المعالم المأثورة - ج5

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
303

قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة قال: تدع الصلاة قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة قال تدع الصلاة إلخ.

و تقريب الاستدلال واضح لأن ترك الصلاة و فعلها دليل على الطهر و الحيض و الفاصلة أقل من العشرة.

و منها رواية داود مولى ابى معزا عمن أخبره (باب 6 من الحيض ح 1) و هي أيضا تامة الدلالة و لكن قيل في تقريب استدلاله مضافا الى ما قلناه في تقريب الاولى انه لم يذكر حكم قضاء الصوم و الصلاة، و لكن هذا لا يتم لأن القضاء متفرع على الترك سواء كان عن حيض أو غيره فهي قابلة لتقييد ما دل من الإطلاقات على ان أقل الطهر عشرة أيام و اما الحمل على الحكم الظاهري بأن يقال انها تكون في مقام الاستظهار و يكون الحكم كذلك للاحتياط فهو خلاف الظاهر، و لكن عدم القول بالتقييد يكون لأقوائية ظهور المطلقات لأن المدار لحمل المطلق على المقيد هو قوة الظهور و عدمها مع كون هذه خلاف المشهور أيضا، و اما المصنف فحيث رأى تمامية دلالة هذه و كونها خلاف المشهور فقد احتاط في المقام بالجمع بين أحكام الحائض و الطاهر، و مر الإشكال في الاحتياط من باب احتمال الحرمة الذاتية في صلاة الحائض فإنها إذا كانت كذلك لا يمكن الاحتياط الا أن يقال بأنه حيث يكون في المقام محتمل الحيضية ففي أيام الطهر يمكن الصلاة برجاء الواقع مع مسلك شيخنا العراقي (قده) أو يقال بأن الحرمة ليست بذاتية و المشهور على عدم الحرمة الذاتية.

الكلام في عادة الحيض

[مسألة- 8- الحائض اما ذات العادة أو غيرها]

مسألة- 8- الحائض اما ذات العادة أو غيرها و الاولى اما وقتية أو عددية أو وقتية فقط و الثانية اما مبتدئة و هي التي لم تر الدم سابقا و هذا الدم أول ما رأت، و اما مضطربة و هي التي رأت الدم مكررا لكن لم تستقر لها عادة. و اما ناسية و هي التي نسيت عادتها، و يطلق عليها المتحيرة أيضا

304

و قد يطلق عليها المضطربة، و يطلق المبتدئة على الأعم ممن لم تر الدم سابقا و من لم تستقر لها عادة أى المضطربة بالمعنى الأول.

[مسألة 9- تتحقق العادة برؤية الدم مرتين متماثلتين]

مسألة 9- تتحقق العادة برؤية الدم مرتين متماثلتين فان كانتا متماثلتين في الوقت و العدد فهي ذات العادة الوقتية و العددية، كأن رأت في أول شهر خمسة أيام و في أول الشهر الأخر أيضا خمسة أيام.

أقول: هذه المسألة متضمنة للعادة من حيث معناها فأما الوقتية و العددية فهي كما ذكر المصنف (قده) و تكون دليلا على كون الدم حيضا و عليه الإجماع كما عن الخلاف و التذكرة و جامع المقاصد و المدارك و يدل عليه أيضا الروايات:

فمنها: موثقة سماعة بن مهران قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض (الى ان قال) فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك أيامها (في باب 7 من أبواب الحيض 1) و منها: ح 2 في الباب و هو مرسلة يونس الطويلة عن غير واحد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) و فيها «فلا تزال كذلك حتى تنظر ما يكون في الشهر الثاني فإن انقطع الدم لوقته في الشهر الأول سواء حتى يوالي عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم الآن ان ذلك قد صار لها وقتا و خلقا معروفا تعمل عليه و تدع ما سواه و تكون سنتها فيما تستقبل ان استحاضت.» إلخ.

و دلالة الروايتين (1) على العادة الوقتية و العددية و انها تحصل بواسطة رؤية الدم أياما سواء في الشهرين واضحة.

ثم ان دلالة العادة على الحيضية لها محتملات ثلاثة كما في الصفات:

____________

(1) أقول: دلالة المرسلة على العادة الوقتية و العددية واضحة لقوله (عليه السلام) «فان انقطع الدم لوقته في الشهر الأول سواء» فالمراد بقوله لوقته تعيين الوقت و المراد بالسواء هو الأيام و اما دلالة الموثقة فغير ظاهرة فيها بل ما هو المستفاد منها هو استواء الأيام و هو يعلم منه العادة العددية فقط لا العددية و الوقتية.

305

الأول: أن تكون إرشادا الى ما هو معروف بين النساء من انهن يظهر لهن ان ذلك عادتهن مثل من يشرب الأفيون فيصير عادة له غاية الأمر في المقام يكفي رؤية الدم في الشهرين متساويا في الوقت و العدد، و يفهم ان للدم منشأ طبيعي كذلك و أما مثل الأفيون فلا تحصل العادة بالنسبة اليه الا بعد مضى مدة و مرات عديدة من شربه.

الثاني: ان يكون تعبدا لرفع الشك في كل مورد اشتبه الأمر على المكلف من كون الدم حيضا أو لا.

الثالث: أن يكون دائرة حصول العلم بالحيضية عندهن أوسع من ذلك، و لكن عند الشرع يكون هذا دليلا على التضيق اى العلم الحاصل بهذا الطريق هو الحجة، و يترتب الأثر في صورة كون العادة أمارة له، و المشهور على انها ليست مثل الصفات من حيث ان الصفات تكون علامة و إرشادا إلى الحيضية على ما هو المختار عندنا و عند المحقق الخراساني (قده) بخلافها، و دليلهم على هذا هو انه ليس عنوان العادة في لسان دليل، بل يفهم ذلك من عنوان ترك الصلاة برؤيته كذلك و فعلها إذا لم يكن كذلك فغاية ما يستفاد منها هو أمارية العادة تعبدا للحيض في كل مورد يكون الشك فيه.

و أما الإشكال على الرواية الأولى بأنها في مورد البكر فلا وجه له لأنها حيث يكون أول رؤيتها الدم كانت موردا لبيان القاعدة التي بها تتمسك، لا ان لها خصوصية فكل امرأة رأت الدم كذلك في الشهرين يحصل لها العادة.

و أما الإشكال بأن العادة تحصل في صورة كون رؤية الدم كذلك في الشهرين دون ما حصل بينهما أقل أيام الطهر، فمندفع أيضا لأن المدار كما في الرواية على الحيضتين و ذكر الشهرين يكون من باب ان الغالب في النساء هو عدم رؤيتهن الدم في أقل من شهر و ما عن الفخر أيضا بأن العادة تحصل بواسطة رؤية الدم في وقت مخصوص مرة واحدة بادعائه ان هذا كاشف عن عادتها في الدفعة الثانية تبنى عليها‌

306

لا وجه له لأن المدار على حصول الحيضتين في الرواية، و ان المدار عليها في الدفعة الثالثة، فما ذكره على فرض تسليم حصولها تكوينا لا إمضاء له من الشرع، فإن إمضاء الشارع لما دل عليه العقل أيضا لازم في الأمارية الشرعية.

قوله: و ان كانتا متماثلتين في الوقت دون العدد فهي ذات العادة الوقتية كما إذا رأت في أول أشهر خمسة، و في الشهر الأخر ستة أو سبعة مثلا.

أقول: ان العادة الوقتية مما دل الإجماع على كونها طريقا لكون الدم حيضا و لكن الروايتين المتقدمتين في صدر المسألة لا يظهر منها ذلك الا أن يتمسك بإطلاق الحيضتين في رواية يونس.

و نقول: لا فرق بين أن يكون الأيام أيضا متساوية أم لا، و ان العادة تحصل برؤية الدم مرتين و ليس وزانها وزان سائر العادات حتى نحتاج إلى أزيد من ذلك مثل العادة بشرب الأفيون فإنه بواسطة الرؤية كذلك نعلم ان لها منشأ مستقيما.

لا يقال ان إطلاق المرسلة يقيد بالموثقة لقوله (عليه السلام) فإذا اتفق الشهر ان عدة أيام سواء، فتلك أيامها، فإن استواء الأيام أيضا شرط.

لأنا نقول: لا يحمل المطلق على المقيد هنا لأنهما مثبتان، و ما أحرزنا منها وحدة المطلوب فاستواء الأيام يوجب العادة و استواء الوقت أيضا كذلك كما ان المحقق الخراساني (قده) يقول بأنه يكون المدار عليهما و التخيير بين أخذ الوقت عادة أو العدد، و كيف كان فالمطلب مسلّم عند القوم.

قوله: فان كانتا متماثلتين في العدد فقط فهي ذات العادة العددية كما إذا رأت في أول شهر خمسة و بعد عشرة أيام أو أزيد رأت خمسة أخرى.

أقول: انهم و ان اختلفوا فيما سبق في العادة الوقتية، و لكن لم يختلفوا في العادة العددية من حيث أماريتها للحيضية، لظاهر الموثقة بأن الأيام إذا استوت يكفى‌

307

للحكم بالحيضية سواء اتحد الوقت أم لا، و ظاهر المرسلة و ان كان في خصوص اتحاد الوقت و العدد، و لكن إطلاق الحيضتين يكفى للحكم بالحيضية و لو بواسطة العدد، و لا يحمل العام على الخاص في المقام بل يكون الخاص شارحا و حاكما عليه مع كونهما مثبتان لا يحمل أحدهما على الأخر إلا مع إحراز وحدة المطلوب أيضا. و كيف كان فما في هذا المتن أيضا إجماعي.

ثم انه هل المراد بالشهرين يكون الشهرين الهلاليين أو يكفى أن يكون رؤية الدم مرتين و لو بفاصلة أقل أيام الطهر و هو العشرة. أقوال: اعتبار الشهرين مطلقا في الوقتية و العددية و عدمه مطلقا و التفصيل، ففي الوقتية يكون المناط عليهما و في العددية يكفى فاصلة أقل الطهر كما هو المستفاد من أمثلة المصنف (قده).

و الدليل على شرطية كون الشهرين هلاليين هو ذكرهما في الروايتين و قد نسب الى الشهيد في المقام رواية أخرى و لم يحضرني الروضة (1) لألاحظها.

و الجواب عنه هو ان ذكر الشهرين يكون محمولا على ما هو الغالب في النساء من كون الدم في كل شهر مرة، و من يكون دمها في أقل من ذلك تكون قليلة من النساء، و يصدق عنوان الأقراء بواسطة رؤية الدم مع فاصلة أقل الطهر، و ذيل الرواية المرسلة عن يونس المتقدمة في صدر المسألة دال على ان المراد هو الأقراء فلا يكون المناط بالشهرين في الصدر لحكومة الذيل عليه.

____________

(1) أقول: قد لاحظتها و ما وجدت في المقام ما نسب اليه (قده) من ذكر الرواية و لكن نقل الشيخ الأنصاري في الطهارة (ص 186) عن الذكرى شيئا و هو انه قال بعادات غير ما ذكر لم يستفد من الروايتين، و قال استنباطه من الروايتين بعيد و لم ينسب إليه الرواية، و قال الشيخ بعده أيضا «و تنظر فيه في الروض بأن تكرر الطهر يحصل الوقت و احتجاجه بأن الشهر يحمل في النصوص على الهلالي، انما يتم لو كان قي النصوص ذكر الشهر و ليس إلّا في مضمرة سماعة و مرسلة يونس و في الاحتجاج بهما اشكال لضعف الثانية بالإرسال و الأولى بجرح سماعة و انقطاع خبره، و على هذا فلا يكون أصل سند الشهيد الروايتين و لا ندري أين يكون النصوص الذي كان معتمدة.

308

و قال الشهيدان: تكرار الطهر يحصل الوقت. و قال الشيخ الأنصاري (قده) في توضيح كلامهما: «إذا تكرر الطهران المتساويان كأن رأت ثلاثا حيضا ثم عشرة طهرا ثم ثلاثا حيضا ثم عشرة طهرا ثم ثلاثا حيضا، فقد حصل العلم بالعادة، فإن المرأة اعتادت بالحيض كذلك».

أقول: المستفاد من الروايتين بعد إلقاء القيود هو ان المناط في ترتيب أحكام الحيض هو صدق الأيام و الأقراء و انه يتحقق بتكرره مرتين و عوده ثانيا بعد حدوثه أولا، و من الواضح ان التكرر و العود لا يتأتى الا من ناحية جهة وحدة، فتلك الوحدة تكون من قبل اتحاد العدد أو الوقت، و أما من ناحية أمر خارجي مثل وحدة الطهر فيشكل صدق العنوان فالأقوى هو التفصيل كما في المتن.

[مسألة- 10- صاحبة العادة إذا رأت الدم مرتين متماثلتين على خلاف العادة]

مسألة- 10- صاحبة العادة إذا رأت الدم مرتين متماثلتين على خلاف العادة الاولى ينقلب عادتها إلى الثانية.

أقول: الظاهر انه اتفاقي كما عن المنتهى، و السر فيه ان العادة على ما قدمناه تتحقق برؤية الدم مرتين متماثلتين، و من الواضح انه لا يتحقق عادتين متخالفتين فعلا في زمان واحد و عليه ففي الفرض يدور الأمر بين أن يكون المؤثر هي العادة السابقة المنصرمة أو العادة الحاضرة الفعلية و لا شبهة في ان المدار على الثانية لا الأولى، لأن فعلية الأحكام تابعة لفعلية الموضوع و المنصرم ليس بفعلى فلا يكون موضوعا لها.

لا يقال ما ذكر يتم لو كانت الاولى مرتين متماثلتين فحينئذ يمكن زوالها برؤية الدم ثانيا و مرتين متماثلين على خلافها، إذا الأولى سواء كانت طريقة عادية موجبة للعادة عادة، أم أمارة شرعية تتحقق مثلها ثانيا، و أما لو كانت العادة السابقة متحققة بتكرره مراعاة عديدة و باستمرار عرفي فلا يمكن البناء على زوالها الا بتكرر كثير مثلها أو أزيد حتى يحكم العرف بذلك، و أما تكرره ثانيا مرتين على خلاف الاولى فلا يساعد العرف على زوالها بهذا المقدار.

لأنه يقال تقدم ان المستفاد من ذيل المرسلة هي كبرى كلية من جعل الأيام‌

309

و الأقراء موضوعا، و الإرشاد إلى تحققها بحيضيتين حسب العادة غالبا و لو لم يتحقق العادة بحيضتين عرفا، فذلك الذيل تنزيل شرعي و انه تحصل العادة بذلك المقدار شرعا، و عليه لو حصلت (1) العادة العرفية ثانيا فهو و الا فالعادة الشرعية حاصلة للحكومة.

