المعالم المأثورة - ج5

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
103

الليل أو أصاب من أهله، ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح، قال: يتم صومه ذلك، ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان و يستغفر ربه. و هذه الرواية و ان لم تدل على وجوب الكفارة لكن يمكن حملها على صورة كونه أى النوم برجاء اليقظة و الغسل قبل الفجر.

و في ح: 2 عن ابى بصير عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، في رجل أجنب في شهر رمضان، ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح، قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، قال: و قال: انه حقيق (لخليق خ ل) أن لا أراه يدركه أبدا.

و في ح: 3 إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل و لا يغتسل حتى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم و لا يدرك فضل يومه. و كذلك ح: 4.

و الطائفة الثالثة: ما دلت على أن من نسي الغسل في شهر رمضان أو بعضه وجب عليه قضاء الصلاة و الصوم، و هي في باب 17 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح: 1 عن محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن على بن رئاب عن إبراهيم بن ميمون قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى تمضي بذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان؟ قال عليه قضاء الصلاة و الصوم.

و المتحصل من هذه الطوائف الثلاث هو وجوب القضاء في النوم الثاني، و في صورة العمد مع وجوب الكفارة أيضا، و في صورة النسيان و هذا يكشف عن بطلان الصوم بدون غسل الجنابة في هذه الصور.

و أما الطائفة الرابعة: فهي المعارضة لما ذكر (في باب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم) فمنها: ح: 1 عن أبى سعيد القماط أنه قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عمن أجنب في شهر رمضان في أول الليل فنام حتى أصبح، قال: لا شي‌ء عليه، و ذلك أن جنابته كانت في وقت حلال.

و منها: ح: 2 عن العيص بن القاسم: قال: انه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل‌

104

ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل أن يغتسل، قال: لا بأس. و منها:

ح: 3 عن حماد بن عثمان عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل، و أخر الغسل حتى يطلع الفجر، فقال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يجامع نساءه من أول الليل ثم يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر، و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب يقضي يوما مكانه.

و المراد بالأقشاب في الرواية هو من لا خبرة له، و كذلك ما بعدها من الروايات، و الجمع بين هذه الروايات أن يقال ما يكون فيه متعرضا للكفارة، لا ينافي ما يكون متعرضا للقضاء، و كذلك ما يكون متعرضا للقضاء في صورة النسيان، فان وجوب الكفارة يكون لخصوصية التعمد أو النوم الثاني، و أما الطائفة الرابعة فيكون إعراض الأصحاب عنها (حتى من قال بذلك أى بعدم وجوب القضاء لا يكون سنده هذه الروايات) موجبا لسقوطها عن الحجية، و بعضها يمكن حملها على صورة عدم تعمد البقاء، بل على صورة إرادة الغسل بعد الانتباه، و بعضها يحمل على النقية مثل رواية عائشة ح: 6 و 2 في الباب المتقدم، و لا وجه للعمل بها بوجه.

لا يقال إطلاق الآية هو المرجع عند التعارض، فان قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ (في سورة البقرة الآية: 187) يكون مطلقا من جهة وجوب الغسل قبل الفجر.

لأنا نقول في صورة التعارض بين المرجحين مثل مخالفة العامة و موافقة عام الكتاب، يقدم مخالفة العامة كما حرر في محله، على أن الآية في مقام بيان أصل مشروعية الرفث في الليل، و لا يكون في صدد بيان الإطلاق.

لا يقال يمكن الجمع بين الروايات بحمل ما دل على القضاء على الاستحباب جمعا بين الطوائف.

لأنا نقول: لا وجه للجمع كذلك لأنه يكون في صورة دوران الأمر بين الظاهر و النص، فيرفع اليد عن الظاهر بالنص، و في المقام تكون روايات الطائفة الرابعة‌

105

كالنص على عدم وجوب القضاء، و لا يقبل الحمل الّا على التقية، و أما ذيل الآية و هو قوله تعالى فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ و ان كان فيه الإطلاق، و لكن قلنا بأن مخالفة العامة مقدمة على العمل بإطلاق الآية، فالإعراض أو التقية مسقط للرابعة عن الاعتبار.

أما قضاء شهر رمضان، فقال المحقق الهمداني فيه بأن الصوم حيث يكون حقيقة واحدة لا يفرق فيه بين القضاء و الأداء، و هذا ليس من باب القياس، بل يؤخذ من مساق الروايات.

و فيه ان الروايات يستفاد من بعضها عدم شباهة شي‌ء من الصيام بشهر رمضان و من بعضها ان الصوم الاستحبابي يبطل بواسطة الجنابة، فانظر الى روايات باب 19 من أبواب الصوم، ففي ح: 1 عن عبد اللّه بن سنان أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقضى شهر رمضان فيجنب من أول الليل و لا يغتسل حتى يجي‌ء آخر الليل و هو يرى أن الفجر قد طلع، قال: لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره.

فقال العلامة بأن المراد بقوله (عليه السلام) «لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره» هو التوسعة على الصائم بأنه إن أراد أن يصوم غيره، فليصم غيره، و ان صام اليوم فهو صحيح. و في ح: 2 عنه أيضا قال كتب أبي الى أبى عبد اللّه (عليه السلام) و كان يقضى شهر رمضان، و قال: انى أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر فأجابه (عليه السلام): لا تصم هذا اليوم و صم غدا.

و في ح: 3 عن سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام، و قد علم بها و لم يستيقظ حتى أدركه الفجر، فقال (عليه السلام):

عليه أن يتم صومه و يقضى يوما آخر، فقلت: إذا كان ذلك من الرجل و هو يقضى رمضان قال: فليأكل يومه ذلك و ليقض فإنه لا يشبه رمضان شي‌ء من الشهور.

أقول: ان كان المراد بأن شهر رمضان لا يشبهه شي‌ء من الشهور، أى هو‌

106

و قضاءه، فينتج أن شرط القضاء أيضا عدم الإصباح جنبا، و أما ان كان (1) نفسه فقط، فيكون الحكم مختصا به. و لا يشمل غيره من الصيام قضاء كان أو غيره.

قوله: متعمدا أو ناسيا للجنابة.

أقول: أما نسيان الجنابة إذا كان في تمام الشهر أو بعضه، فالمشهور على أنه يجب قضاء الصوم و الصلاة عنده، و قول قوى بعدم وجوبه كما عن الشهيد الثاني و المدارك و الذخيرة، و الدليل على الأول الروايات: و هي في باب 30 من أبواب من يصح منه الصوم، ففي ح: 3 عن الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان، قال: عليه أن يقضى الصلاة و الصيام.

و في مرسلة الصدوق (ح: 2) أن من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان، ان عليه أن يغتسل و يقضى صلاته و صومه الّا أن يكون قد اغتسل للجمعة فإنه يقضى صلاته و صيامه الى ذلك اليوم، و لا يقضى ما بعد ذلك.

و عن إبراهيم بن ميمون (ح: 1) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثم ينسى أن يغتسل حتى يمضى لذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان، قال: عليه قضاء الصلاة و الصوم. و تقريبه لوجوب القضاء واضح.

و قد استدل بأن المستفاد من الروايات هو أن شرط الصوم الطهارة، لأنها في صورة العمد و غيره دخيلة في صحة الصوم. و الجواب عنه: انه يمكن أن يكون خصيصة لشهر رمضان، كما أن الصوم المستحب لا يكون شرطه الطهارة.

____________

(1) مع اختيار هذا، نقول: مراده (عليه السلام) كما يظهر من الرواية هو أن شهر رمضان يجب الإمساك فيه و لو كان الصوم باطلا، و أما قضاءه فوقته موسع يمكن الإفطار ثم الإتيان به في يوم آخر و يكون هذا متعينا كما يظهر من الأمر بالأكل، و كذا غير هذه الرواية، لا كما يقوله العلّامة (قده).

107

و أما المخالف فقد استدل بالأصل و هو البراءة عن وجوب القضاء عند الشك فيه، أورد عليه بعض المعاصرين من محشي العروة بأن الأصل يكون في صورة عدم وجود الرواية و معها فهو محكوم لها، و فيه أن هؤلاء الكملين أجل شأنا من عدم الالتفات الى الروايات، و لا يتصور في حقهم أن يرووا الرواية و مع ذلك يحكمون بالأصل، ففي ذهنهم شي‌ء آخر، فلعلهم رأوا المعارضة بين روايات من نام جنبا و لم يغتسل، و بين روايات المقام بالعموم من وجه، فان الجنب اما أن ينسى الغسل و لا ينام، أو ينام و لا ينسى الغسل بأن كان بانيا على الاغتسال بعد اليقظة، أو ينسى و ينام، و الثالث مورد الاجتماع، فان روايات المقام يشمل من كان ناسيا و لا يكون فيها ذكر النوم، و روايات من نام بانيا على الاغتسال بعده يحكم بعدم القضاء، ففي مورد المعارضة يحكم روايات النسيان بوجوب القضاء، و روايات النوم بدون النسيان بعدم وجوبه فاما يتعارضان و يتساقطان أو لا تشملان مورد المعارضة أصلا، فالمرجع هو الأصل.

لا يقال لا معارضة بين الروايات، لأن ما دل على القضاء يكون معناه ان المقام فيه اقتضاء القضاء، و روايات من نام جنبا يكون من اللااقتضاء و المقتضى و اللااقتضاء لا معارضة بينهما. و فيه أن النوم (1) يحتمل أن يكون مانعا لتأثير المقتضي أثره حينئذ، ثم انه حيث يحتمل أن يكون المراد بالنسيان نسيان الصوم أو الجنابة أو الغسل، فلو كان المراد نسيان الصائمية فاللازم أن تكون الجنابة غير موجبة للغسل مثل من يأكل و يشرب في نهار رمضان نسيانا.

و لا يقال باستقرار المعارضة بين الروايات لوجود الاحتمال، لأن ما دل على عدم القضاء يكون في صورة النوم و الإصباح جنبا، و ما دل عليه يكون متحد المآل مع روايات نسيان الصوم.

____________

(1) أقول: أو يقال بأن دليل عدم القضاء في النوم أيضا مقتض لعدمه في مقابل ما يقتضي وجوب القضاء.

108

و كيف كان فالتقديم مع روايات وجوب القضاء لعدم موجبية العامين من وجه في مورد الاجتماع، لإسقاط صورة الافتراق، و ما قلناه كان لتوجيه الأصل للاعلام اعتناء بشأنهم.

و استدل لعدم الوجوب ثانيا بفقرة «رفع النسيان» في حديث الرفع، و من آثاره هو عدم وجوب القضاء الذي يكون هو الأثر الوصفي. و فيه أن هذه الفقرة لا يمكنها أن ترفع الحكم الذي يكون في مورد النسيان، و الروايات الحاكمة بالقضاء ناطقة بذلك فهي محكومة لها، و ليس لنا دليل مطلق حتى يمكن تقييده و رفع حكمه في صورة النسيان، بل الأدلة من الروايات وردت في صورة العمد و النسيان، الا أن يستفاد من روايات العمد و النسيان حكما عاما لوجوب القضاء فيخصص بهذه الفقرة و هو كما ترى فالأقوى هو قول المشهور بوجوب القضاء في صورة النسيان في جميع الشهر أو بعضه للنصوص (1) في المقام.

قوله: و أما سائر الصيام ما عدا رمضان و قضائه فلا يبطل بالإصباح جنبا و ان كانت واجبة، نعم الأحوط في الواجبة منها ترك تعمد الإصباح جنبا، نعم الجنابة العمدية في أثناء النهار تبطل جميع الصيام حتى المندوبة منها، و أما الاحتلام فلا يضر بشي‌ء منها حتى صوم رمضان.

أقول: ان المشهور في غير شهر رمضان هو أن الإصباح جنبا مبطل أيضا مطلقا سواء كان واجبا أو مستحبا مضيقا أو موسعا، و قيل بعدم كون الإصباح كذلك موجبا للبطلان مطلقا كما عن المصنف، و القول الثالث عن صاحب الجواهر و هو اعتبار الشرط في الصوم الواجب دون المستحب، و القول الرابع هو الفرق في الواجب‌

____________

(1) أقول: أما في مورد الاجتماع ففي غير النوم الأول في الليل الأول فأيضا يكون مورد روايات النسيان، فيجب القضاء ليكون المتيقن منها هو الليل الأول و النوم الأول، و أما غيره فلا، و أما فيه إذا كان النوم عن نسيان فمقتضى تعارض العامين هو سقوطهما و الأصل يقتضي البراءة عن وجوب القضاء أيضا.

109

بين المضيق مثل النذر المعين و الموسع مثل النذر المطلق، ففي الأول يكون الشرط معتبرا دون الثاني.

أما سند المشهور على اعتباره مطلقا فهو أن الصوم حقيقة واحدة، و قد بين الشارع في صورة العمد و النسيان ان حقيقته لا تقبل الإصباح جنبا، و لا فرق بين رمضان و قضائه و بين غيرهما لعدم خصوصية المورد.

و الجواب عنه: ان الصوم الندبي أيضا صوم و ورد فيه عدم بطلانه بالإصباح كذلك، الّا أن يقال انا نستفيد كبرى الملازمة بين الصيام، و قد خصصت في خصوص الندب فيصير دليلا على قول صاحب الجواهر (قده) و هو أن الصوم الواجب مطلقا يكون هذا شرطه، و هو أيضا مشكل.

أما الروايات الدالة على الندب، ففي باب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ففي ح: 1 عن حبيب الخثعمي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن التطوّع و عن (صوم) هذه الثلاثة الأيام إذا أجنبت من أول الليل فأعلم انى أجنبت فأنام متعمدا حتى يطلع الفجر أصوم أو لا أصوم؟ قال: صم.

و في ح: 2 عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح أ يصوم ذلك اليوم تطوعا؟ فقال: أ ليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار.

و في ح: 3 عن إسماعيل القصير عن ابن بكير عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى ما مضى من النهار، قال: يصوم ان شاء، و هو بالخيار الى نصف النهار.

و تقريب الجميع بالنسبة الى أن تحقق عنوان الصوم يكون بيد المكلف واضح بقوله «هو بالخيار ما بينه و نصف النهار» و لكن لا يمكن أن يقال له تعيين اليوم للصوم و ان أكل أو شرب من أوله، على أن الخيار الى نصف النهار يكون مخصوصا بقضاء رمضان، و الصوم الندبي يمكن نيته لو لم يأت بمفطر قبل الغروب، و حيث ان العلة عامة تشمل صورة الإفطار بالأكل و الشرب و غيره، و من البديهي عدم صحة الصوم‌

110

كذلك، فتحمل، الروايات على التقية.

