قيل الماء حكمه كذلك لا ينفى ان غير الماء من المائعات لا يكون كذلك نعم لو قيل في غيره من حيث عدم الدليل بعدم هذا الحكم فله وجه و كيفما كان لا يمكننا إثبات نجاسة غير الكر من الماء و سائر المائعات بصرف القول بان الماء أو غيره واحد و يسرى النجاسة من بعض أجزائه إلى الأخر.

هذا حكمه في المائعات اما الجوامد فان لم يكن له رطوبة مسرية فإذا لاقى‌

377

احد طرفيه شي‌ء لا ينجس طرفه الأخر و اما ان كان له رطوبة و لا يكون بحيث يجرى من الأعلى إلى الأسفل كاليد التي يكون أعلاها نجسا و كانت افقية فهو أيضا يحكم بطهارته و ما قيل بطهارة ما يسرى من الأعلى إلى الأسفل ضعيف ثم يقولون بان الاتصال إذا تبدل بالانفصال ثم حصل ثانيا في ماله رطوبة مسرية يصير سببا لنجاسة ما يلاقيه و هذا مشكل لأنه ان كان المناط في النجاسة السراية فهي قبل الانفصال و بعده حاصلة و ان كان المناط الملاقاة فهكذا فكيف (1) يفرقون بينهما حتى لا يقال بنجاسة ما يكون تلو الموضع النجس من الأرض إذا كان متصلا و يحكمون بها بعد الانفصال ثم الاتصال.

[مسألة 1- إذا شك في رطوبة أحد المتلاقيين أو علم وجودها و شك في سرايتها]

مسألة 1- إذا شك في رطوبة أحد المتلاقيين أو علم وجودها و شك في سرايتها لم يحكم بالنجاسة و اما إذا علم سبق وجود المسرية و شك في بقائها فالأحوط (2) الاجتناب و ان كان الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه

أقول لا إشكال في صورة الشك في الرطوبة و الشك في السراية لجريان قاعدة الطهارة و استصحاب العدم انما الكلام في الصورة الثانية و هي الشك في البقاء فحكم المصنف (قده) بان الاحتياط هو الاجتناب و وجّه الحكم بعدم النجاسة أيضا فإن سند الحكم بالأول منه (قده) يمكن ان يكون من باب استصحاب بقاء المسرية و ان كان شأنه أجل‌

____________

(1) أقول ان نكتة فرقهم هي ان الرطوبة و ان كانت حتى في حال الاتصال و لكن كل ما كان له شأنية السراية لا يسري فان في المقام لا يكون إياب و ذهاب للاجزاء المائية على هذا الجسم حتى يقال بأنه سرى فعلا و لكن في صورة القطع و الاتصال ثانيا يوجد نحو سراية بواسطة اصطكاك الجسمين و فرض اتصاله بحيث لا يحصل ذلك من البعيد في غاية البعد ففرق المصنف (قده) له وجه في المتانة و الذوق العرفي يلائمه.

(2) لا يترك.

378

من هذا الكلام لانه مثبت (1) ضرورة ان السراية تكون من اللوازم العقلية لبقائها فلا يجرى الاستصحاب و ان كان الموضوع فقط ملاقاة المسرية سواء سرى أو لم يسر فباستصحابها يثبت النجاسة و يكون و جهالة لأن الملاقاة حاصلة بالوجدان و الرطوبة بالأصل و لكن التحقيق هو كونها موجبة للسراية فلا وجه للقول بالطهارة أو يكون الوجه له تصور استصحاب تعليقي في المقام و هو ان هذه الرطوبة في حين وجودها لو لاقت شيئا لأثرت فيه فالآن نشك في هذا الحكم التعليقي بأنه هل كان الآن كما كان أم لا فيستصحب مثل ما يقال العصير العنبي لو غلى يحرم و ينجس فإذا تغير بعض حالاته مثل صيرورة العنب زبيبا نشك في بقاء الحكم فيستصحب فلو كان هذا تاما يمكن جعله وجها لكلامه (قده) و من كان جريان التعليقي عنده محل الإشكال فلا يكون هذا أيضا وجها عنده.

[مسألة 2- الذباب الواقع على النجس الرطب]

مسألة 2- الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص و ان كان فيهما رطوبة مسرية لا يحكم بنجاسته إذا لم يعلم مصاحبته لعين النجس و مجرد وقوعه لا يستلزم نجاسة رجله لاحتمال كونها مما لا تقبلها و على فرضه فزوال العين يكفي في طهارة الحيوانات.

أقول ان الذباب و النجس اما ان يكون كلاهما رطبين أو أحدهما فقط و نحن نفرض صورة كونهما رطبين التي تكون هي قدر المتيقن منها فيظهر منها حكم سائر الصور فقال السيد (قده) بعدم لزوم الاجتناب كما تراه في المتن لأن أصالة الطهارة في الرجل على فرض الشك في حمل العين حاكمة و على فرض وجود العين فإنه لما يكفي في طهارة الحيوانات زوال العين للطهارة فعلى الفرض نشك في بقاء العين في رجله فيستصحب الطهارة في الملاقي بالفتح.

____________

(1) أقول و حيث ان الأصل المثبت تارة يكون جاريا عندهم لخفاء الواسطة و تارة مع جلائها في المتلازمين مثل الأبوة و البنوة فلا يترك الاحتياط في المقام لإمكان ادعاء خفاء الواسطة.

379

و قد أشكل عليه بان في نجاسة الحيوانات مسلكين: الأول ان يصير العضو نجسا بالملاقاة و الثاني ان لا يكون كذلك بل وجود عين النجاسة في بدن الحيوان يوجب النجاسة فعلى المصنف ان يفصل و يقول بالنجاسة على فرض القول بنجاسة الحيوانات لان الرجل سواء كان فيه شي‌ء من النجاسة أو كان نجسا لاقى شيئا رطبا فأثرت النجاسة فيه و اما على فرض عدم نجاستهم من أصل و تطهيرها و بالزوال فلا مجرى لجريان الأصل لما ذكره (قده) من الاحتمال.

و قد يستدل للحكم بالطهارة مطلقا بما ورد في رواية عمار (باب 8 من أبواب النجاسات ح 2) بعد السؤال عن ماء شرب منه بازا و صقر أو عقاب فقال (عليه السلام) كل شي‌ء من الطير يتوضأ مما يشرب منه الا ان ترى في منقاره دما فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه و لا تشرب.

و تقريب الاستدلال بها ان هذه الرواية دلت على ان بدن الحيوان لا ينجس بملاقاة النجس بل ما هو المناط رؤية الدم في منقار الطير و بتنقيح المناط في سائر الحيوانات فحيث كان كذلك لا وجه للحكم بالنجاسة في صورة الشك لان الاستصحاب لا يثبت ان عين النجاسة موجودة في بدنه فالحكم بالطهارة مطلقا في محله.

و قد أجيب بأن هذه دلت على ان المناط على الرؤية لا من حيث نفسها بل من حيث كاشفيتها عن الواقع و لا غرو في ان يصير بالاستصحاب محرزا أو محكوما بحكم العلم.

و الجواب عنه ان بدن الحيوان في صورة عدم وجود عين النجاسة فيه لا يكون نجسا بل ما هو المناط وجود العين فيه فح لا يمكن إحراز كونه مع العين بالاستصحاب لان من اللوازم العقلية للاستصحاب ملاقاة الماء مع العين و هو غير جار في المقام فان كان المسلك مسلك من يقول بعدم نجاسة بدن الحيوان أصلا فهذا واضح لان المدار كله على العين و ان كان المسلك مسلك من يقول‌

380

بنجاستها و لكن في صورة بقاء العين معه فأيضا يستلزم منجسيته بقاء العين و هو لا يثبت بالاستصحاب فكلام المصنف (قده) مطلقا صحيح لا يحتاج الى التفصيل.

