المعالم المأثورة - ج5

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
253

و الجواب عنه ان الحيضة في الأمة لا تكون إرشادا الى عدم الحمل بل هو تعبد محض، فهل يكون فرق بين الأمة و الحرة لو كان هذا دليلا إرشاديا! و التعليل بعدم اختلاط المياه يكون حكمة لا علة، كما في حكمة العدة حيث قيل انها هي عدم اختلاط المياه و تكون العدة في من لا يكون فيه احتماله.

ثم ما وعدنا ذكره من انه على فرض تعارض الروايات و التساقط هل يمكن ان يرجع الى قاعدة الإمكان و الصفات أم لا؟ فهنا نبحث عنه، فعن الشيخ الأنصاري (قده) التمسك بأدلة الصفات، فان الدم إذا كان حارا عبيطا أحمر يحكم بحيضيته و لو مع الحمل لأنه مصداقه، و لكن التحقيق عندنا عدم إمكان التمسك بالعموم في المقام نظير ما إذا كان عام و قد خصص فرد من حكمه لا ندري هل هو خارج موضوعا أم خارج حكما فقط، مثل ما إذا قيل: «أكرم العلماء» و خصص زيد عنه و لا ندري انه عالم خصص فيكون الخروج بالتخصيص أو جاهل حتى يكون خروجه بالتخصص فان العام هنا لا يكون حجة بالنسبة الى ما هو من لوازمه أى لوازم عمومه و هو كون الفرد الخارج عنه ليس من أفراده و لا يثبت ان هذا الفرد ليس من العلماء، كذلك في المقام حيث ان الشك يكون في قابلية الحامل للحيض لا يمكن التمسك بأدلة الصفات لإثبات القابلية، لأن هذا يلزم منه الدور، فان الموضوع و قابليته يكون في رتبة العلة للحكم فيكون مقدما عليه، فان شئنا إثبات القابلية من الحكم يلزم توقف الموضوع على الحكم كما ان الحكم كان متوقفا عليه.

و بعبارة اخرى ان اللازم الذي يكون له حكم يثبت بالحكم مثل الشك في بعض عوارض الموضوع القابل، و أما ما لا يكون إلّا أثرا تكوينيا و لو كان موضوعا لحكم آخر فليس في وسع العام إثباته كما مر ان عالمية زيد و جاهليته لا تكون مربوطة بالعام بعد إحراز انه خارج عن حكمه، و على فرض تسليم ذلك فالمقام له خصيصة، لأن الشك يكون في القابلية و الشك في القابلية أسوأ حالا من ذلك، لأن لازم هذا هو الدور دون ذاك.

254

قوله: نعم فيما كان بعد العادة بعشرين يوما الأحوط (1) الجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة.

أقول: ان جملة من الأعلام على ان الدم إذا تجاوز عشرين يوما من وقت العادة في الحامل لا يحكم بحيضيته، و الدليل لهم مصحح الصحاف قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان أم ولدي ترى الدم و هي حامل كيف تصنع بالصلاة؟ قال: فقال لي: إذا رأت الحامل الدم بعد ما يمضى عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تقعد فيه، فان ذاك ليس من الرحم و لا من الطمث فلتتوضأ و تحتشي بكرسف و تصلى و إذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة. الحديث (في باب 31 من الحيض ح: 3).

و هذه الرواية يمكن أن يكون شاهد جمع بين ما دل على ان الحامل لا ترى الدم و بين ما دل على انها ترى بحمل أحدهما على ما بعد العشرين من العادة و الآخر على ما قبله و هذه صحيحة لا يمكن رفع اليد عنها فيخصص بها المطلقات.

و قد أشكل عليها الشيخ الأنصاري (قده) بأن المطلقات تكون آبية عن التخصيص لأنه لا فرق بين قبل العشرين و بعده في كون الدم رزقا للولد و عدم كونه حيضا في أيام الحمل.

و فيه ان هذا الاشكال لا يكون فنيا، لكن دلالة هذه الرواية عندي محل نظر، و هو ان ما فهموه منها خلاف ظاهرها، فان الظاهر (2) منها ان المرأة إذا تجاوز عن وقت عادتها لا شبهة في انها تكون حاملا و لا ترى دم الحيض.

____________

(1) و لكن الأقوى انه لا يحكم بحيضيته بعد العشرين الّا مع العلم بأنه حيض و دليله في التذييل الآتي.

(2) أقول: ان هذا خلاف ظاهر الرواية، فإن جملة «ان أم ولدي ترى الدم و هي حامل» تكون كالصريح في ان الحمل محقق و يكون الدم في حاله لا انه إرشاد إلى الحمل و عدمه، ثم انه أى فرق بين العشرين و تسعة عشر الّا أن يقال ان العشرين يكون حدا شرعيا و يكون هو التعبد بالحمل فيه و هو كما ترى.

و أما الحمل على الفرد النادر لو كان إشكالا ففي جميع ما سئل عن حكم الحامل يكون هذا الاشكال لا في خصوص هذه على ان ما يقال من المنع على الفرد النادر يكون في صورة وجود إطلاق يريد المخاطب حمله على الفرد النادر، و السؤال عن شي‌ء قليل الابتلاء لا يكون من الحمل على الفرد النادر و يساعد عليه العقلاء، فيمكن أن يقال بأن الرواية في الدم الذي يكون قريبا إلى العادة إرشاد بأنه حيض.

و أما ما كان بعيدا عنها فإنها إرشاد بعدمه غالبا بحيث لا ينافي العلم بكونه حيضا بدليل آخر، و هذا الحكم مختص بمن له العادة و لا يشمل غيره لو لم نقل بأنه مختص بالأمة، فان الإماء لهن أحكام غير أحكام الأحرار لكنه بعيد، و كيف كان فالاحتياط استحبابي بل يعمل على التفصيل في صورة عدم العلم بأن ما بعد العشرين حيض، كما ان الأستاذ (مد ظله) أيضا لا يحتاط على مسلكه.

255

و أما قبل العشرين فيمكن أن يكون حيضا و الحامل في هذه الرواية معناه ما سيصير في حكم الحامل و الا فالسؤال عن الحامل يكون سؤالا عن الفرد النادر، لأن الحامل قليلا ترى الدم، فتكون من الروايات التي دلت على عدم جمع الحمل مع الحيض و حيث قدّمنا ما دل على الجمع فتسقط هذه عن الاعتبار.

و أما وجه احتياط المصنف و غيره فيكون هو استبعاد تخصيص المطلقات، و هو حسن.

ثم انه تعارض هذه الرواية ما عن إسحاق بن عمار (في باب 30 من الحيض ح: 6) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين، قال: ان كان دما عبيطا فلا تصلى ذينك اليومين، و ان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين. و هكذا عن محمد بن مسلم (ح: 16 في الباب) عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

سألته عن الحلبي قد استبان حملها ترى ما ترى الحائض من الدم، قال: تلك الهراقة من الدم ان كان دما أحمر كثيرا فلا تصلى. الحديث.

256

و النسبة بينهما هي عموم من وجه فان هذه تحكم في ما كان له الصفات بالحيضية سواء كان قبل العشرين أو بعده و تلك على حيضية ما قبل العشرين سواء كان له الصفات أم لا، فمورد الافتراق في هذا هو ما إذا رأت الدم قبل العشرين مع الصفات و مورد افتراق تلك، ما إذا رأت الدم بعد العشرين بدون الصفات و مورد الاجتماع ما إذا رأت الدم في ما بعد العشرين مع الصفات فتتعارضان و لا يوجب التعارض في العامين من وجه في مورد الاجتماع تساقطهما في جميع المقامات فعلى ما مر منا من الاستظهار فروايات الصفات تكون محكومة لأنها في صورة إمكان الحيض و هذه الرواية تنفى إمكانه بعد العشرين.

و أما على استظهار القوم فروايات الصفات مقدمة لأنها إرشاد إلى الحيضية و هذه تعبد بعدمها و مع تقدمها لا تصير رواية الصحاف بلا مورد، فان موردها بعد العشرين بدون الصفات الا أن يقال ان قاعدة الإمكان في طول الصفات فإذا صار الدم فاقدا لها يمكن أن نتمسك بقاعدة الإمكان فلا يبقى مورد لرواية الصحاف.

[مسألة- 4- إذا انصب الدم من الرحم الى فضاء الفرج و خرج منه شي‌ء في الخارج]

مسألة- 4- إذا انصب الدم من الرحم الى فضاء الفرج و خرج منه شي‌ء في الخارج و لو بمقدار رأس إبرة لا إشكال في جريان أحكام الحيض، و اما إذا انصب و لم يخرج بعد و ان كان يمكن إخراجه بإدخال قطنة أو إصبع ففي جريان أحكام الحيض اشكال (1) فلا يترك الاحتياط بالجمع بين أحكام الحائض و الطاهر، و لا فرق بين أن يخرج من المخرج الأصلي أو العارضي.

أقول: ربما ينصب الدم و يخرج بعصر و نحوه بحيث يصير مصداقا لكونه مرئيا و سيجي‌ء حكمه و لم يفرضه المصنف هنا، و أما ما فرضه هنا فتردد القوم في انه من الحيض أم لا، حيث ان ما ورد في لسان الروايات يكون رؤية الدم و معناه الرؤية‌

____________

(1) لا إشكال في الحيضية و لا يجب الاحتياط، و دليل ما نقول في التذييل الآتي بعد هذا.

257

الظاهرية لا بوسائل صناعية و هذه المرأة لم ترى الدم حيث لم يخرج، هذا مع استصحاب عدم الحيض لو شك فيه كما ان إخراج المنى يكون سببا للجنابة.

حتى قال بعض الأعاظم من العلماء بأن يوم الصوم لا يجوز الإدرار لمن صار جنبا و بقي شي‌ء من المني في مجرى البول، لأنه يكون ممن أجنب نفسه عامدا في نهار رمضان و ان كان الحق عندنا جواز الاستبراء من المنى بالبول في نهاره.

و كيف كان فما دام كونه في المجرى لا حكم له و كذا ان تحرك و لم يخرج فكذلك الحيض في المقام ما لم يخرج الدم لا يكون صادقا، و من جهة ان نصوص (1) الاستبراء من الحيض يدل على ان الدم ما دام في الباطن أيضا يحكم بحيضيته، و يجب عليها الاستظهار بقطنة، فبقاء الدم في الباطن دليل على بقاء الحيضية، فما الفرق بين الحدوث و البقاء حتى لا يحكم بأنه في الحدوث حيض و يحكم بكونه حيضا في البقاء، فصار هذا سببا لقولهم بأن الاحتياط في الجمع بين أحكام الطاهر و الحائض حيث تعلم ان هذا الدم ليس باستحاضة لأنه حيض في الباطن.

____________

(1) أقول: ان هذه النصوص تكون بمنزلة الشاهد على ان نصوص الرؤية يكون المراد منها العلم به: و بيانه هو أن المراد بالرؤية لا يكون ما كان بالعين فقط، و لا يكون معناها ان من لا عين لها لا تحيض و ان خرج الدم، بل المراد بها العلم بكون الدم حيضا، و حيث ان الغالب هو الخروج، توهم الفقيه ان الخروج شرط له، على ان النساء يفهمن قريب حيضهن حالة الحيضية، و من كان الدم في فرجها ان أخرجه بقطنة فقد رأت الدم.

و الحاصل ان المراد بالرؤية العلم بالحيضية و نصوص الاستبراء أيضا شاهدة على ان شرط الحيضية لا يكون الخروج بل ما دام كون الدم في الباطن يكون حائضا.

و أما القياس بالمني فهو في غير محله فان الخروج يكون شرطا للجنابة بمقتضى ما ورد من النصوص فلا إشكال في ان الدم حيض و لا يجب الاحتياط بالجمع بين أحكام الطاهر و الحائض و احتياط جمع من الأعلام يكون منشأه ما ذكر، و حيث انه غير تام فهو مستحب.

258

و أما إذا أخرجه بواسطة عصر بالإصبع أو غيره فالظاهر انه يكون محكوما بالحيضية فكأنه يكون مثل شرب الدواء لتحيض أو مثل رفع شي‌ء ثقيل يوجبه و لا تكون الروايات منصرفة عن أمثال هذه الموارد.

و أما المخرج الطبيعي و غيره فلا فرق فيه في صورة العلم بالحيضية، و أما في صورة الشك فيجب ملاحظة القواعد كما في غير الموارد.

في اشتباه الحيض بدم غيره

[مسألة 5- إذا شكت في ان الخارج دم أو غير دم]

مسألة 5- إذا شكت في ان الخارج دم أو غير دم أو رأت دما في ثوبها و شكت في انه من الرحم أو من غيره لا تجري أحكام الحيض و ان علمت بكونه دما و اشتبه عليها، فاما أن يشتبه بدم الاستحاضة أو بدم البكارة أو بدم القرحة فإن اشتبه بدم الاستحاضة يرجع الى الصفات.

أقول: هذه المسألة من المشكلات، التي ينبغي أن يكتب فيها رسالة منفردة، و للمحقق الخراساني (قده) رسالة مفيدة هنا مسماة ب‍ «القطرات».

فنقول: الرجوع الى الصفات عند الاشتباه مما لا خلاف فيه في الجملة إنما الكلام في جهات:

الاولى: هل المستفاد من الأخبار هو الإرشاد الى ما يزيل الشك و يوجب الاطمئنان بالحيضية أو يفصل في الصفات بين الأحمر و العبيط و بين إقبال الدم و إدباره كما سيجي‌ء.

ففي الأول إرشاد الى ما يزيل الشك و في الثاني جعل أمارة شرعية في ظرف الشك أو ان الصفات امارة مطلقا بلا تفصيل في ظرف الشك تعبدا و حينئذ فهل يكون كل واحدة منها امارة مستقلة أو المجموع المركب امارة واحدة؟.

الجهة الثانية: في أن أوصاف الاستحاضة أمارة عليها كصفات الحيض أم لا بل يختص الأمارية بصفات الحيض.

259

الجهة الثالثة: في انه لو كانت الأوصاف امارة على الحيض فهل هي أمارة عامة عند كل اشتباه أو مختصة بصورة الاشتباه بالاستحاضة و على الثاني فهل تعم جميع موارد الاشتباه من المبتدئة و ذات العادة الغير المستمرة أو مختصة بالمستمرة أى مستمرة الدم فينبغي لنا البحث في مقامات:

المقام الأول: في أن الأخبار الواردة في الصفات هل المستفاد منها الإرشاد الى ما هو الغالب و يوجب الاطمئنان أو يكون تعبدا محضا في ظرف الشك.

فنقول: ذهب المحقق الخراساني في رسالته الى الأول بما هذه عبارته «لكن لا يخفى ان ظاهرها (أى الأخبار) أنها بصدد رفع اشتباه الحيض بالاستحاضة بذكر أوصافها التي تعهدها النساء، و انه لا مجال له معها لكونها موجبة لحصول القطع غالبا لا بصدد بيان حكم الاشتباه و جعل الصفة امارة تعبدا كي يشكل الأمر في ان الامارة هل هي كل واحد أو ما ذكر بجملتها مع ما فيها من الاختلاف في ذكر الأوصاف كما وقع الخلاف في ذلك بين المشهور و صاحب المدارك كيف و لا يمكن أن يكون قوله (عليه السلام) في موثقة إسحاق بن جرير «دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار. إلخ» بيانا لجعل ما ذكره من الأوصاف أمارة عليه تعبدا، و كذلك سياق سائر الاخبار، كما لا يخفى على المتأمل» انتهى موضع الحاجة من كلامه.

