المعالم المأثورة - ج5

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
203

بحيث انه إذا صار شي‌ء فاصلة يضربها، مثل شرطية النية المتواصلة في الصلاة، مع ان شرطية النية المتواصلة تكون في صورة الاحتياط بالنحو الآخر و هو أن يتم ما بيده، و يعيد من رأس أيضا، و يتوضأ و هذا هو الذي قال سيدنا بوجوبه، فلو اشترط اتصال النية لا وجه للإتمام ثم الإعادة، و الأصل و عدم تطبيق الأخبار يكونان في الاحتياطين اللذين في المتن.

هذا كله حكم غسل الجنابة، و أما سائر الأغسال فاما أن يكتفى به من الوضوء أو لا يكتفى به، فعلى الأول يكون حكمه مثل حكم الجنابة من حيث الأقوال و وجوب الاستئناف و عدمه و ضم الوضوء و عدم ذلك، و أما على الثاني فيكون البحث في محض ان الحدث في وسطه مبطل له أم لا، و الّا فمن حيث الوضوء لا يجي‌ء الإشكال فإنه واجب على أى تقدير، فإن أخذنا بالعمومات فلا اعادة و لا استئناف و ان لم نأخذ بها، و لا بأصالة بقاء أثر الغسل في العضو و عدم ناقضية الحدث الأصغر في وسطه، فيجب الاستئناف، و أما الغسل الترتيبي و الارتماسي فلا فرق بينهما كما في المتن.

[مسألة- 9- إذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل]

مسألة- 9- إذا أحدث بالأكبر في أثناء الغسل فان كان مماثلا للحدث السابق كالجنابة في أثناء غسلها أو المس في أثناء غسله، فلا إشكال في وجوب الاستئناف و ان كان مخالفا له فالأقوى (1) عدم بطلانه فيتمه و يأتي بالاخر و يجوز الاستئناف بغسل واحد لهما.

أقول: انه في صورة اتفاق الحدثين اما أن يقال بتداخل الأسباب أو لم نقل،

____________

(1) بل لا يترك الاحتياط بالاستئناف و الجمع في النية، لكن بالنسبة إلى الأول رجاء، و بالنسبة الى الثاني منجزا و في غير هذا الجزء فالنية منجزة في غسل الجنابة و ما وقع في الوسط و هكذا كل مختلف بالنوع.

و دليله هو ان في الرواية المتقدمة في الشرح عن كتاب «المجالس» ذكر الحدث الأكبر أيضا و حكم بالإعادة، و لذا صار احتمال صحة الرواية لتمسك بعضهم بها سببا لهذا الاحتياط، و هكذا الدليل في الاحتياط في سائر فروع هذه المسألة.

204

فعلى الأول فلا إشكال في انه يستأنف و يأتي بغسل واحد لهما، و لكن القواعد الأصولية يكون مقتضاها عدم تداخل الأسباب سواء كان من نوع واحد مثل الجنابة مع الجنابة أو من جنس واحد مثل الجنابة و مس الميت، الا أن يدل دليل على التداخل كما يكون الروايات في كفاية غسل الجنابة عن جميع الأغسال مع نيتها جميعا أو نية الجنابة فقط، و كذا في سائر الأغسال فقول المصنف (قده) بأنه لا إشكال في وجوب الاستئناف يكون مبنيا على التداخل، و الّا فيجب الإتيان بكل غسل على حدة.

و أما في صورة اختلاف الحدثين أيضا، فالأصل و ان كان عدم التداخل، و لكن يمكن القول بالتداخل أيضا بالروايات كما سيأتي (في مسألة 15) و على فرض عدم التداخل لا يوجب ابطال ما وقع و القول فيه يكون هو القول في الوضوء، فان العمومات من الروايات البيانية شاملة، و الأصل بقاء أثر ما أتى به فيتمه الّا أن يدعى شمول رواية الرضوي و رواية عرض المجالس المتقدمتين للمقام، و أما جواز الاستئناف فهو من باب التداخل.

و أما القول بالاحتياط في صورة كون الحدث الأكبر في الأثناء غير الجنابة بالإتمام ثم الإعادة، ففيه ما مر في الوضوء، و قد مر عدم وجوبه، و أما الاحتياط برفع اليد عنه و الاستئناف فأيضا الإشكال فيه هو الاشكال السابق في إمكانه، و لكن لا تصل النوبة اليه مع القول بتداخل الأغسال.

قوله: و يجب الوضوء بعده ان كانا غير الجنابة أو كان السابق هو الجنابة حتى لو استأنف و جمعهما بنية واحدة على الأحوط.

أقول: ان وجوب الوضوء يكون مبنيا على القول بأن غسل غير الجنابة لا يكفى عن الوضوء، و الّا فلا إشكال في عدم وجوبه بعده، و أما على القول بوجوبه في كل ما هو غير الجنابة، ففي المقام في صورة كون هذا الشخص متطهرا من الحدث الأصغر بواسطة الوضوء قبل الغسل فالقول بأن المس حيث يوجب الحدث الأصغر فقد انتقض وضوءه السابق مشكل لأن غسل غير الجنابة على‌

205

فرض عدم رفعه للحدث الأصغر يكون في صورة كون الحدث من غير ناحيته، و أما الحدث الأصغر الذي حصل بالمس فهو يرفع بواسطة غسله، فإنه كما انه رافع للأكبر رافع للأصغر أيضا، فوجوب الوضوء يكون متوقفا على عدم كفاية غسل غير الجنابة عن الوضوء و عدم رافعية الغسل للحدث الأصغر الذي جاء من قبله.

و قال بعض المعاصرين في المقام: بأن أثر حدث الأصغر في صورة كون السابق الجنابة يرفع بواسطة غسل واحد، فإنه إذا استأنف على فرض المصنف و جزمه بصحة الاستئناف يرفع بواسطة غسل الجنابة الحدث الأصغر أيضا الذي جاء من قبل المس مثلا، و لا وجه للقول بوجوب الوضوء، نعم لو لم يستأنف و أتم غسل الجنابة ثم أتى بغسل المس يجب عليه الوضوء لأن بعض غسل الجنابة لا يرفع الحدث الأصغر، بل كله يرفعه و المفروض ان الحدث وقع في وسطه، و لكن حيث أتى بنية واحدة لهما بالاستئناف، فيصير غسل الجنابة تاما فيصح و يكفى من الوضوء، لأنه يرفع اليد عما سبق و يأتي به من الأول.

و فيه ان نظر المصنف لعله كان من جهة عدم إمكان رفع اليد عن السابق من الأجزاء الذي وقع صحيحا، فإنه إذا أتى بغسل الرأس ثم أحدث بالمس فأراد أن يرفع اليد عما وقع، و يأتي بغسل جنابة و مس من الرأس إلى تمام البدن، فمن المحتمل أن يقع الغسل بالنسبة إلى الرأس صحيحا و غير قابل لرفع اليد عنه واقعا فحصل الحدث في وسطه و الغسل من الجنابة الذي يكفي عن الوضوء هو الذي لم يقع في وسطه حدث فيكون الشك في حصول الطهارة من الخبثين، نعم بالنسبة إلى تداخل الغسلين يمكن الاستيناف بأن يأتي بنية الغسلين من الأول، لكن بالنسبة إلى الجنابة رجاء، و بالنسبة إلى المس جزما، و يحصل التداخل بالنسبة إلى البقية حتما، و لكن هذا لا يكفى عن الوضوء.

قوله: و ان كان اللاحق جنابة فلا حاجة الى الوضوء، سواء أتمه و أتى

206

بالجنابة بعده (1) أو استأنف و جمعهما بنية واحدة.

أقول: ان عدم وجوب الوضوء يكون من جهة ان الجنابة لا وضوء معها، و هي هنا متأخرة عن المس، و هذا في صورة إتمام غسل المس ثم الابتداء بغسل الجنابة يتوقف على إطلاق دليل الجنابة من حيث عدم الاحتياج الى الوضوء حتى لو كان قبله محدثا بالحدث الأصغر من ناحية الحدث الأكبر الذي هو المس، و أما صحة رفع اليد و الاستئناف فهو ان كان بنية الجنابة مع كونها كافية عن غيرها و لو لم ينوه، فهنا مشكل للشك في انه هل يمكن رفع اليد عن ما وقع أم لا؟ فإنه على فرض وقوعه صحيحا لا يمكن رفع اليد عنه.

و على هذا فإتيان بعض الأطراف بنيتها لا يكفى عن سائر الأغسال، و أما إذا كان إتيانه بالاستئناف بنيتين فيصح الغسل بالنسبة إلى جزء الجنابة رجاء، و بالنسبة إلى المس منجزا و في البقية منجزا في كليهما، فما عن المصنف (قده) من الجمع بنية واحدة مشكل.

[مسألة- 10- الحدث الأصغر في أثناء الأغسال المستحبة أيضا لا يكون مبطلا]

مسألة- 10- الحدث الأصغر في أثناء الأغسال المستحبة أيضا لا يكون مبطلا (2) لها، نعم في الأغسال المستحبة لإتيان فعل كغسل الزيارة و الإحرام لا يبعد البطلان (3) كما ان حدوثه بعده و قبل الإتيان بذلك الفعل كذلك، كما سيأتي.

أقول: حيث انا لا نتعرض للأغسال المستحبة فيما سيأتي، فيجب هنا إيراد شطر من البحث فيها.

____________

(1) هذا هو المتعين باحتياط لا يترك، و قد مر وجه الاحتياط و هو احتمال صحة رواية كتاب «عرض المجالس» مع التعدي عنه الى كل حدث أكبر.

(2) بل لا يترك الاحتياط بالاستئناف و الوضوء بعده.

(3) البطلان هو الأقوى للروايات في الإحرام و غيره كما في الشرح.

207

فنقول: جميع الأقسام الذي ذكر للأغسال المستحبة يرجع الى قسمين:

و هو أنها اما أن تكون زمانية كغسل الجمعة و العيد و غير هما. و اما أن تكون للأفعال مثل الغسل للزيارة و لبعض الصلوات المستحبة، أما الزمانية فإنها و ان تنقض بواسطة الحدث، و لكن لا يلازم النقض الإعادة لأن الذي هو لازم يكون صرف الوجود منه، و لعل سره هو انه يوجب النشاط مثلا بحيث ان البول الذي هو حدث أيضا يوجب النشاط فهو يوجب تقوية الملاك و لا يضره.

و أما ما يكون للأفعال. فالروايات فيها على ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: المطلقات الدالة على ان غسلك ليومك يكفيك لليلك. فعن الصادق (عليه السلام) (في باب 9 من أبواب الإحرام ح: 4) «من اغتسل بعد الفجر كفاه غسله الى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل».

الطائفة الثانية: المقيدات كصحيح ابن الحجاج (في الوسائل ج: 9 في باب 6 من أبواب مقدمات الطواف) قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم ينام فيتوضأ قبل أن يدخل، أ يجزيه ذلك أو يعيد؟ قال: لا يجزيه، لأنه إنما دخل بوضوء.

و في صحيحة نضر بن سويد (في الوسائل ج: 9 باب 10 من الإحرام) عن رجل يغتسل للإحرام ثم ينام قبل أن يحرم، قال: عليه اعادة الغسل. و بمضمون ما ذكر موثق إسحاق (في باب 3 من أبواب زيارة البيت).

و تقريب الاستدلال من حيث وجوب اعادة الغسل واضح، لكن غير رواية إسحاق يكون في خصوص النوم، و سنذكر روايته لمطلق الحدث، بعيد هذا.

و الطائفة الثالثة: الروايات المعارضة و هي رواية عيص (في باب 10 من الإحرام) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يغتسل للإحرام بالمدينة و يلبس ثوبين ثم ينام قبل أن يحرم؟ قال: ليس عليه غسل.

و تقريبها للمعارضة بعدم لزوم الغسل بعد النوم، و في مقام الجمع نقدم الطائفة‌

208

الثانية من المقيدات لأنها أقوى ظهورا، لأن هذه الرواية بمفاد قوله (عليه السلام): «ليس عليه غسل» يمكن أن يكون لدفع الوجوب لا لعدم الاستحباب على انها في خصوص النوم، و فيما سبق رواية إسحاق تدل على ان مطلق الحدث مبطل له و لا يتوهم ان المقام من باب انقلاب النسبة كما ربما يوهمه بعض الكلمات، و لا يكون الانقلاب عندنا مقبولا، فيقيد الإطلاقات الدالة على ان الحدث يوجب نقض الغسل.

ثم ان الاشكال هنا في مقامين: الأول: ان المقيدات يكون في خصوص النوم أو يعم كل حدث. فقيل: و هو المشهور، كما في الجواهر (ج: 14) بالاختصاص به فقط. و قيل: بعدم الاختصاص، كما عن الشهيدين و غيرهما.

و استدل للأول: بأصالة عدم النقض عند الشك، أعنى الاستصحاب، و بالإطلاقات مع ادعاء ان سائر الأحداث حيث كان كثير الوقوع من أول اليوم الى الليل و لم يتعرض له الروايات، فيعلم عدم ناقضيته و الّا ذكره مع النوم، و المتمسك بها الشيخ الأنصاري (قده) في الطهارة.

و فيه: ان الإطلاقات تكون ظاهرة في الأغسال الزمانية، لا ما يكون للأفعال، هذا مضافا الى ما سيجي‌ء من أدلة المخالف.

و استدل للقول الثاني: بتنقيح المناط لعدم الفرق بين النوم و البول، من حيث الناقضية كما في غير المقام، و فيه من المحتمل أن يكون الغسل لحصول النشاط و النوم موجب للكسالة، فيوجب نقضه، و أما البول مثلا فيوجب النشاط لأنه ينقى المثانة و يصير هذا هو الفارق بينهما لو لم يكن لنا دليل غيره.

و استدل ثانيا: برواية إسحاق (في الوسائل باب 3 من أبواب زيارة البيت ح: 3) و فيها: يغتسل الرجل بالليل و يزور بالليل بغسل واحد، أ يجزيه ذلك؟

قال (عليه السلام): يجزيه ما لم يحدث، فإن أحدث فليعد غسله بالليل.

و لا معارض لهذه الرواية إلّا المطلقات و هي آبية عن التخصيص بنظر المخالف لما مر من ادعائه الاستبعاد في عدم وقوع حدث غير النوم في الوسط من أول اليوم‌

209

الى الليل، و لم تتعرض له، و لكن هذا لا يكون كليا، بل في بعض الأفراد يكون كذلك، فلا تقاوم هذه الرواية، و أما النسبة بين الرواية و ما ورد في خصوص النوم و ان كانت هي العموم و الخصوص المطلق، لكن حيث يكونان مثبتين و لم نحرز وحدة المطلوب لا يحمل أحدهما على الآخر، و إثبات إعراض المشهور عن هذه الرواية مع قولهم بأن الناقض هو النوم فقط، مشكل، لأنهم يمكن أن يستندوا في فتواهم الى إباء المطلقات عن التخصيص، الّا أن يكون سند الرواية من أصله مخدوشا.