و المصنف القائل بعدم الدخل مطلقا يكون دليله البراءة عن الدخل بعد عدم البيان، و يمكن أن يقال ان المقام يكون من الشبهة المصداقية في جريان البراءة لاحتمال أن بيان بعض مصاديق الصوم يكون بيانا لسائر المصاديق، مثل صوم رمضان و قضائه.

و أما الجاهل بالحكم و الموضوع فيجب البحث عنهما و ان لم يتعرض المصنف (قده)، و الحق أن الجاهل بالحكم أعنى من لا يدرى أن الإصباح جنبا يوجب بطلان الصوم، يكون ملحقا بالمتعمد، أما من جهة أخذ الإطلاق من نفس الأدلة في المقام بأن يقال قوله (عليه السلام): «يغتسل» في الروايات مطلق من جهة كونه عن جهل بالحكم أو علم به، و أما ما في روايات التعمد بالبقاء من وجوب الكفارة، فيمكن أن يقال حيث ان الكفارة تكون لرغم أنف المكلف، ففرق بين الجاهل القاصر و المقصّر فلا تجب في صورة الجهل قصورا لا تقصيرا، أو يستدل بالدليل العام و هو لزوم الدور عن العلّامة لو كانت التكاليف مختصة بالعالمين بها، أو إجماع القوم على الاشتراك و كيف كان فالجاهل كالعامد في المقام.

و أما الجاهل بالموضوع فالأقوى عدم وجوب القضاء عليه، فان من لم يلتفت الى كونه جنبا لا يشمله روايات العمد لأنه ليس بعامد، و لا روايات النسيان لأنه ليس بناس، بل لم يحصل له علم، و بيان حكم العامد و الناسي لا يغني عن الجاهل فالأصل البراءة عن القضاء.

و أما الجنابة العمدية في نهار رمضان فلا شبهة و لا ريب في كونه مبطلا للإجماع و النص، و أما الاحتلام و هو خروج المني في النوم، فلا يوجب البطلان أيضا كذلك، و أما من احتلم مثلا و بقي شي‌ء من المني في مجراه فهل يجوز له أن يبول في نهار رمضان أم لا؟ فيه خلاف لأن خروج المنى هو الموجب للجنابة، لا تحركه عن المبدأ.

111

فقال الميرزا محمد تقي الشيرازي بأن منعه لازم لو لم يتضرر بحبس البول، و القاعدة مساعدة له (قده) لما ذكرنا من أن خروج المنى هو السبب لوجوب الغسل و الجنابة، و لكن السيرة القطعية على خلافه فان العلماء فضلا عن العوام ما كانوا يتوقفون في جواز البول بعد الاحتلام، و لم يعتنوا بعدم الضرر أو وجوده، فالأقوى جواز البول.

[فصل: فيما يحرم على الجنب]

فصل: فيما يحرم على الجنب

[و هي أيضا أمور]

و هي أيضا أمور:

[الأول: مس المصحف]

الأول: مس المصحف على التفصيل الذي مر في الوضوء و كذا مس اسم اللّه تعالى و سائر أسمائه و صفاته المختصة و كذا مس أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) على الأحوط.

أقول: انه قد استدل على عدم جواز مس الكتاب بالإجماع و بالأولوية، لأن الجنابة أشد قذارة من عدم الوضوء الذي يكون منطبقا على الحدث الأصغر بأقسامه، و حيث قلنا بعدم جواز مس غير المتوضي نقول به في المقام أيضا.

و العمدة دلالة الآية و هي قوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (سورة الواقعة الآية: 79) في المقام عليه و الروايات كذلك و هي في باب 12 من الوضوء باب استحباب الوضوء لمس كتابة القرآن و نسخه و عدم جواز مس المحدث و الجنب كتابة القرآن، ففي ح: 1 عن أبى بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء، قال: لا بأس و لا يمس الكتاب.

فإن جملة «و هو على غير وضوء» تدل بالعمومية على الجنب أيضا لأنه أيضا على غير وضوء، فيصدق العنوان و يكون عليه الحكم بعدم جواز المس.

و يؤيدها ح: 3 عن عبد الحميد عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنبا و لا تمس خطه و لا تعلقه، ان اللّه تعالى يقول: «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ».

112

فان دلالتها واضحة مع تطبيق الآية و يرفع الإشكالات عنها مثل ما قيل ان المراد بالطهارة الطهارة الباطنية. و يدل على ذلك (ح: 5) في الباب أيضا، الا أنه قد أشكل فيها بأنها مشتملة على النهي عن التعليق، و هو لا يكون حراما للجنب، فكيف نستدل بسائر الفقرات.

و الجواب عنه: ان عدم العمل بفقرة من الرواية لدليل خارجي لا يدل على ضعف الرواية بالنسبة إلى سائر الفقرات.

و أما مس اسم اللّه تعالى فقد قام الإجماع على عدم جواز مسه في الجملة، و يدل عليه الروايات في باب 18 من أبواب الجنابة، ففي موثقة عمار بن موسى ح: 1 عن أبى عبد اللّه (عليه السلام): لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم اللّه.

و تقريب الاستدلال هو أن النكتة في عدم جواز المس، هو وجود اسم اللّه فيه، فإنه لا يكون في مس نفس الدرهم محذور، فحيث ان المس كان باسمه تعالى نهى عنه (عليه السلام). و قد أشكل عليها بأن الجملة أي جملة «لا يمس» خبرية و هي لا تدل على النهي. و فيه انه قد مرّ منّا إنها أبلغ في إفادة البعث و الزجر، ببيان انه إذا قيل مثلا يعيد الصلاة أو لا يمس الجنب، يكون معناه الاخبار بوجود المقتضى و مملوية المصلحة فيه، فكأنه فرض ما يجب إيجاده أو الزجر عنه موجودا.

و تعارض هذه الرواية رواية إسحاق بن عمار ح: 2 في الباب عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب و الطامس يمسان أيديهما الدراهم البيض، قال: لا بأس.

و ح: 3 عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: سألته هل يمس الرجل الدراهم الأبيض و هو جنب، فقال: اى، انّى و اللّه لأوتى بالدرهم فآخذه و انى لجنب و في معناها. ح: 4 في الباب «في الجنب يمس الدراهم و فيها اسم اللّه و اسم رسوله، قال: لا بأس به ربما فعلت ذلك».

و تقريبها في عدم البأس بمس الدراهم في غير الأخيرة هو أن الغالب حيث كان عليه اسم اللّه تعالى كان السؤال عنه لا عن نفس الدراهم البيض، و الأخيرة فيها‌

113

التصريح يكون اسم اللّه فيها.

ففي مقام الجمع يحمل هذه الروايات على صورة عدم لزوم مماسة اليد مع الاسم و ان أبيت و قلت: الغالب هو الأخذ المعمولى و هو يلازم المس، لأن الناس لا يأخذون أول جزء الدرهم برأس أناملهم بل يضعونه في أيديهم، فإعراض المشهور عنها موجب لسقوطها و لو كانت الدلالة تامة.

و أما على فرض أن إعراضهم عنها لعدم تمامية دلالتها لا لضعف سندها، فيشكل الاعراض عنها و إسقاطها، و أما نقل بعض أصحاب الإجماع مثل صفوان بن يحيى فلا يوجب انجبار ضعفها بدعوى أن أصحاب الإجماع لا يروون الّا عن ثقة، لأنا وجدنا موارد نقلوا عن غير الثقة. و ربما يجمع بالكراهة برفع اليد عن ظهور أحدهما بنص الآخر، لكن هذا خلاف المشهور.

ثم انه هل يتعدى من اسم الجلالة و هو لفظة «اللّه» الى سائر الأسماء و الصفات أم لا؟ فيه خلاف، و لا يخفى أن الأسماء للّه تعالى غير اسم اللّه الجلالة يكون من الطبائع الكلية المنطبقة مثل الرب و الرحمن و الرحيم و القادر و القاهر، و لا يكون مثل ما يجعل علما للأشخاص فإن بعض الناس يسمى ب‍ «الرحيم» و الحال انه في الواقع يكون غضوبا، لكن اللّه تعالى يكون في الواقع مبدءا لكل خير ينسب اليه و يشار اليه تعالى بالاسم الذي يختص بنوع كل خير، و الاسم كل ما يبرز عن واقع شي‌ء بأن يكون عنوانا و مرآتا يرى فيه ذاك الجمال أو غيره. فعلى هذا ان كان اضافة اسم الى اللّه بيانية، فيكون معناه أن كل اسم يكون هو لفظ اللّه لا يجوز مسه، فلا يشمل سائر الأسماء و الصفات، و لكن الظاهر أن الإضافة حقيقية و يكون المراد كل اسم يكون إشارة إلى ذاته المقدسة أو صفاته التي هي أيضا عين ذاته، و كل شي‌ء يكون مظهرا تاما لذاته تعالى يكون اسما له تعالى و لا يجوز مسه فإن الأنبياء (عليهم السلام) يكونون مظهرا تاما له تعالى و كذلك أئمتنا (عليهم السلام) فمس أسمائهم جنبا لا يجوز و كذا مس أبدانهم و حتى دخول دارهم جنبا يكون كذلك، و الاشكال بأنهم أيضا يصيرون جنبا‌

114

بواسطة نسائهم فكيف حال من يمس بدنها ببدن الامام (عليه السلام) و النبي (صلى اللّه عليه و آله) ، غير وارد لأن هذه الموارد تكون من المستثنيات.

فتحصل انه لا يجوز مس أسماء اللّه تعالى مطلقا، و المخالف مخالف حتى في لفظ الجلالة فلا يصغى اليه.

ثم انه هل المدار على صدق الاسم قصد الكاتب أو وجود القرينة؟ فيه خلاف و الحق عدم دخالة قصده، فان اللفظ إذا كان بحيث أنه كل من رآه يرى انه كاشف عن الذات المقدسة تعالى شأنه أو الأنبياء أو الأئمة (عليهم السلام) مع القرينة أو بدونها، لا يجوز مسه، كما انه لا دخل للقصد في كون المكتوب قرآنا.

ثم ان الأسماء المركبة مثل عبد الخالق و عبد اللّه و عبد الرحيم، اما أن يكون التركيب فيها مزجيا أو إضافيا، فقيل في الثاني بعدم الجواز و لكن لا دليل عليه لعدم إراءته عن الذات سواء أريد ذلك منه أم لا و مع الشك فالأصل البراءة.

و أما أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) فلا يجوز مسها جنبا أيضا للسيرة القطعية الارتكازية و تكون هذه السيرة أشرف و أعلى من السيرة العملية، فإن المتشرعين جيلا بعد جيل على ذلك، و أما بعض المعاصرين من محشي العروة (قده) و ان كان قد تمسك في كثير من الموارد بتلك السيرة لكنه لم يعتن هنا بها، و يمكن أن يستدل له بوجه عرفانى و هو أن الاسم بالواسطة يكون حاكيا عن المسمى كما عن أبى على ابن سينا فان اللفظ حاك عن المفهوم و هو عن المطابق الخارجي. فعلى هذا فاسم النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) حاك عن وجودهم و هو يكون مظهر جلواته تعالى فمس هذا الاسم يكون حراما، لأنه حاك عن اللّه تعالى كما ان مس اسمه جنبا كان حراما.

فتحصل انه لا شبهة في عدم جواز مس كتابة القرآن و لا اسم اللّه تعالى و لا أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام).

[الثاني: دخول مسجد الحرام و مسجد النبي (ص)]

الثاني: دخول مسجد الحرام و مسجد النبي (ص) و ان كان بنحو المرور.

أقول: و الدليل عليه هو الإجماع كما عن الغنية و المعتبر و المدارك و ظاهر‌

115

التذكرة و غيرهم، و يدل عليه النصوص الكثيرة أيضا، فمنها ما في باب 15 من أبواب الجنابة ح: 2 عن جميل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجنب يجلس في المساجد، قال: لا، و لكن يمر فيها كلها الا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و ح: 3 عن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان الرجل نائما في المسجد أو مسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم و لا يمر في المسجد الا متيمما حتى يخرج منه ثم يغتسل. إلخ. و في معناهما روايات أخر في الباب.

و تقريب الاستدلال واضح و لا شبهة في أصل الحكم بأن الدخول حرام و المرور في المسجدين أيضا حرام، انما الكلام في انه هل الدخول لغرض عقلائي مثل كتابة شي‌ء على جداره أو غيره جائز أم لا؟ و ان لم يصدق المرور، فان المرور هو الدخول من باب و الخروج من باب آخر، و هذا لا يصدق عليه المرور لأنه يدخل و يخرج من باب واحد، و الحاصل قد دل الدليل على حرمة الدخول و المرور فيهما و لا يكون في لسانه النهي عن ذلك، لكن يمكن أن يقال هذا النحو من الدخول أيضا حرام و ان لم يصدق عليه المكث، لأنا نفهم من عدم جواز المرور فيهما، ان قرب المسجدين بهذه الحالة غير جائز و الشاهد عليه رواية 17 باب 15 من الجناية و فيها: «لا يقربان المسجدين الحرمين» فإنها صريحة في عدم جواز القرب بأي نحو كان و سيأتي ان المرور في غيرهما بنحو الاجتياز جائز.

[الثالث: المكث في سائر المساجد]

الثالث: المكث في سائر المساجد بل مطلق الدخول فيها على غير وجه المرور، و أما المرور فيها بأن يدخل من باب و يخرج من آخر فلا بأس به.

أقول: ان الدليل على حرمة المكث كاد أن يكون الإجماع أيضا و الروايات فمنها ما في باب 15 من الجنابة ح: 10 عن زرارة عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قلنا له الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال: الحائض و الجنب‌

116

لا يدخلان المسجد الا مجتازين، ان اللّه تبارك و تعالى يقول وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا.

و تقريبها على حرمة الدخول و جواز المرور واضح، انما الكلام في الدخول من باب واحد و الخروج منه لغرض عقلائي، فربما قيل بأن استثناء المرور فقط في رواية جميل التي تقدمت يؤذن بأن غيره غير جائز. و به يقيد ما ورد في ح: 4 باب 15: «للجنب اى يمشي في المساجد كلها و لا يجلس فيها الا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و آله) » لأن المشي و ان كان أعم من المرور و لكن يقيد به.

و قال بعض المعاصرين في المقام بأن النسبة بين رواية المرور و رواية المشي العموم من وجه، و في مورد الاجتماع تتعارضان و يرجع الى العام الفوق. و فيه أن النسبة هي العموم و الخصوص المطلق، لصدق المشي بدون المرور تارة و معه اخرى و لا عام لنا يرجع إليه في صورة صدقهما.