ثم يمكن ان يوجه لرده (قده) مطلقا توجيها آخر و هو ان يقال ان ما هو المنجس هو بدن الحيوان بشرط كونه مع العين فإذا كانت الملاقاة بالوجدان و شك في بقاء الشرط و عدمه فيستصحب و لا اشكال فيه فعلى فرض عدم اشتراط وجود العين فالاستصحاب جار لا يكون مثبتا و في صورة اشتراط بقاء العين فأيضا جار و لا يكون مثبتا فهو في كلتا الصورتين تام فلا وجه للحكم بالطهارة مطلقا (1).

فان قلت في صورة اشتراط وجود العين للمنجسية يلزم التفكيك بين اللوازم العقلية ضرورة أن بدن الحيوان ان لاقى طرفه الذي لا يكون فيه العين لا ينجس و ان لاقى طرفه الذي يكون فيه العين فلا محالة تحصل الملاقاة أولا معها و تؤثر في النجاسة و لا ثمرة بعده في نجاسة البدن لان المعلول قد حصل بعلته الاولى و لا نحتاج إلى الثانية فما هو المؤثر ملاقاة العين لا نفس الملاقاة و إثبات ذلك بالاستصحاب يكون مثبتا كما مر.

قلت التفكيك بين الآثار يكون في التكوين و هو لا يضر بعالم التشريع فان كثيرا من الموارد يحكم بحكم دون لوازمه مثل أصالة الصحة في عمل الغير مع الشك في البلوغ فإنه مع عدم إثبات البلوغ و ان كان العمل غير صحيح و لكن مع ذلك يجري الأصل و لكن مع ذلك كله لا يمكننا الفتوى على خلاف المشهور القائل بالتفصيل فعلى فرض نجاسة المحل لا إشكال في الاستصحاب و اما على فرض عدمها فان بقاء العين لما يكون استصحابه مثبتا لا يكون عليه الأثر.

[مسألة 3- إذا وقع بعر الفار في الدهن أو الدبس الجامدين]

مسألة 3- إذا وقع بعر الفار في الدهن أو الدبس الجامدين يكفى

____________

(1) أقول بقي صورة عدم القول بنجاسة البدن أصلا فعلى هذا لا يمكن استصحاب نجاسته لانه لا ينجس و استصحاب بقاء العين يكون فيه إشكال الإثبات فعلى هذا لا يمكن ردّ المصنف مطلقا بل التفصيل اولى.

381

إلقائه و إلقاء ما حوله فلا يجب الاجتناب عن البقية و كذا إذا مشى الكلب على الطين فإنه لا يحكم بنجاسة غير موضع رجله إلا إذا كان وحلا و المناط في الجمود و الميعان انه لو أخذ منه شي‌ء فإن بقي مكانه خاليا حين الأخذ و ان امتلاء بعد ذلك فهو جامد و ان لم يبق خاليا أصلا فهو مائع.

أقول المناط في المائع و الجامد تارة يؤخذ عن الروايات التي وردت في المقام و على فرض قصورها عن الدلالة على تعيين الموضوع فلا محالة يجب الرجوع الى العرف لتعيينه مع ضميمة ان المناط في النجاسات و سرايتها نظره فإنه يرى فرقا بين الجامدات و المائعات لأن الأول لا يسرى نجاسته الى غير محل الملاقاة أما الروايات فهي على ثلاثة طوائف: الأولى ما يفرق فيها بين الجامد و المائع الثانية ما يفرق فيها بين الزيت و السمن و الثالثة ما يفرق فيها بين الشتاء و الصيف أما الأولى فمنها ما في الوسائل (باب 42 من أبواب الأطعمة المحرمة ح 2) عن على بن إبراهيم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك.

و تقريب الاستدلال بها هو ان المدار يكون على الجمود و الميعان فان في المائع السراية دون الجامد.

و اما الطائفة الثانية فمنها ما عن معاوية بن وهب (في الوسائل في الباب المذكور ح 1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل فقال اما السمن و العسل فيؤخذ الجرز و ما حوله و الزيت يستصبح به.

و اما الطائفة الثالثة فمنها ما عن ابن ابى عمير عن حماد عن الحلبي (ح 3 في الباب المذكور) قال سألت أبا عبد اللّه عن الفاره و الدابة تقع في الطعام و الشرب فتموت فيه فقال ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنه ربما يكون بعض هذا فان كان الشتاء فانزع ما حوله كله و ان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به و ان كان بردا فاطرح الذي‌

382

كان عليه و لا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه.

و تقريب الاستدلال بما ورد في الفرق بين الزيت و العسل و السمن هو ان يقال لما يكون الزيت على حال الميعان غالبا و العسل على حال الجمود غالبا و كذلك السمن في البرودة فرق بينهما و بما ورد في الفرق بين الشتاء و الصيف ان يقال لا خصوصية لهذا العنوان فان بعض الأمكنة شتائه مثل صيف بعض آخر و بالعكس فلا محالة يكون المدار على الجمود و الميعان و هما طريقان إليهما كما ترى ان السمن في حال البرد يكون جامدا و في الحر ذائبا فمن جميع هذه الروايات يستفاد هذا المعنى و لا خصوصية للزيت و السمن و العسل و الشتاء و الصيف.

فان قال أحد بأن هذا يكون في خصوص الموارد الخاصة من السمن و الزيت و لا يتعدى الى سائر الموارد و كذا قال الشتاء و الصيف لهما موضوعية فحيث يحصل التعارض بين هذه و ما فرض العنوان فيه الجمود و الميعان ضرورة أن الشتاء في بعض الأماكن يكون مثل الصيف في أخرى فيشمل صورة الميعان أيضا، فلا بد ان يرجع الى العرف بأنه يرى السراية دخيلة في النجاسة، فتحصل ان هذه الروايات أيضا يستفاد منها اعتبار السراية كما هو في العرف و لا يكون خصوصية لهذه الموارد الخاصة و تشخيص الجمود و الميعان بنظر العرف و لا وجه لما ذكره في المتن من المناط.

ثم في صورة الشك في الجمود و الميعان فأيضا يحكم بالطهارة لقاعدة الطهارة بعد قصور الدليل عن شموله، لا يقال ان المخصص هنا منفصل و هو لا يسري إجماله إلى العام الاصطيادى عن الموارد بان كل شي‌ء لاقى نجسا فهو نجس فعلى هذا لما يكون العام في مقام التحديد و معناه ان موضع الملاقاة نجس لا غيره فيكون هو الحاكم بطهارة غير موضع الملاقاة و لا نحتاج الى قاعدتها.

لأنا نقول ان المخصص و ان كان لا يسري إجماله إلى العام إذا كان منفصلا و لكن‌

383

المقام لا يكون من باب المخصص بل يكون شارحا لموضوع العام بالتفصيل بين الجمود و الميعان الذي يفهم منه شرح أصل الملاقاة و حينئذ يسري إجماله إليه فلا بد من التمسك بقاعدة الطهارة.

[مسألة 4- إذا لاقت النجاسة جزء من البدن المتعرق لا يسرى الى سائر إجزائه]

مسألة 4- إذا لاقت النجاسة جزء من البدن المتعرق لا يسرى الى سائر إجزائه إلا مع جريان العرق.

[مسألة 5- إذا وضع إبريق مملو ماء على الأرض النجسة]

مسألة 5- إذا وضع إبريق مملو ماء على الأرض النجسة و كان في أسفله ثقب يخرج منه الماء فان كان لا يقف تحته بل ينفذ في الأرض أو يجري عليها فلا يتنجس ما في الإبريق من الماء و ان وقف الماء بحيث يصدق اتحاده مع ما في الإبريق بسبب الثقب تنجس و هكذا الكأس و الكوز و نحوها.