لا يقال ان حصول العادة في الأبكار بمرتين يكون بمحل من الإمكان لأن طبيعتهن ساذجة و يعلم بذلك حصولها، و أما من كانت مدة أيام على العادة ثم رأت الدم مرتين على خلافها فلا يحصل لها العلم بالعادة بذلك بل يجب أن يحصل لها انقلاب الحال كما كان في الأول بحيث يطمئن النفس بتغييرها.

لأنا نقول: ان ما ذكر فلسفة قياسية و لو قيس الاحكام عليها لانهدم الدين فإنه لا يبقى مجال لهذا الاشكال بعد ما ذكرنا من حكومة ذيل المرسلة على ان العادة تحصل شرعا بالاقراء، فإنه مع هذه الكبرى لا يصغى الى أمثال هذه الأقوال.

قوله: و ان رأت مرتين على خلاف الاولى، لكن غير متماثلتين يبقى حكم الاولى (2)، نعم لو رأت على خلاف العادة الاولى مرات عديدة مختلفة تبطل عادتها و تلحق بالمضطربة.

أقول: انه خالف هذا المتن أبو يوسف، فقال: بأن العادة تزول بواسطة رؤية الدم على خلاف الحالة السابقة بمرة فضلا عن المرتين، و ردّه في المنتهى معللا‌

____________

(1) أقول: ان العادة الشرعية حيث تحصل بأقل من العرفية على الفرض تكون متقدمة، و عليها لا تصل النوبة إلى العرفية هذا مضافا الى انه مر منه مد ظله أيضا ان العادة الحيضية حسب المتفاهم العرفي لا تكون مثل العادة بالافيون و الشاى ليحتاج الى مرات عديدة فإنها تحصل بمرتين فلا وجه للإشكال أصلا فإنه كما انه يكون المدار على العادة الشرعية برؤية الدم مرتين و لا أثر شرعي للعادة العرفية كذلك عند انقلابها يكون الأثر عليها و هو أماريتها لحيضية الدم مرتين متساويتين.

(2) لا يبعد حصول الاضطراب برؤية الدفعة الثالثة أيضا على خلاف الأولى، لأن حصول العادة بالمرتين المتماثلتين ليس تعبدا محضا.

310

بأن العادة الأولى دليل على حيضية الدم الذي رأته و لا يبطل حكم هذا الدليل الا بدليل مثله و هي حصول العادة على خلافها و الفرض انها لم تحصل بعد، فتعمل على طبق الدليل الأول.

و قال المحقق الخراساني انه لا ريب في زوال العادة بواسطة رؤية الدم على خلاف الحالة السابقة.

و أقول: ان كان المدار في أمارية العادة على الحيضية هو حصول العلم بها بواسطة العادة، فيكون المدار على العلم و هو أحد احتمالات أمارية العادة فلا شبهة في انه لم يحصل العلم بعد رؤية الدم خلاف العادة الاولى، و الحق معه، و أما ان كانت الموضوعية لمكان الأمارية الشرعية من دون النظر الى حصول العلم و عدمه فلا وجه لزوالها الامارة مثلها.

ثم انه لو شك في بقاء العادة فاستصحابها غير جارية لأنه يؤول إلى الفرد المردد و ليس من باب الشبهة الموضوعية ضرورة انه لو زالت العادة بذلك الاختلاف حسب الدليل لا يكون الشك في عدم العادة و لو بقيت لا يكون الشك في وجودها، فإن الشبهة حكمية ناشئة عن عدم استنباط المطلب من الأدلة فأمرها دائر بين مقطوع الزوال و مقطوع البقاء.

و أما استصحاب الحكم بأن يقال هذه المرأة قبل حصول الاختلاف في دمها لو رأت الدم كانت محكومة بالحيضية، و ترتيب أحكامها فلا ندري الآن بعد حصول الاختلاف، هل يكون الحكم كذلك أم لا؟ فيستصحب الحكم على نحو الاستصحاب التعليقي، و حيث انه جار على التحقيق فلا شبهة فيه، و أما من كان مبناه عدم الجريان فلا يجرى الاستصحاب (1) في المقام.

و أما المحقق الخراساني (قده) مع ان مبناه جريان الأصل التعليقي لم يتعرض‌

____________

(1) أقول: ان ما تلقيناه منه و كتبناه في جزواتنا الأصولية هو عدم جريان الاستصحاب التعليقي لانقلاب الموضوع عرفا، و هو التحقيق و في هذا المقام أيضا حيث انقلب الموضوع عرفا لا يمكن الاستصحاب، فالحق عدم جريان الاستصحاب مطلقا، و لكن إيراد ما أورده هنا يكون حفظا لأمانه النقل.

311

له هنا، لأن المدار عنده على العلم فحيث لم يحصل مع الاختلاف فهو غنى عن الأصل، فتزول العادة و موضوعيتها للأحكام.

و بالجملة لا تصل النوبة على مسلكه الى الشك حتى يحتاج الى الأصل، هذا كله في صورة عدم رؤية الدم بالاختلاف مرات عديدة، و أما إذا رأت كذلك فلا يحكم بالعادة السابقة، بل تلحق بالمضطربة كما في المتن لانصراف الدليل عن هذه الصورة.

[مسألة- 11- لا يبعد تحقق العادة المركبة]

مسألة- 11- لا يبعد تحقق العادة المركبة كما إذا رأت في الشهر الأول ثلاثة و في الثاني أربعة و في الثالث ثلاثة و في الرابع أربعة ثم شهرين متواليين أربعة، ثم شهرين متواليين ثلاثة و شهرين متواليين أربعة، فتكون ذات العادة على النحو المزبور، لكن لا يخلو عن اشكال خصوصا في مثل الفرض الثاني، حيث يمكن ان يقال ان الشهرين المتواليين على خلاف السابقين يكونان ناسخين للعادة الاولى فالعمل بالاحتياط أولى.

نعم إذا تكررت الكيفية المذكورة مرارا عديدة بحيث يصدق في العرف ان هذه الكيفية عادتها و أيامها لا إشكال في اعتبارها فالإشكال انما هو في ثبوت العادة الشرعية بذلك و هي الرؤية كذلك مرتين.

أقول: ان مذهب جمع من الأعلام على حصول العادة المركبة كما عن المعتبر و المنتهى و التذكرة و نهاية الأحكام و التحرير و حواشي الشهيد و البيان و القواعد و غيرها و عن الشهيد احتمال نسخ كل عدد لما سبقه، و لكن لا شبهة في عرفية العادة كذلك لو كان المدار على العادة العرفية (1) و في المقام تارة يكون الاختلاف من حيث الوقت فقط دون العدد و لا شبهة في حصول العادة العددية، و لكن هذا ليس فرض المصنف كما يظهر من أمثلته.

____________

(1) أقول: انه يمكن استفادة ان المناط على العرف و اطمينانه بقوله (عليه السلام) في مرسلة يونس فقد علم الآن. إلخ. فإن إيكال الأمر إلى علمه دليل على انه ليس تعبدا محضا.

312

و أما ان كان الاختلاف في العدد دون الوقت بأن رأت الدم في وقت واحد مثل ما كان ابتداء كل دم أول الشهر فلا شبهة في أنها العادة الوقتية، و قد مر أنها معتبرة و قول الشهيد بنسخ كل عادة سابقها ان كان من باب إنكار العادة الوقتية فهو صحيح و الا فلا، و تبعيض (1) المحقق الخراساني في كتاب (القطرات) في الأحكام لا وجه له.

[مسألة- 12- قد تحصل العادة بالتميز]

مسألة- 12- قد تحصل العادة بالتميز كما في المرأة المستمرة الدم.

أقول: انه ادعى الشيخ الأعظم في كتاب الطهارة نفى الخلاف عنه و كذلك في المنتهى، و أما على مسلك المحقق الخراساني (قده) في الصفات و هو انها حيث توجب العلم بالحيضية تكون مرجعا، فلا إشكال في حصول العادة بها لأن المدار لو كان عن العلم الواقعي بالحيضتين المترتبتين وقتا و عددا أو وقتا فقط أو عددا كذلك فقد حصل العلم بواسطة الصفات و لا مجال للإشكال.

و أما على مسلك من قال انها للتعبد فأيضا لا إشكال لأن الأمارة تكون مقام العلم فقد جعل الشارع الظن مقام العلم و لا إشكال في انه يقوم مقامه في العلم الجزء الموضوعي أيضا فإذا قال الشارع الحيض المعلوم حيضيته إذا تعدد يكون علامة العادة يحرز العلم به بواسطة الامارة، و لا فرق في ذلك بين الأحكام الطريقية و غيرها مثل تصديق العادل في الأخبار مع الواسطة، فان أثره الشرعي هو الأخذ بمفاد قوله و هو الحكم في الطريقي و في غيره مثل وجوب الصوم و الصلاة، فإن الأمارة إذا قامت يترتب عليها أحكام الواقع.

____________

(1) أقول: انه (مد ظله) لم يبين وجه التبعيض و وجه رده، و أما أصل بيان التبعيض ففي المستمسك (في ج 3- ص 215) قال و الأستاذ في رسالة الدماء استظهر جريان بعض أحكام العادة كالتحيض برؤية الدم و ان لم نقل به في المبتدئة لصدق أيام أقرائها و منع من الرجوع إليها عند تجاوز الدم لصدق انها ممن لا أيام لها أو أيامها متعددة و هو كما ترى.

313

فان قلت: ان المدار في ثبوت العادة على الحيض الواقعي لا ما ثبت بالتعبد قلت: ان الأمارة تثبت الواقع تعبدا و تكون ناظرة اليه و لذا تكون حاكمة، و الا فعلى فرض عدم نظرها الى الواقع يلزم أن يكون واردا كما في موارد تقديمها على الأصول.

ان قلت: ان الرجوع الى التميز يلزم منه إسقاط أدلة التميز ضرورة انها إذا رجعت في الدفعة الاولى و الثانية إلى أدلة التميز تحصل لها العادة و بعد حصولها لا نعتني بالتميز بل العادة تصير أمارة الحيضية، فكيف يوجب الشي‌ء إعدام نفسه.

قلت: أدلة الأحكام الطريقية و النفسية تكون بنحو الانحلال على الموضوعات فإثبات الحكم على بعض الأفراد و نفيه عن بعض لا يلزم منه إسقاط أصل الحكم ففي المقام يكون مورد أدلة التميز الحيضتين الأوليين و في الثالث يتحقق المورد لأدلة العادة فلا اشكال، و قال صاحب الجواهر ان الروايتين اعنى مرسلة يونس و الموثقة منصرفتان عن العادة المركبة و يمكن (1) ان يقال لعل نظره الشريف هو‌

____________

(1) أقول: ان الاشكال يكون من باب و الجواب من باب آخر و الظاهر انه قد حصل الخلط بين الاشكال و الجواب و لأصل التقريب رجعنا الى جزوته أيضا فكان كما تلقينا منه في الدروس و صاحب الجواهر (قده) في أصل حصول العادة المركبة و ان ادعى الانصراف و لكن كان في الفرع السابق في المسألة السابقة، و وجّه الانصراف.

ثم يمكن ان يقال ان الظاهر من الروايتين هو كون الحيضتين متواليتين و ليس ببعيد و هو كلام حسن و اما في المقام فيكون الكلام في حصول العادة بالتميز و عدمه و ما نقل عن صاحب الجواهر في المستمسك (في ج 3 ص 216) هو انه قال في الجواهر نقل عن العلامة في المنتهى نفى الخلاف عن ثبوت العادة بالتميز فان تم إجماعا و الا فللنظر فيه مجال ثم قال و ذكر قبل وجه النظر في ذلك و هو عدم تناول الخبرين له كالاخبار الآمرة بالرجوع إلى الأوصاف فإن إطلاقها يقتضي الرجوع الى الأوصاف و لو مع التكرر مرتين فيمكن ان يكون جواب الأستاذ لقوله عدم تناول الخبرين من باب الانصراف و لكن وجه الانصراف هو خيال انهما في الحيضتين الواقعيتين لا ما يثبت بالأمارة و التمسك بإطلاق أدلة الأوصاف و هو غير وجيه لما ذكره الأستاذ (مد ظله) .

و بظنى ان الدليلين فيما يحصل فيه الاختلاف و هو اليوم السادس متعارضان بعد ما استقرت عادتها بالخمس بواسطة التميز إذا رأت الدم فيه بصفة الحيض فمقتضى دليل العادة عدم كونه حيضا و مقتضى دليل الصفات هو كونه حيضا، فان قلنا بحكومة العادة على الصفات فتقدم عليها.

314

عدم شمول أدلة التميز للمقام للانصراف من باب ان الأمارة لا تثبت موضوع العادة و هو الحيضتان و شرط حصوله الحيضتان الواقعيتان و قد ظهر فساده في المقام.

ثم انه نقل عن الشيخ عدم حصول العادة بواسطة رؤية الدم في شهر بصفة من صفاته و في الشهر الأخر بصفته الأخر مثل ان يكون في شهر اسود و في شهر آخر أحمر لظن عدم الكشف عن العادة بهذا الاختلاف أيضا، و لكن فيه نظر و هو انه بعد كون كل صفة أمارة لا يبقى لهذا الاشكال وجه فان الكل و كل واحد امارة لثبوت الحيضية و ان فرض ان في لسان الدليل أيضا الحيض الذي ثبت باللون الأسود فهو موجب للعادة بالحيضية، لان الأمارة قامت على ان الأحمرية أيضا تكون مقام الأسودية.

ثم ان قاعدة الإمكان أيضا لو ثبت تماميتها يمكن ان تكون دليلا على حصول العادة مثل الرجوع الى أقرانها في العادة و سيجي‌ء البحث عن القاعدة فإن كانت امارة فالكلام فيها مثل الكلام في الصفات في إثبات العادة، و ان كانت أصلا و فرضنا أنها أصل محرز لوجود الكاشفية لها و لكن لم يمضها الشارع مثل الاستصحاب، فأيضا يقدم لانه منقح للموضوع، و اما على فرض عدم الكشف لها فتكون مثل أصل البراءة و لا يمكن تقديمها على الأمارة و إثبات العادة بها مع وجود دليل الصفات و عن بعض انها لو كانت أصلا محرزا أيضا يكون الإجماع على حكومتها على أدلة الصفات بالتوسعة في الموضوع و هو الحيضتان الواقعيتان و لكن يشكل لو كانت أصلا تعبديا مثل البراءة و الشك في الحجية كذلك مساو للقطع بعدمها.

315

[مسألة- 13- إذا رأت حيضين متواليين متماثلين مشتملين على النقاء في البين]

مسألة- 13- إذا رأت حيضين متواليين متماثلين مشتملين على النقاء في البين فهل العادة أيام الدم فقط أو مع أيام النقاء أو خصوص ما قبل النقاء أن ظهر الأول مثلا إذا رأت أربعة أيام ثم طهرت في اليوم الخامس، ثم رأت في السادس كذلك في الشهر الأول و الثاني، فعادتها خمسة أيام (1) لا ستة و لا أربعة، فإذا تجاوز دمها رجعت الى خمسة متوالية و تجعلها حيضا لا ستة و لا بأن تجعل اليوم الخامس يوم النقاء و السادس أيضا حيضا و لا إلى الأربعة.