و ما يتوهم كونه عاما هو رواية 10 باب 15 من الجنابة: «قال: الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد الّا مجتازين» و هو كما ترى ساكت عما نحن بصدده، بل يتعرض لحكم الاجتياز و هو المرور، و أصل عدم جواز الدخول، و كيف كان فالتحقيق أن يقال الترجيح مع الرواية المانعة لقوتها سندا لأنها موافقة للمشهور و دلالة، لأن المرور إذا كان جائزا و لم يستثن غيره، نعلم بتناسب الحكم و الموضوع أن الجنب لا يجوز أن يكون في المسجد، إلّا إذا كان عابر سبيل كما هو مفاد الآية وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ (النساء: 43) و من هنا ظهر أن كل مورد لا يصدق المرور مثل صورة الدخول من باب واحد و الخروج منه أو مثل ما يكون للمسجد بابان قريبان في طرف واحد فيدخل في أحدهما و يخرج من الآخر، لا يجوز الدخول.

و أما في صورة الشك في صدق مفهوم المرور فالمرجع البراءة لا العام، لأن إجمال المخصص المتصل يسري إليه دون إجمال المنفصل.

ثم ان ملحقات المسجد هل يكون لها حكمه (فإن كانت في المسجدين يكون‌

117

لها حكمهما بالخصوص و ان كانت في غيرهما يكون لها حكم غيرهما) أم لا؟ فيه خلاف، فان قلنا بأن المسجد يكون جعله بنحو اللابشرط بحيث كلما ضم اليه يصير مسجدا، فلا إشكال في ذلك من حيث الحكم فإن الضمائم أيضا مسجد، و الشاهد عليه هو أن الآجر الذي يفرش في المسجد يحكم عليه بأنه يحرم تنجيسه، و ان تأخر فرشه عن جعل أصل المسجد مسجدا، و ان قلنا بأنه بشرط لا عن الضمائم فلا يحكم عليه بحكم المسجد، و لكن التحقيق انه مسجد، و هذا في غير المسجدين واضح لأن جعله يكون بواسطة الجعل، و أما هما فما أضيف إليهما من حيث حكم عموم المساجد من عدم جواز المكث واضح، و أما من حيث عدم جواز المرور فمشكوك (1).

قوله: و كذا الدخول بقصد أخذ شي‌ء منها لا بأس به

أقول الدليل هو الإجماع المحكي و النص ففي ح: 1 و 2 في باب 17 من الجنابة دلالة على ذلك، انما الكلام في انه إذا وضع في المسجد شيئا بغير الدخول، و الظائر انه جائز، لأن التعليل في الرواية بأن أخذ ما في المسجد لا يمكن الّا منه و الوضع يمكن في غيره بيان لأمر عادي و لا خصيصة له بل المناط على الدخول فإذا انتفى لا اشكال فيه، و أما ما عن بعضهم من أن الدخول بقصد أخذ شي‌ء منه حرام و الجائز الأخذ فقط لحكومة روايات عدم جواز الدخول، فلا وجه له.

قوله: و المشاهد كالمساجد في حرمة المكث فيها.

أقول: ان الدليل على ذلك وجوه: الأول: هو كثرة ثواب الصلاة فيها كالمساجد، فان حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) فوق المسجد من حيث الثواب بأضعاف‌

____________

(1) أقول: ملحقات المسجد من الأراضي على فرض وقفه مسجدا يكون له حكم المسجد و الّا فلا، و مجرد ضمها بدون قصد المسجدية لا يفيد كونها مسجدا و الفرق بينه و بين الآجرّ المفروش هو أن الفرش يكون من تعمير ما هو مسجد، و لا يخرج المكان في نظر العرف عن المسجدية و أحكامها، بخلاف ضم الأرض، ثم ان ضم أرض إلى المسجدين بقصد المسجدية، فيكون صيرورتها مسجدا واضحة، و لكن صيرورتها بحكمهما محتاج الى دليل و هو مفقود و ان كان الاحتياط فيهما حسن.

118

مضاعفة، و قد قال شيخنا النائيني: بأن الضرائح كالمسجدين و الرواق يكون مثل سائر المساجد. و ألحق المحقق الأردبيلي الصحن المطهر أيضا بذلك، و قال بعضهم مثل المحقق الهمداني: بأن علو درجات الصلاتية لا يوجب كون المحل مسجدا، بل الأحكام تابعة للعناوين، فما لم يصدق العنوان لا يكون عليه الحكم و ان احتاط من حيث الفتوى. و فيه ان علو درجات الصلاة يكون من الملاكات الظنية و لا يمكن إثبات الحكم به.

الوجه الثاني: لإلحاق المشاهد بالمساجد هو أن دخول الجنب فيها يكون خلاف التعظيم و حيث ان التعظيم لهم واجب فخلافه حرام. و قد أجيب عنه بمنع الكبرى و الصغرى، أما الاولى فلأن وجوب تعظيمهم بجميع مراتبه ممنوع لا دليل له، و أما الثانية فلأن دخول الزائر للزيارة سيما من لا يحصل له التوفيق بعده كمن يكون على ظهر سفر يكون احتراما لا توهينا و ان كان في حال الجنابة.

و الجواب عنه: انهم (عليهم السلام) حيث كانوا وسائط فيضه تعالى على الخلق يجب احترامهم بجميع مراتبه بالملاك الذي يكون احترام اللّه تعالى واجبا، و أما الصغرى ففي غاية المتانة أيضا من باب ان العرف يرى للجنابة حزازة حادثة اما في النفس أو في البدن، و مع ذلك لا يرى الدخول عليهم بهذه الحالة و لو للزيارة احتراما لهم بل يمكن في الفرض أن يسلم من خارج الحرم ليكون له ثواب الزيارة و التعظيم لا يكون من الأمور القصدية و ان (1) كان التوهين منه، فعليه إذا كان قصده التعظيم بالدخول أيضا لا يحصل التعظيم ألا ترى ان من ضرب رجله على القرآن مثلا بقصد التعظيم يحسب من أشد التوهين، و أما دخول خوادمهم و جواريهم في حال حياتهم عليهم مع هذه الحالة و عدم أمرهم بالخروج، و كذا نسائهم بعد مقاربتهم فلا يكون دليلا على الجواز لأن الأدب و الاحترام كما ذكرنا أمر عرفي فرب فعل يكون من امرأة الرجل‌

____________

(1) التوهين أيضا من الأمور العرفية و لا يقوم بالقصد فقط، بل ربما يصدق بدون قصده، بل مع قصد التعظيم كما في مثاله (مد ظله) و هو ضرب الرجل على القرآن.

119

عنده حسنا و من غيرها قبيحا، فان الجواري و الخوادم يكون لهم ما ليس لغيرهم لعدم صدق عنوان التوهين فيهم و صدقه في غيرهم.

الوجه الثالث: الروايات الدالة على عدم جواز دخول الجنب بيوت النبي و الأئمة (عليهم السلام) مع عدم الفرق بين حياتهم و مماتهم لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون و هي في باب 16 من أبواب الجنابة، ففي ح: 1 «يا أبا محمد أما تعلم انه لا ينبغي لجنب أن يدخل بيوت الأنبياء». و في ح: 2 «يا أبا بصير أما علمت ان بيوت الأنبياء و أولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب». و في ح: 3 «يا أبا محمد ما كان ذلك فيما كنت فيه شغل تدخل على و أنت جنب». و في معناها ح: 4 و 5.

و قد أشكل عليها أولا بأن هذا الحكم مختص ببيوتهم و لا يشمل مدفنهم، و أما احاطتهم بالخلق فلا يكون الفرق بين بدنه و بين سائر الأجسام، فان روحه (عليه السلام) في الجنة و الاحترام له. و فيه أنه لا فرق بين حياتهم و مماتهم، و علاقة الإمام (عليه السلام) ببدنه حيث كان نفسه من ثمراته و هي في الحدوث جسمانية و في البقاء روحانية يكون أشد و أعلى من علاقته بسائر الأجسام (1).

و الحاصل أن السيرة مع ضم الروايات و كون الدخول خلاف التعظيم يوجب أن يفتي الفقيه بعدم الجواز و لا أقل من الاحتياط الواجب بعدم جواز الدخول عليهم جنبا‌

[الرابع: الدخول في المساجد بقصد وضع شي‌ء فيها]

الرابع: الدخول في المساجد بقصد وضع شي‌ء فيها بل مطلق (2) الوضع فيها و ان كان من الخارج أو في حال العبور.

____________

(1) و أضعف إليه انه لو لم يكن فرق بين البدن و سائر الأجسام، فلم صار أعدائهم عليهم لعائن اللّه مثل يزيد و ابن زياد مذمومين بأشد الذم و ملعونين بأشد اللعن بما فعلوا برأس الحسين (عليه السلام) و روحي له الفداء و بدنه، و لم كان الأئمة (عليهم السلام) يزورون من مات قبلهم و أمرونا بذلك أيضا، و نحن أيضا نزور قبور موتانا، لارتكاز الفرق بين البدن و سائر الأجسام فلا ينبغي التفوه بعدم الفرق بين أبدانهم (عليهم السلام) و سائر الأجسام.

(2) يجوز الوضع الغير المستلزم للدخول و في حال المرور، بل لو دخل عصيانا يجوز له الوضع لأنه لا يستلزم الدخول لأنه حاصل بدونه.

120

[الخامس: قراءة سور العزائم]

الخامس: قراءة سور العزائم و هي: سورة اقرأ و النجم و الم تنزيل و حم السجدة، و ان كان بعض واحدة منها، بل البسملة أو بعضها بقصد إحداها على الأحوط، لكن الأقوى (1) اختصاص الحرمة بقراءة آيات السجدة منها.

أقول: أصل حرمة قراءة العزائم مما قام عليه الإجماع و اتفقت عليه الروايات، انما الكلام في أنه هل يختص الحرمة بخصوص آية السجدة أو يعم السورة أيضا.

و الثاني هو الأقوى و عليه جمع كثير من العلماء بل ادعى الإجماع عليه و الروايات هي العمدة و هي على طائفتين: الطائفة الأولى ما يكون بلسان حرمة قراءة السجدة.

و الثانية و هي رواية واحدة و يكون فيها التصريح بحرمة قراءة سور العزائم.

ففي باب 19 من أبواب الجنابة ح: 1 عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجنب يأكل و يشرب و يقرأ القرآن، قال: نعم يأكل و يشرب و يقرأ.

و هذه الرواية تكون في مقام طرد احتمال عدم الجواز أصلا الذي كان في الأذهان.

و في ح: 4 الحائض و الجنب هل تقرأ آن من القرآن شيئا، قال: نعم ما شاءا إلّا السجدة و يذكران اللّه على كل حال، و مثله ح: 7.

و في ح: 11 عن جعفر بن سعيد المحقق (في المعتبر) قال: يجوز للجنب و الحائض أن يقرأ ما شاءا من القرآن إلّا سور العزائم الأربع و هي: اقرأ باسم ربك. إلخ.

و هذه الأخيرة تدل على استثناء نفس السور ففي مقام الجمع اما أن يقال بأن الأولى يكون المراد منها سورة السجدة و سميت باسم جزئها كسورة البقرة لذكر البقرة فيها و هكذا سورة بني إسرائيل لذكرهم فيها، أو يقال ان الاولى مهملة، و الثانية بيان، فعلى هذا لا تعارض، و على فرض استقراره قيل ان التقديم مع الأولى لضعف الثانية بواسطة ان البزنطي روى تلك الرواية في جامعه عن مثنى عن حسن الصيقل‌

____________

(1) بل الأقوى عدم الاختصاص.

121

و هما مجهولان، و احتمل بعضهم ان صاحب المعتبر نقل فتواه.

و فيه ان البزنطي من أصحاب الإجماع و ممن لا يروى إلّا عن ثقة، و نقل المعتبر ظاهره انه الرواية، لا انها فتواه، على انها موافقة للمشهور، فالإنصاف عدم التعارض و لو قلنا به أيضا لا يكون التقديم مع الطائفة الاولى.

ثم انه هل المراد بالسورة المجموع من حيث المجموع أو بعضه أيضا قرائته حرام؟ الظاهر ان البعض أيضا يكون له حكم الكل.

[مسألة- 1- من نام في أحد المسجدين و احتلم أو أجنب فيهما]

مسألة- 1- من نام في أحد المسجدين و احتلم أو أجنب فيهما أو في الخارج و دخل فيهما عمدا أو سهوا أو جهلا وجب عليه التيمم للخروج، الا أن يكون زمان الخروج أقصر من المكث للتيمم فيخرج من غير تيمم، أو كان زمان الغسل فيهما مساويا أو أقل من زمان التيمم فيغتسل حينئذ، و كذا حال الحائض و النفساء.

أقول: أما وجوب التيمم للمحتلم فهو المشهور، و الدليل عليه صحيحة أبي حمزة في باب 15 من أبواب الجنابة ح: 3 على ما رواه في المعتبر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فاحتلم أو أصابته جنابة فليتيمم و لا يمر في المسجد الّا متيمما.

و هذه الرواية وردت مسندة في التهذيب بهذه العبارة: «فاحتلم و أصابته جنابة» و في الكافي (1) مرسلة بهذه العبارة «فاحتلم فأصابته جنابة» مع زيادة «و‌

____________

(1) أقول: ان رواية الكافي و ان كانت مرسلة و لكن حيث انه أضبط، و يحتمل كونها و ما في غيره رواية واحدة كما في الجواهر (ج: 3) يكون إلحاق الحائض و النفساء أوفق بالذهن بعد إلحاق النفساء بالحائض أيضا لعدم ذكرها في الرواية و ضعفها منجبر بعمل جمع من الأصحاب بها كما في المستمسك أيضا.

و أما استبعاد كون الحكم موافقا للقواعد لعدم القول بذلك في غير المسجدين فلا وجه له، فان المسجدين حيث يكون المرور فيهما أيضا حراما، يكون لاختصاصهما بهذا الحكم مجال وفاقا للقواعد. فيمكن الاستيناس بأن حرمة المسجدين حيث انها لازمة بأعلى درجتها و لا فرق بين الحائض و الجنب في الأحكام، يجب التيمم و ان لم يكن رافعا للحدث الا من هذه الجهة، و ما قيل في بعض الحواشي من عدم المشروعية بالنسبة إلى الحائض مندفع، لأنه يمكن الاحتياط بإتيانه برجاء الواقع مع عدم إثبات الحرمة الذاتية بالنسبة الى هذا العمل إذا لم يكن قاصد للتشريع و من أشكل في المقام من باب عدم أثر لتيمم الحائض حينئذ، و قال بلزومه في صورة صيرورتها طاهرة من الدم مع قبول المرسلة لا وجه لتفصيله، و مع عدم قبولها للضعف بالإرسال فمبني على كون الوجوب هنا بمقتضى القواعد.

122

كذلك الحائض إذا أصابها الحيض تفعل ذلك».

