المعالم المأثورة - ج5

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
353

ما قبل العشرة متوقفة على إثبات حيضية ما قبلها و أما إذا لم يكن الأول بأمارة شرعية، فلا يتم حيضية ما قبل العشرة خصوصا إذا كان بصفات الاستحاضة.

قوله: و ان تجاوز المجموع عن العشرة، فإن كان أحدهما في أيام العادة دون الأخر جعلت ما في العادة حيضا.

أقول: هذا المتن يكون هو الصورة الثانية فما فيه يكون هو المتسالم عليه لأن العادة بنفسها أمارة على الحيضية، و أما ما تأخر عن العادة فلم يكن حيضا حيث ان الدم تجاوز عن العشرة و قاعدة الإمكان بعد غير جارية لأنها محكومة للعادة التي هي الأمارة لكونها أصلا بالنسبة إليها، فلا يفيد العلم الإجمالي بأنه اما أن يكون الدم الأول حيضا بالعادة أو الثاني يكون حيضا بقاعدة الإمكان.

و لو قيل بأن الأصل محكوم للأمارة إذا كان الموضوع واحدا، كما في صورة كون الشك في الطهارة مع وجود الحالة السابقة، فإن الاستصحاب يقدم لأنه أصل محرز على قاعدة الطهارة.

و أما إذا كان في موردين مثل استصحاب طهارة هذا و قاعدة طهارة ذاك فلا وجه لتقديم الأمارة أو الأصل المحرز على الأصل الغير المحرز أو المحرز إذا كان التعارض بينه و بين الأمارة لعدم الرتبة بينهما، و المقام يكون من هذا القبيل.

نقول في الجواب ان الأمارة تقدم حيث يكون مدلولها الالتزامي أيضا حجة لأن مثبتها حجة، بخلاف الأصل فإنه يتعارض مع الأمارة بمدلوله الالتزامي و هو غير حجة لأنه أصل كما حرّر في موضعه.

هذا كله في صورة كون الدم المتأخر فاقدا للصفة، و أما إذا كان واجدا للصفة و هي أيضا أمارة، فالأقوال في تقديم أحد الأمارتين على الأخرى تبلغ أربعة، تقديم العادة مطلقا، تقديم الصفات مطلقا و التخيير و التفصيل بين ما كان حصول العادة بالأخذ و الانقطاع فهي المقدم، و بين كون حصولها بالصفات فالصفة مقدمة، و البحث هنا تارة يكون على مقتضى القواعد، و تارة يكون في مفاد الروايات التي استدل بها للمقام.

354

أما الأول، فنقول فيها: ان أمارية الصفات اما أن تكون مختصة بمستمرة الدم أولا، فعلى الأول لا تطبيق على المقام لعدم الاستمرار، فالمرجع هو العادة و التقديم معها.

ثم انها اما ان تكون أمارة شرعية أو تكون إرشادا إلى الاطمئنان و العلم كما قال به المحقق الخراساني مستدلا بعد ذكر الصفات في الرواية عن إسحاق بن جرير بقوله (عليه السلام) «ان دم الحيض ليس به حفاء.» (باب 3 من الحيض ح: 3).

فعلى الأول: يحصل التعارض بين دليل الصفة و دليل العادة، و قاعدة الإمكان أيضا تكون فيهما، و لا وجه لتقديم العادة على هذا الفرض فيحكم بالتساقط في الأمارتين و في الامكانين بعد تعارضهما و لازمه التخيير، و أما إذا كانت الصفات امارة علمية فيحصل القطع بكون الدم الذي له الصفة هو الحيض فتقدم على العادة، و هذه أمارة موافقة لقاعدة الإمكان كما في أطراف العلم الإجمالي إذا حصل العلم بأن المجمل في هذا الطرف بخصوصه مثل أن تقوم البينة على ان النجاسة المجملة في الكأسين في هذا الكأس الأبيض مثلا، فينحل العلم بالنسبة إلى الطرف الآخر. و أما الروايات في المقام فهي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما دل على رجوع المستحاضة إلى عادتها بالعموم (في باب 5 من الحيض ح: 2 و 3) فعن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلى فيها و لا يقربها بعلها. إلخ. و عن محمد الحلبي عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة تستحاض؟ فأمرها أن تمكث أيام حيضها، لا تصلى فيها ثم تغتسل.

و تقريب الاستدلال هو ان مرجع الطامث الى أيام عادتها سواء كانت الصفة في غير الأيام أم لا، فينتج في المقام ان المرجع هو العادة.

و الطائفة الثانية: ما دل على ان الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض (و هي في باب 4 من الحيض) و تقريبها انه لا يلاحظ الصفات عند العادة لأن الصفرة في الأيام أيضا حيض، و كذا إطلاق مرسلة يونس الطويلة و هي الطائفة الثالثة بالإرجاع‌

355

إلى العادة سواء كان النقاء في الوسط أم لا. و رواية إسحاق بن جرير (في باب 3 من الحيض ح: 3) و الأخيرة شاهدة للجمع بتقدم العادة على الصفة.

و الطائفة الرابعة: و هي المعارضة لما مرت (في باب 30 من الحيض ح: 6) عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم و اليومين قال: ان كان دما عبيطا فلا تصلى ذينك اليومين، و ان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين.

فإنها دلت بأن الدم محكوم بالحيضية إذا كان بالصفات سواء كان في العادة أو لا، و سواء تخلل الطهر في الوسط أم لا.

و الطائفة الخامسة: عمومات الرجوع الى الصفات (في باب 3 من الحيض) فإنها دلت على ان الدم إذا كان بالصفة فهو حيض سواء كان في العادة أو لا و سواء كان مع النقاء المتخلل أم لا. و النسبة بين العمومات في الموردين هي العموم من وجه، و الجمع بأن يقال ان الصفة هي المرجع عند فقد العادة أو هي مختصة بمستمرة الدم و المقام ليس منها.

و الانصاف أن روايات العادة حاكمة على روايات الصفات، فانا إذا لاحظنا ما ورد بأن الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض، نفهم ان للعادة أهمية لا يعتنى بالصفات في موردها.

و أما القول بأن العادة أمارة في غير مورد الصفة، و ان كان هو المشهور، و لكن لا يعتنى إليه لما مر، و لا يوجب قول المشهور ضعف ما تمسكنا بها لمرجعية العادة في المقام، لأن الإعراض هنا لا يوجب الضعف لأن لازمه التبعيض في السند حيث قبلوا الروايات في غير المورد من حيث مرجعية العادة و لم يقبلوها هنا، و هذا غير صحيح عندنا، كل ذلك ان لم نقل ان الصفات مختصة بمستمرة الدم، و الّا فتقديم العادة في المقام حيث لا استمرار واضح.

هذا وجه تقديم العادة، و أما وجه القول بتقديم الصفة و قائله كثير، فهو ان‌

356

الصفات مرجع مطلقا.

و فيه انه لو ثبت مرجعيتها في غير المستمر فهل يمكن الالتزام بها في مورد المعارضة أيضا؟ و على فرض ذلك فتحصل المعارضة بين أمارية الصفة و العادة، فبأي دليل تقدم الصفة، و يجب القول بالتخيير كما هو قول آخر من باب تراكم الأدلة في الطرفين (1).

قوله: و ان لم يكن واحد منهما في العادة فتجعل الحيض ما كان منهما واجدا للصفات.

أقول: هذه هي الصورة الثالثة، فنقول فيها: تارة يكون الحيضان مع فاصلة أقل الطهر بينهما و هو عشرة أيام، و تارة لا يكون كذلك، بأن يكون النقاء المتخلل أقل من عشرة أيام، فعلى الثاني قال المصنف كما في المتن بتقديم واجد الصفة في الحكم بالحيضية و الفاقد لها هو الاستحاضة.

و لتوضيح المقام نحتاج الى ذكر مقدمات:

الاولى: القول بأن الصفات أمارة شرعية و مثبتها حجة، بمعنى أنها تنفي الغير.

و الثانية: العلم الإجمالي في التدريجيات يكون مثل العلم الإجمالي في العرضيات في التنجيز اى لا يكون الفرق بين ان يكون الطرفان بالفعل موجودا مثل الكأسين اللذين يكون أحدهما نجسا و كانا موجودين، و بين ان لا يكون بعض أطرافه موجودا كما انه يعلم الشخص اما ان يكون قادرا على القيام في الركعة الأولى أو في الركعة الثانية.

فقال شيخنا العراقي بعدم الفرق بين صرف القدرة في الأولى أو الثانية لمساواتهما و هو الحق، خلافا لمن قال بأنه يجب صرف القدرة في الركعة الاولى (2).

____________

(1) و أما قول المفصل فلم يتعرض لدليله فلم تجده في البحث.

(2) أقول: ان المقام لا يكون من باب عدم القدرة، لأنه من الممكن ان يحتاط في كلا الطرفين و الأقوى هو تطبيق القدرة على الركعة الأولى، فإن العلم بعدم القدرة يكون عند اللّه تعالى، و لكن الشخص يجب عليه الإتيان بما يقدر عليه، و لعل اللّه يحدث بعد ذلك القدرة.

و اما المقام فيكون الشك في أصل التكليف بالنسبة الى ما سيأتي، و ان كان مساويا للمقام حسب نظر المحقق النائيني (قده) في عدم فعلية التكليف قبل وقت الفعل، و ليس قوله هذا ببعيد كما هو محرر في بحث الواجب المطلق و المشروط في موضعه.

و اما المقام فلا إشكال في تقديم ما يكون بصفة الحيض لأنها توجب الاطمئنان و يجب العمل عليه، و حيث ان الفاصلة لا يكون أقل الطهر، لا يمكن القول بحيضية الدم الثاني.

357

و الثالثة: البحث في ان دم الاستحاضة أيضا إمارته الصفات اى يكون لصفة الصفرة أمارية على الاستحاضة أم لا، و على فرض الأمارية فمثبتها أيضا حجة، بأن تكون نافية للغير أم لا، فعلى الأول تحصل المعارضة بينها و بين ما كان واجدا لصفة الحيض، و على الثاني و هو التحقيق لا تحصل المعارضة كذلك.

إذا عرفت ذلك فاما ان يكون الدم الأول ذا الصفة أي صفة الحيض فهو مقدم في الحيضية إجماعا، لأن صفة الحيض امارة الحيضية، حتى على مسلك القائل بأن صفة الاستحاضة أيضا أمارة و مثبتها حجة فإذا كان الدم الثاني بصفتها لا تحصل المعارضة بل يحكم على الفرض بأن الثاني استحاضة و الأول حيض.

و أما إذا كان الدم الثاني بصفة الحيض فمذهب المصنف هو ان الثاني حيض و مخالفة صاحب الجواهر و عدة، فعلى فرض كون الصفة أمارة و مثبتها حجة فأيضا يكون مقتضاها ان الثاني حيض و غيره ليس بحيض.

و استدل المخالف برواية صفوان (في باب 1 من أبواب الاستحاضة ح: 3) عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: إذا مكث المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة أيام طاهرا ثم رأت الدم بعد ذلك، أ تمسك عن الصلاة؟ قال: لا،

358

هذه مستحاضة تغتسل و تستدخل القطنة بعد قطنة. إلخ.

و تقريب الاستدلال (1) هو ان كل دم يكون مع فاصلة ما دون عشرة الطهر فهو حيض سواء كان بالصفة أو لا، ففي الفرض يلزم أن يقال بأن الدم الأول حيض لا الثاني و لو كان بالصفة، فتقدم الرواية على المطلقات في مرجعية الصفات و تخصص بها.

و قد أشكل على هذا التقريب بأن ظاهر الرواية و السؤال هو ان الدم الأول كان مفروغ الحيضية و ما كان شبهة للسائل فيه، و انما السؤال يكون عن الدم الثاني و حكم (عليه السلام) بأن الثاني استحاضة، لا ان الأول لم يكن بصفات الحيض أو في العادة و مع ذلك حكم بحيضيته للأنس بالقواعد المجعولة لكون الدم حيضا.

و فيه ان الرواية يلزم ملاحظتها بنفسها لا مع تطبيق القواعد عليها، و على فرض التسليم و القول بحصول المعارضة بين الرواية و أدلة الصفات فيتساقطان، و كذا قاعدتا الإمكان في الدم الأول و الثاني تتعارضان و تتساقطان، و تصل النوبة إلى التخيير في جعل أحدهما حيضا.

هذا كله في صورة كون النقاء عشرة و ما فوقها، و أما إذا كان النقاء أقل مع كون الدمين و النقاء لا يزيد على العشرة، فالجميع حيض و ان تجاوز عنها فهذا مندرج تحت الفرع السابق.

هذا في صورة عدم كون الدم واجدا للصفات، و أما إذا كان واجدا لصفات الحيض فالأول هو الحيض على الأحوط، و الأقوى التخيير كما ذكره المصنف (قده)، هذا إذا لم نقل بالسببية في باب الأمارات، بمعنى كون المصلحة في السلوك و لو لم يكن الواقع كذلك، و أما عليها فيجب العمل على طبق الأمارتين و القول‌

____________

(1) أقول: لا وجه للاستدلال بالرواية بل هي في صورة مفروغية حيضية الدم الأول، اما بالصفات أو بالعادة، و السؤال يكون عن الدم الثاني بفاصلة أقل الطهر، و المراد بكلمة تمكث هو ترتيب آثار الطهر و الحيض، و في الدم الثاني حيث تكون الفاصلة أقل من أقل الطهر حكم (عليه السلام) بوجوب الصلاة و سائر الواجبات، و ما ذكر في دفع الاشكال غير تام على ما نفهم.

359

بالتخيير يكون على فرض الطريقية و عدم المدلول الالتزامي للصفات بحيث ينفي أحدهما حيضية الآخر، و الا فيجب الاحتياط للعلم الإجمالي بالحيضية.

قوله: و ان كانا متساويين في الصفة فالأحوط (1) جعل أولهما حيضا و ان كان الأقوى التخيير، و ان كان بعض أحدهما في العادة دون الأخر جعلت ما بعضه في العادة حيضا، و ان كان بعض كل واحد منهما في العادة فإن كان ما في الطرف الأول من العادة ثلاثة أيام أو أزيد، جعلت الطرفين من العادة حيضا و تحتاط (2) في النقاء المتخلل، و ما قبل الطرف الأول و ما بعد الطرف الثاني استحاضة (3) و ان كان ما في العادة في الطرف الأول أقل من ثلاثة تحتاط في جميع أيام الدمين و النقاء بالجمع بين الوظيفتين.