ثم انه ظهر من البحث عن الناقضية فيما بعد الغسل الناقضية في الوسط أيضا بالأولوية.

أما المقام الثاني من الاشكال فهو في اختصاص الناقضية في الأغسال الأفعالية و أما الزمانية فلا يكون الحدث ناقضا لها، و يدل عليه ما ورد (في باب 11 من أبواب الأغسال المستحبة) بأن الغسل للإحرام مثل الغسل للجمعة، فكما انه لا يبطله شي‌ء كذلك الإحرام.

و قال بعض المعاصرين: بأن الأغسال الزمانية و ان كان ينقض بواسطة الحدث و لكن حيث ان صرف الوجود فيه يكون كافيا يكتفى به و لا اعادة، و تظهر النتيجة فيما إذا وقع الحدث في وسطه، فعلى قوله يكون ناقضا، و على فرض غيره لا يكون له أثر.

[مسألة- 11- إذا شك في غسل عضو من الأعضاء الثلاثة]

مسألة- 11- إذا شك في غسل عضو من الأعضاء الثلاثة، أو في شرطه قبل الدخول في العضو الأخر، رجع و أتى به، و ان كان بعد الدخول فيه لم يعتن به و يبنى على الإتيان على الأقوى و ان كان الأحوط الاعتناء ما دام في الأثناء و لم يفرغ من الغسل، كما في الوضوء.

أقول: أمّا وجوب الإتيان في صورة كون الشك في أصل الوجود فهو من باب استصحاب عدم الإتيان و جريان قاعدة الاشتغال، و أما قاعدة التجاوز و الفراغ أيضا‌

210

فهما غير جاريتين لأنهما تكونان في صورة التجاوز عن المحل و الفراغ عن العمل و لم يحصل حتى الفراغ البنائي، بمعنى أن يرى المكلف نفسه فارغا، و الّا فالفراغ الحقيقي يكون عند اليقين بالفراغ، و أما إذا كان الشك في شرط الجزء فعلى القول بعموم قاعدة الفراغ حتى إذا كان الشك في الشرط، أعني صحة الجزء، فتكون هنا أيضا جارية و موافقة للارتكاز على ان كل من يشرع في عمل يأتي به على وجهه، و لكن يكون ذلك على فرض عدم القول بجريانها في الشك في صحة الأجزاء، و لكن الاشكال فيه ان الموالاة حيث لا تكون شرطا في الغسل لا يكون الارتكاز على جريان القاعدة، لأن العقلاء يأتون بالعمل على وجهه في حال اشتغالهم فيما إذا كان من شرائط ذلك العمل أن يكون جميع أجزائه مجتمعا، و أما ما لا يكون فيه هذا الاعتبار فلا يكونون في صدد إتيانه جميعا في ظرف واحد، فإذا شك في صحة جزء من باب الشك في فقدان شرط من الشروط لا تجري القاعدة، فلا يكون الفراغ البنائي و لا الحقيقي متحققا حتى تجري القاعدة بالنسبة إلى الأول و يكون العمل كافيا بالنسبة الى الثاني، و الحق مع المصنف (قده).

و كيف كان فالحاصل ان القائل بأن الأقوى جريان القاعدة، و منهم: الشيخ النائيني (قده) هو ان قاعدة التجاوز أو الفراغ في الأجزاء تكون بالنسبة إلى الأذان و الإقامة و الصلاة، و يستفاد من بعض الروايات العمومية في كل ماله ترتب شرعي و الروايات المخصصة التي تدل على استثناء الوضوء تكون على وفق الأصل و لا تكون شاملة لسائر الطهارات.

و لا نقول بوحدة الطهارات الثلاث حتى يسرى الحكم في الوضوء الى الغسل، فلا وجه لتخصيص الحكم في قاعدة الفراغ، و أما القائل بالاحتياط في المقام، فيكون قوله بذلك من جهة الشك في تطبيق القاعدة في المقام من باب الشك في الارتكاز، و في اتحاد الوضوء مع سائر الطهارات في الحكم، و أما المصنف فالاحتياط عنده مستحب.

قوله: نعم لو شك في غسل الأيسر أتى به، و ان طال الزمان لعدم تحقق

211

الفراغ حينئذ لعدم اعتبار الموالاة فيه و ان كان يحتمل عدم الاعتناء إذا كان معتاد الموالاة.

أقول: ان الدليل عليه كما ذكره الماتن هو ان الموالاة حيث لا تلزم في الغسل لا يحرز الفراغ البنائي لما مر من عدم الارتكاز و قال بعض المعاصرين: بأنه بعد عدم الإحراز البنائي من الفراغ لا تكفي العادة على الموالاة لأن ما لا يكون له ترتب شرعي لا تكفي العادة على ذلك فيه.

و أقول: ان الحكمة في جريان القاعدة و هي الارتكاز منطبقة في المقام كما مر فإنه إذا كانت العادة على ذلك يحكم الارتكاز بأنه صار فارغا. و كيف كان فالحق مع المصنف في إشكاله السابق لأن المناط على القاعدة المبتنية على الارتكاز، و أما في المقام فالعادة على الإتمام حيث توجب وجوده تجري القاعدة فيه.

[مسألة- 12- إذا ارتمس في الماء بعنوان الغسل ثم شك في انه كان ناويا للغسل الارتماسي]

مسألة- 12- إذا ارتمس في الماء بعنوان الغسل ثم شك في انه كان ناويا للغسل الارتماسي حتى يكون فارغا أو لغسل الرأس و الرقبة في الترتيبي حتى يكون في الأثناء، و يجب عليه الإتيان بالطرفين، يجب عليه الاستئناف نعم يكفيه غسل الطرفين بقصد الترتيبي، لأنه ان كان بارتماسه قاصدا للغسل الارتماسي فقد فرغ، و ان كان قاصدا للرأس و الرقبة فباتيان غسل الطرفين يتم الغسل الترتيبي.

[مسألة- 13- إذا انغمس في الماء بقصد الغسل الارتماسي]

مسألة- 13- إذا انغمس في الماء بقصد الغسل الارتماسي ثم تبين له بقاء جزء من بدنه غير منغسل يجب عليه الإعادة ترتيبا أو ارتماسا، و لا يكفيه جعل ذلك الارتماس للرأس و الرقبة ان كان الجزء غير المنغسل في الطرفين فيأتي بالطرفين الآخرين لانه قصد به تمام الغسل ارتماسا لا خصوص الرأس و الرقبة، و لا تكفى نيتهما في ضمن المجموع.

[مسألة- 14- إذا صلى ثم شك في انه اغتسل للجنابة أم لا]

مسألة- 14- إذا صلى ثم شك في انه اغتسل للجنابة أم لا، يبنى

212

على صحة صلاته، و لكن يجب عليه الغسل (1) للأعمال الاتية و لو كان الشك في أثناء الصلاة بطلت، لكن الأحوط إتمامها ثم الإعادة.

أقول: أما صحة الصلاة فلجريان قاعدة الفراغ عنها و هي تثبت لأزمها أعني صحة ترتب العصر مثلا على إتيان الظهر لأنها من آثار صحة صلاة الظهر، و أما ملزومها و هو ان هذا الشخص متطهر فيصح جميع صلواته، فلا يثبت لأن هذه القاعدة أصل و الأصول المثبتة غير جارية، فلا تصح بقية الصلوات، بل يجب تحصيل الطهارة لها.

ثم ان بعض المعاصرين ابتنى صحة بقية الصلوات على وحدة القاعدتين أعنى التجاوز و الفراغ و تعددهما، فعلى وحدتهما قال بصحة جميع الصلوات و يحرز الطهارة و على تعددهما فيكون الصحيح هو الذي قد وقع الفراغ منه، أما بيان الوحدة فبتحرير منا هو ان المعروف من أدلة القائل بالتعدد هو ان قاعدة الفراغ تكون في صورة الشك في صحة الموجود، و التجاوز يكون في صورة الشك في أصل الوجود و القائل بالوحدة يقول بأن المفيد هو الوجود الشرعي لا الوجود التكويني، ففي صورة الشك في الصحة أيضا يكون الشك في الوجود الشرعي فهما واحدة، ففي المقام حيث حصل الفراغ عن الصلاة دون التجاوز عن محل الغسل، فيكون الصحيح هو الصلاة فقط على التعدد، و ان قلنا بأنهما واحدة، فالشك يكون في الوجود الشرعي و هو حاصل فكما انه نشك في الوجود الشرعي للصلاة نشك في وجود الغسل أيضا فتجري قاعدة الفراغ بالنسبة إليهما.

و فيه: ان القاعدة هنا تجري في الصلاة فقط لا في الغسل حتى يقال: بأن الوحدة و التعدد مؤثرة في ذلك فيترتب عليها أثر الصلاة الصحيحة لا الغسل الصحيح، و مر ان الملزوم لا يثبت بها فكلامه (قده) غير مشروح في المقام، هذا كله بالنسبة إلى الشك بعد الصلاة، و أما إذا كان في أثنائها فحيث ان قاعدة التجاوز بالنسبة الى أجزاء الصلاة جارية فيكون ما أتى به صحيحا و لذا يمكن أن يكون الثمرة في صورة‌

____________

(1) بل لا يترك الاحتياط في ذلك و ان كان يحتمل الكفاية لها أيضا.

213

إمكان الغسل الفوري في الوسط بحيث لا يوجب الفعل الكثير المبطل للصلاة فيها، و أما في صورة عدم إمكان ذلك فلا محالة يقطع الصلاة و يأتي بالطهور.

فان قلت: ان قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (الى أن قال) وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (المائدة: 6) يستفاد منها ان للوضوء ترتب شرعي على الصلاة فمن دخل في الصلاة و شك في الوضوء يكون وضوئه صحيحا لأنه قد تجاوز عن محله و في الغسل أيضا يحتمل أن يكون الشرط هو المتقدم منه لا المقارن، فيمكن جريان قاعدة التجاوز فيه في الصلاة أيضا فأي فرق بينهما؟.

قلت (1): يفهم الترتيب من لفظة «فا» في قوله تعالى «فَاغْسِلُوا» و أما في الجنابة فلا، فيكون الشرط هو مقارنة الصلاة مع الغسل، و حيث لا يمكن الّا بالتقدم فالعقل حاكم بأنه متقدم لا الشرع، حتى يكون له محل شرعي و بالتجاوز عنه تجري قاعدة التجاوز عند الدخول في الصلاة، فقد ظهر الفرق بذلك بين الغسل و الوضوء.

____________

(1) أقول: هذا التقريب استفدناه من درسه (مد ظله) و له تقريب آخر في غيره، و هو ان الآية في الغسل أمر بالمحصل (بفتح الصاد) و هو الطهارة و حيث ان وجودها المقارن يكفى و لا يمكن عقلا إلّا بإتيانها قبل الصلاة، فالترتيب عقلي بخلاف الوضوء، فإن الأمر بالغسل فيه أمر بالمحصل (بكسر الصاد) و هو مقدم في لسان الدليل فالترتيب شرعي.

و كلا التقريبان لا يفيد أن لأنه في الأول يكون صدر الآية قرينة على ان المراد بالطهارة عن الجنابة أيضا للصلاة بترتيب شرعي و في التقريب الثاني أيضا حيث ان الأمر بالمسبب لا يمكن الّا مع الأمر بسببه و السبب مقدم فسياق الآية دليل على الترتيب الشرعي، هذا مضافا الى أن قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» استفيد منه شرطية و الآية أيضا تبين هذا المعنى و الرواية مؤيدة لها، فكل ما قيل في الوضوء يقال في الغسل أيضا، الّا أن الترتيب الشرعي كذلك في العملين المستقلين و القول بقاعدة التجاوز فيهما تأمل.

214

[فصل في تعدد الأغسال]

فصل في تعدد الأغسال

[مسألة- 15- إذا اجتمع عليه أغسال متعددة]

مسألة- 15- إذا اجتمع عليه أغسال متعددة فاما أن يكون جميعها واجبا أو يكون جميعها مستحبا أو يكون بعضها واجبا و بعضها مستحبا.

أقول (1): ان المقام يكون من حيث الفتوى متسالما عليه و يعبر عنه بالإجماع تارة و بلا خلاف اخرى و بالمشهور ثالثة و المهم أن نبحث عن ان تداخل الأغسال هل يكون على وفق القاعدة الأولية المحررة في الأصول بأن تعدد السبب يوجب تعدد المسبب أو يكون على خلافها، فعلى الثاني لا بد من رفع اليد عن ظهور كل علة في الاستقلال و على الأول فيكون الظهور بحاله.

ففي المقام احتمالات: منها: أن يقال بأن الحدث سواء كان كبيرا أو صغيرا يكون واحدا و لا يكون الأحداث المتعددة من حيث السبب إلا واحدة من حيث الماهية. فعلى هذا يلزم أن يقال: بأن الأسباب متداخلة في صورة الاجتماع و هو على خلاف القاعدة، و لكن لا محيص عنه لأن المسبب يكون مثل القتل الذي لا وجه للقول بتكراره بتكرر سببه، فإنه واحد و ان كان أسبابه مثل قتل النفس أو الزناء و غيره متعددة.

و منها: ان المسبب و ان كان متعددا، و لكن يكون هو الحكم لا متعلقة، ففي المثال يقال بأن كل حدث يوجب الحكم بوجوب رفعه، و لكن يمكن إتيان جميع تلك الوجوبات بوجود واحد فيكون لازمه التداخل في المسبب دون السبب بخلاف ما يقال بأن المسبب هو الوجود، فان كل شرط يحتاج الى وجود جزاء مستقل فإنه لا يمكن تداخل الوجودين كما هو التحقيق، و على الأول يصير الوجوب متأكدا‌

____________

(1) يرجع لتوضيح المقام الى ص 125- 131 من طهارة المحقق الهمداني في أبواب الوضوء، و يطلب عمدة مطالب الأستاذ (مد ظله) من كتاب طهارة الشيخ الأنصاري في الوضوء ص 13.

215

فقط، و على الثاني يجب أن يصير الوجود متعددا، فان قيل في المقام بمقتضى الأول فالروايات لا تصير خلاف القاعدة، و لكن على الثاني تصير مخالفة لها لأن كل سبب يحتاج الى وجود مسبب و هو منتف على فرض التداخل، و لازمه رفع اليد عن ظهور الاستقلال في كل سبب أو شرط.

و منها: ما عن المحقق الهمداني (قده) و هو ان الوجود الواحد يكون مجمع ماهيات متعددة، فغسل واحد يكون مجمعا للمسببات العديدة للأسباب العديدة مثل الجنابة و الحيض و النفاس و غيره، فعلى هذا لا يكون التداخل في السبب و لا المسبب ضرورة تعددهما على هذا الفرض، فالروايات الدالة على كفاية غسل واحد عن الجميع لا تكون خلاف القاعدة، فإنها تقتضي أن يكون لكل سبب مسبب و بهذا النحو من الوجود يحصل التعدد لتعدد الإضافات، فالغسل المضاف إلى الجنابة غسل و الى الحيض غسل آخر فالوجود الواحد مجمع ماهيات متعددة و تبعه الأعلام في هذا الرأي.

