المعالم المأثورة - ج5

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
153

يظهر من عبارات الفقهاء إسقاط الترتيب فيه و هو دليل على التعدد، و تظهر الثمرة في قصد العنوان أى عنوان الترتيب و الارتماس عند النية، و أما الروايات الدالة على ذلك فهي ما وردت في باب 24 من الجنابة، ففي ح: 12 «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله». و في ح: 13 عن السكوني «الرجل يجنب فيرتمس في الماء ارتماسة واحدة و يخرج، يجزيه ذلك من غسله، قال: نعم». و في ح: 14 عن الحلبي «إذا اغتمس الجنب في الماء اغتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله». و كذلك استدل بحديث 11 و 12 في الغسل بالمطر (1).

و دلالة هذه الروايات على المطلوب واضحة، ثم قال الشيخ الأنصاري (قده):

انها معارضة لما دل على الغسل الترتيبي، لأن هذه الكيفية غير تلك، و لكن عند التدبر يظهر انه لا معارضة، لأن في كلمة «يجزيه» إشعار بأن للغسل فردا آخر أفضل و هذا أيضا يكون أحد أفراده و مجز، لا انه يكون غيره، و يتعين الطريق فيه، و على فرض التعارض فالنسبة تكون من العموم و الخصوص المطلق لدلالة ما دل على الترتيب على وجوب الترتيب سواء كان الماء كثيرا أو قليلا، و هذه تدل على ان الترتيب ساقط في صورة كثرة الماء بحيث يمكن الارتماس فيه.

ثم ان المراد بالارتماس هل يكون هو الوجود الاحداثى أو الوجود الابقائى أيضا يكفي كمن يكون تحت الماء فيبقى بنية الغسل زمانا آخر؟ فيه خلاف، و لا يخفى ان الروايات كما مرت تدل على ان الارتماس يكون موصوفا بالوحدة حيث قال (عليه السلام): «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك».

و الظاهر منها حسب المتفاهم العرفي هو أن هذه الروايات في مقام بيان عدم وجوب الترتيب في هذه الصورة و عدم تجزية البدن بثلاثة أجزاء: الرأس و الأيمن‌

____________

(1) أقول: انه لا يخفى ان هذه الروايات في المطر تكون دليلا على فرض كون المطر كثيرا، بحيث يصدق الارتماس و معه أيضا لا تكون ظاهرة في الغسل الارتماسي، بل في مقام بيان ان الغسل بالمطر أيضا مثل الغسل بالماء.

154

و الأيسر، و ان للغسل فردا آخر و كلمة «يجزيه» مشعرة به، و المراد بالارتماس هو تغطية الماء للبدن و لا وجه للاحتمالات الفلسفية التي احتملها بعض المعاصرين من انه هل يكون مثل الوصولات من الآنيات أم لا؟.

و على ما نقول: لا يجب خروج البدن لإتمامه و لا بعضه عن الماء، و يمكن النية تحت الماء و قبل الدخول فيه لو كان خارجا عنه، و ظاهر ان الناس لا يكونون كالحوت في الماء دائما حتى يقال ببيان آخر، هذا كاف، و المراد بالوحدة، الوحدة العرفية و هي تساوق الوحدة الشخصية العرفية أيضا، لأن من يضع رجله في الماء ثم يدخل بالتدريج بدون فاصلة زمانية تكون الوحدة الاتصالية كذلك مساوقة للوحدة الشخصية.

و أما القائلون بأن الخروج عن الماء لازم، فدليلهم هو أن الارتماس أخذ موضوعا للحكم و هو المعنى المصدري و كلما كان كذلك يكون حيث صدوره عن الفاعل و إيجاده هو المراد، لا وجوده الحاصل من المقدمات.

فعلى هذا يجب أن يكون خارج الماء حتى يرتمس و يتحقق المعنى المصدري و يجب أن يكون النية أيضا حين وضع الرجل في الماء مع بقائها استدامة، و كذلك الغمس الذي أخذ في الرواية، و يقولون ان المراد بالوحدة هي الوحدة العرفية لا الدقية، لعدم إمكان الثانية، فلا يكون الوجود الحصولي بأن يكون الشخص تحت الماء بل حينئذ يجب أن يخرج ثم يدخل، و ربما ينسب هذا الاحتمال الى المشهور.

و الجواب عنه ظهر مما مر و هو أن من ملاحظة أخبار الترتيب و هذه الأخبار نفهم إسقاط الترتيب فقط، فيجزي غسل البدن بالتجزية تارة و بعدمها اخرى، فالمقصود إحاطة الماء على البدن و لا يلزم الخروج عن الماء، و الظاهر من الدليل هو أن الوجود المصدري غير مراد بل المراد ما هو الحاصل من الأسباب، غاية الأمر ما كان له سبب لا يمكن إتيانه الّا من طريق سببه.

و من هنا ظهر انه لو قيل بأن مفهوم الرمس و ان كان بذاته لا يكون فيه جهة‌

155

الإصدار، و لكنه يتحقق مع ضم الإصدار إلى الفاعل فيجب أن يكون محدثا لا وجه له، فيكفي الوجود البقائى كالاحداثى.

فتحصل ان حقيقة الغسل الارتماسي هي غسل جميع الأعضاء دفعة واحدة بحيث يكون غسل كل عضو مع الآخر بنحو القضية الحينية، و أما الغسل الترتيبي فيشترط فيه الترتيب و غسل الأعضاء سواء كان فيه لحاظ الموالاة أم لا.

ثم الفرد الذي يكون في هذه الروايات من الارتماس لا يكون مرادا بخصوصه بل كما مر ان مطلق الغسل يكون كذلك، فلو كان تحت الماء و تحرك جسده بقصد الغسل يكفيه، بل و لو لم يحرك جسده و تحصل الارتماسات اما بالتحريك أو بالنية و البقاء لأنه أيضا فعل منسوب الى المكلف الذي يمكنه الخروج بدون الغسل.

ثم ان الظاهر انه لا يكفى لو دخل في الماء رجله من طرف و خرج من آخر بعد دخول سائر جسده في الماء، لأن الظاهر من عنوان الرمس و الغمس في الماء غير هذا، فان هذا غسل الأعضاء لا رمسها خصوصا مع ملاحظة وصف الوحدة للمرس في الرواية، فيجب أن يكون جميع البدن في آن واحد في الماء و ان حصل بالتدريج و التعقيب لكن لا على نحو ما يقال من أنه آني و يجب النية آن إحاطة الماء بل على نحو التدريج، بحيث لا فاصلة بين الارتماسات، و الإجماع المدعى على ذلك سنده معلوم و هو الرواية.

و أيضا لا فرق في أنحاء الارتماس من الرأس الى الرجل أو بالعكس أو بالنحو الافقى، و مما ذكر ظهر وجه بطلان الأقوال الأخر.

فإن قلت على ما ذكرتم من أن خروج بعض الأعضاء عن الماء بعد دخوله إذا كان غير جائز، فيكون المراد ان الغسل يكون بعد وجود تمام البدن تحت الماء و هو يوافق قول من يقول بأنه آني لا تدريجي.

قلت: مراده من الآنية هو الآن الواحد الذي يكون تحت الماء و النية بنظره يجب ان تكون عنده و لكن مرادنا هو الحينية، أى حين دخول الرجل في الماء‌

156

يجب أن يكون الرأس فيه أيضا حتى يصدق الارتماس الواحد بحيث لا ينافي ما ذكر حصول هذا النحو و لو بنحو التدريج و النية عند وضع أول جزء من البدن فلا يكون آنيا بالمعنى الذي يكون هو المصطلح عندهم، فالحق مع صاحب الجواهر (قده) في ذلك.

قوله: و لو تيقن بعد الغسل عدم انغسال جزء من بدنه وجبت الإعادة و لا يكفى غسل ذلك الجزء فقط. و يجب تخليل الشعر إذا شك في وصول الماء إلى البشرة التي تحته.

أقول: ان الدليل عليه هو أن الارتماس الواحد يجب أن يصدق حتى يصير الغسل ارتماسيا، و معلوم ان بقاء بعض العضو ينافي ذلك، و هذا هو الفارق بينه و بين الغسل الترتيبي.

ثم انه يحتمل أن يقال ان الغسل الترتيبي أيضا بالارتماس حيث يكون جائزا بأن يكون تحت الماء و يحرك رأسه بنية الرأس و الأيمن بنيتها و كذلك الأيسر، ففي المقام أيضا إذا كان في الماء و كانت اللمعة الباقية في ظهره أو طرف الأيسر. نقول:

بأنه كفى ارتماس بعض الأعضاء و ينقلب الغسل ترتيبيا، فيكفي غسل العضو الباقي بحيث يحصل الترتيب في البقية، و لكن هذا بعيد، لأن الترتيب و الارتماس عنوان قصدي، و الأول يجب أن يكون الشروع فيه من الرأس ثم الأيمن ثم الأيسر، و هذا يكون غسله من الرجل، فكيف يمكن أن ينقلب الى الترتيب، فما عن بعض المعاصرين من انه خلاف متفاهم الرواية، و ان الارتماس الواحد لازم و ان كان صحيحا، و لكن يجب أن ينضم اليه عدم إمكان انقلاب أيضا.

قوله: و لا فرق في كيفية الغسل بأحد النحوين بين غسل الجنابة و غيره من سائر الأغسال الواجبة و المندوبة، نعم في غسل الجنابة لا يجب الوضوء بل لا يشرع، بخلاف سائر الأغسال كما سيأتي ان شاء اللّه.

157

أقول: ان بيان الأعلام يكون في إلحاق سائر الأغسال في الارتماس الى غسل الجنابة، و دليلهم عليه هو أن كلمة «يجزيه» في النص يستفاد منها ان الغسل الارتماسي أحد أفراد الغسل و انهم فارغون من جهة الترتيب كأنه من المسلم ان سائر الأغسال مثلها و لكن الكلام في الترتيب أيضا، نعم في بعض الأغسال مثل غسل الحيض و غسل الميت يكون الإلحاق في الروايات، و لكن لا دليل لنا عموما على أن كل غسل واجب أو مستحب للزيارة أو النذر أو غيره يكون كيفيته ما ذكر، فيجب التماس دليل عام لجميع الموارد.

فنقول: ان الشارع إذا بين حقيقة من الحقائق الشرعية مثل الغسل في بعض الموارد و لم يبين في سائر الموارد و أمر به نفهم ان المورد ما كان له خصيصة، و لكن لنكتة خارجية يكون الكلام في البعض فإن الجنابة لكثرة الابتلاء بها، و كذلك غسل الحيض و الميت يكون البيان فيهما لذلك، و أما سائر الأغسال فلا يكون كذلك فيكفي البيان في البعض للبعض الآخر، و لا فرق بين الارتماسي و الترتيبي (1) في ذلك.

هذا كله في غير غسل الميت، و أما غسله فيكون له الترتيب الخاص و اضافات مثل كون السدر و الكافور معه، و لا دليل على كفاية الارتماس فيه و مجرد التنزيل بأنه مثل غسل الجنابة لأن الميت يجنب حين الموت لا يفيد ترتيب جميع الآثار حتى كونه ارتماسيا، فان الظاهر ان الغسل هذا يكفى عن كل غسل حتى عن جنابته.

ثم ان قوله في غسل الجنابة لا يجب الوضوء بل لا يشرع، بخلاف سائر الأغسال سيجي‌ء دليله و وجهه.

____________

(1) أقول: انه يؤيده لو لم يدل عليه أى على ان كيفية سائر الأغسال أيضا مثل غسل الجنابة، ما ورد في باب 41 من الجنابة ح: 1 و غيره على انها كافية عن كل غسل، فان التعبير بالأجزاء هو عدم كيفية اخرى لغيرها مع ضميمة ما ذكره من انه لو كان، لبينه الشارع الذي أمر بأصل الغسل، و الدليل على ان غسل المس مثل الجنابة ما ورد في باب 7 من غسل الميت ح: 1 في الوسائل فارجع.

158

[مسألة- 1- الغسل الترتيبي أفضل]

مسألة- 1- الغسل الترتيبي أفضل من الارتماسي.

أقول: انه لا وجه لذلك لأن مجرد كلمة «يجزيه» في الروايات بقوله (عليه السلام): «إذ ارتمس ارتماسة واحدة يجزيه» لا يدل على أفضلية الترتيب بل على ان هذا أيضا أحد أفراد غسل الجنابة، و يكون في مقام بيان وجوبه الغيري، و لا يكون في مقام بيان الاستحباب حتى يقال الجمع بينها و بين روايات الجنابة تدل على استحباب الفرد الترتيبي (1) الّا أن يدعى الإجماع على ذلك و هو معلوم السند فلا وقع له.

[مسألة- 2- قد يتعين الارتماسي]

مسألة- 2- قد يتعين الارتماسي كما إذا ضاق الوقت عن الترتيبي، و قد يتعين الترتيبي كما في يوم الصوم الواجب، و حال الإحرام، و كذا إذا كان الماء للغير و لم يرض بالارتماس فيه.

أقول: انه إذا كان الواجب فردان، مثل المقام الذي يكون له فرد ارتماسى و فرد ترتيبي، أو أفراد كما في خصال الكفارات، و لم يكن مرجح لتقديم أحد الأطراف، فالعقل يحكم بتساوي إتيان بعضها، كما ان الشرع أيضا حكم بذلك، و أما إذا كان لبعض الأفراد مانع من الخارج كما في المقام الذي فرض ان الترتيب يوجب إضاعة وقت الصلاة دون الارتماس، فيحكم العقل بالتعيين على الفرد الذي لا مزاحم له، و كذلك العكس، فان بطلان الصوم أو الإحرام بالارتماس أو عدم رضاء الغير مانع من التخيير بل يعين العقل الامتثال في ما لا مزاحم له، و أما انه هل يبطل المقدمية أيضا أم لا؟ فسيجي‌ء بمعنى انه هل الغسل الترتيبي في مقام الارتماسي و بالعكس يوجب عدم صحته أيضا، أو يكون هذا معصية فقط؟ فان قلنا بأن المقدمية لا تكون منهية عنها واقعا حتى يقال من الأول يكون هذا الفرد خارجا عن تحت العام‌

____________

(1) أقول: هذا مضافا الى انه في روايات باب 26 من الجنابة يكون في الغسل تحت المطر أيضا كلمة «يجزيه» مع أنها مطلقة من حيث كون المطر كثيرا بحيث يصدق الارتماس و عدمه، فهل يحتمل أحد ان الغسل بالماء الذي لا يكون من المطر أفضل منه؟!.

159

فتبطل، و أما ان قلنا ان هذا إرشاد من العقل في مقام الفراغ فلا.

[مسألة- 3- يجوز في الترتيبي أن يغسل كل عضو من الأعضاء الثلاثة بنحو الارتماس]

مسألة- 3- يجوز في الترتيبي أن يغسل كل عضو من الأعضاء الثلاثة بنحو الارتماس، بل لو ارتمس في الماء ثلاث مرات مرة بقصد غسل الرأس و مرة بقصد غسل الأيسر كفى. و كذا لو حرك بدنه تحت الماء ثلاث مرات، أو قصد بالارتماس غسل الرأس و حرك بدنه تحت الماء بقصد الأيمن و خرج بقصد الأيسر. و يجوز غسل واحد من الأعضاء بالارتماس و بعضه بإمرار اليد.