أقول (4): أما صورة كون بعض أحدهما في العادة مثل من كانت عادتها عشرة فرأت الدم قبلها خمسة أيام ثم طهرت ثلاثة أيام ثم رأت الدم فتقع بعض‌

____________

(1) بل هو الأقوى في صورة كون الدم بصفة الحيض لأنها توجب العلم، و معه حيث جعلناه حيضا لا يبقى مجال لحيضية الدم الآخر لعدم فاصلة أقل الطهر.

(2) في غير المقام هو أيضا حيض على الأقوى، و أما في المقام فلا يترك الاحتياط، و أما إذا كان الدم بصفة الاستحاضة فحصول العلم الإجمالي فرض بعيد و لو حصل، فمقتضى القاعدة الاحتياط و لا يبعد القول بحيضية الدم الأول.

(3) في ما قبل العادة بيوم أو يومين لا يترك الاحتياط بالجمع، لأن المستفاد من الروايات على ما هو المشهور من اضافة اليوم و اليومين بأيام الحيض- فيه نظر- بل يمكن أن يقال بأن المراد منها تقديم عمود الوقت كما هو الظاهر من قوله ربما تعجل بها الوقت بحيث يسقط من آخرها مقدار ما تقدمها.

(4) لا يكون هذا على ترتيب المتن و هكذا بين، و كتبناه ثم توجهنا بأنه خلاف الترتيب فبين وسط الفروع في هذه الفقرات من المسألة أولا، و أولها ثانيا و وسطها آخرا، و كان هذا لتشتت الأفكار لبعض الحوادث في الحوزة العلمية، حيث جعل العلماء الأعلام حيارى و الأمر سهل.

360

الأخير في العادة و هي الأيام الثلاثة، فهنا حيث كانت العادة أمارة يحكم بأن ما تقدمها بيومين من العادة من باب الإلحاق و ما في العادة فهو حيض لأن العادة بنفسها أمارة عليه و ما بعدها أيضا حيض إذا لم يتجاوز عن العشرة.

و أما صورة كون بعض الأول و بعض الثاني في العادة كأن رأت خمسة و وقع بعضها في العادة ثم نقت بأيام ثم رأت خمسة بعضها في بقية أيام العادة فهي أيضا سيجي‌ء و أما صورة كون الدم الأول و الثاني ذا صفة الحيض أو كلاهما ذا صفة الاستحاضة فقال العلامة النائيني (قده) بأن الأقوى هو كون الدم الأول حيضا، و العلامة العراقي قال بذلك بالاحتياط اللازم، و منشأ الاختلاف هو ان الأمارتين بنظر النائيني (قده) طوليتان، لأن فعلية الحكم بفعلية الموضوع و هو غير حاصل.

و كذا قاعدة الإمكان في الأول و الثاني على فرض عدم كونها ذا صفة، فإذا انطبق الأمارة الأولى أو قاعدة الإمكان كذلك لا تصل النوبة إلى الثانية مع عدم وجود المدلول الالتزامي بأن ينفي أحدهما الآخر و الّا فاللازم التخيير.

هذا على فرض كون العلم الإجمالي بالحيضية مقتضيا، و أما على فرض كونه علة تامة، فيجب الاحتياط.

و أما بنظر شيخنا العراقي و سيدنا الأصفهاني فالامارتان عرضيتان في التطبيق على الأول و الآخر، فعلى هذا لا تقديم للدم الأول في كونه حيضا فيما إذا لم يكن الدم بصفة الحيض بل يجب الاحتياط.

و أما القول بعدم التخيير فيكون من باب العلم بعدم كون أحدهما حيضا كما في ذي الصفة لا العلم بكون أحدهما حيضا، كما في المقام فلذا يقدم الأول أو يقال بالتخيير لا الاحتياط.

و أما المحقق الخراساني فيقول بأمارية الصفات للعلم، ففي المقام إذا حصل العلم بأن الدم الأول حيض لا يمكن أن يقال بعدم حيضيته فهو حيض قطعا و لا يكون الثاني حيضا لعدم فاصلة أقل الطهر، و قوله صحيح في صورة وجود الصفة للدم.

361

و أما إذا كان كلا الدمين ذا الصفة فكذلك يحصل التعارض و التكاذب، و الأصول في الطرفين أيضا متعارضة فاللازم الاحتياط من باب العلم بعدم حيضية أحدهما، بخلاف ما لا صفة له فإنه لا يكون كذلك الا على مذهب الخراساني (قده) و قد مر بأن الأقوى هو حيضية الدم الأول.

الا أن يقال بأن مقتضى القواعد و ان كان في غير هذه الصورة و في غير هذا المقام أيضا الاحتياط للعلم الإجمالي، و لكن في المقام يكون الإجماع على كون الدم الواحد حيضا و يكون الاختلاف في انه هل يكون هو الأول معينا أو مخيرا.

و أما صورة كون بعض كل واحد منهما في العادة فإن كان ما وقع في العادة من الدم الأول ثلاثة أيام فلا إشكال في القول بحيضيته لأن العادة أمارة عليها.

و لا يقال (1) بأنه يلحق بالدم الذي قبلها لأدلة الإلحاق. لأنا نقول لا فرق فيما بين قبل العادة و بعدها فيما إذا تجاوز الدم عن العشرة بل يكون الإلحاق في الدم الذي لم يتجاوز عن العشرة الّا على القول بأن الأمارة الأولى متقدمة في التطبيق كما عليه المحقق النائيني فالثلاثة و ملحقاتها حيض، و اما إذ لم يكن الدم الأول ثلاثة أيام متوالية فلا يكون حيضا لعدم حصول شرطه.

و دعوى بعض المعاصرين ان اليوم الواحد مما تقدمه إذا انضم الى اليومين اللذين رأتهما في العادة بدليل الإلحاق يحصل التوالي حكما فهو حيض أيضا، لا وجه له لأنه يكون دورا لأن الحكم بالإلحاق يكون متوقفا على حصول الأمارة و هو العادة و حصول الأمارة متوقف على الإلحاق فحيث ما تحقق مصداق للأمارة لا يترتب لازمها‌

____________

(1) أقول: لو قلنا بالإلحاق فهو يكون في صورة كون التقدم بيوم أو يومين فان فرض ان المتقدم ثلاثة أو أربعة لا يشمله الدليل بأن جعل اليومان قبل العادة حيضا و ما قبلهما غير حيض فإنه خلاف ظاهر دليل الإلحاق.

362

عليه و هو الإلحاق فاللازم (1) هو الاحتياط في الدمين بالجمع بين تروك الحائض و أعمال المستحاضة.

[مسألة- 19- إذا تعارض الوقت و العدد في ذات العادة الوقتية العددية يقدم الوقت]

مسألة- 19- إذا تعارض الوقت و العدد في ذات العادة الوقتية العددية يقدم الوقت (2) كما إذا رأت في أيام العادة أقل أو أكثر من عدد العادة و دما آخر في غير أيام العادة بعددها، فتجعل ما في أيام العادة حيضا و ان كان متأخرا، و ربما يرجع الأسبق العدد في غير أيام العادة الاحتياط بالجمع بين الوظيفتين.

[مسألة- 20- ذات العادة العددية إذا رأت أزيد من العدد]

مسألة- 20- ذات العادة العددية إذا رأت أزيد من العدد، و لم يتجاوز العشرة فالمجموع حيض، و كذا ذات الوقت إذا رأت أزيد من الوقت (3).

[مسألة- 21- إذا كانت عادتها في كل شهر مرة فرأت في شهر مرتين]

مسألة- 21- إذا كانت عادتها في كل شهر مرة فرأت في شهر مرتين مع فصل أقل الطهر و كانا بصفة الحيض فكلاهما حيض، سواء كانت ذات عادة وقتا أو عددا أولا، و سواء كانا موافقين (4) للعدد و الوقت أو يكون أحدهما مخالفا.

____________

(1) أقول: و أما النقاء المتخلل فهو و ان قلنا بأنه حيض و لكن في صورة كون ما تقدمه و ما تأخره محكوما بالحيضية، لا في المقام فالاحتياط فيه أيضا بين أحكام الطاهر و الحائض لا يخلو عن وجه.

(2) في تقديم الوقت على العدد نظر حيث انهما أمارتان، و ان كان أمارية الوقت أسهل طريقا لإثبات ان الدم من الأول حيض و العدد لا يكون كذلك بل الحكم في أوله إلى ثلاثة أيام الاحتياط و فيما بعده هو حيض على المشهور، و لكن لنا فيه الاشكال و سيأتي بأنه لا فرق بين ما قبل الثلاثة و ما بعدها إذا لم يحصل الاطمئنان، و لكن لا ينكر ان تساوى العدد في صورة تجاوز الدم عن العشرة أمارة على حيضية ما يكون هو عادتها العددية، فلا يترك الاحتياط فإنها تكون كالمضطربة.

(3) بمعنى تقدم العادة على الوقت، و الّا فلا معنى للعبارة.

(4) لا يتصور التوافق في الوقت على مفروض المسألة.

363

[مسألة- 22- إذا كانت عادتها في كل شهر مرة فرأت في شهر مرتين مع فصل أقل الطهر]

مسألة- 22- إذا كانت عادتها في كل شهر مرة فرأت في شهر مرتين مع فصل أقل الطهر فان كانت إحداهما في العادة و الأخرى في غير وقت العادة و لم تكن الثانية بصفة الحيض تجعل ما في الوقت و ان لم يكن بصفة الحيض حيضا و تحتاط في الأخرى (1) و ان كانتا معا في غير الوقت فمع كونهما واجدتين كلتاهما حيض و مع كون إحداهما واجدة تجعلها حيضا و تحتاط في الأخرى و مع كونهما فاقدتين (2) تجعل إحداهما حيضا و الأحوط كونها الاولى و تحتاط في الأخرى.

[مسألة- 23- إذا انقطع الدم قبل العشرة]

مسألة- 23- إذا انقطع الدم قبل العشرة، فإن علمت بالنقاء و عدم وجود الدم في الباطن اغتسلت وصلت و لا حاجة الى الاستبراء، و ان احتملت بقائه في الباطن وجب عليها الاستبراء و استعلام الحال بإدخال قطنة و إخراجها بعد الصبر هنيئة، فإن خرجت نقية اغتسلت و صلت.

أقول: ان وجوب الاستبراء قد اختلف في كونه نفسيا أو غيريا أو إرشاديا.

فنقول مقدمة: بأنه هل يكون في النساء أصل عقلائي أو أمارة على ان قطع الدم يكون شاهدا على قطع الحيض من باب ان للرحم ترشحات الى الخارج، فان كان هو الدم فيكون من الحيض و ان كان غيره فليس في الباطن شي‌ء، و الشاهد عليه عدم وضعهن القطنة في إثبات القطع، بل يكفى عندهن القطع عن الظاهر.

و فيه انهن ان حصل لهن العلم بذلك فلا كلام، و أما مع عدمه فلا، خصوصا‌

____________

(1) لا وجه للاحتياط بعد كون الدم بغير صفة الحيض بل بصفة الاستحاضة فإن، الدم الثاني استحاضة خصوصا إذا كان بصفاتها و مجرد إمكان كونه حيضا لا يكفي في الحكم بالحيضية. نعم ان كان بصفة الحيض لا ينبغي ترك الاحتياط و ان كان الأقوى كونه حيضا لعدم المعارضة مع العادة.

(2) بل لو كان له علم إجمالي بحيضية أحدهما تحتاط فيهما و الا فلا وجه لحيضية كل منهما لعدم الدليل عليها.

364

ان عدم وضع القطنة ربما يكون لعدم مبالاتهن و اما عند الشك في القطع فيجب التفحص على ان هذه السيرة تحتاج إلى إمضاء من الشرع و ستأتي الروايات في وجوب الفحص الرادعة عنها فلا نسلم وجود امارة لعدم وجوب الفحص.

و أما مقتضى القواعد الأخر مع قطع النظر عن الروايات فهو ان استصحاب بقاء الحيض يكفي في ترتيب أثره، و القول بأن الشك في مورده يجب أن يكون مستقرا و في المقام حيث يمكن رفعه بواسطة وضع قطنة فلا يستقر الشك فلا يجري الأصل، لا وجه له لأن هذا لا يكون مثل صورة الشك في طلوع الفجر الذي يرفع الشك فيه بواسطة فتح العين الذي لا يحتاج إلى مؤنة زائدة بخلاف المقام فإنه يحتاج إلى مؤنة زائدة و الشك في الشبهات البدوية الموضوعية كثيرا ما يرفع بواسطة الفحص و لا يجب بل تجرى البراءة بالنسبة اليه.

أو يقال بأن الأصل هنا هو أصالة عدم كون الدم دما آخر غير الحيض، و ربما قيل ان الفحص هنا لازم لأنه يكون المقام من الشبهات الموضوعية التي تكون مثل الشبهات الحكمية فإن البراءة ربما تكون خلاف الواقع.

و فيه ان الشبهة موضوعية و الواقع لا يكون الأمر به و هذا يكفي في جريان البراءة مع قطع النظر عن الروايات.

و أما الروايات فهي في باب 17 من أبواب الحيض ح 1 و 2 و 3 و 4 باب وجوب استبراء الحائض عند الانقطاع قبل العشرة و كيفيته، و في صحيح محمد بن مسلم «إذا أرادت الحائض ان تغتسل فلتستدخل قطنة.» و قد صارت جملة «إذا أرادت» في الرواية محل الإشكال بأن الحكم لا يمكن ان يكون بإرادة العبد.

و أما نحو الوجوب فنقول: انه يمكن ان يكون الوجوب نفسيا و يكون ملاكه هو عدم الوقوع في المحذور بعد هذا العمل و هذا من حيث الاحتمال غير بعيد و لكن الالتزام به بعيد، و اما الوجوب الغيري فمثل وجوب الوضوء للصلاة و له ملاك إرشادي أي يجب وضع القطنة لمن أراد الاغتسال بحيث يكون شرطا للغسل، و الغسل‌

365

بدونه باطل و لكنه حكم وضعي لعدم تعليق التكليفي على الإرادة.

و فيه ان تناسب الحكم و الموضوع يأبى في المقام عن كونه شرطا.

و أما الوجوب الإرشادي فله معان أربعة:

الأول: هو الإرشاد العرفي بمعنى انه حيث يكون في تركه الوقوع في المخمصة فيقول الشارع هذا طريق النجاة منها كما يفهمه العرف أيضا كما عن الشيخ الأعظم الأنصاري. و فيه انه لا يناسب مقام التشريع.

و الثاني: أن يكون إرشادا إلى سقوط الاستصحاب في المورد و فيه انه يختص بمورد يكون فيه الاستصحاب و لا يشمل غيره مع ان ظاهرها اى ظاهر الرواية الشمول.