أقول: ان توضيح المطلب يحتاج الى ذكر الأخبار فمنها موثقة إسحاق بن جرير (في الوسائل باب 3 من أبواب الحيض ح: 3) التي اعتمد عليها المحقق الخراساني قال: سألتني امرأة منا ان أدخلها على أبى عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذنت لها فاذن لها فدخلت الى أن قال: فقالت له: ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها، قال: ان كان أيام حيضها دون عشرة أيام ثم هي مستحاضة، قالت: فان الدم يستمر بها الشهر و الشهرين و الثلاثة كيف تصنع بالصلاة، قال: تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين، قالت له: ان أيام حيضها تختلف عليها و كان يتقدم الحيض اليوم و اليومين و الثلاثة و يتأخر مثل ذلك فما علمها به، قال: دم الحيض ليس به خفاء هو‌

260

دم حار تجد له حرقة و دم الاستحاضة دم فاسد بارد، قال: فالتفتت الى مولاتها فقالت:

أ تراه كان امرأة مرة.

و تقريب الاستدلال على مرام الخراساني و على ما هو التحقيق تبعا له، هو ان الامام (عليه السلام) بعد سؤال المرأة عن اختلاف العادة أمرها بالأخذ بالصفات و علل بأن دم الحيض ليس به خفاء.

ففي المقام يكون أحد الأسباب للاطمئنان بكون الدم حيضا العادة، و الأخرى الصفات و معنى «ليس به خفاء» أى يكون الدم كما تجده بهذه العلامات حيضا و هذا من آثاره و لا يكون تعبدا بأنه في كل مورد يكون حيضا و لو لم يحصل الاطمئنان بكونه حيضا، و لا يشكل على هذا التقريب ان العادة أمارة ظنية و لا يوجب الاطمئنان فارداف الصفات بها أيضا دليل على انها أمارة تعبدية ظنية لا انها لحصول الاطمئنان.

لأنا نقول: العادة أيضا مما يوجب الاطمئنان بكون الدم حيضا، و حاصله انه يمكن ازالة الشك وجدانا بهما لا أمارة تعبدية فقط.

و الشاهد على ذلك أمران: الأول: ظاهر التعليل بأن دم الحيض ليس به خفاء كما مر تقريبه، فان عدم الخفاء يكون المراد منه عدم الخفاء تكوينا و وجدانا لا تعبدا فقط.

و توهم ان المراد ليس به خفاء بعد قيام الأمارة بجعل الصفات فلا يكون المراد عدم الخفاء تكوينا، و مرجعه الى الأخبار عن لازم الأمارة بجعلها مندفع بأنه و ان كنا نقول بذلك في أمثال رواية مسعدة بن صدقة في قوله (عليه السلام) «كل شي‌ء نظيف حتى يعلم انه قذر» بكونه في مقام بيان حكم الواقع واقعا و كونه في مقام بيان حكم مشكوك الطهارة في ظرف الشك.

و لا إشكال في الاخبار باللازم بدلا عن جعل الأمارة، و لكن هذا خلاف ظاهر الحديث في المقام، و الّا كان المناسب أن يذكر الصفات أولا ثم يقول لا خفاء فيه.

و توهم ان الصفات لا تكون من اللوازم غالبا، ضرورة انه ربما تجد المرأة الدم‌

261

و لا يكون بهذه الصفات كما كان في أيام العادة و يحكم بحيضيته بدونه فلا تكون مزيلة للشك و محصلة للاطمئنان أيضا، مندفع بما تقدم من ان السبب تارة يكون هو الصفات و تارة هو العادة، فالصفات تكون طريقا لمن لإعادة لها، و الغرض ان الأوصاف تكون من اللوازم الغالبية لا ان الحيض لا يتحقق بدونها.

و الشاهد الثاني: تعجب المرأة بعد ما أجابها الامام (عليه السلام) بقولها «أ تراه كان امرأة مرة» و بيانه انه (عليه السلام) لو كان بصدد أمارة تعبدية ما كان وجه لتعجب المرأة عن جعل ضابطة تعبدية لإزالة الشك بل تعجبت المرأة من بيان الامام (عليه السلام) الأوصاف التكوينية للدم.

و توهم ان تعجبها كان من باب ذكره (عليه السلام) أوصافا لا يطلع عليها إلّا المرأة، مندفع بأن هذه الأوصاف من شواهد كون الدم حيضا تكوينا، و التعجب يكون منه لا مما ذكر.

و توهم ان بيان الأمور التكوينية لا يكون من شأن المشرع في مقام التشريع مندفع بأن الصفات المذكورة مما يوجب زوال الشك غالبا و معه لا مجال للقول بالتعبد، فالكلام و ان صدر في مقام التشريع، و لكن هذه القرينة مانعة عن حمله على التعبد المحض.

و من الروايات صحيحة حفص بن البختري (باب 3 من الحيض ح: 2) قال: دخلت على أبى عبد اللّه (عليه السلام) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أ حيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها: ان دم الحيض حار عبيط أسود له دفع و حرارة و دم الاستحاضة أصفر بارد فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة، قال: فخرجت و هي تقول: و اللّه ان لو كان امرأة ما زاد على هذا.

و تقريب الدلالة على المطلوب من جهة ان المدار على الصفات وجدانا، و من حيث انها توجب الاطمئنان واضح، فان تعجب المرأة هنا أيضا شاهد على ذلك و ان كان ظهور هذه لا تبلغ الى حد ظهور الموثقة المتقدمة، فإن فيها دم الحيض ليس‌

262

به خفاء و ليس هذا الكلام الذي هو كالصريح فيما ذكر، في هذه الرواية.

و كيف كان فضم هذه مع الموثقة يوجب الاطمئنان بأن المدار على الاطمئنان الحاصل من الصفات غالبا لا انها أمارة ظنية جعلها الشرع حجة في كل مقام شك فيه تعبدا، و الحاصل ان الصفات تكون حجة إذا كانت مقرونة بالاطمئنان لا في كل مورد شك فيه و جعل الاطمئنان الحاصل غالبا حكمة لجعلها امارة تعبدا.

و منها: مرسلة يونس بن عبد الرحمن (في باب 3 من الحيض ح: 4) و هي طويلة ترجع إليه في المصدر الذي أشرنا إليه في الوسائل.

و يستفاد من المجموع ان المرأة لو اختلطت العادة عليها بواسطة استمرار الدم و لا تدري ما تفعل جعل (عليه السلام) المدار على إقبال الدم و إدباره بمعنى تغيير اللون بحيث كلما صار الدم بصفات الحيض فهو حيض، و كلما صار بصفات الاستحاضة فهو هي، فإنه قال (عليه السلام): «دم الحيض أسود يعرف».

و الظاهر منها هو ان اللون يوجب الاطمئنان بالدم من الحيض، و هو مما يزيل الشك غالبا فمعنى «انه اسود يعرف» انه يكون تكوينا كذلك لا انه تعبد بذلك.

ثم ان المحقق الخراساني (قده) قال: بأن إقبال الدم و إدباره بنفسه علامة على الحيضية و لا يكون مربوطا بالصفات و فسره بأن المراد (1) به شدة الدم و ضعفه فالأول دليل على الحيض و الثاني دليل على الاستحاضة بدعوى ان الدم لو كان مقارنا للصفات لم يبق شك حتى يجعل لدفعه أمارة مثل الإقبال و الادبار، و لا يخفى ان مراده لا يكون ان الإقبال و الادبار مقدم على الصفات بل بالعكس بمعنى ان المرجع للمرأة هي العادة أو لا؟ و ان لم تكن فالصفات و ان لم تكن فالاقبال و الادبار.

و له أن يقول بأن العادة أيضا تكون مما يوجب الاطمئنان لا أمارة تعبدية، و‌

____________

(1) أقول: ان المراد بالشدة ان كان الغلظة أي في اللون بأن كان أحمر أو أسود فيرجع الى الصفات، و ان كان الكثرة فهي ليست علامة للحيض و لا للاستحاضة فالمراد بإقبال الدم و إدباره هو الرجوع الى الدم بالنسبة إلى صفات الحيض و خروجه عن صفاته.

263

الإقبال و الادبار بدون الصفات أيضا من الأمارات، و عليه لا يشكل عليه بأنه كيف يرجع الى الإقبال و الادبار مع وجود ما يزيل الشك و هو الصفات.

و ربما يشكل عليه بأن المرسلة أيضا مشتملة على جملة ان «دم الحيض أسود يعرف» فلما ذا يفرق بينهما بادعاء ان الظاهر من الموثقة هو أن المناط على الاطمئنان فيها لا التعبد، و في المقام يكون ظاهرا في المعرفة التعبدية.

لكن قد عرفت اندفاعه بأن المرسلة مشتملة على صورة استمرار الدم و الإقبال و الأدبار فمن الجهة الأولى يكون المدار على الاطمئنان و من الجهة الثانية على التعبد على مسلك الخراساني و اما على مسلكنا فقد عرفت ان كليهما اى الصفات و الإقبال و الادبار للإرشاد إلى الواقع.

فإذا عرفت ما ذكرناه تبعا للخراساني و بعض مشايخنا من ان الصفات تكون إرشادا الى ان الاطمئنان يكون هو المدار و هي علامة له و لا وجه للقول بالتعبد حسب المستفاد من الروايات، و يسقط النزاع المعروف بين المشهور و صاحب المدارك و غيره عن الاعتبار، و اما النزاع فهو من جهات: الجهة الأولى هي ان الأمارية للصفات هل تكون في كل اشتباه كما عليه المدارك أو في صورة كون الاشتباه بين الحيض و الاستحاضة كما عليه المشهور لان المدار على العلم فحيث ما حصل بها فقد حصل و الا فلا اثر لها تعبدا. و الثانية هي النزاع المشهور بين المشهور و الشيخ الأنصاري و العلامة الهمداني بأنه هل تكون الصفات علامة الحيض في جميع المقامات حتى تكون مرجعا للمبتدئة و المضطربة أيضا أو تختص بمن يستمر بها الدم و هو أيضا ساقط لما ذكر حيث ان الاطمئنان حيثما حصل بها يكون حجة مطلقا. و الثالثة هي النزاع في أن الصفات و الإقبال و الأدبار في الدم أمارتان على الحيضية أو امارة واحدة.

و هو أيضا ساقط حيث ان الإقبال و الادبار و الصفات إذا حصل منهما الاطمئنان ينتجان حيضية الدم سواء كانا متعددين أم متحدين، و عليه فلا تصل النوبة إلى التعارض بين الأمارتين.

264

المقام الثاني في ان الصفات بعد فرض أنها أمارة تعبدية فهل يكون لتشخيص الحيض من الاستحاضة كما هو المشهور أو يكون لتشخيص الميز من كل دم اشتبه كما اختاره صاحب المدارك و الحدائق و المستند، و على المشهور فهل تكون أمارة في صورة استمرار الدم أو مطلقا فإن الأول هو المشهور و الثاني هو مختار الشيخ الأعظم و تبعه المحقق الهمداني.

أما تقريب الاستدلال للمدارك و من يحذو حذوه فهو ان الصفات المذكورة في الروايات تكون من مختصات الحيض و عليه فلا فرق بين ان يشتبه الدم بالاستحاضة أو غيره، و ان كان في الروايات ذكر الاستحاضة في مقابله لا غيرها و لكن المورد لا يكون مخصصا كما أن المشهور لا يعتنى بقيد الاستمرار فيها و لا يقول بأن الأمارية مختصة بصورة الاستمرار فقط. و هذا متين لأن خصوصية المورد لا تقدح مع عموم الجواب بأن دم الحيض ليس به خفاء، نعم ان الموضوع هو الدم المستمر لكن المشهور بقائه على إلقاء هذا القيد.

لا يقال سلمنا ان هذه الصفات مميزة لدم الحيض عن الاستحاضة و لكن لا تكون مميزة لغيرها و لكن يمكن ان يقال يكون لسائر الدماء دفق و حرارة و حرقة و هكذا اللون العبيط. لأنا نقول: ان الصفات و ما ذكره لا يكون في سائر الدماء مثل الذي يكون في دم الحيض فإن كيفية الدفق و الحرارة و الحرقة في الحيض غير كيفيته في مثل دم القرحة فإن الاشتراك في الاسم لا يوجب ان يكون حرارة الحيض مثل حرارة دم المقتول فتدبر.

لا يقال ان الشاهد على ان الصفات غير مختصة بصورة اشتباه الحيض بالاستحاضة هو أن ذكر الصفات يكون في صورة اشتباهه بالقرحة و البكارة أيضا فلا اختصاص كما يقول به صاحب المدارك. لأنا نقول: قد تفحصنا و لم نجد الروايات التي تكون مبينة للصفات عند الاشتباه المذكور.

ثم ان الشيخ الأنصاري (قده) تبعا للمشهور جعل الموضوع في الصورة المذكورة‌

265

هو من استمر دمها فان الصفات تكون مختصة بالاشتباه بين دم الحيض و الاستحاضة في من استمر دمها و اما من لم يستمر دمها فلا يكون مرجعها الصفات، خلافا للمدارك القائل بإسقاط قيد الاستمرار. و سند المدارك هو أن مفهوم الصفات هو أن كل دم لم يكن بهذه الصفات لم يكن بحيض و كل دم بهذه الصفات فهو حيض مطلقا اى سواء كان مستمرا أم لا، حسب المنطوق و فيه انه لا يكون لنا كبرى كذلك بل يكون الحكم بقوله (عليه السلام) «فلتدع الصلاة» في المرأة المستمرة و الا لو لم يكن لهذا خصوصية يجب أن يقال أيضا لا خصوصية للحيض و الاستحاضة و يكون الصفات لكل اشتباه و اما الصدر «ان دم الحيض حار عبيط أسود إلخ» و ان كان عاما و لكن من اين ثبت انه يكون علامة لكل اشتباه في كل دم حيض.

فان قلت ان الجملة تكون للتعليل في الروايات و العلة في كل مورد وجدت وجد المعلول معها و هو التميز. قلت: من اين ثبت ان العلة علة لكل مورد من الموارد فمن الممكن ان تكون علة لخصوص المستمرة لا أقل من الشك و معه لا يبقى للاستدلال مجال، و الروايات كما مر في باب 3 من أبواب الحيض ح 1 و 2 و 3 و تقريب الكل واحد و هكذا يكون جواب الشيخ الأعظم الأنصاري عن المدارك.

و قد استدل للتعميم بأن قيد الاستمرار لليقين لأن المورد لا يكون مخصصا. و فيه انا نمنع ذلك و على فرض التسليم يلزم ان يقال ان كل اشتباه يكون كذلك لا الاشتباه بين الحيض و الاستحاضة فقط لإلقاء الخصوصية.

و قد استدل بأن جملة «لا تدري أ حيض هو أو غيره» في الرواية دالة على ان الدم بعد التجاوز عن العشرة أو العادة يكون حكمه ما ذكر و اما لزوم كونه مستمرا فلا.