أقول: ان هذا الفرع من المصنف (قده) يكون هو المشهور و المتفق عليه بين الفقهاء الا ان صاحب المستند هو المخالف، و يقول لا ريب في عدم الصحة، و سند المشهور هو ان الصب الذي يكون في روايات الترتيب محمول على الغالب و إطلاق الذيل من قوله (عليه السلام): «فما جرى عليه الماء فقد طهر و كلما أمسسته الماء فقد نقيته» دليل على ان المراد وصول الماء الى الجسد سواء كان بالارتماس أو بالترتيب.

و فيه ان صاحب المستند و ان كان فريدا و لكن اشكاله وارد عليهم و هو ان الإطلاق (1) لا يكون من هذه الجهة بل من جهة دفع الوسوسة و ان المدار على وصول الماء، و لا يجب المداقة في إيصاله، و الشهرة أيضا حيث يكون مستندا الى ما ذكر يصير ضعيفا، و الأصل في المقام هو الاشتغال لاحتمال أن يكون الارتماسي و الترتيبي حقيقتين، فيجب أن يكون كل حقيقة منحازا عن الأخرى. فيجب إتيان ما يحصل اليقين بالفراغ منه و حيث يكون المقام من المتبائنين و نعلم قطعا بعدم‌

____________

(1) أقول: ان الذيل يكون له الإطلاق من جهتين: من جهة دفع الوسوسة و من جهة ان مجرد وصول الماء يكفى سواء كان بالارتماس أو غيره، و لا موضوعية للصب حيث انه وارد مورد الغالب، فان من كان عنده ماء قليل يصب على رأسه حتى يصير مقيدا لهذا الإطلاق، و اشكال المستند غير وارد على الأعلام جدا.

160

وجوب الجمع يجب اختيار الفرد مع جميع قيوده، لكن يمكن أن نقول بأن هذا النحو أيضا طور من أطوار الارتماس فيكون صحيحا بالنحو الارتماسي لا الترتيبي في صورة كون الأجزاء و الأعضاء داخلة فيه بنحو الوحدة، الا أن يقال بأن القصد أيضا دخيل كما هو مقتضى كونهما حقيقتين.

و كيف كان فما ذكره المصنف (قده) مشكل. و لكن (1) الإنصاف ان الاشكال غير وارد، فإن القائل بالوجوب و هو صاحب المستند، يقول: بأن الصب في صدر الروايات قد استفدتم منه الترتيب، و هنا تقولون بعدم الموضوعية له و تأخذون بالإطلاقات لكفاية الترتيب بالارتماس، و هذا تناقض فاما لا موضوعية للصب، و لا يجب الترتيب أو يكون له الموضوعية و لا يصح الارتماس في الترتيبي.

و هذا غير صحيح لأن حقيقة الارتماسي قد استفدنا انها غير الترتيبي، و الفرق بترتيب الغسل و عدمه، و لا موضوعية للصب و الترتيب فهم من كلمة «ثم» في مقام بيان غسل الرأس و الأيمن و الأيسر، لا من موضوعية الصب و الإطلاق صحيح فتمسك‌

____________

(1) أقول: ان هذا البيان منه (مد ظله) كان بعد تمام المطلب عنده في الدرس السابق و بعد الرد و الإيراد بعد ذاك الدرس بما مرّ في التذييل السابق، و هذا و ان كان موافقا لما مر و لكن وجهة اشكال المستند ليست ان الترتيب يكون مستفادا من الصب حتى يرجع الى المناقضة، بل وجهة الاشكال موضوعية الصب بحيث انه يرى ان ذلك من دين الإمامية، و يجب أن يكون الترتيب كذلك و لا يكون في صدد ان الترتيب يستفاد منه، فيمكن الجواب بما مر من انه لا موضوعية للصب و الإطلاقات في محلها، و لعل ما ذكره من ان الإمامية كان معروفا بذلك لظن منه (قده) ان دينهم هو الصب، و لكن يمكن أن يكون وجه الظن هو انهم غالبا يغتسلون الغسل الترتيبي لا الارتماسي و من يغتسل كذلك يكون الغالب هو صبه الماء على رأسه لتحصيل الترتيب لا غير.

و لنا إطلاق غير مصدّر بالصب أيضا و هو في باب 31 من الجنابة ح: 1 قوله (عليه السلام): «الجنب ما جر عليه الماء قليله و كثيره فقد أجزأه».

161

به و نجري على طبق ما جرى عليه المشهور.

[مسألة- 4- الغسل الارتماسي يتصور على وجهين]

مسألة- 4- الغسل الارتماسي يتصور على وجهين: أحدهما: أن يقصد الغسل بأول جزء دخل في الماء و هكذا الى الأخر، فيكون حاصلا على وجه التدريج. و الثاني: أن يقصد الغسل حين استيعاب الماء تمام بدنه، و حينئذ يكون آنيا و كلاهما صحيح، و يختلف باعتبار القصد و لو لم يقصد أحد الوجهين صح (1) أيضا، و انصرف الى التدريجي.

أقول: ظهر حكمها مما مرّ.

[مسألة- 5- يشترط في كل عضو أن يكون طاهرا حين غسله]

مسألة- 5- يشترط في كل عضو أن يكون طاهرا حين غسله، فلو كان نجسا طهره أو لا، و لا يكفى غسل واحد لرفع الخبث و الحدث، كما مر في الوضوء و لا يلزم طهارة جميع الأعضاء قبل الشروع في الغسل و ان كان أحوط.

أقول: ان في هذه المسألة احتمالات نذكر حاصلها عن الجواهر، الأول:

هو احتمال وجوب رفع الخبث عن كل عضو قبل غسله و هو التحقيق. و الثاني: أن يكون الشرط رفعه عن تمام البدن قبل الغسل. و الثالث: أن يكون الغسل حاصلا بغسلة واحدة لرفع الخبث و الحدث. و الرابع: أن يكون ذلك كافيا في العضو الأخير لأنه فيما قبله غسالة النجس توجب نجاسة العضو الذي يجرى عليه. و الخامس:

التفصيل بين أن يكون الغسل في الماء العاصم، أو القليل فيكتفى بالواحد في الأول دون الثاني، دليلنا على احتمال الأول هو ما ورد في روايات باب 26 من أبواب الجنابة بالتعابير المختلفة في ح 1 و 2 و 3.

و حاصل التقريب هو ان الامام (عليه السلام) أمر بغسل الفرج و اليد و غيره إذا أصابه من الأذى شيئا قبل الغسل، و التعبير يكون بكلمة «ثم» الدالة على الترتيب و هذا‌

____________

(1) بل لا يصح و لا ينصرف إلى التدريجي.

162

أوضح دليل لنا.

لا يقال هذا يناسب القول بأن تمام الأعضاء يجب أن يكون طاهرا قبل الغسل لا قولكم هذا. لأنا نقول: ان تناسب الحكم و الموضوع يحكم بأن مراده (عليه السلام) لا يكون هو التعبد بذلك بل لرفع الخبث، و الترتيب المذكور يكون لبيان الغلبة فإن الغالب فيمن يغتسل بالقليل هو أن يطهر جميع ما ذكر لئلا يلوث جميع البدن و المكان بواسطة صب الماء على جسده فلا يدل الّا على أصل التقديم و لو حصل من كل عضو قبل غسله يكفى، و من الروايات ما عن حكم بن حكيم في باب 27 من الجنابة ح: 1 عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) (1) فإنه قال: (في حديث كيفية غسل الجنابة) «فإن كنت في مكان نظيف فلا يضرك أن لا تغسل رجليك و ان كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك.

فان هذه الرواية صدرها دال على وجوب غسل ما أصاب الجنب من الأذى، ثم غسل الرأس و غيره و هذا الذيل دليل على ان المراد بغسل ما عدا الرأس و ما‌

____________

(1) أقول ان بعض الصدر من هذه الرواية في باب 26 من الجنابة ح 7 و ذيلها في باب 34 من الجنابة ح 4 و مع ذلك لم يكن جميع ما في هذه الأبواب الثلاثة تمام الرواية فإن الصدر قبل ما ذكر يكون بيانا لكيفية غسل الجنابة و اما أصل دلالة الرواية على مطلوبه (مد ظله) ففيه نظر و هو ان المراد بالنظيف يكون هو الطاهر في مقابل النجس و حيث ان المكان ربما يكون ملوثا بواسطة الطين و أمثاله أيضا فيمكن ان يكون إرشادا، سلمنا ان المراد به النجاسة و لكن لا يستفاد منها تقديم غسل العضو قبل الاغتسال و انه لا يكفى غسل واحد لهما.

على انه بعد بيان رفع القذارات في صدر الرواية نحتمل ان يكون المراد تطهير الرجل بعد الغسل فان من يغتسل ترتيبا في مكان يمكن ان يطهر رجله اليمنى ثم يغسلها و يضعها ثم

يرفع رجله اليسرى و يطهرها و يغسلها ثم عند الخروج يحتاج الى تطهير الرجلين فلا دلالة لهذه الرواية على المطلوب من هذه الجهة بل من جهة الصدر لو لم يضره هذا الذيل و يكون مثله في المعنى ح 2 و 3 في باب 27 من الجنابة فارجع.

163

بعده هو الغسل لرفع النجاسة لا التعبد، و أيضا غسل الرجل يكون لرفع النجاسة قبل الغسل لكن ليس المراد غسل تمام البدن بل العضو منه و الّا فكيف أخر غسل الرجلين، و أما ما قيل من أن غسل الفرج و اليدين و غيرهما قبل الرأس يكون محمولا على الاستحباب لعدم القول بوجوبه، فلا وجه له لأنه فرع القول بالتعبد، و قلنا انه لا يكون تعبديا، و أما مثل المضمضة و الاستنشاق فسيجي‌ء وجه الاستحباب فيهما، فالسند الوحيد لنا هذه الروايات، و اما ما ذكره الفقهاء فغير تام، فمنها ان من المسلم عندهم كبرويا ان المطهر يجب ان يكون طاهرا، فإن معطي الشي‌ء لا يكون فاقده، و عليه كيف يمكن أن يقال بأن الماء الذي لاقى النجس و صار نجسا يوجب رفع الحدث و الطهارة الباطنية.

لا يقال ان من المسلم هو ذلك و لكن لزوم كون الطهارة حين التطهير ممنوع فان الماء الذي يصب على الشي‌ء النجس و ان كان شرطه الطهارة قبل الصب، و لكن لمجرد الصب لا يبقى على طهارته بالملاقاة، و مع ذلك نقول بأنه مطهر للخبث، و لا يمكن القول بغيره لأن الماء القليل لا محالة يكون كذلك فكذلك نقول في المقام بأنه أيّ مانع من أن يكون ما هو الرافع للخبث مع انه ملاق له رافعا للحدث، و لو لم يكن طاهرا في هذا الحين كما عليه صاحب الجواهر، و هذا الشرط يكون وجوده لازما قبل الصب لا حينه.

لأنا نقول هذا بالنسبة إلى الخبث مسلّم و لكن حيث أن الدليل دل على ان الملاقاة توجد النجاسة، و مع ذلك يكون الدليل على إمكان التطهير بالماء القليل يكون المورد خارجا و لكن بالنسبة إلى الحدث لا يكون لنا الدليل كذلك، نعم هذا القول يكون له وجه على فرض القول بعدم نجاسة الغسالة في العضو الأخير لأن قبله كان الماء مزيلا للخبث، و في الأخير أيضا حيث لم يكن نجسا يكون مزيلا للحدث و لكن هذا القول سخيف جدا، و القائل به في غاية الندرة، و أما في الكثير و ان كان الطهارة من الخبث تحصل بدون الانفعال و لكن مع ذلك نشك في كفاية غسل واحد‌

164

لرفع الخبث و الحدث، و الأصل الاشتغال للشك في الفراغ.

ثم انه قد يستدل لذلك أى لعدم كفاية الغسل الواحد لكليهما بالقانون العقلي و هو أصالة عدم تداخل الأسباب و المسببات بأن كل علة يكون لها معلول على حدة فهنا إذا قيل إذا التقى الختانان يجب الغسل يصير هذا علة لوجوب الغسل (بضم الغين) و دليل وجوب غسل النجس علة لوجوب الغسل (بالفتح) و الأصل عدم تداخل الأسباب بمعنى عدم تداخل الوجوبين، و الأصل عدم تداخل المسببات بمعنى انه لا يكفى أن يكون وجود واحد كافيا عن الإتيان و الامتثال لوجوبين.

و قد أشكل عليه بأن هذه الكبرى لا تطبيق لها في المقام، لأن العمل الواحد إذا كان له وجهتان الغسل (بضم الغين) و الغسل (بفتح الغين) و هما عنوانان انتزاعيان فينتزعان من عمل واحد، فان قلنا في باب اجتماع الأمر و النهي بجواز الاجتماع فهنا حيث لا يكون الجمع الّا بين الأمرين، فلا إشكال أصلا بخلاف ذلك المقام، فإنه كان الاجتماع بين الأمر و النهي و لو كان الاشكال فيه من جهة التضاد لا يكون في المقام، فان الملاكين هنا متوافقان، و على امتناع اجتماع الأمر و النهي أيضا فحيث يكون الملاك موافقا لا يضر فلا وجه لعدم تداخل المسببات، و لو قلنا بعدم تداخل الأسباب و لو سلمنا ذلك لا يكون مثبتا لمدعي وجوب غسل كل عضو قبله لأنه يمكن تقديم رفع الحدث ثم الخبث ليحصل عدم التداخل (1).

و فيه انا لا ندعى هنا المنع العقلي حتى يكون الجواب ما ذكر، بل نقول بأن الظاهر من الدليل الشرعي هو أن كل سبب يكون له مسبب مستقل و يجب التعدد في الامتثال حتى لو قال المولى: أكرم عالما، و قال: أكرم هاشميا، لا يكفي إكرام واحد، لعالم هاشمي الّا أن يكون من الخارج قرينة على كفاية الاتحاد، على أن ما يقوله من البرهان أيضا غير تام لأن التطهير (2) يحتاج إلى إحاطة الماء، و الغسل يكفيه‌

____________

(1) أقول: سيجي‌ء منا الجواب عن هذه الجهة من الإشكال.

(2) أقول: انه لا يخفى ان التدهين أقل المراتب و لا ينافي الإحاطة بل هو أفضل، فيمكن الاتحاد من هذه الجهة.

165

مثل التدهين فلا يكونان من حقيقة متوافقة و تحت مقولة واحدة، حتى يكون العنوانان انتزاعيين في وجود واحد، بل هما حقيقتان، و على فرض التسليم فبضميمة أصالة عدم تداخل الأسباب لا يكون الملاكان مملوّين من المصلحة، بل الباب باب التعارض فإنه إما يحصل رفع الحدث فقط أو رفع الخبث فقط.

فان قلت: ان الوجودين متحدان فيحصل التأكد. قلت: ان التطهير مقدمة (1) للغسل فلا يكونان عرضيين، و الطوليان لا يتأكدان.

لا يقال ان المراد من هذه الأدلة أصالة عدم التداخل، و نحن نفعل فعلا لا ينافيه و هو أن الغسل عنوان قصدي، و التطهير غير قصدي فيطهر المحل مع قصد الغسل، مثل الثوب النجس الذي يقع في الماء العاصم بدون القصد، فلا سبيل لكم الى ادعاء وجوب تقدم التطهير بل بالوجودين أيضا يحصل عدم التداخل، و لكن نقدم الغسل و نؤخر التطهير.