و الثالث: أن يكون إرشادا إلى سقوط الأمارة العرفية التي مر بيانه في أول البحث و هو كون القطع أمارة على عدم الحيض.

و الرابع: أن يكون أمارة لسقوط أصل البراءة و الأمارة و الاستصحاب جميعا في الموضوع في المقام، فيكون مرجعه الى ان الموضوعية التي يكون لها المؤمن مجرى أصل البراءة، و أما ما لا مؤمن لها بالدليل كما في المقام فلا تجري أصالة البراءة بالنسبة اليه.

و الحق هو كونه إرشادا الى عدم جريان الاستصحاب و الأمارة في المقام.

و اما الإشكال الأول الذي ذكر ان الحكم التكليفي لا يمكن أن يكون منوطا بإرادة العبد، فمندفع بأن الشرط هنا محقق الموضوع، بمعنى انه حيث لا معنى للحكم قبل وجود موضوعه لا يكون، فإنها عند الاغتسال يلزم أن تختبر نفسها، و على فرض عدم كونه كذلك فيكون معناه الإرشاد إلى سقوط الأمارة و الأصل في ظرف الإرادة لا انه ان لم تكن الإرادة لا يكون الإرشاد.

ثم ان معنى الإرشاد إلى سقوط الأمارة و الأصل لا يكون معناه الا جواز الاختبار لا وجوبه كما ان من كان له استصحاب عدالة شخص يجوز له الاقتداء به و ان كان من الممكن الفحص عن البينة على العدالة.

366

ثم انه ان استصحب في المقام فتبين كونه حيضا يكون غسله باطلا لو اغتسل على فرض كون الغسل في حال الحيض حراما ذاتيا، و أما على فرض عدمه فلا إشكال في الإتيان به رجاء فإنه على الأول يكون متجريا لتركه العمل بالأمارة، و كيف يمكن حصول التقرب مع كون العبد متجريا في حاله على المولى.

و منها موثقة سماعة (ح: 4) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: المرأة ترى الطهر و ترى الصفرة أو الشي‌ء فلا تدري أطهرت أم لا؟ قال: فإذا كان كذلك فلتقم فلتلصق بطنها إلى حائط و ترفع رجلها على حائط كما رأيت الكلب يصنع إذا أراد أن يبول.

و قد أشكل عليها بأنها تكون في مقام بيان كيفية الاستبراء لا أصل وجوبها، و لكن الانصاف كما عن المحقق الهمداني هو بيان رفع التحير عمن لا تدري أطهرت أم لا، فان قوله (عليه السلام): «فلتقم» معناه انه واجب عليه ذلك العمل بالطريق الذي ذكره (عليه السلام) فأصل وجوبها مفروغ عنه، و في ضمنه يبين الكيفية فيكون الاستصحاب أو الأمارة العقلائية ساقطين و هذه الروايات أرجح دلالة على المطلوب من جهة عدم التقييد بالإرادة بخلاف الصحيحة.

و منها رواية يونس (في الباب ح: 2) فإنها تامة الدلالة و ان كانت ضعيفة السند، فان قلنا بعمل الأصحاب بها فينجبر ضعفها، أو نقول ان يونس من أصحاب الإجماع و لم ينقل الا عن ثقة، لو تم هذا المعنى و هذه الرواية أيضا يكون من لوازمها الحكم بوجوب الاستبراء، و لا يرد عليها الاشكال بأنها لبيان الكيفية.

و منها رواية شرجيل الكندي (في الباب ح: 3) و لكن قيل لا يتم دلالتها لأنها في مقام بيان الكيفية، و الجواب الجواب و لكنها ضعيفة السند ان لم ينجبر ضعفها باستناد الأصحاب، و كيف كان فأصل وجوب الاستبراء لا خلاف فيه بين الأصحاب.

ثم انه لا يخفى انه لا وجه للاحتياط و ترك الفحص بوضع القطنة، لأن الروايات تكون في مقام بيان طرده، فالمتعين العمل بها.

367

ثم ان الكيفية الخاصة في غير الصحيحة لا تكون متعينة بل المناط على وضع القطنة كيف ما كان، و الشاهد اختلاف البيان فيها، ففي بعض، الحكم برفع الرجل اليمنى (كما في ح: 2) و في آخر برفع اليسرى (كما في ح: 3) و هذا شاهد على ان هذا إرشاد عرفي، و لو سلمنا تقييد الإطلاق بالمقيد فلازم الفن هو التخيير بين رفع الرجل اليسرى أو اليمنى.

و لكن الإنصاف في أمثال المقام أن يقال انه يكون الإطلاق أقوى ظهورا، لأن المدار على الأقوى. و لا نقول بأن القيد لا زال مقدما على الإطلاق بل ان صار أقوى منه يكون مقدما. ثم انه ان اختبرت فخرج الدم مع القطنة، فهل يجب الاختبار ثانيا و ثالثا أم لا؟ مقتضى ما اخترناه من ان الروايات إرشاد إلى الواقع هو ذا، الا أن يلزم منه الحرج.

و لكن يمكن أن يقال لا يلزم الحرج أيضا لأن المرار هو ترتيب أحكام الصلاة، و الصوم فعند كل صلاة تختبر خصوصا إذا جمعت بين الظهرين و العشائين، و أما الأحكام مثل الدخول في المسجد فهي مترتبة حتى يتبين الحال.

و قيل ان الاختبار يكون بملاك أن تفهم المرأة بأنها هل كانت ممن يكون قطع الدم عن ظاهره كاشفا عن قطعه عن باطنه فإذا اختبرت فهمت انها ليست كذلك و لا ملاك للاختبار ثانيا، فيستصحب الحيض و يترتب عليه أحكامه.

و فيه ان الروايات مطلقة و الملاك في كل مرة باق، و هذا الفرع غير معنون في كلماتهم، و الّا فما كنا وحيدا فيما اخترناه.

ثم انه لو لم تكن المرأة قادرة على الاختبار مثل الباكرة التي تخاف على بكارتها بوضع القطنة، فهل يحكم بسقوط وجوب الاختبار بالنسبة إليها من حيث أماريته على عدم جريان الاستصحاب و الأمارة العقلائية حتى يكون المرجع لها سائر الأصول مثل الاحتياط أو لا، بل السقوط من جهة الحكم الوضعي فقط لا التكليفي حتى يكون مرجعها الاستصحاب و الأمارة العقلائية؟ الظاهر إطلاق الروايات من جهة‌

368

إسقاط الأصل و الامارة حتى في هذه الصورة و الساقط هو ما لا قدرة عليه و هو الاختبار.

و توهم بعض المعاصرين من ان الحكم الوضعي له الإطلاق لا الحكم التكليفي في مقابل العلّامة الأنصاري، لا وجه له الّا أن يقال ان الأمارة إذا سقطت عن الحجية لعدم القدرة لا يبقى شي‌ء يوجب إسقاط الأصل و الأمارة.

قوله: و ان خرجت ملطخة و لو بصفرة صبرت حتى تنقى أو تنقضي عشرة أيام ان لم تكن ذات عادة أو كانت عادتها عشرة، و ان كانت ذات عادة أقل فكذلك مع علمها بعدم التجاوز عن العشرة.

أقول: انه لا يخفى ان موضوع البحث في هذا الفرع يكون الدم الذي تجاوز عن ثلاثة أيام و تحقق حيضيته بذلك و هي اما مضطربة أو ذات عادة و عادتها اما عشرة أو أقل و القطنة تارة تخرج أحمر اى بصفة دم الحيض أو أصفر أي بصفة دم الاستحاضة و كل ذلك تارة يكون مع استمرار الدم و اخرى مع عدمه، و التجاوز اما أن يكون عن العشرة أو لا، فهنا فروع:

الأول: في المضطربة التي خرجت القطنة ملطخة بالحمرة في مستمرة الدم مع قطع الدم إلى العشرة فالمتسالم بين الأصحاب هو الحكم بالحيضية الى النقاء الواقعي أو انتهاء الدم إلى العشرة.

و استدل له بطوائف من الأخبار: الطائفة الأولى أخبار الاستبراء في باب 17 من الحيض قوله (عليه السلام) (في ح: 1) «فلتستدخل قطنة فان خرج فيها شي‌ء من الدم فلا تغتسل» فان قوله (عليه السلام) «فلا تغتسل» مطلق من جهة كون الدم في العادة أولا، و من جهة كون الدم أحمر أو أصفر فهو حيض بعد الاختبار و رؤية الدم.

الطائفة الثانية: ما (ورد في باب 8 من الحيض ح: 6) عن عبد اللّه بن بكير عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر بها الدم، تركت الصلاة عشرة أيام. و تقريبها بإطلاق الاستمرار من حيث كون الدم في الباطن مستمرا أو في الخارج.

369

الطائفة الثالثة: ما (في باب 14 من الحيض ح: 1) عن سماعة بن مهران قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض الى قوله «فلها أن تجلس و تدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة».

و التقريب بأنها يجب أن تدع الصلاة ما دام الدم موجودا سواء كان في الباطن أو الظاهر.

و منها: ما (ورد في باب 10 من الحيض ح: 11) عن محمد بن مسلم، و التقريب بقوله (عليه السلام) «إذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى سواء كان الدم في الباطن أو في الخارج، و المراد بهذه العشرة العشرة الدموية لا الطهرية حتى يقال بأنه في المقام يكون الفاصلة أقل الطهر و هو العشرة كما مر فيما تقدم عند بيان حكم الدم المستمر، و لا يخفى ان عنوان الروايات هنا يكون لدفع ما توهم في المقام من انها لا تشمل الدم في الباطن و الا فقد تعرضوا لها فيما تقدم.

و مثلها في التقريب ما في باب 12 من الحيض ح 1.

الفرع الثاني و هو صورة كون الدم في الباطن أصفر لا أحمر، و الدليل على حيضيته هو إطلاق ما سبق من الأخبار، و الإجماع و استصحاب الحيضية موضوعا على فرض جريانه في التدريجيات، و حكما أى استصحاب ترتب أحكام الحيض على فرض عدم جريانه في الموضوع، و لا يكون الدم منصرفا إلى الأحمر.

نعم الدم الذي يذكر في مقابله الصفرة يكون ظاهرا في الأحمر و لا يكون المقام كذلك و لو ادعى الانصراف يكون بدويا ناشئا من كثرة الوجود في الخارج.

و الطائفة الرابعة ما عن سعيد بن يسار (في باب 13 من الحيض ح: 8) قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة تحيض ثم تطهر ثم رأت بعد ذلك الشي‌ء من الدم الرقيق بعد اغتسالها من طهرها فقال تستظهر بعد أيامها بيومين أو ثلاثة ثم تصلى.

و تقريب الاستدلال ان النقاء الواقعي لا يضر بالحكم بالحيضية و وجوب الاختبار فكيف إذا كان الدم اصفر بعد تحصيل النقاء بواسطة وضع القطنة كما في رواية- 1‌

370

باب 17 من الحيض، و لا اختصاص لهذا الحكم بالعادة، و لكن تعارضها (ح: 1 في باب 17 من الحيض) بقوله «و ان رأت بعد ذلك (اى بعد الاختبار و ظهور النقاء) فلتوض و لتصل» وجه المعارضة أنها بإطلاقها دلت على ان الدم سواء كان اصفر أو أحمر لا يجب الاختبار، فلو لا الإجماع يلزم القول بعدم حيضية ما هو اصفر و لكن يمكن الجمع بأن يقال انه يكون في الصفرة بعد العشرة و رواية سعيد في الصفرة قبلها و الشاهد الإجماع على ان الدم قبل العشرة حيض ان لم يتجاوز عنها.

الفرع الثالث فيما إذا كانت المرأة ذات العادة و استمر بها الدم في الباطن مع عدم العلم بالتجاوز عن العشرة فهو أيضا حيض بالإجماع و إطلاق الروايات و المعارضة بين الروايتين اللتين مرت هنا يكون الكلام فيهما الكلام فيما سبق و الإجماع يكون بالسنة مختلفة عن الرياض و صاحب المدارك و كذلك استصحاب بقاء الحيض و قاعدة الإمكان، الّا ان يقال كما ان استصحاب بقاء الحيض ينتج ان الدم الى الآن حيض كذلك يكون استصحاب بقاء استمرار الدم الى ما بعد العشرة مثبتا لعدم حيضية ما زاد على العادة و يرفع الشك، فكأن المرأة بجريانه تصير عالمة بأن دمها يتجاوز عن العشرة و لا فرق في جريان الاستصحاب الحالي و الاستقبالي.

و بعبارة أخرى لهذه المرأة تحيران: أحدهما تحيرها من حيث ان الدم في الباطن أيضا حيض أم لا، فترفع تحيرها بجريان استصحاب الحيض حاليا، و ثانيهما تحيرها من حيث انه هل يبقى الى ما بعد العشرة أم لا؟ فترفعه بجريانه استقباليا.

ثم على فرض عدم حصول ما هو وظيفتها بعدم جريان الاستصحاب فتحتمل أن يكون دمها بعد العادة حيضا أو استحاضة حيث لا يعلم تجاوزه عن العشرة، و حينئذ فمقتضى القاعدة الاحتياط بالجمع بين أحكام الحائض و المستحاضة.

و قال المحقق الهمداني (قده) بالبراءة عن أحكام الحائض و صار كلامه عجيبا على القوم لأنه في مورد العلم الإجمالي كيف يمكن أن يقال بترك الاحتياط، و لكن يمكن أن يكون نظره هو انحلال العلم الإجمالي على فرض الحرمة الذاتية لعبادات‌

371

الحائض لا على فرض الحرمة التشريعية.

و بيانه أن يقال ان هذه المرأة تعلم اما أن تكون الصلاة عليها واجبة لاحتمالها الاستحاضة، و اما حراما لاحتمالها الحيض، و اما أن يكون دخول المسجد عليها حراما فقط، لأن دخول المسجد لا يكون من الواجبات على المستحاضة فحيث ان الحرمة ذاتية في الصلاة لا يمكن الاحتياط، و حيث لا يمكن الاحتياط فالتخيير يكون بحكم العقل لا بحكم الشرع و العلم الإجمالي المنجز هو الذي بأي طرف يلاحظ يكون منجزا، و هنا في هذا المورد يكون الحاكم العقل لا العلم، فإنه لا محالة اما أن يكون في الخارج الفعل أو الترك سواء كان العلم أم لا، فحيث سقط عن الاعتبار في هذا الطرف يسقط عن الاعتبار بالنسبة إلى دخول المسجد أيضا، فلا يكون حراما لعدم تنجيز العلم، الا أن يقال بأن مبدأ التخيير العقلي هو حكم الشرع.

