المعالم المأثورة - ج2

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
403

بالحائط و التراب ثم تعرق يدي فامسح (فأمس- ن خ) به وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي قال لا بأس به.

و تقريب الاستدلال بهذه الرواية هو ان الرجل بعد ما أصاب يده شي‌ء من البول و تعرق فمسح به وجهه و غيره حكم (عليه السلام) بعدم البأس و هذا دليل على عدم منجسية المتنجس و الا فلا وجه لعدم البأس.

و قد أشكل عليها بان اليد من اين ثبت انها كان جميعها معرقة و على فرض ذلك فمن اين ثبت ملاقاة موضع النجس فيكون مقتضى القاعدة طهارة ما ذكر و على فرض عدم تعيين موضع النجس كان من ملاقي الشبهة المحصورة و هو لا يلزم الاجتناب عنه.

و فيه ان هذا الاشكال قد أخذ من الكاشاني في الوافي و لا يكون مما لا يكون (قده) ملتفتا اليه.

و منها رواية سماعة (باب 13 من أبواب نواقض الوضوء ح 4) عن محمد بن على بن محبوب عن الهيثم ابن ابى مسروق النهدي عن الحكم بن مسكين عن سماعة قال قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) انّى أبول ثم أتمسح بالأحجار فيجي‌ء منى البلل ما يفسد سراويلي قال ليس به بأس.

و تقريب الاستدلال بأنه بعد نجاسة محل البول حكم بعدم البأس بعد خروج البلل الذي يفسد السراويل و هذا لا يكون الا من جهة ان المتنجس لا ينجس.

و قد أشكل عليها أولا بالضعف سندا لما فيه حكم بن مسكين الذي لم يرد فيه توثيق و كذلك هيثم بن ابى مسروق فان اكتفينا في قبول الرواية بقول الشهيد الأول و هو ان عدم القدح يكفي في القبول فلا كلام اما على فرض وجوب المدح كما عن الشهيد الثاني فلا يمكن التمسك بهذه الرواية لعدم ورود توثيق فيهما و اما على فرض ما نقول من ان المناط عمل الأصحاب على طبق الرواية فضعفها ظاهر لأنها مخالفة للمشهور.

404

و ثانيا بان هذه يمكن ان تكون من الروايات الدالة على طهارة محل البول بالأحجار كما في محل الغائط الذي يطهر به فيخرج بذلك عن مورد النزاع لانه يكون في صورة كون محل البول نجسا و اما على فرض العدم فلا وجه لصيرورته شاهدا على ما نحن فيه فح نقول وردت الرواية للتقية لأنها موافقة للعامة.

و منها رواية حفص الأعور (باب 51 من أبواب النجاسات ح 2) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الدنّ يكون فيه الخمر ثم يجفف فيجعل فيه الخلّ قال نعم.

و تقريب الاستدلال بتصديق الامام (عليه السلام) السائل الذي سئل عن جعل الخل فيه بعد التجفيف و هذا لا يكون الا من جهة ان المتنجس لا ينجس و هذه مطلقة من جهة كون الجفاف قبل الغسل أو بعده فعلى فرض كونه قبله يصير دليلا على عدم منجسية المتنجس الذي يكون هو الدن.

و قد أشكل عليها أوّلا بأن لفظ التجفيف يكون في كلام السائل و لفظة نعم لا تكون الا لتصديق ما سئله السائل و لا يمكن أخذ الإطلاق منه.

و ثانيا يكون معارضة برواية عمار بن موسى في الباب الذي ذكر فيه تلك الرواية (ح 1) فان قوله «إذا غسل فلا بأس به» دليل على ان مجرد الجفاف لا يكفى و فيه ان أخذ الإطلاق من قوله نعم غير ظاهر لان الجفاف الذي يكون بعد الغسل لا اثر له فالسؤال يكون عما كان قبله فتلك الرواية دلت على ان الجفاف مطهر و هذه دلت على ان الغسل مطهر و كلتاهما مثبتتان لمطهرية كل من الجفاف و الغسل.

فتحصل من جميع ما ذكر ان دلالة هذه الروايات على عدم تنجيس المتنجس تامة و لا يمكن الخدشة في دلالتها و لكن الذي صار سببا لعدم الاعتماد عليها هو اعراض المشهور عنها بل الإجماع منهم على خلافها ضرورة انهم لم يعملوا بها مع كون ذلك بمرأى منهم و منظرهم.