أقول: ان النقاء المتخلل بين الحيض الواحد اما أن يكون حيضا كما عليه المشهور، أو لا يكون حيضا كما عليه صاحب الحدائق.

ثم انه على فرض كونه حيضا يكون معناه التنزيل منزلته، و الا فالواقع ليس بحيض لانه دم و لا دم في حال النقاء، و قد مر الكلام فيه، و حينئذ نقول: التنزيل بأنه حيض على المشهور اما أن يكون باعتبار جميع الآثار أو باعتبار بعضها و هو ترتيب أحكام الحائض من ترك الصلاة و غيره و على فرض ترتيب جميع الآثار، ففي المقام يترتب عليه حصول العادة أيضا بجميع الأيام.

إذا عرفت ذلك فالمشهور في هذه المسألة هو ان عادة المرأة ستة، خمسة أيام الدم مع اليوم الواحد من النقاء فإذا تجاوز الدم عن العشرة تبنى على الستة و المصنف (قده) مخالف لذلك.

و سند المشهور ما استفادوا من الروايات من صدق أيام الدم في الروايات التي دلت على العادة، فمنها (ح 1 باب 4 من الحيض) عن محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، فقال لا تصلى حتى تنقضي أيامها و عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) في (ح: 7) منه قال: سألته عن المرأة ترى‌

____________

(1) بل العادة ستة أيام ان كان النقاء في الوسط حيضا أو أربعة و واحدة بعد طهرية يوم الخامس ان كان المدار على طهرية النقاء المتخلل، و لكن المختار حيضية الستة، لعدم التنزيل في روايات الباب و حيضية النقاء المتخلل.

316

الصفرة في أيامها، فقال: لا تصلى حتى تنقضي أيامها و ان رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت. و هكذا مرسلة يونس الطويلة و موثقة سماعة اللتان مرتا فيما سبق فإن أيام الأقراء يصدق على الطهر المحكوم بالحيضية.

و هكذا الروايات التي دلت على ان المرأة تقعد في أيامها، فإن أيام القعود غير أيام الدم على فرض كون النقاء المتخلل حيضا، ففي موثقة سماعة (باب 3 من الحيض ح: 11) في الحبلى، «فإذا زاد الدم على الأيام التي كانت تقعد» و في رواية صحاف (باب 30 من الحيض ح: 3) «فلتمسك عن الصلاة عدد أيامها التي كانت تقعد في حيضها».

و في النبوي (باب 5 من الحيض ح: 1) قوله (صلى اللّه عليه و آله) في حديث طويل «فلتدع الصلاة أيام أقرائها، فإن القرء يصدق على الطهر أيضا».

و قد استدل على خلاف ما ذكر بما دل على أيام الدم و أيام الحيض كما في مرسلة يونس القصيرة (في باب 10 من الحيض ح: 4) قوله (عليه السلام) «فلا تزال كلما كبرت نقصت» و كذلك النبوي المتقدم آنفا، بفقرة اخرى منه و هي قوله (صلى اللّه عليه و آله) «تدع الصلاة قدر أقرائها أو قدر حيضها».

فيجب اما رفع اليد عن ظهور الثانية بالقول بأن أيام النقاء ليس من العادة أو عن ظهور الاولى في ان المناط على الأيام و لا يختص بأيام الدم و المصنف (قده) رفع اليد عن ظهور الاولى و القدر المتيقن من التنزيل أيضا هو كون النقاء حيضا في خصوص ترك العبادات و غيرها لا في حصول العادة لدلالة الإجماع و الروايات على ان النقاء المتخلل حيض و معلوم ان النقاء ليس بحيض لغة و عرفا فلا بد من الأخذ بالقدر المتيقن و لا يكون حيضا واقعا ليترتب عليه حصول العادة و ان كان هذا خلاف المشهور.

و لكن الاشكال على المصنف (قده) هو انه لأي دليل ألحق الحيض في اليوم‌

317

السادس بالحيض في أربعة أيام، فإن عادة هذه المرأة ليست كذلك بل رؤية الدم أربعة و النقاء يكون يوما و يكون الدم في اليوم السادس، فهكذا، استقرت عادتها فالحق مع المشهور.

ثم ان المحقق الخراساني (قده) في الرسالة قد فصل بين كون العادة عددية أو وقتية فقال في الأولى بأن المناط على أيام الدم و في الوقتية على الوقت بالأخذ و الانقطاع.

و استدل بأن الأيام تكون صادقة و الظاهر من المرسلة و المضمرة هو اعتبار تساوى الأيام أي أيام الدم في العددية و هنا يكون المناط على الخمسة التي هي الأيام و ان الملاك في الوقتية صدق مثل أيامها، و الظاهر صدقه مع تخلل النقاء.

و قد أشكل عليه بعض الأعاظم أولا بأن المضمرة ظاهرة فيما يعم النقاء أيضا فلا يختص بأيام الدم فقط و كذلك المرسلة.

و فيه ان الحيض يكون هو الدم و لا يكون مركبا من النقاء و الدم كليهما و التنزيل منزلة الدم لا يفيد العادة الّا على فرض القول بعموم التنزيل.

و أشكل ثانيا بأنه في العادة الوقتية إذا صدق مثل أيامها في المركب من النقاء و الدم فذيل المرسلة حاكم على صدرها لأن المدار على الحيضتين في حصول العادة.

و فيه ان الحكومة مشكوك فيها لأن موضوعها مشكوك من حيث انه لا ندري ان صدق الأيام هل يكون بنحو الحقيقة أم لا، الا أن يتمسك بعموم التنزيل.

و لكن الاشكال على المحقق الخراساني وارد من جهة انه لو كان المدار على الحكومة فيكون في الموردين أى العدد و الوقت و لا يختص بالعدد فقط، و بعبارة أخرى و بيان آخر ان المستشكل عليه (قده) ينفى أو لا صدق الأيام حقيقة و يقول في الاشكال الثاني على فرض التسليم يكون دليل الوقت و العدد حاكما من حيث عموم التنزيل، فتحصل ان الحق مع المشهور القائل بأن العادة ستة في المقام لعموم التنزيل الدال على ترتيب جميع الأحكام.

318

[مسألة- 14- يعتبر في تحقق العادة العددية تساوى الحيضتين]

مسألة- 14- يعتبر في تحقق العادة العددية تساوى الحيضتين و عدم زيادة إحداهما على الأخرى و لو بنصف يوم أو أقل، فلو رأت خمسة في الشهر الأول و خمسة و ثلاث أو ربع يوم في الشهر الثاني لا تتحقق العادة من حيث العدد.

نعم لو كانت الزيادة يسيرة لا تضر. و كذا في العادة الوقتية تفاوت الوقت و لو بثلث أو ربع يوم يضر، و أما التفاوت اليسير فلا يضر. لكن المسألة لا تخلو عن إشكال، فالأولى مراعاة الاحتياط.

أقول: في المسألة أقوال كثيرة فقول بأن العادة الناقصة تحصل مطلقا بالعددية و الوقتية بالمقدار المتيقن و قول بالتفصيل بين الوقت و العدد. و قول بعدم الثبوت مطلقا، ففي المسألة فروع:

الأول: هل العادة العددية تتحقق بالناقص كما إذا رأى في الأول خمسة و في الثاني ستة بالقول بثبوت الخمسة.

و الثاني: القول بثبوت العادة العددية و لكن التفاوت في الوقت بأن رأت في أول شهر سبعة تامة و في أول الثاني سبعة ناقصة من حيث انتهاء الوقت.

و الثالث: أن تكون العادة وقتية و عددية و حصل الاختلاف بالعدد كما إذا رأت في شهر من أوله خمسة أيام و في الثاني من أوله ستة أيام أو بالعكس كأن يحصل الاختلاف بالوقت دون العدد، و سيجي‌ء عن المصنف في مسألة: 16 و لم يذكره هنا.

أما ما كان الاختلاف في العدد مع كون العادة عددية، فالمستدل لحصول العادة يقول ان العادة تحصل بالخمسة لأن الستة في الشهر الثاني أيضا فيها الخمسة و زيادة اليوم لا تضر بها.

و قد أجاب الشيخ (قده) عنه بأن ظاهر المرسلة و المضمرة هو التساوي في‌

319

العدد بقوله (عليه السلام) «عدة أيام سواء» و الظاهر من المساواة هو المساواة حقيقة فإذا نقص عدد أيام أحد الشهرين لا يصدق التساوي، على انه يلزم أن تحصل العادة بحيضة واحدة لا بالحيضتين و مفاد الروايات التساوي في الشهرين لأنه على فرض القول بأن العادة خمسة في المثال المذكور و الحال انها رأت الخمسة في شهر واحد و جعل المناط عليه في الشهر الثالث، و الفرض ان الشهر الثاني يكون الأيام فيه ستة فلزوم كون المدار على حيضة واحدة واضحة، لأن الخمسة في الستة ليس لها وجود مستقل و فساده أيضا واضح.

و قد أشكل على هذا التقريب بأن التساوي لازم و لكن الحيثى منه كاف و هنا يكون حصوله واضحا، و التساوي من جميع الجهات غير لازم و اليوم الزائد لا يضر بهذا التساوي خصوصا ان التركيب بين الأيام يكون اعتباريا محضا و لا يكون من التركيب في الجنس و الفصل حتى لا يمكن الانفكاك.

مضافا بأن استفادة التساوي تكون من مفهوم القيد و هو التساوي في الشهرين و هو لا حجية له.

و الجواب عنه هو ان هذا عليل جدا فإنه في كل موارد الأقل و الأكثر يكون التساوي الحيثى موجودا، فان المراد بالتساوي هو الواقعي و يلزم مما ذكره لغوية العبارة لأنه ان كان يحصل بالأقل و الأكثر لا يحتاج الى هذا القيد في الكلام، و أما ما قال من عدم المفهوم له فنقول له: انا لا نكون في صدد أخذ المفهوم بل الحكم يطلب موضوعه فإذا لم يكن الموضوع له لم يكن الحكم قطعا، ففي المقام ندعي ان موضوع الحكم هو التساوي و هو مفقود و في باب المفهوم يكون من المسلّم عندهم انه مع عدم الشرط أو القيد لا يكون الحكم لشخص الموضوع فإذا قيل أكرم زيدا ان جائك لا يكون الحكم على زيد مع عدم المجي‌ء، إنما الكلام في انه هل يكون عليه الحكم العدمي أعنى النهي عن الإكرام أم لا؟ و حينئذ عند عدم التساوي لا تتحقق العادة من جهة‌

320

عدم الدليل، فكلام الشيخ في غاية المتانة.

و لا يشكل عليه بأن العرف يتسامع في صورة كون التخلف بالأقل من يوم كنصفه، فتحصل العادة بما كان أقل بساعات، لأن الموضوع هنا شرعي و ليس بعرفى و ما يرجع اليه عند العرف هو الموضوعات العرفية لا ما بيّن في الشرع فالمقام يكون مثل إقامة العشرة في السفر في شرطية كونها موجبة للإتمام، فإن العرف و ان تسامح، و لكن المناط الدقة و حصول العشرة التامة الواقعية.

و أما إذا كان الاختلاف في الوقت مع فرض كون العادة وقتية فقط مثل ما إذا رأت في أول كل شهر الدم باختلاف الأيام في القطع، مثل القطع في اليوم الخامس دفعة و في السادس دفعة ثانية مثلا فنقول فيه: ان السند لهذا القسم من العادة اما أن يكون للإجماع أو الروايات فعلى الأول فحيث يكون هو الدليل اللبي لا اللفظي فلا محيص الّا عن الأخذ بالقدر المتيقن و هو صورة عدم الاختلاف أصلا في وقت شروع الدم و الا لم تحصل العادة فلو رأت في أول شهر الدم و في الثاني في اليوم الثاني أو بعد مضى ساعات من الوقت الذي رأته في الشهر الأول لا تحصل العادة.

و أما على فرض استفادة العادة الوقتية أى أماريتها من الروايات، فاما أن يكون المناط في العادة هو العرف فيمكن التسامح فيه لما تسامح المصنف (قده) في قليل من الاختلاف، لأن النساء لا اعتناء لهن برؤية الدم في أول دقائق الشهر الثاني.

و الحق مع المصنف (قده) مع هذا الفرض و أما إذا كان المناط مستفادا من الشرع فلا محالة يجب تحقق الموضوع دقة و لا تسامح فيه أصلا، فتحصل ان السند لو كان الإجماع أو المضمرة و المرسلة مع كون المناط في العادة على الشرع في التحديد، فاللازم هو الدقة في أول الدم و يضر الاختلاف و لو بساعة، و أما إذا كان المناط في العادة العرف، مع كون السند الرواية، فحيث يتسامح يمكن التسامح في القليل كما فعله المصنف (قده).

321

و أما الفرع الثالث و هو ما إذا كانت العادة وقتية عددية و حصل الاختلاف في العدد فقيل: بأن الوقت فقط امارة فبمجرد رؤية الدم أول ما رأته في الشهر الأول تحكم بالحيضية، و أما العدد ففي المتيقن منه يأخذ به كما إذا رأت في أول شهر ستة و في الآخر ثمانية فيؤخذ بالمتيقن و هو الستة، و أما في الزائد فترجع الى الصفات و الى قاعدة الإمكان في الحكم بالحيضية و الّا فالبراءة عن حيضية الزائد و قيل تأخذ بالأكثر لأنه يمكن أن تكون حيضا في حقها و قيل بالأخذ بمجموع ما في العشرة حيضا و كل هذه الوجوه مخدوش، و لكن الأخذ بالمتيقن متين و في الباقي ترجع الى الصفات سواء كان السند الإجماع أو الروايات و سواء كانت العادة عرفية أو شرعية.

[مسألة- 15- صاحبة العادة الوقتية سواء كانت عددية أيضا أم لا تترك العبادة]

مسألة- 15- صاحبة العادة الوقتية سواء كانت عددية أيضا أم لا تترك العبادة بمجرد رؤية الدم في العادة أو مع تقدمه أو تأخره (1) يوما أو يومين على وجه يصدق عليه تقدم العادة أو تأخرها، و لو لم يكن الدم بالصفات، و ترتب عليه جميع أحكام الحيض، فان علمت بعد ذلك عدم كونه حيضا لانقطاعه قبل تمام ثلاثة أيام تقضى ما تركته من العبادات.