لأنا نقول (2) حيث ان الغسل بدون التطهير يكون من باب دوران الأمر بين‌

____________

(1) أقول: ان كان مراده من الطولية هي الطولية الزمانية فهي أول الكلام، و ان كان مراده الرتبية كما قال بها بعد البحث معه (مد ظله) (و لعل مراده الطبعية، و الّا فليس أحدهما علة للآخر حتى يعبر عنه بالرتبية أو التعبير بها كان من باب أن الشرط جزء العلة) فيكونان اما في وجود واحد و هو معنى التأكد، أو في وجودين منضمين فيحصل التعدد و كيف كان فلا يكون الجواب تاما.

(2) أقول: ان هذا الاشكال، و الجواب ينحل إلى إشكالين و جوابين، أما الإشكال الأول: و هو ان أحدهما عنوان قصدي و الآخر غير قصدي، فيحصل ما قصد بالقصد و غيره بدونه فلا يكون جوابه دوران الأمر بين التعيين و التخيير، بل له أن يقول بأن عدم قصدية أحدهما لا يوجب تعددهما في الوجود، فأصالة عدم التداخل في المقام بحالها.

و أما بيان التعيين و التخيير فيه بأن يقال لا نعلم أن طبيعي الغسل الذي يكون واحدا في الحدث و الخبث هل يكون المسبوق منه برفع الخبث رافعا للحدث معينا أو يكفي و لو كان مقدما عليه؟ ففيه ان هذا دوري لأنه على هذا يمكن التشكيك في الخبث أيضا بأنه هل يكون شرطه رفع الحدث أوّلا، أم لا؟ فوجود كل يتوقف على على الآخر، و في الخبث و ان لم يقل به أحد، لكن البيان بيان مطلب عقلي، و اما طبيعي الغسل في الحدث و الخبث فليس بواحد أيضا لأنهما يكون بينهما الفرق من جهة الاحتياج الى قصد القربة في أحدهما، و عدمه في الآخر، و كفاية التدهين في أحدهما دون الآخر فليس مثل الدمين في موضوع واحد حتى يقال أن غسلا واحدا يكفيه.

و أما الإشكال الثاني: و هو القول بالتعدد لكن بتقديم رفع الحدث على الخبث فهذا لا يمكن الجواب عنه بعدم التداخل لأنه ليس في المقام تداخل فله (مد ظله) أن يرجع الى التعيين و التخيير بأن يقال انا لا نعلم ان المعين هو الغسل المسبوق برفع الخبث أو التخيير بينه و بين غيره و لكن مقتضى القواعد هو القول بالبراءة لأن الشك في التعيين يكون من باب الشك في وجوب كلفة زائدة و الأصل البراءة عنها و ضم أصالة عدم التداخل لا يفيد شيئا لأن الفرض في الامتثال بالوجودين و التمسك بالإجماع على عدم القول بتقديم رفع الحدث مع أنه سندي، لا يكون جوابا عن الشبهة العقلية.

و أما صاحب الجواهر ففي المقام و ان أشكل في البرهان العقلي و لكنه حسب المستفاد من الروايات أنصف في أواسط البحث قبل الشروع في البحث العقلي، و قال بوجوب التقديم و احتاط باحتياط وجوبي بعد بيان البحث العقلي فنظره هو التقديم و إشكاله في البرهان العقلي فقط، فما هو الظاهر من بعض الكلمات ان فتواه هو كفاية الغسل الواحد لها لا وجه له.

166

التعيين و التخيير، ببيان انه نعلم كفاية الغسل مع سبق التطهير حتما، و لكن لا ندري انه يكون متعينا أو يكون فرد من أفراد التخيير بحيث يكفى مع عدم السبق أيضا، و أصالة عدم التداخل تمنع من جريان البراءة في شرطية السبق، فيجب اختيار التقديم للعلم بالفراغ اليقيني.

و من هنا ظهر الإشكال في سائر الأقوال و لكن لا بأس بالإشارة إليه، فإن القول بوجوب تطهير تمام البدن قبل الغسل حسب الروايات يكون محمولا على الغالب كما مر.

لا يقال أن قولكم بكفاية غسل كل عضو يكون اعراضا عن الروايات، لأن‌

167

الظاهر منها هو تقديم غسل تمام الأذى في الجسد على أن أنها مشتملة على ما يكون تعبديا مثل المضمضة و الاستنشاق و يجب تقديمهما بما على الغسل، فلعل وجوب تقديم رفع الخبث أيضا كذلك، فيجب تقديم الجميع.

و الجواب عنه هو أن نقول بأن ما ذكرنا ليس اعراضا عن الروايات بل أخذا بها، لكن ندعى و نستظهر من تناسب الحكم و الموضوع أن المراد ليس إلّا لأن الخبث وجوده مانع، فإذا ارتفع مانعيته قبل كل عضو يكفي لصحة الغسل مضافا الى رواية حكم بن حكيم التي مرت، فان غسل الرجلين أولا، حيث لا معنى له، قال (عليه السلام): «فان كنت في مكان نظيف فلا تغسلهما، و ان كنت في غيره فاغسلهما» أى مقدمة للغسل و هو دليل على كفاية تقديم غسل كل عضو، و الّا فلا خصيصة للرجل في ذلك.

لا يقال ان المستفاد من الروايات هو أن شرط رفع الحدث هو رفع الخبث و الشرط يمكن أن يكون مقارنا، و لا يجب تقديمه على المشروط.

لأنا نقول: الظاهر من الروايات هو التقدم الزماني لا التقدم الرتبي مضافا الى أصالة عدم التداخل، فإنها بأعلى صوتها، تدل على وجوب التعدد، غاية الأمر فيها الاشكال السابق، و هو إمكان تقديم رفع الحدث أولا، و الجواب عنه قد مرّ مضافا الى أنه خلاف الإجماع.

و أما التفصيل بين القليل و الكثير بالقول بوجوب التقديم في الأول دون الثاني فهو أيضا لا وجه له، لأن غاية ما يستدل عليه هو أن القليل حيث يصير منفعلا قبل حصول رفع الحدث لا يكفى غسل واحد لهما، و أما الكثير فحيث لا يحصل الانفعال يكفى ذلك فيه، و أما أصالة عدم التداخل فلازمها الاحتياج الى وجودين لا تقدم بعض على الآخر، فهنا أيضا يحصل الوجودين بالغمس في الماء الكثير، و أما روايات الباب فيكون التقديم فيها لما يحتاج الى الصب و هو الغسل بالماء القليل، فيكون وجوب التقديم فيه دونه.

168

و الجواب عنه اما عن ادعاء أن النكتة في الروايات انفعال القليل فهو انه ادعاء محض لأنا نستظهر منها وجوب التقديم، أما كون علته المنحصرة هي الانفعال، فلا يستفاد منها، و القول بالتداخل خلاف الإجماع، نعم ان كان المراد هو الغمس في الماء بغمس واحد و يحسب جزء من زمان البقاء لرفع الخبث، و الجزء الثاني لرفع الحدث فهو ليس من التداخل في شي‌ء بل هو متعدد بالزمان، و أما الصب فلا خصوصية له من حيث المورد.

[مسألة- 6- يجب اليقين بوصول الماء الى جميع الأعضاء]

مسألة- 6- يجب اليقين بوصول الماء الى جميع الأعضاء، فلو كان حائل وجب رفعه، و يجب اليقين بزواله مع سبق وجوده و مع عدم سبق وجوده، يكفي الاطمئنان بعدمه بعد الفحص (1).

[مسألة- 7- إذا شك في شي‌ء انه من الظاهر أو الباطن]

مسألة- 7- إذا شك في شي‌ء انه من الظاهر أو الباطن يجب غسله على خلاف ما مر في غسل النجاسات، حيث قلنا بعدم وجوب غسله، و الفرق ان هناك الشك يرجع الى الشك في تنجسه، بخلافه هنا، حيث ان التكليف بالغسل معلوم فيجب تحصيل الفراغ.

أقول: قد فرق المصنف (قده) بين المقام و بين باب النجاسات كما في المتن و قال بالاشتغال في المقام مع انه على التحقيق من الشك في الأقل و الأكثر، و الأصل فيه يقتضي البراءة، لأن الشك يكون في وجوب غسله زائدا على غسل ما هو المتيقن كونه من الظاهر و السند (2) لقوله (قده) هو أن الآية المباركة متضمنة لقوله تعالى:

____________

(1) بل لا يجب الفحص إلّا في صورة كون الاحتمال عقلائيا مثل كونه جصاصا و نحوه.

(2) أقول: الظاهر من المتن من الاستدلال هو عدم كون السند ما ذكر و ان كان للاستدلال به وجه بل سنده (قده) هو أن في باب النجاسات يكون الشك في نجاسة الموضع، و هنا حيث ان التكليف معلوم يجب تحصيل اليقين بالفراغ.

و الجواب عنه ان المقام أيضا على فرض كونه ظاهرا صار جنبا، و أما على فرض كونه باطنا فلا يجنب لما ورد في الرواية الباطن لا يجنب و انما يجنب الظاهر و أما الاستدلال بما

ذكره (مد ظله) و ان كان له مجال، و يصح الجواب عنه بما ذكره و لكن لا يكون جوابا على طريق ورد المصنف في الاستدلال هنا.

169

«وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» فما هو المأمور به الطهارة و هو الحاصل من الغسلات فهنا يكون مرجع الشك الى الشك في محصل ما هو الطهارة، و الأصل فيه الاشتغال.

و الجواب عنه أولا: أن الآية لا تدل على كون الطهارة هي المأمور بها، بل الظاهر أن الذيل أيضا يكون مثل الصدر و هو قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ فان المراد هنا هو الغسل (بفتح الغين) أيضا، و لكن التعبير يكون بما هو المحصل منه، و على فرض التسليم و القول بأن الصدر أيضا يدل على أن المأمور به هو المحصل بقرينة الذيل، لا نقول بالاشتغال فيه في جميع المقامات، بل الشك في المحصل فيما يكون ذا مراتب، تجري البراءة بالنسبة اليه، و الوضوء و الغسل استفدنا من الروايات مما له مراتب و لو كان المأمور به هو المحصل فنشك في كوننا مأمورين بأزيد من المرتبة المتيقنة، هذا فيما لم يكن له حالة سابقه، و أما ما كان له حالة سابقه فسيجي‌ء في شرح المتن الآتي آنفا.

قوله: نعم لو كان ذلك الشي‌ء باطنا سابقا، و شك في أنه صار ظاهرا أم لا فلسبقه بعدم الوجوب لا يجب غسله عملا بالاستصحاب.

أقول: ان هذا الاستصحاب يكون على نهج سائر الاستصحابات في موارد الأحكام و الموضوعات. ثم ان بعض المعاصرين في المستمسك قال بأن هذا الاستصحاب لا يجري لأن استصحاب عدم الوجوب لا يثبت حصول الطهارة بغسل بقية البدن، و أما استصحاب حصول الطهارة على تقدير غسل ما عداه، فهو يكون من التعليقي و جريانه محل اشكال.

و الجواب عنه: ان الأجزاء و الشرائط كلها تكون كذلك فلو لم يجر في‌

170

المقام يجب القول بعدم جريانه في سائر المقامات، و هو كما ترى، و الأصل هنا محرز الموضوع أى موضوع الغسل غير ما شك فيه، فإنه (قده) على مسلكه تبعا للمحقق الخراساني (قده) في الأقل و الأكثر لا بد أن يقول به هنا فيكون مثل من يأمر الحمّال بحمل أمتعة و يستثنى جعبة، فيقول: ضعها لي و احمل البقية، فإن الأمر بوضع الجعبة هو الأمر بحمل البقية، فيجب أن يقول به في المقام أيضا، فإن حصول الطهارة بالبقية يكون كذلك، و كذلك على مسلكنا في الأقل و الأكثر من أن نفس الخطاب يحدد و يقف على غير المشكوك فيه، فلا وجه لما ذكره (قده) من الاشكال و لا نحتاج الى الاستصحاب التعليقي، و العجب أنه ذكر الاشكال و لم يذكر الطريق لحل المسألة.

[مسألة- 8- ما مر من أنه لا يعتبر الموالاة في الغسل الترتيبي انما هو فيما عدا غسل المستحاضة، و المسلوس، و المبطون]

مسألة- 8- ما مر من أنه لا يعتبر الموالاة في الغسل الترتيبي انما هو فيما عدا غسل المستحاضة، و المسلوس، و المبطون، فإنه يجب المبادرة اليه و الى الصلاة بعده من جهة خوف خروج الحدث.

[مسألة- 9- يجوز الغسل تحت المطر و تحت الميزاب ترتيبا]

مسألة- 9- يجوز الغسل تحت المطر و تحت الميزاب ترتيبا لا ارتماسا نعم إذا كان نهر كبير جاريا من فوق على نحو الميزاب لا يبعد جواز الارتماس تحته إذا استوعب الماء جميع بدنه على نحو كونه تحت الماء.

أقول: الغسل تحت المطر يتصور على وجوه: الأول: أن يكون مثل صب الماء بالكأس فيغسل جسده به. و الثاني: أن يرتمس فيه كل عضو على حدة، بأن يحيط برأسه ثم بسائر الجوانب. و الثالث: أن يحصل الارتماس دفعة واحدة.

فنقول: الروايات في باب الغسل على أربعة طوائف: منها: ما دلت على الترتيب و منها: ما دلت على كفاية مطلق جرى الماء. و منها: ما دلت على ارتماسة واحدة.

و منها: ما في المطر، و قد تقدم سائر الروايات و مصدرها في باب 26 من الجنابة و غيره.

و أما ما في خصوص المطر في الباب ففي ح: 10 عن على بن جعفر عن أخيه‌

171

موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه سأله عن الرجل يجنب هل يجزيه من غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتى يغسل رأسه و جسده و هو يقدر على ما سوى ذلك، فقال: ان كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك. و بمضمونه ح: 11 و ح: 14، و فيه جملة: «فقام في المطر حتى سال على جسده».

فأقول: ان في السؤال عن الغسل بماء المطر احتمالين: أحدهما: أن يكون في ذهن السائل فرقه مع سائر المياه، فسئل أنه مثل غيره أم لا؟. و الثاني: أن يكون مراد السائل لزوم الجريان و السيلان فيه و عدم كفاية التدهين فيه، و هذا هو الأولى عندي، لأن فرق الناس بين ماء المطر و غيره من حيث المائية في غاية البعد فإنه يكون كالفرق في الصب بين هذه الكأس و تلك، فكما أنه لإدخاله لها في الغسل و لا يجي‌ء احتماله، فكذلك هذا.

و كيف كان فلا شبهة في صحة الغسل في الصورة الاولى و هو صورة حصول الترتيب و جريان الماء، مثل الصب لإطلاق رواية المطر و هو المتيقن منها، و كذلك الصورة الثانية على مسلك القائل بأن الترتيب يصح بالارتماس في كل عضو، و لا يحتاج الى الصب.

و أما الصورة الثالثة: و هي صورة الارتماس الواحد فقد صار محل الاختلاف بين الأعلام مع الاتفاق على حصوله، لا أن الشبهة كانت في الموضوع فان حصوله تحت الأنهار الكبار مما لا شبهة فيه.