ففي مقام الاستدلال اما أن نقول: ان الرواية بأي نقل كانت تكون في مقام بيان ما هو مقتضى القواعد من أن دخول الجنب و مكثه في المسجدين غير جائز كما هو الحق، فلا يبقى مجال للبحث عن ان الصحيح، أىّ النسخ. فمن ضم دليل عدم جواز الدخول في المسجد و إطلاق دليل التيمم في كل صورة يضطر الإنسان إلى الطهارة و لا سبيل له إلى الطهارة المائية يرجع الى بدله و هو التيمم، و عليه فإذا كان الغسل ممكنا بأن يكون زمانه أقل أو مساويا للتيمم يجب و ان كان التيمم أيضا موجبا لطول المكث لتحصيل بعض المقدمات، يجب الخروج بدونه و لا يختص بصورة الاحتلام بل يشمل مطلق الجنب و لو دخل من الخارج و يشمل كل من لا يجوز له الدخول سواء كان جنبا أو حائضا أو نفساء. و لا يبقى فرق بين كون النسخة «فأصابته جنابة» حتى نقول انها مختصة بالمحتلم لمكان الفاء، أو «و أصابته جنابة» حتى نقول على فرض تقديمها تشمل غير المحتلم أيضا، و كذا لا فرق من حيث زيادة الحائض في نسخة و عدمها، و أما على فرض التعبد و عدم كونها بيانا للقاعدة فلا بد من الجمود على ظاهر النص من اختصاص الحكم بالمحتلم في المسجد دون غيره.

ثم انه في مقام الترجيح فنسخة الكافي و ان كانت مرسلة و أضعف لكن حيث يكون مفادها أوفق بالقواعد من حيث ضم الحائض و استيناسنا من الشرع ان التيمم‌

123

أو الوضوء للجنب و الحائض يوجب تخفيفا في الجنابة كما في التيمم للأكل و الشرب و جلوس الحائض في مصلاها، يمكن تقديمها و إلحاق الحائض بالجنب، و أما النفساء فإلحاقها في غاية الاشكال، و كذلك الجنب في غير المسجد إذا دخل فيه عصيانا أو غيره، لأن هذه النسخة يكون فيها الفاء و معناه: ان الاحتلام إذا صار سببا للجنابة يكون له هذا الحكم لا غيره.

[مسألة- 2- لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها و الخراب]

مسألة- 2- لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها و الخراب (1) و ان لم يصل فيه أحد و لم يبق آثار مسجديته، نعم في مساجد الأراضي المفتوحة عنوة إذا ذهب آثار المسجدية (2) بالمرة يمكن القول بخروجها عنها لأنها تابعة لآثارها و بنائها.

أقول: ان جواز الدخول في المساجد المخروبة متوقف على خروجها عن المسجدية بالخراب و عدمه.

فنقول: ان المسجد يكون تحرير الملك فيما يكون ملكا (3) دون مثل ما لا‌

____________

(1) ما يحسب تالفا كما يصير جزء الجادة يخرج عن المسجدية، و المتلف ضامن، و أما غيره فعليه حكمه.

(2) حكم مساجد الأراضي المفتوحة عنوة مثل سائر المساجد من غير فرق.

(3) أقول: ان المسجد و ان لم يكن ملكا لشخص و لكن تعلق حق المسلمين به و كأنه ملكهم جميعا، و لذا لو تصرف غيرهم فيه و لو لذكر اللّه تعالى يقولون انه مسجدنا و يصدق عليه انه مال المسلمين و له نحو اضافة إليهم، فكما ان سائر الأموال يكون التلف بالنسبة إليه صادقا و المتلف ضامن، يكون المتلف للمسجد من جهة منعه من التصرف المعد له المسجد مثل العبادة ضامنا، و لكن التالف تالف و ينقطع عنه الإضافة فإذا كان لشخص فرش و ذهب الى قعر البحر يحسب تالفا لعدم إمكان استفادته منه و المتلف ضامن له و كذلك الأرض التي بجنب البحر يحسب تالفا بغرقه فيه.

فعلى هذا يمكن أن يقال ان المساجد أو الأبنية التي صارت جزء الجادة يحسب في العرف تالفا، و الغاصب ضامن لعوضه و ينقطع عنها اعتبار المسجدية و الدارية فلا يكون عليه حكمه، و أما المساجد المخروبة غير أمثال هذه الموارد. فلا يكون الخراب سببا لخروجها عن المسجدية فعليها حكمها.

124

يكون ملكا لشخص مثل الأراضي المفتوحة عنوة التي تكون ملكا للمسلمين و لا يتوقف هذا التحرير على الصلاة فيه، بل هي من آثاره و لا يكون للبناء دخل في المسجدية بل نفس الأرض يصير مسجدا و عليه أحكامه، فلا يجوز تنجيسه بعد الخراب.

فان قلت: لا بد أن يكون مما يمكن الصلاة فيه و ما صار خرابا بحيث لا يصلى فيه أحد فليس بمسجد، قلت: استصحاب المسجدية يمنع من القول بجواز التنجيس و أما إذا صار جزء للجادة كما هو المعمول في اليوم، ففي سائر الأملاك جواز التصرف فيه بالمشي، يكون سره سقوط علاقة الملكية عن مالكه، فإنه لو قال أحد ان وسط الجادة ملكي لأنه من دارى، و أراد ترتيب أثر الملكية عليه لا يسمع منه أحد، و أما صب القير (1) و الرمل على الأرض كذلك فلا يوجب جواز التصرف بأن يقال التصرف يكون فيه لا في الأرض كما عن بعض الأعلام، لأنه يحسب الذي يصلى على فرشه الذي هو ملكه و هو على مكان مغصوب غاصبا للأرض، و أما المسجد فان كان ملكا للمسلمين يمكن القول فيه بذلك، و لكنه تحرير للّه تعالى و لا يكون مالكه أحدا فما دام يمكن الصلاة فيه ببقاء أرضه فهو مسجد و التصرفات الغصبية لا تؤثر شيئا.

و أما المساجد المبنية في الأراضي المفتوحة عنوة فبقاء مسجديتها بعد خرابها قيل: يتوقف على أن نقول بأن البناء كان واسطة في ثبوت المسجدية، لا واسطة في العروض فإنه على الثاني يزول حكمه بزواله كحركة جالس السفينة فإنها موجودة ما دامت حركتها باقية كما عن بعض الظرفاء و فيه ان الكلام على كلا التقديرين غير تام، فانا نختار الواسطة في العروض و نقول: ان العلة و ان زالت بواسطة خراب البناء و لكن بعد نشك في بقاء آثار المسجدية بعلة أخرى من الشرع لا نعلمها فنستصحب‌

____________

(1) أقول: ان هذا يفيد بالنسبة إلى التنجيس إذا لم يصر ذلك جزءا من المساجد بواسطة غصبيته و عدم اذن الحاكم، و الّا فهو أيضا مسجد، و أما سائر لوازم المسجدية مثل جلوس الجنب فلا يفيده ذلك.

125

الحكم و الموضوع (1) و هو المسجدية، و نختار ثانيا الواسطة في الثبوت، و نقول:

و ان صار الأرض مسجدا حقيقة بواسطة البناء و لكن حيث خربت نشك في بقاء أحكامه فنحتاج أيضا الى الاستصحاب.

[مسألة- 3- إذا عين الشخص في بيته مكانا للصلاة و جعله مصلى له،]

مسألة- 3- إذا عين الشخص في بيته مكانا للصلاة و جعله مصلى له، لا يجرى عليه حكم المسجد.

[مسألة- 4- كل ما شك في كونه جزءا من المسجد]

مسألة- 4- كل ما شك في كونه جزءا من المسجد من صحنه و الحجرات التي فيه و منارته و حيطانه و نحو ذلك لا يجرى عليه الحكم و ان كان الأحوط الاجراء، إلا إذا علم خروجه منه.

[مسألة- 5- الجنب إذا قرأ دعاء (كميل الاولى و الأحوط أن لا يقرأ منها «أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون»]

مسألة- 5- الجنب إذا قرأ دعاء (كميل) الاولى و الأحوط أن لا يقرأ منها «أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لٰا يَسْتَوُونَ» لانه جزء من سورة حم السجدة. و كذا الحائض و الأقوى جوازه (2) لما مر من أن المحرم قراءة

____________

(1) أقول: ان هذا الاستصحاب من الفرد المردد، فانا فرضنا أن الواسطة في العروض هي العلة فقط و هي قد زالت يقينا، و الفرد الآخر من العلة مشكوك من أصله كما إذا كان زيد في الدار فكان الإنسان فيها، فذهب زيد و لا نعلم ان عمرو أ قد جاء بعده أم لا؟ فلا يستصحب المسجدية في المقام، و أما حكمه فاستصحابه بعد عدم جريان الاستصحاب السببي لا يجري.

فإن قيل: انه في الموضوع يكون من المردد، و أما في الحكم حيث كان الموضوع مركبا من البناء و الأرض فذهاب بعض الموضوع لا يوجب القطع بعدم الحكم بخلاف صورة غسل الثوب بالماء المشكوك نجاسته. قلنا فيه أيضا تأمل فإن الموضوع لا يكون مركبا من الأرض و البناء حتى نشك في المسجد، بل الأرض مسجد و البناء أيضا مسجد و نقول أيضا: ان معنى كون البناء واسطة في الثبوت ان كان هو انه كاشف عن جعل الأرض مسجدا لا يأتي فيه الشك حتى يستصحب.

(2) بل الأقوى عدمه كما مر.

126

آيات السجدة لا بقية السورة.

[مسألة- 6- الأحوط عدم إدخال الجنب في المسجد]

مسألة- 6- الأحوط عدم إدخال الجنب في المسجد و ان كان صبيا أو مجنونا أو جاهلا بجنابة نفسه.

أقول: ان المصنف (قده) و ان احتاط بعدم الجواز لكن لا سند له لأن السند أما أن يكون استفادة مبغوضية وجود الجنب في المسجد مطلقا، مثل عدم رضاء الشارع بوجود شرب الخمر في الخارج و هو غير مستفاد من الروايات، أو تعميم الخطاب بالأعم من نفسه و من التسبيب، فان قيل: لا يدخل الجنب المسجد، يكون معناه و لا يدخل الجنب المسجد أيضا (من باب الافعال)، كما انه إذا نهى عن التسبيب للقتل يشمل ما كان بنفسه و ما كان بسبب غيره و لكن يمكنه منعه منه فكما انه واجب كذلك في المقام يحرم عليه إدخال الجنب، و فيه انا لم (1) نستفد من الروايات ما ذكره (قده) و لا من الخطاب حرمة الإدخال بالتسبيب لأن ظاهر الخطاب متوجه اليه من حيث انه مكلف فقط.

[مسألة- 7- لا يجوز أن يستأجر الجنب لكنس المسجد في حال جنابته،]

مسألة- 7- لا يجوز أن يستأجر الجنب لكنس المسجد في حال جنابته، بل الإجارة فاسدة و لا يستحق اجرة، نعم لو استأجره مطلقا و لكن كنس في حال جنابته و كان جاهلا بأنه جنب استحق الأجرة، بخلاف ما إذا كنس عالما فإنه لا يستحق لكونه حراما، و لا يجوز أخذ الأجرة على العمل المحرم و كذا الكلام في الحائض و النفساء و لو كان الأجير جاهلا أو كلاهما جاهلين في الصورة الأولى، أيضا يستحق الأجرة، لأن متعلق الإجارة و هو الكنس لا يكون حراما و انما الحرام الدخول و المكث، فلا يكون من باب أخذ الأجرة على المحرم، نعم لو استأجره على الدخول أو المكث كانت الإجارة فاسدة

____________

(1) من تناسب الحكم و الموضوع و هو أن الجنب يكون ذا حزازة و نجاسة باطنية يمكن استشمام الحرمة منه خصوصا بلحاظ أنه ربما ينطبق عليه عنوان هتك المسجد، فالاحتياط لا يخلو من وجه.

127

و لا يستحق الأجرة و لو كانا جاهلين (1)، لأنهما محرمان و لا يستحق الأجرة على الحرام، و من ذلك ظهر انه لو استأجر الجنب أو الحائض أو النفساء للطواف المستحب كانت الإجارة فاسدة و لو مع الجهل، و كذا لو استأجره لقراءة العزائم فإن المتعلق فيهما هو نفس الفعل المحرم، بخلاف الإجارة للكنس فإنه ليس حراما و انما الحرام شي‌ء آخر و هو الدخول و المكث، فليس نفس المتعلق حراما.

أقول: ان هذه المسألة كما ترى في المتن تكون لها صور: فان الجنب اما أن يستأجر حال جنابته (2) أو مطلقا و على التقديرين اما أن يستلزم عمله المكث في‌

____________

(1) أي الجاهل بالحكم تقصيرا لا قصورا و ليس المراد الجاهل بالموضوع و الا فلا إشكال، لعدم حرمة نفس العمل و في صورة جهل الأجير فقط و ان فعل المستأجر حراما بتسبيبه على إدخال الجنب على الأحوط و لكنه يستحق الأجرة.

(2) أقول: المراد بالإجارة في حال الجنابة ظاهره ان الأجير لا يقدر على غيره و الّا فإن كانت الإجارة بنحو القيدية بمعنى أنه يستأجره لسوء سريرته للكنس الذي يكون مع الجنابة، فلا شبهة في حرمة هذا العمل و انه يكتسب الحرمة من المقارن و يلون بلونه.

و أما في الصورة الاولى: فلا إشكال في انه معاونة على الإثم، و انا و ان لم نقل بحرمة مطلق المقدمة للحرام، و لكنا نقول بما يقوله الأستاذ (مد ظله) من أن ما يكون في دهليز الحرام فهو حرام، فلو فرض في المقام ان يصير الاستئجار داعيا لدخول الجنب في المسجد فهو حرام فإجارته محرمة و باطلة هذا من حيث الحكم التكليفي، أما من حيث الحكم الوضعي فلا يستحق الأجير أجره المسمى لبطلان الإجارة.

و أما أجرة المثل فحيث ان الحرام و ان كان المكث و هو لازم الكنس لا نفسه الا ان العمل الذي يلازم الحرام كذلك يرى انه حرام لعدم الانفكاك، فان المكث في المسجد، اما ان يكون بعنوان الكنس أو بعنوان الجلوس أو غيره.

و هذا بخلاف صورة انفكاك العمل عن الحرام مثل ان من يكنس يمكن ان يكون في حاله مشغولا بالغيبة و ان لا يكون مشغولا بها.

