تبيان الصلاة - ج3

- السيد حسين البروجردي المزيد...
323 /
103

كان رسول اللّه يوتر فقال على مثل مغيب الشّمس الى صلاة المغرب). (1)

الرواية الثالثة: ما رواه مرازم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) (قال قلت له متى اصلّى صلاة الليل قال صلّها في آخر الليل). (2)

الرواية الرابعة: ما رواه اسماعيل بن سعد الأشعري (قال قلت لابى الحسن الرضا (عليه السلام) من ساعات الوتر قال أحبّها إليّ الفجر و سألته عن أفضل ساعات الليل قال الثلث الباقى). (3)

الرواية الخامسة: ما رواه الشهيد في الذكرى عن ابن أبي قرّة عن زرارة (أنّ رجلا سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الوتر أوّل الليل فلم يحبه فلمّا كان الصبحين خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) الى المسجد فنادى أين السائل عن الوتر (ثلاث مرّات) نعم ساعات الوتر هذه ثم قام فأوتر). (4)

و يستفاد منها كلام المشهور بل و المجمع عليه من كون كلّما قرب من الفجر كان أفضل.

الجهة الخامسة: في وقت نافلة الصبح

قال العلّامة (رحمه اللّه) ركعتا الفجر لعلمائنا قولان أحدهما أنّهما يدخلان بطلوع الفجر الأوّل قاله المرتضى لقول الصّادق (عليه السلام) صلّهما بعد ما يطلع الفجر و الثّاني بعد صلاة‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 54 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2)- الرواية 3 من الباب 54 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3)- الرواية 4 من الباب 54 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(4)- الرواية 5 من الباب 54 من أبواب المواقيت من الوسائل.

104

الليل و أن لم يكن قد طلع الفجر أختاره الشيخان لقول الباقر (عليه السلام) و قد سئل الركعتان قبل الغداة أين موضعهما فقال قبل طلوع الفجر و عنه (عليه السلام) أنّهما من صلاة الليل و الاقوى جواز فعلهما بعد صلاة الليل و استحباب تأخيرهما الى طلوع الفجر الاوّل جمعا بين الادلّة. (1)

[في ان اوّل وقت نافلة الصبح طلوع الفجر]

فكما عرفت من كلام العلّامة (رحمه اللّه) أنّ أوّل وقت نافلة الصبح طلوع الفجر الكاذب فى قول و قد قامت الشهرة على ذلك و القول الثاني ان اوّل وقتها بعد صلاة الليل و هو اختيار الشيخين و نسب هذا القول في الحدائق الى المشهور (2) لما ورد فى بعض الاخبار من كونها من صلاة اللّيل فلا بدّ من ذكر الاخبار الواردة في الباب و هو على ثلاث طوائف:

[في ذكر الطوائف الثلاثة من الاخبار]

الطائفة الاولى: ما تدلّ على اتيانها قبل طلوع الفجر الصادق.

منها ما رواه ابن ابي نصر البزنطي (قال سألت الرضا (عليه السلام) عن ركعتى الفجر فقال أحشوا بهما صلاة الليل). (3)

و منها ما رواه ابو بصير (قال قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام) متى اصلّى ركعتى الفجر فقال لى بعد طلوع الفجر قلت له أنّ أبا جعفر (عليه السلام) أمرنى أن اصلّيهما قبل طلوع الفجر فقال يا أبا محمّد أنّ الشّيعة أتوا أبى مسترشدين فأفتاهم بمرّ الحقّ و أتوني شكّاكا فأفتيهم بالتّقية). (4).

____________

(1)- تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 319.

(2)- الحدائق الناظرة، ج 6، ص 240.

(3)- الرواية 1 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(4)- الرواية 2 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

105

و منها رواية زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) (قال سألته عن ركعتى الفجر قبل الفجر او بعد الفجر فقال قبل الفجر أنّهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل أ تريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تطوّع اذا دخل عليك وقت الفريضة فأبدأ بالفريضة). (1)

و منها ما رواه ابو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال قلت ركعتا الفجر من صلاة الليل هي قال: نعم). (2)

و منها ما رواه محمد بن مسلم (قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أوّل وقت ركعتى الفجر فقال سدس الليل الباقي). (3)

و منها ما رواه محمد بن أبي نصر (قال قلت لأبى الحسن (عليه السلام) و ركعتى الفجر أصلّيهما قبل الفجر او بعد الفجر فقال قال أبو جعفر (عليه السلام) أحش بهما صلاة الليل و صلّهما قبل الفجر). (4)

و منها ما رواه زرارة (قال قلت لابي جعفر (عليه السلام) الركعتان اللّتان قبل الغداة أين موضعهما فقال قبل طلوع الفجر فاذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة). (5)

الطائفة الثانية: ما دلّت على كون وقتهما بعد الفجر معيّنا.

الاوّل: ما رواه ابن الحجاج قال (قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) صلّهما بعد ما‌

____________

(1)- الرواية 3 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2)- الرواية 4 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3)- الرواية 5 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(4)- الرواية 6 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(5)- الرواية 7 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

106

يطلع الفجر). (1)

الثانى: ما رواه يعقوب بن سالم البزاز قال (قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) صلّهما بعد الفجر و أقرأ فيهما في الاولى (قل يا أيّها الكافرون) و في الثانية (قل هو اللّه أحد)). (2)

الثالث: ما رواه اسحاق بن عمّار عمّن أخبره عنه (عليه السلام) (قال صلّ الركعتين ما بينك و بين أن يكون الضوء حذاء رأسك فان كان بعد ذلك فابدأ بالفجر). (3)

دلّت الاوّل و الثانية على كون وقتها بعد الفجر و في دلالة الثالثة على ذلك منع لانّ المراد من كون الضوء بحذاء رأسك هو الفجر الكاذب لانّ الفجر الكاذب يطلع على شكل العمودى.

الطائفة الثالثة: دلّت على التخيير

بين الاتيان بها قبل الفجر او معه او بعده.

منها ما رواه ابن ابي يعفور (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ركعتى الفجر متى اصلّيهما فقال: قبل الفجر و معه و بعده). (4)

و منها رواية اسحاق بن عمّار (قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال قبل الفجر و معه و بعده). (5)

و منها ما رواه محمّد بن مسلم (قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ركعتي الفجر‌

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 51 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2)- الرواية 6 من الباب 51 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3)- الرواية 7 من الباب 51 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(4)- الرواية 1 من الباب 52 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(5)- الرواية 2 من الباب 52 من أبواب المواقيت من الوسائل.