فنقول: أما المطلقات من الروايات فتقيد بأدلة الترتيب، و الارتماس ملحق به في الحكم، و أما النسبة بين روايات المطر و الترتيب، فهي و ان كانت من العموم من وجه لأن الترتيب في غير المطر مورد الافتراق في روايات الترتيب، و الارتماس في المطر مورد افتراق روايات المطر و لا يعارضه روايات الترتيب، و مورد الاجتماع الترتيب في المطر، و لكن قيل: بأن روايات الترتيب أقوى فتقدم (1) و فيه انا لا نفهم‌

____________

(1) أقول: لا معارضة بين الروايات لأن ما دل على الترتيب يكون في مقام بيان كيفية الغسل و ما دل على المطر يكون على رأى الأستاذ (مد ظله) في اختيار الاحتمال الثاني للسؤال في مقام بيان ان هذا أيضا يكون مثل سائر المياه في كفاية التدهين أو في مقام بيان انه لا فرق بين هذا الماء و غيره على اختيار غيره، فان كان مراد القائل بالأقوائية ما ذكرناه فله وجه من جهة عدم المعارضة، لا مع فرض المعارضة و عليها لا نفهم وجها للأقوائية و الأظهرية من حيث السند و الدلالة، و أما هو (مد ظله) فلم يبين وجه المعارضة حتى بعد الرجوع اليه حتى يكون المرجع العمومات، و لم يبين وجه عدم الأقوائية و مع هذا كله لا يلتزم بأن الغسل تحت المطر خارج عن الترتيب و الارتماس من غير بيان لدليله.

172

الأقوائية.

فالمرجع بعد التعارض هو العمومات مثل «كلّما جرى عليه الماء فقد طهر» فيكون الغسل تحت المطر لا ترتيبيا و لا ارتماسيا، أو يكون المرجع أدلة الارتماس.

[مسألة- 10-: يجوز العدول عن الترتيب الى الارتماس في الأثناء و بالعكس]

مسألة- 10-: يجوز العدول عن الترتيب الى الارتماس في الأثناء و بالعكس لكن بمعنى رفع اليد عنه و الاستئناف على النحو الأخر.

[مسألة- 11- إذا كان حوض أقل من الكر يجوز الاغتسال فيه بالارتماس مع طهارة البدن]

مسألة- 11- إذا كان حوض أقل من الكر يجوز الاغتسال فيه بالارتماس مع طهارة البدن لكن بعده يكون من المستعمل في رفع الحدث الأكبر فبناء على الاشكال فيه يشكل الوضوء و الغسل منه بعد ذلك، و كذا إذا قام فيه و اغتسل بنحو الترتيب بحيث رجع ماء الغسل فيه، و أما إذا كان كرا أو أزيد فليس كذلك، نعم لا يبعد صدق المستعمل عليه إذا كان بقدر الكر لا أزيد و اغتسل فيه مرارا عديدة لكن الأقوى كما مر جواز الاغتسال و الوضوء من المستعمل.

[مسألة- 12- يشترط في صحة الغسل ما مر من الشرائط في الوضوء]

مسألة- 12- يشترط في صحة الغسل ما مر من الشرائط في الوضوء من النية و استدامتها الى الفراغ و إطلاق الماء و طهارته و عدم كونه ماء الغسالة و عدم الضرر في استعماله و اباحته و اباحة ظرفه و عدم كونه من الذهب

173

و الفضة و اباحة مكان الغسل و مصب ماءه و طهارة البدن و عدم ضيق الوقت و الترتيب في الترتيبي و عدم حرمة الارتماس في الارتماسي منه كيوم الصوم و في حال الإحرام، و المباشرة في حال الاختيار و ما عدا الإباحة و عدم كون الظرف من الذهب و الفضة و عدم حرمة الارتماس من الشرائط واقعي، لا فرق فيها بين العمد و العلم و الجهل و النسيان بخلاف المذكورات فان شرطيتها مقصورة على حال العمد و العلم.

[مسألة- 13- إذا خرج من بيته بقصد الحمام و الغسل فيه فاغتسل بالداعي الأول]

مسألة- 13- إذا خرج من بيته بقصد الحمام و الغسل فيه فاغتسل بالداعي الأول لكن كان بحيث لو قيل له حين الغمس في الماء: ما تفعل؟ يقول:

اغتسل. فغسله صحيح و أما إذا كان غافلا بالمرة بحيث لو قيل له: ما تفعل يبقى متحيرا فغسله ليس بصحيح.

[مسألة- 14- إذا ذهب الى الحمام ليغتسل و بعد ما خرج شك في أنه اغتسل أم لا]

مسألة- 14- إذا ذهب الى الحمام ليغتسل و بعد ما خرج شك في أنه اغتسل أم لا يبنى على العدم و لو علم أنه اغتسل لكن شك في أنه على الوجه الصحيح أم لا، يبنى على الصحة.

[مسألة- 15- إذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبين ضيقه]

مسألة- 15- إذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبين ضيقه و ان وظيفته كانت هي التيمم فان كان على وجه الداعي يكون صحيحا و ان كان على وجه التقييد يكون باطلا و لو تيمم باعتقاد الضيق فتبين سعته، ففي صحته و صحة صلاته إشكال.

أقول: هذه المسائل لا تحتاج الى الشرح لما مر في الوضوء و في مطاوي البحث فيما سبق.

[مسألة- 16- إذا كان من قصده عدم إعطاء الأجرة للحمامي]

مسألة- 16- إذا كان من قصده عدم إعطاء الأجرة للحمامي فغسله باطل.

أقول: قد اختلف في معنى المعاملة في الحمام من جهة أنها هل هي إجارة كما هو التحقيق أو اباحة في مقابل الإباحة أو اباحة بعوض أو بيع أو إجارة؟ و الحق كما ذكر‌

174

انها إجارة معاطاتية، و أما مصرف المياه فيكون مثل ممن يستأجر دارا (1) و يمشى فيه فيتلف‌

____________

(1) أقول: لا شبهة في كون الحمام مشتملا على المنافع و الأعيان، مثل الماء و الصابون و الدواء لا زالة شعر العانة و غيرها. و أما إثبات كون بابه باب الإجارة فيحتاج الى دليل، و كذا إثبات كونه بيعا أو كليهما. و أما ما ذكره (مد ظله) من الوجه ففيه تأمل، و هو أن العناية هنا بالماء لو لم يكن أزيد من المكان لكان مساويا له فهل يقال بأن الأرز المطبوخ مع اللحم المشوي و غيره من منافع دار الضيافة للمسافرين و غيرهم، و الوارد يستأجر المكان فقط؟ فإنه من الواضح أن العناية تكون الى الغذاء و المكان تابع له وفى الحمام أيضا العناية إلى رفع القذارات عن البدن بالماء، و الّا فمن جهة المكان ربما كان دار الشخص أحسن منه، سلمنا التساوي، لأن المكان أيضا يلزم أن يكون مناسبا و لكن لا نسلم أن الماء تابع له.

أما ما ذكره من أن المعاطاة إعطاء و أخذ و هو أيضا لا يساعد معناها، فان هذا المعنى يصدق إذا كان الفعل و هو العطاء من الطرفين، و الّا فهو إعطاء من طرف و أخذ من طرف آخر و يقال انه إعطاء و أخذ.

نعم يمكن أن يقال لا اعتبار في أن يكون الإعطاء من الطرفين خارجيا بل في صورة أن يعطى أحدهما العين، و الآخر أخذ بذمته العوض، فكأنه أعطى ذمته للطرف و صار مشغول الذمة له، و هنا لم يكن الشخص المفروض معطي ذمته، لأن الوفاء و ان كان من آثار العقد. و لكن بالتعبير الفارسية عن الأستاذ (مد ظله) «دل بدل دادن» لازم في العقد، و لذا يقول بأن القابل يجب أن يكون متوجها الى ما ينشأه الموجب في العقد بالصيغة، و هو كذلك، لأن الوفاء بالعقد هو الوفاء بالعهد و هذا الشخص في الواقع يكون آكل أموال الناس بطريق لا يسمى سرقة، و أما الرضا عن المؤجر فلا يحصل و لا يكشف لو حصل، بأن كان الحمامي شخصا قادرا على أخذ عوض ماله منه لأنه لا يكون راضيا بهذه المعاملة و عدم الرضاء بعدم الوفاء، يضر بالعقد على أنه ما حصل العقد على ما مر، فإنه يجب أن يحرز هذا الشخص رضاه و قصده السوء مانع منه، و التصرف الذي يكون أمره بيد اللّه تعالى، و لا يكون منوطا به يكون بعد العقد.

إذا عرفت ذلك فنقول: نختار في باب الحمام الإباحة في مقابل العوض بأن يكون الحمامي يرضى بالتصرف في مقابل العوض، و هذا هو المتيقن و يكون عقدا و عهدا سواء فرضته بيعا و اجارة أو عقدا مستقلا، و أما الإباحة في مقابل الإباحة فهي كما ذكره الأستاذ خلاف الارتكاز، لأن الحمامي يقول على حسب ظاهر الحال:

أعط اجرة حمامي، و لا يقول: أبح لي هذا المبلغ من المال، و لكن حيث ان العهد و العقد لم يتحقق لا يحل له التصرف و يكون غسله باطلا، و الحق مع المصنف (قده).

175

منه شي‌ء بواسطة استفادة المنافع المباحة له و لأمثاله، فلا يضر ذلك بها، و أما الزمان فهو أيضا معلوم حسب العرف، فعدم ذكره لا يضر بها، من باب الجهل بالمدة، و أما القصد بأن لا يعطى الأجرة فهو غير دخيل في مقوم الإجارة، بل هو مؤكد لها، لأن من يدخل الحمام يكون بناءه على أن يستأجره، ثم لا يعطى الأجرة و يفهم و يريد أن لا يعطى ما هو من لوازم الإجارة فهو ملتزم بها لا بلازمها.

لا يقال المعاطاة هي أن يعطى كل واحد منهما للآخر شيئا و هي غير حاصلة هنا، لأنه لم يعط ذمته للحمامي في مقابل ما أعطاه حتى يقال أنه معاطاة.

لأنا نقول: هذا المعنى فيها عن الشيخ (قده) و لكن التحقيق أن المعاطاة إعطاء و أخذ، فأعطى الحمامي العين المستأجرة و أخذها هذا الشخص المستأجر فصدق المعاطاة و في ذهن المستأجر الالتزام بالعقد، و الوفاء خارج عنه و هو لا يلتزم به.

لا يقال رضى المؤجر أيضا شرط فإنه لا يحل التصرف في مال الغير الّا بطيب نفسه، و هو ان علم بأنه لا يعطى الأجرة لا يرضى بالإجارة.

لأنا نقول الرضاء المعاملي هنا حاصل، فإنه يريد أن يؤجر حمامه، و لكن لا يرضى بعدم إعطاء الأجرة، و أما الرضاء بالتصرف فهو غير مربوط به بعد الإجارة فإن المنفعة تصير ملكا للمستأجر فله التصرف سواء رضي أم لا، لأنه يكون من لوازم الإجارة، و حكم بجوازه اللّه تعالى.

لا يقال ان روح المعاملة هو أن يصل المؤجر إلى الأجرة و المستأجر إلى المنفعة و هو هنا غير حاصل لأن المستأجر يعلم بأنه لا يعطى الأجرة.

لأنا نقول: ان الأغراض في المعاملات غير دخيلة، فإن من يشتري شيئا‌

176

لضيافة زيد ثم لا يجي‌ء الضيف لا يضر هذا بالمعاملة لعدم ربط تخلف الداعي بالعقد.

فتحصل انه لو كان الاستفادة من الحمام بنحو الإجارة تصح و لو مع قصد عدم إعطاء الأجرة للحمامي، و أما لو كان اباحة في مقابل الإباحة، لا اباحة في مقابل العقد فحيث إن الرضى هنا يتوقف على حصول شرطه و هو إعطاء الأجرة، و هو غير حاصل لقصده على عدم إعطائها، فلا تصح الإباحة، و لا يصح الغسل، و أما إسلامه فيكون علامة و أمارة على الصحة و انه يعطى الأجرة في صورة عدم قصد الخلاف، و العطاء بعد التصرف لا يصححه على فرض ذلك، لأن التصرف يجب أن ينشأ عن الرضى و هو غير ناشئ عنه، و لعل نظر المصنف في باب الحمام الى هذا أعني الإباحة في مقابل الإباحة، فحكم ببطلان الغسل، و كلامه على مسلكه صحيح، و لكن الحق هو ما مر من انه على نحو الإجارة، و عليها فالغسل صحيح.

قوله: و كذا إذا كان بناؤه على النسية من غير إحراز رضى الحمامي بذلك و ان استرضاه بعد الغسل.

أقول: أما على التحقيق الذي مر منا من ان الحمام اجارة و لا يضر قصد عدم إعطاء الأجرة بها، فهنا حيث لا يكون قاصدا للعدم، يكون مقوم العقد موجودا بطريق الأولوية لعدم ورود اشكال قصد العدم فيه، نعم إطلاق العقد يقتضي إعطاء الأجرة بعد التصرف أو حينه، و التأخير يكون مخالفا للإطلاق، و هو لا يضر بأصل العقد، و على مسلك المصنف من انه اباحة في مقابل الإباحة، فحيث ان شرطها الرضى و هو مع قصد النسية لا يكون محرزا لا يكون الغسل صحيحا، لأن إجازة الحمامي مشكوكة.

لا يقال ان الكشف الذي يكون على أقسام في البيع، كيف لا تتعرضون له هنا بأن يقال ان أعطاه الأجرة بعد المدة كاشف عن صحة الإجارة أو الإباحة.

لأنا نقول: بناء على الإباحة يكون المؤثر هو الرضاء قبل ذلك، و أما بناء على كونه اجارة فالكشف سواء كان حقيقيا أو انقلابيا أو حكميا لا يوجب تحليل ما هو المحرم، فان التصرف الفضولي في مال الغير قبل حصول الإجارة حرام،

177

و ان كان بعدهما يرجع النماء إلى المشتري، و القائل بالكشف يقول: ان مقتضى الجمع بين قوله لا يحل التصرف في مال امرئ مسلم الّا بطيب نفسه و غيره، و دليل الإمضاء هو القول بصحة العقد من حينه لا من حين الإجازة، و يترتب عليه كون النماء للمشترى و حرمة التصرفات تكليفا من قبل الفضولي، لأن المالك يجيز العقد السابق، و لا معنى لأن يقال يكون إجازته ناقلة.

قوله: و لو كان بنائهما على النسية، و لكن كان بانيا على عدم إعطاء الأجرة أو على إعطاء الفلوس الحرام، ففي صحته إشكال.

أقول: لا معنى لإشكال المصنف هنا، فإنه على مسلكه يجب أن يقول بعدم الصحة، لأنه يكون قاصدا لعدم إعطاء الأجرة، فلو كان القصد ضارا يجب ان يضر في المقام أيضا، و أما على التحقيق فلا يضر هناك و لا هنا، و لعل اشكاله كان لزعم تمامية المعاملة في هذا الفرض و هو غير صحيح على مسلكه.

[مسألة- 17- إذا كان ماء الحمام مباحا و لكن سخن بالحطب المغصوب لا مانع عن الغسل فيه]

مسألة- 17- إذا كان ماء الحمام مباحا و لكن سخن بالحطب المغصوب لا مانع عن الغسل فيه لان صاحب الحطب يستحق عوض حطبه و لا يصير شريكا في الماء، و لا صاحب حق فيه.