فان قلت ان الاعراض الذي يوجب و هن الرواية هو الذي يكون عن القدماء‌

405

و قد مرّ انهم سكتوا عن ذلك قبل الميرزا الشيرازي (قده) فكيف يمكن الاستناد بهم و إحراز إعراضهم عنها قلت لما كان ابتلاء الناس بذلك من حيث الحكم شائعا بين الناس ضرورة أنهم لا زال يبتلون بنجاسة شي‌ء من قبل المتنجس فمن البعيد عدم بيان حكم له فكأن السكوت عن ذلك لا يكون الا من جهة انهم لا يفرقون بين النجس و المتنجس و كأنهم رأوا ذلك منه و هذا العنوان المخصوص الذي كان في زماننا من التفرقة بين النجس و المتنجس قد حدث بعد ذلك فمن هذه الجهة يثبت اعراضهم عن تلك الروايات.

فان قلت ان هذا الإجماع سندي للروايات في المقام و تكون هذه المسألة بمثابة مسألة نجاسة البئر التي كانت مسلمة إلى زمن العلامة فخالف هو (قده) جميع القدماء فلاغر و في المقام أيضا ان نتمسك بتلك الروايات خلاف ما دلت عليه روايات تنجيس المتنجس قلت الفرق بين المقام و ذاك هو ان السند في روايات البئر كان ظهور الاخبار و استنادهم بها معلوم فلما جاء العلامة ره و أوضح معنى ماله المادة كشف السترة عن انهم فهموا خلاف الظاهر و لو كانوا في زمانه لاعترفوا بما قال و اما المقام فلا يكون السند الاخبار فقط لأنها دلت على النجاسة إلى ثلاثة وسائط و يلزم إثبات أكثر منها بواسطة الإجماع فلا يكون سند قولهم الاخبار و هذا يصير سببا لكشف الاعراض.

و ثانيا يمكن الجمع بين هذه و تلك بحمل هذه على الشبهة في الموضوعات كما نقلنا عن بعضهم الإشكال في انها تكون بصدد و بيان شبهة حكمية فلا معارضة لان الدالة على منجسية المتنجس دلت على بيان الحكم و هذه دلت على بيان الموضوع و لا ينفى أحدهما الآخر.

أو نقول روايات التنجيس تدل على النجاسة إلى ثلاثة وسائط فيحمل هذه على عدم التنجيس فيما زاد ليكون هذا نحو جمع أيضا.

فتحصل ان التحقيق في المقام هو القول بالنجاسة و لو كانت الواسطة كثيرة‌

406

بالاعراض عن تلك الروايات و السيرة العملية على عدم الاجتناب تكون للتوسعة في قاعدة الطهارة.

قوله: و لكن لا يجرى عليه جميع أحكام النجس فإذا تنجس الإناء بالولوغ يجب تعفيره لكن إذا تنجس إناء آخر بملاقاة هذا الإناء أو صب ماء الولوغ في إناء أخر لا يجب فيه التعفير و إن كان الأحوط خصوصا في الفرض الثاني (1) و كذا إذا تنجس الثوب بالبول وجب تعدد الغسل لكن إذا تنجس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب لا يجب فيه التعدد و كذا إذا تنجس شي‌ء بغسالة البول بناء على نجاسة الغسالة لا يجب فيه التعدد.

أقول بعد بيان ان المتنجس منجس ذكر (قده) عدم ترتب جميع الأحكام بالنسبة إلى الواسطة الثانية فلو كان النجس بولا و لاقى الماء ثم الماء لاقى شيئا آخر لا يحكم بالغسل مرتين و كذلك لو كان المتنجس مثل الإناء الذي تنجس بالولوغ الذي يحتاج تطهيره الى التعفير لا يحتاج إليه في ملاقيه و ان كان الاحتياط فيه ذلك و نحن يجب لنا ملاحظة ان القاعدة الأولية في كل شي‌ء هل تكون الغسل مرة واحدة حتى يكون الخارج خارجا بالدليل أم لا فلو كانت لنا هذه القاعدة أو لم يجر الاستصحاب في الاحكام على اختلاف المباني ففي الملاقي لا يحكم بترتب أحكام ما يحتاج إلى أزيد من الغسل مرة واحدة و على فرض عدم التمامية فلا بد منه.