107

قال صلّهما قبل الفجر و مع الفجر و بعد الفجر). (1)

و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال صلّهما مع الفجر و قبله و بعد). (2)

و تكون هذه الطائفة شاهدة الجمع بين الطائفتين المتقدّمتين لكون هذه الطائفة نصّا في مدلولها و هو التخيير و الطائفة الاولى ظاهرة في التقديم و الطائفة الثانية أيضا ظاهره فى التأخير و بنصّها ترفع اليد عن ظاهرهما، مع أنّه يمكن أن يقال بأنّ الامر في الطائفة الاولى لا يدلّ على الوجوب لكونه واردا في مقام توهم الحضر، لانّ بناء العامّة على إتيانها بعد الفجر كما كان بناء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على ذلك، فربّما يتوهّم منها لزوم التأخير فتكون أخبار هذه الطائفة وردت على دفع هذا التوهّم، فلا تدلّ الّا على الجواز كما أنّه لا يبعد حمل الاخبار الواردة في الطائفة الثانية الدالّة على وجوب التأخير صدرت لاجل التقية لانّه كما قلنا كان بناء العامة على التأخير كما دلّ على ذلك ما رواه ابو بصير. (3)

و القول في وجه الجمع بين الطائفتين بأنّ المراد من الفجر في الطائفة الثانية هو الفجر الكاذب و المراد من الفجر في الطائفة الاولى هو الفجر الصادق فيجمع بينهما لان بعد الفجر الكاذب و قبل الفجر الصّادق كلاهما سواء و هو من الليل و يستمر وقت صلاة الليل الى الفجر الصادق لا يمكن المساعدة عليه لانّ المتبادر من الفجر من الطائفتين هو الفجر الصّادق فعلى هذا يكون المصلّى مخيرا في إتيان ركعتى الفجر‌

____________

(1)- الرواية 3 من الباب 52 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2)- الرواية 4 من الباب 52 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3)- الرواية 2 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

108

قبل الفجر او بعده او معه و لكن يشكل الامر فى المراد من قبل الفجر و تحديده فذهب جماعة مثل الشيخ فى المبسوط و المحقق فى الشرائع الى أن قبل الفجر أوّل طلوع الفجر الكاذب (1).

[يستفاد من كلام الاصحاب جواز تقديم نافلة الصبح قبل الفجر]

قال بعض آخر قبل الفجر و هو اوّل وقت نافلة الصبح بعد الفراغ من صلاة الليل مثل النّهاية (2) و يكون مستندهم الاخبار الدالة على الاحشاء بهما فى الصّلاة الليل (3) و لا يخفى ان المشهور على القول الاوّل و ذكروها هذا القول فى كتبهم (4)- (5) المعدّ نقل الفتاوى المتلقّاة من أهل البيت (عليهم السلام) و نقل هذا القول فى هذه الكتب يدلّ على وجود نصّ عليه و لكن لم يصل إلينا و في صورة التعارض نأخذ به لانّه موافق لفتوى المشهور.

ثمّ أنّه قد عرفت من اختيار بعض بكون أوّل وقتهما بعد الفراغ من صلاة الليل أنّه يجوز تقدمهما على الفجر و الاحشاء بهما فى صلاة الليل انّما الكلام و الاشكال في أنّ تقديمها مختص بهذه الصورة يعنى بصورة ضمّهما مع صلاة الليل او يجوز تقديمهما حتّى في صورة انفرادهما عن صلاة الليل وجهان من حيث أنّهما مستحبا و صلاة مستقلا و عنوانا في مقابل عنوان صلاة الليل يجوز تقديمهما على الفجر و من أن القدر المتيقن من جواز التّقديم صورة ضمهما مع صلاة الليل فلا‌

____________

(1)- المبسوط، ج 1، ص 76؛ الشرائع، ج 1، ص 63.

(2)- النهاية، ص 61؛ السرائر، ج 1، ص 203.

(3)- الرواية 8 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(4)- الرواية 16 من الباب 50 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(5)- مثل المبسوط و المعتبر و المراسم و شرايع الاسلام.

109

يشرع اتيانهما مستقلا قبل الفجر الّذي أوّل وقتهما.

الجهة السادسة: في آخر وقتهما

قال العلّامة (رحمه اللّه) و آخر وقتهما طلوع الحمرة فيقدم على الفريضة الى أن تطلع الحمرة و أن ظهرت الحمرة و لم يصلّهما بدأ بالفرض و قضاهما بعد الغداة (1) فالمشهور امتداد وقتهما الى ان تطلع الحمرة المشرقية و لكن لم يدلّ دليل على ذلك غير ما رواه على بن يقطين كما ذكر في التذكرة قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرّجل لا يصلّى الغداة حتّى يسفر و تظهر الحمرة و لم يركع ركعتي الفجر أ يركعهما او يؤخرهما قال يؤخرهما (2) و دلالتها على امتداد وقتهما الى طلوع الحمرة محل نظر لكن يستفاد منها عدم مزاحمتهما لفريضة الصبح فيصلّى الفريضة أوّلا.

فلو قلنا بامتداد وقتهما الى الحمرة فمقتضى هذه الرواية صيرورتهما قضاء بعد طلوع الحمرة او أنّ المراد من الامتداد الى الحمرة جواز مزاحمتهما للفريضة الى ذلك الوقت و لا يجوز اتيانها بعد ذلك الوقت من دون ان تصير قضاء وجهان.

قال في الشرائع و يجوز ان يصلّهما قبل ذلك و الافضل اعادتهما بعد (3) و الظاهر ان نظره الشريف الى رواية زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) حيث قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول أنى لاصلّى صلاة الليل و أفرغ من صلاتي و اصلّى الركعتين فأنام‌

____________

(1)- تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 319 و 320.

(2)- الرواية 1 من الباب 51 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3)- الشرائع، ج 1، ص 63.

110

ما شاء اللّه قبل أن يطلع الفجر فاستيقظت عند الفجر أعدتهما (1) و كذا رواية حمّاد بن عثمان قال: قال لى أبو عبد اللّه (عليه السلام) ربّما صلّيتهما و عليّ ليل فان قمت (في بعض النسخ نمت) و لم يطّلع الفجر أعدتهما (2) لو كان المراد من الركعتين هو نافلة الصبح فى الرواية الاولى و كذا المراد من ضميرهما في الرواية الثانية و لا يمكن إثبات ذلك مضافا الى أنّ المتبادر من الفجر في الروايتين هو الفجر الثاني اعنى الفجر الصّادق مع أنّ الكلام في استحباب أعادتهما بعد الفجر الاوّل فلا يمكن جعلهما دليلا على هذا الحكم فتأمّل.

الرواية الثانية: نافلة الصبح لكن المتبادر من الفجر في الروايتين هو الفجر الثاني يعنى الفجر الصّادق و الحال أن المدعى هو استحباب اعادتهما بعد الفجر الكاذب و الدليل لا يناسب مع المدعى مع أنّ الدليل و هو الرواية الاولى مقيّدة بالنوم و كذا الرواية الثانية على نسخة فكما قال الجواهر ألّا أنّه كان عليه تقييده كالمحكى عن ابن فهد في المحرر بما اذا نام بعد دسّهما في صلاة الليل و نحوه ممّا اشتملا عليه لا الاطلاق. (3)

الجهة السابعة: فى التطوع وقت الفريضة

و أعلم أنّه قد اختلف في اتيان النوافل المبتدأة و كذا قضاء النوافل المرتبة فى وقت الصّلاة الفريضة الّتي تكون هذا الزمان وقتها قال صاحب الجواهر بعد كلام‌

____________

(1)- الرواية 9 من الباب 51 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2)- الرواية 8 من الباب 51 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3)- جواهر الكلام، ج 7، ص 235.

111

الشرائع (و تصلّى النوافل ما لم يدخل وقت الفريضة و كذا قضاؤها) بلا خلاف و لا اشكال لإطلاق الأدلّة و عمومها أما اذا دخل فالاقوى في النفر جوازه أيضا وفاقا للشهيد و المحقّق الثاني و الكاشانى و الخراسانى و ظاهر القاضى فيما حكي عنه و المدارك (1) و هو الاقوى و ذهب كثير من القدماء على المنع مثل الشيخ و المفيد. (2)

[في ما دلّ على جواز التطوع وقت الفريضة]

و منشأ الخلاف اختلاف الاخبار فلنذكر الاخبار أوّلا حتّى يظهر الحال فيها فبعضها يدلّ على الجواز.