[مسألة 6- إذا خرج من انفه نخاعة غليظة و كان عليها نقطة من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله]

مسألة 6- إذا خرج من انفه نخاعة غليظة و كان عليها نقطة من الدم لم يحكم بنجاسة ما عدا محله من سائر اجزائها فإذا شك في ملاقاة تلك النقطة لظاهر الأنف لا يجب غسله و كذا الحال في البلغم الخارج من الحلق.

أقول ان هذه الفروع لا نتعرض لشرحها لظهور سندها مما سبق في شرح أمثالها.

[مسألة 7- الثوب أو الفرش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضه]

مسألة 7- الثوب أو الفرش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضه و لا يجب غسله و لا يضر احتمال بقاء شي‌ء منه بعد العلم بزوال القدر المتيقن.

أقول لا خصوصية للنفض في المقام الا من جهة التخلص من الابتلاء بالنجاسة بواسطة الرطوبة و الّا فعلى ما حقق في محله من ان المحمول المتنجس أو النجس لا يضر بالصلاة في غير ما تتم فيه الصلاة أو فيما تتم أيضا على قول بعض فان الثوب إذا صار حاملا للنجاسة لا يصير نجسا بل الذرات الترابية نجسة و لا ربط لها بالثوب أو البدن.

و ما دل على النقض هو رواية على بن جعفر (باب 26 من أبواب النجاسات ح 12) قوله و سألته عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتلقى عليه‌

384

من العذرة فيصيب ثوبه و رأسه يصلى فيه قبل ان يغسله قال نعم ينفضه و يصلى فلا بأس (1).

و النسبة بين دليل عدم المانعية في الصلاة و هذه الرواية اما ان تكون بنحو التخصيص بان نقول المحمول و لو لم يكن مانعا في سائر الموارد و لكن في المقام مانع لخصيصة في المورد و هي ان هذا كأنه يحسب من نجاسة اللباس أو البدن أو بنحو التخصيص بان نقول يرى العرف الثوب و البدن نجسا فوجوب نفضه يكون من جهة أنه نجاسة اللباس و البدن و أدلة عدم المانعية يكون في المحمول لا في ذلك أو يكون الأمر بالنفض إرشادا إلى النظافة و لكنه بعيد فيبقى القول بأحد الاحتمالين الأولين ثم إذا شك بعد النفض في بقاء الذرات و عدمه فلا يخلو اما ان لا يكون مقدارها معلوما بحيث لا نعلم بأنها هل كان الأقل الزائل يقينا أو كان أكثر الغير الزائل فحيث يدور الأمر بين الأقل و الأكثر و يكون الشك في الأكثر أعني الزيادة نحكم بعدم شي‌ء في الثوب أو البدن حتى يترتب عليها آثارها.

____________

(1) أقول هذه الرواية صريحة في عدم وجوب الغسل و كفاية النفض و هذه اما تكون مخصصة لأدلة الغسل بان نقول ان الثوب و البدن و ان كان يصير نجسا و يحسب هذه النجاسة نجاسته و لكن لا يحتاج الى الغسل في هذا المورد الخاص أو يكون خروجه بنحو التخصص بان نقول لا يصير نجسا من الأصل و الأمر بالنفض اما يكون مولويا بمعنى انه يجب لرفع المانعية في الصلاة لأن المحمول المتنجس يكون مانعا على هذا الفرض أو لخصيصة في المورد بان يقال عدم مانعية المحمول لا يكون في صورة وجود عين العذرة في الثوب أو البدن بحيث يحسب من نجاسته و لا يكون مثل النجاسة في المنديل المحمول مع المصلى أو يكون إرشاديا لحصول التنظيف و عدم الابتلاء بالنجاسة فيما سيجي‌ء عند الملاقاة مع الرطوبة أو العرق في البدن و التعبد المحض خلاف الظاهر و المرتكز. فتحصل انه على فرض عدم حصول النجاسة و المانعية للصلاة يجب حمل هذه الرواية على الإرشاد.

385

و اما ان يكون المقدار معلوما مثل ان نعلم ان ما كان في الثوب كان بمقدار مثقالين فنشك في زواله بتمامه فهنا قال جلّ الفقهاء باستصحاب بقاء الذرات و لكن هذا الاستصحاب لا يخلو عن نظر و لبيان المقام نقول ان في المقام يتصور استصحابان أحدهما استصحاب الذرات ليرتب عليه أثر النجاسة عند الملاقاة مع الرطوبة كوقوع الثوب مثلا في الماء فهذا مثبت لان استصحاب بقاء الذرات لا يثبت ملاقاة الماء مع العين لأنها من لوازمه العقلية فإن الذي يكون بالوجدان هو ملاقاة الثوب مع الماء و هو ليس بنجس و ملاقاة العين المؤثرة في التنجيس لا تكون ثابتة إلا بالاستصحاب و هو لا يجري لإشكال المثبتية.

و ثانيها استصحابها لترتب أثر المانعية في الصلاة و هذا لا يثبت أيضا حاملية المصلى لعين النجس لان هذا أيضا من لوازمه العقلية نعم يمكن ان يقال ان هذا الشخص كان حاملا للنجاسة قبل فيستصحب وصف حامليته للنجاسة فلا يجوز الصلاة إلا مع اليقين بالزوال.

و اما استصحابه التعليقي بأن يقال ان هذا الشخص في السابق لو أراد الصلاة ما كان جائزا لكونه حاملا للنجس فكذلك الان فمنوط بصحة جريانه على حسب اختلاف المبنى فعليه لا اشكال فيه.

هذا كله على فرض كون الغبار نجسا مع عدم صيرورته طاهرا بواسطة الاستحالة اما لو صار التراب النجس غبارا فعلى المبنى المختار في البخار و أمثاله بان البخار يكون ماء خفيفا و لا يستحيل فإذا كان الماء نجسا فبخاره كذلك و إذا رجع ماء ثانيا فأيضا كذلك ففي المقام أيضا نقول الغبار نجس و بعد الرجوع و صيرورته ترابا أيضا نجس و لا دخالة للعنوان و اما (1) على مسلك غيرنا‌

____________

(1) لو قلنا بعدم نجاسة البخار من باب تعدد العنوان كما مر منا في مقامه كان لعدم الدليل على نجاسة هذا العنوان بخصوصه و اما في المقام فقد دل دليل على نجاسة الغبار و هو رواية النفض فانا لو اخترنا وجوبه لرفع المانعية يستكشف منه النجاسة و لو لم يكن المحمول المتنجس أو النجس مضرا فإذا كان الأمر للإرشاد الى عدم الابتلاء بالنجاسة عند الملاقاة مع ما هو رطب مثل الماء أيضا يستفاد النجاسة و احتمال كونه للتنظيف فقط بنظر الأستاذ بعيد فلا يرد اشكاله (مد ظله) في المقام على القائل بذلك.

386

القائل بالاستحالة في البخار لأن الأحكام تابعة للعناوين و عنوانه غير عنوان الماء و لازمه الطهارة إذا رجع البخار ماء و لو كان عن بول ففي المقام يوجد اشكال مهم و هو ان الغبار عنوان غير التراب فيلزم ان يقول بالطهارة و هكذا إذا رجع و صار ترابا ثانيا مع ان الظاهر من الرواية لا يكون ذلك على فرض استفادة المانعية في الصلاة.

[مسألة 8- لا يكفى مجرد الميعان في التنجيس]

مسألة 8- لا يكفى مجرد الميعان في التنجيس بل يعتبر ان يكون مما يقبل التأثر و بعبارة أخرى يعتبر وجود الرطوبة في أحد المتلاقيين فالزيبق إذا وقع في ظرف نجس لا رطوبة له لا ينجس و إن كان مائعا و كذا إذا اذيب الذهب أو غيره من الفلزات في بوتقة نجسة أو صب بعد الذوب في ظرف نجس لا رطوبة له لا ينجس الا مع رطوبة الظرف أو وصول رطوبة نجسة إليه من الخارج.