أقول: انه لا فرق في الشركة بين أن تكون قهرية كما في المقام، أو اختيارية كما في صورة الاختيار، أما الشركة في الجواهر فواضحة، و أما في الأعراض فهي أيضا بحسب الدقة لا مانع منها، فإن الحرارة عرض من الأعراض و يكون عارضا على الماء و يصدق عرفا، و دقة ان الحرارة في الماء في مقامنا هذا تكون من حطب الغير لأنه يحصل بواسطة المجاورة استعداد للماء لأن يجي‌ء العرض فيه و ان كان الصور جميعا من اللّه تبارك و تعالى، فكما ان الحطب كان له فناره أيضا له.

و لا نقول بالفشو و النفوذ و لا الكمون و البروز، بأن يكون على الأول ذرات نارية في الماء، و على الثاني تكون الحرارة في كمون الماء فبرزت بواسطة الحرارة‌

178

لأن هذا مسلك بعض المتكلمين، و لا وجه له عندنا، بل يحصل استعداد بعد المجاورة لحصول الحرارة في الماء، كما انه يحصل عند جعل البذر في الأرض بعد مدة استعداد لفيضان صورة الحنطة على النبات، فحصول هذا الاستعداد يكون من نار الغير فيكون شريكا فيه، فالدقة لا اشكال فيها، و أما العرف فأيضا لا إشكال في انه يقول:

ان الحرارة تكون من حطب الغير، فيكون حقه متعلقا بها على انه ينقض على المخالف بقوله في اللون الغصبى في الثوب ببطلان الصلاة معه، مع أن اللون أيضا عرض، فيجب أن يقول المالك كان له ما حصل منه اللون، و لا يكون له حق في الثوب، فكلما يقول هناك، نقول به هنا.

[مسألة- 18- الغسل في المدرسة لغير أهله مشكل]

مسألة- 18- الغسل في المدرسة لغير أهله مشكل (1)، بل غير صحيح بل و كذا لأهله، إلا إذا علم عموم الوقفية أو الإباحة.

أقول (2) الوقف فك الملك فان كان لجهة خاصة و ذكرت في الصيغة فيختص بها، و أما إذا كان مطلقا في مورد فحيث لا يكون بشرط لا عن الغير، يجوز التصرفات التي لا تكون مزاحمة لتصرف المخصوصين، و كذا إذا حصل خلاف النظام، مثل أن يريد أهل السوق جميعا أن يغتسلون أو يتخلون في المدرسة، بحيث كان ذهابهم و مجيئهم مانعا لتصرف الطلاب من الدرس و البحث و الاستراحة، فعلى هذا يجوز للطلبة في المدرسة و لغيره من الطلاب و غيره الغسل في الحياض إذا لم يكن في صيغة الوقف، التصريح بالعدم، و قد مر البحث في ذلك في الفروع السابقة أيضا في الوضوء.

____________

(1) لا اشكال فيه لغير أهله إذا لم يكن مزاحما للتصرفات المعمولة للأهل، إذا لم يكن في صيغة الوقف التصريح بعدمه.

(2) أقول: قد مر البحث عن هذه المسألة، و لعل تكرار الأستاذ البحث، عنه لكونه محل الابتلاء كثيرا.

179

[مسألة- 19- الماء الذي يسبلونه يشكل الوضوء و الغسل منه]

مسألة- 19- الماء الذي يسبلونه يشكل الوضوء و الغسل منه، الا مع العلم (1) بعموم الإذن.

[مسألة- 20- الغسل بالمئزر الغصبى باطل]

مسألة- 20- الغسل بالمئزر الغصبى باطل (2).

أقول: الغسل هو جرى الماء على الجسد، و لا يكون مربوطا بالتصرف الّا من باب انه يوجب تحريك المئزر، فيكون من مقدمة التصرف في مال الغير، فيصير الباب باب التزاحم مثل التصرف في الغصب بالصلاة، فهذا الفعل ان كان مرجعه الى وجودين ممتازين، فلا اشكال، فهو مثل الاغتسال حين النظر إلى الأجنبية، كما هو كذلك حتى في صورة العلم و الالتفات.

و ان كان مرجعه الى وجود واحد ذي جهتين، بأن يقال انه حرام من باب كونه مقدمة و واجب من باب الأمر بالغسل، فعلى الجواز أيضا لا إشكال في الصحة في صورة العلم و الجهل، و على الامتناع يكون صحيحا في صورة الجهل.

فنقول: ان الغسل بالمئزر الغصبى صحيح (3).

و من هنا ظهر أن ما قاله العلامة البروجردي (قده) من أن الغسل في الخزانة أيضا إذا كان سببا لتحريك الماء، و تحركه كان سببا لتحريك مئزر الغير الذي هو غصبي، يكون من هذا الباب، و لقد أجاد فيما أفاد، فإن من قال بالإشكال في ما ذكره المصنف يجب أن يشكل في المقام أيضا، و أما نحن فلا نشكل في المقامين.

____________

(1) بل مع العلم، بأنه يكون لخصوص الشرب و لو من الأمارات الخارجية كالمياه في الحب و السطل، و أما مع الشك، فيجوز كل تصرف لا يزاحم حق الشرب كما مر في المسألة السابقة.

(2) بل صحيح في صورة الجهل بالغصبية قصورا لا في صورة العلم بها.

(3) قوله بالصحة مطلقا يكون من باب انه يرى ان المقام يكون من الوجودين الممتازين، و الّا يجب أن يقول بأنه صحيح في صورة الجهل و كان مصرا على إثبات الوجودين في الدرس.

180

[مسألة- 21- ماء غسل المرأة من الجنابة و الحيض و النفاس]

مسألة- 21- ماء غسل المرأة من الجنابة و الحيض و النفاس، و كذا اجرة تسخينه إذا احتاج اليه، على زوجها، على الأظهر، لأنه يعد جزءا من نفقتها.

أقول: قد اختلف في هذه المسألة، فقيل: بأن أجرة حمام المرأة على الرجل مطلقا، و قيل: بأنه ان كان جنابتها من الرجل الزوج فهي عليه و ان كانت من الاحتلام أو الحيض أو النفاس و غيرهما، فتكون على نفسها، و قيل: بعدم كونها عليه مطلقا لأن الواجب على الرجل هو النفقة المربوطة بالدنيا، و الغسل يكون منوطا بالآخرة، فإن كان لها مال فيغتسل و الّا فيتيمم، و قد يفصل بين كونها موسرة فتكون عليها، و الّا فعلى زوجها، و هذا كله لا دليل له بخصوصه، بل يكون من الاستنباطات عن الأدلة فيجب علينا البحث في دليل وجوب النفقة مطلقا حتى يظهر الحال هنا.

فنقول مستعينا باللّه تعالى: ان العقد بطبعه لا يقتضي إلّا استماع الرجل من المرأة، و أما وجوب النفقة، فاما أن يكون من القرار العقلائي أو من التعبد، أما الأول، فهو على وجوه:

الأول: أن يكون قرارهم على إطلاق الاستمتاع، و لكن في الزمان الذي يكون زائدا عليه، فلا يكون للزوج عليها حق، فاما أن ينفق عليها أو يكون لها أن تكتسب للنفقة.

الثاني: أن لا يكون تعهدهم على الإنفاق بوجه، بل من باب الاضطرار الى القوت و ما تحتاج المرأة إليه يجب أن يستثنى لها وقت من الأوقات للتكسب مع إطلاق دليل الاستمتاع حتى في هذا الزمان فيكون من باب التزاحم بين إطلاق دليل الاستمتاع، و وجوب حفظ النفس و ما يحتاج اليه البشر لحياته الاجتماعية أو الفردية و عليه، فلو كانت متمولة يجب أن ينفق من مالها.

الثالث: أن يكون تعهدهم على النحو المعاملي، بأن تكون النفقة في مقابل ما تفعله المرأة في البيت على حسب المتعارف من حفظ الأولاد و نظام البيت من الطبخ‌

181

و الكنس و غير ذلك حسب اختلاف التعهدات، حيث ان الشؤنات أيضا مختلفة من حيث كونها من البيوتات المتمولة المخدومة أو من المتوسطين.

و الحق عندي هو الأول، لأن النظام العرفي يكون على ادارة العيشة و هذا لا يختص بالمتشرعين، بل بناء العقلاء في تشكيل البيت و الازدواج هو تحمل الزوجة مقدارا مما يكون لائقا بشأنها حسب المتعارف من الزحمة، و كذلك الرجل فكما انه يحتاج الى عيشة راضية، انها أيضا تحتاج إليها، و الشارع أمضى هذه الطريقة لكن بالتصرف فيما يكون عقولهم قاصرا عنه، كما في البيع، حيث نهى عن الربوي منها، و كذلك سائر المعاملات، و ما ورد من الأخبار و الآيات بأن رزق المرأة و كسوتها على زوجها محمول على الإرشاد بما هو المعمول من آثار الازدواج، و لا يكون تعبدا محضا، فلو كان حسب المعمول أخذ الدواء لها و إذهابها إلى السفر حسب شأنها من الزيارة و غيرها، يجب ذلك إذا لم يكن خارجا عن العادة، و منه غسل الجنابة و سائر الأغسال، و ضيافة ضيفها من أمها و أبيها و غيرهما و إعطاء بعض ما هو المعمول من الناس لجارهم بلا عوض كالملح و العارية لهم في مثل آلات الطبخ و لا يحتاج إلى اذن الزوج في ذلك.

و أما على الثاني: و هو فرض التعبد، فكل ما يكون خارجا عن المعاش مما ذكرناه و لم يكن من المأكول و الملبوس، فلا يكون داخلا، بل عليها أن تصرف مالها فيه ان كان لها مال، و الّا فلا، و كلما شك في دخوله في ذلك يكون الأصل البراءة عنه، و لا فرق في ذلك بين الزيارة و غسل الجنابة، فإنهما مربوطتان بالآخرة فكيف يفرق الفقيه بينهما، و يقول بعدم وجوب خرج الزيارة على الزوج و يقول به في مثل الغسل.

[مسألة- 22- إذا اغتسل المجنب في شهر رمضان أو صوم غيره أو في حال الإحرام ارتماسا نسيانا]

مسألة- 22- إذا اغتسل المجنب في شهر رمضان أو صوم غيره أو في حال الإحرام ارتماسا نسيانا، لا يبطل صومه و لا غسله، و ان كان متعمدا بطلا معا، و لكن لا يبطل إحرامه، و ان كان آثما، و ربما يقال لو نوى

182

الغسل حال الخروج من الماء صح غسله. و هو في صوم رمضان مشكل لحرمة إتيان المفطر فيه بعد البطلان أيضا، فخروجه من الماء أيضا حرام كمكثه تحت الماء، بل يمكن أن يقال: ان الارتماس فعل واحد مركب من الغمس و الخروج، فكله حرام، و عليه يشكل في غير شهر رمضان أيضا. نعم لو تاب ثم خرج بقصد الغسل صح.

أقول: ان الارتماس (1) في الماء اما أن يكون في حال الصوم في شهر رمضان أو غيره، و هو اما أن لا يكون مفطرا، بل يكون حراما نفسيا في هذا الظرف، و اما أن يكون مفطرا، أما على الأول و هو عدم كونه من المفطرات سواء صدر عمدا أو سهوا أو جهلا، فلا مساس له بالصوم لأنه حرام مستقل، و الصوم عبادة مستقلة كالنظر إلى الأجنبية حين الصلاة.

و أما الغسل فلو فرض اتحاد هذا العمل الحرام مع الجري الذي يكون هو من الغسل فيندرج في باب التزاحم بين الأمر و النهي، و يجرى عليه حكم اجتماع الأمر و النهي، و حيث ان الباب على ما هو المختار، هو باب التزاحم، فينحصر البطلان على حسب ما اخترناه بصورة العلم و العمد، و أما في صورة الجهل قصورا أو النسيان فيصح الغسل و الصوم.

و أما على الفرض الثاني: و هو أن يكون الارتماس مفطرا، فان قلنا بانحصار مبطليته بصورة العمد، ففي حال النسيان أيضا يصح الصوم و الغسل، لأنه ليس بمفطر و لا نهى منجزا حتى يصير من باب اجتماع الأمر و النهي، و أما لو قلنا بأن مبطليته تكون واقعية و لا يختص بحال العلم، مثل شرطية الطهور للصلاة، فيكون الصوم باطلا سواء كان عن جهل أو سهو أو عمد.

____________

(1) الروايات في هذا الباب في الصوم في الوسائل ج: 7 باب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ص 22، و في الحج باب 58 من تروك الإحرام ج: 9 ص 140.

183

هذا بالنسبة إلى الصوم، و أما بالنسبة إلى الغسل فيأتي الكلام الأول و هو أنه لو صار الرمس و الجري متحدا، فيكون من باب اجتماع الأمر و النهي، و على التحقيق تختص المبطلية بصورة العمد فقط لحصول التقرب بدونه.

ثم لا يخفى أن الغسل تارة يكون حين الغمس في الماء، و تارة يكون حين الخروج منه، و ما تقدم يكون حال الصورة الاولى، و أما الثانية فإن قلنا بأن الخروج أيضا فرد من أفراد الغمس كما نقول في الخروج عن الدار المغصوبة، ففي المقام في صوم شهر رمضان، حيث يكون الغمس بعد البطلان أيضا حراما على فرض سوء الاختيار في أول الغمس، فلا يكون الغسل صحيحا في حال الالتفات، و أما على فرض كونه غير صوم رمضان فحيث لا يكون الخروج حراما بعد بطلان الصوم، فالغسل صحيح، و أما إذا كان الغمس اضطرارا، فلا إشكال في صحة الصوم و الغسل إذا لم يكن التراخي بعد رفع المانع من الغمس في صورة كون الاضطرار مثلا من الغير، لا في مثل إنقاذ الغريق، فإنه بحسن الاختيار، و يمكن القول ببطلان الصوم و صحة الغسل، و لكن يمكن أن يقال: ان الارتماس بمعناه المصدري هو الحرام، و أما الكون تحت الماء فلا يكون منه، فيكون الغسل صحيحا مطلقا.

[فصل في مستحبات غسل الجنابة]

فصل في مستحبات غسل الجنابة و هي أمور:

أحدها: الاستبراء من المنى بالبول قبل الغسل. الثاني: غسل اليدين ثلاثا الى المرفقين أو الى نصف الذراع أو الى الزندين من غير فرق بين الارتماس و الترتيب. الثالث: المضمضة و الاستنشاق بعد غسل اليدين ثلاث مرات و يكفي مرة أيضا. الرابع: أن يكون ماءه في الترتيبي بمقدار صاع و هو ستمائة و أربعة عشر مثقالا، الخامس: إمرار اليد على الأعضاء لزيادة الاستظهار. السابع: غسل كل من الأعضاء الثلاثة ثلاثا. الثامن

184

التسمية بأن يقول: بسم اللّه، و الاولى أن يقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم.

التاسع: الدعاء المأثور في حال الاشتغال و هو: «اللهم طهر قلبي، و تقبل سعيي، و اجعل ما عندك خيرا لي، اللهم اجعلني من التوابين، و اجعلني من المتطهرين» أو يقول: «اللهم طهر قلبي، و اشرح صدري، و أجر على لساني مدحتك، و الثناء عليك، اللهم اجعل لي طهورا و شفاء و نورا، انك على كل شي‌ء قدير» و لو قرأ هذا الدعاء بعد الفراغ أيضا كان أولى.