أقول: الفرع الأول في هذه المسألة هو رؤية الدم في أول وقت العادة فيمن كانت عادتها وقتية فإنه من المتسالم بينهم انها تحكم بالحيضية و تترتب عليها آثارها و لو لم يكن بصفة الحيض و الروايات أيضا بعد الإجماع كذلك لكنها على طوائف (2):

____________

(1) إذا كان التأخر عن أول العادة فإنه يصدق عليه رؤية الدم في العادة، و أما التأخر عن آخر العادة فإن كان بعد رؤية الدم في العادة فهو ليس بحيض الّا أن يكون انتهائه قبل تمام العشرة و ان كان بعد العادة و لم يكن رأته فيها، فلا يبعد الحكم بالحيضية إذا كان بصفاته و ان لم يكن بالصفات احتاطت بالجمع بين أحكام الحائض و المستحاضة إلى ثلاثة أيام، ثم هي حائض و لا تحديد من حيث اليوم و اليومين.

(2) أقول: الكل يرجع الى طائفتين: العمومات و هي لسانها تقعد في أيامها و أيام الحيض و المراد بأيامها أيضا أيام الحيض، و ما فيه جملة إذا رأت الدم فكذا.

أو السؤال يكون عن امرأة ترى الدم.

و اشكال المحقق الهمداني على المقام لا يأتي فيما فيه لفظ الرؤية و العمومات بضميمة هذه يتم بها المطلوب كما قال الأستاذ (مد ظله) مع احتمال كونها أيضا دليلا على المطلوب لو لم يكن ما دل على الحيضية بمجرد رؤية الدم، لأنه يأتي السؤال عن انه هل تقعد من أول الأيام أو من آخرها أو من وسطها؟ و حيث لا تقييد بكون القعود أو الحيض بعد الأيام الثلاثة يؤخذ بعمومها.

322

منها: ما كانت بلسان «دع الصلاة أيام أقرائك» فان لازمها هو الحكم بالحيضية و ترك الصلاة بمجرد الرؤية فيما يصدق أنه أيامها.

و مما دل على ان المناط في الحيضية هو الأيام ما في باب 4 من أبواب الحيض ح 2 و 3 و 4 و 5 و 6، فإنها دلت على ان ما كان من الدم في أيام العادة يكون حيضا و ما كان في غيرها فليس بحيض فجعلت الأيام ملاك الحكم بالحيضية و ترك الصلاة.

و منها الروايات الدالة على ان المناط على الحيض مثل ما ورد في باب 2 من أبواب الحيض ح: 1 عن حماد.

و قد أشكل المحقق الهمداني (قده) بأن المناط إذا كان على الأيام و قد دل الدليل على ان أقلها يكون ثلاثة أيام فمن أين يحصل للمرأة علم بأن الأيام تصير ثلاثة و لم يكن مجرد الرؤية دليلا على ان الدم يصير ثلاثة أيام.

و منها: التي دلت على ان المناط على رؤية الدم فإنه حيث جعل المناط فيها على مجرد الرؤية لا يكون فيها الإشكال لأنها أمارة على الحيضية.

و لكن الحق ان كل الروايات دالة على المطلوب، لأن روايات العادة و الأيام أيضا تكون في مقام بيان جعل الأمارة على الحيضية، فمجرد رؤية الدم في أول الوقت الذي كانت المرأة رأته في سائر الشهور بحيث صارت عادتها يترتب أحكام الحيضية فإن صارت ثلاثة أيام فهو و الّا فينكشف خلاف الامارة و لا إشكال في كشف خلافها فهي محكومة بالحائضية و تترك الصلاة، فإن بدئ الخلاف قضتها، و بضميمة الروايات التي دلت على العادة يتم المطلوب على فرض عدم كون العمومات في مقام بيان ما هنا بصدده و هو حيضية الدم بمجرد الرؤية.

323

الفرع الثاني هو أن يكون رؤية الدم مقدما على العادة الوقتية بيوم أو يومين أو أكثر أو مؤخرا عنها فهل يكون ما تقدم أو تأخر من الحيض أم لا؟ فيه أقوال:

و مهمها ثلاث، الأول: القول بحيضية المتقدم إذا كان قليلا لو كان بصفة الحيض.

الثاني: القول به و لو كان قبل العادة بكثير يعني أزيد من يومين. و الثالث: التفصيل بين أن يكون التقدم و التأخر بقليل أو بكثير.

فعلى الأول يلحق بالحيض و على الثاني لا يلحق به و هذا هو المشهور، و يمكن أن يستدل له بوجوه:

الأول: الروايات التي مرت في الفرع السابق بتقريب أن يقال ان قوله (عليه السلام) «دع الصلاة أيام أقرائك» و غيره يتسامح في معنى أيامها، فإن تقدم الدم بقليل أو تأخره كذلك لا يضر عرفا بصدق الأيام و العادة كما هو الغالب في النساء، و الاشكال السابق عن المحقق الهمداني (قده) من عدم العلم بأنه هل يصير ثلاثة أم لا يجي‌ء في المقام أيضا و الجواب الجواب.

و الثاني: الروايات التي دلت على ان الدم حيض و تترك الصلاة به بناء على صدق الحيض و التسامح فيه بالتقدم و التأخر قليلا.

و الثالث: الروايات الخاصة في المقام، فمنها ما في باب 4 من الحيض ح: 2 «في المرأة ترى الصفرة فقال: ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض و ان كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض».

و فيه احتمالان، الأول: أن يكون المراد من قوله (عليه السلام) فهو من الحيض هو الحيض التنزيلي أي يترتب عليه أحكام الحيض و لو لم يكن بحيض سواء ثبت حيضية الدم القبلي في العادة القبلية بالصفات و كانت فيه أيضا أو لا، فهذا الدم حيض تنزيلا و لو لم يكن بصفته.

و الثاني: هو أن يكون المراد منه هو الحيض الواقعي كما هو الظاهر و الغالب في النساء و لا وجه للاحتمال الأول، فإنه خلاف الظاهر.

324

ثم ان التحديد باليوم و اليومين في الرواية هل يكون مرددا بحيث يكون مفهوم اليومين انه ان كان أزيد لا يكون كذلك، و لو كان أقل من يوم أيضا لا يكون كذلك أم لا، بل المراد كونه بحيث يمكن الحاقه بالحيض المعروف في العادة؟

الظاهر هو الثاني لأن غالب النساء يتقدم الدم على عادتهن بقليل، و لا يحدد بيوم و يومين، و لا مفهوم للقب، فالمراد هو التقدم بقليل خصوصا ان الروايات غير هذه الرواية يكون التعبير فيها التقدم بقليل أو التعبير بقوله (عليه السلام) «ربما تعجل بها الوقت» فيكون التحديد باليوم و اليومين من باب المثال.

و منها: ح: 5 باب 4 من الحيض عن على بن حمزة قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاصر عن المرأة ترى الصفرة، فقال: ما كان قبل الحيض فهو من الحيض و ما كان بعد الحيض فليس منه.

و للاستدلال بهذه بإطلاقها عن التحديد، فان مجرد القبلية كاف في الحكم بالحيضية، و لكن يلزم أن يكون بحيث يمكن الحاقه به جمعا بينها و بين ما دل على ان التقدم بيوم أو يومين مع تنقيح منا و قد مر لأن هذه مطلقه و تلك مقيدة لها.

و منها: روايات باب 15 من الحيض ففي ح: 1، إذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فإنه من الحيضة و في ح: 2 موثقة سماعة قال: سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها، قال:

فلتدع الصلاة فإنه ربما يعجل بها الوقت.

و كيف كان فالمستفاد من جميع ما ذكر انه في صورة التقدم بقليل لا إشكال في الحكم بالحيضية.

لا يقال ان المستفاد من الروايات ان الدم في العادة حيض و لو كان متصفا بصفة خلاف الحيض و النسبة بينها و بين روايات الصفات العموم من وجه، لأن روايات الصفات تدل على ان كل دم كان بهذه الصفة حيض سواء كان قبل العادة أو بعدها قريبا منها أو لا.

325

و هذه دلت على ان الدم القريب من العادة حيض سواء كان بصفة ضد الحيض أو لا، و مورد الاجتماع صورة كون الدم قريبا من العادة و لم يكن بصفة الحيض، فإن أدلة الصفات دلت على عدم كونه حيضا و دليل الإلحاق دل على كونه حيضا فتحصل المعارضة و لا ترجيح لإحداهما على الأخرى.

لأنا نقول: ان روايات الإلحاق خصوصا ما كان فيها التصريح بأن الدم الذي لم يكن بالصفة بل بصفة الاستحاضة مثل الصفرة يكون ناظرا إلى أدلة الصفات و حاكما عليها لأن روايات العادة يكون في بعضها التصريح بأن الصفرة في أيامها حيض و ما تقدم على العادة حيث كان مثل العادة، و قلنا بأن روايات العادة حاكمة على روايات الصفات و شارحة لها تكون مقدمة، فلا إشكال في الحكم بأن الدم الذي يكون قبل العادة بقليل سواء كان بصفة الحيض أم لا، يكون حيضا كما هو المشهور.

و مما ذكرنا ظهر وجه فساد سائر الأقوال، و لكن نشير اليه، فنقول: استدل للقول الثاني أعني الإلحاق بالعادة و لو كان التقديم بكثير، برواية أبي حمزة و موثقة سماعة لاطلاقهما من حيث مقدار القبلية فما كان قبل الحيض فهو من الحيض و لو كان بكثير، و لا يخفى أن فاصلة أقل الطهر بينه و بين الحيض السابق التي هي اجماعية لازمة، فلا يكون معنى التقدم بكثير و لو بفاصلة يوم أو أكثر من الحيض الأول ما لم يبلغ العشرة.

و فيه ان التقدم إذا كان بحيث يحسب هذا الدم عرفا من العادة لا يضر بالحكم بالحيضية كما في ذيل الموثقة من قوله «ربما يعجل بها الوقت» و لو سلم الإطلاق فيقيد برواية اليوم و اليومين و بما كان بلسان التقديم بقليل كما في الروايات الأخرى التي مرت.

و أما الدليل على القول الأول و هو اشتراط كون الدم المتقدم بقليل بصفات الحيض كما عن المدارك فهو الأخذ بعموم أدلة الصفات حيث يستفاد منها ان الصفات خاصة مركبة شاهدة على كون الدم حيضا إثباتا و على عدم كونه حيضا نفيا أعنى‌

326

وجودها أمارة الحيضية و عدمها امارة عدمها و عمومها يشمل المقام أيضا من كون الدم مقدما على العادة.

هذا مضافا الى رواية محمد بن مسلم الدال على ان الدم الذي رأت المرأة في غير أيام العادة بصفة الصفرة ليس بحيض و هذا دم رأته المرأة في غير أيامها و لم يكن بصفته فهو ليس بحيض.

و الجواب عنه هو ان من المسلّم هو ان رؤية الدم في غير أيام العادة بغير صفة الحيض لا تكون ملاك الحيضية، و لكن حيث أثبتنا بأدلة المقام ان المتقدم أيضا من العادة، فيكون هذا الدم حكمه حكم رؤية الدم في العادة، و حيث يكون دليل العادة حاكما على دليل الصفات حتى في صورة كون الدم أصفر لا مجال لاشتراط الصفات في الحكم بالحيضية، فتحصل ان المنصور هو مسلك المشهور.

الفرع الثالث في المسألة هو ما في عبارة المصنف (قده) و غيره من الفقهاء بأنه لو تأخر الدم عن العادة أيضا يكون بحكم الحيض و لو لم يكن بالصفات و لم أر من الفقهاء من فصل معنى التأخر هنا، الا ما عن السيد إسماعيل النوري في كتابه في شرح نجاة العباد لصاحب الجواهر (1).

و لا يخفى ان المراد ان كان التأخر بمعنى ان المرأة كانت عادتها من أول الشهر الى سابعه ثم رأت في شهر من ثالثة فتأخر عن أول العادة بيومين مثلا، يكون حكمه واضحا، لأن هذا الدم يكون في العادة لا انه متقدم و يكون أسهل دلالة من حيث ترتب أحكام الحيض من صورة التقدم، لما ذكرنا انه لا يحتاج الى الاخبار التي مرت ان الدم قبل العادة من العادة لأن هذا الدم في العادة و أما لو كان المراد من التأخر التأخر عن مجموع العادة بأن يكون المراد هو ان من رأت من أول الشهر الى سابعه و كان هذا عادتها إذا رأت‌

____________

(1) أقول: ان الظاهر من التقدم و التأخر بقرينة المقابلة بين الصدر و الذيل بمعنى انه إذا كان التقدم قبل رؤية الحيض يكون التأخر أيضا كذلك كما هو المشهور لكن يمكن أن يقال انه فرق بين قبل العادة و بعدها، فان قبلها لا يكون الا بدون مجي‌ء وقتها فضلا عن رؤية الدم، و أما بعدها فيمكن أن يكون بعد رؤية الدم.

327

بعد السابع و لم تر في السابع دما، فإنه محل الاشكال لو لم يكن بصفات الحيض، أما لو كان بصفته فقد ادعى انه لا خلاف فيه من جهة الحكم به كما ادعى صاحب المستند الإجماع القطعي عليه.

و قد استدل أيضا بأن دليل الصفة ينطبق في المقام لأن تأخر الدم يوجب أن يحصل الاطمئنان بأن هذا هو الدم العادي فانظر الى كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري (قده) في الاستدلالات ليزيدك بيانا.

و استدل أيضا بأن المستفاد من الدليل هو ان المراد من ان المتقدم هو الحيض إذا كان بيوم أو يومين، هو مطلق التخلف و لو كان متأخرا.

و قد أشكل على الأول بأن الصفات تكون مرجعا في صورة استمرار الدم و التجاوز عن العادة أو العشرة، و أما في المقام فحيث يكون الدم غير مستمر لا يرجع إليها.

و الجواب عنه هو ان المختار في أدلة الصفات هو كونها موجبة لحصول الاطمئنان و لا يكون تعبدا محضا و لا خصوصية للاستمرار، فان الصفات للدم علامة الحيضية مطلقا.

و أشكل على الثاني بأنه يكون برهانا فلسفيا فإن شدة الانبعاث في صورة التأخير لا تكون دليلا شرعيا على حصول الحيضية.

و الجواب عنه ان مراد الشيخ الأنصاري (قده) ليس هذا بهذا البيان بل هو يقول بأن الرواية بقوله «دع الصلاة أيام أقرائك» و غيره تنطبق في المقام بإلقاء قيد التقدم فإنه يحسب الأيام أيام الأقراء و ان كان متأخرا قليلا فلا يرد الاشكال عليه.

نعم الاشكال وارد في المقام من جهة الروايات المفصلة فإنها كما مرت يكون المستفاد منها ان الصفرة أو الحمرة إن تقدمت على أيام الحيض بيوم أو يومين فهي من الحيض، و ان تأخرت فليست من الحيض.