و الغيبة وقت العمل لا توجب حرمة العمل. فعلى هذا يشمله قوله (عليه السلام) كما في كتاب تحف العقول «إذا حرم اللّه شيئا حرم ثمنه» و أما قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فهي تكون محكومة بالنسبة إلى الرواية و لا تشمل الأعمال المحرمة، فالإجارة حال الجنابة باطلة لا أثر لها، و أما في صورة كونها مطلقة بأن كان للأجير مندوحة على أن يطبق على الفرد الغير المحرم فهي صحيحة و لكن حيث انطبق على المحرم فالعمل حرام بالبيان السابق و لا اجرة مطلقا كما مر في الصورة السابقة، و اما ما ذكره المصنف من انه لا فرق في صورة الجهل بين جهلهما أو جهل أحدهما.

فنقول فيه: انه في صورة جهلهما لا إشكال في صحة الإجارة إذا لم يعلم الأجير بالجنابة قبل العمل، و أما إذا علم الأجير فقط فهو أيضا حرام من قبله و لا اجرة له.

128

المسجد أو يكون مع المرور و على التقادير، اما أن يكون الأجير أو كلاهما عالمين أو جاهلين و على التقادير، اما أن نكون في صدد الحكم الوضعي أو التكليفي و على التقادير، اما ان تكون الأجرة أجرة المثل أو اجرة المسمى.

فهذه صور عديدة، أما الصور التي يكون عالما بالجنابة مع كون الاستئجار أيضا حالها، فقيل: انها باطلة و لا اجرة له مطلقا و ان كان جاهلا فله الأجرة لحرمة عمله في الأول و عدمها في الثاني.

و أقول: من شرط الإجارة القدرة على التسليم من المؤجر أو قدرة المستأجر على التسلم و لو لم يكن للأجير القدرة عليه كأن يكون في يد غاصب، و للمستأجر قدرة على خلاصه، فان كان كذلك لا يرون العقلاء المعاملة سفهية.

ثم ان الكنس لا يكون نفسه حراما بل هو ملازم معه، فان قلنا بأن الممنوع الشرعي كالممنوع العقلي، فهذا الكنس الملازم للحرام يكون غير مقدور التسليم و لكنه غير مربوط بالتسليم، فإنه أمر ممكن و نحن في باب المعاملات لسنا ممن يقول بفساد المعاملة بالنهي مطلقا الّا أن يتمسك بما في حديث تحف العقول «إذا حرم اللّه شيئا حرم ثمنه» و فيه ان نفس العمل هنا ليس بحرام بل الملازم له حرام، و ظاهر الرواية حرمة نفس العمل مثل بيع الخمر.

129

و الحاصل ان الحرمة التكليفية بمعنى عدم جواز هذا الاستئجار لا دليل عليها، فان كان الدليل عليه ان المقام يكون من الترغيب الى المنكر و هو حرام. فنقول:

بأن الواجب علينا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أما الأمر بالمنكر فلا دليل على حرمته الّا من باب مقدمة الحرام و المعاونة على الإثم و مقدمة الحرام ليست بحرام مطلقا و الّا لم يقم حجر على حجر، لأن بائع اللحم على هذا أيضا يكون معاونا لزنا من يأكل هذا اللحم و يزني، و لا يقول بحرمته أحد.

و أما الحرمة الوضعية بمعنى فساد الإجارة أيضا فلا دليل عليه لأن أصل الإجارة لا يوجب سلب القدرة عن الأجير، بل يمكنه أن يسلم العمل بدون ملازمة الأمر المحرم، و الإجماع هنا سندي و هو خصوصا في المعاملات، لا اعتبار به لأنها من الأمور الدارجة العقلائية.

و اما عدم ترتيب الأثر عليها و هو استحقاق اجرة المثل أيضا فلا دليل عليه لأن ما هو الحرام هو الأجرة على نفس العمل المحرم، لا على ما هو ملازم الحرام، فان الكنس عمل مباح لبس بحرام بل مثل الغناء التي تكون ذاتها محرمة يكون ثمنها محرما، فهي أيضا مما حرمه اللّه و حرم ثمنها، لا مثل المقام و الدليل الدال في المقام على لزوم اجرة المثل هو القاعدة المعروفة و هي أن: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» فان صحيح الإجارة يوجب ضمان الأجرة فكذلك فاسدة، الّا أن يقال ان كلما يضمن بصنفه في صحيحه يضمن بفاسده، و الإجارة المحرمة لا فرد صحيح لها و لكن هذا القول يوجب هدم القاعدة، لأن كل عقد فاسد يكون فساده من جهة فقد شرط أو جزء أو الحكم التكليفي بالحرمة في مورده، و لا يبقى فرد لهذا الصنف يكون حلالا و الصنف الحلال من الطبيعي لا ربط له بهذا الفرد.

و أما في صورة كون الإجارة مطلقة، فإن أصل الإجارة و ان كان صحيحا لعدم كونها على المحرم و لكن حيث يطبق الأجير الطبيعي على الفرد المحرم، لا فرق له مع صورة كون الإجارة في حال الجنابة، و أما في صورة الجهل فهي صحيحة‌

130

و الانطباق أيضا لا يكون على المحرم فيستحق اجرة المسمى.

نعم قد يتوهم صحة الإجارة و استحقاق اجرة المسمى، لأن طبيعي المستأجر عليه يكون تحت القدرة و القدرة عليه يكفى و لو لم يكن الفرد خاليا عن المزاحم.

و فيه ان الطبيعي حيث ينحل على الحصص و منه هذا الفرد المحرم لا يستحق الأجرة بالنسبة اليه.

و أما صورة كون العمل شرطه الطهارة مثل الطواف في حال الجنابة، فإن صار أجيرا عليه سواء طاف في حال الجهل أو العلم و سواء كان أحدهما جاهلا أو كلاهما لا يصح لأن شرطه هو الطهارة واقعا و يكون فاسدا بفساد الشرط.

و أما في صورة كون نفس (1) العمل محرما مثل الإجارة على المكث في المسجد في حال الجنابة، فلا شبهة في الحرمة و عدم استحقاق الأجرة مطلقا، لأن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه، و الشارع هتك حرمة هذا العمل و ان رأى العقلاء له حرمة.

و اعلم ان المدار في المقام على جهل العامل في تغيير الحكم، لا على جهل المستأجر، فلو كان الأجير جاهلا بجنابة نفسه و المستأجر عالما يكون من باب التسبيب على إدخال الجنب في المسجد، و المصنف و ان احتاط فيما سبق، و لكن نحن قلنا بأنه لم نستفد من الأدلة مبغوضية وجود العمل مطلقا مثل مبغوضية القتل و شرب الخمر مطلقا و لو كان المستأجر جاهلا لا أثر لجهله، فقول المصنف «لو كان الأجير جاهلا أو كلاهما جاهلين» لا يخلو من نظر.

____________

(1) أقول: انه لو قلنا بأن ملازمة العمل للحرام لا توجب فساده كما مر منه (مد ظله) فهنا أيضا يمكن أن يقال الجلوس في المسجد لا يكون حراما بل هو مع الجنابة حرام، و كذلك الدخول، و لذا نقول في صورة الجهل بالموضوع بصحة العمل و استحقاق الأجرة إذا كانا جاهلين، و كذا لو كان الأجير جاهلا بالموضوع و ان فعل المستأجر حراما.

131

[مسألة- 8- إذا كان جنبا و كان الماء في المسجد]

مسألة- 8- إذا كان جنبا و كان الماء في المسجد يجب عليه أن يتيمم و يدخل المسجد لأخذ الماء أو الاغتسال فيه، و لا يبطل تيممه لوجدان هذا الماء.

أقول: ان أول ما يجي‌ء في الذهن في المقام هو أن التيمم واجب للصلاة لكن في صورة عدم وجدان الماء و المنع الشرعي كالمنع العقلي، فيجب عليه التيمم للصلاة و لا يجوز عليه دخول المسجد لأنه جنب، و لكن حيث ان دليل التيمم عام يشمل جميع صور الاضطرار، ففي المقام حيث انه يريد الغسل و يضطر له من الدخول في المسجد، فالتيمم مشروع لهذه الغاية.

و قد أشكل عليه أولا: بأن التيمم لو كان صحيحا و بدلا عن الغسل يلزم القول بجواز إتيان الصلاة معه، و لا دليل على وجوب الدخول. فان قيل: انه بدل عن غسل دخول المسجد، يقال الغسل لا يتبعض على أن الغسل واجب غيري فليس بواجب نفسي و التيمم واجب غيري له.

و فيه ان التيمم لا يتبعض و لكن الغايات تتبعض، فان التيمم لضيق الوقت لا يترتب عليه غير الغاية الصلاتية مثل مس كتابة القرآن، فكذلك في المقام لا يترتب على هذا التيمم الّا الدخول في المسجد فيكون مثل تهيئة حبل لأخذ الماء من البئر مثلا للغسل.

و أشكل ثانيا، بأن هذا التيمم بعد الدخول في المسجد يبطل لأن وجدان الماء يوجب بطلانه. و فيه ان وجدان الماء يكون بعد الخروج من المسجد، فإذا خرج فيبطل تيممه، أو بعد الاغتسال من باب ذهاب الموضوع.

و الحاصل ما دام المحذور الشرعي يكون باقيا و هو الوقوف في المسجد يكون التيمم باقيا بحاله.

132

[مسألة- 9- إذا علم إجمالا جنابة أحد الشخصين]

مسألة- 9- إذا علم إجمالا جنابة أحد الشخصين لا يجوز له استئجارهما و لا استئجار أحدهما لقراءة العزائم أو دخول المسجد أو نحو ذلك مما يحرم على الجنب.

أقول: ان في المقام إذا كان الأجير عالما بالعلم الإجمالي انه جنب أو رفيقه و لا يعلم المستأجر بالتفصيل أنه أيهما يجوز له الاستئجار و جعلهما أجيرا لأن (1) العلم الإجمالي بالنسبة إلى أحدهما لا أثر له لأن كل واحد منهما لا يعلم بجنابته حتى يكون فاعل المحرم، و كذا لو علم المستأجر أن أحدهما المعين كان جنبا ثم اشتبه فإنه يصح إجارة أحدهما لأنه لا يكون من الإجارة على الحرام لاحتمال التطبيق على الفرد المحلل نعم لو استأجرهما يعلم تفصيلا بإجارة محرمة و مثال المصنف يكون في مورد كون نفس العمل حراما، و أما ملازم الحرام مثل الكنس فيكون حكمه مثل ما سبق عنا من عدم الحرمة خلافا له.

____________

(1) أقول: ان الحق مع المصنف (قده) لأن العلم الإجمالي بالنسبة إلى المستأجر إذا استأجر أحدهما يكون منجزا، لأنه يعلم اما أن إجارة هذا حرام لأنه جنب أو إجارة ذاك لأنه جنب، و حيث ان الموافقة القطعية في العلم الإجمالي لازمة فلا يجوز له إجارة أحدهما، و أما إجارتهما فواضح البطلان، و أما الأجير ان فالعلم الإجمالي فيهما و ان كان ابتداء بين شخصين، و لكن يمكن تصويره بنحو يرجع الى الحكم الى شخص واحد و هو أن هذا الشخص يعلم اما أن إجارة نفسه للثالث حرام لأنه جنب أو استئجاره من كان طرف العلم الإجمالي لقراءة العزائم أو الجلوس في المسجد حرام، نظير ما مر من الأستاذ (مد ظله) في الجنابة الدائرة بين شخصين من جهة وجوب الغسل، فإنه قال: اما الغسل على هذا واجب أو استئجار الآخر لقضاء صلاة الميت حرام لأن شرطها الطهارة.

و لا يخفى ان المدار على إمكان الابتلاء في العلم الإجمالي لا فعليته بأن كان مريدا لاستئجار رفيقه، فكل واحد من الثلاث لو كان له علم إجمالي يحرم عليه الإجارة.

133

[مسألة- 10- مع الشك في الجنابة لا يحرم شي‌ء من المحرمات المذكورة]

مسألة- 10- مع الشك في الجنابة لا يحرم شي‌ء من المحرمات المذكورة إلا إذا كانت حالته السابقة هي الجنابة.

[فصل فيما يكره على الجنب]

فصل فيما يكره على الجنب و هي أمور: الأول: الأكل و الشرب و يرتفع كراهتهما بالوضوء أو غسل اليدين و المضمضة و الاستنشاق أو غسل اليدين فقط. الثاني: قراءة ما زاد على سبع آيات من القرآن ما عدا العزائم و قراءة ما زاد على السبعين أشد كراهة. الثالث: مس ما عدا خط المصحف من الجلد و الأوراق و الحواشي و ما بين السطور. الرابع: النوم الا أن يتوضأ أو يتيمم ان لم يكن له الماء بدلا عن الغسل. الخامس: الخضاب رجلا كان أو امرأة، و كذا يكره للمختضب قبل أن يأخذ اللون إجناب نفسه. السادس: التدهين. السابع: الجماع ان كانت جنابته بالاحتلام. الثامن: حمل المصحف. التاسع: تعليق المصحف.

[فصل غسل الجنابة مستحب نفسي أو واجب غيري]

فصل غسل الجنابة مستحب نفسي أو واجب غيري للغايات الواجبة و مستحب غيري للغايات المستحبة و القول بوجوبه النفسي ضعيف.

أقول: ان المراد من المستحب النفسي لا يكون هو ان نفس الغسل (بفتح الغين المعجمة) مستحب بل المراد ان الغسل واجب لحصول الطهارة، فيكون هو الغسل (بضم الغين) واقعا و هذا يكون من مقدماته، فالغسل (بالفتح) أيضا يصير واجبا غيريا للكون على الطهارة فهو غيري أيضا، و في المقام أيضا ان قلنا بوجوبه النفسي يكون هذا معناه لا غيره.

أما الدليل على كون وجوبه نفسيا- أولا- هو الآية المباركة «إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» (سورة البقرة الآية: 222).

و تقريبها ان الطهارة محبوبة للّه تعالى سواء كانت للصلاة أو لنفسها. و فيه ان‌

134

المحبوبية تكون من حيث انها مقدمة لأمر عبادي، و لا يلزم أن يكون لنفسها.

و بالروايات- ثانيا- فمنها ما (في باب 25 من الجنابة ح: 4) عن عبد الرحمن ابن أبى عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يواقع أهله أ ينام على ذلك، قال:

ان اللّه يتوفى الأنفس في منامها و لا يدرى ما يطرقه من البلية إذا فرغ فليغتسل.

و تقريب الاستدلال بأن الامام (عليه السلام) حكم بوجوب الغسل بعد الفراغ فهو واجب نفسي. و فيه ان الظاهر ان وجوبه فوري بقوله «إذا فرغ» و لم يقل به أحد على أن الظاهر منها القول بأنه حيث يريد النوم يجب أن يغتسل، فالنوم هو الغاية، و مقتضى الجمع بينها و بين سائر الروايات هو الكراهة.