و هذا هو سر البراءة فلا محالة تأخذ المرأة بعادتها لا بما زاد عنها، و لكن على فرض القول بالحرمة التشريعية لصلاتها فلا محالة يجب الاحتياط لإمكانه بإتيان الصلاة رجاء، ثم التخيير بحكم العقل يكون استمراريا لا بدويا الا أن يصل الى العلم بالمخالفة القطعية كما حرر في محله.

ثم انه لا يخفى عليكم ان الاستظهار كما استفدنا من الأخبار مشروع إجماعا و لكن الكلام بعد في جهات:

الاولى: ان الأخبار متضمنة لحال المتحيرة، و أما من كان لها العلم الوجداني بقطع الدم لا يلزم عليها الاستظهار.

الثاني: ان الواجب عليها هل يكون طبيعي الاستظهار أو يكون محدد الوقت و الثالث: في انه هل يكون واجبا أو مستحبا.

ثم الأخبار على طوائف:

فطائفة تدل على وجوب الاغتسال على العادة و هي (1) في باب 6 من الحيض‌

____________

(1) و في المستمسك تعرض للروايات و فيه زيادة أيضا على ما هنا كما في سائر الكتب، فلترجع الى كتب الأخبار لتجد جميع الروايات في الأبواب المناسبة و في ما ذكر هنا أيضا كفاية.

372

ح: 1 و 2 و 3 و 5 و في باب 3 من النفاس ح: 1 و 9 و في باب 4 منه ح: 7 و في باب 3 من الاستحاضة ح: 1 و في باب 1 ح: 4 و في باب 2 ح: 1.

و طائفة دلت على لزوم الاستظهار، و لكنها مطلقة من حيث الحد، و هي في باب 13 من الحيض ح: 2.

و طائفة يكون فيها التحديد و هي أيضا في باب 13 من الحيض، فيجب الجمع بين هذه الطوائف و هو على وجوه:

الوجه الأول: ما عن المشهور و هو ان مطلقات الاستظهار تقيد بما دل على التحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام و يرفع التعارض بين العادة و الاستظهار بتقديم روايات العادة على رواياته للأظهرية و يحمل روايات الاستظهار على الاستحباب لئلا يلزم الطرح.

بيان ذلك ان العادة التي جعلت أمارة على الحيضية و تحديدها تنفى بمفهومها غيرها، و الاستظهار أيضا كذلك فيحصل التعارض فيقدم العادة للأظهرية و لا يسقط روايات الاستظهار بل يحمل على الاستحباب لأن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح.

و قد أشكل فيه بعض المعاصرين بأن هذا ليس أولى من العكس بحمل روايات الاقتصار على العادة على الاستحباب و بحمل الأمر بالاستظهار على الترخيص في أيامه و لا ينافيه التعبير بالاحتياط في صحيح زرارة و موثق البصري و رواية الجعفي لإمكان كونه علة في الترخيص في ترك العبادة.

أقول: لا وجه للحمل على الاستحباب لأن ظاهر الروايات هو الوجوب، فإن جرى استصحاب الحيض فهو، و الا يلزم العمل بالاحتياط على القاعدة.

و قد أشكل الشيخ الأنصاري (قده) بأن ظاهر الأمر في الاستظهار هو وجوب جعل أيامها حيضا، و يترتب عليه آثاره مثل حرمة الوقاع، فلا معنى لقول المشهور‌

373

بحمله على الاستحباب.

و فيه انه يمكن أن يكون الأمر به ترخيصا في ذلك، فان استظهرت يترتب عليه أحكام الحيض و الا فلا، فلا يكون من الواجب ترك الوقاع إذا لم يكن بنائها على الاستظهار و لا نحرز من قول المشهور بالاستحباب اعراضهم عن روايات العادة، أى ان المشهور حيث قالوا بالاستحباب يكون معناه الالتزام بروايات العادة في المقام، بخلاف من قال بوجوب الاستظهار فان معناه سقوط روايات العادة من جهة التحديد بل المدار عليها تعيينا و ان شائت تستظهر و تترتب عليه أحكامه أيضا.

الوجه الثاني (1): للجمع ما عن المحقق الخراساني (قده) و هو أن يقال ان الأمر في الرجوع الى العادة و بالاستظهار في كل واحد منهما تعييني أي أمر العادة يدل على انها هي المرجع لا غير، و كذلك أمر الاستظهار.

و لكن في مقام العمل لا بد من التخيير و الأمر بالاحتياط في صحيحة زرارة (في باب 1 من الاستحاضة ح: 12) و عن الجعفي (في باب 13 من الحيض ح: 7) يكون شاهدا على ترجيح الاستظهار استحبابا، فيكون مثل خصال الكفارات في تقديم أيهما شائت، و مع ترجيح الاستظهار يحمل اليوم و اليومين و ثلاثة أيام على أفضلية الاستحباب بالأكثر، فيكون ما ذكر بيانا لمراتبه، فإن الثلاثة أفضل من اليوم و اليومين و هكذا اليومان من اليوم، و لا يكون التخيير في الدوران بين الأقل و الأكثر كما هنا من اليوم و اليومين.

فان قلت هذا يرجع الى التخيير في ترك العبادة و فعلها فإنها إن شاءت استظهرت و تركت الصلاة و الصوم و ان شاءت لم تستظهر و أتت بهما فلا يكون مفاد هذا إثبات‌

____________

(1) أقول: و هذا الجمع أوفق بالذهن لأن سائر الجموع غير تام، اما جمع المشهور فلعدم الدليل على الاستحباب، و اما سائر الجموع فلأن حمل كل على مورد غير مورد الآخر، يكون خلاف الظاهر من الروايات، و ان كان جمع الشيخ (قده) أيضا مما يكون قريبا الى الذهن.

374

حكم شرعي فإنها لا محالة اما أن تكون فاعلة أو تاركة.

قلت: فرق بين التخيير في الأسباب و التخيير في المسبب فإنه لا معنى للثاني و لكن لا إشكال في الأول فكما ان المكلف ان اختار السفر يجب عليه القصر، و ان اختار الحضر يجب عليه التمام، و هكذا ان قصد إقامة العشرة يجب التمام و ان لم يقصدها يجب القصر، كذلك في المقام ان اختارت المرأة الاستظهار، يجب عليها ترك الصلاة، و ان لم تختر يجب عليها فعلها، فيكون هذا تخييرا في السبب لا في المسبب و سيأتي عنه (قده) جمع آخر بعيد هذا.

الوجه الثالث: للجمع هو ما عن الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) و هو ان أخبار الاقتصار على العادة تحمل على صورة اليأس عن انقطاع الدم قبل العشرة و أخبار الاستظهار على صورة رجاء قطعه قبل العشرة.

و استدل لذلك أولا: بأن الاستظهار معناه هو رجاء القطع لأنه بمعنى طلب ظهور الحال، و هو يكون في صورة رجاء الانقطاع لا في صورة اليأس.

و ثانيا: التعبير بالاستظهار و الاحتياط في الروايات فإنه أيضا يكون في صورة احتمال الواقع في البين لا اليأس منه.

و ثالثا: بما ورد في صحيحة زرارة (في باب 3 من النفاس) و مرسل داود (باب 13 من الحيض ح: 4) و موثق سماعة (باب 13 من الحيض ح: 1) و رواية الجعفي (في باب 13 من الحيض ح: 7) و رواية حمران (في باب 3 من النفاس ح:

11) بقوله (عليه السلام) في الأولى «فإن انقطع الدم و الّا اغتسلت» فإنه بعد الاستظهار بيومين يكون الأمر بالاغتسال، و معلوم ان الاستظهار كان لرجاء الواقع، فحيث لم ينقطع لا يجب بعده و لو كان قبل العشرة، و هكذا يكون ما هو المستفاد من متون بقية الروايات.

و أما أخبار الاقتصار فإنها و ان كانت مطلقة من حيث رجاء القطع و اليأس، و لكن مقتضى الجمع بين المطلق و المقيد هو الحمل على صورة اليأس منه.

و أجاب عنه بعض تلامذته و لعله المحقق الخراساني (قده) بأن حمل أخبار‌

375

الاقتصار على صورة اليأس يكون من الحمل على الفرد النادر، لأن غالب النساء لا يحصل لهن اليأس عن قطع الدم قبل العشرة، الّا أن يقال ان الروايات في مورد استمرار الدم في الدورة الثانية، فإنها تطمئن بعدم قطع الدم بعد رؤيته مع فاصلة أقل الطهر و لم ينقطع، فجعلت أيامها أيضا حيضا و تجاوز عنها أيضا.

و الجواب عنه هو ان روايات الاقتصار و الاستظهار تكون في مورد المتحيرة فعلى هذا فأي طرف يكون الرجحان فيه يقدم على الآخر مثلا إذا كان احتمال الانقطاع قبل العشرة في المائة ثمانين و احتمال عدمه في المائة عشرين تستظهر، و إذا كان بالعكس فلا تستظهر.

لا يقال (1) ان أخبار الاقتصار يكون في مقام بيان الحكم الواقعي و أخبار الاستظهار يكون في مقام بيان الحكم الظاهري.

و على هذا لا منافاة بينهما، فإن أيام الحيض يكون حيضا واقعا و أيام الاستظهار يحكم بكونه حيضا ظاهرا.

و فيه ان كلتيهما أمارة لا فرق بينهما في إراءة الواقع، فإن أخبار الاستظهار لا تكون أصلا حتى تكون بيانا للحكم الظاهري، فلا وجه لهذا الكلام.

الوجه الرابع: هو الجمع الثاني عن الخراساني (قده) فان ما سبق منه يقول انه لا يعرفه الا الخواص و هذا يفهمه العوام، و هو ان روايات الأخذ بالعادة (2) على طائفتين:

طائفة مطلقة من جهة الاستظهار، و طائفة تكون خاصة للعادة فقط، و أخبار الاستظهار أيضا طائفة منها مطلقة من حيث الأخذ بالعادة، و طائفة مخصوصة بالاستظهار‌

____________

(1) هذا في المستمسك ص 269 مع الاستشهاد بأخبار، فليرجع اليه.

(2) ما وجدنا هذا التقسيم و لم يذكر الأستاذ (مد ظله) رواياته لا في درسه و لا في خارجه، و لم يتعرض المحقق الخراساني (قده) نفسه أيضا للروايات كذلك في رسالته على ما حكى عنها.

376

لا غير، فيقيد كل مطلق بالمقيد في مقابله أى يقيد طائفة الاستظهار المطلق بما يكون في خصوص العادة و بالعكس، فيقال بأن ما دل على وجوب الاستظهار لا الأخذ بالعادة، يكون في صورة كون الدم في الدورة الاولى من الحيض و ما دل على الأخذ بالعادة يكون في صورة استمرار الدم بحيث مضت فاصلة أقل الطهر و رأت الدم فجعلته الحيضة الثانية و استمر و جاوز عن العادة، فإنه يجب أن يؤخذ بالعادة.

و هذا الجمع هو الذي يكون عن الوحيد و صاحب الجواهر فإنهما أيضا يقولان بأن العادة مختصة بالدامية و الاستظهار مختصة بالدورة الاولى، و الفرق بينهما و بين الخراساني هو الاجمال و التفصيل، فإن الخراساني (قده) رأى ان الروايات مختلفة من حيث الإطلاق و التقييد، ففصل الكلام في الجمع.

و قد أشكل عليه بأنه ليس جمعا عرفيا و لا شاهد له أيضا على ان روايات الأخذ بالعادة تشمل صورة كون الدم في الدور الأول كمرسلة داود (في باب 13 من الحيض ح: 4) «قال: سألته عن المرأة تحيض ثم يمضى وقت طهرها و هي ترى، قال: فقال:

تستظهر بيوم ان كان حيضها دون العشرة أيام، فإن استمر الدم فهي مستحاضة، و ان انقطع الدم اغتسلت وصلت».

فان الظاهر منها هو الدم الذي يكون في الدورة الاولى و يكون الأمر فيه بالاستظهار و مثلها رواية زرارة (في باب 3 من أبواب النفاس ح: 1) قال (1) النفساء تكف عن الصلاة أيامها التي تمكث فيها، ثم تغتسل و تعمل كما تعمل المستحاضة» و بالعكس يكون روايات الأخذ بالاستظهار في مورد الدامية أيضا كما في رواية زرارة و محمد بن مسلم (في باب 13 من الحيض ح: 5) و رواية إسماعيل الجعفي (في باب 13 من الحيض ح: 7).

و الجواب عنه هو ان الشاهد على الجمع يكون اقوائية الظهور، و أى شاهد أقوى منها، فإن المرأة إذا تجاوز دمها في الدور الأول يحتمل أن ينقطع الدم، و اما‌

____________

(1) أقول: انه لا دلالة لهذه الرواية لعدم ذكر عن الاستظهار فيها.

377

إذا كانت مستمرة لا يحتمل القطع حتى يستظهر، فان رجاء قطع الدم و اليأس منه دخيل في الاستظهار من الروايات و الشاهد رواية إسحاق بن جرير (في باب 13 من الحيض ح: 3) «قال في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها، قال: ان كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة».

فإن التفصيل شاهد على ان مستمرة الدم حكمها غير من ينقطع دمها على العشرة و أجيب: بأن بعض الروايات في العادة آبية عن اختصاص حكمها بمستمرة الدم.

و فيه ان الإباء لا يكون بحكم العقل حتى لا يكون المحيص عنه، بل هو ظهور فقط فيسقط بظهور أقوى.

قوله: أما إذا احتملت التجاوز، فعليها الاستظهار بترك العبادة استحبابا (1) بيوم أو يومين أو الى العشرة (2) مخيرة بينها.

أقول: مقتضى ما مر من الجمع بين الروايات عدم صحة متن المصنف، لا من جهة القول باستحباب الاستظهار و لا من جهة القول بالتخيير بين الأقل و الأكثر، لأن مقتضى الجمع الأول للمحقق الخراساني (قده) و هو المختار وجوبه تخييرا، و مقتضى جمع الشيخ الأعظم (قده) أيضا كذلك، لكن في مورد رجاء الانقطاع واجب و في غيره لا يجب، و كذلك الجمع الثاني للخراساني و هو الحمل على الوجوب في الدورة الاولى.

و مثله جمع الوحيد و الجواهر و هكذا جمع صاحب الحدائق بأنه في صورة كونها مستقيمة الحيض يجب الاستظهار، فالاستظهار واجب على حسب جميع الأقوال إلّا قول المشهور الذي هو الاستحباب و هو خلاف التحقيق و لا شاهد له.