و فيه ان هذه الجملة صدر من السائل بعد استمرار دمها و تحيرها من هذا الحيث فلا وجه لإسقاط قيد الاستمرار، على ان الشيخ (1) يدعى ان الاستحاضة التي مقابلة للحيض يكون معناها خروج المرأة عن العادة لغة و في الاخبار أيضا كذلك فمعنى المقابلة‌

____________

(1) أقول: ان الأستاذ (مد ظله) و ان لم يجب عنه و لكن بعد المذاكرة معه فهمنا انه لا يسلم هذا الكلام و نقول بيانا له و وكالة عنه ان دم الاستحاضة و ان كان الظاهر من هيئة الاستفعال فيها انها حيض يطلب و لكن حسب المستفاد من الروايات بأنهما لا يخرجان من مكان واحد و حسب اختلاف الاحكام نفهم انها غير الحيض كما سيجي‌ء فيما حكيناه عن كتاب المستمسك.

و اما وجه جعل هذا اللفظ لهذا الدم المخصوص فيمكن ان يكون من باب ان المرأة تطلب عند رؤية الدم حيضيته اى يتفحص عنه لترى انه حيض أم لا.

266

هو أن دم العادة حيض و إذا استمر و زاد فهو استحاضة، و ما ذكرناه قبل كان من باب قصور الروايات و هذا المدعى يكون صريحا في المطلوب و هو أن الموضوع (1) الدم المستمر.

ثم ان لبعض المعاصرين هنا (2) كلاما تسليما لكلام الشيخ هذا و هو أن الدم‌

____________

(1) و لا يخفى انه لو سلم ذلك يفيد بالنسبة إلى الروايات التي لم يؤخذ قيد الاستمرار فيها و لا نحتاج الى الجمع بين المطلق و المقيد كما سيجي‌ء عنه (مد ظله) أيضا.

(2) أقول: ان كلام هذا البعض (قده) يكون في المستمسك (ج 3 ص 134 و 135) و الظاهر منه انه و ان سلم أولا معنى الاستحاضة على هيئة الاستفعال انه الدم المستمر مما شاة للشيخ (قده) و لكن اعرض عنه بما حاصله ان دم الاستحاضة حسب الآثار التي تكون لها في الروايات هو دم مقابل للحيض و له أقسام، كثيرة و متوسطة و قليلة فلا تختص بالمستمر.

و وجهه ان المستفاد من الروايات انهما لا يخرجان من مكان واحد فليس هي حيض مستمر و الا كان مكانهما واحدا ثم قال أيضا بما هذه عبارته و أيضا فإن مقابلة الاستحاضة و عدم التعرض لقسم آخر تقتضي ان يكون المراد بالاستحاضة ما يقابل الحيض سواء كان مختلطا به أو متصلا به أم لا فهو (قده) ما سلم كلام الشيخ تسليما تاما حتى يرد عليه الاشكال انه بعد تسليم الاستمرار كيف لا يلاحظ حد العنوان في أفراد الدم، هذا تقريب الاشكال ثم سلم أصل المطلب بقوله (قده) اللهم الّا أن يقال إلخ فأجاب عن عمومية صفات الاستحاضة للكثير و غيره بأنه من الممكن ان يكون حجيتها مختصة بصورة الاستمرار و أجاب عما نقلنا عبارته بأن المراد بالحيض يمكن ان يكون المستمر لا مطلق الحيض فارجع الى كلامه رفع مقامه.

و الحاصل انه موافق في أصل المطلب و هو أن الموضوع هو المستمر كما هو التحقيق صدرا و ذيلا.

267

الخارجي لا يكون شرطه الاستمرار و الموضوع و ان كان المستمر حسب ما استفاده (قده) من لفظ الاستحاضة حيث انه من باب الاستفعال و لكن الاستمرار يكون مرآتا عن الخارج فأفراد الدم اما ان يكون بصفة الحيض فهو حيض و الّا فلا.

و فيه ان العنوان كان مرآتا عن الخارج و لكن الحكم يكون على حد هذا المرآة بحده فإذا قيل: أكرم العلماء يكون لفظ العلماء مع حد العلم مرآتا عن الخارج لا أنه سواء كان الفرد عالما أولا، يجب إكرامه و هكذا في المقام يكون الدم في حد الاستمرار موضوعا للأثر لا بدونه. و ثانيا من أين أحرز أن الصفات يكون لمطلق اشتباه الدم بمقابله سواء كان مستمرا أم لا.

هذا كله مقتضى الروايات التي دلت على الاستمرار. و تحصل ان الحق مع الشيخ القائل بأن الصفات تكون حجة في صورة استمرار الدم على فرض القول بالتعبد حسب مبناه و لكن مر فساد المبنى فإنها إرشاد إلى الوجدان فحيثما وجدت تكون أمارة للاطمئنان، و اما الروايات التي لا يكون فيها قيد الاستمرار مثل رواية إسحاق بن عمار (باب 30 من الحيض ح 6) فإنها و ان كانت لا تعارض في بدو الأمر مع ما فيه هذا القيد لأنهما مثبتان و لا تنافي بينهما بعد عدم إحراز وحدة المطلوب فيعمل بهما، و لكن عند التحقيق نرى ان المطلقات مهملة من جهة بيان الموضوع و ما فيه قيد الاستمرار بيان لها فيجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد فان بيان صفات دم الحيض و الاستحاضة من دون بيان ان الموضوع لهذه للصفات أية امرأة يوجب إهمال الدليل.

فتحصل من جميع ما تقدم ان الموضوع للصفات على التعبد هو الدم المستمر و اما على الإرشاد إلى الاطمئنان فيكون دائرا مداره و يسفط هذا البحث.

المقام الثالث في استظهار ان الصفات هل تكون خاصة مركبة أو كل واحدة‌

268

منها علامة مستقلة فعلى الثاني يحصل التعارض بين صفات الحيض و صفات الاستحاضة على فرض التعبد فيجب ملاحظة مرجحات باب التعارض أو يجب العمل على طبق العلم الإجمالي بالجمع بين أحكامها، أما بيان التعارض فهو أن يكون دم فيه صفة من الحيض و صفة من الاستحاضة فكل دليل يقتضي ان يكون عنوان الدم على حسب ما يقتضيه فصفة الحيض تقتضي ان يقال انه حيض و صفة الاستحاضة تقتضي ان يكون استحاضة فنعلم إجمالا ان هذا الدم اما حيض أو استحاضة.

فنقول: على فرض كون الصفات خاصة مركبة بمعنى ان الأحمر و الأسود و الحار الخارج مع الحرقة مع كونه عبيطا صفة الحيض لا أحد الأوصاف فقط و كذا كونه أصفر بارد يخرج بدون الحرقة صفة الاستحاضة لا الواحد فقط، فلا وجه لاجتماع الصفات كذلك، لأنه لا يمكن أن يكون دم واحد أصفر و أحمر و أسود و حارا و باردا و هكذا، و أما إذا كان كل صفة علامة فيمكن أن يكون حارا و أصفر أو باردا و أحمر، فيحصل التعارض.

و هكذا لو قلنا: بأن الصفات لا تكون أمارة تعبدية أيضا، بل إرشاد إلى حصول الاطمئنان، فحيث يدور الحكم مدار الاطمئنان لا يبقى للنزاع مجال لأنه كلما حصل الاطمئنان بالحيض فهو، و كلما حصل بالاستحاضة فهي هي، و الحاصل لو قلنا بأنها خاصة مركبة على التعبد أو أنكرنا التعبد لا يبقى للمعارضة وجه.

أما بيان كون الصفات خاصة مركبة على ما هو التحقيق فهو، ان الروايات و ان كان في بعضها ذكر صفة أو صفتين و في بعضها ذكر جميع الصفات، و لكن عند التدبر نرى ان ما ذكر فيه جميع الصفات جمع بينهما بالواو العاطفة الدالة على الجمع لا بلفظه «أو» العاطفة الدالة على الترديد فيكون المجموع من حيث المجموع صفة، و ما ذكر فيه واحدة أو أكثر و لم يجمع الجميع من الصفات فيكون المراد منه ان هذا بعض العلامة، و روايات أئمتنا (عليهم السلام) بمنزلة رواية واحدة لأنهم (عليهم السلام) من دأبهم أن يأتوا بالقرائن المنفصلة.

269

و أما المحقق الخراساني فقال: بأن مقتضى القواعد هو ان كل واحدة علة مستقلة غير منحصرة، فلا تكون خاصة مركبة، و فيه ان مقتضى القواعد الأولية هو كون العلة مستقلة و منحصرة أيضا، فإذا كان كذلك فيكون مثل صورة تعدد الشرائط و اتحاد الجزاء مثل القول بأنه «إذا خفي الأذان فقصر و إذا خفي الجدران فقصر» حيث تعدد الشرط للقصر و هو خفاء الأذان و خفاء الجدران، و القاعدة تقتضي أن يرفع اليد عن استقلال كل علة و يحمل على انها جزء العلة، فإذا اجتمع الجميع يحصل المشروط، فمقتضى القاعدة أيضا يكون هو كونها خاصة مركبة مضافا الى ما ذكرناه من الروايات و ان في المقام قرينة على ذلك حسب جمعها بالواو لا ب‍ «أو».

قوله: فان كان بصفة الحيض يحكم بأنه حيضا و الا فإن كان في أيام العادة فكذلك و الا فيحكم بأنه استحاضة. (1).

أقول: ان العادة و الصفة على ما هو التحقيق من ان المدار على حصول الاطمئنان لا فرق بينهما و لا تقدم لاحديهما على الأخرى، و لكن على التعبد حيث ان العادة مقدمة في لسان الدليل فيكون المدار عليها و ان لم تكن العادة فالمدار على الصفة.

و كيف كان فمع وجودهما أو وجود إحداهما لا اشكال، و أما في صورة عدمهما فهل الدم محكوم بالاستحاضة أو يجب الاحتياط على مقتضى العلم الإجمالي بأن الدم اما حيض أو استحاضة، فيه بحث و استقر رأى المصنف على الأول حسب ما استفاد من صحيحة حماد (في باب 3 من الحيض ح: 1) و غيرها، فان كان المراد منها هو ان هذه الصفات بوجودها يدل على وجود الحيض و عدمها دليل على عدمه، فعليه يقال بأن العلم الإجمالي منحل لأن عدم الصفات حيث كان دليلا على العدم، و هو مدلول التزامي لوجود الصفات، فقد قام الدليل و هو الأمارة على عدم كون الدم حيضا فانحل العلم الإجمالي و بقي احتمال الاستحاضة فقط.

____________

(1) ان كان الدم بصفتها. لأن الروايات جعلت صفات الاستحاضة دليلا عليها و هو الظاهر منها لا ان كل دم ليس بحيض يكون استحاضة إذا دار الأمر بينهما.

270

ففيه انه مندفع لأن الظاهر من هذه الروايات ان الصفات بوجودها أمارة و لا تكون متعرضة لعدمها فلا مجال لجعل هذا سند فتوى المصنف (قده).

ثم انه لو كان صفات الاستحاضة أيضا دليلا على كون الدم استحاضة أيضا فينحل العلم الإجمالي حيث قامت الأمارة على تعيين جانب الاستحاضة فيسقط احتمال الحيضية فيكون هذا أيضا سند المصنف (قده) بأنه استحاضة.

ثم لا يخفى عليكم ان الاحتمالات تارة ثنائية و تارة ثلاثية أو أكثر فالثنائية هي أن يكون دوران الأمر بين الحيض و الاستحاضة فقط و الثلاثية هي أن يكون معهما احتمال القرحة أو البكارة أيضا أو هما معا معهما حتى يصير الاحتمال في أربعة أطراف و المتيقن من الروايات و فتوى المصنف صورة كونها ثنائية، ففي ما كان الاحتمال ثنائيا و لا يكون الدم في العادة و لا مع الصفة فالحق انه مع عدم الصفات يحكم بأنه استحاضة حسب ما هو المستفاد من صحيحة حماد التي أشرنا إليها فيما تقدم، و هكذا غيرها من الروايات فان المتيقن منها مورد كون الاحتمال ثنائيا.

و أما سائر الاحتمالات فيظهر بعضها فيما سيجي‌ء.

في اشتباه الحيض بدم البكارة

قوله: و ان اشتبه بدم البكارة يختبر بإدخال قطنة في الفرج و الصبر قليلا ثم إخراجها، فإن كانت مطوقة بالدم فهو بكارة و ان كانت منغمسة به فهو حيض.

أقول: انه يقع البحث في المقام أولا في ان الاحتمال تارة يكون ثنائيا كما يكون الاشتباه بين كون الدم من البكارة أو من الحيض و تارة ثلاثيا أو أكثر مثل أن يكون مشتبها بالاستحاضة أيضا و المتيقن من الروايات هو الثنائي.

و ثانيا: في انه هل يكون المستفاد من الروايات التي في هذا المقام الإرشاد حتى يكون المدار على الاطمئنان كما اخترناه في روايات صفات الحيض أو يكون أمارة تعبدية كما يميل اليه المحقق الخراساني في مقام، و صرح بالإرشاد في الصفات،

271

و الحق الفرق بينهما فإن الإرشادية لا بد أن تكون مستفادة من لسان الدليل و لا نستفيدها هنا، و نظير ذلك هو ان الاستصحاب له جهة كشف مثل الامارات، و لكن دليل الإمضاء لم يمض كشفه فهو أصل و أمضى جهة الكشف في خبر الواحد فهو امارة دونه.

و أما الروايات ففي باب 2 من الحيض باب ما يعرف به دم الحيض من دم العذرة فمنها (ح: 1) عن خلف بن حماد الكوفي في حديث قال: دخلت على أبى الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) بمنى، فقلت له: ان رجلا من مواليك تزوج جارية معصرا لم تطمث فلما افتضها سال الدم فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة أيام و ان القوابل اختلفن في ذلك، فقال بعضهن: دم الحيض، و قال بعضهن: دم العذرة، فما ينبغي لها أن تصنع، قال فلتتق اللّه، فان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر و ليمسك عنها بعلها و ان كان من العذرة فلتتق اللّه و لتتوضأ و لتصل و يأتيها بعلها ان أحب ذلك، فقلت له: كيف لهم ان يعملوا ما هو حتى يفعلوا ما ينبغي، قال: فالتفت يمينا و شمالا في الفسطاط مخافة أن يسمع كلامه أحد قال: ثم نهدا الىّ فقال: يا خلف سر اللّه- الى أن قال- ثم عقد بيده تسعين، ثم قال: تستدخل القطنة ثم تدعها مليا ثم تخرجها إخراجا رقيقا، فان كان الدم مطوقا في القطنة فهو من العذرة و ان كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض.

و تقريبها من جهة ان الاحتمال كان ثنائيا هو ان القوابل مع كونهن من أهل الخبرة ما احتملن الّا الحيض أو البكارة، و الامام (عليه السلام) يكون جوابه على طبق هذا السؤال.

و أما عدم كون التطويق و الانغماس إرشادا إلى الاطمئنان و كونهما أمارة تعبدية فهو من باب عدم التعرض فيها لما يشهد بذلك بخلاف ما مر في الصفات من قوله (عليه السلام) «ان الحيض دم يعرفه كل أحد» أو «ليس به خفاء» فان هذا و أمثاله دليل على الإرشاد كما مر، فالمتيقن من الرواية هو صورة كون الاحتمال ثنائيا.