و باقي الروايات في الباب أيضا يكون في هذا المعنى، و منها ما عن محاسن البرقي عن الصادق انه سئل عن الدين الذي لا يقبل اللّه من العباد غيره و لا يعذرهم على جهله، فقال (عليه السلام): شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و الصلاة الخمس و صوم شهر رمضان و الغسل من الجنابة و حج البيت و الإقرار بما جاء من عند اللّه و الائتمام بأئمة الحق من آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) .

و تقريب الاستدلال ان غسل الجنب يكون في عداد ما هو واجب نفسي و ظاهره انه أيضا كذلك. و فيه ان السؤال يكون عن الدين و هو مجموع القوانين لا عن العمل.

و الجواب: ان غسل الجنابة أيضا من الدين و لم يذكر فيها جميع الواجبات حتى يذكر فيها ان غسل الجنابة من الواجبات الغيرية، فهي في مقام بيان التعليم فكيف يمكن الاستدلال بها للوجوب النفسي.

و من الروايات ما ورد في سبب الجنابة (باب 6 من أبواب الجنابة) من انه «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» و قوله (عليه السلام): «أ توجبون عليه الرجم و المهر و لا توجبون عليه صاعا من الماء» فإنه لم يكن فيه ذكر الغاية فهو واجب نفسي.

و أجاب عنه صاحب الوسائل بأن وجوب الغسل بغيبوبة الحشفة موقوف على‌

135

وجوب غايته من صلاة و صوم و طواف و نحوها و دخول وقتها على ان وجوب المهر و الرجم موقوفان على شروط كثيرة، و لكن الجواب الصحيح أن يقال ان مقتضى الجمع بين قوله (عليه السلام) «لا صلاة إلّا بطهور» (باب 14 من الجنابة ح: 2) و هذه الروايات و الآية السابقة، و ما سنذكرها هو القول بكونها في مقام بيان الطهور للصلاة لأن الآيات و الروايات مجموعا بيان لحكم اللّه تعالى. و أظن عدم استحبابه النفسي فضلا عن وجوبه الغيري و ما ذكر من الموارد للنوم و غيره يكون توسعة للغايات.

و أما ما عن بعض المعاصرين من ان سائر الأغسال يكون وجوبه غيريا و مثله ما ورد في منزوحات البئر، و هذه الروايات في الجنابة لا ينفى الغيري و وجوبه النفسي مشكوك، فالأصل البراءة عنه.

ففيه ان منزوحات البئر احتمل بعضهم وجوبها نفسا لورودها في مورد لم تحصل النجاسة أيضا لعدم تغيير الماء أصلا فقيل انه تعبد بالتطهير كذلك.

و أما ما استدل به من قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا بتقريب ان يقال جملة «وَ إِنْ كُنْتُمْ. إلخ» عطف على جملة «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ. إلخ» لا على قوله «فَاغْسِلُوا» لينتج إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا و إذا قمتم إلى الصلاة فاطهروا.

فالجواب عنه: هو أن سياق الآية من الصدر و الذيل بيان على ان الصلاة تحتاج إلى طهارة اما وضوئية و اما غسلية و اما تيممية و يكون مفادها مفاد قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» و مجموع الآيات و الروايات يكون في صدد هذا الأمر، و الوجوب النفسي و ان لم يناف الغيري بأن يكون واجبا نفسا و عند إرادة الصلاة أيضا. و لكنه خلاف الظاهر من الآية و ان كان القائل بوجوبه النفسي أيضا جمع من الكملين كالعلامة و أبيه و ابنه و الأردبيلي (قدست أسرارهم).

على ان للروايات معارض و هو ما ورد في باب 14 من الجنابة ح: 1 عن عبد اللّه ابن يحيى الكاهلي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض و هي في المغتسل فتغتسل أم لا؟ قال: قد جائها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل.

136

و تقريبها واضح من جهة ان الغسل للصلاة لا لحصول الطهارة و الا قال (عليه السلام):

قد جائها ما يمنع من الطهارة و هو الحيض.

و في ح: 2 عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة و لا صلاة إلا بطهور و هذه الرواية لا تنافي وجوبه لنفسه و وجوبه في صورة إرادة الصلاة أيضا.

و الحاصل اما أن نفهم من هذه الروايات ان وجوب الغسل للصلاة أو يستقر التعارض بينها و بين ما دل على الوجوب مطلقا، و عليه فتتساقطان و المرجع البراءة من وجوبه النفسي هذا، و لكن الإنصاف أن استحبابه نفسيا مما يقضى به التدبر في الروايات و ان (1) الإشكالات التي مرت بدوية، لكن استحبابه أعم من إتيانه بقصد الكون على الطهارة أو بقصد نفس الغسل (بالفتح).

و قد أشكل على القول بعدم الوجوب بإشكالات:

فمنها: انه لو لم يكن واجبا فكيف يقال بوجوب غسل الجنابة للصوم قبل دخول وقته و الواجب الغيري لم يجب الا بوجوب الغير، و الوقت دخيل في فعلية الوجوب، فنفهم من هذا ان وجوب الغسل قبل الوقت يكون نفسيا. و فيه أولا انا نسأل من القائل بأنه هل يكون الربط بين الغسل و الصوم أم لا؟ فان كان، فلا بد أن يكون من باب المقدمة فيكون وجوبه غيريا، و ان لم يكن، فكيف يقال بأن الصوم بدون الغسل باطل، هذا على فرض القول بعدم فعلية وجوب الواجب المشروط قبل حصول شرطه، و أما على القول به كما هو التحقيق فالوجوب قبل الوقت فعلى، و يترتب عليه بعض آثار الفعلية مثل عدم جواز اراقة الماء الذي يحصل به الغسل قبل‌

____________

(1) أقول: انه لم يبين وجه رد الإشكالات السابقة حتى بعد الدرس، و لكن أظن ان وجهه أن يقال ان الوضوء طهور و مستحب نفسي لأن «الوضوء على الوضوء نور على نور» كما في رواية (باب 8 من الوضوء ح: 8) و في رواية أخرى «أي وضوء أنقى من الغسل» (باب 34 من الجنابة ح: 4) فكأن الغسل مثل الوضوء في حصول النور و زيادته.

137

الوقت، و على مسلك الشيخ الأنصاري (قده) و هو ان كل الواجبات المشروطة يرجع الى المعلقة أيضا يكون الوجوب فعليا، و الفاعلية استقبالية.

نعم على مسلك القائل بأن الواجبات المشروطة قبل حصول الشرط لا يكون وجوبها فعليا (1) يصح هذا الاشكال.

قوله: و لا يجب فيه قصد الوجوب و الندب بل لو قصد الخلاف لا يبطل إذا كان مع الجهل بل مع العلم إذا لم يكن بقصد التشريع و تحقق منه قصد القربة، فلو كان قبل الوقت و اعتقد دخوله فقصد الوجوب لا يكون باطلا، و كذا العكس و مع الشك في دخوله يكفي الإتيان به بقصد القربة للاستحباب النفسي، أو بقصد احدى غاياته المندوبة، أو بقصد ما في الواقع من الأمر الوجوبي أو الندبي.

أقول: انه لا دليل على وجوب قصد الوجه في العبادات مطلقا بل ما هو المحقق لعباديتها هو إتيان العمل بقصد الأمر و هذا مسلم، و أما قصد الخلاف، ففيه بحث.

فنقول: لا شبهة و لا ريب في أن مثل الغسل يكون مقدمة للصلاة مع كونه عبادة بل الطهارات الثلاث كذلك و توجيه عباديتها اما بأن يقال انها مستحبات نفسية (2) و في مقام المقدمية يؤتى بها بقصد أمرها النفسي العبادي و يقصد بها التوصل إلى ذي المقدمة، فعلى هذا الوجه من تصحيح العبادية لا شبهة في انه لو قصد الندب بعد دخول وقت الصلاة مثلا لا يكون قاصدا لخلاف الواقع فإن الأمر النفسي كان‌

____________

(1) أقول: انه على فرض القول به كما هو التحقيق أيضا حيث يكون النص على وجوب الغسل قبل الصوم يكون الوجوب فعليا، و اختلاف المبنى في أقسام الواجب في الأصول يفيد في صورة عدم النص، و أما معه فنحن في غنى عنه كما ان القول بأن وجوب حفظ المقدمات المفوتة لكونه من آثار الوجوب الإنشائي عند العرف على القول بعدم فعلية وجوب الواجب المشروط قبل شرطه أيضا غير بعيد.

(2) كما هو الحق.

138

مستحبيا الا أن يقال انه يندك في الوجوبي، و أما ترتب ذي المقدمة عليه فهو من باب انه إذا حصلت الطهارة يجوز إتيان جميع الغايات معها و منها الصلاة، و أما إذا قصد الوجوب في هذا الفرض و قلنا (1) بأن الوجوب قبل الوقت فعلى للمقدمة فلا شبهة أيضا في صحة العبادة بقصد الوجوب لأنه كان كذلك بالنسبة الى الأمر الغيري، فإن قصد الوجوب أو الندب يكون عمله صحيحا و لا تخلف فيه، و أما على فرض كون عبادية العبادة من ناحية أمر ذي المقدمة بأن يجي‌ء قطعة من الأمر على الصلاة على مقدمتها أيضا فتصير ذات أمر فتؤتى بداعي هذا الأمر للصلاة، فإتيان الغسل قبل الوقت على القول بفعلية وجوب الواجب المشروط بنية الوجوب لا اشكال فيه، و أما بنية الندب ففيها الاشكال من حيث ان الأمر على هذا، اما وجوبي أو لا يكون أصلا.

و لقد أجاد المصنف (قده) حيث فرق بين المقام مع قصد الخلاف بين قصد الخلاف في إمام الجماعة بأن قال فيه: ان الصلاة باطلة إذا قصد الخلاف بأن قصد انه زيد و كان عمروا، و لم يحكم في المقام بالبطلان لأن الخصوصية هنا و هي قصد الوجوب و الندب غير داخلة هنا في المطلوب بخلافها ثم، فان تعيين من يقتدى به لازم.

و اما قصد الخلاف تشريعا فهو أيضا فيه بحث من جهة معنى التشريع فإنه قد قيل بأنه إدخال ما ليس من الدين في الدين و هذا يتصور على وجوه كما حررناه و حققناه في الأصول أيضا الأول: أن يرى المشرع نفسه نبيا فيجزم و يعتقد ان الواجب عليه هو القصد كذلك، و اما أن يرى اختلاف المصالح بمرور الزمان المقتضى لتغير الحكم، أو يرى انه يختص بالزمان السابق لا هذا الزمان و من لا يكون كذلك‌

____________

(1) أقول: في فعلية وجوب الواجب المشروط نظر بل منع، و لكن العمل صحيح من باب ان قصد الوجه غير دخيل في أصل العمل نعم لو كان مقيدا بأنه لو لم يكن واجبا لا يتوضأ لا يصح و لكن لو قصد الأمر و تخيل أنه وجوبي يصح الوضوء.

139

لا يكون مشرعا أصلا، و اما من يعتقد بالوجوب و لم يدع شيئا مما ذكر فان قصد الندب فيكون لاعبا و لاغيا، و هذا لا يضر بأصل القصد بل لا يجي‌ء في داعيه الا قصد الواقع و هذه الضميمة سواء كانت عقلائية أم لا، لا ربط لها بالنية.

و أما أصل عبادية الغسل فهو من ضروريات الدين و لكن لا سند لها فنيا، فان قصد الأمر ان كان أخذه فيه ممكنا فالإطلاق اللفظي يوجب عدم وجوبه و ان لم يكن ممكنا فالإطلاق المقامى يوجب ذلك، لأن اللازم على هذا إبرازه بأمر آخر و لم يبرزه و على فرض الإشكال في الإطلاق فالأصل يقتضي البراءة العقلية و الشرعية، الا على مبنى من يقول ان الأوامر كلها تعبدية إلا ما ثبت بالدليل توصليتها، و لكن يمكن ان يقال ان السند ارتكاز المتشرعين على تعبديته و الإجماع يكون عليها.

قوله: و الواجب فيه بعد النية غسل ظاهر تمام البدن دون البواطن منه، فلا يجب غسل باطن العين و الأنف و الاذن و الفم، و نحوها.

أقول: ان وجوب غسل تمام البدن يكون إجماعيا و لا مخالف له الّا المحقق الأردبيلي و المحقق الخوانساري، و لكن يمكن أن يكون نظرهما الى عدم وجوب المداقة العقلية الفلسفية و ان المدار على غسل تمام البدن عرفا بحيث لو لم ير العرف غسل التمام لا يكفى لا انه لو صدق عدم غسله تماما أيضا يقال بالكفاية.

و السند للمشهور هو الروايات في أبواب مختلفة منها: ما في باب 1 (من أبواب الجنابة ح: 5) «قال (عليه السلام): من ترك شعرة من الجنابة معتمدا فهو في النار» و معلوم ان المراد به هو غسل تمام الجسد حتى لا يبقى بمقدار أصل الشعرة شي‌ء غير مغسول.

و منها: ما ورد في باب 24 من الجنابة، و حاصله هو أن غسل الجسد واجب و هو يصدق على تمام البدن، ففي ح: 1 «ثم تغسل جسدك» و في ح: 2 «ثم تفيض على جسدك الماء». و منها: ما ورد في باب 41 من الجنابة، و حاصله ان من ترك بعض العضو يجب عليه الإعادة الّا أن يكون شاكا بعد الغسل.

و منها: ما ورد في باب 41 من الوضوء من وجوب تحريك الدملج و السوار‌

140

ليدخل الماء تحتهما، فإنه أيضا كاشف عن ان الواجب غسل تمام البدن، و الا فلا وجه لوجوب ذلك، و ما يكون سند المخالف هو الروايات الواردة في باب 30 من الجنابة ح: 1 عن إبراهيم بن أبى محمود قال: قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يجنب فيصيب جسده و رأسه الخلوق و الطيب و الشي‌ء اللكد (اللزق خ) مثل علك الروم و الظرب (هو أيضا اللزق) و ما أشبهه فيغتسل فإذا فرغ وجد شيئا قد بقي في جسده من أثر الخلوق و الطيب و غيره، قال: لا بأس.

و تقريبها هو ان ما ذكر يكون مانعا من وصول الماء إلى البشرة، و حكم (عليه السلام) بعدم البأس به. و كذا ح: 2 «كن نساء النبي (صلى اللّه عليه و آله) إذا اغتسلن من الجنابة يبقين (بقيت خ ل) صغرة الطيب على أجسادهن، و ذلك ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) أمرهن أن يصببن الماء صبا على أجسادهن». و كذا ح: 3 في الحائض تغتسل و على جسدها الزعفران لم يذهب به الماء، قال: لا بأس. و في باب 42 من الجنابة ح: 1 «قال:

اغتسل أبى من الجنابة فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء، فقال له:

ما كان عليك لو سكت ثم مسح تلك اللمعة بيده».