لا يقال ان القول بالإباحة أيضا يكون في المقام، و بيانه أن الأمر به يكون عقيب الحظر، أي المرأة حيث يخاف عليها بعد انقضاء عادتها ان ترتب آثار الحيض على‌

____________

(1) بل وجوبا على الأحوط.

(2) بل المتيقن الاستظهار إلى العشرة لو لم ينقطع الدم قبلها.

378

الدم الثاني أمرت بالاستظهار و عدم الحظر عليها، و هو حينئذ يدل على الإباحة كما حرر في محله، و لا وجه لما قيل من ان الأمر بالعادة أيضا يكون عقيب الحظر حيث ان المرأة يخاف عليها ترتيب آثار الاستحاضة بعد ما تحتمل كون الدم في الواقع حيضا فمرجعه الى القول بالإباحة تخييرا، أي الأخذ بالعادة أو بالاستظهار، لأن هذا لا يكون ردا للإشكال بل النتيجة على الأول الإباحة بالنسبة إلى الاستظهار فقط، و في الثاني الإباحة بالنسبة إلى كليهما، فلا يكون هذا ردا للإشكال.

و الجواب الصحيح عن كليهما هو أن يقال بعد كون الأمر عقيب الحظر في كلا الدليلين لا يمكن القول بالإباحة للعلم الإجمالي بأن المرأة اما يجب عليها ترتيب آثار الحيض أو ترتيب آثار الاستحاضة، و عدم ترتيب أحدهما مخالفة له تفصيلا، و انه يكون رفع اليد عن الطائفتين.

و ثانيا: ان بعض الروايات لا يكون فيه الأمر حتى يقال انه عقيب الحظر و ينتج الإباحة مثل رواية مالك بن أعين (في باب 3 من الاستحاضة ح: 1) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المستحاضة كيف يغشاها زوجها، قال (عليه السلام): ينظر الأيام التي كانت تحيض فيها و حيضتها مستقيمة، فلا يقربها في عدة تلك الأيام من الشهر و يغشاها فيما سوى ذلك.

فان قوله (عليه السلام) «فلا يقربها» نهى عن المقاربة في أيام الحيض، و معناه وجوب الأخذ بالعادة و آثارها لا اباحة ذلك.

و ثالثا: ان المبنى فاسد، فإن الأمر عقيب الحظر لا يفيد الإباحة بل يوجب إجماله، و حيث ان المقام يكون استصحاب بقاء الحيض موجودا يجب الاستظهار، فتحصل عدم الوجه للقول بالاستحباب، و أما تحديده ففي بعض الروايات يكون بيوم و في آخر بيومين أو ثلاث و في ثالث بثلثي أيام العادة و في رابع بالعشرة (1)

____________

(1) أقول: المراد بالعشرة لا يكون الاستظهار عشرة أيام، بل يكون معناه الاستظهار إلى العشرة، فإن كان بعد العادة خمسة أيام أو أقل يستظهر إلى العشرة لو لم ينقطع الدم، و على هذا فنفس هذه الرواية شاهدة على الجمع الذي ذكره (مد ظله) .

و له شاهد آخر (ح: 2 في باب 11 من الحيض و ح: 3 و 4) الدال على ان الاستظهار يكون قبل العشرة، و من كانت عادتها عشرة لا استظهار لها، فنفهم ان الدم إلى العشرة حيث يمكن كونه حيضا يجب الاستظهار.

379

و مقتضى القاعدة في أمثال المقام هو القول بالتخيير بعد ظهور أمر كل في التعيين و عدم إمكان الجمع، و لكن في المقام نكتة تمنع عن القول بالتخيير، و هي ان النساء حيث اختلف عاداتهن، فربما ينقطع الدم بعد يوم، و ربما ينقطع بعد يومين أو ثلاث و الى العشرة تكون هذه الروايات دليلا على انها يجب عليها ملاحظة حالها ترى انه متى ينقطع، و لا يكون المستفاد منها التحديد، فلا وجه لما في المتن من التخيير.

قوله: فان انقطع الدم إلى العشرة أو أقل فالمجموع حيض في الجميع و ان تجاوز، فسيجي‌ء حكمه.

أقول: قد مر نظير هذه المسألة في بيان مسألة 17 و 18، و الدليل عليه.

أولا: الإجماع و المخالف صاحب الحدائق و المفاتيح و المدارك.

و ثانيا: بما مر من الرواية في تلك المسألة من موثقة ابن مسلم و صحيحته (في باب 10 من الحيض ح: 11 و في باب 11 ح: 3) فان قوله (عليه السلام) «إذا رأت الدم قبل تمام العشرة فهو من الحيضة الأولى» يدل بالصراحة على ان الدم قبل تمام عشرة أيام من يوم رأته يكون حيضا، و من الحيض الأول.

و الاشكال عليها بأن المراد بالعشرة هو عشرة الطهر، لقوله (عليه السلام) «و ان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة» فان الحيضة المستقبلة لا تكون الا بعد أقل الطهر عشرة أيام غير وارد كما مر، لأن الظاهر من الرواية هو العشرة الدموية.

و يمكن الاستدلال برواية إسحاق بن جرير (في باب 3 من الحيض ح: 3) فان قوله «فان الدم يستمر بها الشهر و الشهرين و الثلاثة، كيف تصنع بالصلاة؟ قال:

تجلس أيام حيضها، ثم تغتسل لكل صلاتين» يدل على ان العادة هي الملاك في صورة‌

380

استمرار الدم، و التجاوز عن العشرة، و الا فأي فائدة في التقييد بالشهر و الشهرين لو كان قبل العشرة أيضا كذلك، فهذه الرواية بمفهومها تكون دليلا لنا.

و ثالثا: ان استصحاب بقاء الحيض في المقام جار.

و رابعا: لو كان لقاعدة الإمكان مورد يكون هذا مقامه لقيام الإجماع بالخصوص على حيضيته، فلا اشكال فيه.

لا يقال ان ما ذكر من الروايات معارضة بالروايات التي وردت في الاستظهار من ان كل دم يكون بعد أيامه يكون من الاستحاضة، و في المقام تارة يكون الكلام في الدم في العادة و هو حيض بها، و اخرى في ما بعدها في أيام الاستظهار فهو أيضا محكوم بالحيضية به، و ثالثة فيما بعد الاستظهار، و هو محكوم بالاستحاضة.

و أما الإجماع فهو مدركى و قاعدة الإمكان لا تنطبق مع هذه الروايات، و مفهوم روايات تجاوز الدم عن العشرة ليس بحجة، لأنه مفهوم الوصف.

و أما الجواب عن رواية الاستظهار فعلى مسلك التحقيق من ان التحديدات أمارة على اختلاف أحوال النساء في قطع دمهن، فتارة ينقطع بيوم، و اخرى بيومين أو ثلاثة، و اخرى ينتهي إلى العشرة، فلا يبقى شي‌ء بعد الاستظهار إلى العشرة حتى نقول بأنه حيض بل استحاضة، و كذا ان انقطع الدم بعد يوم قبل العشرة، لا يبقى دم حتى يقال انه استحاضة.

و أما على مسلك القائلين بالتخيير في التحديد بين اليوم و اليومين و الثلاثة، و ان كان يبقى دم بعد الاستظهار في بعض الموارد، و لكن يمكن أن يقال ان الروايات الدالة على انه استحاضة يكون حكما ظاهريا بها لا واقعيا.

و الشاهد ما ورد في بعض الروايات (في باب 11 من الحيض) عن سماعة «فإذا تربصت ثلاثة أيام و لم ينقطع الدم عنها فلتصنع كما تصنع المستحاضة» فإن هذا التعبير يكون ظاهره هو ترتيب أحكام المستحاضة، لا انه استحاضة واقعا.

و الحاصل ان المشهور يقول بأن روايات الاستبراء بوضع القطنة مطلقة من‌

381

حيث كون القطع قبل العشرة أو بعدها، فإنها إذا وجدت الدم يجب عليها ترك الصلاة و الاغتسال و سواء استظهر أم لا، و روايات الاستظهار تكون مطلقة من حيث ان ما بعده ليس بحيض سواء كان قبل العشرة أو بعدها.

و النسبة بينهما (1) عموم من وجه على ما ذهب اليه الشيخ الأعظم، و لكن التحقيق ان النسبة بينهما التباين، لأنه قبل العشرة إذا رأت الدم بعد أيام الاستظهار يحكم بكونه حيضا بمقتضى دليل الاستبراء، و ليس بحيض بل استحاضة بمقتضى دليل المشهور في الاستظهار، و أما ما بعد العشرة فيكون مما اتفقا على عدم حيضيته فيتساقطان، فيرجع الى استصحاب بقاء الحيض إلى العشرة.

فتحصل انه على المشهور في تحديد الاستظهار و على المنصور كليهما، يكون مقتضى القاعدة حيضية الدم بعد الاستظهار قبل العشرة.

[مسألة- 25- إذا انقطع الدم بالمرة وجب الغسل و الصلاة]

مسألة- 25- إذا انقطع الدم بالمرة وجب الغسل و الصلاة، و ان احتملت العدد قبل العشرة بل و ان ظنت بل و ان كانت معتادة بذلك على اشكال، نعم لو علمت (2) العود فالأحوط مراعاة الاحتياط في أيام النقاء لما مر من ان في النقاء المتخلل يجب الاحتياط.

أقول: أما صورة التحير في بقاء النقاء، و عدمه فلا إشكال بأن الطهر ليس محكوما بالحيضية، و أما على فرض الظن بعود الدم قبل العشرة، فيحصل علم إجمالي بأن‌

____________

(1) أقول: بعد جعله الإطلاق من حيث ما بعد العشرة و ما قبلها لا محالة يحدث شبه العموم من وجه، و هو أن يقال مورد الاجتماع ما ذكره من التباين و مورد الافتراق في دليل الاستبراء هو عدم الدم بعد وضع القطنة، و لا يعارضه دليل ما بعد الاستظهار، و مورد الافتراق في ما بعد الاستظهار الدم بعد العشرة فإنه استحاضة.

فإن قلت: صورة عدم الدم و الدم ما بعد العشرة لا كلام فيه.

قلت: فجعل ما بعدها أحد شقي الإطلاق غلط مع ان الدم ما بعد العشرة أيضا محل البحث، و لكن الإجماع على كونه استحاضة محقق.

(2) فرض حصوله نادر، و لو حصل فالنقاء حيض.

382

هذا لدم اما يكون حيضا لو عاد أو لا لو لم يعد، الّا ان استصحاب الطهارة عن الحيض جار، و مقتضى روايات الاستبراء هو الإطلاق أى انه بعد عدم خروج الدم مع القطنة يحكم بالطهر سواء كان ظانا بالعود أو شاكا كما في الروايات في (باب 17 من الحيض ح: 4 و في باب 13 منه ح: 7 و 3 و 1).

و هكذا لو كانت عادتها على العود، فإنها و ان كانت أمارة، و لكن يحتاج اعتبارها إلى إمضاء من الشرع و حيث لا إمضاء بل يمكن إثبات الردع بإطلاق روايات المقام فأيضا يحكم بالطهر.

و أما صورة حصول العلم بالعود فتلك الروايات منصرفة عنه، و الاشكال بأنه يلزم الحرج بالاغتسال عند الطهر، ثم لو ظهر الدم ثانيا بترتب أحكام الحيض و قضاء الصوم، غير وارد لأن جميع الموارد لا يكون لجميع الأشخاص حرجيا، و لو كان أيضا لا يوجب إسقاط ملاك الحكم بل بقدر رفع الحرج يرفع الحكم عن الشخص الذي يكون عليه الحرج.

و هذا كله يكون على مسلك القائل بأن النقاء في الوسط حيض، و أما القائل بأن النقاء في الوسط طهر، فسواء عاد الدم أو لا، يكون حكمه واضحا، و المصنف (قده) حيث كان مسلكه الاحتياط في النقاء المتخلل احتاط في المقام أيضا في صورة العلم و لكن على فرض حصول العلم لا إشكال في كون النقاء أيضا حيضا على التحقيق و لا وجه لاحتمال عدم حيضيته في صورة العلم، و لكن من أين يحصل العلم لها فإنها لو كان من عادتها العود أيضا مر أنها أمارة و لا اعتبار بها في المقام.

[مسألة- 26- إذا تركت الاستبراء و صلت بطلت]

مسألة- 26- إذا تركت الاستبراء و صلت بطلت (1) و ان تبين بعد ذلك كونها طاهرة إلا إذا حصلت منها نية القربة.

[مسألة- 27- إذا لم يمكن الاستبراء لظلمة أو عمى فالأحوط الغسل]

مسألة- 27- إذا لم يمكن الاستبراء لظلمة أو عمى فالأحوط الغسل (2)

____________

(1) من باب عدم تمشي قصد القربة، و الا فتصح.

(2) بل الأقوى البناء على الحالة السابقة و هي الحيض، لأن الأمر بالاستبراء سقط بواسطة عدم القدرة فلا مانع عن الاستصحاب و الأحوط الجمع بين أحكام الطاهر و الحائض لاحتمال بعضهم بقاء الملاك بعد سقوط الخطاب.

383

و الصلاة الى زمان حصول العلم بالنقاء، فتعيد الغسل حينئذ و عليها قضاء ما صامت و الاولى تجديد الغسل في كل وقت تحتمل النقاء.

[فصل في حكم تجاوز الدم عن العشرة]

فصل في حكم تجاوز الدم عن العشرة

[مسألة- 1- من تجاوز دمها عن العشرة]

مسألة- 1- من تجاوز دمها عن العشرة سواء استمر الى شهر أو أقل أو أزيد اما أن تكون ذات عادة أو مبتدئة أو مضطربة أو ناسية، أما ذات العادة فتجعل عادتها حيضا، و ان لم تكن بصفات الحيض و البقية استحاضة و ان كانت بصفاته.

أقول: ان المصنف (قده) قسم الأقسام في المقام بأحسن تقسيم و لا شبهة و لا خلاف في ان الدم ما بعد العشرة ليس بحيض.

و لكن لتفصيل المقام نقول: ان المرأة التي تجاوز دمها عن العشرة يكون لها ثلاث حالات على التحقيق على ما يستفاد من أخبار الاستظهار، الدم في العادة و الدم في أيام الاستظهار و الدم بعد العشرة، و على المشهور في التحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام فلها حالات أربعة و رابعها هو حكم الدم بعد أيام الاستظهار قبل العشرة.