منها رواية اسحاق بن عمّار (قال قلت أصلّي في وقت فريضة نافلة قال نعم في أوّل الوقت اذا كنت مع أمام تقتدى به فاذا كنت و درك فابدأ بالمكتوبة). (3)

و منها رواية سماعة (قال سألته (سألت أبا عبد اللّه) عن الرّجل يأتي المسجد و قد صلّى أ يبتدئ بالمكتوبة او يتطوع فقال ان كان في وقت حسن لا بأس بالتطوع قبل الفريضة فان كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة و هو حق اللّه ثمّ لتطوع ما شاء الّا هو (الامر) موسّع أن يصلّى الانسان في أوّل دخول وقت الفريضة النوافل ألّا أن يخاف فوت الفريضة و الفضل اذا صلّى الانسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أوّل الوقت للفريضة و ليس بمحضور عليه ان يصلّى النوافل من اوّل الوقت الى قريب من آخر الوقت). (4)

و هذه الرواية صريحة في جواز التطوع في صورة ما لم يخف المصلّى‌

____________

(1)- جواهر الكلام، ج 7، ص 241.

(2)- المبسوط، ج 1، ص 126؛ النهاية ص 62؛ المقنعة، ص 212.

(3)- الرواية 2 من الباب 35 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(4)- الرواية 1 من الباب 35 من أبواب المواقيت من الوسائل.

112

فوت الفريضة.

و منها ما رواه محمّد بن مسلم (قال قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام) اذا دخل وقت الفريضة أتنفّل او أبد بالفريضة قال أن الفضل أن تبدأ بالفريضة و انّما أخّرت الظهر ذراعا من عند الزوال من أجل صلاة الاوابين). (1)

فانّ الظاهر منها جواز التنفل في وقت الفريضة.

و منها ما رواه عمر بن يزيد انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرواية الّتي يروون أنّه لا يتطوع في وقت فريضة ما حدّ هذا الوقت (قال اذا أخذ المقيم في الإقامة فقال له أنّه النّاس يختلفون في الإقامة فقال المقيم الّذي يصلّى معه). (2)

و منها رواية أبى بصير عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) (قال سألته عن رجل نام عن الغداة حتّى طلعت الشّمس فقال يصلّى ركعتين ثمّ يصلّى الغداة). (3)

[في ما دلّ على المنع من التطوع وقت الفريضة]

و ما دلّ على المنع أيضا روايات:

منها رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: قال لى رجل من أهل المدينة يا أبا جعفر ما لي لا أراك تتطوع بين الاذان و الاقامة كما يضع النّاس فقلت أنّا اذا. ردنا ان نتطوع كان تطوعنا في غير وقت فريضة فاذا دخلت الفريضة فلا تطوع). (4)

____________

(1)- الرواية 2 و 3 من الباب 36 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2)- الرواية 9 من الباب 35 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3)- الرواية 2 من الباب 61 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(4)- الرواية 3 من الباب 35 من أبواب المواقيت من الوسائل.

113

و منها رواية زياد أبى عتاب عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) (قال سمعته يقول اذا حضرت المكتوبة فابدأ بها فلا يضرّك ان تترك ما قبلها من النافلة).

و منها رواية بخيّة (قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام) تدركني الصّلاة و يدخل وقتها فابدأ بالنافلة قال فقال ابو جعفر (عليه السلام) لا و لكن أبد أبا المكتوبة و أقض النافلة). (1)

و منها رواية أديم بن الحرّ (قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لا يتنفّل الرّجل اذا دخل وقت فريضة قال و قال اذا دخل وقت فريضة فابدأ بها). (2)

و منها رواية أبى بكر عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) (قال اذا دخل وقت صلاة فريضة فلا تطوّع). (3)

و غير ذلك من الروايات الدّالّة على المنع مثل رواية 8 و 10 و 11 و من هذا الباب بعد التأمّل في الروايات المجوّزة و المانعة مع كون سيرة المستمرة من الرسول الاعظم و الائمة (عليهم السلام) و جميع المؤمنين على اتيان النوافل المرتبة الموقتة مثل نافلة الظهرين و المغرب و الغداة في اوّل وقتها و هو اوّل زوال الشّمس و أوّل غروبه و أوّل طلوع الفجر، و مع كون هذه الاوقات اوقات فرائضها و ورد أخبار في أنّ أوّل الوقت أفضل و كونه رضوان اللّه لا يدخل في أذهانهم بعد ما سمعوا الاخبار المانعة عدم الجواز من النوافل بل يفهمون منها ان أوّل أوقات الفضيلة للفريضة و كون اتيانها في هذا الوقت أفضل فعلى هذا لا يكون المراد من النهى في أخبار المانعة ألا الارشاد الى أنّ الافصل الابتداء بالفريضة لفراغ الذمّة ممّا هو أهمّ من النافلة و درك‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 35 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2)- الرواية 6 من الباب 35 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3)- الرواية 7 من الباب 35 من أبواب المواقيت من الوسائل.

114

فضل المبادرة الى الفضيلة.

لا النهى التكليفى و الوضعى او الارشاد الى وجود المنقصة في النافلة او كونها أقلّ ثوابا من فعلها في غير وقت الفريضة.

و مع ذلك لا ينبغى الشكّ في عدم جوازها اذا ضاق الوقت بحيث لو أتى بها خرج وقت الفريضة.

115

المقدّمة الثالثة: في القبلة

اعلم ان القبلة و التوجّه إليها في بعض الامور ممّا تكون معتبرة في الإسلام بل و ساير الأديان، غاية الأمر كانت القبلة عند اليهود البيت المقدس و كذلك عند النصارى، نعم يظهر من بعض كتبهم كون القبلة عند النصارى مشرق الشّمس و عند المجوس بيوت النيران و في الإسلام تكون الكعبة المعظّمة.

و كون الكعبة قبلة في دين الإسلام يكون من المسلّمات بل من الضروريّات في الجملة و ان كان اختلاف فيها في بعض خصوصياتها الّذي نتعرض له إن شاء اللّه تعالى، فكونها الكعبة المعظّمة اجمالا ممّا لا كلام فيه.

و أعلم أنّه بعد ما بعث محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالرّسالة، فكانت قبلة المسلمين مدّة البيت المقدس و يحوّلون عند الصّلاة وجههم نحوه، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) متّى كانت في المكّة المعظّمة- اعنى: ثلاثة عشر سنة- و بعد ما هاجر إلى المدينة المنورة مدة سبعة عشر شهرا أو تسعة عشر شهرا يصلّي و كان توجّهه إلى البيت المقدس، ثمّ بعد ما عيّر اليهود النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و المسلمين بذلك- كما يظهر من بعض الأخبار، أو لأجل بعض مصالح‌

116

اخر مثل أنّه لنعلم من يتّبع الرّسول ممّن ينقلب على عقبيه، كما يظهر من الآية (1) الشريفة- أمره اللّه بأن يحوّل وجهه إلى الكعبة، فقال اللّه تعالى قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (2).