و لا يخفى انها على طائفتين: طائفة في خصوص الصفرة فإنها لا تعارض مع‌

328

القول في المقام بكون الدم حيضا بالصفة. و طائفة مطلقة دلت على ان المتقدم على الحيض مطلقا سواء كان بصفة الحيض أو لم يكن من الحيض، و المتأخر سواء كان بصفته أم لا، ليس من الحيض و هي معارضة مع أدلة الصفات الدالة على ان الدم مطلقا إذا كان بصفة الحيض فهو من الحيض سواء كان متقدما على العادة أو متأخرا.

و التعجب هنا من الفقهاء حيث تمسكوا بالإجماع كما في المستند على الحيضية هنا مع وجود هذه الروايات.

و يمكن (1) أن يقال في رفع التعارض ان الروايات المفصلة ان كان المراد‌

____________

(1) أقول: ان المشهور اختار فيما تقدم ان معنى التأخر عن العادة هو عدم رؤية المرأة الدم فيها بل بعدها بفاصلة، و في هذا المقام يكون هذا التفصيل في معنى التأخر و هو على فرضهم غير مستفاد من الروايات فلا وجه لهذا الجمع، و كذلك ان كان المستفاد منها رؤية الدم في العادة و استمرارها بيوم أو يومين.

و على فرض القول بالتفصيل أيضا لا يتم حمل ما دل على عدم حيضية ما تأخر عن العادة على صورة استمرار الدم بيوم أو يومين لأنه ربما تكون العادة كما هو كذلك ثلاثة أو خمسة أو سبعة و لا يزيد بذلك و ما فوقه بقليل عن العشرة.

مضافا بأن هذا الحمل يحتاج الى شاهد و لا شاهد له، فلم يكن الدليل على حيضية الدم المتأخر مع الصفة إلّا الإجماع.

نعم ان استظهرنا من الروايات السابقة هو ان المراد بالتقدم يوما أو يومين هو التقدم على أيام الدم، و المراد بالتأخر التأخر عن العادة بعد رؤيته فيها كما انه ليس ببعيد، فيمكن أن يقال يكون مفادها حكومة العادة على الصفات، فمن كان له عادة و رأتها ثم تأخر بيوم أو يومين و رأت الدم يكون الملاك على العادة، لكن يجب أن يخصص بصورة التجاوز عن العشرة.

و كيف كان يؤخذ بإطلاق ما دل على ان ما بعد الحيض ليس بحيض و يقيد بما دل على ان ما كان فيما قبل العشرة فهو من الحيض، و احتمال المشهور بأن المراد عدم رؤية الدم في العادة و تأخر بيومين و رأت الدم لا يساعده الوجدان، فإنه إذا علمنا بأنه حيض خصوصا مع حصول الاطمئنان بالصفات بعيد.

329

من قوله (عليه السلام) فيها و ان كان بعد الحيض فليس من الحيض هو الدم المستمر فلا تعارض لأن الدم إذا استمر و تجاوز عن العشرة بعد العادة لم يكن من الحيض و لو كان بصفته فإن العادة حيض، و أما ما زاد عنها الى ما بعد العشرة فليس بحيض، و تحمل أدلة الصفات على صورة عدم التجاوز عن العشرة و ان تأخر عن العادة.

و لكن يشكل ان كان المراد هو التأخر بحيث لم يتجاوز عن العشرة و كان بصفة الحيض و يستقر التعارض، هذا كله في الدم الذي يكون مع الصفة، و أما إذا كان متأخرا عن العادة و لم يكن بصفة الحيض فقد ادعى الإجماع أيضا على حيضيته و التمسك به في المقام أقوى من التمسك به في الأول أعني الواجد للصفة، لأن هنا لا سند إلّا الإجماع، حيث ان الدم الأصفر مثلا إذا حكم بأنه حيض مع انه بصفة الاستحاضة لا يكون له سند الّا هذا، بخلاف ما كان بصفة الحيض.

و يمكن أن يستدل له أيضا بما مر (1) من ان الدم إذا تأخر يزيد انبعاثا.

و الاشكال و الجواب فيه كما مر في الأول.

و المشكل في المقام أيضا الروايات المفصلة، و الجمع بينها هو أن يقال ان كان المستفاد من الأدلة هو التحديد من التأخر بيوم أو يومين أو التقدم كذلك ففيما كان أقل من ذلك يصير المرجع هو العمومات، و الّا فيشكل أيضا.

قوله: و أما غير ذات العادة المذكورة كذات العادة العددية فقط و المبتدئة و المضطربة و الناسية فإنها تترك العبادة و ترتب أحكام الحيض بمجرد رؤيته إذا كان بالصفات.

و أما مع عدمها فتحتاط (2) بالجمع بين تروك الحائض و أعمال

____________

(1) أقول: الا ان دليل الصفة غير منطبق لعدم صفة الحيض هنا.

(2) مع عدم العلم بأنه حيض و لا فرق من هذه الجهة بين ما قبل الثلاثة و بعدها فبعد الثلاثة أيضا لو لم تعلم بأنه حيض أو استحاضة تحتاط كذلك الّا مع العلم به على الأقوى و ان كان الاحتياط فيما بعد الثلاثة مع عدم العلم أولى، لادعاء الإجماع على الحيضية و هو سندي.

330

المستحاضة إلى ثلاثة أيام، فإن رأت ثلاثة أو أزيد تجعلها حيضا، نعم لو علمت انه يستمر إلى ثلاثة أيام تركت العبادة بمجرد الرؤية، و ان تبين الخلاف تقضى ما تركته.

أقول: فيمن لا يكون لها العادة و رأت الدم وجوه و أقوال:

قول بالاحتياط بالجمع بين أحكام الحائض و المستحاضة. و قول بالاستحاضة فقط. و قول بالتفصيل و هو انه ان كان مع صفة الحيض فهو حيض و ان كان مع صفة الاستحاضة فلا.

و هذا هو التحقيق لأنه على ما مر لا يكون أدلة الصفات مختصة بصورة كون الدم مستمرا، مضافا الى شمول قوله (عليه السلام) «دع الصلاة أيام أقرائك» لذلك كما قال الشيخ الأنصاري (قده) فإنه يصدق الأيام لمن كان يرى في كل شهر مرة، لكن بالاختلاف في الوقت و العدد، و لكن هذا لا يتم لأن المتأخر عن العادة لا يأتي فيه هذا الدليل.

و الدليل الثالث: هو الروايات التي يمكن الاستدلال بها في المقام مضافا الى روايات الصفات.

فمنها: (ما ورد في باب 30 من الحيض ح: 6) عن إسحاق بن عمار قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين، قال: ان كان دما عبيطا فلا تصلى ذينك اليومين و ان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين.

و الاشكال عليه بأن هذا يكون في الحامل، مندفع بتنقيح الملاك و عدم الفرق في كون الدم المتصف بهذه الصفة حيضا بين الحامل و غيرها، و كذلك الاشكال عليه بأنه يكون في الدم في اليوم و اليومين و أقل الحيض ثلاثة أيام، فكيف يحكم بحيضية الدم الذي كان أقل منها، مندفع بأن التفكيك في دلالة الرواية لا اشكال فيه، فإنها من هذا الحيث لم يعمل عليها، و أما من حيث بيان صفة الحيض فيعمل عليها‌

331

فهذه ضابطة كلية بأن كل دم يكون بهذه الصفة فهو حيض سواء كان فيمن لها العادة أو لا.

و منها: (ما في باب 5 من أبواب النفاس ح: 2) عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما أو أكثر ثم طهرت وصلت ثم رأت دما أو صفرة، قال: ان كانت صفرة فلتغتسل و لتصل و لا تمسك عن الصلاة.

و تقريب الاستدلال بالمفهوم بأنه إذا كان الدم غير الصفرة بل أحمر لا تصلى و لا تدع الصلاة، بل في رواية الشيخ التصريح بالمفهوم حيث زاد في آخرها «فان كان دما ليس بصفرة فلتمسك عن الصلاة أيام أقرائها ثم لتغتسل و لتصل» (في باب 5 من النفاس ح: 3).

و منها: صحيحة عبد اللّه بن المغيرة (في باب 5 من النفاس ح: 1) عن أبى الحسن الأول (عليه السلام) في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما ثم طهرت ثم رأت الدم بعد ذلك قال: تدع الصلاة لأن أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس.

و تقريب الاستدلال بإطلاقها حيث قال (عليه السلام): «تدع الصلاة» سواء كان مع صفات الحيض أو لم يكن، و المتيقن منه هو صورة كون الدم بصفة الحيض.

و الاشكال عليها من جهة تركها الصلاة ثلاثين يوما، غير وارد لأنها تعرضت لبيان ان الزائد عن مقدار العادة من الدم كان طهرا و بالملازمة يفهم الجواب من حيث ان الترك ثلاثين يوما ما كان صحيحا بل بمقدار العادة، فما كان بصفة الحيض من الدم سواء كان في العادة أولا، يحكم بحيضيته.

و يعارض هذه الروايات ذيل مرسلة يونس القصيرة (باب 10 من الحيض ح: 4) و فيها «فإذا رأت المرأة الدم في أيام حيضها تركت الصلاة» فباطلاقها دلت على ان كل دم لم يكن في أيام الحيض سواء كان بصفته أولا، لم يحكم بحيضيته و كذلك مفهوم موثقة سماعة.

332

و الجواب اما عن المرسلة فهو ضعفها بالإرسال، و اضطراب المتن كما مر و ظاهرها انها في مستمرة الدم، و أما رواية سماعة فلا مفهوم لها لأنه من مفهوم اللقب و مفهوم الشرط في حجيته كلام فضلا عن هذا مع ان الروايتين خلاف المشهور، فالمتصف بصفة الحيض فيمن لإعادة لها وقتا حيض.

و أما إذا لم يكن بصفته بل بصفة ضدّه و هو الاستحاضة، فهل يحكم بأنه حيض من باب عدم القول بالفصل فيمن لا عادة له، فكل من قال بأنه حيض لم يفكك بين كونه بصفته أولا، من باب الإجماع المركب كما ادعاه الوحيد البهبهاني، أو القول بالاحتياط من باب عدم تطبيق دليل الحيض و هكذا دليل الاستحاضة من باب ان الاتصاف بصفة الحيض موجب للحكم بالحيضية.

و لكن الاتصاف بصفة الاستحاضة لا يوجب أن يحكم عليه بأنه استحاضة، أو القول بالاستحاضة فقط و ترتيب أحكامها من باب انه كما ان صفات الحيض أمارة الحيضية كذلك صفات الاستحاضة أمارة كونه استحاضة وجوه و أقوال:

فاستدل للقول بالحيضية أولا: بقاعدة الإمكان فإن كل دم أمكن أن يكون حيضا فهو حيض فإذا كان بين الدمين فاصلة أقل الطهر يكون الدم حيضا، و ثانيا: بأخبار الصفات من باب عدم القول بالفصل كما ادعاه البهبهاني (قده)، و ثالثا: بأخبار ترك الصوم بمجرد الرؤية.

و هي في باب 50 من الحيض ففي ح: 4، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة ترى الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال، قال:

تفطر. و في ح: 3 منه «أي ساعة رأت المرأة الدم فهي تفطر. إلخ» و في ح: 7 «في المرأة ترى الدم من أول النهار في شهر رمضان أ تفطر أم تصوم؟ قال:

تفطر، انما فطرها من الدم».

فكأن الدم نفسه يكون علامة الحيضية و لذا يحكم بالإفطار بمجرد الرؤية سواء كان بصفة الحيض أم لا.

333

و رابعا: بإطلاق صحيحة عبد اللّه بن المغيرة (باب 5 من أبواب النفاس ح: 1) بقوله (عليه السلام) «تدع الصلاة» أي سواء كان بصفة الحيض أو لم يكن.

و خامسا بمضمرة سماعة في باب 14 من الحيض ح: 1 لإطلاق قوله (عليه السلام) «فلها أن تجلس و تدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة» أي سواء كان بالصفة أم لا.

و سادسا (1) بحديث 5 و 6 في باب 5 من الحيض عن يونس و عن نعيم الصحاف.

و قد أشكل الشيخ الأنصاري (قده) على قاعدة الإمكان بأن موضوع قاعدة الإمكان هو استمرار الدم إلى ثلاثة أيام أيضا مضافا الى فاصلة أقل الطهر بين الحيضين و غيره و قبل مضى الثلاثة ما أحرزناها حتى نحكم بالحيضية بمجرد الرؤية فلا وجه للحكم بالحيضية بها، ثم قال: فان قلت: بواسطة استصحاب بقاء الدم إلى الثلاثة نثبت الاستمرار الذي هو جزء الموضوع.

قلت: ان الاستصحاب يحتاج الى يقين سابق و شك لا حق، و في المقام وجود الدم في هذا الحين متيقن، و ما بعده حيث لم يأت زمانه لا شك و لا يقين بالنسبة إليه فلا يفيد الأصل هذا، و لكن التعجب عن الشيخ الأنصاري (قده) و عن المحقق الخراساني حيث انهما قائلان بجريان الاستصحاب في التدريجيات مثل اليوم و الليل كما في استصحاب بقاء النهار في رمضان للحكم بعدم جواز الإفطار و استصحاب بقاء الليل في الحكم بجواز الأكل فيه، و لكن في المقام لا يقولان به.

هذا في استصحاب الشخصي، في جريان الدم و أما الاستصحاب الكلي أيضا بأن يقال ان الدم كان متيقنا حصوله فهكذا فيما سيأتي لأنه يرجع الى الفرد المردد‌

____________

(1) أقول: و لا يخفى ان ح: 5 بعض مرسلة يونس الضعيفة و ح: 6 لا دلالة لها على المطلوب بل هو في ذات العادة.

334

فإنه يدور أمره بين أن يكون متيقن الحصول بالنسبة إلى الإن و مقطوع العدم بالنسبة الى ما سيأتي.

و قد أشكل ثانيا على الأصل هنا بأنه على فرض جريانه لا يفيد، لأن الذي يكون جزء الموضوع هو الاستمرار المقطوع، و لا يثبت بالاستصحاب القطع بوجود الموضوع و لو كان الدخيل هو الواقع لا الاستمرار المقطوع أيضا لا يجرى الاستصحاب لأنه بالنسبة إليه يكون الأصل مثبتا، حيث لم يؤخذ في لسان دليل فإن نتيجة الأصل هو إثبات الاستمرار و بواسطته الحكم بحيضية الدم، فما له الأثر هو دم الحيض لا الاستمرار.

و قد أشكل عليه بأن الاستصحاب ينزل الشك منزلة اليقين فما نثبت بالاستصحاب يكون كما لمتيقن، فلا اشكال من هذه الجهة.