أقول هذه المسألة لا تحتاج الى الشرح لوضوح دليلها مما سبق.

[مسألة 9- المتنجس لا يتنجس ثانيا]

مسألة 9- المتنجس لا يتنجس ثانيا و لو بنجاسة أخرى لكن إذا اختلف حكمهما يترتب كلاهما فلو كان لملاقى البول حكم و لملاقى العذرة حكم آخر يجب ترتيبهما معا و لذا لو لاقى الثوب دم ثم لاقاه البول يجب غسله مرتين و ان لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم و قلنا بكفاية المرة في الدم و كذا إذا كان في إناء ماء نجس ثم ولغ فيه الكلب يجب تعفيره و ان لم يتنجس بالولوغ و يحتمل ان يكون للنجاسة مراتب في الشدة و الضعف و عليه فيكون كل منهما مؤثرا و لا إشكال.

أقول هذا الكلام منه بظاهره مشكل يحتاج الى بسط بيان ليتضح الاشكال‌

387

فنقول قد حقق في محله ان الأصل عدم تداخل الأسباب و المسببات و الأحكام فعلى هذا إذا تعدد السبب يتعدد المسبب و يتعدد الحكم أيضا فيما يقبل التعدد و اما ما لا يقبل التعدد مثل قصر الصلاة بقوله إذا خفي الجدران فقصر و إذا خفي الأذان فقصر فلا، ففي مقامنا هذا فاما ان يقال ان النجاسات واقعيات كشف عنها الشرع أو يقال لا يكون الا تعبدات بالأمر بالاجتناب فعلى كلا التقديرين تعدد السبب يوجب تعدد المسبب و تعدد الحكم فعلى الأول إذا صار الشي‌ء نجسا بالبول أولا و ثانيا يشتد النجاسة فيه و هكذا و كذلك في صورة اختلاف حكم النجس مثل الدم و البول و الولوغ فلا إشكال أصلا في الاشتداد و تعدد الحكم و على الثاني أيضا لا إشكال في تعدد التعبد عند وجود سبب فكلما وجد سبب يوجد مسبب و حكم بتبعه و لا فرق في ذلك في الوضعيات و التكليفات فما عن بعض من الفرق لا وجه له فكيف يقول المصنف (قده) بعدم التنجس ثانيا مع كون المقام مما يقبل الاشتداد و التعدد.

ثم انه ربما تمسك لرفع المحذور بالإجماع على عدم وجوب الغسل و ان كان مقتضى القاعدة التعدد و لكن لا يتم لانه مع احتمال كون سنده ما ذكرناه من العقل و الاختلاف في ان المتنجس هل يتنجس أم لا لا يبقى لنا وثوق به و ان قبله جل من الأصحاب.

و لكن التحقيق عندنا لرفع المحذور شيئان فيما كان النجس من جنس واحد مثل الدم مع الدم و البول مع البول أو الدم و العذرة مما يتحد حكمهما، أولهما إطلاق أدلة الغسل فإنه إذا قيل مثلا اغسل ثوبك من الدم أو من أبوال ما لا يؤكل لحمه فهو مطلق من حيث القلة و الكثرة و من حيث كونه دفعة واحدة أو دفعات فلا فرق في ان يكون من الأول كثيرا أو يصير كثيرا في الدفعات الأخرى و مع ضميمة ارتكاز العرف بعدم الفرق يتم المطلوب.

و اما في ما لا يكون من جنس واحد مثل الدم و البول و الولوغ الذي يختلف‌

388

من حيث الحكم فلا يمكن أخذ الإطلاق من دليل كل واحد منهما ضرورة انه لا يكون المطلق ناظرا الى ما هو خارج عن موضوعه فلا يمكن ان يقال يجب غسل الدم مرة واحدة سواء كان معه بول أو ولوغ أم لا لأنهما لا يكونان مربوطين بالدم ففي هذه الصورة يعارضه إطلاق دليل البول بأنه سواء كان في الموضع دم أم لا فحينئذ نقول فيما يختلف آثارهما نأخذ به فان البول يوافق الدم في غسل المرة و يخالفه في غسل مرة ثانية فما صار ملوثا بهما نحكم بوجوب غسله مرتين و نرتب عليه هذا الأثر المتمايز و اما المرة التي كانت موافقة للدم فيكفيها الغسل الأول بجريان أصالة البراءة عن الزائد للشك فيه فعلى هذا لا نحكم بأنه يجب غسله ثلاث مرات مرتين للبول و مرة واحدة للدم مع ضميمة الارتكاز العرفي أيضا.

فإذا عرفت ذلك ففي كلام المصنف (قده) مواضع من النظر: الأول حكمه بعدم التداخل فإنه ظهر لك مما مر من الأصول الثلاثة في عدم التداخل فساده الثاني حكمه في صورة ملاقاة البول و الدم بوجوب الغسل مرتين فإنه لو لم يتنجس المتنجس فكيف يجب الغسل مرتين فان الموضع إذا صار نجسا بالدم لا يؤثر البول على فرضه شيئا و كذا حكمه في الولوغ و الثالث ما ذكر في ذيله من قبول اشتداد النجاسات ثم قال و لا إشكال فإنه على فرض قبول ذلك أيضا يكون الاشكال على التعدد بتعدد السبب في صورة كونهما من جنس واحد باقيا لانه خلاف الإجماع و خلاف إطلاقات الأدلة و الارتكاز كما مر فكيف يحكم بعدم الإشكال في ذلك.

[مسألة 10- إذا تنجس الثوب مثلا بالدم مما يكفى فيه غسل مرة]

مسألة 10- إذا تنجس الثوب مثلا بالدم مما يكفى فيه غسل مرة و شك في ملاقاته للبول أيضا مما يحتاج الى التعدد يكتفى فيه بالمرة و يبنى على عدم ملاقاته للبول و كذا إذا علم نجاسة إناء و شك في انه ولغ فيه الكلب أيضا أم لا، لا يجب التعفير و يبنى على عدم تحقق الولوغ نعم لو علم تنجسه اما بالبول أو الدم أو اما بالولوغ أو بغيره يجب اجراء حكم الأشد من التعدد في البول و التعفير في الولوغ.

389

أقول اما الفرع الأول فحكم المصنف فيه بكفاية غسل المرة يكون لأصالة عدم الملاقاة للبول و لا يعارضه استصحاب نجاسة الثوب قبل الغسل لانه يكون من الفرد المردد الدائر أمره بين الوجود قطعا و عدمه كذلك فلو كان الملاقاة مع الدم فقد زال يقينا و لو كانت مع البول لم يزل يقينا.

فان قلت هذا الاستصحاب ان لم يكن جاريا فيمكن بنحو آخر و هو ان نقول على فرض كون النجاسة على النجاسة موجبا للاشتداد فإذا غسل الثوب مرة واحدة نحتمل ان يكون موجبا لرفع مرتبة من الشدة حاصلة من البول و المرتبة الدموية باقية فتستصحب النجاسة.

لا يقال في جوابه ان الأصل يكون محكوما بالنسبة إلى أصالة عدم الملاقاة لأن الشك في ذلك يكون مسببا عن الشك فيها فإذا جرى الأصل بالنسبة إلى الملاقاة لا يبقى مجال لهذا. لأنا نقول ان الأصل السببي مقدم على المسببي على فرض كون الترتب شرعيا و في المقام لا يكون كذلك بل عدم النجاسة يكون من الآثار التكوينية لعدم الملاقاة.

فالجواب الصحيح ان يقال (1) ان النجاسة لا تكون جامعة بين البول و الدم فحيث كان كذلك فلا محالة لا يكون لنا مستصحب و هو النجاسة بل البول و الدم حقيقتان متباينتان إحداهما مشكوكة و الأخرى متيقنة فيؤخذ حكم الثاني و الأول لا حكم له في ظرف الشك و في مورده قاعدة الطهارة محكمة.