العاشر: الموالاة و الابتداء بالأعلى في كل عضو من الأعضاء في الترتيبي

[مسألة- 1- يكره الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة]

مسألة- 1- يكره الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة على ما مر في الوضوء.

أقول: انه لا يحتاج ما ذكر الى الشرح.

في الرطوبة المشتبهة

[مسألة- 2- الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطا في صحته]

مسألة- 2- الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطا في صحته، و انما فائدته وجوب الغسل إذا خرج منه رطوبة مشتبهة بالمني فلو لم يستبرئ و اغتسل و صلى، ثم خرج منه المني أو الرطوبة المشتبهة لا تبطل صلاته و يجب عليه الغسل لما سيأتي.

أقول: ان الاحتمالات في هذه المسألة يكون على وجوه:

الأول: أن يكون البول شرطا لصحة الغسل على نحو الوجوب و التعبد فقط من دون النظر إلى انه هل يوجب زوال ذرات المنى من المخرج أم لا؟. و الثاني:

أن يكون مستحبا تعبدا. و الثالث: أن يكون إرشادا الى عدم وجوبه تعبدا، و لا استحبابه كذلك، بل يكون الغسل المتعقب بالبلل مشروطا بالبول قبله، و الّا فلا.

و الرابع: أن يكون إرشادا الى ان البول امارة عدم كون ما خرج بعد الغسل منيا، و عدمه امارة كونه ذلك، و من لوازم الاحتمال الأول هو بطلان الغسل، و لو لم يخرج شيئا لأنه تعبد محض، و من لوازم الثاني راجحيته فقط من دون دخل في الصحة، و من لوازم الثالث هو صحة الغسل في صورة عدم خروج البلل و عدم الوجوب أو‌

185

الاستحباب في هذه الصورة، و من لوازم الرابع هو عدم استحبابه نفسا، بل يكون امارة على عدم كون الخارج منيا مع البول و كونه محكوما بحكم المنى مع عدمه، كما هو التحقيق.

هذا هو المحتملات في المقام و العمدة هي بيان الدليل، أما الدليل على الوجوب فروايات عمدتها صحيحة أحمد بن محمد بن أبى نصر قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن غسل الجنابة، فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفقين إلى أصابعك و تبول ان قدرت على البول، ثم تدخل يدك في الإناء، ثم اغسل ما أصابك منه. إلخ. (باب 34 من الجنابة ح: 3) و رواية أحمد بن هلال (في باب 36 من الجنابة ح: 12) قال: سألته عن رجل اغتسل قبل أن يبول، فكتب ان الغسل بعد البول الّا أن يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل.

و تقريب الاستدلال هو أن الأمر ظاهر في الوجوب، و أما الإشكال على الاولى بأن صاحب الجواهر نقلها عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، و الراوي لا يكون من أصحابه (عليه السلام) بل من أصحاب الرضا (عليه السلام)، ففيه ان في كتب الرواية نقلها عن الرضا (عليه السلام) و صاحب الجواهر ليس الّا فقيها فاشتبه الأمر عليه، و على الثانية بأنها مضمرة. و فيه ان الإضمار لا يضر مع عمل المشهور على طبقها لو تمت الدلالة.

و اما الدليل على الاستحباب فهو أيضا الروايات، و لكن حيث ان التعبد وجوبا كان بعيدا عندهم حملوا الأمر به أى بالبول على الاستحباب.

و الجواب: ان الوجوب و الاستحباب كليهما بعيد (1) و لا فرق في التعبد بينهما، فلا وجه للاحتمالين.

____________

(1) أقول: الوجوب بعيد من حيث انه خلاف الإجماع و خلاف الرواية، لأنه استدل في الرواية (في باب 36 من الجنابة) بأن الدليل على عدم وجوب الغسل هو أن البول لم يدع شيئا من المنى، فلا يساعد القول بأنه تعبد محض وجوبا، و أما الاستحباب فلا يكون فيه هذا النحو من الاستبعاد، لأن القول بأن البول لا يدع شيئا لا ينافي حمل ظهور الأمر على الاستحباب بعد عدم حمله على الوجوب لما ذكر، و بيان الإرشاد لا ينافيه لأنه يمكن أن يكون المعنى أن البول راجح، و يستحب و يكون من آثاره عدم وجوب الغسل بعد الرطوبة من باب عدم بقاء المني في المخرج، و يكون مثل سائر المستحبات مثل أن يقال مثلا يستحب لبس النعل الأصفر لأنه يوجب زيادة نور العين، و هذا يكون من قبيل بيان الملاك غاية الأمر يكون في المقام العناية إلى بيان ان بعض الملاك مستتبع للحكم أيضا، و له ملاكات أخر مثل أن يكون بقاء المني في المخرج موجبا لفساده.

186

ثم انه لا يخفى على القول بأن الغسل المتعقب بالبلل مشروط الصحة بالبول قبله لازمه إعادة الصلاة التي كانت مع الغسل كذلك لو وجد البلل بعدها، و هو الظاهر عن المنتهى و المبسوط و الحلّي، و أما المشهور القائل بصحة الصلاة، فلازم قوله هو عدم الشرطية أصلا، بل لو وجد البلل نقض الغسل فيكون هو مبطل له، لا انه لا يصح من الأول.

و من الروايات (في باب 36 من الجنابة ح: 9) عن معاوية بن ميسرة قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في رجل رأى بعد الغسل شيئا، قال: ان كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ، و ان لم يبل حتى اغتسل ثم وجد البلل فليعد الغسل.

و هذه الرواية تامة الدلالة، و لكن إطلاقها مشكل من حيث انه سواء خرج البلل أو لم يخرج يكون كذلك، و لكن الصحيح أن يقال بأن الروايات كلها تكون إرشادا الى أن البول لا يبقى معه شي‌ء في المخرج و المنى يبقى معه، و الشاهد عليه الرواية في باب 36 من الجنابة، و فيها: ان البول لم يدع شيئا، و لا يكون له استحباب نفسي و لا وجوب شرطي.

[مسألة- 3- إذا اغتسل بعد الجنابة بالإنزال]

مسألة- 3- إذا اغتسل بعد الجنابة بالإنزال ثم خرج منه رطوبة مشتبهة بين البول و المنى، فمع عدم الاستبراء قبل الغسل بالبول يحكم عليها بأنها منى فيجب الغسل، و مع الاستبراء بالبول و عدم الاستبراء بالخرطات بعده، يحكم بأنه بول فيوجب الوضوء، و مع عدم الأمرين يجب الاحتياط بالجمع

187

بين الغسل و الوضوء ان لم يحتمل غيرهما، و ان احتمل كونها مذيا مثلا بأن يدور الأمر بين البول و المنى و المذي، فلا يجب عليه شي‌ء.

أقول: حاصل ما استفدناه عن سيدنا الأستاذ أبي الحسن الأصفهاني هو ان العلم الإجمالي في المقام اما أن يكون بين أطراف عديدة مثل العلم بأنه اما بول أو منى أو وذي أو مذي أو ودى فان أطرافه خمسة، و ربما تكون أربعة أو ثلاثة أو اثنتين، و المدار في تنجيز العلم الإجمالي هو أن يكون على أى طرف وقع مؤثرا أثرا تكليفيا، فإذا كان بعض الاحتمالات غير مؤثر مثل أن يحتمل أن يكون منيا أو وذيا، فحيث لا يكون للوذي حكم لا يوجب العلم التنجيز، حتى لو احتمل أن يكون بولا أو منيا لا يؤثر أثر المنى و هو الغسل، بل يوجب الوضوء فقط هذا على القاعدة الكلية في العلم الإجمالي.

و أما في المقام فالذي يرى هذه الرطوبة، اما ان بال قبل الغسل أو بعده أو لم يبل، فعلى حسب الروايات التي وردت في المقام يجب عليه الغسل إذا لم يبل قبله و لا بعده، فعليه الإعادة، و الّا فلا، و هي ما ورد في باب 36 من أبواب الجنابة، ففي ح: 1 «و ان لم يكن بال قبل الغسل فليعد الغسل» و في ح: 5 «قال: و ان كان بال قبل أن يغتسل (الغسل) فلا يعيد الغسل» و في ح: 6 «يغتسل و يعيد الصلاة، الّا أن يكون بال قبل أن يغتسل» و في ح: 7 «و ان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله و لكن عليه الوضوء لأن البول لم يدع شيئا» و كذلك ح: 8 و 9.

و تقريبها لما ذكرناه واضح، و يعارضها ح: 11 في الباب عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الجنابة، فينسى أن يبول حتى يغتسل، ثم يرى بعد الغسل شيئا أ يغتسل أيضا؟ قال: لا، قد تعصرت و نزل من الحبائل. و في ح: 12 «ان الغسل بعد البول، الّا أن يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل» و كذا ما في ح: 13، و الروايتان تكونان في صورة النسيان.

و اما المطلق، ففي ح: 13، عن عبد اللّه بن هلال قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)

188

عن الرجل يجامع أهله ثم يغتسل قبل أن يبول ثم يخرج منه شي‌ء بعد الغسل، قال:

لا شي‌ء عليه انما ذلك مما وضعه اللّه عنه.

و قبل الجمع بين الطائفتين نذهب الى طريق لا تصل النوبة إليه معه، و هو انه على التحقيق ان اعراض المشهور عن الطائفة الثانية موجب لضعفها، و لو كان أسانيد بعضها صحيحة، و المخالف لهذا المسلك القائل بأن المناط على صحة الرجال لا المشهور يقبل قول المشهور في مثل المورد الذي كاد أن يكون إجماعيا، بل هو إجماعي، الّا أن يقال: ان العامل بها أيضا موجود مثل الصدوق و ابن بابويه، و من متأخر المتأخرين اعرف الفيض الكاشاني. فعلى هذا يجمع بينهما بالاستحباب كما عن الصدوق، بأن يقال يؤخذ بنص كل منهما و يطرح ظهورهما، و الأمر نص في الراجحية، و النهي نص في عدم الوجوب، فهو مستحب.

و قال المحقق الهمداني: بأن روايات الطائفة الأولى كثيرة لا يقاومها الروايات المعارضة. و فيه انه مع صحة السند و الحجية و إمكان الجمع مع الشاهد له لا يبقى للكثرة شأن على ان فيها أيضا التأمل، فإن الطائفة المعارضة أيضا كثيرة، إنما الكلام في الشاهد للجمع، و قال سيدنا الأصفهاني: المدار في الاستحباب هو البعث و الرخص، و الأمر فالأمر في الواجب و المستحب على نحو واحد. و فيه انه في الثبوت يكون الفرق ماهويا، و لكن في مقام الإثبات يكون الحق معه (قده) و في المقام يكون الطائفة الأولى أمرا، و هو يفيد البعث، و الطائفة الثانية تفيد الرخص فيستحب.

و قد يجمع بينهما بأن يقال: ان ما دل على وجوب الإعادة يكون في صورة عدم البول، و عدم الخرطة التي هي بمنزلته في الإنقاء، و ما دل على عدمها يكون في صورة وجود الخرطة و لو لم يبل، و السند فهم المشهور، لأن الخرطة تفيد ما يفيد البول من الإنقاء، و أجاب المحقق الهمداني (قده) بما حاصله انه لا شاهد لهذا الجمع و يكون حملا على الفرد النادر، لأن المستبرء بالخرطة نادر.

و فيه انه يمكن ادعاء الشاهد بأن المناط في الروايات يكون من باب تقديم‌

189

الظاهر على الأصل في صورة عدم البول، لأن الظاهر ان من لم يبل فخرج منه شي‌ء يكون من بقايا المنى، و هو موجود في الخرطة أيضا، فيسقط الروايات في صورة وجودها بدل البول، و أما الحمل على النادر فهو أيضا ادعاء، فان من صار مخرجه الطبيعي أو الاتفاقي للبول غير مجرى المنى يكون كثيرا.

و لكن الحق أن يقال: ان الخرطة لا تنقى المحل (1) كما ينقى البول، فإنه يمكن أن ينقى من المبادي بخلافها، فإنها توجب تنقية ما تصل اليه اليد، فلا وجه لهذا الجمع أيضا.

و قد يجمع بينهما بحمل الاولى على الشبهة المصداقية، أي في صورة احتمال أن يكون الخارج منيا، يكون الحكم كما ذكر في الطائفة الاولى، و أما الروايات الطائفة الثانية فتكون في مقام بيان نفى الاحتمال، أى لا تحتمل انه بول أو منى بل نزل من الحبائل، فان احتملت بطريق يجب عليك المشي على طبق حكمه.

و فيه ان الطائفة الأولى للإرشاد الى ان عدم البول دليل و امارة على وجود المنى، فكيف يقال في الثانية لا نحتمل ذلك، فلو قيل: تكون المعارضة متحققة على ان الطائفة الثانية في مقام بيان الحكم لا الطب (2).

ثم انه قد حمل صاحب الحدائق الطائفة الثانية على التقية، و لكن لم أجد القائل به من كملى علماء الحديث، فعليكم بالفحص، فان قول بعض من هو على مسلكه الذي لا اعتناء به، هو انه لا معنى للتقية. هذا كله حكم الصورة الاولى و هي‌

____________

(1) أقول: ان نقاء المحل بها مطلقا سواء كان من المبادي أو ما تصل اليه اليد ممنوع، فان في البول خاصية لا تكون في الخرطة، فان للمني لزوجة تذهب بالبول لا بالخرطة، و على هذا فلا شاهد للجمع، و الحمل على النادر ليس فيه إشكال لأن المريض الذي لا يبول من مخرجه العادي غير عادي.

(2) أقول: انه لا إشكال في بيان علة الحكم و لو طبا في بيانات الشارع المقدس فان الروايات في علل الشرائع و غيره في ملاكات الأحكام و الارشادات كثيرة لا تحصى، و قول الشارع المقدس الحكيم متبع في كل ما يقول.

190

كون الرطوبة بعد عدم البول لا قبل الغسل و لا بعده.

و أما الصورة الثانية: فهي أن يبول بعد الغسل و يحتمل أن يكون في نفس هذا البول شي‌ء هو المني، فإن كان الشك في أصل الوجود، فلا شبهة في ان الأصل عدمه و لا اعادة، و أما ان كان العلم بالخروج و يحتمل أن يكون منيا، فالروايات شاملة و يقدم الظهور على استصحاب الطهارة، و يجب الغسل ثانيا، و كلام صاحب الجواهر و بعض المعاصرين من حيث كون الشك في أصل الوجود أو الموجود مجمل، و المخالف سيدنا الأستاذ الأصفهاني، فإنه قال: بأن الدوران لو كان بين البول و المنى و المذي و غيره، لا ينطبق عليه الروايات، و هو محل المنع، لأن مورد بعض الروايات هو العلم الإجمالي بين المنى و غيره، و لا شبهة و لا ريب في انه إذا قام امارة على أحد أطراف العلم الإجمالي فهو ينحل، ففي المقام و ان كان مقتضاه الاحتياط بالجمع لأنه علة تامة للتنجيز، و لكن ظهور الروايات في انه إذا لم يكن البول المتقدم يحكم بأنه مني على حسب الظاهر من انه من بقاياه، فإذا انحل العلم بأن يقال انه منى يجب الأخذ بحكمه، و هو وجوب اعادة الغسل و عدم وجوب الوضوء.