و فيه: ان هذا الكلام غير معقول ثبوتا و إثباتا، أما ثبوتا فلأن من البديهي ان كل فصل مضاف الى الجنس يوجب نوعا على حدة، مثلا الحمار حيوان ناهق و الإنسان حيوان ناطق و الفرس حيوان صاهل فالإنسان و الحمار و الفرس أنواع متعددة تحت جنس واحد، فهل يمكن أن يكون وجود واحد هو الجميع؟ فكيف يقال في المقام ان الماهيات المتعددة المختلفة تجتمع في وجود واحد.

و أما إثباتا في المقام فلأن تعدد الإضافة لا يمكن أن يصير موجبا لتعدد المضاف لأن الإضافة تكون متأخرة عن المتضافين، فكيف يمكن أن يصير المتأخر رتبة موجبا لاختلاف المتقدم الّا على نحو الدور الباطل هذا كله بالنسبة إلى الغسل (بفتح الغين) و أما الغسل (بضم الغين) فان قلت: انه يصير متعددا بالإضافة نقول: لا يمكن أيضا لأن العناوين المتعددة التي تكون فوق المقولة لا يكاد تصير موجبة لتعدد الوجودات فان زيدا أب بلحاظ و ابن بلحاظ آخر و أبوته من‌

216

جهة كون الابن له و بنوته من جهة كون الأب له و هكذا يكون عما بلحاظ و خالا بلحاظ آخر فهل لأحد أن يقول ان زيدا متعدد بذلك؟! و المقام أيضا كذلك فإنه ينطبق عليه عنوان غسل الجنابة بلحاظها و غسل المس بلحاظ آخر و هو واحد، و هذا بخلاف العناوين المقولية، مثلا ان قلنا زيد عالم حليم كاتب، فإنه يكون له وجود جوهري له ما بإزاء و هو الذات و وجودات عرضية منضمة إليه من العلم و الحلم و الكتابة و غيره فله وجود جوهري و وجودات رابطية عرضية.

فإن قلت: لعل النية التي هي شرط للغسل توجب تعدد الغسل (بفتح الغين) واقعا. قلت: ان النية تكون في ظرف الامتثال و الّا فالجنابة يجب أن توجب الغسل المضاف إلى النية لا الغسل المطلق و الحال انه يوجب الغسل فقط.

و منها: أن يكون الغسل الواحد عند الشرع منزلا منزلة الأغسال المتعددة فيعتبره الشارع غسل حيض و جنابة و غيره، و هذا الاحتمال لا اشكال فيه ثبوتا، لكن يحتاج إلى الإثبات و سيجي‌ء، و أما ما مر فثبوته في غاية الإشكال فانا كلما نتفكر في الفرد الخارجي من الغسل نرى ان الواحد لا يكون له وجودان جوهريان و لا عرضيان و لا وجود جوهر و عرض، فكيف يكون تحت مقولتين و يقال انه متعدد.

و قال (1) صاحب الجواهر في المقام: بأن كل سبب و ان كان يحتاج الى مسبب على حدة، و لكن بواسطة إتيان واحد أجنبي عن الكل يسقط الأوامر الأخر و لا يبقى مجال لامتثالها، و أما الواحد فلا يصير مصداقا لماهيتين فالواحد ليس بواحد من الأغسال و يجزى عنها.

____________

(1) أقول: ان شئت تفصيل الكلام في هذا المقام فارجع الى طهارة المحقق الهمداني في باب كفاية وضوء واحد عن أسباب، متعددة في أحكام الوضوء ص 125- 129 و الى كلام صاحب الجواهر في الجواهر ص 209 فان كلامهما يكون مشروحا اشكالا و جوابا، و لم يتعرض الأستاذ (مد ظله) للتفصيل خوفا للإطالة.

217

فأجاب عنه الأعلام بأنه لا إشكال في اجتماع الماهيتين في فرد واحد كما ان الجنس و الفصل و المادة و الصورة ماهيتان و تكونان في فرد واحد، و المحقق الهمداني أخذ بالتعدد، و قال: لم يشذ فرد عن صدق الكثير على حسب مسلكه من اجتماع الحقائق في فرد واحد.

و الجواب عن الأول: هو ان مراده (قده) هو ان الماهيات المتحصلة تكون كذلك لا الماهيات التي بعضها غير متحصل و بعضها متحصل فان الجنس لا تحصل له خارجيا الّا بالفصل، و من الواضح ان البقر و الغنم لا يتحد ماهيتهما في فرد واحد لأنهما متحصلان، و أما ما عن المحقق الهمداني فهو أيضا كذلك، فان الفرد كيف يمكن أن يكون مصداقا للكثير و تحت مقولات متعددة متأصلة، و الحيض و الجنابة و المس مثلا نرى عدم اختلاف مصداقها في الواحد من حيث الغسل.

و منها: الاحتمال الخامس و هو ان الأحداث مختلفة، و لكن الغسل الواحد يذهب بالجميع كما ان الأخباث المتعددة مثل الدم و المنى و العذرة تذهب بواسطة غسل (بفتح الغين) واحد و لا يحتاج كل الى غسل على حدة لتزول النجاسة.

هذا كله الاحتمالات في مقام الثبوت، و أما الإثبات فهو يظهر من الروايات في المقام، فمنها: ما ورد في باب 43 من أبواب الجنابة كصحيح زرارة «إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الجمعة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة، فإذا اجتمعت للّه عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد و كذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها و إحرامها و جمعتها و غسلها من حيضها وعيدها.

و استدل به على تعدد الأغسال بقوله (عليه السلام): «فإذا اجتمعت للّه عليك حقوق.»‌

فان الحقوق جمع حق، فليس كل الأغسال حقا واحدا بل يكون متعددا، فعلى هذا احتمال وحدة الأغسال و هو الاحتمال الأول ساقط و كذا احتمال صاحب الجواهر لأن المسقط للحقوق يكون أحد الأغسال الذي يكون من جنس الحقوق لا ان الغسل الواحد يكون أجنبيا يسقط به ذلك، و كذا يسقط احتمال ان الأحداث المتعددة‌

218

يذهب بواسطة غسل واحد كما مر و هو الاحتمال الخامس لأن حق اللّه تعالى لا يكون الأحداث، بل الأغسال فالحمل على الأحداث خلاف الظاهر، و كذا يسقط احتمال أن يكون الأحكام المتعددة هي المسبب و القول باجزاء وجود واحد لوجوبات متأكدة لأن حق اللّه ليس هو الحكم بوجوب الغسل بل هو نفس الغسل، و في الروايات ما يؤيد ما نقول: لأن في بعضها «أجزأه عن كل غسل» و لم يقل (عليه السلام) أجزأه عن كل حكم غسل واحد، و كذا يسقط احتمال أن يكون حقائق مختلفة غير قابلة للاجتماع لأن الظاهر ان ما يجزى يكون من نوع ما يسقط.

فيبقى احتمال ان يقال ان الشارع حسب الملاكات التي تكون في نظره بواسطة ربط الغسل بالحيض يعتبره حيضا، و باعتبار ربطه بالجنابة جنابة، و باعتبار ربطه بالمس مسا، و لا إشكال في ان ينتزع العناوين التي هي فوق المقولة عن مقولة واحدة، أو يقال بأن تعدد النيات يوجب تعدد المنوي، فكل نية يوجب لونا للغسل و يؤثر فيه أثرا يعرضه و سيجي‌ء ان هذه الإضافة هل تصير من باب اختلاف الحقيقة أم لا؟ حتى يترتب عليه ان الواحد يكون كفايته عن الجميع من باب تداخل الأسباب أو المسببات.

و هذا غير ما مر من ان الإضافة هل توجب الاختلاف بالماهية أم لا، لأنه مر ان الاختلاف في الماهية الناشئ عن وقوع الغسل في الخارج يكون من باب تقدم الشي‌ء على نفسه، لأن الإضافة متأخرة، و لكن هذا الاحتمال أيضا يسقط بواسطة ما قيل من ان النية الواحدة مثل نية الجنابة تكفى للجميع لإطلاق الروايات في ذلك فيبقى التنزيل و الاعتبار بأن الواحد يكون كثيرا من حيث انتزاع العناوين لملاكات في نظر الشارع، و هذا هو الأوجه من بين الاحتمالات.

ثم انه قد يستدل لاختلاف الحقائق بأن كفاية الواحدة ان كانت من باب العزيمة يكون الحقائق متحدة، و ان كانت من باب الرخصة تكون مختلفة، لأن الواحد إذا كان كافيا و لا يجوز إتيان شي‌ء آخر يكون معناه ان هذا الواحد صار بمنزلة الجميع و يكون مثل التوصليات التي تكون صرف الوجود فيها منظورا، و أما على فرض‌

219

الرخصة فمعناه ان الواحد كاف، و لكن لا ينافي أن يأتي بفرد آخر بنية أخرى.

و قيل: بأن الظاهر من الروايات و كلمات العلماء هو الرخصة، أما الرواية فقوله (عليه السلام) فيها «يجزيك» معناه الكفاية أى ان أتيت بفرد آخر لا اشكال، و هذا هو معنى الاجزاء، فالأغسال مختلفة.

و فيه: ان كلمات القوم تكون بعكس ما ذكره القائل، و أما الرواية فالجواب عنها هو أن يقال: ان الكفاية يمكن أن تكون من باب ان الواحد يكون منطبق عناوين مختلفة بالتنزيل فلا يكون ترخيصا، و حيث ان النية الواحدة كافية لا يبقى وجه لذلك و لكن يمكن أن يكون نظير اجتماع الأمر و النهي في ان الواحد و لو بنية واحدة يكون منطبق العناوين لتعدد الأمر.

ثم ان معنى الترخيص هل هو ان لكل من الأغسال يمكن أن يكون نية أو يكون من باب الأقل و الأكثر؟ و بيان الثاني هو أن يقال: بأن الواحد كاف إذا كان في القصد عدم الإتيان بالبقية، و الجميع كاف ان أتى بالجميع بنيات متعددة مع وجودات متعددة فيكون مخيرا بين إتيان الواحد أو الجميع، فيه احتمالان.

ثم انه قد يستدل لاختلاف الأغسال باختلاف الآثار، فان غسل الجنابة من أثره صحة الصلاة و سائر الأعمال بلا وضوء بخلاف سائر الأغسال، فلو كان الجميع واحدا ما كان معنى لذلك.

و فيه ان الاختلاف في الأثر لا يلزم أن يكون من اختلاف الحقائق بل يمكن أن يكون من تنزيل الشرع و اعتباره كما مر.

فتحصل ان تعدد الحقوق يكون بواسطة تعدد اضافة النية أو بواسطة تعدد التنزيل من الشرع، و لكن هنا رواية تخالف كون الجميع واحدا من قبل الشرع مع ان أصل الربط يكون منه فإنه جعل الجنابة سببا للغسل و الحيض و النفاس و هكذا غيره كذلك و هي (في باب 43 من الجنابة ح: 5) عن أبى بصير عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل أصاب من امرأة ثم حاضت قبل أن‌

220

تغتسل، قال: تجعله غسلا واحدا.

فيكون مفاد الرواية ان المرأة جعلت الأغسال واحدة فمهارها بيدها لا بيد الشرع، و هذا لا يناسب الحقائق المختلفة كما في ح: 1 من الباب، فان اجتماع الحقوق يكون من اختلاف الحقائق و لو بالتنزيل.

و الجمع بين الروايتين هو أن يقال: ان المراد برواية أبي بصير هو أن الامتثال الواحد للحقوق المتعددة كاف لا ان الجعل بيد المرأة فقصد الجمع لازم لوجوب الإتيان بما هو متعدد (1) إذا عرفت ذلك فالمصنف قده في المتن تصور صورا، نذكرها هنا.

[الاولى قوله: فان نوى الجميع بغسل واحد صح في الجميع]

الاولى‌

قوله: فان نوى الجميع بغسل واحد صح في الجميع و حصل امتثال أمر الجميع.

أقول: ان هذا معقد الإجماع على الكفاية و يدل عليه النص و الفتوى بذلك هو المتيقن، و اما الروايات فهي في باب 43 من الجنابة، ففي ح: 1 «يجزيها غسل واحد لجنابتها و إحرامها و جمعتها و غسلها من حيضها وعيد» و في ح: 2 «أجزأه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه في ذلك اليوم» و في ح: 3 «يجزيه غسل واحد لهما (أى غسل الميت و الجنابة) و في ح: 4 «أجزئها غسل واحد» و في ح: 5 «تجعله غسلا واحدا» و في ح: 6 «تجعله غسلا واحدا عند طهرها» و في ح: 8 «في الرجل‌

____________

(1) أقول: انا إذا اخترنا من بين الاحتمالات هو ان التعدد يكون بتنزيل الشرع غسلا واحدا حيضا و جنابة و نفاسا و اعتباره كذلك، فلا يصير معنى إذا اجتمعت عليك حقوق يجب أن يقصد الجميع بل الحقوق بواسطة مناشيها تجتمع على العبد و هو للّه تعالى قبل الامتثال الواحد مقام الجميع سواء قصد الجميع أم لا، فلا يلزم قصد جميع العناوين و الظاهر من الروايات هو قبول الامتثال الواحد مقام المتعدد لا ان الواحد يكون امتثالا واقعيا للجميع بأن يصير الوجود الواحد مجمعا لوجوبات متعددة.

221

يجامع المرأة فتخيض قبل أن تغتسل من الجنابة، قال: غسل الجنابة عليها واجب» و معنى هذه الرواية ان غسل الجنابة كاف عن غيره و يكون له أثر غسل الحيض أيضا. و في ح: 9 «غسل الجنابة و الحيض واحد». و جميع هذه الروايات كما ترى مطلقة من جهة قصد العنوان في كل غسل، و لكن المتيقن منه هو صورة القصد للجميع.

ثم اعلم (1) ان العنوان تارة يكون غير محتاج الى القصد مثل الزكاة مثلا فإنها لا تكون الا عنوانا واقعيا سواء قصد أو لم يقصد و تارة يكون العنوان قصديا و به يحصل الإناطة و الأغسال تكون من هذا القبيل فان غسل الجنابة بالقصد يصير غسل الجنابة و غسل الحيض أيضا كذلك، و حيث ان اللّه تعالى جعل الارتباط بين الغسل و الجنابة، و هكذا غيره يكون قصد إيجاد هذه الإضافة هو إتيان العمل للّه تعالى،

____________

(1) أقول: ان الموضوعات الشرعية كلها مخترعات من الشرع و لا خصيصة للمقام في ذلك، فإن الصلاة و الزكاة يكون بيان كيفيتها من الشرع غاية الأمر في المقام على فرض وجوب نية جميع الأغسال و دخالتها في تحقق العنوان بأن لا يصير الغسل جنابة الّا بقصدها و لا حيضا كذلك، فالمكلف مأمور بإتيان ما هو المعتبر عند الشرع، فيعتبر اعتبار الشارع أى يوجد ما هو المعتبر بالنية، و لكن لا يكون بحيث لا يمكن أن نقصد غيره، بل يمكن أن يعتبر الغسل جنابة، و لكن ينوى في العمل غير اللّه أيضا، فيكون رياء، و هكذا بقية الأعمال يكون الرياء فيها بضميمة قصد غير اللّه فيها.