اما الفرع الثاني و هو ان نعلم إجمالا بنجاسة الثوب اما بالدم الذي يحتاج في غسله إلى المرة أو بالبول الذي يحتاج الى مرتين أو البول الذي لا يحتاج الى‌

____________

(1) أقول و فيه ان الأستاذ (مد ظله) قد تصور جامعا في المسألة التي قد مرت في ان الشاهدين إذا شهد أحدهما بأن هذا لقي البول و الأخر يقول بل لاقاه الدم بأنهما قد شهدا على أمر واحد و هو طبيعي النجاسة و الخصوصيات ملقاة و تمسك بالمدلول الالتزامي في قول كل واحد منهما فكيف لا يتصوره هنا و لا يقول به.

390

التعفير و الولوغ الذي يحتاج اليه فحكم المصنف (قده) بلزوم ترتيب حكم أشدهما نجاسة و لا يمكن ان يكون الدليل عليه العلم الإجمالي بالنجاسة لأنه قد حرر في محله انه إذا دار الأمر بين الأقل و الأكثر فمع الإتيان بالأقل يكون الشك بالنسبة إلى الزائد بدويا أو مجرى للبراءة.

و لكن ما تمسكوا به لهذا الحكم هو الاستصحاب بادعاء انه من الكلى القسم الثاني لأنا نعلم قطعا بوجود طبيعي النجاسة اما في ضمن الفرد الضعيف الذي لا يكون باقيا قطعا بعد الغسل أو في الفرد القوي الذي كان له استعداد البقاء حتى بعد الغسل مثل وجود الحيوان في الدار في ضمن الفيل أو البقّ فمع قطع النظر عن الاشكال فيه في بابه فهو جار فمن كان جريان الاستصحاب عنده صحيحا في هذا القسم كما هو المختار فهنا أيضا يمكنه القول بالجريان بهذا التقريب.

و لكن التحقيق عدم جريانه في المقام لنكتة أخرى و هي ان تصوير الجامع غير مقبول فان الطبيعي إذا صار معلوما يمكن استصحابه و لكن في المقام يكون نجاسة (1) البول و الدم و الولوغ متباينات فيكون الشك حينئذ في وجود الفرد فان الفرد الذي هو الذم مثلا متيقن و اما الذي هو البول فمشكوك فنجري البراءة بالنسبة إليه.

[مسألة 11- الأقوى ان المتنجس منجس كالنجس]

مسألة 11- الأقوى ان المتنجس منجس كالنجس

أقول قد اختلف الكلام بين الفقهاء في منجسية المتنجس مطلقا أو في صورة كون الواسطة كثيرة مثل الألف، و لكن الاختلاف مما لا اعتبار به فنقول انا تفحصنا‌

____________

(1) عدم تصويره (مد ظله) الجامع هنا خلاف ما قبله في الشهادة على ذلك كما مر آنفا و لو التزم بالتباين فلا محالة يخرج عن كونه من باب الأقل و الأكثر و مقتضى العلم الإجمالي الاحتياط فكيف كان يجب القول بالاجتناب سواء تصور الجامع أم لا و لكن الجامع متصور و استصحاب الكلي بالنسبة إلى الأثر على الكلى جار و هو وجوب الغسل و التطهير.

391

من صدر الإسلام إلى زماننا هذا و لم نجد مخالفا لذلك الا عن بعض قليل من المتقدمين و المتأخرين و ما بلغ عدتهم الا خمسة في مقابل كل الفقهاء العظام الذين كانوا أساطين الفقه و عند التحقيق يرجع مخالفة بعض هذا البعض الى شي‌ء لا يكون مخالفا لأصل الدعوى و هو منجسية المتنجس فمن القدماء الحلي في السرائر و بعده السيد الجزائري و بعده المحدث الكاشاني (الفيض) و بعده نسب الى المحقق الخراساني و أنكر النسبة شيخنا العراقي (قده) و بعده في عصرنا الخالصى و غير هؤلاء لم نجد أحدا يخالفنا في أصل المسألة.

أما الحلي فلا يكون مخالفا لنا في أصل المسألة لانه لا يرى منجسية عين النجس أيضا إلا إذا سرى عنه شي‌ء الى المتنجس و المتنجس لا يحكم بنجاسته الا من حيث وجود العين فيه فهو لو كان هذا مسلما عنده لقال به في مقامنا أيضا و بعضهم موافق في ان المائعات نجاساتها يسرى الى الغير و اما غيرها فلا، من الجامدات التي لا تسرى النجاسة في جميع اجزائها.

و الحاصل ان الأقوال هنا أربعة القول بالمنجسية في الأعيان النجسة مثل الكلب و البول و القول بها في المائعات دون الجامدات و القول بالسراية مطلقا سواء كان من المائعات أو الجامدات من العين أو من المتنجس و القول المتوهم و هو عدم النجاسة مطلقا.

و كيف كان فالمشهور على النجاسة و قد استدل لهم بوجوه من الأدلة تبلغ ثلاثة: الأول الإجماع البتيّ عن الفقهاء على ذلك. و قد أشكل عليه بان الإجماع لو كان لطفيا فهو غير حجة و لا يمكننا إثبات ذلك و لو كان حدسيا و من كلمات الفقهاء و اتفاقهم يكشف رأى المعصوم (عليه السلام) فهو أيضا بمحل من المنع لأن مخالفة من ذكرنا من المخالفين يضر بذلك خصوصا مثل الحلي الذي كان من المتقدمين مع انه لم يحرز فتوى احد من العلماء قبل زمان ميرزا الشيرازي (قده).

و ثانيهما السيرة المستمرة من المتشرعة على الاجتناب من ملاقي المتنجس‌

392

من زماننا هذا الى زمن المعصوم (عليه السلام) بحيث لا يكاد يشك في الاتصال لتشابه الا زمان.

و قد أشكل عليه بان هذه السيرة ما كانت عند المتشرعين كافة بل العوام المقلدون إذا أفتى مقلدهم في زمان على حكم من الأحكام شاع بينهم و يعملون به فيصير هذا مثل السيرة و لكنه في الواقع يكون ناشئا عن فتوى الفقيه و لا يمكن إحراز الاتصال فإنه لازم في الحكم على طبقه.

و الجواب اما عن إشكال الإجماع هو ان مخالفة هؤلاء لا تضر بالكشف عن قول عدة كثيرة من الكملين الذين تبلغ عدتهم قريبا من نيف و عشرين فليرجع الى الجواهر لوجدان أسمائهم بأعيانهم و ادعائكم السيرة من زمن الميرزا لا يضر بإجماعهم أيضا.

و اما ما ذكر من الاشكال على السيرة فهو ممنوع لأنا نسأل عن المانع على ما قلت من الفقهاء واحدا بعد واحد أفتوا على ذلك فهل كان هذا مسلما عندهم أم لا، لا بد أن يقول بالأول فحينئذ نقطع باتصال أقوالهم الى الامام (عليه السلام) فإنه لو كان خلاف ذلك يجب ان يفهم ذلك واحد منهم فنقطع بالحكم اما من جهة سيرتهم أو نقطع بصدور الأخبار الواردة في ذلك عن الامام (عليه السلام) و يحصل لنا علم إجمالي بفساد الأخبار المعارضة اما سندا أو دلالة و اما ما قبل زمان الميرزا الشيرازي فلو لم نحرز قولهم بذلك ما أحرز مخالفتهم أيضا بل يكون هذا قولهم كما ذكرنا في الإجماع فإن أنكر المخالف السيرة يكون الإجماع حاكما و ان أنكر الإجماع تكون السيرة حاكمة.

الدليل الثالث على المشهور الروايات و هي على طوائف: الطائفة الأولى ما ورد في منجسية الأعيان النجسة الثانية ما ورد في منجسية المائعات الثالثة ما ورد في نجاسة ملاقي المتنجس مطلقا جامدا أو مائعا أما الطائفة الأولى فمنها ما عن حريز (باب 1 من أبواب الأسئار ح 3) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن الكلب‌

393

يشرب من الإناء قال اغسل الإناء الحديث.