فنقول: أما الدم في العادة فلا شبهة في كونه حيضا سواء كان بصفته أم لا لما في الأخبار ان الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض، أما أيام الاستظهار ففي صورة عدم التجاوز عن العشرة و ان لم يكن إشكال في حيضيته و لكن بعد تجاوز الدم عن العشرة ففيه البحث و الاشكال من باب ان قوله (عليه السلام) «تصنع عمل المستحاضة» يكون في غير هذه الصورة. و كذا ما بعده قبل العشرة الذي لم يكن من أيام الاستظهار على المشهور، و لكن ما بعدها يكون عدم حيضيته‌

384

مسلما، فيجب البحث عن مقتضى الروايات في المقام.

فطائفة منها: روايات الاغتسال بعد العادة (في باب 4 من أبواب الحيض) ففي ح: 1 عن المرأة ترى الصفرة في أيامها، فقال: لا تصلى حتى تنقضي أيامها و ان رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت.

و الظاهر منها ان الصفرة بعد العادة ليست بحيض سواء كان في أيام الاستظهار أو بعده.

و في ح: 3 «كل ما رأته المرأة بعد أيام حيضها فليس من الحيض» و هذه بإطلاقها دلت على ان ما رأته سواء كان أصفر أو أحمر أى بصفة الحيض أو الاستحاضة يكون كذلك.

و طائفة منها: روايات الاستظهار (في باب 13 من الحيض) ففي ح 3: «ان كان أيام حيضها دون عشرة أيام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة».

و هذا في صورة عدم تجاوز الدم عن العشرة، مر حكمه من كونه حيضا في أيام الاستظهار كما دلت عليه هذه الرواية و غيرها، و لكن في صورة التجاوز يفهم منها عدم الحكم بالحيضية، و المشهور هنا على كون ما بعد العادة مطلقا استحاضة و صاحب المدارك و عدة على كونه حيضا، و السند للأول هو ان مقتضى الجمع بين الطائفتين القول بذلك، لأن روايات العادة بإطلاقها دلت على عدم حيضية ما تأخر عنها و روايات الاستظهار في صورة تجاوز الدم عن العشرة تحكم بعدم الحيضية لا في صورة عدم التجاوز، فيكون الحق مع المشهور.

و أما جواب الأعلام عن هذا بأن المستفاد من روايات الاستظهار إلحاق أيامه بالحيض فلا يكون صحيحا.

أقول: انه قد مر جمع الأعلام بين روايات الاستظهار و العادة فيما سبق بوجوه مختلفة، فعلى فرض القول بأن كل طائفة لها محل غير الأخرى كما مر عن الشيخ بأن الاستظهار يكون في راجية الانقطاع، و العادة تكون مرجعا في صورة اليأس منه‌

385

أو حمل الأول على غير الدامية و الثانية على الدامية، ففي المقام حيث يكون الدم مستمرا و لم يكن رجاء الانقطاع لا تشمله روايات الاستظهار أصلا.

و أما على ما ذهبنا اليه تبعا للمحقق الخراساني من الوجوب التخييري فالإشكال يكون في الجمع بينهما، فان حملنا روايات الاستظهار على الحكم الظاهري بالحيض فيقال بأنه بعد تجاوز العشرة ظهر خلافه و ليس في الواقع حيضا، أو يقال ان المشهور أعرضوا عن الروايات في صورة تجاوز الدم عن العشرة و المدار على العادة فقط.

و الحاصل اما أن يقال بأن ترك العبادة استظهارا حكم ظاهري، أو يقال باعراض المشهور عنها من هذه الجهة.

هذا كله في صورة كون الدم في العادة و ما بعدها متوافقين في الصفة حمرة أو صفرة، و أما إذا كان التخالف في الصفات فهو يكون له صور ثلاث:

الاولى: أن يكون ما في خارج العادة بالصفة دون ما فيها و لا يمكن الجمع بأن يكون بينهما بقدر فاصلة أقل الطهر، فيقال كلاهما حيض، فالمشهور في هذه الصورة ان العادة فقط حيض، و قيل بالتخيير بين حيضية العادة و ما في خارجها، و قيل بالتخيير بين القول باستحاضة الخارج أو حيضيته.

و لكن الحق ان العادة مقدمة للحكومة، فإن النسبة بين الصفة و العادة العموم من وجه، ببيان ان كل دم ذات الصفة حيض سواء كان في العادة أو لا، و كل دم في العادة حيض سواء كان بالصفة أو لا، مورد الاجتماع الدم ذات الصفة في خارج العادة فيتعارضان.

و أما السند للقول بالحكومة فمرسلة يونس في باب 3 من الحيض ح: 4 لقوله (عليه السلام) في فقرة منها «و لو كانت تعرف أيامها ما احتاجت إلى معرفة لون الدم» و قوله (عليه السلام) «فإذا جهلت الأيام احتاجت الى النظر حينئذ إلى إقبال الدم و إدباره و تغير لونه» و هذه صريحة في ان العادة مقدمة على الصفات و أيضا ح 3 في الباب المتقدم عن إسحاق بن جرير فإنه بعد قوله «تجلس أيام حيضها» و بعد قول السائل «ان‌

386

أيام حيضها تختلف عليها قال (عليه السلام) «دم الحيض ليس به خفاء» أى الرجوع الى الصفات يكون بعد العادة و على فرض عدم الحكومة فإن قلنا في باب الصفات أنها أمارة علمية كما قال به المحقق الخراساني (قده) و هو الحق فهذه الصفة بعد العادة ندعى انها لا توجب العلم فلا اعتبار بها و على فرض عدم تسليمه أيضا فلا وجه للقول بتقديم التميز على العادة أيضا فلا محالة يجب القول بالتخيير بين جعل كل واحد منهما حيضا، و هذا سند القائل بالتخيير كذلك.

الصورة الثانية تلك الصورة مع كون الفاصلة بقدر أقل الطهر ففيها اختلاف شديد بحيث يقول صاحب الرياض بأن الدم الذي يكون بصفة الحيض يكون مسلّم الحيضية بالإجماع.

و قال الشيخ ما رأينا أحدا يقول بذلك و كذلك صاحب الجواهر منكر للحيضية و السند للقائل بها هو أن العادة امارة و الصفة أيضا امارة و حيث يكون فاصلة أقل الطهر و لا مانع من القول بحيضية الدمين فلا إشكال في حيضية ذي الصفة، هذا مضافا الى ما يكون من التفصيل في رواية محمد بن مسلم باب 10 من الحيض ح 11 لقوله (عليه السلام):

«إذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى و إذا رأته بعد عشرة أيام فهو من حيضة أخرى مستقبلة» بناء على ان يكون المراد بالعشرة عشرة الطهر (1) كما مر الكلام فيها فلا اشكال على هذا في الحكم بذلك و لا معارضة بين العادة و الصفة.

و اما سند صاحب الجواهر (قده) فهو ان إطلاق روايات العادة من حيث التقديم على الصفة يشمل المقام أيضا فنقول انه في العادة حيض و في غيرها ليس بحيض.

و فيه انه لا يتم كلامه (قده) لأن العادة لا تنفى غيرها فان مفادها ان الدم فيها حيض و أما انه في غيرها ليس بحيض، فليس في وسعها إثباته، فعلى هذا ان القول بمراعاة الاحتياط وجوبا في المقام هو المتعين.

ثم هنا فرض آخر ذكروه هنا و هو أن الدم المتجاوز عن العشرة إذا كان ما في‌

____________

(1) و قد مر منه ان الظاهر ان المراد بالعشرة عشرة الدم.

387

العشرة مثلا سبعة أيام منه في العادة و ثلاثة منها في خارجها مع الصفة مع التجاوز فإنه أيضا صار محل الاشكال من جهة ان الدم حيث تجاوز عنها لا تكون الثلاثة من الحيض، و من انه حيث يكون له صفة الحيض يكون حيضا ففيه أيضا الاحتياط لازم.

و يمكن أن يقال ان المرأة ان كانت ترى الدم في شهر أزيد من مرة يمكن القول بحيضية كلا الدمين، و أما إذا كان من عادتها رؤية الدم في كل شهر مرة، فلا، لعدم الأمارة على كون الأزيد حيضا.

الصورة الثالثة: هي أن يكون الدم في العادة و في غيرها مع التمييز و لم يكن فاصلة أقل الطهر مع كون العادة متخذة من الصفة.

و هي التي تعرّض لها المصنف بقوله:

إذا لم تكن العادة حاصلة من التميز بأن يكون من العادة المتعارضة و الا فلا يبعد (1) ترجيح الصفات على العادة بجعل ما بالصفات حيضا دون ما في العادة الفاقدة.

أقول: في هذه الصورة قال في المعتبر (2) بأن المناط على الصفة كما في المتن مستدلا بأنه لو قدم العادة على الصفة يلزم زيادة الفرع على الأصل، فإن أصل العادة هو التميز فكيف صارت مقدمة عليه.

و في الجواهر ان الروايات في العادة و تقدمها على الصفة منصرفة عن هذه الصورة.

و أشكل الشيخ (قده) على هذا بأن الأول استحسان محض و لا سندية له، و الانصراف بدوي، الّا أن يقال بأن سند التقديم الإجماع و المتيقن منه غير هذه الصورة، و لكن الحق تقدمها هنا أيضا تبعا للشيخ (قده) و الّا يلزم الاحتياط.

قوله: و أما المبتدئة و المضطربة فترجع الى التميز فتجعل ما كان

____________

(1) بل لا يبعد ترجيح العادة هنا أيضا، و الاحتياط في الجمع بين أحكام الحائض و المستحاضة في الدمين.

(2) أقول: انه حكاه في المستمسك عن المحقق الثاني.

388

بصفة الحيض حيضا و ما كان بصفة الاستحاضة استحاضة.

أقول: انه دل على ما في المتن الإجماع و هو مذهب فقهاء أهل البيت كما في محكي المعتبر و مذهب علمائنا كما في محكي المنتهى، و لا فرق بين المبتدئة و المضطربة، فإن المدار على من لم تستقر بها العادة كما في المتن الّا أن صاحب الحدائق فرق بينهما بأن المبتدئة ترجع الى الروايات التي دلت ان المدار على العدد و المضطربة ترجع الى الصفات.

و المهم هو الروايات في المقام، أما الدالة على الرجوع الى التمييز (في باب 3 من أبواب الحيض ح: 2 عن حفص و ح: 3 عن إسحاق بن جرير) فإنها في مقام بيان صفة الحيض بقوله (عليه السلام) فيها ان دم الحيض حار عبيط أسود له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد. و هي مطلقة من جهة كون الدم من المبتدئة أو غيرها و لو لم يكن لنا دليل في ذات العادة كانت مطلقة منها أيضا و يكون هذا بيان واقع الدم و لا يكون في مقام بيان الأصل.

و قال الشيخ ان أيام الحيض يصدق على الأيام التي يكون الدم فيها بصفة الحيض و هذا يكفي في تكون العادة و تحققها.

و أما سند صاحب الحدائق (قده) فهو مرسلة يونس (في باب 8 من الحيض ح: 3) بقوله (عليه السلام): «و أما السنة الثالثة فهي التي ليس لها أيام متقدمة و لم تر الدم قط، و رأت أول ما أدركت و استمر بها الدم فإن سنة هذه غير سنة الاولى و الثانية (الى أن قال:) فقال: (يعنى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ) تلجمي و تحيضي في كل شهر في علم اللّه ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي غسلا و صومي ثلاثة و عشرين و كذلك (ح: 6) موثقة ابن بكير و مثله (ح: 5) في الباب المتقدم.

و تقريب الاستدلال ان التفصيل يكون قاطع الشركة في رواية يونس و غيرها مطلقة من حيث كون الدم بصفة الحيض أم لا، و الفرق بينها و بين غيرها هو التفصيل الذي يصير سببا لحكومتها على غيرها بخلاف موثقة أبي بكير و غيره.

389

و قد أشكل عليها صاحب الجواهر (قده) بأنها مضطربة المتن ضعيفة السند، و أما غير المرسلة فيمكن أن يقال يكون في صورة عدم الصفة للدم اما إذا كان بصفة الحيض فلا يرجع فيه الى العدد.

أقول: ان الرواية تكون في مقام بيان سنن الاستحاضة لا سنن المستحاضة و العادة و الصفة أمارتان لكون الدم حيضا و الإرجاع إلى العدد يكون أصلا يرجع اليه عند التحير، و أما التطبيق في حمنة حمية أو حامنة كما كان يقرأه استاذنا في الدرس باختلاف، فلا يضر بعد بيان الطرق طولا و ان العادة مقدمة ثم الصفة ثم العدد، و هذه و ان كانت مبتدئة، و لكن ليست هذا حكم خصوصها.

و الشاهد لما ذكرناه ذيل الرواية «فان لم يكن الأمر كذلك و لكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة و كان الدم على لون واحد و حالة واحدة فسنتها السبع» فان الرجوع فيه الى العدد يكون بعد عدم التميز من صفة الدم و لعل الخمسة ما كان لها التميز و ان كانت مبتدئة، و لذا كان مرجعها العدد.

و أما النسبة بين غير المرسلة و روايات الصفات و ان كانت بالعموم و الخصوص المطلق حيث ان الصفات مطلقة من حيث كون المرأة مبتدئة أو غيرها و هذه تكون في خصوص المبتدئة، و لكن المطلق مقدم عليها لأظهريته في مقام بيان ان واقع الدم يكون بهذه الصفة و لا خصيصة له بشخص دون آخر.

ثم انه أشكل و الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) على الحدائق بإشكالات، و نقل المحقق الهمداني (قده) عبارة أزيد من عبارته في الطهارة و نسب جميعها الى الشيخ (قده) فراجع، منها انه على فرض التعارض في المقام يجب الرجوع الى المرجحات السندية و هي مع أخبار التميز لموافقتها مع المشهور و مخالفتها مع أبي حنيفة من الجمهور، و منها انه لو أغمض عن ذلك ثم القول بالتساقط للتعارض، فالمرجع إطلاقات الصفات حيث ان الحيض صادق على الدم بالصفة عرفا و منها انه لو أغمض عن ذلك أيضا فالمرجع الظن الحاصل من انسداد باب العلم‌

390

و لا يكون المرجع الأصل لأن الخصم لا يقول به بل لا يقول به احد عدا ما عن الغنية من الرجوع الى أكثر الحيض و أقل الطهر.

و قد أجاب عنه بعض المعاصرين (قده) بوجوه.

الأول: ان الرجوع الى المرجحات لا يكون في المتعارضين بالعموم من وجه.