و هذه الروايات كما ترى يمكن ان يكون الاشكال فيها من جهة صغرى المانعية لا أصل الكبرى فان بقاء اللون ألا يكون مانعا، و لذا حكم (عليه السلام) بعدم البأس. و على فرض تمامية الدلالة، فالأظهر و المشهور هو ما دل على وجوب غسل التمام، و المخالف نادر من المتأخرين من الفقهاء.

أما عدم وجوب غسل البواطن فالإجماع عليه، و المخالف يكون مخالفا في الصغرى بمعنى انه لا يرى بعض المواضع من الباطن مثل منطبق الشفتين لا في أصل عدم وجوب غسل البواطن، و الشاهد عليه مشروعية الغسل الارتماسي، و فيه لا يبلغ الماء الى البواطن مع انصراف لفظ الجسد عنه. و ما ورد من الروايات في عدم وجوب المضمضة و الاستنشاق و استحبابهما أيضا دليل على عدم وجوب غسل البواطن.

141

حكم غسل الشعر في غسل الجنابة

قوله: و لا تجب غسل الشعر مثل اللحية بل يجب غسل ما تحته من البشرة و لا يجزى غسله من غسلها.

أقول: ان الواجب في غسل الجنابة هو غسل البشرة سواء كان الشعر خفيفا أو كثيفا بخلاف الوضوء فإنه في الشعر الكثيف يكفى غسل الشعر، و لكن وجوب غسل الشعر في الغسل محل الاختلاف، و المشهور عدمه، و قيل: بوجوب غسل الخفيف دون الكثيف، و قيل: بوجوبه مطلقا، و قد يوجد في بعض الكلمات ان وجوب غسل الشعر مختص باللحية، و لكن التحقيق ان الشعر الذي يحسب جزءا من البدن كالشعار الدقاق الذي يحسب من البشرة يجب غسله لعدم انفكاكه عن غسل البشرة، و اما غيره فلا دليل على وجوبه و عند الشك فالأصل يقتضي البراءة عنه.

لا يقال حيث يكون الطهارة أمرا بسيطا من الغسل و الأمر يكون به أيضا، فلا محالة يكون الشك في المحصل، و الأصل فيه الاشتغال لا البراءة.

لأنا نقول: أولا: انه لا دليل لنا على ان المأمور به هو الطهارة لا الغسل و لو سلم تبعا لبعض أهل الذوق العالي من الفقهاء فيكون الأصل الاشتغال فيما يكون بسيطا من جميع الجهات، و أما في المقام فحيث يكون له مراتب، فانا لا نعلم أن المرتبة القوية هي المأمور بها أم الضعيفة، فالأصل يقتضي البراءة عن الزائد.

لا يقال ان لنا دليلا اجتهاديا على وجوب الغسل كما عن الحدائق و هو الأمر بغسل الجسد في الروايات فان الجسد يشمل جميع الشعار التي هي على البدن. و كذا في عنوان الروايات وجوب غسل الرأس، ثم اليد اليمنى ثم اليسرى و لو لم يشمل عنوان الجسد الشعر يشمل عنوان الرأس و اليد له.

و قد أجيب عن الأخير بأن الروايات تكون في مقام بيان الترتيب و لا يكون فيها اشعار من هذه الجهة، و فيه انه لا ينافي ما ذكره القائل لأن أصل غسل اليد‌

142

و غيرها في الترتيب منحفظ، لكن لو دل فإنما يكون لمقدميته لغسل البشرة لا وجوبه نفسا، و لا يشمل عنوان الجسد للشعر و كذلك عنوان اليد، و اما الاكتفاء بغسل الشعر الكثيف في الوضوء دون البشرة فلأن الارتكاز في المقام على ان الروايات تدل على ان اللازم على أى حال لازم مثل قوله (صلى اللّه عليه و آله) : «تحت كل شعرة جنابة» و اما في الوضوء فلا يكون هذا الارتكاز، فما عن المحقق الهمداني (قده) من ان الفارق الإجماع في الوضوء دون المقام غير تام.

و أما الروايات التي وردت في وجوب غسل الشعر فتكون بين ما لا دلالة له أصلا، أو يدل على خلاف المطلوب، و العجب من صاحب الحدائق و الوسائل فإن الثاني جعل عنوان الباب الذي يذكر فيه للروايات «باب عدم وجوب غسل الشعر» و صاحب الحدائق استفاد من تلك الروايات الوجوب. و هي في باب 38 من الجنابة منها: ح: 1 و فيه «من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار».

و تقريبه هو ان المراد بالشعرة نفسها لا، مكانها، و لكنا نفهم منه ان المراد مكان الشعرة. و الشاهد عليه ما ورد في النبوي في المستدرك «تحت كل شعرة جنابة فبلّو و أنقوا البشرة» فإن بلّ الشعرة يكون لنقاء البشرة (1).

و من الروايات على عدم وجوب غسل الشعر أو على وجوبه على رأى المستدل بها لذلك ما وردت في شعور نساء النبي (صلى اللّه عليه و آله) و هي في باب 38 من الجنابة أيضا.

فمنها: ما عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: حدثني سلمى (سلمة) خادم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قالت:

كان أشعار نساء النبي (صلى اللّه عليه و آله) قرون رؤوسهن مقدم رؤوسهن فكان يكفيهن من الماء شي‌ء قليل، و أما النساء الآن فقد ينبغي لهن أن يبالغن في الماء.

بتقريب أن المبالغة في الماء حيث يكون لوصوله الى جوف الأشعار فيجب غسلها، فيقال: بوجوب غسل الشعر، و لكن يمكن أن يقال: يكون هذه المبالغة لوصول‌

____________

(1) هذا خلاف ظاهره بل الشعر يجب بله و البشرة نقائها مع قطع النظر عن سائر الروايات و لكنه نبوي ضعيف و لم يعمل به المشهور.

143

الماء إلى البشرة بواسطة ان الشعر يمنع من وصول الماء إلى البشرة.

و منها: ح: 3 عن غياث بن إبراهيم عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه عن على (عليهم السلام) قال: لا تنقض المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة.

و هذه الرواية دليل على عدم وجوب غسل الشعر لأن عدم النقض يوجب عدم وصول الماء في وسط الأشعار. و مثلها رواية 4- عن محمد الحلبي، و يمكن أن يقال بأن هذه الرواية أيضا غير صريحة في ذلك لأنه يمكن أن يكون الماء واصلا الى الشعر بهذا الحال أيضا.

و منها: ح: 2 عن جميل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عما تصنع النساء في الشعر و القرون، قال: لم تكن هذه المشطة إنما كن يجمعنه ثم وصف أربعة أمكنة ثم قال: يبالغن في الغسل. و يمكن أن تكون المبالغة لمقدمية وصول الماء إلى البشرة.

و منها: ح: 5 عن يحيى الكاهلي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ان النساء اليوم أحدثن مشطا تعمد إحداهن إلى القرامل من الصوف تفعله الماشطة يصنعنه من الشعر ثم تحشوه بالرياحين ثم تجعل عليه خرقة رقيقة ثم تخيطه بمسلّة ثم تجعلها في رأسها ثم تصيبها الجنابة، فقال: كان النساء الأول انما يتمشطن المقاديم فإذا أصابهن الغسل تعذر (اى تبقى) مرها أن تروى رأسها من الماء و تعصره حتى يروى فإذا روى فلا بأس عليها، قال: قلت: فالحائض، قال: تنقض المشطة نقضا. و يمكن أن يكون أن تروى الرأس من باب المقدمة لإيصال الماء إلى البشرة. و كيف كان لا يمكن الاستدلال بها للوجوب لا أقل من الاجمال و الشك، فالأصل البراءة عن وجوب غسل الشعر.

ثم انه على فرض تمامية هذه الروايات لعدم وجوب غسل الشعر و تمامية ما ورد في الجسد و الرأس لوجوب الغسل من باب صدق العنوان على الشعر الملازم فاما أن يجمع بينهما بحمل ما دل على الوجوب على صورة كون الشعر خفيفا و ما دل على عدم الوجوب على صورة كونه كثيفا، أو يقدم ما دل على عدم الوجوب‌

144

من باب موافقة المشهور معه، و أما الإجماع في المقام فيكون مدركه هذه الروايات فلا وقع له‌

قوله: نعم يجب غسل الشعور الدقاق الصغار المحسوبة جزءا من البدن مع البشرة و الثقبة التي في الاذن أو الأنف للحلقة ان كانت ضيقة لا يرى باطنها لا يجب غسلها، و ان كانت واسعة بحيث تعد من الظاهر، وجب غسلها.

أقول: أما الشعر الدقيق فان ما ورد في شعور نساء النبي (صلى اللّه عليه و آله) لا يشمله، لأنها كانت طوالا فيكون الدليل منصرفا عنه، لا يقال ان الانصراف لغلبة الوجود، لأنا نقول: يحسب جزءا من البدن، و لذا لا طريق إلى إخراجه عن الدليل لا الملازمة فقط.

اما البواطن فعلى فرض انصراف الجسد عنها لا تحتاج الى بيان ما هو الباطن أو الظاهر، فان كل ما يصدق عليه الجسد يكون واجب الغسل و ما لا يكون كذلك لا يكون كذلك، و أما لو كان لنا دليل بأن الباطن لا يجب غسله، فيجب البحث عما يصدق عليه ذلك. و الحق مع المصنف هنا.

في وجوب الترتيب بين الرأس و الجسد في الغسل الترتيبي

قوله: و له كيفيتان:

الاولى: الترتيب و هو أن يغسل الرأس و الرقبة أولا ثم الطرف الأيمن من البدن ثم الطرف الأيسر، و الأحوط أن يغسل نصف الأيمن من الرقبة ثانيا مع الأيمن و النصف الأيسر مع الأيسر.

أقول: قد اختلف في وجوب الترتيب في غير الارتماس، فقيل: بعدمه مطلقا و قيل: بوجوبه بين الرأس و الأيمن و الأيسر، و قيل: بوجوبه بين الرأس و سائر الجسد دون الأيمن و الأيسر، أما الترتيب بين الرأس و سائر الجسد فقد ادعى عليه الإجماع و خالفه الصدوقان، و لكن السند هو الروايات، فإنها في باب 26 من أبواب الجنابة: فعن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن غسل الجنابة، فقال‌

145

تبدأ بكفيك فتغسلهما، ثم تغسل فرجك ثم تصب على رأسك ثلاثا ثم تصبّ على سائر جسدك مرتين فما جرى عليه الماء فقد طهر. و في ح: 2 «فقال: ان لم يكن أصاب كفه شي‌ء غمسهما في الماء ثم بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين و على منكبه الأيسر مرتين. إلخ».

و في ح: 8 موثقة سماعة: «إذا أصاب الرجل جنابة فأراد الغسل فليفرغ على كفيه و ليغسلهما دون المرفق ثم يدخل يده في إنائه ثم يغسل فرجه ثم ليصب على رأسه ثلاث مرات مل‌ء كفيه ثم يضرب بكف من ماء على صدره و كف بين كتفيه ثم يفيض الماء على جسده كله.

و في باب 28 ح: 1 عن زرارة: «من اغتسل من جنابة فلم يغسل رأسه ثم بدا له أن يغسل رأسه لم يجد بدّا من اعادة الغسل (1). و مثله ح: 3 في الباب و هذه الروايات غير الأخيرة قد ترى ظهورها على الترتيب بين الرأس و الجسد لأن العطف بلفظ «ثم» و هو يدل على الترتيب، و أما الرواية الأخيرة فهي صريحة في وجوبه لأنه على النسيان يجب الإعادة على نحو يحصل الترتيب.

فان قلت: لا يستفاد الترتيب من روايات باب 26 لأن الترتيب يكون محمولا على الغالب فان من يريد غسل جسده يصب الماء على رأسه ليجري على سائر الجسد و لا يصب من رجله، و الشاهد عليه هو ذكر ما لا يجب الترتيب فيه مثل غسل اليد قبل إدخال الإناء و غسل الفرج بعده و العطف فيه ب‍ «ثم» أيضا، مع انه لم يقل به أحد.

قلت: ان غسل الفرج و اليد يكون مقدمة لإزالة النجاسة عن البدن و من الخارج نعلم ان ازالة النجاسة لا يكون فيه الترتيب، فإنه سواء حصل أو لا، يزول النجاسة، و أما الغسل لغيرهما فهو تعبدي محض، فلذا يجب ملاحظة الترتيب المذكور لأنا لا نعلم السر فيه و نعلم السر في غسل الفرج و غيره و هو إزالة النجاسة.

____________

(1) أقول: ان هذه و أمثالها هي المستند لوجوب الترتيب بين الرأس و الجسد و أما سائر الروايات فلا تكون بحيث لا يمكن الخدشة فيها كالحمل على الغالب و العادة.

146

و قد أشكل على رواية زرارة المتقدمة آنفا بأن وجوب الإعادة يكون لعدم حصول قصد القربة لأن من تعمد في عدم غسل رأسه لا يحصل منه قصدها. و فيه ان الظاهر انه يكون ناسيا لا عامدا و في العمد أيضا يجي‌ء قصد القربة (1) كما في الجاهل الذي لا يعلم الحكم و يترك بعض الشروط و الأجزاء.

و من الروايات التي توهم معارضتها مع ما ذكر ما في باب 26 من الجنابة:

ح: 5 و فيه «ثم تغسل جسدك من لدن قرنك (2) الى قدميك» و في ح: 6 و فيه «ثم أفض على رأسك و جسدك و لا وضوء فيه» و في ح: 7 «ثم اغسل فرجك و أفض على رأسك و جسدك فاغتسل». فإنها كما ترى لا يكون فيها ذكر الترتيب. و في ح 6:

يكون العطف بالواو، لا ب‍ «ثم» حتى يدل على الترتيب.

فان قلت: لا معارضة بين هذه الروايات و ما سبق لأن المطلق قابل للتقييد، و هذه مطلقة و ما مر مقيد لها. قلت: قيل بأن المطلقات هنا تكون آبية عن التخصيص و التقييد لأن الإمام (عليه السلام) في مقام البيان قد ذكر ما لا يلزم ذكره مثل غسل الفرج لأنه مستحب، فكيف لم يتعرض لما هو الواجب لو كان واجبا.

و فيه ان الإطلاق لا يكون طاردا للقيد بل ظاهر في عدمه فلو ورد قيد يقيد به و على فرض تمامية المعارضة فالمقيد مقدم لأنه موافق المشهور، فالترتيب بين الرأس و سائر الجسد لازم.