و المراد بقوله (فلنولّينّك) المشتق من ولى، هو فلنجعلنّك تلى سمتها كما يظهر ذلك من الكشاف أيضا، و يقال بمن يتوجّه نحو احد: بأنّه ولّاه، و يكون المراد من الشطر في قوله تعالى (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ) هو الجانب، فيكون المراد إنا نولّيك قبلة ترضيها فولّ وجهك إلى جانب المسجد الحرام.

[الكعبة قبلة للمسلمين بما لا اشكال فيه]

و بالجملة يكون الكعبة قبله للمسلمين و اعتبارها في ما يعتبر فيه التوجّه إلى القبلة- كالصّلاة و الذبح- من الضروريّات في الجملة ممّا لا أشكال فيه، كما يظهر من الكتاب الكريم و بعض الروايات.

ثمّ انّه يقع الكلام في جهات:

الجهة الأولى: في أنّ القبلة هل هو عين الكعبة لمن تمكّن من التوجّه نحوها بلا مشقّة، كالمصلّي في بيوت مكّة، وجهتها لغيره كالبعيد كما نسب إلى بعض من الفقهاء، أو أنّ الكعبة قبلة لمن كان في المسجد الحرام، و المسجد قبلة لمن كان في الحرم، و الحرم قبلة لمن خرج عن الحرم، كما يظهر من ظاهر عبارة المحقق (رحمه اللّه) في الشرائع و بعض آخر من الفقهاء، فلا بدّ أوّلا من التعرّض لأخبار الباب ثمّ، التعرّض لما هو حقّ في المقام.

____________

(1)- سورة البقرة، الآية 143.

(2)- سورة البقرة الآية 144.

117

فنقول: إنّه يظهر من ظاهر بعض الروايات (1) كون القبلة هي الكعبة، و توجد روايات في غير هذا الباب أيضا تدلّ على كون القبلة هي الكعبة في حدّ ذاتها، و في قبال تلك الأخبار يوجد بعض الروايات الدالة على كون الكعبة قبلة لمن في المسجد، و المسجد قبلة لمن كان في الحرم، و الحرم قبلة لمن كان خارجا من الحرم. (2)

و رواية منها تدلّ على كون البيت قبلة لمن في المسجد و المسجد قبلة لمن في مكة، و مكة قبلة لمن في الحرم، و الحرم قبلة الدّنيا و هي الرواية 4 من هذا الباب، و هذه الروايات الأربعة و ان كانت بظاهرها معارضة مع الطائفة الأولى من الروايات، و لكن بعد ضعف سندها و اشتمال بعضها بما لا يلتزم به القائل بهذا القول، لان ظاهرها هو كون المسجد قبلة لمن في الحرم، و اطلاقها يقتضي كون المسجد قبلة لمن في الحرم و لو كان متمكنا من التوجّه إلى نفس الكعبة، و هذا ما لا يلتزم به حتّى القائل بكون المسجد قبلة لمن في الحرم (3) فلا يمكن العمل بها، فتبقى الطائفة الأولى الدالة على كون الكعبة قبلة، غاية الأمر يكون فيها كلام آخر، و هو أن القبلة نفس الكعبة أو الجهة، و يأتي الكلام في ذلك إن شاء اللّه.

[في الكلام في كون نفس الكعبة قبلة او الجهة]

و اعلم ان الشّيخ قد التزم بالقول الثاني لا من باب الجمع الدلالى أو السندي بين الطائفتين من الروايات، بل لاستحالة الالتزام باستقبال عين الكعبة، لانه لا بد‌

____________

(1)- و هي 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 7 و 8 و 10 و 12 و 13 و 14 و 16 و 17 من الباب 2 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الروايات 1 و 2 و 3 من الباب 3 من أبواب القبلة من الوسائل.

(3)- اقول: و كذلك الرواية الرابعة منها مشتملة على ما لا يلتزم به القائل بهذا القول و هو ان المكة قبلة لمن في الحرم لا المسجد، لانها دالة بظاهرها على ان الكعبة قبلة لمن في المسجد و المسجد قبلة لمن في مكّة و مكة قبلة لمن في الحرم، و الحرم قبلة لمن في خارج الحرم.

118

في الاستقبال و التوجه الى الشي‌ء المحاذاة الحقيقة بحيث لو رسم خط من المستقبل (بالكسر) يصل إلى المستقبل (بالفتح) فإذا فرض صفّ طويل يكون أطول من كل جانب من الكعبة بمراتب، فلو رسم خط من ناحية المصلّين في الصف لم يصل الى الكعبة، فهذا شاهد على عدم كون عين الكعبة قبلة لكلّ مكلّف.

و النقض به بانّه لو فرض صفّ يكون طوله أزيد من طول الحرم- اعنى: أربعة فراسخ- فكيف تقول بصحة صلاتهم و كونهم متوجّهين إلى الحرم الّذي تقول بكونه قبلة لمن يكون خارج الحرم، و الحال أنّه لو فرض أنّه يرسم خط من كل نقطة من هذا الصف، لم يصل كل خط من الخطوط الى الحرم، فما تقول أنت في هذا الفرض، نقول في الصف الطويل بالنسبة الى عين الكعبة في غير محله.

لأنّه للشيخ أن يقول: بان ما فرضت من صف أطول من الكعبة كان له الخارجيّة من صدر الأوّل الى الآن، لأنّ نوع الصفوف في الجماعة اطول من طول الكعبة، لأنّ العرض و طول الكعبة لم يكن كثيرا، و ربما يبلغ عشرين زراعا أو اقل من ذلك، فخارجيّة هذا النحو من الصفوف من الصدر الأوّل الى الآن، و عدم انكار في الشرع منه دليل على انهم كانوا مستقبلين لما هو القبلة، و هذا لا يقبل الّا مع كون المسجد قبلة لمن في الحرم، و الحرم قبلة لمن في خارجه و لا يمكن جمعه مع كون العين قبلة مطلقا، و هذا بخلاف الصفّ الّذي فرضته من كونه اطول من طول الحرم، لعدم خارجية الصّلاة في الصفّ بهذا النحو لا في الصدر الأوّل و لا بعد ذلك الى الآن، فلا مانع من الالتزام بعدم توجه مثل هذا الصف الى الحرم، فلا يرد هذا النقض.

و يأتي عند التعرض لكون القبلة هي الكعبة أو الجهة بيان منّا من كون الصف الطويل محاذيا حقيقة للكعبة، لأنّ الارض دوريّا، و به يجاب عن الشّيخ إذا عرفت‌

119

ذلك، فاعلم أن هنا بعض الفروع نتعرّض لها:

[في ذكر بعض الفروغ مربوطة بما نحن فيه: الفرع الاول و الثاني]

الفرع الأول: هل يكون حجر اسماعيل على نبيّنا و آله و (عليه السلام) داخلا في الكعبة بحيث انّه لو التزمنا بكون القبلة هو نفس الكعبة فكما يكفي التوجّه إلى الكعبة في الصّلاة كذلك يكفي التوجّه إلى الحجر، و لو لم يكن توجه المصلّى إلى نفس الكعبة اصلا، و بعبارة اخرى يكون الحجر داخلا في ما هو القبلة للمصلي كما يدخلونه في الكعبة حين الطواف، فيطوفون حول البيت و الحجر، أو لا يكون الحجر داخلا، فإذا توجه احد إلى الحجر و لم يكن متوجها إلى نفس الكعبة اصلا- مثلا يكون في المسجد فيقف في حيال الحجر، و لا يكون وجهه و مقاديم بدنه متوجّها إلّا إلى الحجر لا الكعبة- فلم يكن متوجّها إلى القبلة، الحق الثاني، لأنّ المتبادر من الكعبة هو نفس البيت و ليس الحجر جزء البيت، لأنّ ظاهر الادلّة هو كون القبلة هو الكعبة، و ليس الحجر بحسب ما يتبادر من الكعبة جزئه، فلا يكفي توجّه المصلّي نحوه في الصّلاة، بل لا بدّ من توجهه إلى نفس البيت.