و من الروايات أيضا رواية زياد بن سوقة (باب 2 من الحيض ح 2:) قال‌

272

سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل افتض امرأة أو أمته فرأت دما كثيرا لا ينقطع عنها يوما كيف تصنع بالصلاة، قال: تمسك الكرسف فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فإنه من العذرة تغتسل و تمسك معها قطنة و تصلى، فإن خرج الكرسف منغمسا بالدم فهو من الطمث تقعد عن الصلاة أيام الحيض.

و تقريبها أيضا واضح من جهة كون الاحتمال ثنائيا فإنه المتيقن.

و أما إذا كان الاحتمال ثلاثيا، فاما أن يكون الدم مقرونا بالصفات أو مقرونا بالعادة أو لا يكون كذلك، فعلى الثاني فهل تكون الروايات في الباب شاملة لهذه الصورة أم لا؟ فيه خلاف.

قال المحقق (قده) في المعتبر لا ريب انها أى القطنة إذا خرجت مطوقة كان الدم من العذرة، و أما إذا خرجت مستنقعة فهو محتمل أى محتمل لأن يكون حيضا أو غيره و عبارته (قده) هنا مطلقة من جهة كون الاحتمال ثنائيا أو ثلاثيا، فان المدار على كون القطنة مطوقة في الحكم بكون الدم من البكارة، و لذا حمل الشيخ الأنصاري (قده) عبارته على كون الاحتمال ثلاثيا حيث انه زعم ان الروايات في الثنائي دالة على ان المستنقعة حيض و لا يكون فيه احتمال غيره فما هو محتمل هو صورة كون الاحتمال ثلاثيا فان الحيض و الاستحاضة كلاهما مستنقعان.

أقول (1): ان احتمال كون الدم حيضا أو غيره حتى احتمال كونه من البكارة في صورة كون الاحتمال ثنائيا يكون باقيا فهو أيضا محتمل، لا صورة كون الاحتمال‌

____________

(1) أقول: ان الاحتمال الوجداني لكون الدم بكارة في صورة الانغماس أيضا لا يناسب ما ذكره صاحب المعتبر (قده) فإنه يكون في مقام بيان الحكم لا في مقام بيان ان الاحتمال في أي مورد يكون وجدانا، و في أي مورد لا يكون، فقوله محتمل أى يحتمل لأن يكون الدم من البكارة أو من الحيض و الاستحاضة بظن عدم شمول الرواية للمقام، أي رواية التطويق من حيث الحكم بأن الانغماس دليل الحيض أو يكون مراده انه محتمل بمعنى انه يدور أمره بين أن يكون حيضا أو استحاضة و كون التطويق في هذه الصورة أيضا علامة البكارة، و أما الانغماس فحيث يكون مشتركا بين الحيض و الاستحاضة فلا يعين أحدهما.

و هذا الاحتمال أولى بشأنه (قده) و لا يكون إلّا في صورة كون الاحتمال ثلاثيا و أما صورة كون الاحتمال ثنائيا، فحيث ان الأمارة التعبدية قامت على انه حيض بعد عدم التطويق و لا يكون الاحتمال الّا بين الاثنين لا يبقى لاحتمال غيره وجه و ان بقي في النفس احتمال كونه بكارة أيضا، و الّا فأي وجه لقوله (عليه السلام) «و ان كانت القطنة منغمسة فهو حيض» بل يلزم أن يقول ان كانت مطوقة فهو من العذرة و ان كانت منغمسة فيرجع الى صفات الحيض أو العادة و غيره، لا أن يحكم بأنه حيض.

ففي صورة كون الاحتمال ثنائيا لا يحتمل البكارة مع الانغماس شرعا و ان احتمل وجدانا، نعم في صورة كونه ثلاثيا فالتطويق علامة البكارة، و الانغماس لا يدل على الحيضية بل يلزم ملاحظة أمارات الحيض و الاستحاضة، لإطلاق روايات المقام كما ذكره (مد ظله) من هذه الجهة أي جهة كون الاحتمال ثنائيا أو ثلاثيا.

273

ثلاثيا فقط، الّا أن يقال ان وجود التطويق كما انه دليل على وجود دم البكارة كذلك عدمه أيضا دليل على العدم فحيث كان منغمسا لا يكون من البكارة حتما، و لكن نمنع ذلك فإن غاية ما يدل عليه هو ان وجوده علامة فقط، و أما كون عدمه دليلا على العدم فليس في وسع بيان وجود صفتها.

لا يقال ان الرواية حسب ما استفدناه من شهادة القوابل و انهن الخبراء على ان الدوران يكون بين الاثنين و هو الحيض أو البكارة مع إمضاء الإمام (عليه السلام)، تدل على ان الاحتمال لا يكون إلّا ثنائيا و في صورة التطويق يكون الدم محكوما بالبكارة و في صورة الانغماس يكون محكوما بالحيضية و مع ذلك لا يبقى وجه لاحتمال البكارة بعد الانغماس.

لأنا نقول يرد عليه أولا انه من أين ثبت ان القوابل من الخبراء و انه (عليه السلام) اعتمد على شهادتهن و حكم بذلك حتى يقال ان قوله مختص بصورة كون الاحتمال ثنائيا، و ثانيا ان رواية زياد بن سوقة التي مرت لا يكون فيها ذكر من القوابل بل من جهة كون الاحتمال ثلاثيا أو ثنائيا تكون من المطلقات.

274

و أما السؤال عن الحيض و فرض الجواب بالنسبة إليه فقط و الحكم بالحيضية فيكون من باب ان هذا الدم موافق لطبع المرأة غالبا و دم الاستحاضة قليل و هو خلاف الطبع، فلذا لم يجي‌ء في دائرة الجواب، و الّا فالانغماس لا يختص بالحيض فقط، بل هو مشترك مع غيره من الدماء الكثيرة التي خرجت من باطن المرأة، فإن سر التطويق هو كون الدم من أطراف المخرج لا ينزل من الباطن، فعلى أى تقدير ان الاحتمال الوجداني لا يذهب بواسطة قيام الأمارة التعبدية، فقول صاحب المعتبر معتبر في الثنائي و الثلاثي كليهما و التطويق علامة البكارة فيهما.

و أما صورة كون الاحتمال ثنائيا و كان مقرونا بالعادة أو بالصفات أو بهما مع كون الدم مطوقا، فيحصل التعارض بين روايات العادة و الصفات و هذه الروايات التي دلت على أمارية التطويق للبكارة، فعلى فرض القول بأن روايات تلك الباب تعبد في مقام رفع الشك في خصوص الحيض و الاستحاضة، خلافا فالصاحب المدارك القائل بأن تلك الصفات تكون في صورة كل اشتباه، فيرفع التعارض بتقديم روايات التطويق بنحو الحكومة لأنها دلت على ان الدم الذي كان محتملا بين كونه حيضا أو استحاضة حكمه كذا، و أما هذه الروايات فيكون موضوعها الاشتباه بين دم الحيض و البكارة و لا تكون مربوطة بذلك الموضوع، و ذاك الموضوع كان موضوع الحكم مع كونه من الباطن، و هذا يكون في الدم في المخرج و في الباطن.

و أما على فرض قول صاحب المدارك بأن الصفات لكل اشتباه حتى يشمل المقام أيضا، فيستقر التعارض بينهما، لأن هذه تدل على كونه من البكارة و تلك على كونه من الحيض فتتساقطان (1).

____________

(1) أقول: هذا على مبنى القائل بالتعبد في أدلة الصفات، و أما على مسلك الأستاذ (مد ظله) تبعا للمحقق الخراساني في باب الصفات و هو كونها للإرشاد و ان المدار على الاطمئنان فيها و في العادة، فإذا وجدت الصفات و حصل الاطمئنان بأنه حيض و كانت مطوقة، فإن قلنا بأن الاطمئنان هنا يكون مثل القطع فلا يبقى للتعبد مجال فيسقط علامية التطويق للبكارة و ان كانت العلامية في التطويق على رأى الأستاذ (مد ظله) تعبدية خلافا للمحقق الخراساني الذي يميل الى كون التطويق أيضا إرشادا لأن التعبد لا يأتي في مورد القطع.

و أما ان قلنا ان منشأ هذا الاطمئنان أيضا أمارة فتتعارض الأمارتان، و لكن الإنصاف انه مع حصول الاطمئنان بأنه حيض لا يبقى مجال لاحتمال البكارة حتى نحتاج الى تقديم التطويق و عدمه، و مع عدم حصوله فلا يكون لدليل الحيضية اقتضاء و لكن يكون لدليل التطويق اقتضاء، فيمكن أن يقدم و يحكم بما اقتضاه و لم يذكره (مد ظله) في الدرس، و أما في صورة كون الاحتمال ثلاثيا، فيجب أولا ملاحظة ان الدم من الحيض بواسطة الصفات أو العادة أو من الاستحاضة، ثم ان حصل الاطمئنان بأحدهما فالكلام فيه كما في الثنائي و ان لم يحصل، فيقدم أمارية التطويق.

275

و أما صورة كون الاحتمال ثلاثيا و كون الدم مع الصفات المذكورة بأن يكون محتملا لكونه حيضا أو استحاضة أو بكارة و حصل التطويق بعد الاختيار، فأيضا مثل الصلاة السابقة من ان الصفات إذا كانت مختصة بدوران الأمر بين الحيض و الاستحاضة فلا تشمل المقام و تبقى روايات التطويق بلا معارض و أما على فرض الاختصاص فيحصل التعارض و التساقط.

قوله: و الاختبار المذكور واجب فلو صلت بدونه بطلت (1) و ان تبين بعد ذلك عدم كونه حيضا إلا إذا حصل منها قصد القربة بأن كانت جاهلة أو عالمة أيضا إذا فرض حصول قصد القربة مع العلم أيضا.

أقول: انه لا بد من التعرض هنا لأمور: الأول: انه هل يختص أمارية التطويق بصورة كون المرأة مبتدئة بمعنى انها رأت دما بعد الافتضاض فشكت في أنه من البكارة أو انه حيض حدث في هذا الحين، أو يشمل حتى صورة كون الحالة السابقة حيضا فشكت في كون الدم حدث من البكارة أم لا، أو كانت الحالة السابقة بكارة‌

____________

(1) هذا إذا صدق التجري لعلمه بعدم إتيان ما هو الشرط في العمل، و لكنه مع عدم العلم بالحرمة فمندفع الّا ان يقال بالحرمة الذاتية في صلاة من هي الحائض واقعا، و فيه تأمل مع عدم تمشي قصد القربة في هذا الصورة و أما إذا تمشي منه قصدها، فتصح صلاتها، و المسألة بعد تحتاج إلى تأمل.

276

فشكت في حدوث الحيض؟ فيه بحث و الظاهر عدم اختصاص الأخبار من حيث أمارية الصفات بمورد دون آخر فان التطويق علامة البكارة مطلقا خصوصا إطلاق رواية زياد بن سوقة لا اشكال فيه فلا وجه لاختصاص الأمارية بمورد دون مورد، غاية الأمر إذا كانت الحالة السابقة البكارة و حصل التطويق بعد الاختبار يعلم موافقة الامارة للحالة السابقة و ان كانت حيضا ثم حصل الانغماس يعلم موافقة الأمارة لها و ان خالفت الحالة السابقة يجب العمل على طبقها لأنها أمارة تقدم على الأصل، فالأمارية مطلقة.

ثم انه هل يختص الأمارية أيضا بصورة العلم بالافتضاض أو تكون حتى مع الشك فيه؟ فيه بحث و ظاهر الروايات هو صورة حصول العلم بالافتضاض فإنه يكون موردها و من جهة عدم خصيصة للمورد يقال بشمولها للمقام أيضا كما يستفاد من إطلاق رواية (1) زياد بن سوقه (في الوسائل باب 2 من الحيض ح: 2) فمن إطلاقه الأمارية هنا أيضا يمكن منع أصالة عدم الافتضاض و بقاء البكارة فيمكن التعويل على الإمارة في المقام أيضا.

ثم انه هل يجب الفحص في جميع الموارد أم يختص بالمبتدئة؟ فيه بحث و الظاهر ان الفحص أيضا واجب لأن الأمارية مطلقة ففي صورة كون الحالة السابقة حيضا يجب الفحص، ثم انه على فرض الشك في الافتضاض فان قلنا بإطلاق الأمارية و وجوب الفحص فهل خروج القطنة مطوقة يصير دليلا على زوال البكارة أم لا؟ فيه‌

____________

(1) أقول: لا إطلاق لها من هذه الجهة بل هي أيضا في مورد الافتضاض، و أما الإطلاق من جهة كون الحالة السابقة حيضا أو غيره فلا كلام فيه، و ان كان الظاهر من رواية خلف بن حماد (في باب 2 من الحيض ح: 1) انها كانت لم تطمث الى حين الافتضاض، و لكن يمكن ادعاء شمول الأمارة لصورة الشك في الافتضاض لأن بعض الموارد يكون الشك في البكارة بعد الإيلاج من باب الشك في أصل وجود البكارة، و تارة يكون الشك من باب احتمال حصول الحيض قبل الافتضاض و بعد الإيلاج قليلا و حيث لا يكون احتمال آخر غير كونه بكارة أو حيضا يمكن أن يكون ما ذكره (عليه السلام) ضابطة كلية في كل مقام.

277

بحث، و الظاهر كما مر عموم الأمارية فحيث خرجت مطوقة يثبت زوال البكارة أيضا إذا كان دوران الأمر بين الحيض و البكارة كما هو مفروض البحث، فتحصل ان الحق الأمارية و وجوب الفحص في كل مورد.

الأمر الثاني: في انه هل يكون وجوب الاختبار شرطيا تعبديا أو طريقيا، فعلى الأول إذا ترك الاختبار و اغتسلت وصلت فظهر عدم كون الدم حيضا يكون صلاتها باطلة لفقد الشرط و على الثاني تكون صحيحة، فيه كلام.

و الحق انه لا مجال لتوهم الشرطية كما هو واضح لأن الاختبار يكون لاتضاح ما شك فيه و يكون السؤال و الجواب في الروايات لذلك لا من باب انه واجب تعبدي فما ينسب الى الشيخ الأنصاري و أمثاله من عدم صحة الصلاة لا يكون وجهه الوجوب الشرطي بل يمكن أن يكون من باب ان الامتثال التفصيلي حيث يمكن بقصد الصلاة تفصيلا لا يكفى الامتثال الإجمالي كما عليه شيخنا النائيني في سائر الموارد فيكون روايات وجوب الاختبار في المقام دليلا له على وجوب الامتثال التفصيلي في جميع الموارد أو في خصوص المورد و دليلا على عدم كفاية الامتثال الإجمالي أو يكون كلامهم من باب احتمال ان صلاة الحائض تكون حرمتها ذاتية فيكون إتيانها في صورة عدم كونه حيضا في الواقع تجريا بخلاف من يقول بأنها لا حرمة ذاتية لها مع القول بأن التجري كما انه يكون له قبح فعلى و فاعلي يسرى قبحه الى الفعل أيضا.