ثم انه إذا خرجت الرطوبة بعد الاستبراء بالخرطات، فان قلنا بتنقيع المناط في نقاء المحل، يعنى قلنا بأن الخرطة أيضا مثل البول في كونه منقيا للمحل و صار ظهور الحال بكونه منيا منقلبا بها، فيكون مثل من بال و اغتسل، فيكون عليه الوضوء فقط، و أما مع عدم الخرطة فهو محكوم بأنه يجب عليه الإعادة لشمول الروايات، لأنه لم يبل و خرجت الرطوبة.

و اما ان قلنا بأن الخرطة لا تكون مثل البول، فلا يشملها الروايات التي حكمت بمقتضى ظاهر الحال من انه منى، لأن الخرطة لا تنقى المحل كما ينقى البول، و لا يصل بحد يمنع عن العمل بالروايات.

و الحاصل على فرض كون الخرطة مثل البول فالمدلول (1) الالتزامي بأنه‌

____________

(1) أقول: ان حاله مثل نفس البول فان كان المدلول الالتزامي بعده هو كون الخارج بولا و ليس بمنى، فكذلك في المقام و ان كان من المدلول المطابقي، فكذلك فهما سواء.

191

ليس بمنى في الروايات يحكم بأنه بول، فيجب عليه الوضوء، و الأمارة الموافقة للعلم الإجمالي في جميع المقامات تصير موجبة لانحلاله، بخلاف ما كان مخالفا (1) للعلم الإجمالي. و هذا هو الذي لم يذكره المصنف و هو الصورة الثالثة.

الصورة الرابعة: إذا بال قبل الغسل و استبرأ عنه، ثم رأى رطوبة مشتبهة بين البول و المنى، و عبارة المصنف (قده) هنا فيه غلط، و هو قوله: «و مع عدم الأمرين» (أي البول و الاستبراء عنه يجب الاحتياط. إلخ). لأنه مع عدم البول و الاستبراء عنه يجب الحكم بأنه مني على حسب الروايات.

فالصحيح أن يقال: و مع العمل بالأمرين اى البول و الاستبراء عنه يجب الاحتياط بالجمع بين الغسل و الوضوء، ان لم يحتمل غير هما أى غير المنى و البول، لأنه لا يشمله روايات عدم كونه بولا و انه منى، لأن الفرض انه بال فلا يكون منيا، و لا روايات عدم كونه منيا أى انه بول، لأن الفرض أنه استبرأ عن البول أيضا، فلا محالة يجب المشي على طبق العلم الإجمالي، فيجب الوضوء و الغسل.

ثم ان وجوب (2) الوضوء في صورة كون الرطوبة بعد البول قبل الغسل،

____________

(1) أقول: ان الامارة إذا كانت في مقام بيان حكم أطراف العلم فلا محالة من جهة تكون مخالفة له، و من جهة موافقة له. فإذا كان الإناء أن المشتبهان و حكم الأمارة بأن النجس هذا بعينه و بمدلوله الالتزامي دل على ان الطرف الآخر طاهر، تكون موافقة من جهة انا نعلم وجود النجس في البين، و أما انه هو ذا فلا، فيكون مخالفا له من هذه الجهة، و هذا لا يضر بالانحلال، فلا ثمرة فقهية في هذا البيان، و لا نتصور الأمارة المخالفة للعلم من كل جهة حتى نقول بعدم الانحلال حينئذ.

(2) أقول: انه لا يخفى ان هذا البحث بحث مستقل و هو محاسبة روايات باب الاستبراء عن البول مع روايات الاستبراء عن المنى، و الفرع المذكور في المقام من وجوب الاحتياط لو كانت الرطوبة مسبوقة بالبول و الغسل بعده يكون من صغريات العلم الإجمالي من حيث وجوب الوضوء، و صورة كون البول قبل الغسل بدون الاستبراء عنه من حيث وجوب الوضوء فقط، و عدم وجوب الغسل يكون حسب الجمع بين الطائفتين من الروايات في باب البول و المنى.

192

فالدليل عليه ح: 1 في باب 36 من أبواب الجنابة و ح: 8، و الأعلام بعضهم توجهوا الى مطلقات باب الاستبراء عن البول و غفلوا عن الرواية في المقام.

ثم ان النسبة بين الرواية في المقام و الروايات في باب الاستبراء العموم من وجه، لأن تلك الروايات دلت على ان من بال و استبرأ عن البول لا يجب عليه الوضوء و هنا بإطلاقها دلت على وجوب الوضوء سواء استبرأ عن البول أم لا، و بيان النسبة هو ان تلك الروايات دلت على ان من بال و استبرأ سواء كان جنبا بالإنزال أو لا، لا يجب عليه الوضوء، و هذه الروايات دلت على ان من بال بعد الجنابة بالإنزال يجب عليه الوضوء سواء استبرأ عن البول أم لا، و مورد الافتراق في تلك الروايات صورة عدم الجنابة بالإنزال، و مورد افتراق هذه صورة الإنزال مع عدم الاستبراء عن البول فإنها تحكم بوجوب الوضوء و لا تعارضها تلك، و مورد الاجتماع صورة كون الجنابة بالإنزال مع البول و الاستبراء عنه قبل الغسل، فان تلك دليل على عدم وجوب الوضوء. و هذه دليل على وجوبه، فهل في المقام مقام العمل على طبق العلم الإجمالي و وجوب الجمع كما هو الحق، أو يمكن تقديم هذه على ما ورد في الاستبراء عن البول؟.

فقد يقال: بأنه يقدّم مطلقات المقام لقوة ظهورها، فيجب الوضوء سواء استبرأ أم لا، بدعوى ان هذه الروايات يقدم ظهور الحال و يحكم بأنه منى في صورة عدم البول، و أما إذا بال فلا يكون ظهوره ممضى عن الشرع، و ان لم يستبرء عن البول، و لكن لا وجه لهذا الاستدلال و ادعاء الانصراف في روايات الاستبراء عن البول عن المقام لا شاهد له.

الصورة الخامسة: و هي ما إذا أنزل ثم اغتسل ثم بال ثم رأى بللا مشتبها‌

193

بين البول و المنى، ففي المقام اما أن يقال بأن الحدث الأكبر مهدم للأصغر و ان من اغتسل يكون محرزا للطهارتين، أو يقال بأن لكل أثر في النفس. فعلى الأول قيل:

بأن الحدث الأصغر و هو البول حتمي باستصحابه، و أما الأكبر فمشكوك، فيجب الوضوء فقط دون الغسل و يصح الصلاة معه، و قد أجيب عن الاستدلال بأن هذا من استصحاب القسم الثالث من الكلى، حيث انه ان كان بولا فقد ارتفع بالوضوء، و ان كان منيا فهو باق كالفيل و البق، و حيث ان الكلى لا أثر له، فإحراز الخصوصية لازم في المقام، فيجب الجمع بين الوضوء و الغسل ليكون محرز الطهارة حين الدخول في الصلاة.

فإن قلت: بأن الكلى و ان كان من القسم الثالث، و لكن استصحاب الحدث يعارض مع استصحاب عدم تحقق الأكبر فينحل العلم الإجمالي، فيجب الوضوء فقط. قلت: هذا أيضا يعارض باستصحاب وجوب تحصيل الطهور للصلاة، و مع عدم الغسل يكون الشك فيه فيجب الجمع و استصحاب (1) عدم كونه منيا يكون من الفرد المردد، لأنه ان كان بولا فقد أحرز الطهارة بالوضوء، و ان كان منيا فلا يكون محرزا.

و يمكن الاستدلال بالاستصحاب التعليقي في المقام لوجوب الوضوء فقط بأن يقال انه قبل خروج الرطوبة عنه كان الوضوء كافيا لحصول الطهارة بعد البول و بعده نشك في ذلك، فنستصحب طهورية الوضوء، و حيث ان الترتب و التعليق شرعي يجري هذا الاستصحاب و ان كان فيما لا يكون التعليق فيه شرعيا غير جار و فيه مع ذلك أيضا احتمال عدم المبرئية للذمة بحاله لو لم يغتسل.

هذا كله في صورة مهدمية الأكبر للأصغر، و أما في صورة كونهما متماثلين‌

____________

(1) أقول: يعنى ظاهرا انه ان كان توضأ، فشك في حصول الطهارة، يكون من الفرد المردد، كما هو الحق، و أما استصحاب عدم كونه منيا فلا يكون من الفرد المردد، فالتعبير قاصر.

194

في محلين، ففي المثال نقول: الحدث الموجب للوضوء حصل في الرأس، و الحدث الموجب للغسل في البدن، فلا يجري أصل الطهارة أي استصحاب الغسل السابق لأن الوضوء الذي يؤتى به يكون مشكوك الرافعية للأصغر أيضا، لأن احتمال مقارنة الأكبر للأصغر بوجوده الواقعي يكون مانعا عن تأثير الأصغر أثرا يمكن معه الصلاة و استصحاب الغسل (1) يجري بالنسبة الى عدم وجوبه، و أما بالنسبة إلى الحدث الأكبر الجديد المحتمل لا يمكنه رفع أثره، بخلاف ما إذا قلنا بأنهما يكونان في العرف حدثا واحدا، و في الواقع أيضا كالنور و اللون الشديد و الضعيف.

فتحصل أن النكتة في بيان كونهما متماثلين أو متضادين هي ان احتمال المقارنة أى مقارنة الحدث الأكبر للأصغر يمنع عن تأثير الوضوء في الأصغر بدون الغسل لا ما ذكره سيدنا الأستاذ الأصفهاني من وحدة الحدثين على المهدمية و تعددهما مع التضاد أو التماثل، فان البحث عنه أيضا يكون لهذه الثمرة، فافهم و تدبر.

ثم الدليل على كفاية الاكتفاء بالوضوء في الحدث الأصغر روايات، فعن محمد بن مسلم (في باب 13 من أبواب نواقض الوضوء ح: 5) قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) من اغتسل و هو جنب قبل أن يبول ثم يجد بللا، فقد انتقض غسله و ان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا، فليس ينقض غسله، و لكن عليه الوضوء، لأن البول لم يدع شيئا. و عنه أيضا (في الباب المتقدم) في حديث قال: فان كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله، و لكن يتوضأ و يستنجي. و ما عن أبى بصير (في باب 10 من أبواب الجنابة ح: 3) قال: سألته عن الرجل يصيب بثوبه منيا و لم يعلم انه احتلم؟ قال:

يغسل ما وجد بثوبه و ليتوضأ.

____________

(1) أقول: بل لا يجرى الاستصحاب في المقام أصلا لأنه لا يثبت ان الحدث الذي يكون، يتعين في الأصغر حتى يكفى الوضوء، و ان جرى فالأثر المرجو منه هو ذا، فلا معنى لجريانه بالنسبة إلى وجوب الغسل الّا عدم وجوبه و كفاية الأصغر.

الّا أن يقال مقتضى هذا الاستصحاب عدم وجوب الغسل و مقتضى الحدث الأصغر المعلوم تفصيلا هو الوضوء و العلم الإجمالي ينحل بذلك.

195

و تقريب الاستدلال في غير الأخير واضح و في الأخير من جهة انه يجب عليه غسل ما وجد بثوبه و لم يكن عليه الغسل، يفهم ان محتمل الجنابة يكفيه الوضوء.

قوله: و كذا حال الرطوبة الخارجة بدوا من غير سبق جنابة، فإنها مع دورانها بين المنى و البول يجب الاحتياط بالوضوء و الغسل، و مع دورانها بين الثلاثة أو بين كونها منيا أو مذيا أو بولا أو مذيا، لا شي‌ء عليه.

أقول: على هذا الفرع تعليقة السيد الأصفهاني بأنه في صورة عدم سبق الطهارة و أما صورة سبقها فالعلم الإجمالي منحل، و مراد المصنف (قده) أيضا ما ذكره (قده).

[مسألة- 4- إذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل]

مسألة- 4- إذا خرجت منه رطوبة مشتبهة بعد الغسل، و شك في انه استبرأ بالبول أم لا، بنى على عدمه، فيجب عليه الغسل، و الأحوط ضم الوضوء أيضا.

أقول: الشارحون لهذا الفرع قالوا في مقام الاستدلال: بأن هذا يكون من باب استصحاب عدم البول، و هو مقدم على الأمارة الدالة على وجوب الوضوء فقط عند البول، كما انه يقدم استصحاب العدالة على شرطية العدالة في الإمام الثابتة بالأمارة، فيجوز الاقتداء، و لكن عند التدبر في المقام يجي‌ء في الذهن اشكال و هو ان الأثر الشرعي شرط لجريان الاستصحاب و هو في مثل جواز الاقتداء باستصحاب العدالة موجود بلا واسطة، فإن العدالة أثرها جواز الاقتداء، و لكن في المقام ماله الأثر، يكون نفس عدم المنى الواقعي و البول طريق الى عدمه و إرشاد اليه، و عدم البول طريق (1) الى وجوده تقديما للظاهر، و استصحاب عدم البول لا يثبت وجود‌

____________

(1) أقول: انا لا نتحاشى الطريقية، و لكن استصحاب الطريق التعبدي يكفى لترتيب أثره، لأن الأثر لا يكون على المنى الواقعي، لأنه في صورة عدم البول قطعا أيضا مشكوك فيه و مع ذلك نتعبد بالأمارة على فرض عدم القطع بعدم المنوية و الأمارة الشرعية تارة تكون حاصلة بالوجدان و اخرى بالتعبد، و أما الإشكال من حيث كونه عدما، و هو لا أثر له فلا يستصحب، فيكون مثل استصحاب عدم العدالة و عدم الاجتهاد، فكلما قيل هناك نقول هنا به

196

المنى واقعا الّا على النحو المثبت فلا يجرى و لا يكون للجنابة سببان خروج المنى و عدم البول حتى يكون لنفس العدم أثر، فان العدم لا يكون شيئا و لا أثر له، فان الآثار للوجودات و على فرض التسليم فنفس العدم دليل و لا يحتاج الى الاستصحاب.

نعم ان قيل: بأن استصحاب العدم يكون لنفي أثر الوجود فيستصحب عدم البول لطرد أثر البول، و هو عدم كون الرطوبة منيا فحيث يطرد يحكم بأنها مني أو يقال: بأن الشبهة البدوية لا أثر لها مطلقا.

[مسألة- 5- لا فرق في جريان حكم الرطوبة المشتبهة بين أن يكون الاشتباه بعد الفحص و الاختيار]

مسألة- 5- لا فرق في جريان حكم الرطوبة المشتبهة بين أن يكون الاشتباه بعد الفحص و الاختيار، أو لأجل عدم إمكان الاختيار من جهة العمى أو الظلمة أو نحو ذلك.

أقول: ان الفحص عن الموضوعات و ان كان غير لازم، لكن ما لا مؤنة له فيجب، فإن النائم ان احتمل دخول وقت الصلاة و ضيق الوقت و يحتاج الى فتح العين لرفع الشبهة يجب عليه فتحها.

[مسألة- 6- الرطوبة الخارجة من المرأة لا حكم لها]

مسألة- 6- الرطوبة الخارجة من المرأة لا حكم لها، و ان كانت قبل استبرائها، فيحكم عليها بعدم الناقضية و عدم النجاسة إلا إذا علم (1) أنها اما بول أو منى.

أقول: ان هذا هو المشهور و لا مخالف له، و الدليل عليه رواية سليمان بن خالد (باب 13 من الجنابة ح: 1) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شي‌ء؟ قال: يعيد الغسل، قلت: فالمرأة يخرج منها شي‌ء بعد الغسل، قال: لا تعيد، قلت: فما الفرق بينهما، قال: لأن ما يخرج من المرأة انما هو من ماء الرجل. و عن ابن مسكان عن منصور مثله.