الفرع الثاني: ما يستفاد من ظاهر الآية هو وجوب التوجّه نحو الكعبة لقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ أو فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فهل يكون المراد من الوجه، الّذي يجب استقباله، هو خصوص الوجه في قبال ساير مقاديم البدن و لازمه كفاية توجه الوجه و ان لم يكن مقاديم بدنه متوجّها إلى الكعبة اصلا- مثل ما إذا أدبر وجهه إلى يمينه أو شماله- أو الوجه مع مقاديم البدن، أو الوجه مع خصوص ما يكون حيال الوجه من مقاديم البدن.

وجه كون الواجب هو خصوص الوجه هو الجمود بظاهر الآية، لأنّ ظاهر الآية و هو قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ أو فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ و المراد من‌

120

الوجه معلوم.

وجه كون الواجب هو الوجه مع تمام مقاديم البدن هو أن الأمر بتولّي الوجه شطره يكون كناية عن مقاديم البدن، لا خصوص الوجه، و لذا لا يكفي بالوجه فقط إذا لم يكن ساير مقاديم البدن مستقبلا إلى القبلة، كما فرض في المثال المتقدم.

وجه كفاية الوجه مع ما يحاذى الوجه من مقاديم البدن هو أنّ الظاهر من الدليل هو توجّه الوجه، غاية الأمر ظاهر توجّه الوجه بوضعه الطبيعي لا يمكن إلا مع توجه ما يحاذى الوجه من مقاديم البدن، فبالملازمة نفهم من قوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ان الواجب توجه الوجه مع مقدار من مقاديم البدن يكون ملازما مع توجه الوجه.

إن قلت: إن ظاهر الدليل هو توجّه الوجه، فلا دخالة لأزيد من ذلك حتّى ما يحاذى الوجه من مقاديم البدن.

نقول: بأنّه مع أنّ العرف يفهم أنّ المراد من استقبال الكعبة و التوجّه نحوه هو توجّه الوجه ببدنه بمقدار اللازم للتوجّه بالوجه، و أن ظاهر الدليل هو التوجّه بالوجه، و المنساق منه هو كون الوجه موضوعا للحكم بوضعه الطبيعي، و كونه بوضعه الطبيعي مساوق و ملازم مع مقدار من مقاديم البدن المحاذي للوجه، فقول الثالث أقوى، فعلى هذا تظهر الثمرة في ما كان المصلّى مستقبلا بوجهه و ما يحاذيه من مقاديم بدنه إلى الكعبة، و لكن يكون الزائد على ذلك من مقاديم بدنه مثلا جانبه الأيمن أو الايسر غير مستقبل للكعبة، مثل ما إذا وقف في أحد أطراف الأربعة من البيت بحيث كان جانب يمينه أو يساره خارجا عن محاذات البيت، و لكن يكون وجهه مع ما يحاذي من مقاديم بدنه مستقبلا للقبلة، فيكفي هذا المقدار من الاستقبال‌

121

و التوجه، فما يظهر من العلّامة (عليهما السلام) من اعتبار التوجّه بتمام مقاديم البدن لم نفهم وجهه.

الفرع الثالث:

بعد ما عرفت من كفاية استقبال الوجه و مقدار من مقاديم البدن الملازم للوجه، فهل يجب التوجّه بتمام الوجه، أو يكفي التوجّه ببعض الوجه؟ و على تقدير كفاية التوجّه ببعض الوجه، فهل يكتفي بالتوجه بأي موضع كان من أجزاء الوجه، أو يكتفي بموضع خاص من الوجه؟

فنقول مقدمة: بأن وجه الإنسان يكون بحسب الخلقة غير مستوية، و يكون تقريبا بشكل الدائرة- يعني: لا يكون كل جزء منه متساويا في سطحه- فسطح الوجه يكون بشكل الدوري، فإذا تنظر إلى الوجه و الجبين من أذن إلى أذن آخر، تراه كنصف الدائرة بحيث إنه لو رسم خط من طرف من الجبين إلى طرف الآخر يكون خطا دوريا لا خطا مستقيما.

فعلى هذا لو فرض جعل نقطة وسط الوجه و الجبين مركزا، و رسم منه خط مستقيم إلى مقابله، و رسم خط من جانب أيمن الجبين مثلا و خط آخر من جانب يساره بطور المستقيم إلى مقابله، فترى أن هذه الخطوط يخرج من نقاط مختلفة، و يلتقط مع نقاط مختلفة لا في نقطة واحدة، بل كلما يستطيل كل من هذه الخطوط الثلاثة يزيد في تباعد كل منها من الآخر، لأنه بعد كون المبدأ في نقاط و تخرج من خط دوري و يرسم كل منها مستقيما، فكلما يزيد في طول خط يزيد في بعد كل منها من الآخر (كما ترى في الحاشية).

[في كون تمام اجزاء الوجه مستقبلا محال]

فإذا كان الأمر كذلك و عرفت هذه المقدمة فيشكل الأمر في هذا الفرع، لأنّه إن قيل بوجوب توجه كل الوجه بحيث يكون كل جزء جزء من الوجه مستقبلا‌

122

للقبلة، فهو غير معقول بهذا النحو، لأنّه مع ما قلنا ظهر لك عدم امكان توجه الوجه إلى الكعبة بحيث يكون أبعاض الوجه متوجّها إليه بحيث لو رسم من كل جزء من الوجه خط مستقيم يلاقى مع الكعبة، لما قلنا من ان الخطوط لا يكون فيها التوازي حتى ينتهي إلى نقطة واحدة، فهذا شاهد على عدم اعتبار التوجّه بتمام الوجه بهذا النحو.

و إن قيل بتوجه بعض الوجه- أعنى: بكفاية الاستقبال ببعض الوجه- فهل نقول بكفاية كلّ جزء جزء من الوجه، فيكفي التوجّه مثلا بالجزء الواقع في وسط الوجه، و كذلك بالجزء الواقع في يمين الوجه أو في يسار الوجه.

و الحال انّه على ما قلنا لو توجّه بنقطة وسط الوجه، لم يتوجّه إلى القبلة طرف يمين الوجه، و كذا يسار الوجه، و هكذا مع التوجّه بكل طرف إلى القبلة لازمه عدم التوجّه إلى الطرف الآخر.

أو نقول: بلزوم التوجّه بوسط الوجه و أن لم يتوجه طرف اليمين و يسار الوجه إلى القبلة، لأنّ هذا هو الاستقبال بالوجه.