نعم ان من يعلم الشرائط و الموانع و يعلم ان الغسل أو غيره من العبادات يبطل بالرياء يكون عمله من حيث الصحة و الفساد دائرا بين الوجود و العدم فكأنه ان قصد الغير لم يأت بالعمل الصحيح، و الباطل لا يفيد و هذا لا يفيد عدم إمكان قصد العنوان مع الشرك، فكل عمل يكون كذلك و في المقام أيضا يمكن أن يقصد الجنابة و الحيض مع الرياء، هذا على تسليم ان هذه العناوين قصدية، و لكن يمكن أن يقال ان أصل صيرورة الغسل جنابة و حيضا يكون من جهة مناشيهما مثل خروج المنى و الدم، و لا ربط له بالقصد.

222

فعلى هذا لا يتصور فيه رياء لأن إيجاد الارتباط يكون عين قصد كون العمل للّه تعالى بخلاف مثل العنوان الواقعي فإنه يجب قصد أمره حتى يرتبط و بدون قصده لا يرتبط و لذا قيل: لو قصد الجميع في المقام يكفى و يجزى قطعا، فان اللّه تعالى اعتبر هذا الغسل حيضا و جنابة و غيره و هذا الشخص أيضا يعتبر اعتبار اللّه و هو لا يأتي فيه الرياء و هو عين الارتباط فافهموه و اغتنموه.

ثم انه على هذا الفرض اى قصد الجميع هل يكون من باب تداخل الأسباب أو المسببات أم لا؟ فعلى القول بأن كل سبب يوجد وجوبا لا وجودا لا يكون من تداخل المسبب و لا السبب، و أما على فرض احتياج كل سبب الى وجود على حدة فيكون من التداخل في السبب و المسبب لأنه على الأول أتى بجميع الواجبات بوجود واحد بخلافه على الثاني فإنه وجود واحد، فعلى هذا يخصص بهذه الأدلة أصالة عدم تداخل الأسباب و المسببات.

[الصورة الثانية: قوله: و كذا ان نوى رفع الحدث أو الاستباحة]

الصورة الثانية:

قوله: و كذا ان نوى رفع الحدث أو الاستباحة إذا كان جميعها أو بعضها لرفع الحدث و الاستباحة.

أقول: قال صاحب الجواهر: بأن القصد كذلك حيث يلزمه قصد الجميع يكفى و يجزى عن الجميع. و فيه ان كان المراد هو كون هذا العنوان مشيرا الى الأفراد من الحيض و الجنابة و غيره، بأن يكون مرآتا لها فلا إشكال لأنه يكون كقصد الجميع منفردا، و أما على فرض عدم كونه مشيرا فلا يؤول إلى قصد الجميع.

[الصورة الثالثة: قوله: و كذا لو نوى القربة]

الصورة الثالثة:

قوله: و كذا لو نوى القربة، و حينئذ فإن كان فيها غسل الجنابة لا حاجة الى الوضوء بعده أو قبله و الا وجب الوضوء.

أقول: قال الشيخ الأنصاري (قده): بأن هذا أيضا لا اشكال فيه و قال صاحب الجواهر هذا مشكل لان قصد عنوان واحد من العناوين مثل الجنابة مثلا لا مرجح له و قصد أصل الغسل أيضا لا يكفي لأن الأغسال محدودة بالعنوان و لا يكون لنا غسل مطلق و الغرض ان صيرورة أحد العناوين يكون بالقصد و الحق معه (قده) و اما إطلاق‌

223

الروايات بان يقال يكفى الواحد و لو لم يقصد العناوين المقومة للموضوع مشكل فان موضوع الحكم إذا لم يتحقق كيف يقال بالاجزاء.

ثم ان العويصة هي عدم وجوب الوضوء معها إذا كان فيها جنابة اما ان غسل الجنابة لا يجب معه الوضوء فالدليل عليه الآية «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (المائدة: 6) فان المحدث بالحدث الأصغر يجب عليه الوضوء مثل النوم بقوله تعالى «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا.» و اما الجنب فقد أمر بالغسل فقط فهو واجب عليه لا غير و في رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (في باب 34 من الجنابة ح 5) في تفسير الآية و فيها تكذيب القول بوجوب الوضوء مستشهدا بالآية، مضافا الى بقية الرواية الدالة على ان غسل الجنابة لا وضوء قبله و لا بعده (باب 34 من الجنابة ح: 2) و اما القول بعدم وجوب الوضوء في المقام الذي يكون معها غيرها فيتوقف على ان يقال ان الحدث الأكبر الذي هو جنابة لا يجامع مع الأصغر بل هذا يندك فيه سواء كان للأصغر من ناحية المنشأ الأصغر كما في البول و النوم أو كان من ناحية الأكبر كما في الحدث الأصغر الناشئ من المس و الحيض الذي يكون نفس الحدث فيه أكبر و يتوقف أيضا على أن يقال ان غير الجنابة الذي يكون معه الوضوء لا يكون الوضوء متمما له بل يكون وجوبه على حدة و الّا فوجوب الوضوء يكون من تمامية أصل الغسل و لا بد منه و لو كان الأكبر مع الجنابة.

فنقول ان عدم وجوب الوضوء في المقام يكون سنده الإطلاقات فإنه إذا قبل لا وضوء مع غسل الجنابة لا قبله و لا بعده، يكون معناه انه لا وضوء سواء كان هذا الغسل منضما مع غيره كالحيض أم لا و سواء كان الحدث الأصغر ناشئا من سببه أو من الحيض و أمثاله فإنه يرفع جميع الأحداث الصغار و الكبار فلا يبقى مع غسل الجنابة، و اما المطلقات في سائر الأغسال الدالة على ان كل غسل معه الوضوء فلا تعارض المقام لأنه ليس لنا مطلق كذلك بل مذيلة بكلمة إلّا الجنابة فهذا غسل الجنابة و لا يجب معه الوضوء و اما وجوبه إذا لم يكن الجنابة فلعله من باب عدم‌

224

رفع الحدث الأصغر بواسطة الغسل الذي هو غير الجنابة أو من باب ان الأحداث الأخر الصغار لا يرفع به فمن كان متطهرا عن حدث البول و أمثاله بالوضوء ثم مس ميتا فان غسله لا وضوء معه على هذا الفرض لان الغسل رفع حدث المس بأجمعه و ما كان حدث آخر فلا إشكال في القول بعدم وجوب الوضوء في المقام من هذه الجهة.

و اما احتمال كونه متمما للغسل حتى يكون ما هو بدون الوضوء ناقصا فيدفعه الاخبار البيانية لكيفية الغسل و هي و ان وردت في كيفية غسل الجنابة و لكن نستفيد من بعض الاخبار (باب 23 من الحيض ح 2) في باب التداخل الذي يكون التعبير فيه «ان غسل الجنابة و الحيض واحد» عدم الفرق من حيث الكيفية بين الأغسال و حيث لم يبين في كيفية وجوب الوضوء فيكون خارجا عن حقيقته و غير متمم له و الإجماع أيضا عن المدارك و الشيخ يكون على وحدة كيفية الأغسال فعلى هذا يندفع احتمال كون الوضوء متمما.

[قوله: و ان نوى واحدا منها و كان واجبا كفى عن الجميع أيضا على الأقوى]

الصورة الرابعة‌

قوله: و ان نوى واحدا منها و كان واجبا كفى عن الجميع أيضا على الأقوى و ان كان ذلك الواجب غير غسل الجنابة و كان من جملتها لكن على هذا يكون امتثالا بالنسبة الى ما نوى و أداء بالنسبة إلى البقية.

أقول: في هذا المتن تارة يبحث عن قصده غسل الجنابة و تارة عن قصده الواجب الآخر اما صورة قصده الجنابة فالمشهور كما عن الجواهر و الشيخ و كذلك الإجماع المدعى على صحة جميع الأغسال، و الدليل عليه إطلاقات الأخبار فإن قوله (عليه السلام) «إذا اجتمعت للّه تعالى عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد» (باب 43 من الجناية ح 1) يكون دليلا على اجزاء الغسل الواحد فتارة يكون المراد من الواحد هو انه يكون امتثالا للجميع و تارة يكون المراد انه كاف و لو لم يصدق عليه الامتثال فعلى الأول لا يصدق الامتثال الّا بقصد عنوان كل غسل و لكن على الثاني فلا حاجة إليه بل يكون العمل الواحد مع فرض وحدته أداء بالنسبة إلى البقية،

225

و الظاهر من أجزاء الغسل الواحد هو هذا، لأن لسانه يكون مثل «تمت صلاته» أو «لا تعاد الصلاة» في باب عدم الإتيان ببعض أجزائها أو شرائطها، فتقبّل اللّه تعالى الغسل الواحد مكان الأغسال المتعددة و نزله منزله الجميع و اعتبره متعددا، فان التنزيل بيده لا بيد المكلف فيعتبر الواحد كثيرا لكثرة مناشيه.

و قد أشكل على هذا البيان بأن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح فان مقتضى كل سبب إتيان المسبب على حدة فإن الأصل هو عدم التداخل و مقتضى هذه الروايات في الباب هو كفاية الواحد عن الحقوق المتعددة فالجمع يقتضي أن يرفع اليد عن أصالة عدم التداخل لكن لا من أصلها بل من جهة وجوب إتيان وجود على حدة لكل سبب و اما من جهة أصل قصد العنوان فلا، فيقصد العنوان ليكون امتثالا للحقوق فالعمل الواحد مع قصد العناوين كاف و يكون مراعاة للحاكم و المحكوم.

و فيه ان اللازم على التحقيق هو اقتضاء كل سبب وجودا على حده لا وجوبا واحدا كما مر فعلى هذا إذا كان المسبب هو الوجود و قد رفعت اليد عن تعدده لا أثر لتعدد العنوان على ان اللازم من ذلك هو أن تكون الروايات بكفاية الواحد إرشادا الى أن تعدد الامتثال ممكن فيؤتى به كذلك و هو خلاف الظاهر في الرواية لأنها في مقام الشراعية و التعبد لا الإرشاد.

ثم ان بعض المعاصرين قال بان التقبّل في ما هو متعدد لا يكون عفوا و حيث ان لسان الرواية العفو عن البقية لا يلزم قصد جميع العناوين بل المتعين قصد الواحد فقط و فيه ان مبناه (قده) هو أن كل سبب يقتضي وجودا لا وجوبا فقط و عليه فقصد الجميع لا يكون امتثالا للجميع على حسب ما اقتضاه أصالة عدم التداخل حتى يقال بما قاله بل معه أيضا يكون العفو عن تعدد الوجود صادقا و الذيل في صحيحة زرارة المتقدمة بقوله (عليه السلام): «إذا اجتمعت عليك حقوق.» قرينة للصدر كما هو الشائع بين المحاورين لا أن الصدر يصير قرينة للذيل (1).

____________

(1) أقول: ان الصدر و الذيل كليهما يكون معناه اجزاء الواحد و اجتماع الحقوق لا يدل على تعدد الامتثال و لا يفيد الأستاذ (مد ظله) أيضا لأن لازمه وجوب تعدد النية و لا يقول به.

226

نعم على فرض اقتضاء أصالة عدم التداخل عدمه في الوجوب يصح ذلك الاشكال و إشكال القائل بالجمع و لكن ليس كذلك، و لسان الروايات العفو عن البقية كما مر خصوصا مرسلة جميل (في باب 43 من الجنابة ح: 2) الدالة على ان من اغتسل بعد الفجر يكفيه غسله من كل غسل يلزمه في ذلك اليوم و إرساله منجبر بعمل الأصحاب هذا حكم أصل الغسل و اما عدم وجوب الوضوء معه فهنا أظهر من السابق لانه فعل غسل جنابة فقط و لم ينضم إليه سائر الأغسال حتى يقال بأنه هل يحتاج الى الوضوء أم لا بل فعل غسل الجنابة و سقط عنه البقية و يترتب عليه آثارها و منه عدم وجوب الوضوء بعده و انه يكون العفو عن سائر الأغسال و عن الوضوء اللازم معه، هذا كله إذا قصد غسل الجنابة.

و اما ان قصد غير غسل الجنابة من سائر الأغسال الواجبة فالبحث فيه عن اربع مقامات: الأول في صحة نفسه و الثاني في أجزائه عن غسل الجنابة و الثالث في أجزائه عن سائر الأغسال و الرابع وجوب الوضوء معه أو عدم وجوبه، اما المقام الأول فقد حكى عن التذكرة فيه انه حيث لم ينو الجنابة لا يصح غسله من حيضه لاستبعاد رفع الحيض مع بقاء الجنابة.

فنقول ان إطلاقات روايات الحيض تكون حاكمة بصحة غسله سواء كان في حال حدث الجنابة أم لا، نوى الجنابة معه أو لم ينو، و ليس امتثال الجنابة شرط الخطاب و لا شرط رفع الحدث فإن الأخبار البيانية في ان غسل الحيض و الجنابة واحد في الكيفية يطرد هذا الاحتمال لانه لو كان صحة غسل الحيض منوطة بعدم مقرونيته مع الجنابة لزم ذكره فحيث لم يذكر، نفهم عدم ربطه بها، على انه من المسلّم انه لو قصد كل واحد من الأغسال و اتى بكل واحد مستقلا مع وجودات متعددة و نيات متعددة يكون كافيا فلو كان هذا شرط صحته يلزم ان لا يصح منفردا و هو كما ترى.

227

نعم يمكن احتمال المجموع من حيث المجموع إذا كان بنية واحدة مشروطا بقصد غسل الجنابة و الإطلاق يدفعه و هكذا إطلاقات اجزاء غسل واحد عن الجميع و لكن هنا اشكال آخر و قد قبله الشيخ الأنصاري (قده) في طهارته و هو أن المتعين نية رفع الجنابة في صورة الجمع فكيف يكفي نية الحيض في الجميع و القول بالتخيير بينه و بين قصد غسل الجنابة أيضا غير صحيح إذ لا بدل له الا مع القول بعدم كفاية الجنابة مع قصد عدم ارتفاع حدث الحيض.

و الجواب عنه انه لو كان قصد الجميع لازما يصح ما قاله (قده) و لكن لا يلزم قصده بل يكفي نية واحدة للجميع، فاطلاقات غسل الحيض و الاجزاء في المقام و الاخبار البيانية كلها حاكمة بصحة هذا الغسل.