فعلى هذا لا يكون هذه الصلاة مقربة و لو شك في الحرمة الذاتية أيضا لا يمكن التقرب فمن أنكر الحرمة الذاتية أو أنكر سراية القبح الى الفعل لا يكون له أن يقول ببطلان الصلاة و يمكن إتيانها رجاء.

و الحق هو ان الظاهر من الروايات الدالة على ترك (1) الاحتياط في المورد‌

____________

(1) أقول: انه لا تكون الروايات في المقام في صدد ان الاحتياط ممكن أم لا بل في صدد ان هذا طريق من يكون في الشك و يريد خروجه عنه، و أما الاحتياط بالجمع بين أحكام الحائض و الطاهر فلا تكون هي في صدد نفيه بل يرجع في ذلك الى سائر الأدلة.

278

فيجب الاختبار و لا سبيل الى الاحتياط.

قوله: و إذا تعذر الاختبار يرجع الى الحالة السابقة من طهر أو حيض و إلا فتبني (1) على الطهارة لكن مراعاة الاحتياط أولى، و لا يلحق بالكبارة غيرها كالقرحة المحيطة بأطراف الفرج.

أقول (2): هذا الفرع هو الأمر الثالث من الأمور التي مر بيان أمرين منها‌

____________

(1) بل لا يترك الاحتياط بالجمع بين أحكام الطاهر و الحائض في هذا الفرض

(2) أقول: ان رجوع المصنف (قده) الى الاستصحاب يقوى في النظر أن يكون من باب سقوط الخطاب و الملاك بالاضطرار فلا يكون لدليل الاختبار إطلاق.

و لا يكون الجزئية في المقام حتى نقول بأن المركب إذا تعذر جزئه أو شرطه بمقتضى إطلاق الدليل يسقط من صله بل هنا عمل واحد و يكون إتيانه متعذرا فعلى التحقيق مع سقوط الملاك عند سقوط الخطاب يكون الطريق ما ذكره، و لكن بعد في الذهن شي‌ء و هو ان الدليل هنا ليس تعبدا محضا بل يكون كالأخبار بأن هذا هو طريق التميز و لو في حين الاضطرار، و لكن يمكن أن يقال انه في المقام لا يكون لنا الطريق و لا يمكن انحلال هذا الطريق الى هذا الفرد المضطر اليه أو يكون فتوى المصنف من باب الميل الى ما يميل اليه المحقق الخراساني في المقام، و هو ان دليل الاختبار يكون لحصول الاطمئنان و لا تعبد فيه أصلا.

فعلى هذا حيث لم يحصل الاطمئنان في صورة الاضطرار فيرجع الى الاستصحاب لأن الصفات مختصة بصورة كون الاشتباه بين الحيض و الاستحاضة و هكذا قاعدة الإمكان مختصة بذلك مع انها في أصلها تأمل.

و لكن هذا خلاف ظاهر الدليل فان ظاهره انه تعبد لرفع الشك بخلاف أدلة الصفات لما مر في محله، و أما بناء المصنف (قده) على الطهارة مع عدم العلم بالحالة السابقة فمشكل من باب انه على فرض عدم المورد للاستصحاب و عدم تطبيق أدلة الصفات، و قاعدة الإمكان لا وجه للقول بالطهارة أو الرجوع الى القواعد، فيجب الاحتياط.

279

قبل هذا المتن.

و الأقوال في هذا ثلاثة: الأول هو انه بعد عدم القدرة على الاختبار يرجع الى القواعد الأخر مثل الاستصحاب لو كان للدم حالة سابقه في الحيضية أو قاعدة الإمكان أو أمارية الصفات أى صفات الحيض كما عن المحقق الهمداني (قده).

و القول الثاني: الاحتياط بالجمع بين أحكام الطاهر و الحائض بالاحتياط الوجوبي للعلم الإجمالي بأنه إما حيض أو بكارة مع عدم تطبيق سائر القواعد لحكومة دليل التطويق عليها و عدم إمكان الاختبار.

و القول الثالث: ما عن المصنف (قده) من الرجوع الى الحالة السابقة من طهر أو حيض و إلا فتبني على الطهارة و الاحتياط بالجمع بين أحكام الطاهر و الحائض مستحب.

فنقول: لتوضيح المقام انه إذا صار شي‌ء من الأشياء جزءا أو شرطا لتكليف فاما أن يكون لدليل الجزء أو الشرط إطلاق يشمل صورة الاضطرار أو الاختيار أو لا يكون له إطلاق، فعلى الأول لا يسقط الشرطية عند الاضطرار و على الثاني فلا بد من ملاحظة الأصل في ذلك.

ففي المقام نقول: جعل طريق إحراز كون الدم بكارة أو حيضا هو التطوق و عدمه.

فعلى المسلك الأول حيث يكون له إطلاق حتى في صورة الاضطرار فيكون هو الحاكم على سائر الأدلة من الصفات و الاستصحاب و قاعدة الإمكان لأن الطريق منحصر فيه و هو غير مقدور و الاضطرار يوجب سقوط الخطاب لا الملاك، و حيث يكون الاختبار أيضا غير ممكن فلا محالة يجب العمل على مقتضى العلم الإجمالي بين الحيض و البكارة و هو الاحتياط بالجمع بين أحكام الطاهر و الحائض.

و أما على المسلك الثاني (1) فحيث يسقط الأمارية في صورة الاضطرار فيرجع‌

____________

(1) و هكذا ما احتمله الآخوند (قده) في السابق من البيان بأن التطويق أيضا ليس من الأمارات التعبدية بل إذا حصل منه الاطمئنان فحيث لم يحصل هنا يرجع الى سائر القواعد، و لا حكومة في البين، فيلزم أن يكون السر هو سقوط الخطاب بالاضطرار لو ثبت أنه قائل بذلك في سائر الفروع.

280

الى القواعد الأخر و لا حكومة لدليل التطوق، و قال المحقق (قده) في صورة كون الحالة السابقة الحيض لا يشمل دليل النطوق له حتى في صورة الاختيار فضلا عن الاضطرار فيكون المرجع هو الاستصحاب لأن الدليل مختص بصورة عدم كون الحالة السابقة حيضا لأن مورد الروايات يكون صورة كون رؤية الدم بعد الافتضاض أما الدم قبله فلا يشمله ذلك الدليل، و هو مندفع عندنا لأن الدليل مطلق يشمل حتى صورة كون الافتضاض في حال الحيض أيضا.

و على أى تقدير لا يكون المرجع الصفات و ان كان للاستصحاب على مسلكه مجال لأن دليل الصفات على فرض الإطلاق يكون محكوما لدليل التطوق و على فرض عدمه فحيث يكون مختصا بصورة كون الاشتباه بين الحيض و الاستحاضة، لا يشمل المقام حيث يكون الاشتباه بين الحيض و البكارة.

نعم على مسلك صاحب المدارك قده من عموميته لكل اشتباه فلتمسكه به في المقام مجال، و أما قاعدة الإمكان أيضا فهو أيضا كذلك لأنها على فرض تماميتها تكون في الدوران بين الحيض و الاستحاضة إلا مع القول بالأعمية أيضا و مع عدم صفات الحيض لا إمكان أيضا سيما مع استصحاب الطهارة.

فتحصل ان استصحاب المصنف للحيض أو الطهر لو كانت الحالة السابقة معلومة مبنى على مسلك المحقق (قده) و اختصاص (1) دليل التطوق بصورة رؤية الدم ابتداء، و أما قوله بالطهارة فيما لا يعلم حالته السابقة فربما يقال انه يكون من باب التمسك بعموم وجوب الصلاة و الصوم ببيان ان هذا الدليل عام يشمل صورة‌

____________

(1) أقول: ان استصحاب الحيض مبنى عليه. و أما استصحاب الطهر فلا، لأن رؤية الدم بعد الطهارة تكون ابتدائية و يشمله دليل التطوق الا أن يقول بعدم شموله لصورة الاضطرار أصلا.

281

كون المرأة رائية للدم و عدمه فإذا خصص بصورة كون المرأة حائضا فيكون التخصيص بما هو المتيقن من الحيض و يبقى الباقي تحت العموم و المقام حيث يكون الدم، مشكوك الحيضية فنتمسك بعموم وجوب الصلاة و الصوم.

و الجواب عنه هو ان هذا يكون من أقوى مصاديق التمسك بالعام في الشبهة المصداقية و قد تقرر في الأصول انه غير جائز لعدم تكفل العام لبيان حكم فرده و تعيين موضوعه، و هذه الفتوى و أمثالها هي السر في أن يقال ان المصنف يتمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

ثم انه قد قيل في المقام تقريرا لمرامه بأن الأصل هنا يقتضي عدم كون هذا الدم من الرحم لأن دم الحيض يخرج من الرحم دون غيره فهذا الدم قبل وجوده لم يكن منه فبعده أيضا يستصحب عدمه.

و فيه ان هذا مبنى على جريان الأصل في العدم الأزلي في المقام فمن قائل بعدم جريانه كما عن شيخنا النائيني (قده) و لكنه من العجب انه لم يعلق تعليقته على كلام المصنف في تعاليقه عليه.

و من قائل بالتفصيل بين آثار الوجود و آثار الماهية بجريان الأصل في الأول دون الثاني و حيث يكون المقام من قبيل (1) الأول فنحن نقول بجريان الاستصحاب فكلام المصنف (قده) هو المؤيد.

قوله: و ان اشتبه بدم القرحة فالمشهور ان الدم ان كان يخرج من الطرف الأيسر فحيض و الا فمن القرحة.

أقول: ان الأقوال في اشتباه دم الحيض بالقرحة ثلاثة: الأول: ما عن المشهور‌

____________

(1) أقول: انه لا يكون المقام من هذا القبيل لأن هذا الدم من أول الوجود غير معلوم الحال في انه هل وجد حيضا أو غيره، و هذا بخلاف صورة كون الشك في علم زيد مع العلم بعدمه حين عدم زيد كما هو مثاله (مد ظله) في سائر المقامات للتفكيك بين آثار الوجود و الماهية.

282

و هو ان الدم ان خرج من الطرف الأيسر فهو حيض. الثاني: و عليه جماعة هو ان خروجه من الطرف الأيمن من الفرج يكون علامة الحيضية و الثالث: عن المدارك و هو سقوط الاختبار كذلك بل لا بد من الرجوع الى القواعد الأخر كما عن المحقق و المسالك و الأردبيلي و تلميذه.

ثم ان الاختلاف في الأقوال ناش عن الاختلاف في سندها و هو الرواية لاختلاف النسخ فيها، ففي التهذيب تكون موافقة للمشهور و في الكافي مخالفة لهم.

ففي التهذيب بإسناده عن محمد بن يحيى مرفوعا عن أبان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)، فتاة منا بها قرحة في جوفها و الدم سائل لا ندري من دم الحيض أو من دم القرحة، فقال (عليه السلام): مرها فلتستلق على ظهرها ثم ترفع رجليها و تستدخل إصبعها الوسطى فان خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض و ان خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة.

و أما رواية الكافي فبخلاف هذه ففيها «فان خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض و ان خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة» (في الوسائل باب 16 من أبواب الحيض ح: 2).

و أما قول صاحب المدارك و المحقق بسقوط الاختبار فهو يكون من باب الإشكال في سند الرواية عن التهذيب و هو الإرسال و اضطراب المتن فيه و في الكافي، فلا وجه لتقديمها على القواعد، و أيضا لا يساعدها الاعتبار لأنه لا يكون غالبا كذلك في العرف بخلاف مثل البكارة و الحيض فان علاماتها غالبية، فإن دم القرحة يمكن خروجه من الجانب الأيسر و الأيمن و من الجانبين.

و الشاهد عليه ان المحقق النراقي (قده) يقول انا سئلنا عن كثير منهن و تقول لا أدرى و لم يذكر إحداهن هذه العلامة، مضافا الى ان خروجه من الأيسر يدفع كون الدم من القرحة و لا يدفع كونه استحاضة.

283

فأقول (1) تارة يكون البحث على فرض كونها رواية واحدة و وقوع السهو‌

____________

(1) أقول: ان ملاك كون ما صدر عن الامام (عليه السلام) روايتين هو كون المضمون و المفاد مختلفا و لا طريق لنا إثباتا إلى التعدد الّا هذا فإنه من الواضح ان طبقات الإسناد إذا كانت واحدة حتى الراوي الأخير مثل الكافي و التهذيب مثلا و كان مفاد احدى الروايتين وجوب الصلاة و اخرى وجوب الزكاة أو إحداهما وجوبها و اخرى عدم وجوبها مثلا تكونان روايتين، ففي المقام أيضا لا طريق لنا الى التعدد الّا تعدد المفاد و هو اعتبار الأيسر في إحداهما في الحكم بالحيضية و اعتبار الأيمن في الأخرى، فهما روايتان متعارضتان.

و لا طريق لنا الى تقديم إحداهما على الأخرى إلّا ما ادعى من الشهرة على قول الشيخ (قده) و بعضهم ادعى مثل صاحب المستمسك (قده) إنها متحققة رواية و فتوى و فيه ان الشهرة الروائية غير متحققة في المقام لأن ما كان سندا للمشهور يكون رواية الشيخ و هي واحدة و نقلها في رسالة والد الصدوق مع عدم كون السند بأيدينا و أمثال ما ذكر في الجواهر لا توجب الشهرة الروائية لان الناطق فيها هو كون الراوي عن الامام (عليه السلام) متعددا لا من تأخر عنه بنقل رواية في كتب عديدة فقوله (عليه السلام) خذ بما اشتهر بين أصحابك على فرض اختصاصه بالشهرة الروائية لا يشمل المقام.

و اما الشهرة الفتوائية فهي أيضا لا يمكن ان يعتمد عليها في المقام لأن المتأخرين منهم كان سندهم هو رواية الشيخ (قده) و حيث كان فقيها مرجعا للدين فقد أخذ تلامذته و تلامذة تلامذته بقوله اعتمادا بروايته، على ان مقابل قولهم أيضا لا يكون من الشاذ النادر بل جمع كثير منهم مخالف لذلك كما في مفتاح الكرامة و الجواهر و اما الكليني (قده) فلم يكن الّا راويا و ما كان في مثل مسير الشيخ (قده) حتى ينقل عنه فتوى أو يتبعه غيره.

و أما المتقدمون منهم أيضا فلا يكون الكلام متسالما بينهم بحيث يوجب الاطمئنان و الوثوق بأن غيرهم كان على خطأ و الكتب الفقهية مملوة بالشهرة المنقولة و اما الشهرة المحصلة فيها فهي ما ذكرناه.

نعم من قول المخالف للشيخ و الموافق للكليني يمكننا استفادة ان في المقام كانت رواية و لا يشكل عليها بالإرسال و لكن أيتهما هي الصحيحة لا نعلمها فحيث تعارضتا تتساقطان لأن كل واحدة منهما ينفى بالالتزام مفاد الآخر فيرجع الى قول المحقق القائل بعدم العلامية في المقام.

و أما حكاية فتوى الشيخ مع نقله الرواية مؤيدا لها، ففي مقابلها أضبطية الكليني في النقل فما ذكروه من تقديمها بذلك لا وجه له، و كيف كان لا يمكن الاعتماد على مثل هذه الرواية، فالأقوى ما ذهب اليه المحقق (قده) و لكن مراعاة الاحتياط أيضا حسن في غاية الحسن، و اللّه العالم.