أو نقول: بأن الاستقبال إلى الشي‌ء و جعل الوجه حياله يكون امرا عرفيّا و ما تصرّف فيه الشارع، فإذا توجه الشخص نحو شي‌ء بحيث يكون مقاديم وجهه نحوه يقال بأنّ وسط الوجه متوجها إليه، فالوجه و إن كان كرويا تقريبا و لكن لا معنى للأمر بالتوجه بالوجه مع كون وضعه هكذا إلا بهذا النحو، فعلى هذا لا بأس بكون يمين الوجه أو يسار الوجه غير مواجه و مستقبل إلى القبلة، لأنه لا معنى لجعل شي‌ء كروي حيال شي‌ء إلا بان يكون نقطة منه مواجها بهذا الشي‌ء و ان كان بعض نقاطه غير مواجه إليه، فيكفي البعض، و البعض هو وسط الوجه، لأنّه لو توجه يمين الوجه‌

123

أو يسار الوجه فقط إلى القبلة مع عدم استقبال وسط الوجه فلا يعدّ استقبالا للوجه إلى الكعبة عرفا فما نقول في المقام.

إذا عرفت ما بيّنا لك يقع الكلام في انّه هل القبلة هو الكعبة أو جهتها؟

اعلم انّه قد بينا سابقا بأنّه اختلفت كلمات الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) في ما هو القبلة، فيظهر من بعضهم كونها هو نفس الكعبة، و يظهر من بعضهم كون الكعبة قبلة لمن في المسجد، و المسجد قبلة لمن في الحرم، و الحرم قبلة لمن في خارج الحرم، و بعضهم قالوا: بكون القبلة هو نفس الكعبة للقريب المتمكن من التوجّه إليها، وجهة الكعبة للبعيد الغير المتمكن من الاستقبال إلى نفس الكعبة، و قد عرفت حال بعض الروايات الواردة الدالة على كون القبلة نفس الكعبة، و حال ما دل على كون الكعبة قبلة لمن في المسجد، و المسجد قبلة لمن في الحرم، و الحرم قبلة لمن في خارجه، و أنه في مقام التعارض يؤخذ بالطائفة الأولى لما قلنا من ضعف سند الطائفة الثانية الدالة على القول الثاني، و هي روايات إحداها رواية (1) من الباب [3] كان في سندها حفص و قد ضبط صاحب الوسائل (رحمه اللّه) و كذا صاحب الجواهر (رحمه اللّه) جعفر.

أما الكلام في أنّ القبلة هي نفس الكعبة أو جهتها، فنقول: إنّ ما يظهر من المحقق (2) في بعض كلماته هو كون المراد من الجهة السمت، فجهة الكعبة أي سمت الكعبة، فإن كنا في مقام بيان ما هو المراد من الجهة أو السمت، فلا بدّ من أن يقال: بعد ما كان من الاعتبارات اعتبار جهات الستة- الفوق و التحت و اليمين و اليسار و الشمال و الجنوب- و بعد إلغاء الفوق و التحت تبقى جهات أربعة، فكل من هذه‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 3 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- المعتبر، ج 2، ص 65.

124

الأربعة جهة، فالشي‌ء إما في جهة اليمين، أو اليسار أو الشمال أو الجنوب، فقهرا يكون معنى استقبال جهة شي‌ء هو أن الشخص إن كان بين المشرق و المغرب، فتوجّهه إمّا بجهة الشمال أو بجهة الجنوب و بالعكس إذا كان بين الشمال و الجنوب، فيتوجّه إما إلى المشرق أو إلى المغرب، فقهرا يكون المراد بالجهة إمّا بين المشرق و المغرب، و إما ما بين الجنوب و الشمال، فإذا كان كذلك، فيكون المراد بالتوجه و استقبال جهة الكعبة التوجه إلى الجهة الّتي تكون الكعبة فيها، فإن كانت الكعبة في جهة الجنوب فلا بدّ من التوجه إلى الجنوب، يعني: إذا فرض دائرة و رسم خطان يتقاطع كل منها الآخر بحيث تصير الدائرة ذو قوائم أربعة، فإذا كانت القبلة في جنوب المصلّي يجب استقباله إلى ناحية الجنوب، و إذا كانت في جهة الشمال يجب استقباله إلى جهة الشمال و هكذا.

[الظاهر من القائلين بالجهة كون القبلة أضيق ممّا قلنا]

و هذا و إن كان الظاهر من الجهة، و لازمه ما قلنا من كفاية التوجّه إلى احد جهات الأربعة الّتي تكون القبلة في هذه الجهة، و لكن ما يظهر من نوع كلمات (1) القائلين بكون القبلة الجهة، كونها أضيق من ذلك، فإن المستفاد من كلام بعضهم هو كون المراد بالجهة كل جانب يحتمل المكلف الكعبة في هذه الجهة، لا ما بين المشرق و المغرب، أو الجنوب و الشمال.

فإن كان المراد من جهة الكعبة هذا فلازمه اختلاف القبلة باعتبار المصلّين، لانّ الأشخاص مختلفة من حيث الاحتمال، فربما يحتمل احد كون الكعبة في جهة تكون دائرته وسيعة، و الحال أن الآخر لا يحتمل إلا كونها في دائرة أضيق من ذلك، فعلى هذا يكون اللازم من هذا القول عدم كون الجهة أمرا كانت لها واقعيّة مضبوطة لاختلافها باختلاف نحوة احتمال المكلفين من اطلاعهم بوضع الجهات، و الجغرافيا،

____________

(1)- نهاية الاحكام، ج 1، ص 392؛ تذكره الفقهاء، ج 3، ص 7؛ الذكرى ج 3، ص 160.

125

و الاسطرلاب و غير ذلك، و عدم اطلاعهم بهذه الامور.

فإذا نقول: إن كان مرادهم من الجهة هذا، فلا يناسب كون ذلك ما هو موضع حكم الواقعي في القبلة بعد كون موضوع حكم الواقعي أمرا غير مضبوط مختلفا بحسب حال المكلفين من حيث سعة احتمالهم أو ضيقه في ما هو الجهة، مضافا إلى أن ما هو القبلة يكون أمرا له واقعيّة في حدّ ذاته مع قطع النظر عن المكلفين، نعم يمكن أن يكون حكما ظاهريّا بمعنى إرجاع كلام القائل بالجهة على هذا إلى حكم ظاهري، و هو انّه بعد عدم امكان الوصول إلى ما هو موضوع حكم الواقعي أعني: القبلة الحقيقة، ففي مقام الظاهر يكتفي بما يحتمل المكلف كون القبلة فيه.

و بعبارة اخرى لا بدّ من الاكتفاء في مقام الظاهر من التوجّه و الاستقبال إلى الجهة الّتي يحتمل كون القبلة أعنى: الكعبة في هذه الجهة و الجانب، فعلى هذا لا نفهم من كلام القائلين بالجهة ما يمكن أن نجعله موضوع حكم الواقعي في القبلة.

إذا عرفت ما يمكن ان يقال في وجه كلام القائل بالجهة و ما هو لازم كلامهم، اعلم أن ما يظهر من صاحب الجواهر (1) و الاجلّ من المحققين من المتأخرين هو كون القبلة للقريب و البعيد عين الكعبة بدعوى ظهور الآية، و كذا بعض الروايات الدالّة على كون القبلة عين الكعبة، و حيث إن ما كان الاشكال في كون الكعبة هو القبلة هو ما استشكله الشيخ (2) من انّه لو التزمنا بكون القبلة عين الكعبة فما تقولون في الصف الطويل الّذي يخرج من حيال الكعبة بحيث إذا رسم خط من ناحية المصلين لم يتلقط إلى الكعبة، و الضابط في المحاذاة الحقيقية هو هذا أعنى: إذا رسم خط‌

____________

(1)- جواهر، ج 7، ص 331- 332.