اما المقام الثاني و هو كفايته عن غسل الجنابة فالمحقق في الشرائع و المعتبر و الشهيدان على كفايته و هو المشهور و الشيخ الأنصاري و الحلي و جماعة على عدم الكفاية، فنقول ان السند ان كان مرسلة جميل المتقدمة مع جبر ضعفها بعمل المشهور الدالة على كفاية غسل واحد عن جميع الأغسال بمفاد قوله (عليه السلام) «إذا اغتسلت من الجنابة يجزيك غسلك ذلك من كل غسل يلزمك في ذلك اليوم» فهو وارد في قصد الجنابة فقط، و اما ان كان روايات الاجزاء في المقام مثل صحيحة زرارة و غيرها في باب 43 من الجنابة فهي مطلقة من حيث قصد الجنابة و عدمه بل اللازم قصد غسل واحد سواء كان ذلك الغسل جنابة أو غيره.

نعم يعارضها رواية سماعة في الباب أيضا بقوله (عليه السلام) «غسل الجنابة واجب عليها» بعد السؤال عن الحيض الحاصل بعد الجنابة بتقريب ان يقال ان الواجب عليه هو غسل الجنابة لا الحيض فيجب ان يقصد و لكن نحن نفهم انه كان في صدد بيان ان الحيض لا يهدم الجنابة بل غسلها أيضا واجب لا ان المتعين هو قصدها فقط.

قوله: و لا حاجة الى الوضوء إذا كان فيها الجنابة و ان كان هو أحوط مع كون أحدها الجنابة ان ينوي غسل الجنابة.

228

أقول: قد مر الدليل على كون غسل الجنابة كافية عن الوضوء حتى في المقام إذا كان هو المنوي و اما إذا كان غيره المنوي فقد مر حكم غسله، و اما الوضوء فالمصنف (قده) على انه غير لازم إذا كان في جملة الواجبات جنابة و السند هو إطلاقات عدم الوضوء مع غسل الجنابة و لا فرق بينه و بين ما يكون مجزيا عنه فإذا كان غسل الحيض مثلا مجزيا عنه يكون عليه أثره.

و فيه ان (1) الإطلاقات تكون بلسان لا وضوء مع غسل الجنابة و لا يكون معنى هذا لا وضوء مع ما هو مسقط عن غسل الجنابة و كل غسل معه الوضوء يشمل المقام فيكون الخارج هو غسل الجنابة فقط أو صورة كون المقصود بالاستقلال هو غسل الجنابة.

ثم انه لا يخفى ان القول بعدم الوضوء مع هذا الغسل يكون على فرض عدم كون الوضوء متمما لسائر الأغسال و قد مر البحث فيه و انه غير متمم و هكذا على فرض كون الحدث الأصغر غير مندك في الأكبر بحيث يقال لا يبقى أثره بل الأكبر يرفع أثره بالغسل فقط و تظهر الثمرة في صورة كونه متطهرا سابقا عن الحدث الأصغر فلا يكون عليه الّا الغسل و مع كونه محدثا به يجب الوضوء في غير غسل الجنابة.

و اما الاستدلال بعدم وجوب الوضوء في المقام بأنه إذا قصد رفع الحدث المطلق الأعم من كونه جنابة أو غيرها و ان لم يقصد أحدها المعين فهذا الشخص متطهر عن الجنابة و لا وضوء عليه ففيه (2) انه لم يثبت عندنا الغسل كذلك بل الموارد‌

____________

(1) أقول: ان عموم التنزيل في ما هو المجزي يحكم بعدم الوضوء فكما يترتب على غسله الحيض مثلا عدم حرمة المحرمات على الجنب كذلك يترتب عليه عدم وجوب الوضوء.

(2) أقول: انه قد تقدم في الوضوء انه استفدنا من الشرع ان الوضوء ليس الّا الغسلتين و المسحتين و لذا قالوا بأنه يكفي الوضوء الواحد لغايات متعددة و لإحداث متعددة و لا يجب نية الحدث الذي هو السبب له و لا الغاية التي يتوضأ لأجلها ففي المقام أيضا يمكن ان يقال استفدنا منه ان الغسل ليس الّا غسل الرأس و الطرفين مع القربة.

229

تكون محدودة بكون الغسل اما حيضا أو جنابة أو مسا و لا وحدة بينها.

قوله: و ان نوى بعض المستحبات كفى أيضا عن غيره من المستحبات و اما كفايته عن الواجب ففيه (1) اشكال و ان كان غير بعيد لكن لا يترك الاحتياط.

أقول: إذا كان عليه أغسال مستحبة فاما أن ينوي الجميع أو الواحد فقط فان قصد جميع العناوين فلا إشكال في صحته و هو مرضى الشيخ الأنصاري (قده) و السند له و لغيره هو أن صحيحة زرارة (في باب 43 من الجنابة ح 1) يكون فيه التعبير بالحقوق و إسقاط جميع الحقوق يكون بنية الجميع، و اما ان قصد الواحد فيجزي عن الجميع و يكون التنزيل بيد الشرع.

و لا يقال علينا و عليهم بان الجمع بين الواجب و المستحب يكون في الصحيحة لا الجمع بين المستحبات فكيف يجمع في النية أو يؤتى بنية واحدة، لأنا نقول لا يكون لذكر الواجب في عداد الأغسال خصيصة توجب عدم إمكان قصد المستحبات طرأ و عدم كفاية غسل واحد عن الجميع، بل لا فرق بين الواجب و المستحب في ذلك.

ثم انه قد تعجب الشيخ الأنصاري (قده) عن الاستدلال برواية عثمان بن يزيد (باب 9 من أبواب الإحرام ح: 4) من حيث ضعف السند و الدلالة و لكن صاحب الحدائق قال بأن الرواية لعمر بن يزيد لا لعثمان بقرينة نقل العذافر عنه، اما متن الرواية‌

____________

(1) الأقوى هو الكفاية لأن ما يتصور فارقا و قد ذكره الأستاذ (مد ظله) لا يكون فارقا في الواقع مع كون الصحيحة متعرفة لصورة اجتماع الأغسال واجبة و مستحبة و كفاية الواحد مطلق مع انه يمكن استفادة ان الغسل حقيقة واحدة و هو بنحو الترتيب غسل الرأس و الأيمن و الأيسر مع الترتيب الخاص مع إضافته الى اللّه تعالى و هو هنا حاصل.

230

فهو عن الصادق (عليه السلام) من اغتسل بعد الفجر كفاه غسله الى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل و من اغتسل ليلا كفاه غسله الى طلوع الفجر.

و تقريب الاستدلال هو أن غسلا واحدا بعد الفجر يكفى لجميع الأغسال و هكذا الغسل ليلا يكفي إلى طلوع الفجر و كلمة «يجب» يكون بمعنى يتحقق لا الوجوب الاصطلاحي، فرد الشيخ هذا الاستدلال بان المراد هو ان الغسل الواحد يكفى ما لم يحدث حدث مثل النوم و ما يوجب الغسل و فيه ان الرواية متعرضة لجهة أخرى أيضا و هي ان الأغسال المتعددة إذا كانت في ذمة شخص يكفيه غسل واحد و لا يحتاج إلى أغسال متعددة ثم ان وجوب الوضوء مع الغسل المستحب يكون على فرض عدم كفايته عن الوضوء و اما على فرض القول بكفايته و ان كل غسل مثل الجنابة في إباحة الصلاة فلا يجب الوضوء أيضا خصوصا في غسل الجمعة قالوا بكفايته عن الوضوء و لكن لا خصيصة له.

هذا في صورة كون جميع ما في الذمة مستحبا، و اما إذا كان في ذمته واجبات و مستحبات كغسل الجمعة و الجنابة و الزيارة و غيره، فاما أن ينوي الجميع بغسل واحد فالمشهور الاجزاء و الشيخ أيضا يقول به و السند صحيحة زرارة المتقدمة قوله (عليه السلام) «إذا اجتمعت عليك حقوق إلخ».

ثم ان هنا اشكالا غير مختص بالمقام و هو أن الجمع بين الواجب و المستحب يكون من الجمع بين الأضداد بناء على ان النسبة بين الأحكام هي الضدية و لا يجتمع الضدان في موضوع واحد فكيف يمكن ان يصير العمل الواحد مجمعا للعناوين المتضادة و عدم اختصاص الاشكال بالمقام واضح لأن جميع موارد الجمع بين الواجب و المستحب يكون كذلك.

و فيه ان عنوان الوجوبية و الاستحبابية يكون من العناوين التي هي فوق المقولة و ينطبق على فعل واحد انه واجب و مستحب و مباح و الذي يضره الضدية و تتحقق فيه هو صورة كون الأمرين أو الأمور من المقولات، على انه لو قلنا في‌

231

باب اجتماع الأمر و النهي بالجواز و لو في مقام الجعل ففي المقام يصير الاجتماع أسهل لإمكان الامتثال أيضا فضلا عن الجعل.

و اما القول بان البعث يصير شديدا عند اجتماع الوجوب و الاستحباب لتعدد الملاكات فلا معنى له لان البعث الإلزامي المعبر عنه بالوجوب ليس فوقه أشد منه و في المقام نقول ان الشارع اكتفى بالوجود الواحد عن الجميع و لم ينظر إلى الشدة فإن الفرد مسقط عن الجميع و العنوان أمر زعمي لا يسرى الى الخارج فلا يصير الوجود الخارجي شديدا بواسطة انتزاع عنوان الجنابة و الجمعة عنه، على ان النية حيث تعلقت بالجميع بنحو أن يكون نية كل واحد على حده لا معنى للقول بالشدة و القول بان الواحد مؤكد، و لكن الذي يسهل الخطب انه مع إمكان الامتثال لا إشكال في اجتماع العناوين المتعددة و لا يصير من الجمع بين الأضداد.

و اما إذا نوى في هذه الصورة أي في صورة جمع الواجبات و المستحبات واحدا منها لا الجميع فاما أن ينوي غسل الجنابة أو ينوى واجبا آخر غيره أو ينوى المستحب فقط فان نوى الواجب أعم من كونه جنابة أو غيره فعلى التحقيق يصح عن الجميع للصحيحة و خصوص مرسلة جميل بن دراج المتقدمتان في الجنابة خلافا للشيخ الأنصاري (قده) حيث يقول في جميع المقامات بعدم كفاية النية الواحدة مطلقا عن الجميع، هذا ان نوى الواجب و ان نوى المستحب أيضا فعلى التحقيق يكفى عن الجميع و السند الصحيح كما مر في نظائره و المخالف الشيخ في جميع المقامات.

ثم ان المصنف (قده) القائل بكفاية نية واحدة كيف فرّق بين نية المستحب و الواجب بقوله «في الكفاية عن المستحب لا اشكال و في الكفاية عن الواجب اشكال» مع ان اللازم منه الإشكال في دلالة الصحيحة في المستحبات أيضا و كفاية نية واحدة عن الجميع في الواجب و المستحب إلا الجنابة من الواجبات لخصوص مرسلة جميل ابن دراج في خصوص الكفاية عن الواجبات.

232

الا أن يقال إذا كان نية الواجب مثل الجنابة كافيا عن غيره من الواجبات يكون كفايته عن المستحبات بالأولوية، و لكن لا يتم لأنه أيضا قياس نعم يمكن ان يوجه الفرق بين الواجب و المستحب بان الواجب حيث يرفع به الحدث بتمامه في سائر الموارد بخلاف المستحب فإنه لا يكون رافعا للحدث بتمامه فكيف يكون كافيا عن الواجب المحتاج إلى مؤنة زائدة، و لكن هذا أيضا لا يتم بعد ورود الرواية بكفاية الواحد عن الجميع فتحصل ان جميع صور المتن لا اشكال فيه من حيث كفاية الواحد عن الجميع حتى الأخيرة.

[مسألة- 16- الأقوى صحة غسل الجمعة من الجنب و الحائض]

مسألة- 16- الأقوى صحة غسل الجمعة من الجنب و الحائض بل لا يبعد اجزاؤه عن غسل الجنابة، بل عن غسل الحيض إذا كان بعد انقطاع الدم.

[مسألة- 17- إذا كان يعلم إجمالا ان عليه اغسالا لكن لا يعلم بعضها بعينه]

مسألة- 17- إذا كان يعلم إجمالا ان عليه اغسالا لكن لا يعلم بعضها بعينه يكفيه ان يقصد جميع ما عليه كما يكفيه ان يقصد البعض المعين و يكفى عن غير المعين بل إذا نوى غسلا معينا و لا يعلم و لو إجمالا غيره و كان عليه في الواقع كفى عنه أيضا و ان لم يحصل امتثال أمره.

أقول: لا إشكال في صورة الجمع في النية كما ذكره المصنف بكلا المسلكين يعنى الشيخ القائل بوجوب نية الجميع و نحن القائل بكفاية الواحدة و لا أظن ان الشيخ يقول بأن النية التفصيلية لازمة و اما صورة نية الواحدة فقط فهو مبنى على المسكين و هكذا إذا لم يعلم غير المعين الذي نراه و كان عليه في الواقع يكفيه على التحقيق خلافا للشيخ.

قوله: نعم إذا نوى بعض الأغسال و نوى عدم تحقق الأخر ففي كفايته (1) عنه اشكال.

____________

(1) بل الأقوى عدم الكفاية عن غيره لان المتيقن من الاجزاء صورة قصد رفع الحدث مطلقا أو أحدهما و نية الواحد لا تكون عزيمة بل رخصة فيصح هو نفسه و لا يكفى عن الغير لانه لم يختر الترخيص الوارد له بل اختار ما هو أشق.

233

بل صحته (1) أيضا لا تخلو عن اشكال بعد كون حقيقة الأغسال واحدة و من هذا يشكل البناء على عدم التداخل بان يأتي بأغسال متعددة كل واحد بنية واحد منها، لكن لا إشكال إذا أتى فيما عدا الأول برجاء الصحة و المطلوبية.

أقول: ان الاشكال في هذا المتن على مسلك الشيخ معلوم حيث لم يحصل تعدد النية و اما المصنف المخالف له و تمسك في ذلك بان حقيقة الأغسال واحدة من حيث الأحداث، فعليه لو قصد عدم رفع الآخر يكون معناه قصد عدم رفع هذا المقصود أيضا و ربما قيل بان حيث يكون اجزاء الواحد عن الجميع من باب الرخصة يكون له ان يقصد أحدهما دون الآخر نعم لو كان عزيمة لا يكون له ذلك و هذا هو التحقيق و كلام المصنف ليس بوجيه لأنا استفدنا من الاخبار ان الأغسال حقائق مختلفة فلا إشكال في صحة نفس المقصود دون غير و باقي المتن واضح.