284

في إحداهما أو يكون البحث في أنها روايتان في واقعتين، فعلى الأول كما عن الشيخ في الطهارة و عن المحقق الخراساني في الرسالة، ربما يقال بأن ما في التهذيب مقدم على ما في الكافي في لتعمد الشيخ على الفتوى بمضمون الرواية في كتبه الفتوائية فكان ملتفتا الى الضبط غاية الالتفات.

و أما الكليني فحيث لم يكن له فتوى على طبق ما ينقل في غير كتاب الكافي فيمكن أن يكون السهو منه في ضبط الحديث و استنساخه من الأصل، فعلى هذا أصالة عدم سهو الشيخ مقدمة على أصالة عدم سهو الكليني.

و أما ضعف الرواية بالإرسال فهو منجبر بعمل المشهور عليها، و أما اضطرابها فيكون منتفيا بعد تقديم إحداهما بما ذكر من القرائن، و أما ما ذكره النراقي (قده) من الفحص و استبعاد أمارية ما ذكر فهو أيضا مندفع لان كثيرا من التعبدات يكون كذلك و لا ربط له بفهم العرف و لا اعتناء بقول النساء.

و أما احتمال كون الدم استحاضة فمندفع بأن الفرض يكون في صورة انحصار الاحتمال بين الحيض و القرحة، و لا يكون احتمال الاستحاضة في البين أصلا.

ثم انه على فرض عدم تقديم إحداهما على الأخرى فهل يرجع الى مرجحات باب التعارض أم لا؟ ربما قيل بأنه على فرض وحدة الرواية لا يأتي قواعد التعارض فيها لانه يدور الأمر بين الحجة و الحجة و ذلك الباب يكون في دوران الأمر بين الحجتين فيرجع الى القواعد الأخر كما عن الشيخ و المحقق الخراساني على الفرض.

و لكن يمكن أن يكون من ذاك الباب لان الملاك الذي يكون في الروايتين يكون في المقام أيضا، فإن الروايتين المضادتين اما أن يكون الخلل فيهما من حيث‌

285

الجهة أي احتمال كون إحداهما تقية بعد الفراغ عن الصدور، و اما ان يكون في الصدور و هو أيضا تارة من باب تعمد كذب الراوي أو سهوه.

ففي المقام نقول: بأنه يكون من باب سهو الكليني أو الشيخ و هما أيضا راويان و ان كان سند الرواية واحدا الى الوصول إليهما فلا إشكال في اعمال مرجحات باب التعارض:

و أما ما قيل من الرجوع الى القواعد الأخر بعد عدم اعمال المرجحات فهو أيضا غير تام لان القواعد الأخر اما ان تكون هي الصفات و هي مختصة بصورة دوران الأمر بين الحيض و الاستحاضة الّا على قول صاحب المدارك بالعمومية فلا تشمل المقام و كذلك قاعدة الإمكان على فرض تسليمها.

و أما الاستصحاب فهو يكون مختصا بصورة وجود الحالة السابقة للمرأة لأن الامارة بعد سقوطها لا أثر لها فيكون المورد مجرى الأصل لكن في مورد إمكان جريانه، فعلى هذا فالمرجع لا بد أن يكون عمومات الصوم و الصلاة و القول بالطهارة و لكن حيث يكون التمسك بها من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية فلا مجال الّا للقول بالاحتياط بين أحكام الطاهر و الحائض بمقتضى العلم الإجمالي.

و أما على فرض كونهما روايتين بأن تكونا في واقعتين فالمرجع هو العمومات الواردة في الترجيح و حيث يكون رواية الشيخ أشهر و عليه فتوى المشهور فيقدم و اعراضهم عن الأخرى يوجب سقوطها.

ثم انه على فرض عدم التقديم بذلك فقال المحقق الهمداني بأنه لا تصل النوبة إلى التخيير للعلم بكذب أحدهما، و لكنه مندفع بان الروايات المتعارضة كما مر احد طرق تصوير التعارض فيها هو العلم بكذب إحداهما، فتنطبق قاعدة المرجحات هنا و مع فقد المرجح فيرجع الى أصالة التخيير.

و اما الاحتياط فقيه إشكال في جميع الموارد الذي يكون احد طرف العلم هو العلم بالحيض و هو ان صلاة الحائض على فرض حرمتها الذاتية كيف يمكن الإتيان‌

286

بها فان الاحتياط غير ممكن فيها، نعم مع احتمال الحرمة الذاتية فالإتيان رجاء على مسلك شيخنا العراقي جائز، بخلاف مسلك المشهور، و لكن في المقام لا تصل النوبة إليه بل الحق مع المشهور.

ثم انه إذا كان الاحتمال ثلاثيا بان يكون دوران الأمر بين الحيض و الاستحاضة و القرحة فهل يمكن شمول الرواية له أم لا؟ فيه خلاف، فمن قائل بعدم الفرق بين الثنائي و الثلاثي لأن الخروج من الأيسر يكون له علامية للقرحة سواء كان الاشتباه مع الحيض أو الاستحاضة أو مع كليهما و لكن المورد يأباه لأن الأمارية تكون مجعولة في هذا المورد و لا يمكن التعدي عنه و بعد سقوط الأمارية في الثلاثي فقيل بأن المرجع القواعد الأخر و لكن قد مر بأن الصفات مختصة بالحائض و المستحاضة و هكذا قاعدة الإمكان، فلو كان لها حالة سابقه من الحيض أو الاستحاضة أو الطهارة تبنى عليها، و الّا فالواجب عليها الاحتياط.

قوله: الا أن يعلم أن القرحة في الطرف الأيسر (1) لكن الحكم المذكور مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع بين أعمال الطاهر و الحائض و لو اشتبه بدم آخر حكم عليه بعدم الحيضية، الا يكون الحالة السابقة هي الحيضية.

أقول: انه لا يكون صورة العلم بعدم حيضية ما في الطرف الأيسر من باب العلم بأنه قرحة مذكورا في كلام المشهور و لم يكن النص أيضا متعرضا له و لكن مع العلم تكون الأمارية ساقطة لأنها في مورد الشك لا في مورد العلم، و قد مضى شطر من الكلام في ذلك في شرح المتن المتقدم فارجع اليه.

و لا يفهم من الرواية ضابطة التعاكس بمعنى كونها في صدد بيان ان كلما كان الدم في الطرف الأيسر فهو قرحة فالحيض يكون في الطرف الأيمن و كلما كان الدم في الطرف الأيسر حيضا فتكون القرحة في الطرف الأيمن حتى نحكم في المقام‌

____________

(1) بل الأقوى عدم علامية ما ذكر فالمرجع سائر القواعد و ان كان الاحتياط هنا لكثرة الأقوال نفيا و إثباتا في غاية الحسن.

287

بأن الحيض يكون في الطرف الأيسر لما ذكرنا من عدم الأمارية في صورة العلم فيجب الرجوع الى الاستصحاب ان كان له حالة سابقه، و الّا فالاحتياط، لعدم تطبيق القواعد الأخر لما مر، و عدم تطبيق عمومات الصوم و الصلاة، لأن المقام من الشبهة المصداقية لها و لا نتمسك بها فيها.

أقل الحيض ثلاثة أيام و أكثر عشرة أيام

[مسألة 6: أقل الحيض ثلاثة أيام]

مسألة 6: أقل الحيض ثلاثة أيام و أكثره عشرة فإذا رأت يوما أو يومين أو ثلاثة إلا ساعة مثلا لا يكون حيضا كما ان أقل الطهر عشرة أيام و ليس لأكثره حد و يكفي الثلاثة الملفقة فإذا رأت في وسط اليوم الأول و استمر الى وسط اليوم الرابع يكفي في الحكم بكونه حيضا. و المشهور اعتبروا التوالي في الأيام الثلاثة.

نعم بعد توالى الثلاثة في الأول لا يلزم التوالي في البقية. فلو رأت ثلاثة متفرقة في ضمن العشرة لا يكفى. و هو محل اشكال (1)، فلا يترك الاحتياط بالجمع بين أعمال المستحاضة و تروك الحائض فيها. و كذا اعتبروا استمرار الدم في الثلاثة و لو في فضاء الفرج و الأقوى كفاية الاستمرار العرفي و عدم مضرية الفترات اليسيرة في البين، بشرط ان لا ينقص من ثلاثة بأن كان بين أول الدم و آخرة ثلاثة أيام و لو ملفقة، فلو لم تر في الأول مقدار نصف ساعة في آخر اليوم الثالث لا يحكم بحيضيته، لانه يصير ثلاثة إلا ساعة مثلا. و الليالي المتوسطة داخلة فيعتبر الاستمرار العرفي فيها أيضا، بخلاف ليلة اليوم الأول و ليلة اليوم الرابع فلو رأت من أول نهار اليوم الأول إلى آخر نهار اليوم الثالث كفى.

____________

(1) بل الأقوى عدم كون الثلاثة في ضمن العشرة حيضا و لا يجب الاحتياط من هذه الجهة.

288

أقول: ان هذا التحديد بين الثلاثة و العشرة لا خلاف فيه كما عن السرائر و ادعى الإجماع عليه كما عن الخلاف و الغنية و المنتهى و الذكرى و التنقيح و جامع المقاصد و المدارك و غيرها و عن المعتبر انه مذهب فقهاء أهل البيت و عن الأمالي نسبته الى دين الإمامية، و الدليل عليه روايات في باب 10 من أبواب الحيض فمنها ح: 1 عن معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: أقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام و أكثره ما يكون عشرة أيام و هكذا ح 2 و 3 و 4 و 6 و غيرها.

و تقريب الدلالة واضح و يعارضها روايات في الباب مثل موثقة إسحاق بن عمار (ح: 13) قال: سألت أبا عبد اللّه عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين قال (عليه السلام): «ان كان الدم عبيطا فلا تصل ذينك اليومين و ان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين».

و موثقة سماعة أو مضمرته (في باب 14 من أبواب الحيض ح: 1) قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض فتقعد في الشهر ثلاثة أيام يختلف عليها و لا يكون طمثها في الشهر عدة أيام سواء قال: فلها ان تجلس و تدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة فإذا اتفق الشهر ان عدة أيام سواء، فتلك أيامها و صحيحة ابن سنان (باب 10 من الحيض ح 14) «ان أكثر ما يكون من الحيض ثمان و ادنى ما يكون منه ثلاثة».

و هذه الرواية تكون معارضة من طرف واحد و هو الأكثر و اما في الثلاثة و هي الأقل فتكون موافقة لما دل على ذلك و غيرها تكون في كلا الطرفين معارضة لها، و الجمع بين هذه الروايات هو ان يقال بأن إعراض المشهور عن الطائفة الثانية و إنفاقهم على العمل بالأولى يوجب سقوط الثانية و العمل بالأولى، أو يقال على فرض عدم الاعراض فالجمع بان يقال ان تلك الروايات كانت عامة و شاملة لكل مورد و هذه تكون في موارد خاصة و هي ان البكر و الحبلى في روايتي إسحاق و سماعة تكونان موضوع الحكم. فنقول هما بالخصوص تكونان خارجتين عن الحكم العام الذي هو ان أقل‌

289

الحيض ثلاثة و أكثره عشرة.

ثم ان المحقق الخراساني قال في المقام بأن ما دل على التحديد يكون في صورة الشك في الحيضية و ما دل على الإطلاق يكون موردها صورة العلم بالحيضية فان شك في الدم انه حيض أم لا، يجعل المناط على الأقل و الأكثر، و اما إذا علم بأنه حيض فلا وجه للتحديد و هذا القول منه (قده) يكون على حسب ما قاله في أدلة الصفات فان في ذلك المقام احتمالات ثلاثة فهكذا في المقام أيضا فإن ما دل على التحديد اما ان يكون معناه ان الخارج عن العشرة و الأقل من الثلاثة ليس بحيض تكوينا أو يكون حيضا و لكن لا يترتب عليه الأثر، فإن الأثر يكون بعد الثلاثة و قبل العشرة أو يكون لبيان الحكم في مورد الشك، اما عدم كونه حيضا تكوينا فلا طريق اليه لعدم شاهد في الروايات يدل على انه يعرفه كل احد مثل ما قال (عليه السلام) في دم الحيض «انه دم يعرفه كل احد»، و أما احتمال كون الدم حيضا غير مؤثر للحكم فإنه أيضا بعيد، فيبقى ان نقول انه يكون لبيان الحكم لمورد الشك فلا أثر للتحديد في صورة العلم بالحيضية.

و قد أشكل عليه بأن هذا التقريب خلاف الإجماع و يمكن الجمع بينهما بحمل المطلقات على المقيدات و القول بأن ما دل على التحديد في غير الحبلى و البكر.

و فيه ان الروايات بعضها عام و بعضها في خصوص الحبلى و البكر و بعضها من الطائفة الثانية أيضا تشمل غيرهما و لكن لا تكون الطائفة الثانية في خصوص صورة العلم بل من الإرجاع إلى الصفات فيها نفهم انه كان لرفع الشك فالحق ان يقال انه لا استبعاد في ان يكون الدم حيضا و لا حكم له قبل الثلاثة و بعد العشرة كالسفر الذي لا حكم له حيث انا علمنا بالحيضية في بعض الموارد قبل الثلاثة و لو بدقيقة من الوقت.

و الحاصل ان المحقق الخراساني القائل بما ذكر يكون قوله من باب الجمع بين الروايات و حملها على صورة العلم و الشك لا وجه له لأن ما يكون خلاف تحديد المشهور أيضا يكون في مورد الشك لأنه يكون فيها الإرجاع إلى صفات الحيض أيضا و هو يكون في صورة الشك مثل قوله (عليه السلام) في الموثقة عن إسحاق بن عمار‌

290

(باب 10 من الحيض ح 13) «ان كان الدم عبيطا فلا تصل ذينك اليومين» و كيف كان فالشهرة في المقام تكون تامة بحيث لا تصل النوبة الى ما ذكر فان المخالف للمشهور معرض عنه.

ثم ان هذه المسألة مشتملة على فروع: الأول: ما مر من ان حد الحيض في الأقل لا يكون أقل من ثلاثة أيام.

الفرع الثاني: في أن التوالي في الأيام شرط أو يكفى ان يكون متفرقا بحيث انه لو رأت مقدار الثلاثة و لو في ضمن العشرة قد حصل الحد سواء قلنا بأن المراد بالأيام اليوم مع الليل بأن يكون الحد رؤية اثنين و سبعين ساعة أو يكون المراد اليوم فقط بأن يكون المراد ستة و ثلاثون ساعة فلو رأت في كل يوم أو بعض الأيام بهذا المقدار يحكم بالحيضية.

و الفرع الثالث: هو انه مع شرطية التوالي هل يشترط ان يكون الثلاثة مستوعبة بالدم بحيث لا يكون بينه فاصلة أصلا أو لا يشترط الاستمرار، و لا يخفى ان النزاع في هذا غير النزاع في الفرع الثاني فإن البحث عن شرطية توالى الثلاثة غير البحث عن استمرار الدم فيها.