و تقريب الاستدلال ان الغالب في شرب الكلب عن الإناء عدم ملاقاته لنفس الإناء بل يلاقي لسانه الماء فلو كان المتنجس الذي هو الماء غير منجس فلا وجه لغسل الإناء إلا النجاسة.

و الحاصل ان الاحتمالات في الرواية أربعة: الأول ما هو التحقيق من ان الأمر بالغسل يكون لعدم الابتلاء بمنجسيته لأن الإناء لا يكون مسجدا و لا ملبسا بل ما هو اللائق بشأنه الشرب و الأكل منه فلا محالة يكون الأمر بغسله من جهة عدم الابتلاء بنجاسة الغذاء و الماء فيه و هذا يدل على تنجيس المتنجس.

الاحتمال الثاني ما عن الهمداني (قده) من ان الأمر بالاجتناب يمكن ان يكون من قبيل النهي عن الأكل في أواني الذهب و الفضة فهكذا في المقام يكون احد المحرمات نفسا الأكل و الشرب في الإناء النجس و لو لم يكن الغذاء نجسا.

و فيه انه ليس لنا في الشريعة المقدسة حكم كذلك و لا يكون مرتكزا في العرف بل هذا في غاية البعد.

الاحتمال الثالث ان الأمر به لبقاء ذرات عين النجس في الإناء لا لصيرورته متنجسا و فيه ان الأواني لو كان من السفال و يكون النجس مما له رسوب مثل الخمر يمكن ذلك و لكن الأواني الصينية و بعض الأقسام الأخر لا يكون فيه هذا الاحتمال.

الاحتمال الرابع ان يكون الأمر به للتنظيف لا للنجاسة و فيه لو فتح باب هذا الاحتمال في الأوامر التي تكون في الغسل يلزم فقه جديد و عدم نجاسة شي‌ء أصلا لأنا نستفيد النجاسة في كثير من المقامات عن الأمر بالغسل فعلى هذا المتعين هو الاحتمال الأول و مع عدم القول بالفصل نقول بذلك في غير الأواني ضرورة انه لا فرق بين الكوز من الإناء و اللباس في ذلك و في معنى هذه الرواية روايات أخر بهذا المضمون فمن شاء فليرجع في مظانها.

394

و اما الطائفة الثانية و هي التي دلت على منجسية المائعات فمنها ما عن عيص (باب 9 من أبواب ماء المضاف ح 14) و ما عن معلى بن خنيس (باب 32 من أبواب النجاسات ح 3). فروى الشهيد في الذكرى و غيره عن العيص بن القاسم قال سئلت عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال ان كان من بول أو قذر فيغسل ما اصابه.

و عن معلى بن خنيس قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء أمر عليه حافيا قال أ ليس ورائه شي‌ء جاف قلت بلى قال فلا بأس ان الأرض يطهر بعضها بعضا.

و تقريب الاستدلال بالأولى ان الأمر بالغسل إذا أصابه شي‌ء من الوضوء من بول أو قذر يكون لعدم الابتلاء بنجاسته من جهة الصلاة و غيرها فلو لم يكن الماء المتنجس منجسا لا وجه للأمر بالغسل.

و تقريب الاستدلال بالثانية أن المرتكز في ذهن الراوي نجاسة الماء الذي وقع من الكلب على الأرض و ما ذكره (عليه السلام) من ان الأرض يطهر بعضها بعضا و اناطة الحكم بالجفاف يشعر بمنجسية الماء الذي يكون على الأرض من الكلب و الا فلا وجه لإناطة الحكم بالجفاف و عدمه.

و لا اشكال على الروايتين الا من جهة انها قاصرة في المراد لأن غاية ما يمكن ان يستدل بهما هي منجسية المائعات مثل الماء لا غيره من الجامدات.

و قد أشكل على الثانية بإشكال مندفع و هو ان قوله (عليه السلام) الأرض يطهر بعضها بعضا يمكن ان يكون إرشادا إلى إزالة الأجزاء الأرضية التي لصقت برجله لا للطهارة.

و الجواب عنه هو ان قوله الأرض يطهر بعضها بعضا يشعر بأنه نجس و لذا عبر بلفظ يطهر و الا كان اللازم ان يقول الأرض يزيل بعضها بعضا.

و منها رواية عمار بن موسى الساباطي (باب 4 من أبواب ماء المطلق حديث 1)

395

انه سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام). عن رجل يجد في إنائه فارة و قد توضأ من ذلك الإناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه و قد كانت الفأرة متسلخة فقال ان كان رآها في الإناء قبل ان يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ماء رآها في الإناء فعليه ان يغسل ثيابه و يغسل كل ما اصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة و ان كان رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمس من ذلك الماء شيئا و ليس عليه شي‌ء لانه لا يعلم متى سقطت فيه ثم قال لعله ان يكون انما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها.

تقريب الاستدلال بأنه لو لم يكن الماء الذي أصاب الثوب نجسا فلا وجه للأمر بغسل الثوب بعده و غسل كل ما اصابه ذلك الماء.

و قد أشكل من تبع الكاشاني (قده) في عدم النجاسة بان في المقام لما صارت الفأرة متسلخة صار الماء متغيرا بذلك و لا إشكال في ان الماء إذا تغير في أحد أوصافه الثلاثة يصير من الأعيان النجسة و لازم ملاقاتها النجاسة و هذا غير صيرورة الماء نجسا بموت الفارة فيه فقط.

و الجواب عنه ان التسلخ لا يلازم التغير فان هذا مختلف بحسب الأمكنة و الأزمنة فإن المكان البارد ربما لا يصير ذلك سببا للتغيير فيه و الأمكنة الحارة يوجب ذلك التغيير فيها و مثله زمان الشتاء و الصيف ضرورة ان الأشياء في الهواء الحار يكون أسرع تعفنا منها في البارد و إطلاق الغسل يشمل صورة عدم التغيير أيضا على ان ما ادعاه يتم على فرض كون التسلخ و الانفجار بمعنى واحد و لكن ما يوجب التغيير هو الانفجار لا التفسخ هذا و لكن لا يستفاد من مجموع هذه الروايات إلا نجاسة ملاقي المتنجس بلا واسطة اما مع الواسطة فلا.

أما الطائفة الثالثة و هي ما دلت على نجاسة ملاقي المتنجس مطلقا جامدا أو مائعا:

فمنها ما ورد (في باب 5 من أبواب النجاسات ح 2) عن إبراهيم بن عبد الحميد قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول فينفذ الى الجانب الآخر و عن‌

396

الفرو و ما فيه من الحشو قال اغسل ما أصاب منه و مس الجانب الآخر فان أحببت مس شي‌ء منه فاغسله و الا فانضحه بالماء.

و منها موثقة عمار بن موسى الساباطي (باب 30 من أبواب النجاسات ح 5) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها فقال إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها.

و منها موثقة عمار بن موسى (باب 51 من أبواب النجاسات ح 1) قال سئلته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح ان يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون قال إذا غسل فلا بأس و عن الإبريق و غيره يكون فيه خمر أ يصلح ان يكون فيه ماء قال إذا غسل فلا بأس الحديث.

و منها روايات (في باب 8 من أبواب الماء المطلق فمنها ح 4) عن ابى بصير عنهم (عليهم السلام) قال إذا أدخلت يدك في الإناء قبل ان تغسلها فلا بأس الا ان يكون أصابها قذر بول أو جنابة فإن أدخلت يدك في الماء و فيها شي‌ء من ذلك فأهرق ذلك الماء.