(2)- المبسوط، ج 1، ص 77.

126

مستقيم من المستقبل (بالكسر) يصل إلى المستقبل (بالفتح) و إلّا ليست المحاذاة حقيقة ففي الصف الطويل الخارج عن حدّ الكعبة لاستطالته لا يمكن الالتزام بكونه مستقبل القبلة، فهذا شاهد على عدم كون الكعبة قبلة، لانه لو كانت عينها القبلة كان اللازم بطلان صلاة المصلّين في الصفّ الطويل و هذا ممّا لا يلتزمون به.

[في جواب صاحب الجواهر عن الشيخ]

قال صاحب الجواهر (رحمه اللّه) في جوابه: بان ما قلت صحيح، لكن هذا في المحاذاة الحقيقية، و لا يعتبر ذلك في الاستقبال و المحاذاة العرفية، لأنّ العرف لا يعتبرون في كون شي‌ء مستقبلا لشي‌ء آخر ما اعتبر في المحاذاة الحقيقة، بل إن كان اشخاص في مقابل شي‌ء و لو لم يكن الاستقبال بحيث يصل الخط الخارج من صف المستقبلين إلى هذا الشي‌ء يعدّ استقبالا بصرف كونهم في مقابله، و هذا يختلف باختلاف القرب و البعد من المستقبل (بالفتح) فربما يكون المستقبل (بالكسر) قريبا من المستقبل (بالفتح) بحيث يكون متصلا به، ففي هذا المورد إن كان على يمينه أو يساره لا يعدّ حتى عند العرف مستقبلا بوجهه إليه، و كلما يبعد من المستقبل (بالفتح) يزيد دائرة الاستقبال، فربما يكون الصفّ الواقع بفاصلة عشرين ذراعا في قبال شي‌ء عند العرف مستقبلا له و أن لم تكن المحاذاة حقيقية، و هكذا فربما يكون البعد اكثر يصل الأمر بمقام يكون الصف الطويل الّذي يكون مثلا أربعة فراسخ مستقبلا لشي‌ء صغير عند العرف و إن لم يكن الاستقبال حقيقيّا لعدم وصول الخط الخارج من افراد الصف إلى هذا الشي‌ء، و لهذا صار من المشاهير بان الشي‌ء كلّما ازداد بعدا ازدادت جهة محاذاته سعة كما ترى في الشّمس و القمر و النجوم، فإنّ كلّ احد يمكن جعلها مستقبلا لوجهه مع عدم كون المحاذاة حقيقية، و بهذا يندفع اشكال الشّيخ (رحمه اللّه) الصف الطويل الذي فرضه و جعله سببا لامتناع الالتزام بكون القبلة عين الكعبة و ان لم‌

127

يكن محاذيا بالمحاذاة الحقيقية للكعبة، و لكن الاستقبال إلى الكعبة مثل ساير موارد الاستقبالات يكون عرفيّا و ما تصرف فيه الشارع بالخصوص، و عرفت بان ما قال (رحمه اللّه) لا يعتبر في المحاذاة العرفية، فعلى هذا يندفع الاشكال، هذا حاصل ما قاله صاحب الجواهر (رحمه اللّه) و بعض من تأخر عنه.

و اعلم ان الأمر و ان كان كما قال من عدم ورود الاشكال في الصف الطويل و صدق المحاذاة عليهم مع الكعبة، لكن ليس وجهه ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه اللّه) من كون المحاذاة أمرا عرفيّا و لا يعتبر المحاذاة الحقيقية، بل وجهه هو انّه مع كون المعتبر المحاذاة الحقيقية و لكن مع ذلك يكون الصف الطويل مستقبلا للقبلة، لأنّ الصف الطويل و إن كان طوله أزيد من فراسخ و لو يرى مستقيما بحيث لا يكون انحناء فيه أصلا، و لكن بعد كون الأرض كرويا، ففي كل نقطة من الأرض يفرض هذا الخط المستطيل مع فرض توجهم إلى نقطة خاصة و هي عين الكعبة، فلا محالة ينتهي كل خط رسم من كل نقطة من هذا الصف إلى النقطة الواقعة فيها الكعبة، لأنه مع استواء الصف و استقامته بحسب ما يرى بالحسّ، و لكن حيث يكون الصف واقعا على شي‌ء كروي و هو الأرض، فلا محالة يكون الصف أيضا كرويّا و إن كان لا يرى بالحسّ لسعة الدائرة.

فعلى هذا من الواضح أن بعد كون اهل الصفّ متوجّهين إلى الكعبة و هي المركز بالنسبة إليهم، فمن أي موضع من هذا الصف المستدير بحسب الواقع رسم خط، مع توجه كل نقطة إلى المركز و هو الكعبة، فيصل كل هذه الخطوط إلى الكعبة، فالمحاذاة على هذا تكون حقيقية، فالسّر في ذلك هو هذا لا ما وجّهه صاحب الجواهر (رحمه اللّه) و بعض من تأخر عنه. فبهذا البيان و إن كان يظهر لك بأنّه يفرض في‌

128

الصف الطويل المحاذاة الحقيقيّة، و لكن مع ذلك يقع الكلام في ما هو القبلة، لانه بعد عدم تماميّة وجه الّذي ذكره صاحب الجواهر (رحمه اللّه) لكون القبلة عين الكعبة، فما ينبغي أن يقال في المقام؟

[في ان المراد من الجهة السمت كما قال فى المعتبر]

فهل نقول بكفاية الجهة كما يظهر من بعض الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) و قد مرّ بعض الكلام فيها، و نقول توضيحا للمطلب: بأنّ القائلين بالجهة عباراتهم مختلفة فمن المحقق (رحمه اللّه) يظهر كما في المعتبر (1) بانّ المراد من الجهة هو السمت الّذي فيه الكعبة، و يظهر من حاصل مراد بعضهم أن المراد بالسمت، الجانب الّذي يظنّ كون الكعبة في هذا الجانب، و يظهر من بعضهم مثل ما يظهر من كشف اللثام أن السمت الّذي يحتمل كل جزء منه اشتماله عليها، و يقطع بعدم خروجها عن جميع اجزائه.

و ما قلنا سابقا من أنّ لازم هذا عدم كون واقعيّة محفوظة للقبلة مع قطع النظر عن علم المكلف و احتماله أولا و اختلاف القبلة بحسب نحوة حصول العلم وسعة دائرة الّتي يحتمل كون الكعبة في هذه الدائرة بحسب اختلاف المكلفين ثانيا، يمكن أن يدفع بأن المراد من السمت الّذي يحتمل، إن كان هو السمت الّذي من شأنه كون الكعبة في هذا السمت فلها واقعية محفوظة، و هي الجانب الّذي يكون فيه شأنية كون القبلة فيه، و لا يختلف باختلاف المكلفين، لانه بعد كون الشأنية مرادا، فشأنية كون القبلة في جانب لا يختلف باختلافهم، لأنه لا بد من جعل السمت بمقدار يكون له شأنية كون الكعبة في أحد أبعاض هذا المقدار، فالمكلفون و إن كانوا مختلفين بحسب القطع و الاحتمال الفعلى و لكن غير مختلفين من حيث الشأنية.