____________

(1) فهو نجس و لا غسل و لا وضوء عليها ان كانت متطهرة مع مقاربة الرجل معها و مع عدمها، فيجب عليها الاحتياط بالجمع.

197

فنقول: تارة يبحث عن حكم المرأة بعد إنزال الرجل في فرجها و إنزالها، و تارة يبحث عن المرأة إذا احتلمت بدون المقاربة، فعلى الأول ان العلم الإجمالي منها بأن الخارج اما هو البول أو المني، لا يؤثر وجوب الغسل في المقام لأنها تحتمل أن يكون من منى الرجل، و خروج منى الرجل عنها لا يوجب الجنابة، و أطراف العلم يجب أن يكون مؤثرا، و هذا احتمال منويته على هذا الفرض بحيث يوجب الغسل غير منجز، مضافا الى الرواية، فإنها توجب انقلاب ظهور الحال، فان الرجل إذا خرجت منه رطوبة بعد الانزال و لم يبل بعد، يحكم على الخارج بحكم المنى، و هو وجوب الغسل بمقتضى الروايات، و لكن المرأة هنا يطرد هذا الاحتمال عنها، فإنه (عليه السلام) قال: بأنه يكون من ماء الرجل فقط أى لا يخرج من المرأة مني نفسها، نعم بالنسبة إلى النجاسة العلم مؤثر، لأن البول و منى الرجل و المرأة من النجاسات.

و أما من لم يكن خروج المنى منها بالمقاربة فحيث لا يكون فيه احتمال كون المنى من الرجل لا يحكم عليها، الّا بمقتضى العلم و هو وجوب الجمع بين الغسل و الوضوء، ثم في هذه الصورة هل يكون فرق بين من بالت بعد خروج المنى ثم رأت رطوبة مشتبهة و بين من لم تبل أولا؟ فيه تفصيل و هو انه لو كان مخرج البول و المني فيها واحدا يمكن تنقيح المناط عن الروايات الواردة في الرجل و القول بأنها لو بالت لم يجب عليها الّا الغسل، و الّا فهو عليه، و لكن حيث يكونا متعددين لا يوجب خروج البول انقلاب ظهور الحال في المني لأن بعض الروايات فيه التعليل بأن البول لم يدع شيئا، و هو حاصل في صورة اتحاد المخرجين.

و ما عن سيدنا الأستاذ الأصفهاني من الحاشية على المسألة بأن العمل فيها على التفصيل السابق في المسألة السابقة لا يكون صحيحا في صورة كون خروج المنى بعد جماع الرجل معها، بل في صورة عدم الجماع تكون مثل (1) الرجل في التفصيل، هذا كله حكم الغسل.

____________

(1) هذا مع القول باتحاد المخرجين، و الّا فلا يترتب الآثار من هذه الجهة.

198

و أما الوضوء فهل يكون استبراء المرأة عن البول موجبا للقول بأن الخارج بعد البول من الرطوبة المشتبهة ليس ببول أم لا؟ فيه خلاف، فلو قلنا بتنقيح المناط عن الروايات الواردة في الرجل، و القول بانقلاب الظهور بواسطة الاستبراء عنه فعليها أيضا حكمة لانطباق الروايات. و الّا فلا.

[مسألة- 7- لا فرق في ناقضية الرطوبة المشتبهة الخارجة قبل البول بين أن يكون مستبرءا بالخرطات أم لا]

مسألة- 7- لا فرق في ناقضية الرطوبة المشتبهة الخارجة قبل البول بين أن يكون مستبرءا بالخرطات أم لا، و ربما يقال: إذا لم يمكنه البول تقوم الخرطات مقامه، و هو ضعيف.

[مسألة- 8- إذا أحدث بالأصغر في أثناء غسل الجنابة]

مسألة- 8- إذا أحدث بالأصغر في أثناء غسل الجنابة، الأقوى عدم بطلانه، نعم: يجب عليه الوضوء بعده، لكن الأحوط إعادة الغسل بعد إتمامه و الوضوء بعده أو الاستئناف (1) و الوضوء بعده، و كذا إذا أحدث في سائر الأغسال.

و لا فرق بين أن يكون الغسل ترتيبيا أو ارتماسيا إذا كان على وجه التدريج، و أما إذا كان على وجه الانية فلا يتصور فيه حدوث الحدث في أثنائه.

أقول: ان الأقوال فيمن أحدث في وسط الغسل مختلفة (2)، فمنها: ما في‌

____________

(1) لا يترك هذا الاحتياط، و لا حاجة الى الاحتياط الأول.

(2) أقول: ان العمل بالاحتياط الثاني عن المصنف هو المؤيد للإشكال في رفع اليد عن الرضوي، و ما في كتاب «المجالس» الذي سيأتي في شرحه (مد ظله) و ضعف السند يمكن انجباره بالشهرة مع استناد بعض القدماء، مثل الصدوق (قده) الى ذلك و ان كان الأخبار البيانية تامة، و أما الإتمام ثم الإعادة من باب شرطية النية المتواصلة كما في الصلاة، فلا وجه له لعدم وجوب الموالاة فيه.

و أما الوضوء فهو للحدث الأصغر و ان لم يتعرض لحكمه في الرضوي و غيره فهو لازم بمقتضى العمومات في الوضوء، و المتيقن من أجزاء غسل الجنابة عنه للصلاة و أمثالها يكون هو في صورة عدم وقوع الحدث الأصغر في وسطه، ففي غير هذه الصورة يؤخذ بالعمومات.

199

المتن من عدم البطلان و وجوب الوضوء. و الثاني: البطلان، فيجب الاستئناف من الرأس. و الثالث: أن يتم الغسل و لا وضوء عليه.

و العمدة في المقام الروايات الواردة في كيفية غسل الجنابة و عدم وجوب الموالاة بين الأجزاء منه، فإنها مطلقة من جهة وقوع الحدث الأصغر و عدمه فيما بين غسل الرأس و الأيمن و هي و الأيسر خصوصا مع ملاحظة بعضها الدال على ان فاصلة نصف يوم أو أزيد بين الأطراف لا اشكال فيها، و من ذلك ما ورد في قضية أم إسماعيل مما وقع من الجارية، و قد مر من الفاصلة الطويلة بين غسل رأسها و بدنها لئلا تلتفت أم إسماعيل و التفتت و حلقت رأسها إلى آخر القضية، و من البعيد عدم وقوع حدث من الريح و البول فيما بين المدة الطويلة.

فالإطلاق المقامى في هذه الروايات دال على عدم بطلان الغسل بوقوع الحدث الأصغر فيما بين الأعضاء، و الإطلاق اللفظي أيضا في ذيل بعض الروايات دال على ذلك مثل قوله (عليه السلام): «كلما جرى عليه الماء فقد طهر» و «كلما أمسسته الماء فقد طهر» فان المدار على وصول الماء لحصول الطهارة الحدثية، و لا ربط لغيره به، فالدليل الاجتهادي يدلنا على ذلك و لا نحتاج الى الأصل مثل استصحاب الطهارة الحاصلة بعد الحدث عند الشك في نقضه.

فان قلت: الروايات البيانية يؤخذ بإطلاقها من حيث المانع لأن المشرع في مقام بيان ان الأجزاء و الشرائط و الموانع ما هو، و أما النواقض فلا يكون مقامه مقام بيان الكيفية، فعلى هذا لا يمكن التمسك بالإطلاق لإثبات أن البول ليس بناقض، و من هنا نتمسك بأصالة عدم النقض و من هنا لا نحتاج الى الوضوء أيضا لبقاء أثر الغسل و يلحق به بقية الأجزاء فيصير تاما و يترتب عليه الآثار.

قلت: ان الناقض هنا يرجع الى المانع لأن أثر المانع هو أن يمنع من لحوق بقية الأجزاء، و أثر الناقض هو أن يبطل أثر ما وقع، و هنا حيث لا يمكن‌

200

لحقوق بقية الأجزاء لو كان الحدث ناقضا يصير كالمانع، و لذا يمكن طرده بالإطلاق فهذا الناقض يكون مانعا في الواقع و يكون عليه أثره من باب ان الغسل حقيقة واحدة، و أما وجوب الوضوء فهو من جهة ان الإطلاق يكون من حيث كونه ناقضا لأثر الطهارة عن الحدث الأكبر، و أما ان البول ناقض من حيث انه يجب الوضوء فليس له فرق مع ما بعد الغسل فان البول بعد الغسل يوجب الحدث الأصغر و يترتب عليه وجوب الوضوء فكذلك في الوسط و ما ندعى عدم نقضه هو أثر الغسل، فيجب الوضوء من هذا الباب، و على فرض التمسك بالرواية فالاستصحاب أيضا له وجه، و أما على فرض عدم التمسك به فلا وجه لجريانه أيضا، و المقام ليس مما ذكره الشيخ الأنصاري من عدم جريان استصحاب الصحة التأهلية في الموانع و جريانه في النواقض، الّا على وجه التخصص.

و أما عمومات وجوب الوضوء فلا يمكن التمسك به في المقام لأن تلك الروايات على طوائف فإنها تدل بلسان بعضها ان ما يخرج من الطرفين يجب الوضوء معه و بلسان آخر «من وجد طعم النوم يجب عليه الوضوء» و كذلك العمومات مثل «لا صلاة إلّا بطهور» و بكل من الألسنة تكون واردة في مقام بيان حكم آخر و لا يكون متعرضا لبيان الحدث الواقع في وسط الغسل من حيث صيرورته ناقضا لأثر الغسل و من حيث دلالته على وجوب الوضوء حينئذ.

لا يقال ان بطلان الجزء بعد حدوثه لا ربط له بالغسل الصحيح، فان غسل الأيمن و الأيسر يكون كافيا في حصول الغسل.

لأنا نقول: المركب سواء كان حقيقيا أو اعتباريا إذا كان الأثر عليه من حيث هو مركب ينتفى بانتفاء بعض أجزائه، ففي المقام لا يمكن ترتيب أثر الغسل على الناقض.

فان قلت: فمن أين يقال بأن الوضوء لازم، و الغسل غير لازم الاستئناف.

201

قلت: من جهة ان الحدث الأكبر على التحقيق يرفع بغسل بعض الأطراف، و أما الأصغر فهو حدث جديد يكون له أثره.

و من هنا ظهر ما في القول بأن الغسل يتم و لا وضوء بعده مدعيا بأن الأجزاء لا يكون له الأثر، بل الكل بعد حصوله يكون له الأثر، و حيث تم الغسل لا يحتاج الى الوضوء من باب انه رافع للحدثين لأن أثر الكل يكون عين أثر الأجزاء، و ما له الأثر هو الغسل التام لا ما وقع في وسطه الحدث الأصغر.

و أما القول بلزوم الاستئناف و عدم الوضوء بعده فأيضا باطل لأنه يدعى ان الأصل بعد البول مثلا بقاء الجنابة عند الشك في رفعها، فيجب الاستئناف، و وجه البطلان ان الأخبار البيانية و أصالة بقاء أثر الغسل في العضو يمنع عن القول بهذا.

و استدل أيضا بالأولوية بأن البول إذا كان بعد الغسل يكون ناقضا حتما ففي الوسط يكون ناقضا بالأولوية. و فيه انا نحتمل أن يكون الحدث في الوسط موجبا لعدم تأثير بقية الأجزاء و عدم بقاء أثر العضو المغسول، بخلاف ما إذا كان بعده، على ان ما وقع فيما بعده يكون موجبا للحدث الأصغر و هو يوجب الوضوء، و نحن في الوسط أيضا نقول: بأنه يوجبه و لا يبطل الغسل، و أما في صورة عدم الحدث في الوسط فيكون الغسل رافعا للحدثين و هو مستفاد من الأدلة التي دلت على ان الغسل أنقى من الوضوء و غيره من عدم وجوب الوضوء بعد غسل الجنابة.

و استدل أيضا لوجوب الاستئناف بما ورد في الفقه الرضوي (في المستدرك باب 20 من أبواب الجنابة) «فإن أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك، فأعد الغسل من أوله» و هو عين عبارة الصدوق في الهداية كما نقله في الفقيه عن رسالة والده، و يكون فتوى الشيخ في النهاية مؤيدة لها، و مثلها ما في كتاب «عرض المجالس» للصدوق ابن بابويه (في الوسائل باب 29 من الجنابة ح: 4) عن الصادق (عليه السلام) قال: لا بأس بتبعيض الغسل، تغسل يدك و فرجك و رأسك، و تؤخر غسل جسدك الى وقت الصلاة ثم تغسل جسدك إذا أردت‌

202

ذلك، فإن أحدثت حدثا من بول، أو غائط، أو ريح، أو منى، بعد ما غسلت رأسك من قبل أن تغسل جسدك، فأعد الغسل من أوله.

فنقول: الدلالة في هذه تامة، و لكن السند ضعيف، نعم ادعى ان المشهور هو ذا، و لكنا لم نعرف استنادهم إلى الرواية، بل يمكن أن يكون من باب أصالة بقاء الجنابة فلا يوجب انجبار الضعف (1) فالمختار هو القول بوجوب الإتمام و الوضوء بعده.

و أما الاحتياط عن المصنف استحبابا بأنه يستأنف و يتوضأ بعده، فالكلام أولا في إمكانه، و ثانيا في انه لأي سبب ذهب سيدنا الأستاذ الأصفهاني إلى وجوبه (2).

و أما الإشكال في إمكانه (3) فهو من جهة ان رفع اليد عما وقع و الاستئناف لا يوجب انقلاب الواقع عما هو عليه، فإنه ان كان ما سبق الحدث صحيحا فهو على حاله، و ان كان باطلا فلا يؤثر فيه فلا يتصور فيه الاحتياط، ثم على فرض تصويره فهو اما أن يكون من باب عدم تمامية الأخبار البيانية في طرد أثر الحدث، أو يكون من باب استصحاب بقاء الجنابة و عدم استصحاب بقاء أثر الغسل، أو من باب ان النية المتواصلة شرط‌

____________

(1) أقول: ارجع الى عبارة الجواهر (الطبع الجديد: ص 131) ترى كيفية استناد الصدوق، و فتوى الشيخ في النهاية، و والد الصدوق مع ادعاء ان ما ذكروه متون أخبار يرجع اليه عند اعوزاز النصوص، مضافا الى استناد المدارك، و الشهيد في الذكرى، و كيف كان فمخالفة ما قالوه مشكلة فالاحتياط في أن يستأنف الغسل و يتوضأ للصلاة و أمثالها.

(2) و نظره (قده) في الوسيلة مثل ما في متن المصنف، و نقل (مد ظله) هذا القول عن حاشيته على العروة، و ليست بحاضرة عندي الآن.

(3) أقول: انه لا يخفى ان كل احتياط لا يكون من التصرف في التكوين، فان ما وقع فقد وقع، و لا يمكن رفع اليد عنه، و معنى الاحتياط هو إتيان العمل ثانيا فان كان في الواقع باطلا فقد أتى به، و ان كان صحيحا يكون لغوا و على أى حال فالإتيان برجاء الواقع لا اشكال فيه، و ان كان إشكالهم من جهة شرطية التنجيز في النية، ففي كل احتياط لا يمكن الّا أن يكون سبيلا الى الواقع.