و فيه ان بيان العموم من وجه على ما زعمه هو أن روايات الصفات مطلقة من حيث كون المرأة مبتدئة أو مضطربة و روايات الرجوع الى العدد في المبتدئة مطلقة من حيث كون الدم بصفة الحيض أو لا، و يكون هذا إطلاق أحوالي و لا شبهة في ان كل عام يكون له إطلاق أفرادي و الخاص يكون له إطلاق أحوالي و العموم من وجه يتصور في صورة كون العموم من الطرفين افراد يا و الّا فيمكن ان يقال ان قولنا: أكرم العلماء و لا تكرم الفساق منهم» أيضا له عموم من وجه بأن: «يقال الفاسق اما عالم أولا» مع انه يكون من العام و الخاص المطلق بالاتفاق، و المقام يكون الحكم في المبتدئة خاصا فمقتضى القواعد حمل العام أو المطلق عليه و عدم قولنا به يكون لما مر لا لما ذكره.

و الثاني: ان الشهرة الفتوائية لا تكون من المرجحات مع معارضة هذه الشهرة الفتوائية بالشهرة الروائية في روايات العدد و هما من المرجحات قطعا و في المقام على فرض تمامية الشهرة الفتوائية تتساقطان.

و فيه ان الشهرة الفتوائية على التحقيق من المرجحات فالإشكال مبنائى على ان في روايات التميز أيضا شهرة روائية.

و الثالث: ان الإطلاق يكون هو المرجع في صورة كونها حجة عرفية و هو غير ثابت للشك فيه.

و فيه ان لنا المطلق الفوق (1) و لا يكون في خصوص المستمرة فقط، فالحق‌

____________

(1) أقول: لعل هذا المطلق هو ما في ح 1 في باب 3 من الحيض و على هذا فبحثهم في ان الصفات هل تكون مرجعا مطلقا أو لخصوص مستمرة الدم لا وجه له بل لا اختصاص بها.

391

مع الشيخ (قده) فيما أفاد.

قوله: بشرط ان لا يكون أقل من ثلاثة و لا أزيد من العشرة.

أقول: هذا على المشهور فان كان اليومان منه بصفة الحيض أو كان اثنى عشر يوما حيضا ففيه البحث من جهة إلحاق يوم مما لا صفة له بما له الصفة ليكمل العدد أو حذف يومين مما زاد لئلا يكون الحيض أزيد من العشرة.

الاحتمالات هنا أربعة:

الأول: الأخذ بالعمومات و القول بحيضية ما كان أقل من الثلاثة و أكثر من العشرة كما عن الحدائق الثاني: القول بأن ما زاد عن العشرة ليس بحيض و ما نقص يلحق به يوم الثالث: ما زاد حيض و ما نقص لا يكمل ببقية الدم الرابع: عكس الثالث و لا قائل به.

و لا يخفى انه ليس لسان روايات التميز تنزيل ما ليس بحيض منزلته ليقال ان ما لا صفة له أيضا و لو لم يكن حيضا يكون منه و لو كان يمكن ان يقال بهذا، ثم ان القائل بالقول الثاني و هو إلحاق يوم بالاثنين ليكمل العدد استدل بأنه مقتضى الجمع بين الروايات و كذا الحكم بالنسبة الى ما زاد عن العشرة فإن مقتضى روايات التحديد هو أن الدم لا يكون أقل من ثلاثة و لا أزيد من العشرة هو تكميل العدد بيوم لتصل الى مشتهاها و التوقف على العشرة فيقال ما كان بالصفة في العشرة حيض لا ما زاد عنها.

و مقتضى روايات التميز ان ما يكون له الصفة حيض و لا ينفى غيره و قد أشكل على هذا الجمع بالتعارض لأن اليوم الذي يكون الدم بصفة الاستحاضة يكون وجدانه لتلك الصفة دليلا على الاستحاضة و بمدلوله الالتزامي ينفى الحيض، و روايات التحديد دليل على انه حيض، و بمدلوله الالتزامي ينفى كونه استحاضة فيتساقطان.

392

و هنا تقريب للشيخ الأنصاري (1) و المحقق الخراساني (2) (قدس سرهم)ا) للجمع و هو مرجعه الى ان صفات الحيض أمارة على الحيضية، و أما صفات الاستحاضة فإما لا أمارية لها أصلا في مقابل العادة و صفة الحيض أو أمارة، لكن في طول الأمارتين و على جميع التقادير لا تصل النوبة إلى التعارض، فإنه على الأول واضح و كذا على الثاني لأن الأمارة مقدمة على الأصل و كذلك على الثالث لأن أمارية الصفات في الحيض مقدمة على أمارية صفات الاستحاضة، و حيث لا تحصل التعارض يؤخذ بأدلة التحديد.

و على هذا الأساس فإشكال بعض المعاصرين (قده) عليهما غير وارد، فإنه بعد حكاية مقالة الخراساني قال: ان المراد من التبعية ان كان بمعنى أن الادبار حجة، حيث لا يكون الإقبال حجة على خلافه كما هو ظاهر فهو ممنوع، فان لسان دليل الجعل في صفاتي الحيض و الاستحاضة واحد و هو كما ترى على فرض عدم تسليم المبنى و لكن يمكننا من الروايات استفادة ما ذكره الخراساني (قده) لأن في بعض الروايات دلالة على أن صفات الحيض كذا و كذا و الّا فهو استحاضة.

____________

(1) ظاهر تقريب الشيخ كما في الطهارة و في المستمسك نقلا عنه لا يكون من باب كون صفات الاستحاضة أصلا أو أمارة في طول أمارية صفات الحيض أو لا تكون أمارة أصلا بل من باب الجمع العرفي بين الدليلين فإنه (قده) بعد ما رأى من تقديم أدلة التميز في اليوم الواحد لا يلزم طرح دليل صفات الاستحاضة بخلاف العكس صار هذا مرجحا لتخصيصه أدلة الصفات في اليوم الواحد.

و صاحب المستمسك أيضا أجاب على هذا التقريب و لم يجب بأن المبنى فاسد كما أجاب عن الخراساني (قده) و هو أيضا فهم ما نفهم، و لكن الأستاذ مصر على ان مراد الشيخ هو مراد الخراساني، فإن كان مبناه في الخارج مسلّما فهو، و الا فلا يستفاد من عبارته هذه، على ما نفهم.

(2) متن كلامهما في المستمسك مع الجواب عنه بوجه أبسط مما هنا، فراجع.

393

فالدم إذا لم يكن حيضا يكون استحاضة و لو لم تكن بصفة الاستحاضة فلا أمارية لصفتها (1)، ففي المقام يكون اليوم الواحد لا اقتضاء بالنسبة إلى كونه حيضا أو استحاضة، فإذا كان المدلول الالتزامي في أدلة الصفات هو حيضية الناقص بالاقتضاء فيقدم أدلة التميز.

هذا كله بالنسبة إلى تكميل الناقص، و أما تنقيص الزائد عن العشرة فربما يقال بأنه أسهل من المقام، لأن دليل التحديد يدل على عدم إمكان كون الدم بعدها حيضا، و لا معارضة بين دليل الصفة و بين دليل الاستحاضة.

و لكن الاشكال عن صاحب نجاة العباد و هو أن الدم بصفة الحيض حيض، و لكن من أي جهة يقدم العشرة الاولى في الحيضية، فإن العشرة الثانية إذا كانت بصفة الحيض و لم يكن فاصلة أقل الطهر كما هو المفروض يمكن أن يكون حيضا، و لا يرجع الى استصحاب الطهارة لأن مرسلة يونس تدل على أن المرأة لا محالة تكون ذات الحيض.

اما بالعادة أو بالتميز أو بالرجوع الى العدد، فعلى هذا ان قلنا بما قاله المحقق النائيني (قده) بأن في مورد الدوران بين الأمارتين يقدم الاولى لفعلية الحكم بالنسبة إليها، فيكون التقديم مع العشرة الاولى و الثانية على مسلكه لا يكون حكمها فعليا و لا يمكن ان يكون حيضا لعدم فاصلة أقل الطهر، و اما على ما هو التحقيق من عدم الفرق بين الأمارتين و عدم الطولية في التطبيق فيحصل التعارض و مقتضى الأصل الاولى و ان كان التكاذب و لكن مقتضى الأصل الثانوي التخيير و لا يرجع الى العدد‌

____________

(1) أقول: ان صفات الحيض و الاستحاضة كلتيهما يكون على حسب الغالب و لذا الدم في العادة و لو لم يكن بالصفة يحكم بأنه حيض و ما في خارجها و لو كان بصفتها يحكم بأنه استحاضة، و هكذا لو كان الدم في العادة بصفة الاستحاضة يقال انه حيض، فمجرد التعبير بأنه حيض و الاستحاضة، لا يدل على الطولية أو عدم الأمارية و تقديم بيان صفات الحيض في الروايات يكون غالبا من جهة ان تحير المرأة كان من جهة حكم حيضها، فما في المستمسك هو الأقرب.

394

لأنه بمنزلة الثالث الذي ينفيه كلا طرفي المتعارضين.

و أما ما في المرسلة من الأخذ بالصفة فيكون رفع التحير لا ان الاولى متقدمة مضافا بأنه يمكن ان يقال بأن الأصل الثالث في المرسلة و هو الرجوع الى العدد يكون محكوما لدليل الاستصحاب حيث انه يكون من الأصول المحرزة بخلافه و حيث انه أصل أيضا يتصور فيه الحكومة و مع الغمض عن جميع ما ذكر فاللازم هو الاحتياط لا التساقط رأسا و الرجوع الى أصل الطهارة.

فتحصل ان سند المصنف في قوله بالرجوع الى العدد هو عدم تكميل الناقص و لا تنقيص الزائد و سند القائل بالتنقيص دون التكميل هو الإشكال في الثاني دون الأول و سند الحدائق هو عدم استفادة التحديد من رواياته و الاحتمال الرابع لا قائل به فنعرض عنه.

قوله و ان لا يعارضه دم آخر واجد للصفات كما إذا رأت خمسة أيام مثلا دما اسود و خمسة أيام اصفر ثم خمسة أيام أسود.

أقول: ان في المقام فرعا (1) لم يذكره المصنف (قده) و هو أن يكون الدم في الأول ثلاثة أيام بصفة الحيض و ثلاثة أيام بصفة الاستحاضة و أربعة أيام أيضا بصفة الحيض و لم يتجاوز المجموع عن العشرة، و لا يخفى ان هذا ليس تكرارا لما سبق‌

____________

(1) أقول: ذكره المصنف أيضا في مسألة 9 فيما سيجي‌ء و استدل صاحب المستمسك هناك قريبا من استدلال الأستاذ (مد ظله) هنا و لكن الدليل على حيضية كل الدماء قبل العشرة هو موثقة ابن مسلم (في باب 10 من الحيض ح 11) لقوله (عليه السلام):

«إذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الاولى» و هي بإطلاقها تشمل المقام و استدل بها صاحب الجواهر أيضا.

و يمكن استفادة ما ذكرناه من مفهوم رواية إسحاق بن جرير التي مرت في أدلة التجاوز فان قوله «الشهر و الشهرين» يمكن ان يكون له مفهوم بأن يقال حكم ما قبل العشرة غير حكم ما بعدها.

395

في مسألة 18 من الطهر الواقع في الوسط الذي يكون أقل من العشرة لأنها كانت في الطهر الواقعي بين الدمين سواء كان أحدهما في العادة أو كلاهما بالصفة و المقام يكون في الطهر بمعنى عدم كون الدم حيضا أى عدم كونه بصفته كما يكون بصفة الاستحاضة.

فنقول: حيث يكون الثلاثة أقل أيام الحيض متحققة و لا يكون الطهر في الوسط أقل من العشرة و يكون الدم في الوسط بصفة الاستحاضة فيتعارض المدلول الالتزامي في الصفة مع المدلول المطابقي لصفة الاستحاضة لأن لازم كون الدم الثاني بصفة الحيض هو كون ما في الوسط أيضا حيضا ليكون ملحقا بالأول لأنه لا يمكن ان يقال انه حيض مستقل و مطابقة صفات الاستحاضة تدل على ان الدم في الوسط استحاضة فيحصل التعارض بين المدلولين و مقتضاه التساقط و الرجوع الى أصل آخر فيكون الواجد كالفاقد في الدم الثاني.

و فيه أولا: ان صفات الاستحاضة لو كانت أمارة عليها يصح التعارض و لكن حيث لا أمارية لها فلا إشكال في القول بحيضية ما في الوسط.

و ثانيا: على فرض التسليم نقول بأن الدليل دل على ان الطهر في الوسط لا يكون أقل من عشرة أيام إذا كان الطهر واقعيا و اما إذا كان دما غير الحيض فنحكم بحكمه.

فنقول: في المقام بأن ما في الوسط استحاضة و ان الطرفين حيض.

و في المقام قول آخر و هو أن يكون ما بصفة الاستحاضة مع أحد ما بصفة الحيض استحاضة و السند هو عدم كون الطهر في الوسط أقل من العشرة و لا يمكن ان يقال بأن ما بصفة الاستحاضة يكون حيضا للمعارضة، فعلى هذا يتخير بين ان يجعل الحيض ما في الطرف الأول أو الطرف الثاني على غير مسلك المحقق النائيني (قده).

و أما على مسلكه فاللازم جعل الأول حيضا لفعلية الأمارة بالنسبة إليه أولا و عدم بقاء إمكان للأمارة الثانية، لكن عرفت عدم أمارية صفات الاستحاضة، أو يقال‌

396

بأن الإجماع (1) قام على ان الدم بعد التجاوز عن ثلاثة أيام يكون حيضا كما قالوا في فاقد الصفة بأن تحتاط الى ثلاث و ما بعده حيض قطعا.

و اما الفرع الذي تعرض له المصنف (قده) فالمشهور فيه هو أن يكون كالفاقد و في كشف اللثام انه لا خلاف فيه لأن البناء على حيضية الدمين متعذر من باب ان ما وقع في الوسط يكون أقل من أقل الطهر و الفرض انه جاوز الدم عن العشرة و البناء على حيضية أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح.

و لكن هذا القول (2) مبنى على كون صفات الاستحاضة أمارة عليها كما ان صفات الحيض كذلك و هو فاسد عندنا و مبنى أيضا على لزوم كون أقل الطهر و لو كان دما بين الحيضين، و اما على فرض القول بأن الدليل لا يشمل المقام كما مر فلا إشكال في القول بكون الدم في الوسط استحاضة.

قوله: و مع فقد الشرطين أو يكون الدم لونا واحدا ترجع إلى أقاربها في عدد الأيام.