أما الفرع الأول فالمصنف (قده) كما ترى اختار التحديد و قال بأن الثلاثة لو نقصت ساعة منها لا تكون حيضا و سنده (قده) هو ان المتبادر من قوله (عليه السلام) «أقل الحيض ثلاثة» هو تقدير المقدار أى مقداره ثلاثة أيام فيجب ان يكون الدم من أوله الى آخره و لا يقال ان المراد هو أن الدم يكون في ثلاثة أيام بدون التحديد بها لأن الحيض هو الدم و العرف يساعد على أن يقال سيلان الدم كان في ثلاثة أيام و ليس هو الحالة النفسانية و لا يكون العناية الى الظرف و هو الأيام فليس الظرف مثل يوم الجمعة و يوم عرفة فان العناية فيهما ربما يكون الى الظرف بخصوصيته كاستحباب الغسل أو الدعاء فيهما فلو قيل: ان العمل الفلاني يجب ان يكون في الجمعة أو العرفة ربما لا يلاحظ المقدار فيها بل الوقت بخصوصيته دخيل فيه.

291

و اما بعد شرطية التوالي فقيل بأن الاستمرار أيضا شرط بمعنى أنه لا بد أن لا ينقطع الدم من أول الثلاثة إلى آخرها لأن أقل ما يتحقق به الحيض إذا كان مقدار ثلاثة أيام يكون معناه وجود الدم في الثلاثة متصلا لا متفرقا و هذا هو المتبادر.

فان قلت ان الثلاثة ظرف و يكفى وقوعه فيها فلا يجب الاستمرار، قلت: المدار على وحدة المظروف في تحقق الحكم بالحيضية و مع الانفصال لا تحصل الوحدة.

لا يقال على فرض حصول النقاء في الوسط أيضا يكون محكوما بالحيضية فكل الثلاثة حيض، لأنا نقول على هذا المسلك: النقاء المتخلل ليس بحيض لان قبله و بعده أيضا ليس بحيض حيث لم يتجاوز عن الثلاثة.

فتحصل ان توالى الأيام يصدق برؤية الدم في كل يوم و لو في بعض اليوم و الاستمرار لا يصدق الّا باستيعاب الدم جميع الأيام و كلمات العلماء أيضا تكون في المقامين فلا تختلط. و يمكن ان يقال على فرض عدم شرطية الاستمراد ان الحيض هو أمر معنوي و يكون متحققا و لو مع النقاء المتخلل في الوسط.

و كيفما كان يمكن أن يقال بعد الإشكال في ان المناط على مقدار الدم و لو لم يكن متوالى الأيام بأنه يلزم أن يكون المناط على الأكثر من ثلاثة أيام حيث لم يحصل المقدار فيها و لازمه سقوط التحديد بالثلاثة، و على فرض ان يكون المدار على الثلاثة يلزم منه سقوط القول بأن المناط على المقدار إذا لم يكن ما سال منه بمقدار الساعات في اليوم و الليل أو في اليوم فقط بأن كان المراد هو الرؤية في الثلاثة تسامحا فإنه يصدق على من رأت الدم في بعض اليوم انها رأت الدم في اليوم فلا يضر النقاء المتخلل على هذا الفرض و يكون المدار على توالى الأيام دون الاستمرار في الحكم بالحيضية (1).

____________

(1) أقول: و عن الشيخ في التهذيبين و النهاية و القاضي في المهذب عدم اعتبار التوالي و عن المبسوط حكايته عن بعض أصحابنا و عليه جماعة من متأخر المتأخرين كالأردبيلي و كاشف اللثام و الحرّ في رسالته و الحدائق.

292

و أما ما عن الفقه الرضوي (في المستدرك باب 10 من أبواب الحيض ح 1) «ان رأت يوما أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر ثلاثة متواليات» فضعيف و لا جابر لضعفه لأنه خلاف المشهور (1).

ثم ان جماعة على عدم اعتبار التوالي و سندهم رواية مرسلة عن يونس (في باب 12 من الحيض ح 2) و فيها قوله (عليه السلام) و ان انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت و انتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة أيام فإن رأت في تلك العشرة أيام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم لها ثلاثة أيام فذلك الدم الذي رأته في أول الأمر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة هو من الحيض. إلخ.

و تقريب الاستدلال بأنه إذا كان الأيام الثلاثة في ضمن العشرة يكفي للحكم بالحيضية و لا يشترط التوالي.

و فيه انها مضطربة المتن بالنسبة إلى سائر الفقرات و ذكر الاضطراب و مورده صاحب الوافي و تكون معرضا عنها عند المشهور مضافا الى الإرسال في السند و جهالة الراوي و هو إسماعيل بن مرار.

و قال المحقق الخراساني لا إشكال في سندها و قيل لعل الاشكال فيها كان من جهة اجتهاد المجتهدين في دلالتها و الّا فلا إشكال في السند لان الشيخ الطوسي نقلها في كتبه الروائية و هذا، أمر مردود لأن الرواية صريحة في المطلوب فكيف يحتمل الشبهة في الدلالة و نقل الشيخ لها لا يدل على اعتماده عليها مع انه أفتى بخلافها في كتبه الفتوائية.

و قد أجابوا عن إشكال الإرسال بأن يونس ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه لانه لم يرو الا عن ثقة فالارسال لا يضر لانه لم يرو الا عن ثقة.

و فيه ان الإجماع يكون على انهم لا يرون الا عن ثقة عندهم و اما نحن فنحتمل ان يكون اعتمادهم لحسن ظنهم بالراوي فإذا لم نعلم شخصه بعينه لا يحصل الوثوق‌

____________

(1) أقول: انه لا يكون خلاف المشهور لأن التوالي في الثلاثة شرط عندهم.

293

عندنا، على ان ذكر يونس في الكتب الفتوائية و الروائية مطلق لا نعلم انه يونس بن عبد الرحمن الذي هو من أصحاب الإجماع أو يونس بن يعقوب الذي لم يقل احد بكونه من أصحاب الإجماع إلا صاحب الجواهر الا أن يقال بأن المنصرف من إطلاقه هو ابن عبد الرحمن.

ثم انه يجب إثبات ان يونس ينقل الرواية عن الامام (عليه السلام) بدون الواسطة و معها لأن الحكاية تكون عن يونس عن بعض رجاله فلو لم يكن نقله مع الواسطة لا يصح نقله عن بعض رجاله لأنه لم يكن له رجل يكون واسطة بينه و بين الامام (عليه السلام).

نعم يمكن إثبات وجود الواسطة أيضا لأن معنى لم ينقل الا عن ثقة، هو وجود الواسطة، و كيف كان على فرض كونه من أصحاب الإجماع و نقله مع الواسطة لا يمكن الاعتماد عليه لأن المناط في الروايات على الوثوق عندنا و بناء العقلاء أيضا كذلك، و اما الوثوق عند الغير فلا يكون وثوقا عندنا، على انه وجد موارد نقل أصحاب الإجماع عن الضعاف أيضا (1).

و أما ضعف الرواية بإسماعيل بن مرار فقد قيل: انه لا يصح لأن القميين الذين هم في صدد قدح الرواة و مدحهم و كانوا مقيدين بذلك لم يستثنوا الا محمد بن عيسى العبيدي ممن يروى عن يونس و لم يكن إسماعيل في استثنائهم و هذا دليل على ان إسماعيل كان موثوقا به عندهم.

و فيه ان هذا القدر من الاستدلال على الوثوق بشخص من الرجال فيه تأمل (2) فلا يمكننا الاعتماد على هذه الرواية.

ثم ان المحقق الخراساني في رسالة الدماء الثلاثة قال: يكون مراد الأكثر‌

____________

(1) أقول: لتوضيح هذا و إثباته فارجع الى معجم الرجال (ج 1) للعلامة الخويي (دام ظله).

(2) أقول: قال صاحب المستمسك (قده): استثناء القميين انما كان بالنسبة الى كتاب نوادر الحكمة، و اما رواية إسماعيل عن غير الكتاب و نقله عن يونس فلا يوجب الوثوق فارجع إليه (في ج 3 ص 197 الطبع الثالث) لتجد التفصيل.

294

من قولهم أقل الحيض ثلاثة أيام متوالية أقل حدث الحيض و قعود المرأة لا أقل الدم و يكون المراد التنبيه على ان النقاء المتخلل بين الدمين حيض لا طهر خلافا لما ذهب إليه في الحدائق لأن حمله على إرادة أقل الدم يوجب عدم التعرض لزمان القعود لو حمل قولهم و أكثره عشرة أيام على أيام الدم أو عدم المقابلة بين الكلامين لو حمل على ارادة بيان أقل القعود و كلا اللازمين بعيد و حينئذ لا تكون الرواية مخالفة للمشهور لأن التوالي يكون في الأيام و لو لم يكن في الدماء.

و فيه ان المشهور مصرحون في كلماتهم بأن المراد من ان أقل الحيض ثلاثة، أقل أيام الدم لا القعود، و انهم ذكروا الطهر في الوسط و لم يهملوا حتى يحمل كلامهم على ما ذكره، فان بيانهم لأقل النقاء أي أقل الطهر بين الحيضين سيجي‌ء فإنه لا يكون أقل من عشرة على انه يلزم من بيان أقل أيام القعود فقط عدم بيان أقل الدم، و أما بيان أكثر القعود فيكون عنهم في مقام آخر.

ثم ان الشيخ الأنصاري (قده) أيد المشهور في المقام مضافا الى الروايات بأنه مع الشك فالأصل عدم كون الدم حيضا في ما لا يكون متواليا في الثلاثة و لا يعارض بأصالة عدم كون الدم استحاضة، لأنه أما يكون الواسطة بين الحيض و الاستحاضة بأن يكون العلم الإجمالي بين الأكثر منها مثل القرحة و غيرها أو لا يكون الواسطة بينها، فعلى الثاني لا إشكال في جريان أصالة عدم الحيض و عدم الاستحاضة و عدم القرحة و غيره، و على الأول فلو استفدنا من كلمات الفقهاء ان موضوع الحكم بالاستحاضة هو عدم كون الدم محكوما بحكم الحيض فأيضا لا اشكال فيه لأن العدم يحرز بالأصل، فيكون حاكما على أصالة عدم الاستحاضة لأنه يكون في رتبة موضوع الحكم بالاستحاضة، فالشك في كون الدم استحاضة أولا، يكون مسببا عن الشك في وجود الحيض و عدمه فإذا جرى بالنسبة إليه يرفع الشك عن ذلك، فلا يكون الأصل مثبتا من هذه الجهة أيضا، نعم لو كان الاشكال فيكون في جريان الأصل الأزلي في الحيض.

295

فنقول مستعينا باللّه تعالى: انه يمكن جريان الأصل فيه بإحراز العدم النعتي و قد حررنا في الأصول مقدمات لجريان الأصل في باب العام و الخاص عند الشبهة المصداقية و ارادة إدخال الخاص تحت العام بواسطة الأصل العدم الأزلي مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق منهم فان من شك في فسقه يمكن إدخاله تحت العام بواسطة أصالة عدم الفسق. فنذكر هنا حاصل المقدمات:

الاولى: انه تارة (1) يكون الأحكام في الشرع و في العرف بنحو القضايا‌

____________

(1) أقول: ان القضايا الطبيعية أيضا تكون بلحاظ المرآتية عن الخارج، فالشرط في صقع الذهن فقط لا يلاحظ مخالفته لكتاب اللّه و عدم نفوذه، بل يكون ما في الخارج له هذا الأثر، و الحكم على العدم بالمآل يرجع الى الحكم على الوجود مثل أحكام عدم الحيض تكون في الواقع أحكام من هو الطاهر أو مستحاضة.

و ما ذكروه في الكر من انه يكون الحكم على الخارج أيضا لا وجه له، بل يكون معناه الحكم على الطبيعة مرآتا الا أن يكون مرادهم غير ما ذكر في تقريب كلامهم و الأثر في الاستصحاب و ان كان بتعبير منه (مد ظله) و غيره على نقيض ما هو المؤثر، لكن معناه عدم الحكم لهذا الموضوع و يرجع الى حكم الموضوع الموجود فان الدم موضوع موجود، و له حكم، فلو لم يكن حيضا يكون غيره و ينطبق عليه حكمه، فالعدم لا يكون عليه حكم بحيال ذاته.

و المركب و ان كان ينتفى بانتفاء جزئه و كله، و لكن ربما لا يلازم الجزء الجزء الآخر، فان الأربعة تكون الزوجية معها، و لا يمكن وجود الأربعة بدونها و لوازم الماهية طرا كذلك.

فإذا عرفت ذلك نقول: في الأصول الأزلية لوازم الماهية لا ينفك عنها، فإذا قلنا دم الحيض متصف بالحيضية تكون الحيضية من لوازم ذات دم الحيض لا من لوازم وجوده، و كان علة كون الدم حيضا هو كون الدم حيضا، فان مطلق الدم لا يكون علة لاتصاف الدم بالحيضية بل دم الحيض يكون كذلك و هكذا عدم الحيض علة لعدم كون الدم حيضا فلا يمكن استصحاب عدم حيضية هذا الدم لعدم علمنا بهذه الماهية في الإن و لا في السابق، فكما انه يكون حيضيته الآن مشكوكا و لازم الماهية لا ينفك عنها، يكون عدم حيضيته في السابق أيضا مشكوكا.

296

الطبيعة و هو مثل أن يقال الشرط المخالف لكتاب اللّه غير نافذ، فإنه لا يكون العناية إلى وجوده الخارجي بل طبيعة عدم النفوذ تكون منوطة بطبيعة الشرط المخالف للكتاب و كذا طبيعة المرأة مع طبيعة القرشية تكون حكمها اليأس الى ستين سنة، و تارة يكون المناط هو الوجود الخارجي، و قد مثلوا له بالماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شي‌ء فقيل ان الوجود الخارجي للماء يكون له هذا الحكم، و لكن جل الأحكام يكون على النحو الأول.

المقدمة الثانية: الأثر في الاستصحاب يكفى أن يكون لنقيض ما هو المؤثر وجوده، مثلا إذا كان المؤثر لترتب أحكام الحيض كون المرأة حائضا يمكن أن يكون جريان الاستصحاب في عدم الحيض ليترتب أثر نقيض الحائض و هو من لم يكن بحائض.

و المقدمة الثالثة: ان كل مركب يكون له نقيضان نقيض بعدم المركب و نقيض بعدم جزئه، فإنه ينتفي بانتفائه أيضا.

فإذا عرفت ما ذكر فنقول: في المقام حين لم يكن هذا الدم الموجود فعلا موجودا قبلا لم يكن حيضا، فإذا وجدت شك في حيضيته فنجري استصحاب عدم الحيضية، فإن مقتضى المقدمة الاولى و الثانية هو عدم دخل الوجود في أصل الحكم فكما انه يكون أثر طبيعة الدم المربوط بالحيضية ترتب أحكام الحائض كذلك يكون أثر عدم الطبيعة عدم ترتب أحكامها، فإنه يكون نقيض وجوده و اثر النقيض مترتب و بمقتضى المقدمة الثالثة ان العدم لا ينقلب الى الوجود بواسطة وجود أحد أجزائه فإذا وجد الدم لم ينقلب عدم الحيضية إلى الوجود، فيكون ثابتا حال عدمه و الأثر يكون لنقيض كان الناقصة و هو عدم كون الدم حيضا لا لليس الناقصة حتى يكون معناه اتصاف الدم بعدم الحيضية، فلا يقال ليس الدم حيضا، بل يقال لم يكن بحيض و بالوجدان نرى ان عدمه مستمر و لشدة الوضوح أشكل فيه، فجريان الأصل الأزلي لا اشكال فيه، و أما إثبات أثر الاستحاضة فقد مر بأنه يكون لحكومة هذا الأصل على أصالة عدمها.