فنقول نحن إذا لاحظنا دليل البول يكون ظاهرا في انه إذا لاقى شيئا يجب الغسل مرتين بقوله (عليه السلام) اغسله مرتين و هذا لا يدل على ان ملاقي هذا الشي‌ء الذي لاقى البول أيضا كذلك أم لا فيكون الدليل مهملا بالنسبة اليه و إذا ضممنا اليه عدم وجدان قاعدة أخرى تدل على ان طبيعي النجس يحتاج الى الغسل مرة واحدة ضرورة ان الأمر بالغسل ورد في موارد خاصة فلا يمكن أخذ الجامع منها فلا محالة نبقي بلا دليل فهنا ان كان استصحاب الحكم جاريا كما هو المختار فإذا كان‌

____________

(1) لا يترك الاحتياط في هذا الفرض.

407

بول نستصحب حكم السابق و هو الغسل مرتين و على فرض عدم الجريان فقاعدة الطهارة محكمة و كذلك نقول بالنسبة إلى الولوغ فان الإناء الذي ولغ فيه الكلب إذا قيل يجب تعفيره كما في صحيحة عيص بن القاسم لا يدل على ان هذا الكأس لو لاقى شيئا يوجب ان يكون حكمه كذلك و القاعدة على ما قلنا غير موجودة فيدور الأمر بين جريان الاستصحاب أو القاعدة كما ذكر هذا كله في صورة عدم كون ذلك مثل ان يجعل الكأس في كأسين حتى يكون الماء الذي ولغ فيه في الكأس الأخرى فإنه يكون عليه حكمه لأنه لا فرق في هذه الكأس و تلك.

فتحصل ان مقتضى القاعدة ترتب الأحكام و لو مع الوسائط و لكن قال شيخنا العراقي في تعليقته بالاحتياط في الولوغ و لم يحكم به في البول و لعله من جهة ان في البول رواية مطلقة و هو قوله في رواية الطشت فلتغسل ما اصابه غير مقيد بكونه مرة (1) أو مرتين كما مرت في الروايات الدالة على نجاسة ملاقي المتنجس عن قريب.

[مسألة 12- قد مر انه يشترط في تنجس الشي‌ء بالملاقاة تأثره]

مسألة 12- قد مر انه يشترط في تنجس الشي‌ء بالملاقاة تأثره فعلى هذا لو فرض جسم لا يتأثر بالرطوبة أصلا كما إذا دهن على نحو إذا غمس في الإناء لا يبتل أصلا يمكن ان يقال: انه لا يتنجس بالملاقاة و لو مع الرطوبة المسرية و يحتمل ان تكون رجل الزنبور و الذباب و البق من هذا القبيل.

[مسألة 13- الملاقاة في الباطن لا توجب التنجيس]

مسألة 13- الملاقاة في الباطن لا توجب التنجيس فالنخامة الخارجة من الأنف طاهرة و ان لاقت الدم في باطن الأنف نعم لو ادخل فيه شي‌ء من الخارج، و لاقى الدم في الباطن فالأحوط فيه الاجتناب (2)

أقول المسئلتان قد ظهر بيانهما مما سبق.

____________

(1) أقول هذا على فرض كونها بصدد بيان طريقة التطهير و اما على فرض كونه بصدد بيان ان الملاقي نجس فلا.

(2) مر ان الأقوى الطهارة.

408

ثم الى هنا قد تم ما أردنا إيراده في الجزء الثاني من كتاب المعالم المأثورة في شرح كتاب العروة الوثقى تأليف الفقيه الأكبر آية اللّه العظمى السيد محمد كاظم اليزدي (قده)، تقريرا لأبحاث العلامة المجاهد في سبيل التدريس و التحقيق آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي مد ظله و متع اللّه المحققين و المسلمين بطول بقاء وجوده الشريف، بقلم مقررة العبد محمد على الاسماعيل پور القمشه‌اى القمي عفى اللّه عن جرائمه و جعل هذا ذخرا له و لاستاذه المعظم له في يوم لا ينفع مال و لا ينون.

و يتلوه الجزء الثالث إنشاء اللّه تعالى من فصل اشتراط صحة الصلاة بطهارة البدن و اللباس.

ثم اهدى هذه البضاعة المزجاة الى مولانا و مولى الكونين الذي بيمنه رزق الورى و بوجوده ثبتت الأرض و السماء الحجة بن الحسن العسكري عجل اللّه تعالى له الفرج و (عليه السلام) و الى امه أم الأئمة (عليهم السلام) الإنسية الحوراء و الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليها) ، و الحمد اللّه أوّلا و آخرا.

27 رجب المكرم 1408 26 اسفند ماه 1366‌