و أما ما ورد من رواية هشام بن سالم عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) (في باب 28 من الجنابة ح: 4) في قضية جارية لأبي عبد اللّه (عليه السلام) و معه (عليه السلام) أم إسماعيل فأمرها مخافة من أم إسماعيل بعد اصابته لها بغسل جسدها، و قال لها:

«إذا أردت أن تركبي فاغسلي رأسك» الدال على تقديم الجسد على الرأس، ففيه‌

____________

(1) أقول: ان في الجاهل بالحكم أو الموضوع يكون الصحة و الفساد بدليل آخر، و أما العامد العالم فلا يجي‌ء منه قصد القربة.

(2) أقول: يمكن أن يقال ان قوله (عليه السلام) «من لدن قرنك» أيضا فيه اشعار على وجوب الترتيب بين الرأس و سائر الجسد فهي على خلاف مطلوبهم أدل.

147

ان الشيخ قال بأن الراوي اشتبه عليه فرواه بالعكس لأن هشام بن سالم راوي هذا الحديث روى ما قلناه بعينه (في باب 29 من الجنابة ح: 1) على انه قال صاحب الوسائل انه موافق للتقية، فلا اعتبار بها في المقام.

هذا كله في الترتيب بين الرأس و الجسد. و أما الترتيب بين اليمين و اليسار من الجسد، فهو المشهور و خالفه بعض، مثل صاحب المدارك و السند الروايات.

منها: ما ورد عن زرارة في باب 26 من الجنابة في ح: 2 و فيه «ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين و على منكبه الأيسر مرتين فما جرى عليه الماء فقد أجزأه».

و في باب 28 من الجنابة ح: 2 مقطوعة (1) عن زرارة في حديث كيفية غسل الجنابة، ثم بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف ثم صب على رأسه ثلاث أكف ثم صب على منكبه الأيمن مرتين و على منكبه الأيسر مرتين.

و تقريبهما ان العطف بين الرأس و الأيمن و ان كان ب‍ «ثم» الدال على التراخي و بين الأيمن و الأيسر بالواو الدال على الجمع، و لكن الفراء من النحويين قال:

بأن الواو أيضا يأتي للترتيب، و الشاهد له فهم الفقهاء منهما الترتيب، لا من أحدهما فقط.

و فيه ان تمسكهم لعله يكون لنكتة أخرى مثل السيرة و ما سيجي‌ء من الأدلة، لا لدلالة الواو على الترتيب و الواو يكون للجمع، و لا يفيد قول نحوي أو لغوي واحد العلم بكونه للتراخي أيضا مثل «ثم»، على انه يمكن أن يكون لبيان أمر عرفي غالبي و هو انهم يقدمون الأيمن على الأيسر لأنه لا يمكن أن يكون دفعة واحدة و لا يقدم الأيسر و تقديم الأيمن أيضا لا يكون بتمام أجزائه، على ان المطلقات التي مرت تكون مخالفة لهذا الترتيب.

____________

(1) أقول: هذه الرواية لا تكون مقطوعة السند بل يكون بعض الحديث الثاني من باب 26 على ما نقل في تذييلات الوسائل أيضا.

148

ثم انه قد وجهوا بأنه لم يقل أحد بتقديم الأيسر، فيجب تقديم الأيمن. و فيه ان هذا ادعاء محض و سنده الإجماع و هو لم يثبت، و لو ثبت فيكون سنده هذه الروايات.

و استدل أيضا للترتيب بينهما بغسل الميت فان الترتيب بين الأيمن و الأيسر في غسله واجب، و قد ورد روايات انه هو غسل الجنابة أو مثل غسل الجنابة، فيجب تحصيل الترتيب لإطلاق التنزيل و التشبيه في جميع الآثار.

و فيه ان لازم التشبيه هو أن يكون ما هو الواجب في المشبه به واجبا في المشبه لا ما يكون بالعكس فان ثبت الترتيب في غسل الجنابة يجب أن يقال به في غسل الميت أيضا، و لو أرادوا إطلاق التنزيل في المشبه، فكيف لا يكون السدر و الكافور في غسل الجنابة مثلا فلا وجه لهذا القياس أصلا.

و استدل أيضا بأن الترتيب في الوضوء لازم حتما و هو الطهارة الصغيرة، و الجنابة طهارة كبيرة، فكيف لا يجب فيها و لم يقل أحد بالفصل؟. و فيه ان المفيد هو القول بعدم الفصل لا عدم القول بالفصل مع ان القائلين بالفصل و عدم لزوم الترتيب هنا أيضا موجودون.

و استدل أيضا بالسيرة الشرعية فإن جميع من يغتسل من الجنابة يلاحظ الترتيب و فيه ان السيرة لم تثبت لأنا ما كنا عند من يغتسل في الخلوات لنتحققها، نعم السيرة الارتكازية في الفقهاء يمكن ادعائها و يمكن استفادة ذلك من العطف ب‍ «ثم» الدال على الترتيب بين الرأس و الأيمن في الرواية، فإن تقديم الأيسر خلاف الظاهر و على فرض الشك لو كان من دوران الأمر بين التعيين و التخيير بأن يقال غسل الأيمن مقدما تعيينا مجز قطعا، و اما مخيرا بينه و بين الأيسر فيكون مشكوكا فيه، فان لم نقل بأنه يرجع الى الشك في زيادة التكليف و دوران الأمر بين الأقل و الأكثر فيجب اختيار الأيمن معينا.

و أما الرقبة فهي داخلة في غسل الرأس و قد خالف فيه أهل البحث بأنه غير‌

149

داخل في مفهوم الرأس على انه في رواية أبي بصير «ثم تصب على رأسك الماء ثلاث مرات و تغسل وجهك و تفيض الماء على جسدك». فإن الأمر بغسل الوجه فيها دليل على ان الوجه غير داخل في مسمى الرأس فضلا عن الرقبة.

و فيه ان مفهوم الرأس و ان كان عدم شموله على الرقبة واضحا، و لكن الظهور الحكمي يكون على الدخول خصوصا بضم الروايات التي يؤمر فيها بغسل الرأس ثم الأيمن أو سائر الجسد، فإنه لو لم يكن داخلا في حكمه يلزم منه ان لا يجب غسل الرقبة، و هو كما ترى، ففيها الشاهد على ان غسلها يكون داخلا في الرأس، و ليعلم ان جميع البدن من القرن الى القدم إذا كان واجبا غسله يجب غسل الرقبة أيضا، و لا يقول أحد بعدم وجوب غسلها، و لكن ثمرة البحث تكون في الترتيب فإنه إذا كان حكمها حكم الرأس يجب أن تقدم على سائر الأعضاء في الغسل، و الرواية و ان دلت على خروج الوجه عن مفهوم الرأس، و لكن قد عرفت دخول الجميع من حيث الحكم (1). فالحق. هو الترتيب بينهما و لا احتياج الى غسل الرقبة نصفها مع الأيمن و نصفها مع الأيسر.

قوله: و السرة و العورة يغسل نصفهما الأيمن مع الأيمن و نصفهما الأيسر مع الأيسر و الاولى أن يغسل تمامهما مع كل من الطرفين.

أقول: في غسل السرة و العورة أقوال ثلاثة: قول بوجوب غسلهما مع الأيمن و الأيسر. و قول بالتنصيف. و قول بكفاية الغسل مع طرف واحد، و لكن على فرض عدم وجوب الترتيب بين الأيمن و الأيسر لا يجب الا غسلهما فقط، و أما على فرض الترتيب فاما أن يكونا عضوين بأصلهما فيجب غسلهما، أو يحسب النصف مع الأيمن و الآخر مع الأيسر ان لم يكونا مستقلين. فلا وجه لغسلهما تماما مع كل طرف‌

____________

(1) أقول: هذا مضافا الى أن الترتيب بين غسل الوجه و الرأس و التصريح بذلك لا ينافي ما نحن بصدده من وجوب غسل الرقبة بعدهما.

150

قوله: و الترتيب المذكور شرط واقعي فلو عكس و لو جهلا أو سهوا بطل، و لا يجب البدءة بالأعلى (1) في كل عضو و لا الأعلى فالأعلى و لا الموالاة العرفية بمعنى التتابع، و لا بمعنى عدم الجفاف، فلو غسل رأسه و رقبته في أول النهار، و الأيمن في وسطه، و الأيسر في آخره صح.

أقول: أما شرطية الترتيب واقعا فهو مستفادة من الروايات، و أما لفظه فلا يكون في لسان دليل بأن يقال: يجب الترتيب حتى تكون في صدد إحراز هذا العنوان.

و أما الروايات فهي ما ورد في باب 28 من الجنابة، ح: 3 و فيه قوله (عليه السلام): «من اغتسل من جنابة و لم يغسل رأسه، ثم بدا له أن يغسل رأسه لم يجد بدا من اعادة الغسل» و كذلك ح: 1 من الباب.

بتقريب انه لو لم يكن الترتيب شرطا واقعا لم يكن وجه لإعادة الغسل، بل يكفى غسل ما بقي، و الظاهر من الرواية انها في صورة السهو، و أما صورة العمد فهي شاملة لها من باب الأولوية و لو كانت في صورة العمد فقط، لا يستفاد منها الحكم لصورة النسيان، فلا شبهة في شرطيته واقعا و عدم الفرق بين صورة السهو و الجهل و غيره.

و أما عدم وجوب البدءة بالأعلى فالسند له هو الإجماع، و نقل عن الذكرى الاستحباب و الأصل أيضا عند عدم الدليل دليل على البراءة، و لا يشكل في المقام بأنه من الشك في المحصل لأنه قد مر ان الاشتغال يكون في صورة كون المحصل (بفتح الصاد) بسيطا و لكن ما يكون له مراتب، فالأصل فيه البراءة و الغسل كذلك.

و أما الروايات فطائفة منها المطلقات التي دلت على أصل الترتيب، مثل ما فيه غسل الأيمن بعد الرأس أو غسل سائر الجسد، و أما البدءة بالأعلى فلا يستفاد منها.

و أما ما ورد في باب 41 من الجنابة، ح: 1 من قوله (عليه السلام) بعد ما قيل له: «بعد‌

____________

(1) و ان كان هذا هو الأولى دون الأعلى فالأعلى.

151

الغسل قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء، فقال له: ما عليك لو سكتّ، ثم مسح تلك اللمعة بيده» الظاهر في أن الترتيب بين الجانبين أيضا ليس بشرط فضلا عن البدءة بالأعلى لأن مسح اللمعة في الظهر من دون تعرض لكونه من الأيسر و الأيمن دليل عليه، فلا يمكن الاستناد إليه لأنه قضية في واقعة لا نعلم كيفيتها، على انه متضمن لما هو خلاف مذهبنا، و هو سهو الامام (عليه السلام)، و احتمال كون بقائه عمدا أيضا كما ترى، فلا يستدل بهذا الرواية على المطلوب.

و من الروايات ح: 2 في الباب و حاصل بعض فقراته هو انه إذا بقي بعض من جسده و استيقن يجب مسحه و يكون فيها التعرض للترتيب و عدمه و هذه الرواية أيضا لا يمكن الاستدلال بها لأنها في صورة السهو، و لعله يكون فيه نكتة لا تكون هي في العمد، و لكن الذي يقتضيه التدبر الصحيح هو أن البدءة بالجانبين من الأعلى لازمة، و لكن في جميع العضو غير لازمة و يدل عليه ح: 2 في باب 26 من الجنابة و ح: 5 و ما في ح: 5 من قوله (عليه السلام): «انه تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك» لا دلالة له على وجوب الترتيب الى القدم لأن أمثال هذه العبارة يكون واردا في صورة إرادة وجوب غسل تمام البدن من دون عناية إلى الترتيب من كلمة «من» و «الى» مع ان الترتيب كذلك عسري، و أما وجوب البدءة من أعلى المنكب فهو صريح ح: 2 من باب 26 (1).

قوله: و كذا لا يجب الموالاة في أجزاء عضو واحد، و لو تذكر بعد الغسل ترك جزء من أحد الأعضاء، رجع و غسل ذلك الجزء، فان كان في الأيسر كفاه ذلك، و ان كان في الرأس أو الأيمن وجب غسل الباقي على الترتيب، و لو اشتبه ذلك الجزء، وجب غسل تمام المحتملات مع مراعاة الترتيب.

____________

(1) أقول: انه يمكن أن يقال ان أمثال هذه الرواية أيضا محمول على الغالب فان من يريد غسل طرفه الأيمن يكون أسهل الطرق هو الشروع من الأعلى غالبا، فلا يجب البدءة بالأعلى أيضا و ان كانت أولى.

152

أقول: انه لا دليل على وجوب الموالاة بل الدليل على عدمه، و لا ملازمة بين عدم وجوب الترتيب و عدم وجوب الموالاة، لأنه يمكن عدمه مع وجوبها، و أما الدليل على العدم فهو الروايات الواردة في باب 29 من الجنابة، فمنها: ح: 1 و هو في قضية أم إسماعيل و اصابة الإمام (عليه السلام) الجارية و أمرها ان يغسل رأسها ثم تصبر الى وقت الإحرام فتغسل جسدها. و هو دليل على عدم وجوب الموالاة.

و في ح: 2 أيضا ما دل على ان الفاصلة بين الأعضاء و لو كان زمانها بعض يوم لا اشكال فيها بقوله (عليه السلام): «و ان كان بعض يوم» و كذلك ح: 3 و ح: 4 و الكل صريح في عدم وجوب الموالاة.

البحث في الغسل الارتماسي

قوله: الثانية الارتماس: و هو غمس تمام البدن في الماء دفعة واحدة عرفية، و اللازم أن يكون تمام البدن تحت الماء في آن واحد و ان كان غمسه على التدريج، فلو خرج بعض بدنه قبل أن ينغمس البعض الأخر لم يكف كما إذا خرجت رجله، أو دخلت في الطين قبل أن يدخل رأسه في الماء أو بالعكس، بأن خرج رأسه من الماء قبل أن تدخل رجله. و لا يلزم أن يكون تمام بدنه أو معظمه خارج الماء، بل لو كان بعضه خارجا فارتمس كفى، بل لو كان تمام بدنه تحت الماء فنوى الغسل و حرك بدنه كفى على الأقوى.

أقول: انه لا شبهة و لا ريب في ان الغسل يكون على نحوين: ترتيبي و ارتماسى انما الكلام في أنهما هل يكونان حقيقة واحدة و لكن الفرق في كثرة الماء و قلته، ففي مثل الحجاز الذي كان أكثر المياه قليلا في زمن السابق يكون بنحو الترتيب، و في مثل الايران خصوصا في بعض بلاده حيث كان الماء كثيرا من البحر و غيره، يكون الطريق الارتماس في الماء، أو هما حقيقتان؟.