أقول: ان هذا الحكم أعنى رجوع فاقدة الصفة إلى أقاربها في المبتدئة بالمعنى الأخص هو المشهور و ادعى عدم الاختلاف فيه، و اما المبتدئة بمعنى من لم تستقر لها عادة التي تشمل المضطربة ففيها كلام سيجي‌ء.

و اما الدليل على الأول فمضمرة سماعة المجمع على العمل بها و لا يضرها الإضمار لأن الراوي الذي يكون موثقا لا ينقل الرواية إلا عن الامام (عليه السلام) فان كل من انتسب الى جماعة إذا نسب كلاما بالإضمار يرجع كلامه إلى رؤساء ذاك المجتمع‌

____________

(1) أقول: انه قد مر في محله ان الإجماع سندي لا اعتماد عليه فضلا عن المقام هذا مضافا بأنه كان في فاقد الصفة و هنا يكون الدم واجدا لها.

(2) أقول: انه لا مانع من القول بالتخيير في جعل احد الدمين حيضا و الكلام في انه هل يتعين أن يكون الأول حيضا أم لا، و هو مبنى على مسلك المحقق النائيني (قده) و لا يخلو عن وجه.

397

فان من انتسب الى مجتمع ديني كنقلة الحديث لا يروى عن غير من هو مبدء الاحكام بجعل اللّه تعالى إياه مبدءا.

و هي (في باب 8 من الحيض ح: 2) قال: سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لا تعرف أيام أقرائها فقال (عليه السلام): أقراؤها مثل أقراء نسائها فإن كن نسائها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة و أقله ثلاثة.

و تقريب الاستدلال بها من جهات:

الاولى: انها تكون في خصوص المبتدئة حيث قال: «حاضت أول حيضها» و الثانية: انها تكون في المبتدئة المستمرة الدم بقوله: «دام دمها» فلو كان لنا دليل من الخارج في غير المستمرة لا يشمل المقام.

و الثالثة: من جهة قوله (عليه السلام): «لا تعرف أيامها» فإنها إذا كانت تعرف أيامها بحيث حصلت لها العادة و لو بالتميز لا يكون لها هذا الحكم.

لا يقال ان عدم المعرفة بالأيام يصدق حتى مع وجود التميز لها فإن العادة لا تصدق عليه فعلى هذا لو كان لها التميز أيضا يلزم ان ترجع إلى عادة نسائها. لأنا نقول: لازم القول بهذا هو سقوط أدلة التميز بالنسبة إلى المبتدئة بالمعنى الأخص و قد مر في بيان ذيل مرسلة يونس في السنن الثلاث للحائض هو ان الرجوع الى الأيام الذي يكون بعد اختلاف نسائها في العادة يكون في صورة عدم التميز لا في صورة تحققه فإنه مقدم.

فان قلت: ان الرجوع الى التميز يكون بعد اختلاف نسائها جمعا بين الروايات فإنها على أربعة طوائف: مطلقات التميز، و مرسلة يونس، و المضمرة في المقام، و مطلقات الرجوع الى العدد في غير المقام، فمطلقات العدد يقيد بصورة عدم عادة النساء على السواء و بصورة عدم التميز فالرجوع إلى الأقران و التميز كلاهما جزء العلة بالنسبة إلى الرجوع الى العدد اى عدمهما معا سبب للرجوع الى العدد فإذا كان أحدهما‌

398

لا يرجع اليه و اما المرسلة و المضمرة فيجمع بينهما بحمل الاولى على صورة عدم تساوى عادة نسائها و حمل الثانية على صورة تساويها فالرجوع الى النساء مقدم على التميز.

قلت: حيث ان التميز لو كان، يصير موجبا لتحقق العادة (و المفروض ان المبتدئة التي لا تعرف أيامها ترجع إلى نسائها، و اما التي تعرف أيامها بالتميز فلا ترجع إليهن) فروايات التميز حاكمة على المضمرة.

هذا كله بالنسبة إلى المبتدئة بالمعنى الأخص، أما المبتدئة بمعنى المضطربة فربما نسب إلى الأشهر انها أيضا كذلك، و ظاهر جماعه منهم الفاضلان في المعتبر و المنتهى اختصاص الحكم بالمبتدئة بالمعنى الأخص و استدل على الأول بأن التعليل في الذيل بأنها لا تعرف أيامها عام شامل لكل من لا تعرف الأيام و لا خصوصية للمورد فهو أمارة بالنسبة إلى روايات العدد الذي هو بمنزلة الأصل.

و قد أشكل عليه بوجوه:

الأول: ان الرجوع الى النساء لا يكون له ضابطة لاختلاف أحوالهن. و فيه انه في ذيل المرسلة يبين انه على فرض الاختلاف يرجع الى العدد.

الثاني: ان تمامية الملاك فيه نظر، فان قوله «لا تعرف أيامها» أي المبتدئة لا تعرف أيامها لا الأعم و فيه ان كل منصوص العلة يكون كذلك هذا مع انه لا كلام في التعميم في غير المقام و المقام له خصيصة و هو الارتكاز الذي يكون في الذهن من ان المرأة مزاجها غالبا يكون مثل أقاربها و لا فرق بين المضطربة و المبتدئة.

و الثالث: انهم قالوا بأنه لا يشمل الناسية مع انها أيضا كذلك على فرض تعميم العلة و فيه ان الرواية منصرفة عنها كما عن الهمداني و على فرض عدمه فهي خارجة بالإجماع و هو خصصها.

و السند الثاني للقول الأشهر هو إطلاق رواية زرارة و محمد عن ابى جعفر (عليه السلام)

399

«يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي بأقرائها ثم تستظهر على ذلك بيوم» فإنها لا اختصاص لها بالمبتدئة.

و أشكل عليه المحقق الهمداني (قده) أولا بأن المراد من البعض غير معلوم و ربما يكن مختلفات و فيه ان المراد من البعض هو الذي يتعارف الرجوع اليه لا جميع الأقارب كالأخت و الام، و أما إذا كن مختلفات فالرجوع الى العدد هو الوظيفة كما في ذيل المضمرة.

و ثانيا بأنها مهملة من حيث كون الرجوع إليهن بعد التميز أو قبله و فيه ان مطلقات التميز بالبيان السابق حاكمة لأن من لها التميز يكون لها الأيام مضافا الى ذيل المرسلة في السنن الثلاث فان من له التميز لا ترجع الى العدد و هو حاكم عليه و على الرجوع الى الأقران.

و ثالثا: بأنه أي الخبر يكون في مقام بيان حكم ظاهري كالاستظهار و فيه ان التفصيل بينه و بين الاستظهار في الرواية قاطع للشركة و انه يكون في مقام بيان الواقع.

و السند الثالث: رواية أبي بصير في باب 3 من النفاس ح: 20 «النفساء إذا كانت لا تعرف أيام نفاسها فابتليت جلست مثل أيام أمها أو أختها أو خالتها و استظهرت بثلثي ذلك».

و تقريب الاستدلال بأن النفساء لا يكون لها حكم إلا أحكام الحائض و هي مطلقة من حيث كون المرأة مبتدئة أو مضطربة.

و الاشكال عليه بأنه يمكن أن يكن مختلفات في العادة، مر جوابه بذيل المضمرة و أما الرجوع الى واحدة من العمة و الخالة و غيرها فيكون من باب الحكم العادي فإن السؤال عن إحداهن يكفي و لا يلزم أن يكون عن الجميع.

نعم لو كشف الخلاف فيهن لا يتعين، فسند الأشهر تام و لا يبقى للمخالف سند‌

400

الا ادعاء إهمال الروايات و قد علمت ضعفه و على فرض الإهمال في سند الطرفين فالمرجع الصفات بقوله (عليه السلام): «دم الحيض ليس به خفاء».

قوله: بشرط اتفاقها أو كون النادر كالمعدوم و لا يعتبر اتحاد البلد.

أقول حاصل ما استفدنا من روايات رجوع المبتدئة أو المضطربة بعد فقد التميز إلى الأقران هو انها و ان كانت في المستدامة و لكن الظاهر هو ان السؤال و الجواب يكون لبيان ضابطة لمن كان بدون العادة و لا تعرف أيامها فإنها تجعل عادة نسائها لو كانت أقل من عشرة أيام حيضا ثم تستظهر بيوم أو أزيد، فإذا جاوز الدم عن العشرة تعرف ان الحيض هو عادة نسائها.

و اما معنى المستدامة فلا يكون الّا لبيان ما يصير في الواقع كذلك و حمل الروايات على صورة كون السؤال و الجواب لبيان حال المرأة بالنسبة إلى القضاء خلاف الظاهر، كما ان القول بأن الاستظهار على هذا الفرض اى فرض كونها في مقام بيان حكم القضاء يكون معناه ترتب أحكام المستظهر أيضا، خلاف الظاهر فلا بد من الحكم عليه بأن حكم الواقع للمبتدئة و المضطربة و ان لم يكن العلم في أول الأمر باستدامة الدم و هذا كله يكون في صورة كون الاقران متفقات في العادة.

ثم ان معنى الاتفاق هل يكون اتفاق جميع الأقارب بحيث يكون اختلاف البعض مضرا أو يكفي اتحاد البعض و لو واحدا أو يكون اتحاد البعض امارة على عدم اختلاف البعض الآخر بحيث يكون الاتفاق شرطا و لكن إحراز اتفاق الجميع لا يلزم الا بإحراز اتفاق البعض، فلو علمنا بوجود اختلاف البعض الآخر لا يكون لها الرجوع الى المتفقات منهن أو يكون اتفاق أقل الجمع و هو الثلاثة كافيا وجوه و أقوال. فعن الشرائع هو ان المراد بالنساء مجموع الافراد، و عن الذكرى ان اتفاق الأغلب يكفى لتعذر الرجوع الى الجميع أو تعسره غالبا.

و لا يخفى ان المراد لو كان اتفاق المجموع فاختلاف البعض و لو واحدا يضر‌

401

بالامارية و على فرض كفاية أقل الجمع لو اختلف جمع آخر يكون من تعارض الأمارتين لأن الاختلاف امارة العدم و الاتفاق امارة الوجود، و اما ان قلنا بأن اتفاق البعض امارة على اتفاق البقية فما دام لم يظهر اختلافهن يكفى اتفاق هذا البعض للرجوع إليهن و الظاهر من الروايات هو هذا الاحتمال عندي لأن في رواية زرارة و محمد يكون التعبير بقوله (عليه السلام) «ان تنظر بعض نسائها» و في رواية أبي بصير «جلست مثل أيام أمها و أختها أو خالتها» فان الإرجاع إليهن و هن بعض الأقارب يكون شاهدا على كفاية اتفاق البعض و على فرض إحراز اختلاف البعض الآخر فالامارتان متعارضتان لا يرجع إليهما في إثبات التكليف بل يرجع الى الروايات.

قوله: و مع عدم الأقارب أو اختلافها ترجع الى الروايات مخيرة (1) بين اختيار الثلاثة في كل شهر أو ستة أو سبعة.

أقول: اختلاف الأقوال في جعل العادة هي الاعداد ربما يبلغ الى عشرين، و قد جعل في الشرائع القول بجعل الحيض في كل شهر سبعة أيام أو عشرة من شهر و سبعة من آخر مخيرة فيهما أظهر الأقوال.

و الروايات هنا على طوائف: الأولى هي مضمرة سماعة (باب 8 من الحيض ح 2) و قد مرت قال: سألته عن جارية حاضت أول حيضها فدام دمها ثلاثة أشهر و هي لا تعرف أيام أقرائها فقال (عليه السلام): أقراؤها مثل أقراء نسائها فإن كن نسائها مختلفات فأكثر جلوسها عشرة و اقله ثلاثة.

و التقريب عندنا هو أنها مخيرة بين جعل الحيض ثلاثة أو عشرة و سيجي‌ء تقريب آخر بأنها مخيرة فيما بين العددين كالأربعة و الخمسة و هكذا الى التسعة و العشرة.

و مثلها رواية على بن زياد الخزاز (باب 8 من الحيض ح 4) عن ابى الحسن‌

____________

(1) بل مخيرة بين اختيار الثلاثة إلى العشرة من مراتب ما بينهما من الأربعة و غيرها و الاولى السبع.

402

(عليه السلام) قال: سألته عن المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الدم و إذا رأت الصفرة و كم تدع الصلاة، قال أقل الحيض ثلاثة و أكثره عشرة و تجمع بين الصلاتين.

و الفرق بينها و بين المضمرة عدم ذكر الإرجاع إلى الأقران في هذه دونها و كذا في هذه ذكر عن الصفات بقوله «و ترى الصفرة» فإنه يشعر بعدم كون الدم بصفات الحيض و لا ذكر في المضمرة عن هذا و بهذه الجهة جعلناها طائفة ثانية.

الطائفة الثالثة موثقتا ابن بكير (في باب 8 من الحيض ح 5 و 6) قال: في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة إنها تنتظر بالصلاة فلا تصلى حتى تمضي أكثر ما يكون من الحيض فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة ثم صلت فمكثت بقية شهرها ثم تترك الصلاة في المرة الثانية أقل ما تترك امرأة الصلاة، و تجلس أقل ما يكون من الطمث و هو ثلاث (ثة) أيام.

و بهذا المضمون الرواية الثانية عنه.

و تقريب الاستدلال هو ان اللازم هو ترك الصلاة في شهر عشرة أيام و في شهر ثلاثة و هذا يكون مناقضا مع المضمرة بكلا احتماليه اى احتمال التخيير بين الثلاثة و العشرة في كل شهر و احتمال التخيير بين المراتب من الثلاثة إلى العشرة.

و الطائفة الرابعة: ما ورد في رواية مرسلة عن يونس (في الباب المتقدم ح 3) و فيها قوله (صلى اللّه عليه و آله) في حكاية حمنة حيث استمر بها الدم أول ما أدركت «تلجمي و تحيضي في كل شهر في علم اللّه ستة أيام أو سبعة أيام» و في عبارة أخرى عنه (صلى اللّه عليه و آله) «اقصى وقتها سبع و اقصى طهرها ثلاث و عشرون» و في فقرتين بعد هذه الفقرة يكون في بيان الامام (عليه السلام) «فوقتها سبع و طهرها ثلاث و عشرون أو فسنتها السبع».

و هذه الرواية معارضة مع المضمرة على فرض كون المراد ان اقصى الحيض هنا سبع بكلا احتماليه لان السبع على احتمال التخيير بين الثلاثة و العشرة يكون خارجا عن الطرفين و على احتمال المراتب و ان كان السبع أحدها و لكن حيث لا يكون أقصاها فيعارضها، نعم على فقرة فوقتها أو سنتها سبع لا يعارضها على احتمال المراتب،