و تقريب الاستدلال بالأولى (1) هو ان الأمر بغسل ما يكون فيه الحشو مثل اللحاف و أمثاله مما يفسده الغسل و يكون في غسله مشقة كثيرة للصلاة لا يكون فيه و لا لكونه مسجدا أو غيره بل لا يكون الا من باب ان اصابة ذلك شي‌ء آخر‌

____________

(1) أقول هذه الرواية كالصريح في الاستدلال على المطلوب و لا نحتاج الى ضم القرائن مثل كون اللحاف كذا و الفرو كذا و عدم كونه ملبسا أو مسجدا لانه لا يعم جميع فقرات الرواية مثل الثوب فإنه يكون ملبسا في الصلاة و لا يكون فيه كثير مشقة بل هذا المعنى يستفاد من ذيل الرواية بقوله (عليه السلام) فإن أحببت مس شي‌ء منه فاغسله فان المس في حال الجفاف لا اثر له ففي صورة كونه رطبا لما يكون موجبا للنجاسة فقال اغسله و هذه طاردة لجميع الاحتمالات و اما على فرض عدم حب الملاقاة فالنفخ بالماء يستصحب و لا يرفع النجاسة.

397

يوجب تنجسه في صورة الرطوبة فهو سواء لاقى جامدا أو مائعا مع الرطوبة مع كونه من الجامدات يوجب النجاسة فلا يختص منجسية المتنجس بالمائعات.

و تقريب الثانية هو ان البارية في صورة الجفاف إذا كان لا بأس بها ففي صورة الرطوبة به بأس و لا وجه لذلك إلا لصيرورة ملاقيه نجسا ضرورة انه لا يكون مسجدا و لا ملبسا حتى يكون الأمر بالغسل فيه لذلك فهي مع كونها جامدة توجب النجاسة.

و اما تقريب الرواية الثالثة فهو ان الدنّ الذي يؤمر بغسله أيضا لا وجه له الا من جهة كون ملاقيه نجسا و يكون مطلقا من جهة كون ذلك مرطوبا أو جافا فلا وجه للإشكال عليه بأنه يمكن ان يكون لبقاء الأجزاء الخمرية خصوصا في مثل الإبريق فإنه لا يبقى فيه شي‌ء.

و اما تقريب رواية أبي بصير فمن جهة ان الماء يجب إهراقه لصيرورته نجسا بواسطة ملاقيه الذي يكون جامدا و هو اليد و الأمر به لا يكون الا من جهة عدم الابتلاء بنجاسته و الا فلا إشكال في حفظ الماء كذلك فلا يكون الأمر بالإهراق تعبدا محضا.

فتحصل من جميع الروايات ان المتنجس يكون منجسا في المائعات و الجامدات و لكن لا يستفاد من ذلك نجاسة ملاقية و لو صارت الواسطة كثيرة بل غاية ما يستفاد منها نجاسة ملاقية مع واسطة واحدة أو اثنتين أو ثلاثة أو الى خمسة مثلا و اما أزيد من ذلك فلا و لذلك نقول نستفيد من الروايات نجاسة الماء الذي يكون الملاقي الأول و الكأس الذي يكون ثانيا و الثوب الذي يكون ثالثا لما أمر بغسل الإناء و ما أصاب منه الى الثوب و اما الرابعة فلا يمكن استفادتها من الروايات و لذا قال بعض يكون الرابعة و الخامسة دليلهما السيرة على الاجتناب اما ما زاد عليهما فلا.

و كيفما كان فربما استدل على عدم لزوم الاجتناب فيما إذا كانت الواسطة كثيرة بأدلة ثلاثة: الأول انه يلزم من القول بلزوم الاجتناب عدم إمكان امتثال أمر‌

398

الاجتناب و لغويته و اللازم باطل فالملزوم مثله بيان الملازمة: إذا لاحظنا الناس و تخالطهم في بعض الأمكنة مثل المقاهى و المشارب و المجامع العمومى مع عدم علم بعضهم بنجاسة بعض النجاسات و عدم مبالاة البعض في باب النجاسات حتى انه ربما كان فيهم كافر نجس نقطع بقطع تفصيلي نجاسة جميع العالم ضرورة أن المعاشرة لازمها ذلك فإذا كان كذلك فلا يمكن امتثال ذلك لأحد من الناس الا الأوحدي منهم الذي كان في مكان متفردا بالتعيش في جميع لوازمه فيه فيلزم اللغوية في الجعل فلا محالة نستكشف من ذلك عدم جعل الشارع هذا الحكم الذي يلزمه هذا المحذور فلا ينجس المتنجس إذا كانت الواسطة كثيرة.

الثاني السيرة العملية من المتشرعة على عدم الاجتناب عن أمثال ذلك مع كونهم مبالين في النجاسات فإنهم لا يرون نجاسة الملاقي مع ما ذكرنا من أحوال الناس في ذلك فتحصل من ذلك عدم منجسية المتنجس مع كون الواسطة كثيرة حتى قال المحقق الهمداني (قده) من قال بخلاف ذلك يكون مقلدا و لا يكون له شأنية الاستنباط و الاجتهاد.

و قد أجيب عن الأشكال بجوابين: الأول انه و ان كان قد حصل العلم من ذلك الا انه قد جعل العلم العيني في باب النجاسات جزء للموضوع أي إذا علمت بأنه نجس فهو نجس دون ما إذا حصل الاطمئنان و هذا معناه انه عند العلم كذلك يحصل فرد من النجاسة فكأنه يكون علة لها فيترتب عليه حكمه.

و الثاني بتضييق مراتب الحكم و هو ان نقول و ان لم يحصل فرد من النجس في هذه الصورة و لكن يكون عليه حكم النجاسة و في غير صورة حصول العلم العيني فلا.

أقول لا يخفى على المتدبر أن هذا الكلام في الجواب يكون على فرض تسليم الأشكال و لا يتم ذلك أيضا لأنه ليس لنا دليل نحكم بان العلم كان جزء الموضوع و لكن نحن نقول أولا ان المستدل كان دليله في الواقع واحدا فإن الثاني‌

399

يكون من المؤيدات للأول لأنه لو تم فمعناه ان الأمر لغو و الشاهد عليه العرف و لكن لو لم يتم الأول أي حصول العلم بالنجاسة فعدم اجتناب الناس يكون على القاعدة و هو من باب عدم العلم بالنجاسة.

و ثانيا بأنه و ان كان قد حصل العلم العادي الذي هو الاطمئنان و لكن لا يكفى هذا في باب الحكم بالنجاسات و الدليل عليه الرواية التي وردت في منقار الطير فإنه جعل المدار على الحكم بالنجاسة الرؤية بالعين بقوله «الّا ان ترى في منقاره دما» فيفهم من ذلك ان الاطمئنان و لو كان في سائر الموارد علما عاديا و حجة و لكن (1) في باب النجاسات ما هو اللازم هو العلم العيني الحسّي.

و ان ادعى المخالف بأنه يحصل لنا علم وجداني فننكره من أصله لأنه كما يحصل لنا الاطمئنان بالنجاسة يحصل لنا من جهة أخرى ظن الطهارة بواسطة ورود المطهرات على بعض هذه اما بالالتفات أو عدم الالتفات فكما نعلم بملاقاة النجاسة نعلم بحصول الطهارة و عليهذا لا يمكن لأحد ان يقسم باللّه بان الشي‌ء الذي ما رأى برؤية العين نجاسته انه يكون نجسا و إنكار هذا مكابرة و لا يخفى ان العلم العيانى على المختار طريق و كاشف فيمكن كشف الخلاف فيه بخلاف ما كان جزء الموضوع‌

____________

(1) قد مرّ في فصل كيفية ثبوت النجاسة بيان من الأستاذ (مد ظله) على كفاية الاطمئنان في باب النجاسات اشكالا على المصنف (قده) عند قوله أو ظن قوى، فقال ان الظن القوي الذي يوجب الاطمئنان لم يردع عنه الشرع لانه طريق عقلائي و نحن قد اشكلنا عليه و لم يقبل و لم يأتنا بمقنع فعلّقنا على قوله ما كان في ذهننا من الاشكال و هو (مد ظله) قد قرر في المقام الاشكال ببيان ابسط الذي يكون وجيها في النظر فقد رجع عن قوله السابق و اختار هذا و هو جيد يتحد مآلا مع ما ذكروا من البيان لعدم تنجيس المتنجس لان الموارد التي يظهر ثمرة القول بالنجاسة صورة مشاهدة ألف واسطة أو أقل بالعيان و هو يشبه بان يكون نادرا مع عدم الداعي للناس لذلك غالبا و كيف كان فهذا بيان وجيه.