ثم ان ثمرة هذا البحث أى تداخل الأغسال و كون الأغسال حقائق مختلفة بوجودات متعددة أو اتحاد الوجودات مع تنزيلات متعددة، قد ظهرت مما مر، فمنها انه لو كان في ذمته أغسال متعددة و نوى واحدا فعلى المختار يكفى ما نوى عن الجميع و لو كان هذا البعض مما يغفل عنه كمن كان جنبا فاغتسل الجمعة و صلى صلوات، فان صلاته تكون صحيحة على التحقيق و تكون باطلة على مسلك الشيخ القائل بوجوب تعدد النية، و كذلك إذا كان في ذمته حقوق و نسي أن ينوي الجميع فنوى واحدا يكون المنسي أيضا ساقطا عنه، أو نوى واحدا بدون نية الباقي عمدا، و كذا يظهر ثمرة القول بأن المستفاد من الروايات الرخصة دون العزيمة أيضا فإنه على الرخصة يكون له ان ينوي كل واحد و يعمل عملا على حدة بخلاف العزيمة فإنه لا يكون المكلف في سعة من حيث الامتثال بل يجب ان يأتي بالواحد فقط، و هنا احتاط الشيخ احتياطا عجيبا خصوصا على فرض عدم كفاية الإتيان رجاء في محتمل الحرمة أو في خصوص محتمل الحرمة الذاتية لا مطلق الحرمة و لو تشريعا‌

____________

(1) بل لا إشكال في صحته.

234

فارجع الى كلامه في كتابه.

ثم انه مع الشك في كون كفاية الواحد على العزيمة أو على الرخصة فالتحقيق أنه تجري البراءة عن العزيمة لأن الشك فيه يرجع الى الشك في طور التكليف حيث لا يدرى ان هذا معينا واجب عليه أو هو مع البقية و الأصل البراءة عن هذه الكلفة الزائدة في طور الامتثال و ان كان قوم يقولون بأن أمثال المقام يكون من الشك في الفراغ لا في أصل التكليف، على انه يمكن إتيان العمل رجاء لانه ليس هنا احتمال حرمة ذاتية لإتيان كل غسل على حدة و الحرمة التشريعية ترفع بواسطة الإتيان رجاء.

[فصل في الحيض]

فصل في الحيض و هو دم خلقه اللّه تعالى في الرحم لمصالح و هو في الغالب اسود و أحمر غليظ طرى حار يخرج بقوة و حرقة كما ان دم الاستحاضة بعكس ذلك

أقول: ان في تعريف المصنف (قده) تبعا للقوم نظر فان الحيض ليس هو الدم و ان كان أهل اللغة بعضهم يقول به بل حسب ما هو المستفاد من الروايات هو صفة للمرأة التي ترى الدم و لعل مراد أهل اللغة أيضا كذلك كما هو المعروف و ظاهر الجميع ان الحيض هو حالة نفسية و معنى حدثيا للإنسان، و اما صفة الدم بأنه أسود أو أحمر فيكون ظاهر الروايات في الوسائل في باب 3 من أبواب الحيض فما دل على صفة السواد ح 2 و 4 عن حفص و يونس عن الصادق (عليه السلام) و في الاولى «ان دم الحيض حار عبيط اسود له دفع و حرارة و دم الاستحاضة اصفر بارد فإذا كان للدم حرارة و دفع فلتدع الصلاة» و في رواية يونس «ان دم الحيض أسود يعرف».

و اما الدال على كونه أحمر فمنها مرسلة ابن ابى عمير (باب 31 من أبواب الحيض ح: 2) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة الّا ان تكون امرأة من قريش.

فان التقريب من جهة ان المراد بالحمرة هو انها صفة دم الحيض.

و منها مرسلة محمد بن مسلم (في باب 30 من الحيض ح: 16) و فيه قوله‌

235

(عليه السلام) «ان كان دما أحمر كثيرا فلا تصلى و ان كان قليلا اصفر فليس عليها الّا الوضوء».

ثم انه قيل في مقام الجمع ان المراد من الأسود أيضا هو الأحمر، لأن الدم لا يصير سواده تاما بل يكون سواده شدة الحمرة فهو اما أحمر أو شديد الحمرة.

و فيه انه يكون على فرض إحراز وحدة المطلوب من الروايات و لم نحرزها فلا إشكال في الأخذ بكلتا الروايتين فان الدم تارة كان اسود و تارة أحمر.

و اما كونه غليظا فلا يكون عليه دليل من الروايات الّا ما نقل عن دعائم الإسلام «دم الحيض كدر غليظ منتن» (مستدرك الوسائل باب 3 من الحيض ح: 2) و هو ضعيف و يمكن ان يكون توصيف الفقهاء بذلك من باب ما هو المعروف في النساء فكأنهم أخذوه منهن.

و اما كونه طريا فليس هذا التعبير في الرواية بل يكون فيها كلمة «العبيط» و هو كما عن القاموس يكون بمعنى الطري الذي ذكره المصنف. و فيه ان العبيط بمعنى المنتن لا بمعنى الطري.

و اما كونه حارا يخرج بقوة و حرقة فيكون الدليل عليه الروايات مثل موثق إسحاق بن جرير «دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة» و كصحيح معاوية «ان دم الحيض حار» (في الوسائل في باب 3 من الحيض ح 3 و 1).

و هذا واضح.

و العمدة هنا هو الكلام في ان هذه الصفات هل تصير ضابطة كلية بحيث يؤخذ بها في كل مورد من الموارد أو تختص ببعض الأحوال فإن الأول لا يمكن المساعدة عليه لخروج موارد كثيرة مثل الدم في العادة عنها فإنه و لو لم تكن فيه الصفات يحكم بحيضيتها، و مثل الدم فما دون الفاصلة المعينة شرعا و هو الطهر عشرة أيام فإنه و ان كان فيه الصفات لا يحكم بحيضيته و المشهور هو الاختصاص بصورة كون الاشتباه بين دم الحيض و الاستحاضة.

و قد استدل صاحب المدارك على الأول بوجوه: الأول: الروايات التي مرت‌

236

فإنها بالمنطوق تدل على ان دم الحيض كذلك و بالمفهوم منها نفهم ان غيره ليس كذلك سواء كان الاشتباه بين الحيض و الاستحاضة أو غيرهما.

و قد أشكل عليه بأن صدر مصحح حفص المتقدم يكون السؤال عن المرأة التي يستمر بها الدم بقوله «دخلت على ابى عبد اللّه (عليه السلام) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أ حيض هو أو غيره.» فان المورد يكون مورد استمرار الدم و لا يشمل صورة رؤية الدم المشتبه ابتداء و فيه ان المورد ليس بمخصص خصوصا في صورة عدم إحراز كبرى مستقلة فإن هذا حكم في موارد الدم.

و السند الثاني للمدارك و هو كالمصادرة على المطلوب و هو ان الروايات تكون في مقام بيان الضابطة و ان كل دم يكون كذلك اى بهذه الصفات يكون حيضا.

و فيه ان الكلام في استفادة هذه الضابطة. فلعله يكون في صورة سيلان الدم و استمراره و ان كانت المقابلة بين الحيض و الاستحاضة يستفاد منها ان هذه الصفات للحيض و ذاك للاستحاضة فما كان فيه الصفات يكون من أحدهما و الّا فلا و على قوله (قده) تظهر الثمرة في صورة كون المرأة مبتدئة فإنه عليه يكون الدم من الأول حيضا ان كان فيه الصفات و الّا فلا و لا يكون عليها الاستظهار بيوم أو يومين و عليه أيضا لا وجه لقاعدة الإمكان حتى يقال كل دم أمكن ان يكون حيضا فهو حيض.

و قال صاحب الجواهر بما حاصله ان الصفات في دوران الأمر بين الحيض و الاستحاضة له اعتبار و لكن في دورانه بين الحيض و البكارة مثلا فلا اعتبار بها.

أقول: و عندي ان كل هذه الروايات يكون في مقام بيان ان هذه الصفات إذا كانت تكون علامة للحيض أو الاستحاضة اما إذا لم تكن فلا يكون في صدد نفيه فلو كان دليل على كونه حيضا لا تنافيه هذه الروايات.

و لكن المشهور هو المؤيد و لا يكون لنا التعدي من صورة اشتباه الحيض بالاستحاضة إلى غيرها.

قوله: و يشترط ان يكون بعد البلوغ و قبل اليأس فما كان قبل البلوغ أو بعد اليأس فليس بحيض و ان كان بصفاته.

237

أقول: اما اشتراط كونه بعد البلوغ فلما ورد في الوسائل في باب 2 من أبواب العدد ح: 4 عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثلاث تتزوجن على كل حال: التي لم تحض و مثلها لا تحيض، قال قلت: و ما حدها قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين، و التي لم يدخل بها، و التي قد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض قلت: و ما حدها قال: إذا كان لها خمسون سنة.

و الإجماع فإنه قيل بأن إكمال التسع شرط سواء كان له صفات الحيض أم لا و سواء تعلم بأنه حيض أم لا بل يشك فقبل البلوغ اما لا يعلم بأنه حيض و لا يكون له الصفات فيكون مورد روايات شرطية البلوغ و اما يكون الدم له الصفات و كان بعد البلوغ فلا يعارضه روايات شرطية البلوغ لانه حاصل و اما يكون قبل البلوغ مع العلم بأنه حيض بواسطة الصفات فيكون مورد تعارض الروايات و النسبة تكون من العموم و الخصوص من وجه فان كانت الروايات في شرطية البلوغ انه لا يكون حيضا واقعا و روايات الصفات في مورد الشك فهي حاكمة عليها لأنها في مورد الشك تحكم بعدم الحيضية واقعا.

و احتمل هنا احتمال آخر في مقام الجمع و هو انه و ان كان قبله أيضا حيضا و لكن الشارع حكم بعدم حيضيته من حيث ترتيب الآثار. و فيه ان أدلة قاعدة الإمكان معناها ترتيب اثر الحيض و كذا أدلة الصفات فلا يرفع التعارض بهذا الاحتمال، نعم أدلة الصفات على المشهور لا مجال لها هنا لأنها تكون في صورة دوران الأمر بين الحيض و الاستحاضة عندهم و اما في دوران الأمر بينه و بين غيرها فلا يكون لها مجال.

ثم ان هنا تقريبا عن المحقق الخراساني (قده) في بعض رسائله و هو أن دم الحيض حيث انه يكون معلوما عند الناس مثل البول و غيره ففي كل صورة علمنا بأنه حيض سواء كان قبل البلوغ أو بعده و كذا بعد اليأس أو قبله يحكم بترتيب الآثار عليه، و اما أدلة شرطية البلوغ فيحمل على صورة الشك في كونه من الحيض أو غيره.

و الدليل له أولا هو الانس العرفي بذلك و استبعاد عدم ترتيب اثر الحيض مع‌

238

العلم بأنه حيض فان البول يحكم بترتيب أثره عليه و لكن في مقام الشك مثلا قيل بأنه ان كان بعد الاستبراء فليس ببول و الّا فهو بول فهكذا دم الحيض. و ثانيا ان كلمات الفقهاء تكون ظاهرة في الإرشاد إلى الحيضية في كل مورد يذكرون الصفات أو سائر الشواهد على الحيضية و لا يكونون ملتزمين بالتعبد المحض. و ثالثا ان الروايات منها رواية سماعة (باب 14 من أبواب الحيض ح 1) و إسحاق (باب 10 من الحيض ح 13) الدالة على ان الدم بيوم أو يومين حيض فلا يكون محددا بالثلاثة و بما دل على ان مدة أيام الحيض عشرة أو أكثر (باب 8 من الحيض ح: 3) (1).

فلا إشكال في القول بحيضية ما علم كونه حيضا سواء كان قبل التسع أو بعده و الامارة على الإثبات تقدم على الامارة على النفي فإنه من البعيد نفى ما علم كونه حيضا.

و الجواب عنه (قده) ان الاستبعاد في غير محله لان الحيض و ان كان امرا عرفيا و لكن لا يكون مثل سائر الموضوعات العرفية كالبول و غيره حتى يعرفه كل أحد فإن النساء ربما لا يعرفن ذلك فضلا عن غيرهن لأن الدم في أقل الطهر لو كان له الصفات أيضا لا يكون حيضا بنظر الشرع و الفرق بين امارة النفي و الإثبات أيضا غير مرضى لانه و ان كان وجها للاستبعاد و لكن لا يكون دليلا له.

و اما كلمات الفقهاء فأيضا ليس كما ذكره (قده) و لا جدوى لها مع الروايات التي بأيدينا و اما الجمع بالحمل اى حمل روايات نفى الحيضية قبل التسع على صورة الشك و ان كان لطيفا لكن لا شاهد له، فالإنصاف ان الدم قبل التسع ليس بحيض واقعا بمقتضى روايات عدم كونه حيضا قبل البلوغ و روايات التميز تكون محكومة لها و هكذا قاعدة الإمكان لا تجرى قبله.

ثم ان هنا اشكالا معروفا و هو أن رؤية الدم في الروايات جعلت علامة بلوغ‌

____________

(1) أقول: كل هذه الروايات على فرض تمامية الدلالة معارضة بروايات كثيرة تدل على ان أقل الحيض ثلاثة و أكثره عشرة فارجع إليها في هذه الأبواب.

239

النساء فلو كان البلوغ متوقفا على الحيض و كان الحكم بالحيضية متوقفا على البلوغ لدار، و لا فرق في الاشكال بين كون الحيض علامة البلوغ أو عينه لأن المناط على انه أمارة له، و الحكم بأن الحيض يحكم بحيضيته بعد البلوغ يوجب نفى هذا الأثر عنه. و أجاب عنه الشهيد (قده) بان الحيض يكون علامة في صورة الشك في السن و اما مع العلم به بضبط التاريخ فلا أمارية له و تبعه المصنف (قده) في ذلك. و فيه ان الشاك في البلوغ يكون له استصحاب عدمه و به يحرز عدمه فلا احتياج إلى الامارة و هو كون الحيض علامة على البلوغ الّا أن يقال ان الامارة علم عادى يقدم على الأصل و الا فالقانون الكلي في ان الأصل لا يقدم على الامارة بل هي مقدمة لا تجي‌ء في صورة الشك في موضوع الامارة مثل عدم جواز بيع ما شك في وقفيته (1) مع استصحاب عدم الوقفية بواسطة عمومات عدم جواز بيعه.

و الجواب الثاني ان الأمارات تارة يلاحظ مدلولها المطابقي و تارة يلاحظ المطابقي و الالتزامي كلاهما فالدم إذا كان له صفات الحيض يكون بمدلوله المطابقي دالا على الحيض و بمدلوله الالتزامي على البلوغ و يصير حاكما على أصالة عدم البلوغ.

و الاحتمال الثاني في الجواب هو أن يقال ان الدم قبل البلوغ و لو كان حيضا و لكن لم يترتب الشرع أثره عليه من الواجبات و المحرمات فالحيض المؤثر هو الذي يكون بعد البلوغ. و فيه ان البلوغ يكون طريقا على الحيضية لا على ترتب الحكم فقبله لا يكون حيضا أصلا، و اما على مسلك المحقق الخراساني (قده) فان الدم الذي يكون له الصفات يكون حيضا فهو ان كان مقدما على التسع تكون الصفات علامة عليه و على البلوغ و ان كان مقارنا معه فكلاهما علامة الحيضية و البلوغ و ان كان مؤخرا عنه و علمنا بأنه حيض فلا أثر للصفات و ان كان مشكوكا فهي علامة له فمع العلم‌

____________

(1) أقول: ان المقام غير مقام بيع الوقف فان الموضوع هنا هو المشكوك و الامارة لطرد الشك و لا احتياج إليها في صورة العلم بالبلوغ.