و الجواب عنه هو ان القائل على مبناه في المقام يصح ما يقول، و لكن على مبنى الشيخ لا يصح، فإنه قائل بأن مفاد لا تنقض اليقين بالشك هو تنزيل المشكوك منزلة المتيقن و عليه لا يقوم مقام اليقين الجزء الموضوعي فهو (قده) على مبناه لا يرد عليه الاشكال.

و لكن الإيراد عليه (قده) هو ان اشكاله الأول و هو عدم جريان الأصل غير تام لأنه قائل بجريانه في التدريجيات و المقام منها.

و ثانيا: ان واقع الاستمرار يكون جزء الموضوع لا هو مع اليقين به حتى يرد إشكاله الثاني.

و ثالثا: على فرض التسليم نقول بفساد المبنى و انه يكون مفاد دليل الاستصحاب تنزيل الشك منزلة اليقين لا المتيقن.

و الجواب عن قوله انه أصل مثبت حيث ما أخذ الاستمرار في لسان دليل قيل هو انه أخذ في لسان الدليل و لكن دليله الإجماع و لا فرق في الدليل بين كونه لفظيا أو لبيا كالإجماع.

335

و لكن يمكن الجواب عن هذه الإشكالات أيضا بأن الإجماع إنما قام على ان الدم لا يكون أقل من ثلاثة أيام و لازمه الاستمرار فهو غير مأخوذ في لسان الدليل، و أما عن كون المقام من التدريجيات فهو انه يجرى الأصل فيها إذا كان الحكم على العنوان مثل عنوان الليل و النهار بخلاف المقام الذي يكون الحكم على الشخص، فان المراد هو إثبات ان هذا الدم الشخصي حيض، و علاجه بأن المقام أيضا يكون الموضوع هو العنوان العدمي، و هو عدم أقلية الدم عن ثلاثة أيام و عدم كون الفاصلة بين الحيضين أقل من عشرة أيام الطهر مما يحقق موضوعه، غير وجيه لأن الشيخ (قده) يدعى انه أمر وجودي، فلا يتم القاعدة في المقام.

و أما أدلة الصفات ففي موردها لو لم نقل باختصاصها بالمستمر، ففي المقام الذي لا يكون فيه الصفة بل فيه صفة الاستحاضة لا تنطبق أصلا بل ينطبق دليل الاستحاضة على فرض كون الصفرة علامة الاستحاضة و الحمرة علامة الحيض و أما على فرض كون صفة الحيض أمارة فقط عليه و عدم أمارية الصفرة للاستحاضة، فاللازم في المقام هو ان يقال بأنه طاهر حيث انها غير واجدة لصفات الحيض.

و اما الاستدلال بإطلاقات الإفطار بمجرد الرؤية فلا يتم أيضا لأن المنصرف منها هو صورة كونه واجدا للصفات أو يكون هذه الصورة هي المتيقن، هذا أولا و ثانيا يمكن ان تكون في مقام دفع توهم ان الحيض قبل الطهر له فارق مع ما بعده كما في السفر فإنه قبل الزوال يفسد الصوم لا بعده فلا يكون في صدد بيان ان الدم بمجرد الرؤية حيض بل في مقام بيان ان دم الحيض الذي أحرز انه حيض يكون مفطرا مطلقا.

و أما المطلقات الأخر فإنها أيضا منصرفة إلى الواجد للصفات أو يكون المتيقن منه ذلك مع انها مقيدة بروايات الصفات المفصلة بين كون الدم عبيطا و غيره من الصفات فيحكم بكونه حيضا و مع عدمه فليس كذلك، فان منها ما مر من رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما‌

336

أو أكثر ثم طهرت وصلت ثم رأت دما أو صفرة، قال: ان كانت صفرة فلتغتسل و لتصل و لا تمسك عن الصلاة. و في ذيل رواية الشيخ (في باب 5 من النفاس ح: 3) «فان كان دما ليس بصفرة فلتمسك عن الصلاة أيام أقرائها».

فتحصل من جميع ما ذكرناه عدم تمامية الأدلة على ان غير الواجد للصفات يحكم بحيضيته، فعلى التحقيق من كون الصفرة أمارة على الاستحاضة فهذا الدم استحاضة و الاحتياط بالجمع بين تروك الحائض و أفعال المستحاضة مستحب.

و المصنف (قده) حيث رأى تراكم الأدلة لكونه حيضا أو استحاضة مع العلم الإجمالي بأنه يكون أحدهما حكم بالاحتياط الوجوبي بالجمع، لكن عرفت عدم تمامية الأدلة للحيضية و تمامية الدليل لكونه استحاضة مع ان الأصل (1) البراءة عن أحكام الحائض.

هذا كله فيما قبل تمام ثلاثة أيام و أما بعدها فهو حيض و الدليل عليه مضافا الى الإجماع ما ورد عن يونس بن يعقوب (2) (في باب 6 من الحيض ح: 2) قال:

____________

(1) أقول: ان هذا الأصل يعارضه الأصل في جانب الاستحاضة فإن الأصل البراءة عن تكليفها أيضا فلو لم يكن دليل آخر يعمل على طبق العلم الإجمالي، و لكن الحق انه استحاضة.

(2) أقول: انه لم يبين الأستاذ (مد ظله) هذا التقريب في الدرس، و لكن بعد ما سألناه يكون التقريب عنده بهذا النحو.

فأقول: لا يتم الاستدلال بهذه الرواية و ما بعدها من جهات:

الاولى: ان غاية ما يستدل به إطلاقها. و يرد عليه انه لا يتم الإطلاق أولا من باب انه منصرف الى ما يكون بالصفة كما مر في جواب سائر الروايات التي مرت في الاستدلال الى ما لا صفة له قبل الثلاثة عنه مع عدم استفادة الإطلاق رأسا لأنها لا يكون لها الإطلاق بأن يقال كل دم تجاوز عن الثلاثة سواء كان بصفة الحيض أو بصفة الاستحاضة فهو حيض فلا بد من أن يكون مقيدا بما يكون بصفة الحيض أو علم بأنه حيض.

و الثاني: خارج عن محل الكلام مثلا، مضافا بأنه مقيد بظاهر حديث 2 و 5 و بنص رواية 6 في ان ذا الصفة حيض، و كذلك بقية الروايات التي في باب 6 من الحيض.

و الجهة الثانية: اشتمال خصوص رواية يونس على ما هو خلاف الإجماع و الروايات، و هو القول بحيضية ما كان الطهر بينه بثلاثة أو أربعة في حال ان الطهر لا يكون أقل من عشرة، الّا أن يقال بالتفكيك و التبعيض في الدلالة و هو في المقام بعيد.

الجهة الثالثة: على فرض قبول الإطلاق يكون معارضا بإطلاق أدلة الصفات بأن الدم إذا كان بصفة الحيض فهو حيض سواء كان قبل الثلاثة أو بعدها و يكون الحاكم عليها روايات العادة فيمن لها العادة.

و لا يخفى ان صاحب المستمسك (قده) نسب رواية الى عبد اللّه بن سنان و المذيلين في مقام بيان مصدر الرواية في الوسائل كتبوا مصدره في باب 30 من الحيض ح: 1 و لكن فانظر إليها في الباب حتى ترى ان المصنف (قده) نقل صدر رواية صفوان في الباب ح: 4 مع ذيل هذه الرواية و ما في الوسائل لا يكون كذلك و لا دلالة لهذه الرواية للمقام أصلا.

و ما يمكن الاستدلال به بما مر من الإطلاق لو تم يكون هو رواية صفوان ح: 4، و قد نقلها مستقلا.

و الحاصل لا دلالة لهذه الروايات على المطلوب، و الإجماع حيث يحتمل أن يكون سنده ما ذكر لا يعبأ به.

فنقول: حيث ان الصفات كما مر عن الأستاذ تبعا للمحقق الخراساني (قده) يكون التمسك بها من باب حصول الاطمئنان و لا يكون لها خصيصة، ففي المقام ان حصل الاطمئنان بأنه حيض كما ربما يحصل بواسطة الأمارات العادية غير العادة المعروفة فإن الدم يكون من الحيض و لا خصيصة للثلاثة، و ان كان الأستاذ في ذاك المقام كان يقول بأن الاطمئنان الحاصل من الصفات هو الملاك لا مطلق الاطمئنان لعدم الدليل عليه.

و على هذا لا فرق بين الدم قبل الثلاثة و بعدها الّا ما كان بصفة الاستحاضة و هو أيضا ان حصل منه الاطمئنان يحكم بأنه استحاضة. و الحق انه لا يحصل الاطمئنان بها بواسطة الصفرة فقط بل الخاصة المركبة هي علامتها و يحصل الاطمئنان منها كما في الحيض.

337

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تدع الصلاة، قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة، قال: تصلى إلى قوله تصنع ما بينهما و بين شهر، فان انقطع عنها الدم و الا فهي بمنزلة المستحاضة.

338

بتقريب ان يقال ان الملاك في كون الدم حيضا هو ثلاثة أيام و لا يكون أقل و بإطلاقها تدل على ان ذلك علامة سواء كان الدم بصفة الحيض أو لا. و كذلك ما ورد في باب 30 من الحيض ح: 4 عن صفوان.

هذا كله مع عدم العلم بكونه من الحيض و أما إذا علمت من مزاجها أو قرائن اخرى انه من الحيض فيحكم من الأول به و تترتب أحكامه عليه.

تنبيه في قاعدة الإمكان قد مر في مطاوي البحث الكلام في قاعدة الإمكان من حيث التطبيق على الموارد و الآن نريد البحث عنها مفصلا، و ينبغي البحث فيها في مقامات ثلاثة: الأول: في معنى الإمكان فيها. الثاني: في دليلها. الثالث: في موردها. و الأولى كان تقديم البحث عن دليله ليظهر انه يتم أولا، ثم البحث عن معناه لو تم و هكذا البحث عن موردها، و لكن نحن أيضا نبحث على ترتيبهم (رضوان اللّه عليهم) كذلك.

ثم ان القاعدة هل تكون إرشادا إلى الواقع بمعنى ان ما أمكن كونه حيضا يكون حيضا واقعا أو هي أصل أو أمارة، الظاهر انها أصل أو أمارة لأن الدم الواجد لصفة الاستحاضة يصير البحث فيه لغوا على فرض الإرشاد بخلاف صورة كونه أصلا أو أمارة تعبدا.

أما المقام الأول و هو البحث عن معنى الإمكان من حيث كون المراد منه الإمكان الذاتي أو الوقوعى أو القياسي أو الاحتمالى، و لا يخفى انه لا وجه لهذا البحث لأنا‌

339

لا نكون في صدد بيان التكوين هنا بل نحن ندور مدار حكم الشرع، و حيث ما ورد التعبير به في لسان دليل لا ينتج البحث عنه أثرا شرعيا بل اللازم هو البحث عن دليله و منه يظهر معناه عند الشرع، و لكن نبحث على حسب بحثهم.

فنقول: أما الإمكان الذاتي بالمعنى الأخص و هو أن لا يكون طرف الوجود و العدم ضروريا و بالمعنى العام بمعنى عدم كون عدمه ضروريا سواء كان وجوده ضروريا مثل الواجب تعالى أو لا مثل سائر الممكنات، فلا يكون هو المراد هنا لأنه على فرض إمكان كون الدم حيضا كذلك يمكن أن يكون وجوده ممتنعا فيما دون الذات على ان التعبد فيما يكون المراد به الإمكان العام غلط، لأن ما لا يكون عدم حيضيته ضروريا، فإمكان كونه حيضا لا يحتاج الى دليل من الشرع بالتعبد كما هو المفروض في المقام.

و ثالثا ان صقع الإمكان هو الماهية و الطبيعة لا الوجود الخارجي فإن هذا الدم الموجود في الخارج أما أن يكون حيضا قطعا أو لا يكون حيضا قطعا و لا معنى للقول بإمكان كونه حيضا.

و أما الإمكان الوقوعى فالقول به أيضا لا وجه له لأن الإمكان بهذا المعنى اما أن يكون بالنسبة إلى الواقع و نفس الأمر و اما أن يكون بالنسبة إلى التحديدات الشرعية.

و الثاني: اما أن يكون بالنسبة الى ما علم من الشرع مثل ما دلت الامارة الشرعية على اعتباره، و اما يحتمل اعتباره شرعا واقعا و ما يكون من الأقسام بالنسبة إلى الغير يكون هو الإمكان القياسي أما الوقوعى و هو القسم الأول، فحيث لا سبيل لنا الى الواقعيات و علل الوجودات لا يكون لنا أن نبحث عنه و لا ندري انه هل يقع من وقوعه محال في الخارج أم لا.

و أما القياسي بمعنى ما دلت الأمارية الشرعية المعلومة على التحديد، فان كان أمارة أخرى معارضة لها مثل أمارة الاستحاضة فلا يتوجه اليه من باب التعارض، و أما إذا لم يكن أمارة كذلك، فيكون للتعبد بتلك الأمارة مجال، و أما ما لا تكون الأمارة‌

340

الشرعية بالنسبة إليه فيكون هو مجرد الاحتمال فقط و هو لا يفيد، و الإمكان الذي يكون دليلا هو ما يجب التعبد به، و لا يجب التعبد بالاحتمال مع انه من الشبهة المصداقية للدليل الذي يحتمل كون هذا مصداقا له و لا نتمسك به في الشبهة في المصداق على ما هو التحقيق.

و الفرق بين الإمكان الاحتمالى و القياسي بالنسبة إلى الحدود الشرعية فقط أو الشرعية و الواقعية هو انه في الاحتمالى في أول الرؤية إذا لم يمكن إحراز استمرار الدم إلى ثلاثة أيام و كانت القاعدة جارية يحكم بحيضيته.

و أما القياسي بالمعنى الأول فهو يكون في صورة وجود جميع ما يعتبر دخله فيه شرعا و احتمالا مع العلم بعدم حيضية الدم، و أما بالمعنى الثاني فيكون في صورة إحراز جميع ما ثبت اعتباره و فقد بعض ما يحتمل دخله كالتوالى مثلا.

و أما المقام الثاني و هو البحث عن دليل القاعدة فنقول فيه: انه قد استدل لها بوجوه تبلغ خمسة أو ستة:

الوجه الأول: و هو أصالة السلامة (1) الجارية في جميع الأمور من المعاملات‌

____________

(1) هذا الأصل يحتاج الى كون النساء من الأطباء ليعرفن ان دم الاستحاضة من العاذل و دم الحيض من الرحم و ما وجدنا في النساء مع كثرة سؤالهن منا تفوه هذا المعنى أصلا، و لو كان شي‌ء يكون هو السيرة فهي أيضا غير تامة فإنا لم نجد العرف المتشرعة كذلك، و أما غير المتشرعة من النساء فما وجدناهن بيننا لنعرف سيرتهن و لو وجدناهن لا يكون سيرتهن مفيدة لنا لأن غير المتشرعة منهن إذا رأت الدم تحكم بأنه دم اما انه حيض يترتب أحكامه عليه فهي ليست بصدده لنكشف بذلك إمضاء المعصوم (عليه السلام) لسيرتهن.