400

و اما ما ادعى من السيرة العملية فأيضا ممنوع من جهة ان الثابت خلافها و ادعاء ان لزوم الحرج يوجب نفى الحكم أيضا ممنوع لانه يختص بمورده فربما لا يكون حرجا لشخص، و رفعه للحرج النوعي محتاج الى الدليل كوجود الدليل لطهارة الحديد بعد كون الاجتناب عنه يلزم منه الحرج النوعي.

و الدليل الثالث للكاشاني و من تبعه لعدم تنجيس المتنجس الروايات: منها موثقة حنان بن سدير قال سمعت رجلا يسئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال انى ربما بلت فلا اقدر على الماء و يشتد ذلك على فقال (عليه السلام) إذا بلت و تمسحت فامسح ذكرك بريقك فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك. (في باب 13 من نواقض الوضوء ح 7).

و تقريب الاستدلال على عدم نجاسة ما يلاقيه المتنجس مع قطع النظر عن وجه اشتداد الأمر على الرجل هو ان نقول ان الذكر الذي اصابه البول كان متنجسا به فوضع الريق عليه يكون من جهة ان البلل الذي يخرج منه يشتبه عليه من جهة كونه بولا و مع قطع النظر عنه فرطوبة رأس الحشفة لا توجب النجاسة فيفهم من ذلك ان المتنجس الذي يكون في المورد هو الذكر لا ينجس شيئا آخر.

و ادعاء انه يمكن ان يكون المسح بالريق في غير موضع البول أي في الاجزاء الطاهرة منه فهو خلاف الظاهر لان الظاهر من قوله (عليه السلام) فإذا بلت و تمسحت فامسح ذكرك هو ان الموضع الذي يخرج منه البول يمسح بالريق على انه لو كان كذلك لما أفاد شيئا لأن المراد اشتباه ما يخرج من الذكر و على فرض المسح على غير الموضع لا يكون ذلك مشتبها هذا على فرض عدم التفحص عن وجه الاشتداد.

و اما على فرض ذلك فتارة نفرض خروج الماء قبل الاستبراء و تارة بعده فان كان الأول فيكون اشتداد الأمر على الرجل من جهة ان الرطوبة التي تخرج مع عدم الاستبراء يمكن ان تكون بولا و تكون محكومة في الشرع بحكمه فحينئذ بخروجه يتنجس ثيابه و بدنه فمن ذلك قال اشتد علىّ فلرفع ذلك قال الامام‌

401

(عليه السلام) امسح ذكرك بريقك حتى يصير البلل الخارج مشتبها عليك و لا يحكم بكونه بولا و عليهذا أيضا فالذكر المتنجس إذا كان مرطوبا برطوبة الريق لا ينجس الثوب الفخذ و هذا دليل على عدم نجاسة ملاقي المتنجس.

ثم انه ربما توهم أن الرطوبة بعد الاستبراء لا تكون مشكوكة من أصل بواسطة دليل الاستبراء و عدم تطبيق قاعدة الطهارة في المقام و هو سهو لأن الرطوبة لا محالة تكون مشكوكة و تحت قاعدة الطهارة و انما خرج صورة كون الرطوبة قبله لتقديم الغالب من بقاء البول في المجرى على الأصل بواسطة دليله.

و اما على الثاني و هو ان يكون الخروج بعد الاستبراء فلا يكون الاشتداد من جهة الرطوبة الخارجة لأنها محكومة بالطهارة و على فرض كون الاشتداد من جهة شبهة أنه يلاقي الثوب فيدل على منجسية المتنجس و يصير هذا الطريق لرفع ذلك لغوا فلا محالة يجب الحمل على الاحتمال الأول و هو تام الدلالة على المطلوب أو على الاجمال و اما ما قيل لأي سبب لم يعلم الامام (عليه السلام) طريق الاستبراء للسائل حتى يكون من جهة خروج الرطوبة و نجاستها في السعة فلا يترتب عليه ثمرة غير ما ذكر من هذا الطريق لانه على فرض طهارة الرطوبة أيضا يكون رأس الحشفة متنجسا فلو كان منجسا يجب الأمر بالغسل فحيث ما أمر به فيفهم منه طهارة ملاقي المتنجس.

و منها رواية صحيحة عن عيص ابن القاسم (صدرها في الوسائل باب 31 من أحكام التخلي ح 2 و ذيلها من قوله عمن مسح ذكره في باب 6 من أبواب النجاسات) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذاه قال (عليه السلام) يغسل ذكره و فخذيه و سألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟ قال (عليه السلام) لا.

و تقريب الاستدلال بذيل هذه الرواية و هو ظاهر في المطلوب لان عدم وجوب الغسل بعد اصابة اليد مع العرق بثوبه بعد كونه ملوثا بالبول يرشد الى‌

402

عدم نجاسة المتنجس.

و قد أشكل عليه أولا بأنه من اين يثبت ان مسح الذكر كان بموضع البول و على فرضه فمن اين ثبت تعرق جميع اليد حتى الموضع الذي كان ملوثا و على فرض ذلك فمن اين ثبت ان ملاقاة اليد المعرقة كانت مع موضع النجاسة منه.

و ثانيا ان صدر الرواية يعارض ذيلها لأن الأمر بالغسل فيه يرشد بنجاسة ملاقي المتنجس الذي هو الذكر بعد الرطوبة بواسطة العرق فلا يتم الاستدلال بهذه على المطلوب.

و فيه ان الإشكالات الثلاثة الأول منها قد أخذ من الوافي و طبع من كتاب في كتاب آخر مثل الحدائق و الجواب عنه ان الاشكال الأول يكون على فرض كون الشبهة في الرواية موضوعية و لكن لا تكون كذلك بل فرض ان اليد قد عرقت و أصاب عرقه الى الثوب من الموضع الذي كان متنجسا بواسطة البول و يسئل عن حكمه و أجاب (عليه السلام) عن الشبهة الحكمية فدلالتها على عدم المنجسية المتنجس تامة.

و اما الجواب عن الإشكال الثاني فهو ان صدره قد فرض فيه اختلاط العرق بالبول و هو خارج غير محل النزاع لان البول النجس نفسه إذا صار مخلوطا بالعرق ينجس على مذهب المخالف أيضا إنما الكلام في صورة عدم وجود بول و هذا يكون على فرض كون الواو في قوله و قد عرق حالية ان كان معرقا حين البول (1).

و منها صحيحة حكم بن حكيم (في باب 6 من أبواب النجاسات ح 1) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أبول فلا أصيب الماء و قد أصاب يدي شيئا من البول فأمسحه‌

____________

(1) أقول على فرض تسليم كون الواو للحال أيضا ان ما احتمله (مد ظله) خلاف الظاهر لانه على فرض تعرق الجسد و الذكر و الفخذ حين البول لا يبول على فخذه حتى نقول ان العرق قد صار ملوثا بالبول و لا كلام في انه منجس و بعد ذلك يكون صريح الرواية المسح بحجر يذهب برطوبة البول فكيف يمكن الحمل على ما لا ينافي الذيل فالظاهر أن المعارضة بين الصدر و الذيل محققة.