240

بالحيضية يكون الدم حيضا و الصفات تؤثر في بعض الصور، و لكن مر ما في مبناه من الضعف.

قوله: و البلوغ يحصل بإكمال تسع سنين و اليأس ببلوغ ستين سنة في القرشية و خمسين في غيرها.

أقول: ان البلوغ يكون حده التسع إجماعا، و اما اليأس ففيه أقوال: منها:

ان حده خمسون سنة، و منها: ان حده ستون سنة، و منها: التفصيل بين القرشية فحدها الستون و غيرها فحده الخمسون و هذا هو المشهور و ان كان القائل بالقولين الآخرين أيضا جمع من الأعلام، و كيف كان فالمهم ملاحظة الروايات و هي على طوائف ثلاث:

الطائفة الأولى: ما يدل على حد اليأس خمسون سنة. و الثانية: ما يدل على الستين. و الثالثة: ما يدل على التفصيل.

أما الطائفة الأولى ففي باب 31 من أبواب الحيض ح 1 محمد بن يعقوب عن محمد بن إسماعيل عن الفضل ابن شاذان عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمن ابن الحجاج عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: حد التي يئست من المحيض خمسون سنة.

و في (ح 2) مرسلة عن ابن أبى عمير عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة الّا أن تكون امرأة من قريش.

و في (ح: 3) عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمد بن أبى نصر عن بعض أصحابنا قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): المرأة التي قد يئست من الحيض حدها خمسون سنة و رواه المحقق في المعتبر نقلا من كتاب احمد بن محمد بن ابى نصر و رواه الشيخ بإسناده عن سهل بن زياد و في (ح 6) مرسلة و في طريقه سهل بن زياد و فيه «قلت: و ما حدها قال: إذا كان لها خمسون سنة».

بتقريب ان يقال ان الظاهر من التحديد هو عدم حدية غيره لا أن الغالب في النساء كذلك.

241

و اما الروايات من الطائفة الثالثة ففي باب 31 من الحيض أيضا ففي (ح: 7) عن محمد بن على بن الحسين قال: قال: الصادق (عليه السلام) المرأة إذا بلغت خمسين سنة لم تر حمرة الا أن تكون امرأة من قريش و هو حد المرأة التي تيأس من المحيض.

و رواه في الكافي أيضا و في ح 5 قال الشيخ في المبسوط: تيأس المرأة إذا بلغت خمسين سنة الا أن تكون امرأة من قريش فإنه روى انها ترى دم الحيض الى ستين سنة.

فان الظاهر منها التفصيل بين القرشية و غيرها.

و اما الطائفة الثانية الدالة على اعتبار الستين ففي باب 31 أيضا (ح: 8) عن محمد ابن الحسن بإسناده عن على بن الحسين عن محمد بن الحسين بن ابى الخطاب عن صفوان عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: قلت:

التي قد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض قال: إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض و في ح 9 محمد بن محمد بن النعمان المفيد في المقنعة قال:

قد روى ان القرشية من النساء و النبطية تريان الدم الى ستين سنة.

و الجمع بين هذه الطوائف على فرض استقرار المعارضة و تمامية السند و الدلالة في الجميع هو أن يقال يجب ان يقيد ما دل على ان حد اليأس خمسين بغير القرشية و الشاهد عليه روايات التفصيل. لا يقال ان ما دل على الستين و روايات التفصيل بعضها مراسيل و اما مرسلة على بن الحسين (باب 31- ح 7) فلا تكون لها الدلالة على الستين أيضا لأنه لم يعين حد يأس امرأة من قريش على ان الحمرة من اين يكون المراد منها الدم المعروف و هو الحيض و اما قول الشيخ في المبسوط و هو روايته ان امرأة من قريش روى انها ترى دم الحيض الى ستين سنة فلعله يكون مستنده هذه المرسلة و استظهر منها الستين و لذا يقول روى بصيغة المجهول.

لأن نقول اما ضعف الروايات بالإرسال مع كثرتها فإنه منجبر بعمل المشهور عليها، و اما عدم التحديد في رواية على بن الحسين بعد استثناء امرأة من قريش عن‌

242

حكم الخمسين فلعله كان لارتكاز الناس ان المرأة من قريش يكون حدها الستين، و اما التعبير بالحمرة فهو يكون للحيض لا غير و قد مر الروايات في انه دم أحمر فمع ضم هذه الرواية بسائر الروايات الدالة على الستين يتم المطلوب.

و اما مسندة ابن الحجاج (باب 31 ح 8) الدال على اعتبار الستين مطلقا فقيل:

انها متحدة مع روايته الخمسين (في باب 31- ح 1) لاتحاد الراوي و قد وقع سهو في هذه فنقل الستين فيبقى روايات الخمسين مع كثرتها سليمة عن المعارض و لا اعتبار بالمفصلة أيضا.

و فيه ان السند كما تلاحظ يكون الاتحاد في الراوي الأخير و هو ابن الحجاج و هذا لا يدل على اتحاد الرواية و الّا لو انفتح هذا الباب في الروايات لم يبق حجر على حجر فالمؤيد هو المشهور القائل بالتفصيل و تحمل هذه الرواية على صورة كون المرأة قرشية.

في معنى القرشية و مشكوكها و مشكوك اليأس

قوله: و القرشية من انتسب الى نضر بن كنانة.

أقول: انه لا خلاف فيما ذكره المصنف (قده) بين الفقهاء، و لكن الاختلاف في اللغويين ففي مجمع البحرين قال: «قيل: قريش هو فهر بن مالك» و في العقد الفريد قال: «جد قريش كلها فهر بن مالك فما دونه قريش و ما فوقه عرب» و هكذا عن سبائك الذهب و غيره.

و مقتضى أقوالهم هو مخالفة قول الفقهاء لأن القائل بأن قريش من نضر بن كنانة في مقابل القائلين بأنه من فهر، قليل، و لكن اليوم لا يكون لنا طريق الى معرفتهم و أما من هو قرشي من أولاد النبي (صلى اللّه عليه و آله) فهو معروف و هكذا من كان من أولاد غيره من الأئمة (عليهم السلام) من بعده (صلى اللّه عليه و آله) .

قوله: و من شك في كونها قرشية يلحقها حكم غيرها، و المشكوك البلوغ محكوم بعدمه و المشكوك يأسها كذلك.

243

أقول: ان المشكوك هنا ثلاث ذكر اثنين منهما المصنف (قده) و هو الشك في القرشية و الشك في اليأس و القسم الثالث هو انها مع العلم بأنها قرشية لا يعلم ان حد القرشية في اليأس هو الستون أو الخمسون بعد بلوغه الى خمسين سنة بشبهة حكمية فهنا تارة نتكلم على مسلك المحقق الخراساني (قده) القائل بأن الدم مع العلم بحيضيته حيض لو كان بعد اليأس أو قبل البلوغ و تارة نتكلم على المختار من انه يجب ان يكون الدم ممكن الحيضية و بعد اليأس و قبل البلوغ نفى الشارع إمكانه فعلى المختار نقول انها قبل بلوغها الى الخمسين كان لها استعداد كون دمها حيضا بالصفات فإذا شك في بقاء الاستعداد و الإمكان نستصحبه الى الستين و الاحتياج الى الاستصحاب مع قاعدة الإمكان يكون من باب ان المقام يكون من الشبهة المصداقية للقاعدة لأن كلما أمكن ان يكون حيضا و لم تكن امارة على خلافه فهو حيض و المقام بعد عدم استفادة الحكم من الروايات نحتمل ان يكون منطبق القاعدة غير صورة احتمال وجود الامارة على الخلاف و في المقام نحتملها فلا تجري القاعدة فلا بد من الاستصحاب (1).

فان قلت: ان الاستصحاب هنا يكون من باب الشك في المقتضى لأنه ان كان من الأول لها استعداد كون دمها حيضا فهو حيض و يكون الشك في الاستعداد و لا يكون في حصول الرافع مثل احتمال ان يكون المرض الفلاني مانعا من تأثير الاستعداد حتى يكون من الشك في الرافع.

قلت: هذا الاشكال يكون على من يتأمل في جريان الاستصحاب في الشك في المقتضى اما على التحقيق من عدم الفرق بين الشك في المقتضى و الرافع فلا اشكال علينا فالاستصحاب جار بلا إشكال.

____________

(1) أقول: انه يجب علاج الروايات قبل الشك لنرى انه هل يكون لاحتمال المانعية مجال أم لا، و غاية ما يمكن أن يقال لتوجيه كلامه (مد ظله) هو أن نقول انا علمنا بالعلم الإجمالي أن القرشية لا تكون ممن لا يأس لها بل لها أيضا حد، اما الخمسون أو الستون فان الروايات المتعارضة يكون في وسعها نفى الثالث فعلى هذا نعلم ان هذه المرأة لها حد و لا نعلم التعيين فمن هذا الوجه حيث لا طريق لها الى التعيين فيتمسك باستصحاب بقاء الإمكان، و لكن هذا لا يتم لأن العلم الإجمالي لا يكفى و ما هو الحجة عليها هو الحجة الواصلة و لم تصل إليها فيكون هذا الاحتمال أيضا مثل سائر الاحتمالات التي تكون منشأ للشك و يمكن التمسك بقاعدة الإمكان و الذي يسهل الخطب تمامية دلالة الروايات كما مر منه (مد ظله) .

244

و اما على مسلك المحقق (قده) القائل بأن الدم إذا كان له الصفات فهو حيض و كل دم علمنا بأنه حيض فهو حيض سواء كان قبل اليأس أو بعده و سواء كان قبل البلوغ أو بعده فإن المرأة هنا اما ان تعلم بحيضية دمها أو لا تعلم فان علمت لا أثر للحد، و لا وجه للاستصحاب و ان شكت في ذلك، فان كان له الصفات فأيضا يحكم بحيضيته لأنها كاشفة عنه.

و اما في صورة الشك فيه مع عدم الصفات و عدم العلم بالحيضية فحيث ان أدلة التحديد يلزم ان لا يكون لها مورد أصلا، لا في صورة الشك و لا في صورة العلم فلا بد أن يتمسك بأدلة التحديد ففي المقام حيث يكون الشك في أدلة التحديد لا بد أيضا ان يتمسك باستصحاب بقاء الاستعداد في المرأة حتى يثبت ان الدم حيض لا من باب الشبهة المصداقية لقاعدة الإمكان بل من باب لزوم عدم المورد لا دلالة التحديد.

فان قلت ان هذا الاستصحاب على فرض جريانه يكون معارضا باستصحاب عدم الحيض و على فرض عدم جريانه فاستصحاب الطهارة جار، فان هذه المرأة قبل ان ترى هذا الدم لم تكن حائضا لعدم الدم بنحو الاستصحاب العدم الأزلي و الآن نشك فيه فنستصحب عدمه و على فرض عدم الجريان نقول: هذه المرأة قبل رؤية هذا الدم كانت محكومة بالطهارة عن الحدث الحيضى فنستصحبها.

قلت: لا يكاد يجرى هذا الاستصحاب اما في الموضوع فلأنه يكون مثل الفرد المردد لأنه ان كان حد اليأس هو الخمسون فيكون غير حيض قطعا و ان كان حده‌

245

الستون فليس بحيض مثل الحيوان الذي لا نعلم انه كان فيلا حتى يكون له استعداد البقاء أو بقا ليس له ذلك الاستعداد.

و اما استصحاب الحكم أيضا فيرجع الى الشبهة المفهومية فانا حيث لا نعلم حد الحيض يكون الشك في الطهارة و حيث ان العنوان لا أثر له و يكون الأثر على الخارج لا يمكن الاستصحاب مثل الرضاع فإنه إذا علمنا بأن خمسة عشر رضعة توجب التحريم حتما و ثلاثة عشر رضعة لا نعلم انها توجب التحريم أم لا من باب عدم استفادة الحكم من الدليل فإذا حصلت ثلاثة عشر رضعة و شككنا في حصول التحريم لا يمكن استصحاب عنوان الرضاع لأن الأثر يكون على الرضعات الخارجية فاما ان تكون حاصلة قطعا على فرض كون المدار على ثلاثة عشر أو غير حاصلة قطعا على فرض كون المدار على خمسة عشر رضعة، ففي المقام أيضا لا يمكن جريان الاستصحاب بهذا التقريب و ان كان مبنى المحقق الخراساني جريان استصحاب الحكم في الشبهة المفهومية.

و حاصل القول للإشكال عليه هو أن الجهة تارة تكون تعليلية و تارة تقييدية فعلى الثاني لا يجري للأصل في الحكم بخلافه على الأول فإنه فرق بين ان يقال ان هذه (1) المرأة لكونها قرشية تكون حدها كذا، أو يقال المرأة القرشية كذا و هكذا في‌

____________

(1) أقول: هذا هو تقريبه في الدرس و لكن لنا ان نوجه كلامه بما يناسب المقام بان يقال انه تارة يفرض الموضوع المرأة البالغة حد الستين بحيث يحتمل قيدية بلوغ الستين للحكم بعدم الحيضية و الا فالقرشية سواء كانت قيدا أو علة فهي حاصلة في الفرض و لكن بعد في المقام إشكالات:

الأول- ان احتمال القيدية أو العلية يكون مؤثرا في صورة إحراز كون هذا مؤثرا مثلا إذا أحرزنا ان الماء إذا تغير أو الماء المتغير لتغيره بالنجاسة محكوم بالنجاسة فإذا زال تغييره بواسطة نفسه يمكن التقريب لاستصحاب الحكم بان التغير علة للحكم أو قيد للموضوع على فرض تسليم ان الجهات التعليلية لا ترجع الى الجهات التقييدية و الا فلا أثر لهذا التفصيل و اما في المقام فيجب ملاحظة الأمارة التي دلت على ان الحد ستون أو خمسون و حيث ان الفرض عدم استفادة شي‌ء من الأمارة فما أحرزنا القيدية أو العلية.

و الثاني- على فرض تسليم ما ذكر فالمناط في التقييد أو التعليل يكون لسان الدليل و في المقام لا يكون في لسان الدليل، هذا بنحو القيدية بل بنحو الشرطية.

و ثالثا- في الشبهات الحكمية الأصل يقتضي البراءة عن التكليف و الحكم بالحيضية، حيث يستلزم تكاليف يجري الأصل بالنسبة اليه، و على هذا يكون استصحاب الطهارة قبل رؤية الدم مثل استصحاب البراءة عن التكليف و الذي يسهل الخطب عدم وصول النوبة الى ما ذكر لتمامية قول المشهور بالتفصيل.