فلا يتم السيرة و لا الأصل و لا بناء العرف و لا الإجماع لأنه سندي و لا الروايات كما سيجي‌ء، نعم لو توهم سيرة تكون هي من باب علم بعض النساء بقرائن خارجية ان الدم هو الحيض مثل ان رأت في كل شهر كذلك و فهمت عادتها بأن الدم العادي لها هو هذا الدم و هذا غير مربوط بالأدلة بل العلم بذاته حجة و هو لا يكون محل البحث و كذا لا يتم ما في المستمسك من كشف اللثام فارجع إليه فإنه (قده) بينه.

341

و غيره و بيانه في خصوص المقام هو ان دم الحيض يكون عن الرحم و يكون من طبيعة المرأة، و أما دم الاستحاضة فيخرج من العرق العاذل لمرض و كذلك سائر الدماء فإذا خرج دم من المرأة لم يثبت أنها مريضة بمقتضى هذا الأصل يحكم العقلاء بأنه من الطبيعة و هو حيض و لم يردع عنه الشارع و حيث ان إمضاء العقلاء يكون من باب طريقية هذا الى الواقع و من باب جهة كشفه فيكون أمارة شرعية لو تم الاستدلال بها و يسقط اشكال كونه مثبتا من جهة ان أصالة سلامة المزاج من لوازمها العقلية هو كون الدم من الحيض و الأصول لا تثبت لوازمها كذلك لأن الأمارات مثبتاتها أيضا حجة و فرض أنه أمارة و هذا الوجه ذكره المحقق الهمداني و صاحب الرياض.

و قد أشكل عليه بأن للشرع المنع عن هذا في غير الواجد للصفة و على فرض الأمارية يفكك بين اللوازم فإنه ليس كل أمارة مما يجب ان يترتب عليها الآثار جميعا فيؤخذ بها لما هو المتيقن مثل ما كان في المعاملات و الأقوال و الأفعال و أما جريان هذا الأصل حتى في الأمور التكوينية فمشكل حيث ان مرجع هذا الأصل في مثل الصلاة و الغسل مثلا الى قوله (عليه السلام) هو حين العمل اذكر و هو لا ينطبق على التكوين فإنه لا يكون في وسعنا إحراز أن الطبيعة جرت على مقتضاها من الصحة في جميع الموارد.

نعم على مسلكنا من جريان الأصل في الأمور التكوينية يمكن جريانها في المقام كما في الثوب الذي كان نجسا و لم يعلم هذا من غسله فإنه بعد الغسل باحتمال حصول الطهارة تكوينا بواسطة الغسل نحكم بالطهارة (1) خلافا للشيخ الأنصاري (قده).

هذا كله لو كان المراد بالأصل في كلماتهم هو أصالة الصحة، و أما لو كان المراد به هو استصحاب عدم كون الدم خارجا من العاذل ليثبت انه خرج من الرحم‌

____________

(1) مع العلم بأن الغاسل لا يعلم النجاسة لا يكون بناء العقلاء المتشرعين على ترتيب أثر الطهارة لمجرد إحراز عنوان الغسل.

342

فقد أشكل عليه المحقق الخراساني (قده) أولا بإشكال المثبتية على نحوين:

الأول: هو ان أصالة عدم خروجه منه بواسطة عدم كونه في الأزل من العاذل لا تثبت ان هذا الدم الخارجي لم يخرج منه لعدم الحالة السابقة له، و هذا هو الاشكال المعروف في باب استصحاب العدم الأزلي و هو (قده) ممن يقول بجريانه و لا نفهم لماذا أشكل هنا بهذا الاشكال.

و النحو الثاني لبيان كونه مثبتا هو ان أصالة عدم خروجه من العاذل لا تثبت انه خرج من الرحم فهو حيض و هذا صحيح.

و ثانيا بإشكال التعارض فإنها تتعارض مع أصالة عدم خروجه من الرحم فلا يتم هذا الأصل بهذا المعنى.

الوجه الثاني (1): هو بناء العرف كما قال الشيخ في كتاب الطهارة ببيان ان النساء و لو لم يكن متشرعات يحكمن بأن الدم حيض و لو لم يكن له الصفة فإنهن مثلا بواسطة تعفن أفواههن يعلمن بأنه حيض كما انه يفهم وجود الحمل لها من استرخاء عينها.

و فيه انه على فرض تسليم هذا فتحتاج إلى إمضاء من الشرع و لم يكن بل يمكن إثبات الردع بأدلة الإرجاع إلى الصفات و العادة في إثبات كون الدم حيضا و لم يرجع الى عرف النساء.

الوجه الثالث: هو السيرة المتشرعة عن النساء على الحكم بالحيضية للدم الذي يكون كذلك.

و قد أشكل المحقق الخراساني (قده) بأنها يحتمل أن تكون ناشئة من فتوى الفقهاء و لا يمكننا إثبات كونها متصلة إلى المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) .

و فيه ان هذا الاشكال يكون في جميع السير المدعاة في الشرع و لا يختص بالمقام.

____________

(1) مرّ وجه فساده و وجه فساد الوجه الثالث فيما مرّ في التذييل السابق ببيان منا.

343

و الوجه الرابع: الروايات، و هي على طوائف: منها ما ورد في الحبلى (في باب 30 من الحيض ح: 1 و 9) ببيان ان التعليل في الذيل «بأن الحبلى ربما قذفت بالدم» يعطى الظهور بأن الملاك على الاحتمال فحيث يمكن أن ترى الحبلى الدم يحكم بأنه حيض و لا يكون خصيصة لكونها حبلى بل كل مورد يكون كذلك.

و قد أشكل على هذا التقريب بأن روايات الحبلى لا تكون في صدد البيان من هذه الجهة بل يكون في مقام بيان ان الحبلى لا خصيصة لها لما في ذهن السائل من الاستبعاد أو ما عن العامة مثل أبي حنيفة من ان الحبلى لا ترى الدم.

و استشهد الشيخ الأنصاري (قده) بأن كلمة ربما تكون لكثرة الوقوع في الخارج فمعنى الرواية انه لا وجه لتوهم الخلاف مع انه كثيرا يقع في الخارج كذلك، مضافا بأن في بعض الروايات ان الصفرة لا تكون موجبة لترك الصلاة و هو الشاهد على ان ما كان بصفة الحيض فهو حيض و ما كان عبيطا فهو حيض.

و فيه ان التعليل (1) عام و لا يضر بعمومه خصوصية المورد، و الإرجاع إلى الصفات يكون في رواية مشتملة على ما لا يقول به المشهور و هو تضمن الرواية بأن اليوم‌

____________

(1) أقول: قد مر منه في حكم الدم قبل ثلاثة أيام إذا كان أصفر انه ليس بحيض، و ادعى انصراف أمثال هذه الرواية إلى الدم الذي يكون بصفة الحيض كما هو الظاهر و إنكار عدم كونه في صدد بيان العموم بل في صدد دفع الاستبعاد أيضا لا نفهمه بل نفهم صحة ما قيل.

و أما الرواية التي فيها بيان صفة الحيض فتكون مما استدل به (مد ظله) في بيان أدلة الصفة، و قال بأن اشتماله على اليوم و اليومين لا يضر لقوله بالتفكيك في الدلالة في الخبر.

و أما ما فيه ان الصفرة ليست بحيض فلا يكون معناه الا نفى الحيضية عما يكون بهذه الصفة، فكيف يمكن أن يستدل بهذه الروايات للإمكان بهذا البيان، و من العجب القول بالانصراف تارة و قبول الدلالة أخرى و ان كان المتفكر في إلقاء الأفكار الدقيقة معذورا في أمثال ذلك.

344

و اليومين أيضا حيض مع ان الحيض على المشهور لا يكون أقل من ثلاثة أيام و ما فيها ان الصفرة ليست بحيض لا يكون نافيا بل هو مثبت في مورده فقط (1).

و منها: ما ورد في تقدم دم الحيض و تأخره (في باب 15 من أبواب الحيض ح 2) و يكون في ذيلها التعليل بأن المرأة ربما تعجل بها الوقت بعد حكمه (عليه السلام) بأن ما تقدم قليلا يكون حيضا، فيكون تقريبها ان الدم الذي أمكن ان يكون حيضا فهو من الحيض و لو لم يكن في العادة.

و فيه ان معنى هذه الروايات هو الاتساع في أمارية العادة لكون الدم حيضا لا ان كل ما يمكن ان يكون حيضا فهو حيض سواء كانت المرأة ممن لإعادة لها أو تكون لها العادة فهذا حكم ذات العادة لا غيرها.

و منها ما ورد في اشتباه دم العذرة بالحيض بأن القطنة ان صارت مطوقة فهو من العذرة و ان انغمس فيه الدم يكون من الحيض (2).

و تقريب الاستدلال على فرض ان يكون الاحتمال ثلاثيا بأن احتمل ان يكون الدم من العذرة أو من الحيض أو الاستحاضة فإنه إذا لم تصر مطوقة يمكن ان يكون الدم حيضا و يمكن ان يكون استحاضة و مع ذلك حكم (عليه السلام) بأنه حيض اى سواء كان مع الصفات أو لم يكن، و اما إذا كان الاحتمال ثنائيا كما في مورد الرواية و خصصنا الحكم بالمورد فلا يفيد للمقام و الظاهر عدم الاختصاص بالمورد خصوصا ان دم‌

____________

(1) أقول: و مورده كون الدم بصفة الحيض كما في صدر الرواية من قوله (عليه السلام) ان كان دما عبيطا. إلخ.

(2) أقول: انه حيث يكون المورد بأن الدم اما حيض أو عذرة فعدم التطويق يكون سبب الحكم بحيضية المنغمس، لا ان الانغماس حيث يكون مشتركا يقال بأن الحكم يؤخذ بإطلاقه بأنه سواء كان حيضا أو استحاضة من حيث الصفة يحكم بكونه حيضا.

و بتعبير آخر انه في المقام يكون في صدر بيان علامة البكارة و امارتها و هي التطويق لا علامة الحيض فان بيان علامته يكون في مقام آخر.

345

الاستحاضة أيضا ينغمس في القطنة فلا خصيصة لهذا الحكم بالحيض فقط فالحكم بالحيضية مطلقا يدل على قاعدة الإمكان.

فتحصل ان القاعدة (1) تتم بالطائفتين الأخيرتين من الروايات مع ضم السيرة.

ثم انه قد استدل خامسا بالإجماع عليها و هو لا يتم بواسطة احتمال ان يكون سنده تلك الروايات التي مرت.

المقام الثالث في بيان مورد القاعدة و فيه جهات: الجهة الاولى في أنها هل تكون أمارة أو أصلا و على الثاني فهل تكون من الأصول المحرزة أم لا، قال النائيني (قده) و بعض المعاصرين (رضوان اللّه عليهما) لا ينبغي الشك في كونه أصلا تعبديا غير محرز و لكن يجب التفصيل في الكلام بين ان يكون الدليل عليه أصل السلامة و بناء العرف و العقلاء فيقال بأنها امارة لأن العقلاء و العرف لا يكون لهم تعبدات بل حكمهم من باب الظن أو العلم و على نحو كشف يجدونه في الشي‌ء و لا يلزم القول باماريتها معارضتها مع أدلة الصفات و العادة لتقدمهما عليها من باب انهما موهنان للقول بإمضائه من حيث ان ذات الصفة و العادة لا يكون مرجعها قاعدة الإمكان (2) و اما إذا لم تكن الصفة و العادة لها فلا تكونان رادعتين عن بناء العقلاء و العرف.

و اما لو كان الدليل الاخبار فليس المستفاد منها الا الأصل التعبدي في ظرف الشك و على فرض الشك في ذلك أيضا يكون المتيقن هو الأصلية و لو كان الدليل الإجماع و السيرة فحيث انهما دليلان لتبيان و لا لسان لهما فالمتيقن أيضا هو الأصلية و اما ثمرة البحث عن ذلك فهو أن الأمارة تقدم على الأصل بخلاف ما لو‌

____________

(1) أقول: قد ظهر مما تقدم منا عدم تمامية القاعدة بوجه من الوجوه و ليس بيانه (مد ظله) الا ما قررناه بعد تكرار المراجعة إليه.

(2) أقول: انه يلزم إضافة شي‌ء آخر و هو أن الصفات و العادة بنظر العرف أيضا مقدمة فهم مع وجود الصفات و العادة لا اعتناء لهم بهذا الدليل لو تم و لكن لا يتم أصلا.

346

كان أصلا فإنه يحصل التعارض مع مثل استصحاب عدم الحيضية فإنه على الأمارية يقدم القول بأنه حيض. و فيه انه على فرض كونه أصلا أيضا يقدم على سائر الأصول فإن أصالة الصحة مقدمة على أصالة الفساد مع انها أيضا أصل.

الجهة الثانية في أنها هل تختص بالشبهات الموضوعية أو تعم الحكمية أيضا مثل الشك في شرطية التوالي من جهة عدم استفادتها من الدليل الظاهر من الروايات هو أن المورد يكون من الشبهة الموضوعية فان اشتباه الدم بأنه حيض أو لا في الحامل يكون من الشبهة في المصداق من حيث شبهة خارجية و هي خروجه من الحامل مع العلم بحدوده من جهة الشرع.

و لا يقال ان الشبهة في الحكم أيضا يرجح الى الموضوع لأن الدم الخارجي يصير مشكوك الحكم من باب الشك في شرطية التوالي مثلا. لأنا نقول ان الشبهة الحكمية يكون مفروض العدم من حيث جوابه (عليه السلام) بعد السؤال عن ان الحامل ترى الدم أم لا بقوله (عليه السلام) «نعم».

و أما الإجماع و السيرة و غيره من الأدلة فيكون في الشبهات الموضوعية فقط لأنها المتيقن و يكون بناء العقلاء أيضا في صورة الشك في الشروط التكوينية لا الشرعية.

الجهة الثالثة في ان المراد بالإمكان هل هو الإمكان القياسي أو الاحتمالى و المراد بالأول هو ملاحظة الشرائط الشرعية فيه، فنقول: ان الشرائط الشرعية بعضها لازم لا ينفك كما في شرطية أقل الطهر بين الحيضتين و عدم كونه أقل من ثلاثة أيام و بعضها تنفك مثل الصفات و العادة فإن الدم في العادة حيض و لو لم يكن بالصفات و الدم في غير العادة أيضا حيض لو كان بصفات الحيض و لا شبهة في ان الإمكان يلاحظ بالنسبة الى الثاني لأنه لا مجال للتمسك بالإمكان في إسقاط الشرائط الحتمية التي لا تنفك و هذا هو معنى الإمكان القياسي بالنسبة الى ما ينفك، و ربما يكون الشك في شرطية شي‌ء من حيث الحكم الشرعي مثل الشك في شرطية التوالي، فإن قلنا بأن‌

347

القاعدة تنطبق في المقام أيضا باحتمال عدم هذا الشرط في الواقع فيكون المراد بالإمكان هو الاحتمالى و اما على فرض القول بأن إحراز الشرط أو إحراز عدمه لازم فلا يتمسك به بل المدار على الإمكان القياسي.