297

و لكن بعد في المقام اشكال و هو ان الأصل لا تجرى هنا لأوله إلى الفرد المردد لأن الشك يكون في كون الدم بدون توالى الثلاثة حيضا أم لا، فعلى فرض عدم شرطية التوالي يكون حيضا قطعا، و على فرض شرطيته لا يكون حيضا قطعا، و لا يجري الأصل فيه، و لعل ما في حواشي بعض نسخ طهارة الشيخ من الإشكال في الأصل هنا يكون لهذه النكتة لا للإشكال في الأصل الأزلي، فتدبر.

ثم انه لا يخفى انه لا ملازمة بين القول بشرطية توالى الأيام، و القول بوجوب استمرار الدم في الثلاثة، فيمكن أن يقال انه يشترط التوالي، و لكن في كل يوم لو رأت الدم و لو في بعضه يكفى، نعم لو قلنا بوجوب استمرار الدم في الثلاثة، فيلازم الاستمرار توالى الأيام أيضا لأنه لا ينفك عنه.

ثم ان الاستمرار بمعنى استيعاب الدم لجميع الثلاثة (و هو الفرع الثالث و قد مر شطر من الكلام فيه) هل يكون شرطا أم لا؟ فيه خلاف و المستفاد عن بعض العبارات مثل عبارة جامع المقاصد انه يجب أن يكون بحيث انه متى وضعت الكرسف تلوث به و هو المشهور أيضا، و يمكن أن يستدل لهم بأن مقتضى تطابق الظرف و المظروف هو كون الدم متصلا في جميع الثلاثة، فإنه إذا قيل أقل الحيض ثلاثة أيام أي في الثلاثة لا يكون له معنى الا أن يقال الثلاثة ظرف لسيلان الدم.

فان قلت: ان الحيض ليس هو السيلان إجماعا بل هو حالة نفسانية و هي تكون في الثلاثة حاصلة و لا يحتاج الى استمرار السيلان من باب تطابق الظرف و المظروف، و النقاء المتخلل بينها أيضا حيض لاستمرار تلك الحالة.

قلت: انه و ان كان أمرا معنويا، و لكن رؤية الدم في الثلاثة أيضا شرط له و هو منصرف إلى الرؤية في جميع الثلاثة على حسب العادة على ان إثبات أن النقاء المتخلل حيض يكون دليله الاستمرار، و هذا هو الدور الواضح، لأن حيضية النقاء متوقفة على الاستمرار و هو على الحيضية لأنها لا دليل لها الّا اشتراط الاستمرار، فلو لم يكن الاستمرار شرطا لا دليل على ان البقاء المتخلل حيض، و كلام جامع المقاصد مشكل عند المصنف‌

298

(قده) لأن كل النساء لا يكون الحيض فيهن كذلك، فان بعضهن لا يستمر دمهن كذلك فيجب أن يكون تطابق الظرف و المظروف تسامحا.

و فيه انه لو ثبت ان الغالب يكون كذلك حتى يكون انصراف الكلام اليه، فلا اشكال فيه، و أما على فرض عدم الغلبة فلا ملزم لنا بالتسامح، و القول بأن النقاء المتخلل أيضا حيض.

و كيف كان فإثبات ان الغالب هو عدم السيلان مشكل، و أشكل منه الالتزام بقول جامع المقاصد، فيجب الاحتياط للشك في حيضية الفترات.

ثم هنا فرع رابع: و هو انه بعد شرطية الثلاثة و تواليها و استمرار الدم فيها هل يكفى توالى الثلاثة في ضمن العشرة في الحكم بكون العشرة أو ما قبل الثلاثة حيضا أم لا، مثلا من رأى الدم يوما أو يومين ثم انقطع ثم رأى من اليوم الرابع ثلاثة متوالية، فهل يكفى للقول بحيضية اليوم و اليومين المتقدمين على ذلك أم لا؟

الظاهر من كلماتهم حيث يكون التعبير فيها بأن أقل الحيض ثلاثة هو ان أقل ما يتحقق به الحيض يكون كذلك فما قبلها لا يكون حيضا، و الّا يلزم أن يقال بأن أوله يوم أو يومان، و هذا هو الحق لأن جميع الثلاثة يكون في حكم الواحد في تحقق الحيضية و قد نسب صاحب الجواهر ما ذكرناه الى بعض الفضلاء.

و هنا فرع خامس: و هو بعد تسليم جميع ما ذكر يأتي الكلام في المراد من الأيام فإنه هل يكون المراد بها مقدار اليوم مثل السنة و ثلاثين ساعة في الأيام المتوسطة في الساعات، أو مقدار اليوم و الليل أعنى اثنين و سبعين ساعة أو يكون لبياض اليوم من طلوع الشمس الى غروبها موضوعية، بحيث لو كان هذا المقدار في الليل لا يكفى؟

فيه خلاف: فان بعض الموارد يكون المراد هو المقدار مثل نزح البئر فإنه لا خصوصية لليوم بل النزح بمقداره ليلا أيضا يكفي، و في بعض الموارد يكون اليوم منصرفا الى بياض اليوم مثل الصوم و الإجارة، و في بعض الموارد يكون الليلتان في الوسط أيضا داخلتين في المفهوم مثل الأجل المضروب للدين.

299

و الحق هو ان اليوم طريق للمقدار، و لكن لا يحدد بأنه اثني عشرة ساعة بل كل وقت بحسبه، فبعض الأيام كذلك و بعضها أزيد أو أنقص، و حيث يكون المتبادر من الثلاثة و شرطية التوالي دخول الليلتين في الوسط أيضا ينحفظ جانب الموضوعية أيضا حفظا للاستمرار، فيكون اليوم طريقا من جهة، و لكن من ناحية شرطية التوالي و الاستمرار ينحفظ فيه جانب الموضوعية، و يمكن التلفيق أيضا بأنها إن رأت الدم في أول الزوال تنتهي إليه في الثالث.

الكلام في ان أقل الطهر عشرة أيام

[مسألة- 7- قد عرفت ان أقل الطهر عشرة أيام]

مسألة- 7- قد عرفت ان أقل الطهر عشرة أيام إلى قوله فالأحوط مراعاة الاحتياط (1) بالجمع في الطهر بين أيام الحيض الواحد كما في الفرض المذكور

أقول: هذا هو المشهور و ادعى الإجماع عليه عن جماعة من القدماء و المتأخرين و عن الأمالي انه من دين الإمامية، و لا يكون الخلاف فيه الّا عن صاحب الحدائق، و استدل للأول بروايات (في باب 11 من أبواب الحيض) صاحب الحدائق يستدل بروايات منها مرسلة يونس التي مرت و هي في باب 12 من الحيض.

و استدل مخالف المشهور بقوله (عليه السلام) «فذلك الدم الذي رأته في أول الأمر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة هو من الحيض».

أقول: هذه مع ما سبقها تدل على عدم اشتراط التوالي في الثلاثة و قد مر الكلام فيه و من مفهومه (2) يستفاد ان غيره ليس بحيض، و لا ينافيه قوله (عليه السلام) في الفقرة الأخرى‌

____________

(1) الأقوى انه حيض على المشهور، و الاحتياط مستحب.

(2) أقول: قوله (عليه السلام) «و ان انقطع الدم بعد ما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت» بضميمة ما سيجي‌ء من انه إذا لم يكن الدم في العشرة لم يكن اليوم و اليومين حيضا و ان رأته إلى العشرة فهو من الحيض، يستفاد منه ان الطهر في الوسط يمكن أن يكون أقل من العشرة، و هذا هو استفادة الحكم من المنطوق لا المفهوم كما قيل و أشكل عليه بأن مفهوم اللقب ليس بحجة، و أجيب عنه بما في كلام الأستاذ (مد ظله) ،

300

«و لا يكون الطهر أقل من عشرة أيام» لأن المراد منه هو الطهر ما بين الحيضتين المستقلتين لا الطهر بين الحيض الواحد في العشرة، و لا يكون الحيض مركبا من النقاء و رؤية الدم.

و المراد من لفظة «من» في قوله «هو من الحيض» هو التبعيض أعنى يكون بعض أيام الدم كذلك فلا يشكل عليه بأن المراد منه هو بعض أيام الحيض و بعض أيامها الأخر يكون أيام الطهر، و لا يرد عليه الإشكال بأن استفادة عدم كون الطهر في الوسط حيضا يكون من مفهوم اللقب و هو قوله «هو من الحيض» لأن المناط في أخذ المفهوم هو كون المولى في مقام بيان ما هو علة منحصرة للحكم و هنا يكون كذلك فإنه يستفاد ذلك من الصدر و الذيل، و لكن الاشكال عليها هو إرسالها و كونها معرضة عنها عند المشهور مع مجهولية الراوي و هو إسماعيل بن مرار، و اضطراب الرواية صدرا و ذيلا.

و قال الشيخ الأنصاري (قده) (1) في قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية «فإذا حاضت المرأة و كان حيضها خمسة أيام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت، فإن رأت بعد ذلك الدم و لم يتم لها من يوم طهرت عشرة أيام فذلك من الحيض» ان في بعض النسخ «طمثت» بدل «من يوم طهرت» و على هذا يكون المناط أول أيام الطمث مع النقاء المتخلل حيضا، بخلاف ما كان المناط من يوم طهرت فإنه عليه يكون المناط على رؤية الدم.

____________

(1) أقول: انا لم نجد ما ذكره في طهارة الشيخ بل صاحب المستمسك (قده) يقول بعد نقل كلام الشيخ و إيراده عليه ثم تقريبه بوجه، و ان في بعض النسخ المعتبرة من «يوم طمثت» بدل «من يوم طهرت» تقريبا لما ذكره الشيخ من ان المراد بالعشرة عشرة الدم، و لكن لو كانت النسخة أيضا كذلك لا يرفع اضطراب هذه الرواية لأنه لو قال عليه بدل «و لم يتم من يوم طمثت» «و لم يتجاوز من يوم طمثت من عشرة أيام» كان موافقا للمشهور بأن ما في العشرة حيض و ما جاز عنه ليس بحيض و ليس هو المشهور على ان المناط بعدم تمامية العشرة في الحكم بالحيضية و كيف كان فهذه الرواية مضطربة صدرا و ذيلا لا يصغى إليها و بقية الروايات أيضا ضعيفة أو غير دالة على المطلوب مع إعراض الأصحاب عنها فالطهر لا يكون أقل من عشرة أيام و النقاء في الوسط حيض.

301

و فيه ان نسخة الكافي موافق لما في الوسائل و ما رآه الشيخ لا نعرف كتابه و لا مصنفه.

و من الروايات التي استدل بها صاحب الحدائق (باب 10 من الحيض ح:

11) ما عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: أقل ما يكون الحيض ثلاثة و إذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضية الاولى، و إذا رأته بعد عشرة أيام فهو من حيضة أخرى مستقبلة.

و تقريب الاستدلال هو انا نستفيد من القول بأن كل دم يكون في العشرة إذا كان حيضا فكان ما بعد العشرة أيضا كذلك، ان الدم الذي يكون في العشرة هو من الحيض و الذي يكون بعدها أيضا حيض و ما كان في العشرة من أيام النقاء فهو ليس بحيض، و الّا يلزم أن يكون أكثر الحيض أكثر من عشرة أيام، و هو خلاف الإجماع فلا بد أن يكون الطهر في الوسط أقل من العشرة و لا اشكال فيه.

و الجواب عنه هو ان الدم الثاني بعد العشرة إذا تجاوز مع ضمه الى ما قبلها عن العشرة لا يلتزم بأنه حيض فيكون استدلاله بها مقيدا بعدم تجاوز الدم عن العشرة و بأن يكون ما دل عليه الإجماع بأن الطهر لا يكون أقل من العشرة مختصا بالطهر من الحيضتين المستقلتين.

و الحاصل يجب عليه أن يقيد استدلاله بقيدين عدم تجاوز الدم بعد العشرة مع ما قبلها عن عشرة أيام، و أن يكون الطهر الذي دل عليه الدليل بأنه لا يكون أقل من العشرة، بالذي يكون مختصا بما كان بين الحيضتين المستقلتين لا الطهر بين حيض واحد فإنه يمكن أن يكون أقل.

فنقول: يمكن تقريب استدلال الرواية بنحو يوافق المشهور و هو ان يكون المراد من العشرة العشرة الدموية بقرينة الصدر الذي يذكر فيه الدم، و أما ما بعد العشرة فهو حيض مستقبل مستقل لكن حيث يكون الإجماع على ان أقل الطهر بين الحيضين لا يكون أقل من العشرة نقيده بالدم الذي يكون بعد العشرة الطهرية و التقييد‌

302

الواحد أولى من التقييدين كما ذكره المستدل و العرف أيضا مساعد على ما نقول و على فرض عدم قبول ما ذكرناه فالرواية مجملة لا يمكن الاستدلال بها لأن التقييد خلاف ظاهر الرواية، هذا كله مع عدم الاعتناء بالإجماع على ان أقل الطهر عشرة أيام و الّا فلا يبقى وجه لهذه الكلمات.

و منها (في باب 11 من الحيض ح: 3) مصحح ابن مسلم و هو مثل الموثقة التي مرت (في باب 1 من الحيض) الا انه ليس صدره قوله (عليه السلام) أقل ما يكون من الحيض ثلاثة.

و منها رواية عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه البصري (في باب 17 من أبواب العدد ح: 1) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة إذا طلقها زوجها متى تكون أملك بنفسها، فقال: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها، قلت: فان عجل الدم عليها قبل أيام قرئها، فقال: إذا كان الدم قبل عشرة أيام فهو أملك بها و هو من الحيضة التي طهرت منها و ان كان الدم قبل العشرة أيام فهو من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها.

و تقريب الاستدلال هو ان المراد بالعشرة هنا أيام الطهر لا أيام الدم فإذا كان كذلك، فيكون ما رأت من الدم حيضا دون ما لا يكون من الدم فأقل الطهر بين حيض واحد أقل من عشر أيام، و هذا الاستدلال تام و ما عن المحقق الهمداني من الاشكال لا يرد عليه فارجع.

و القول بأن المراد بالعشرة الاولى في قوله (عليه السلام): «ان كان الدم قبل العشرة أيام» هو العشرة الطهرية و المراد بالعشرة الثانية هو العشرة الحيضية فيكون معناه ما في العشرة من الحيض و الطهر حيضا يكون خلاف ظاهر الرواية فإن الظاهر ان العشرتين هما الطهريتين، و لكن إشكال الرواية هو ضعفها بالمعلى بن محمد البصري.

و منها رواية يونس بن يعقوب (في باب 6 من أبواب الحيض ح 2) قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة قال (عليه السلام): تدع الصلاة‌