246

الرضاع فان هذا الصبي اما أن يكون حراما على المرضعة لكونه مرتضعة منها على فرض الجهة تعليلية، أو الصبي المرتضع يكون حراما على المرضعة على فرض الجهة تقييدية، فحيث يكون الشك في حصول القيد إذا كانت الجهة تقييد يصير من الشبهة المصداقية لقوله (عليه السلام) «لا تنقض اليقين بالشك».

و أما الجهة التعليلة ففي المقام يكون الأصل جاريا في موردها، و لكن استصحاب عدم كونه حيضا معارض باستصحاب عدم كونه استحاضة، فأصالة الطهارة جارية، هذا كله في صورة الشك في الحكم مع العلم بالقرشية و هو الصورة التي ذكرناها هنا.

و أما الصورة الثانية و قد تعرض له المصنف و هو الشك في أن المرأة هل تكون قرشية أم لا؟ فالإجماع على استصحاب عدم القرشية و عليه المستند و الشيخ و غيرهم مع ان فيهم من لا يقول باستصحاب العدم الأزلي مثل المصنف (قده) و نحن في صدد الجهة الفقهية في المقام لا الأصولية.

فنقول: أن الرواية وردت بأن حد المرأة التي يئست من المحيض خمسون سنة الّا أن تكون امرأة من قريش، و حيث ان العام لا يعنون بعنوان ضد الخاص خلافا لشيخنا النائيني (قده) لا يرجع المعين الى أن المرأة التي غير قرشية يكون حدها خمسين فلا نحتاج إلى إحراز كونها غير قرشية بمعنى إثبات هذا الوصف‌

247

العدمي لها، بل الموضوع للحكم هو ذات المرأة.

و يثبت عدم الانتساب الى القريش بواسطة الأصل فجزء حاصل بالوجدان و هو المرأة، و جزء بالأصل، فلا يكون الأصل مثبتا لأنا لا نكون في صدد إحراز القيد للمرأة حتى يقال استصحاب عدم القرشية يكون بالنسبة الى هذا الأثر مثبتا.

هذا كله بالنسبة إلى صورة كون المركب مزجيا اى الموضوع هو المرأة و غير القرشية.

و أما إذا كان وصفيا بمعنى أن نقول: ان المرأة المتصفة بعدم كونها قرشية حكمها كذا، فنقول أيضا بجريان استصحاب عدم القرشية، لأن هذه المرأة حينما لم تكن في الأزل لم تكن قرشية أيضا لأن القرشية من لوازم ذات المرأة لا من لوازم وجودها حتى يقال لا حالة سابقه لها، فيمكن أن يقال ان هذه المرأة لم تكن في الأزل و لم تكن قرشية فيه أيضا فوجدت، فلا نعلم انها وجدت مع هذه الصفة أم لا، و الأصل عدمها، و الأثر يكون بعد الوجود لا في العدم، هذا.

و لكن في المقام رد اشكال على مسلك التحقيق و هو أن روايات التحديد تكون إرشادا الى عدم تحقق الحيضية بعد الخمسين أو الستين و لا يكون تعبدا فقط خلافا للمحقق الخراساني (قده) و عليه فيكون من الشبهة المصداقية لدليل الاستصحاب لأنه بعد ما دل الدليل على عدم إمكان الحيضية بعد الستين أو الخمسين لا يمكن التعبد بالأصل لإثبات العدم التكويني، فإن هذا ليس في وسع الاستصحاب الّا على النحو المثبت، فحيث لا نعلم ان هذه المرأة قرشية أم لا، و مع كونها قرشية لا يمكن أن يكون دمها غير حيض تكوينا، و على فرض عدم كونها قرشية لا يمكن أن يكون دمها حيضا بعد الخمسين فلا نعلم بمصداقيته للاستصحاب.

و أما على مسلك القائل بأنه تعبد بعدم الحيضية بعد الحد، فيمكن التعبد بالاستصحاب في مقابل ذلك التعبد بعدم القرشية و عدم الحيضية بعد الخمسين و عدم الحيضية الذي يكون أثر الاستصحاب يكون حكما طريقيا يثبت به عدم ترتيب الأحكام‌

248

الشرعية، و لا فرق بين أن يكون مفاد الأصل حكما طريقيا أو شرعيا، و شيخنا النائيني أيضا يكون مسلكه الإرشاد إلى الحيضية، و لذا يكون الإشكال في ذلك كما قلناه.

و الذي يجب أن نتوجه اليه هو أن القائلين بعدم جريان استصحاب العدم الأزلي يقولون هنا باستصحاب عدم القرشية و منهم المصنف (قده) فقال جمال الدين في حاشيته على اللمعة الدمشقية بأن هذا يكون مستفادا من السيرة المتشرعة و بناء العقلاء كما إذا شك في سيادة شخص فيجرون استصحاب عدمها و يكون بنائهم على عدم ترتيب أثر ما شك في وجوده سواء كان استصحاب العدم الأزلي جاريا أم لا.

و فيه أن هذه السيرة إثباتها في جميع المقامات مشكل، فان من يبنى على عدم سيادة شخص و لم يعطه الخمس من سهم السادة، ربما يكون من باب وجود من كان محرز السيادة و لا يعتنى بمن يكون مشكوكا في سيادته بخلاف المقام الذي لا يكون كذلك فان العلم الإجمالي (1) بأن حدها اما خمسون أو ستون يمنع عن هذا الأصل.

و ثانيا بعد تسليم هذه الغلبة، فأدلة التحديد تكون حاكمة بمعنى أن هذا الدم في صورة كون المرأة قرشية إذا بلغت ستين سنة يكون غير حيض و قبله حيض و الآن اما أن يكون دم حيض لا أثر له لعدم إحراز كونها قرشية أو ليس بحيض و هو الصحيح.

ثم ان هنا يتصور أصل آخر و هو التعليقي بأن يقال أن هذه المرأة قبل البلوغ الى الخمسين ان كانت ترى الدم بصفات الحيض ثلاثة أيام كان حيضا، و الآن نشك فيه من باب الشك في أنها قرشية أم لا، فيستصحب الحكم السابق و يحكم بالحيضية‌

____________

(1) أقول: ان ما له الأثر هو إثبات كونها قرشية حتى يكون حدها ستين و جريان الأصل فيه يكون مثل سائر المقامات، و الغالب أن ما شك في حصوله يكون يكون بناء العقلاء على عدم ترتيب أثره، فكأنه ينحل العلم بواسطة هذا البناء.

249

و فيه ان استصحاب عدم القرشية يكون حاكما على هذا الأصل، لا من باب تقديم الأصل التنجيزي على التعليقي (1) بل من باب قيام أمارة شرعية على ان غير القرشية يكون حدها خمسون سنة و هي يكون حدها ستون، و على فرض تعارض الاستصحابين فالتعليقى حاكم على استصحاب الطهارة، و لكن لا تصل النوبة اليه.

أما الشك في اليأس أي في حصوله فيكون مثل استصحاب الزمانيات فإنه إذا شك في دخول الليل يستصحب عدمه، و إذا شك في دخول النهار أيضا يستصحب عدمه و لا إشكال في جريان هذا الاستصحاب و لا فرق بين كون الروايات إرشادا الى عدم الحيضية قبله أو تعبدا كما هو مسلك المحقق الخراساني (قده) لأن المدار إذا كان على الغلبة الموجودة في العقلاء، لا يكون فرق بين الشك في القرشية أو اليأس و لا يكون المدار على الاستصحاب حتى يكون على فرض إرشاد الروايات إلى الحيضية أو عدمها غير ممكن التمسك.

و العجب عن شيخنا العراقي حيث فرق بين المقامين أى الشك في القرشية و اليأس في حاشيته على العروة، فأشكل في الأول لنكتة الإرشاد، و لم يشكل في الثاني مع انه لو كان المدار على الإرشاد و عدم الاعتناء بالغلبة، فيكون في المقامين، و ان كان المدار على الغلبة فلا اشكال فيهما أيضا.

[مسألة- 1- إذا خرج ممن شك في بلوغها دم و كان بصفات الحيض]

مسألة- 1- إذا خرج ممن شك في بلوغها دم و كان بصفات الحيض يحكم بكونه حيضا، و يجعل علامة على البلوغ، بخلاف ما إذا كان بصفات الحيض و خرج ممكن علم عدم بلوغها، فإنه لا يحكم بحيضيته، و هذا هو المراد

____________

(1) ما وجدت وجها آخر غير ما ذكروه في تقديم التنجيزي على التعليقي لأن الشك في التعليقي مسبب عن الشك في التنجيزي، فإذا جرى الأصل فيه لا تبقى النوبة لجريان التعليقي و قيام الأمارة الشرعية و ان كان صحيحا، و لكن لا يوجب رفع الشبهة في المقام بعد ما كان الشك في المصداق.

250

من شرطية البلوغ.

أقول: قد مر شرحها في مطاوي ما ذكرناه قبل ذلك فلا نعيد.

[مسألة- 2- لا فرق في كون اليأس بالستين و الخمسين بين الحرة و الأمة]

مسألة- 2- لا فرق في كون اليأس بالستين و الخمسين بين الحرة و الأمة و حار المزاج و بارده و أهل مكان و مكان.

أقول: هذه أيضا واضحة لإطلاق الأدلة.

في اجتماع الحيض مع الحمل و الإرضاع

[مسألة- 3- لا إشكال في ان الحيض يجتمع مع الإرضاع]

مسألة- 3- لا إشكال في ان الحيض يجتمع مع الإرضاع و في اجتماعه مع الحمل قولان و الأقوى انه يجتمع معه سواء كان قبل الاستبانة أو بعدها.

أقول: انه لا يكون الإشكال في اجتماع الحيض مع الإرضاع و انما الإشكال في اجتماعه مع الحمل، فجملة من الأعلام بل المشهور الاجتماع مطلقا بمعنى انه سواء استبان الحمل برفع البطن أو لم يستبن بمعنى أن يكون النطفة منعقدة و ما بعدها بقليل بحيث لم يستبن.

و قال المحقق في الشرائع: ان الحمل لا يجتمع مع الحيض و استند بأن هذا مستفاد من أشهر الروايات و هذا عجيب منه لعدم شهرة الرواية في ذلك مع ما سيجي‌ء من ضعف بعضها و عدم دلالة البعض أو الدلالة بحيث يقبل الجمع مع غيره.

أما الروايات الدالة على الاجتماع فهي في باب 30 من أبواب الحيض ففي ح: 1 عن عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) انه سأل عن الحبلى ترى الدم أ تترك الصلاة، فقال: نعم ان الحلبي ربما قذفت بالدم.

و في (ح: 2) عن ابن الحجاج قال: سألت أبا الحسن (أبا إبراهيم) عن الحبلى ترى الدم و هي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر هل تترك الصلاة قال: تترك الصلاة إذا دام.

251

و في (ح: 5) عن أبى المعزى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم قال: تلك الهراقة ان كان دما كثيرا فلا تصلين و ان كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاتين.

و في (ح: 4) عن صفوان قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام تصلى، قال: تمسك عن الصلاة و كل هذه الروايات صحاح تامة الدلالة على المطلوب من ان الحبلى تحيض.

و تعارض مع هذه الروايات روايات: منها ما عن السكوني في باب 30 من الحيض ح 12 عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) انه قال: قال النبي (صلى اللّه عليه و آله) : ما كان اللّه ليجعل حيضا مع حبل يعني إذا رأت الدم و هي حامل لا تدع الصلاة الا أن ترى على رأس الولد إذا ضربها الطلق و رأت الدم تركت الصلاة.

و منها: رواية وردت في ان الدم يكون رزق الولد فكيف يخرج مع انه رزقه و هي ح: 13 في الباب عن مقرن عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأل سلمان (ره) عليا (عليه السلام) عن رزق الولد في بطن امه، فقال: ان اللّه تبارك و تعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن امه.

و الجواب اما عن السكوني فبأنه ضعيف سندا به و يكون خلاف المشهور و موافق العامة فصدرت تقية مع ضعفها دلالة من باب ان هذه العبارة صدرا و ذيلا غير مناسبة لمطلوبه. و أما رواية رزق الولد فلا ينافي مع ما دل على الجمع لأنه يمكن ان يزيد الدم فيخرج الزائد و لا يخرج (1) رزق الولد.

و من المعارض صحيحة حميد بن المثنى (ح: 8 في الباب المتقدم) قال:

____________

(1) أقول: و يدل على ذلك رواية سليمان بن خالد ح: 14 في باب 30 من الحيض أيضا بأن ما خرج هو الفاضل لا رزق الولد، و هي انه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) جعلت فداك الحبلى ربما طمثت قال: نعم، و ذلك ان الولد في بطن امه غذاؤه الدم فربما كثر ففضل عنه فإذا فضل دفقته فإذا دفقته حرمت عليها الصلاة.

252

سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدفقة و الدفقتين من الدم في الأيام و في الشهر و الشهرين، فقال: تلك الهراقة ليس تمسك هذه عن الصلاة.

و تقريبها واضح من جهة انه لو كان الحيض مجتمعا مع الحمل لكان يحكم بأنه حيض و حيث لم يحكم بترتيب آثاره و حكم بإتيان الصلاة فهو لا يجتمع معه.

و فيه ان هذه الرواية تحمل على صورة عدم وجود صفات الدم و شرائطه كما يشعر به التعبير بالدفقة و الدفقتين فان أقله ثلاثة أيام. و الشاهد لذلك ح: 5 في الباب المتقدم عن أبى المعزى قوله (عليه السلام) «ان كان دما كثيرا فلا تصلين، و ان كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاتين».

و المراد بالكثرة ما بلغ أقل حد الحيض من الأيام و قريب من ذلك رواية أخرى مرسلة عن محمد بن مسلم (في الباب المتقدم ح: 16).

هذا على القول بانصراف الرواية عما لا يكون جامعا للشرائط و على فرض عدمه أيضا يمكن أن يقال يجمع بين الروايات بالإطلاق و التقييد، فان هذه مطلقة من جهة وجود الأوصاف و عدمها و ما دل على ان شرط كون الدم حيضا وجود الصفات مقيد لها. فنقول: ما جمع الشرائط فهو حيض و ما لا يكون فيه الشرائط فليس بحيض و على فرض استقرار التعارض أيضا فروايات جواز الجمع مع الحمل مقدمة لأنها موافقة للمشهور، و لا نفهم كلام المحقق القائل بأن عدم الجمع هو أشهر الروايات.

ثم على فرض عدم التقديم و التساقط بالتعارض فهل يمكن التمسك بقاعدة الإمكان و الصفات؟ سيجي‌ء البحث عنه بعيد هذا.

و من الروايات التي توهم معارضتها مع ما دل على اجتماع الحمل و الحيض ما ورد في باب استبراء الأمة بحيضة واحدة، فإن معنى الاستبراء هو استظهار ان الرحم بري‌ء عن الحمل و كذلك الامرأة المزنية بها.

و تقريب الاستدلال هو ان عدم الحمل حيث كان مستندا بالحيضية فكيف يمكن أن يقال ان الحيضة تجتمع معه.