و الظاهر من الأدلة على ما قيل هو الإمكان القياسي و يشمله الأدلة لأن الدليل اما هو الأخبار و الحكم فيها مترتب على مجرد رؤية الدم و معنى ذلك هو الفراغ عن الحكم من ناحية الشرع كما انه لو قامت قاعدة الطهارة في مقام لا يكون معناها عدم شرطية الطهارة واقعا بل الشرط بحاله و هذه تعبد في مقام الشك و هكذا الإمكان هنا تعبد في ظرف الشك، و هكذا لو كان الدليل السيرة فإنه أيضا يكون في ترتيب الأحكام بمجرد الرؤية و هكذا لو كان الدليل الإجماع فإن الناقلين له يحكمون به بمجرد الرؤية فلا تنفى الأدلة كذلك أصل الشرطية فتجري القاعدة في صورة الشك في الشرطية أيضا لعدم منافاتها لأصل الشرطية.

و الجواب عنه ان السيرة دليل لبى و القدر المتيقن منها هو الفراغ عن الشرط الشرعي، فيكون المقام نظير الشبهة الموضوعية و القاعدة تجري فيها في الحكمية و كذلك الإجماع.

فتحصل ان جريان القاعدة يكون في الشبهات الموضوعية، و المراد بالإمكان هو القياسي لا الاحتمالى في صورة عدم جريان استصحاب عدم الحيض و عدم أمارة موافقة كالصفات لأنها على الفرض هي الدليل لا القاعدة، و لا الأمارة المخالفة كالصفات و العادة لأنها متقدمة عليها، و لا أمارة الاستحاضة على فرض القول بأن صفتها مثل الصفرة دليل عليها فإنه يحكم بكون الدم استحاضة على فرض عدم تعارضها مع صفات الحيض كأن يكون أصفر و حارا فان الأصفرية دليل الاستحاضة و الحارية دليل الحيض على فرض أن يقال كل واحد من الصفات دليل، لا الخاصة المركبة مثل كونه عبيطا أحمر أو أسود يخرج بحرقة علامة الحيضية.

فإنه على هذا لا يحصل التعارض فان جميع الصفات اما أن يكون أو لا، و على التعارض يتساقطان فيصير المرجع القاعدة.

348

و من العجب تمسك الفقهاء في بعض الموارد كالمسألة الآتية بالاخبار و الإجماع مع انها ليسا الا سند القاعدة فتمسكهم في الواقع يكون بها و لم يذكروها سندا.

[مسألة- 16- صاحبة العادة المستقرة في الوقت و العدد إذا رأت العدد في غير وقتها]

مسألة- 16- صاحبة العادة المستقرة في الوقت و العدد إذا رأت العدد في غير وقتها و لم تره في الوقت تجعله حيضا (1) سواء كان قبل الوقت أو بعده.

أقول (2): انه لا سند للحكم الذي يكون في هذه المسألة إلّا قاعدة الإمكان‌

____________

(1) إذا كان الدم مع الصفات و اما بدون الصفة فتحتاط بالجمع بين أحكام الحائض و المستحاضة، و هذا كله في صورة عدم رؤية الدم في العادة و يمكن ان يكون هو مراد المصنف و سيجي‌ء حكم صورة رؤية الدم قبل العادة فيها و بعدها و اما إذا رأت في العادة أيضا فالحيض هو ما في العادة و سيجي‌ء حكم ما بعدها و قبلها بدون الصفة و معها.

(2) أقول: ان الظاهر من هذه المسألة هو رؤية الدم قبل العادة مع عدم رؤيته فيها أو رأت بعدها كذلك اى لم تر في العادة و رأت بعدها، و اما ما كان في العادة و قبلها و بعدها فسيجي‌ء حكمه، و اما صورة كون الرؤية قبلها مع الصفة بحيث يحصل الاطمئنان بان عادتها قد تقدمت و ان هذا الدم حيض فيترتب عليه أحكام الحيض فإن رأت الدم في العادة أيضا فيظهر خلافه لحكومة العادة على الصفات.

و اما إذا كان بدون الصفات فمع عدم حصول الاطمئنان بكونه حيضا فلا مناص من التمسك بقاعدة الإمكان و هي غير تامة فلو علمت بأنه إما حيض أو استحاضة تجمع بين أحكامهما و ان لم تحتمل الحيضية فتترتب عليه أحكام الاستحاضة.

و أما انطباق دليل ما تقدم على الحيض فهو من الحيض فغير وجيه في المقام لأنه يكون في صورة قلة مدة التقدم بحيث يحسب ملحقا كيوم أو يومين و كذا عدم تطبيقه بالنسبة إلى المتأخر لأن المقام ليس من ذاك الباب فحكمه مع الصفات هو الحيضية لأنه بعد عدم رؤية الدم في العادة و احتمال زيادة الانبعاث مع الصفة يحصل الاطمئنان بها و الصفة بنفسها أيضا امارة الحيضية.

و أما مع عدم الصفة فحكمه مثل دم رأت ابتداء بغير الصفة و ادعى الإجماع على حيضيته بعد الثلاثة و هو غير تام و الاحتياط قبلها، و هكذا ما تقدم إذا كان بدون الصفة أو قاعدة الإمكان و هو غير تام عندنا، فتحصل عدم المساعدة على إطلاق المتن.

نعم ربما يحصل الاطمئنان بالحيضية بعدم تمام العدد الذي رأته في العادة من من حيث انطباق العدد و ان لم تتغير العادة بذلك و هو يفيد بالنسبة إلى القضاء في العبادات و اما حكم ابتداء الدم فهو ما ذكرناه.

349

لأن الأمارة على الحيضية ان كانت الصفات فحيث ان عبارته مطلقة تشمل ما كان بغيرها أيضا فلا تأتي أمارية الصفات في هذه الصورة و ان كانت العادة فالمفروض انه لم يكن فيها.

الّا ان يقال ان الاخبار الدالة على ان ما تقدم الحيض فهو من الحيض بيوم أو يومين تشمل صورة كون التقدم بجميع العادة مثل السبعة مثلا و هذا لو تم في ما تقدم لا يتم في ما تأخر عن العادة لأن الروايات كان بعضها مفصلا بين ما تقدم و ما تأخر فإن ما تقدم حيض و اما ما تأخر فلا يكون كذلك فما بقي إلّا قاعدة الإمكان لو تمت في ما تقدم و اما فيما تأخر فالروايات المفصلة رادعة عن جريانها و لو لم تتم فالاطمئنان هو الملاك.

و لا يخفى ان هذه المسألة يكون لها فارق مع ما تقدم في السابق من حكم ما تقدم عليها أو تأخر عنها بيوم أو يومين فإنها تشمل ما كان التقدم بجميع العادة أيضا بخلاف ما سبق، ببيان ان يقال ما لا يكون ما سبقه دم يكون اولى بهذا الحكم مما استمر الدم قبله. و فيه انه لو تم يفيد بالنسبة الى ما تأخر عن العادة لا ما تقدم، فالحق الاحتياط أو الأخذ بالقاعدة. و قد استدل بالأولوية المستفادة من رواية ابن المغيرة في باب 5 من النفاس ح 1 فارجع.

[مسألة- 17- إذا رأت قبل العادة و فيها و لم يتجاوز المجموع عن العشرة]

مسألة- 17- إذا رأت قبل العادة (1) و فيها و لم يتجاوز المجموع عن العشرة جعلت المجموع حيضا و كذا إذا رأت في العادة و بعدها و لم يتجاوز

____________

(1) إذا كان بيوم أو يومين.

350

عن العشرة أو رأت قبلها و فيها و بعدها و ان تجاوز عن العشرة في الصور المذكورة فالحيض أيام العادة فقط و البقية استحاضة.

أقول: اما ما كان قبل العادة كأن رأت بيومين قبلها و خمسة فيها و ثلاثة بعدها فما تقدم عليها يكون ملحقا بالعادة بالأدلة المتقدمة في الإلحاق و اما ما تأخر عنها فهو حيض بواسطة الدليل الدال على انه ان لم يتجاوز الدم عن العشرة فالجميع حيض و اما ما رأته في العادة فلأنها بنفسها امارة على الحيضية و كذلك في الصورة الثانية و الثالثة.

و أما دليل ما تأخر فهو على وجهين:

الأول: صفات الحيض إذا كان الدم معها فإنها امارة على الحيضية الّا ان يقال انها أمارة في صورة التجاوز عن العشرة اى استمرار الدم.

و اما ما انقطع و لم يتجاوز فلا تشمله و لكن التحقيق انه يكون مطلقا بإلقاء قيد الاستمرار عن رواياتها كما مر.

و الثاني: الروايات و لكنها متعارضة فمنها مرسلة يونس (في باب 12 من الحيض ح 2) الدالة على عدم اعتبار التوالي و ان ما كان من الدم قبل العشرة فهو من الحيض، بتقريب ان يقال ان كل ما كان قبل العشرة من الدم يكون حيضا. و منها موثقة ابن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: أقل ما يكون من الحيض ثلاثة و إذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى و إذا رأت بعد عشرة أيام فهو من حيضة أخرى مستقبلة و كذلك روايته الأخرى (في باب 11 من الحيض ح 3) و ما في الفقه الرضوي (في المستدرك باب 9 من أبواب الحيض ح 1) و دلالة هذه الأخبار على المطلوب واضحة.

و أما المعارض فهو ما دل من الروايات على ان كل ما تراه المرأة بعد أيام العادة و الاستظهار أو العادة خاصة كما في الاخبار الأخر فهو استحاضة أعم من ان ينقطع قبل العشرة أو بعدها.

351

و قال صاحب الحدائق: ان الجمع العرفي يقتضي تخصيص المطلقات بأن يقال هذه الروايات تدل بالإطلاق على كون الدم استحاضة و ما ذكرنا في المقام يكون الحكم في خصوص ما كان قبل العشرة، على ان الإجماع و التسالم يكفينا في المقام.

بقي في المقام صورة أخرى لم يذكروه و هي ما إذا رأت قبل العادة بأيام مثل الثلاثة و الأربعة التي لم يشملها دليل الإلحاق و لا بد من التأمل فيها.

و اما إذا تجاوز عن العشرة فلم يكن من الحيض و الدليل عليه هو حكومة العادة في هذا المورد بعدم حيضية ما تجاوز عنها و قد خصص بصورة القطع قبل العشرة، و المشكل في المقام هو ما إذا رأت المرأة قبل العادة بيومين و فيها بثلاثة مع كون عادتها مثلا خمسة أيام و تجاوز الدم عن العشرة فإن القول بأن ما وقع في العادة من الدم اعنى اليومين فيها على الفرض يشكل الحكم بأنه استحاضة لأن دليل الإلحاق الحق ما تقدمها بها و هي نفسها امارة على الحيضية فكيف يقال ان الدم فيما بقي منها استحاضة، و قالوا بأن الإلحاق، يكون في صورة عدم تجاوز الدم اما إذا تجاوز فلا، و كيف كان ففي الذهن شي‌ء من الاشكال فالاحتياط لا يترك هنا.

[مسألة- 18- إذا رأت (الدم) ثلاثة أيام متواليات و انقطع ثم رأت ثلاثة أيام]

مسألة- 18- إذا رأت (الدم) ثلاثة أيام متواليات و انقطع ثم رأت ثلاثة أيام أو أزيد فإن كان مجموع الدمين و النقاء المتخلل لا يزيد عن عشرة كان الطرفان حيضا و في النقاء المتخلل تحتاط (1) بالجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة.

أقول: لا يخفى أولا ان قول المصنف (قده) بالاحتياط في النقاء المتخلل بالجمع‌

____________

(1) بل الأقوى كما مر في محله انه حيض و على فرض القول بالاحتياط فهو يكون بالجمع بين أحكام الحائض و الطاهر لا المستحاضة لأن الفرض انه لم تر الدم فالعبارة غلط من هذه الجهة.

352

بين تروك الحائض و اعمال المستحاضة غلط بل لو قلنا به يكون الجمع بين تروك الحائض و اعمال الطاهر لأن النقاء كذلك اما يكون طهرا أو حيضا و هذا واضح لعدم رؤية الدم في النقاء و الاستحاضة أيضا دم تراه المرأة.

و أما بيان أصل المسألة فهو ان لها صور: ففي هذا المتن يكون بيان حكم الصورة الأولى فالقول بحيضية النقاء المتخلل يكون عن المشهور، و المخالف صاحب الحدائق فإنه يقول انه حيض و الاحتياط يكون عن المصنف (قده)، و أما الدليل على هذا فهو ان الثلاثة الأول لو لم تكن في العادة و لا مع الصفة لا دليل عليه الّا قاعدة الإمكان فإنه لا طريق لنا دونها الّا أن يقال بأن هذا الفرع بخصوصه مما قام عليه الإجماع و لو لم تتم القاعدة.

و أما حيضية المتأخر فأيضا يمكن أن يقال انها بالقاعدة، أو يقال في المقام يكون لنا دليل لفظي و هو الروايات التي مرت في المسألة السابقة بأن كل دم رأته قبل العشرة فهو من الحيضة الأولى، فإنها مطلقة من حيث فاصلة الطهر و عدمها و لا تكون واردة لبيان حكم أقل الطهر بين الحيضين بأن يقال ما كان قبل العشرة التي هي أقل الطهر يكون من الحيض الأول و ما كان بعد عشرة الطهر فهو من حيضة مستقبلة بل تكون واردة لبيان حكم الدم الذي رأته من أول العشرة إلى آخرها مع النقاء المتخلل كما في المقام، فالمراد هو ان ما كان قبل العشرة فهو حيض و يكون من الحيضية الاولى.

و المعارضة بينها و بين ما دل على ان كل دم يكون بعد العادة أو بعد أيام الاستظهار فهو استحاضة تدفع بالجمع العرفي كما مر بتخصيص إطلاق ما دل على كون الدم بعدهما استحاضة سواء كان قبل العشرة أو بعدها بما كان قبل العشرة.

و قال شيخنا العراقي (قده) في المقام ان الحكم بحيضية الدم الثاني في غير مورد العادة أو الصفات للدم السابق مشكل بل انها في خصوص من حكم بحيضيتها بدليل دال عليها، و هو يتوقف على كون الثلاثة الأول حيضا بالعادة أو بالصفات فحيضية‌