____________

(1)- المعتبر، ج 2، ص 65.

129

و يظهر من فاضل المقداد و المحقّق الثاني في شرح الألفيّة في مقام تعيين السمت كلام غريب، فانّه قال أولهما على ما في الجواهر: (1) جهة الكعبة الّتي هي القبلة للنائى خط مستقيم يخرج من المشرق إلى المغرب الاعتداليين، و يمرّ بسطح الكعبة، فالمصلّي حينئذ يفرض نظره خطا يخرج إلى ذلك الخط، فإن وقع عليه على زاوية قائمة، فذاك هو الاستقبال، و إن كان على حادّة و منفرجة، فهو إلى ما بين المشرق و المغرب.

و قال ثانيهما: إنها ما يسامت الكعبة عن جانبيها بحيث لو خرج خط مستقيم من موقف المستقبل تلقاء وجهه، وقع على خط جهة الكعبة بالاستقامة، بحيث يحدث عن جنبيه زاويتان قائمتان، فلو كان الخط الخارج من موقف المصلي واقعا على خط الجهة لا باستقامة، بحيث يكون إحدى الزاويتين حادة و الاخرى منفرجة، فليس مستقبلا لجهة الكعبة.

[يشكل الالتزام بكون عين الكعبة قبلة للبعيد]

و وجه غرابته هو أنّ لازم هذا القول عدم كفاية التوجّه بعين الكعبة في بعض الموارد، لأنّه لو وقع المصلّى على نقطة لو رسم خط من موقفه إلى الخط الواقع بين المشرق و المغرب يتشكل زاوية حادة و منفرجة لا زاوية قائمة، لما توجّه إلى القبلة، و لما صحت صلاته و إن تلاقى هذا الخط مع عين الكعبة، و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به.

هذا بعض الكلام في الجهة و ما يظهر من كلمات القائلين بها.

و كان قول آخر هو كون عين الكعبة قبلة القريب و البعيد، و قول آخر ما اختاره الشّيخ (رحمه اللّه) من كون الكعبة قبلة لمن في المسجد، و المسجد لمن في الحرم، و الحرم لمن في خارجه، و قد عرفت عدم تمامية قول الثالث كما قدمنا وجهه، و يبقى القول‌

____________

(1)- الجواهر، ج 7، ص 336.

130

بكون عين الكعبة قبلة مطلقا، أو القول بكون الكعبة قبلة للقريب و المتمكن من التوجه إليها، و جهتها قبلة للبعيد.

و لا يخفى ان الالتزام بكون عين الكعبة قبلة للبعيد ممّا يشكل الالتزام به، لأنه مع قطع النظر عن عدم وجه وجيه لصحّة هذا القول، يوجب ذلك مشقة شديدة و العسر و الحرج الّذي نطمئن بعدم ارضاء الشارع به، و عدم أمره بالمكلّفين مع هذا الحرج، لانه لو كان الأمر هكذا يلزم على كل مكلف تحصيل نقطة الواقعة فيها الكعبة كي يتوجه نحوها، و هذا موقوف على تحصيل الهيئة و الاصطرلاب، و من الواضح عدم امكان ذلك لنوع المكلفين، و نرى انّه ليس البناء من الصدر الأوّل إلى الآن على ذلك بل يحولون وجوههم إلى جهتها كما ترى في أوّل الأمر أنّه بمجرد تحويل القبلة إلى الكعبة جاء رجل و قال لبني عبد الاشهل في المسجد: بأنّه حول القبلة إلى الكعبة فحولوا وجوههم نحوه و شطره بدون تفحص عن عين الكعبة.

و لا تقل: إنّهم يعلمون في أي جهة وقعت الكعبة، لأنه ليس الأمر كذلك، فهذا شاهد على عدم كون الواجب التوجّه نحو عين الكعبة.

فعلى هذا نقول: ما يأتي بالنظر في هذا المقام هو ما اختاره المحقق (رحمه اللّه) بأن القبلة الجهة، و المراد بالجهة السمت الّذي فيه الكعبة، و نزداد بصيرة لك كون الأمر كذلك بأن يقال: إنّه قد تعرّضنا لفرع سابقا، و هو أن الوجه الّذي يجب التوجّه به إلى القبلة هل هو تمام الوجه أو يكفي بعضه، و على تقدير كفاية البعض هل يكون الكافى وسط الوجه بعد فرض كفاية البعض، أو يكفي أحد طرفي الوجه، و قلنا بان وضع الوجه و الجبين كما ترى يكون دوريّا، و ليس سطح الوجه سطحا مستويا، بل يكون من بين الاذنين بشكل نصف الدائرة تقريبا، بل يكون بين الصدغين أيضا محدبا و دوريّا لا‌

131

مستويا بحيث إذا خرج من كل جزء من أجزاء الوجه خط مستقيم يتشكل خطوطا مثلاثة، و كلما يبعد كل خط من مركزه يزيد في البعد عن الآخر تقريبا بقدر ربع الدائرة إذا طوّل كلّ من الخطين، فكلّما يستطيل كل من الخطين يزيد في بعد هما إلى ان يكون البعد بينهما بفراسخ كثيرة.

[في ان ليس الملاك كون الجهة بنفسها كافية بل لملازمتها مع الاستقبال]

فعلى هذا نقول: بان الوجه في كفاية الجهة للبعيد هو انّه بعد كون المراد بالجهة هو السمت، ففي السمت الّذي وقعت الكعبة المكرمة إذا فرض توجه الشخص نحو هذا السمت، فيكون بتوجهه إلى هذا السمت الّذي فرض ربع الدائرة تقريبا متوجه بوجهه إلى الكعبة لأنّ الخطوط الخارجة من كل نقطة من وجهه يتلاقى أحدها عين الكعبة، لأنّه بالبيان المتقدم عرفت بأنّه لو فرض مقاديم الوجه هو المقدار الّذي يكون بين الحاجبين فالفاصلة بين الخط الخارج من كل من طرفي الوجه إذا وصل إلى محيط الدائرة تكون تقريبا بقدر ربع الدائرة، فالكعبة واقعة في هذا الربع من الدائرة، مثلا إذا كان الشخص واقفا في نقطة الشمال و توجه بوجهه نحو نقطة الجنوب الواقعة في سمتها الكعبة فالخطوط الخارجة من وجهه إذا وصل بنقطة الجنوب، يتلاقى مع ربع من الدائرة الواقعة في وسطها نقطة الجنوب تقريبا، فالمستقبل (بالكسر) أستقبل بوجهه عين الكعبة، لكن لا بتمام وجهه بل بنقطة من وجهه.

فالقول بكفاية الجهة يكون لأجل هذا، لا من باب كفاية المحاذاة و الاستقبال العرفي و لو لم تكن المحاذاة بينهما حقيقية، و كفاية صرف كون البعيد محاذيا للجهة و لو لم يكن مستقبلا بجزء من وجهه لعين الكعبة، بل منشأ كفاية الجهة للبعيد هو كون المستقبل (بالكسر) على ما قلنا مواجها بوجهه لعين الكعبة لكن لا بتمام وجهه، بل بجزء من وجهه، و منشأ كفاية جزء الوجه في الاستقبال للبعيد هو ظاهر قوله تعالى‌

132

فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ و لا يمكن اعتبار أزيد من ذلك للبعيد لموجبية العسر و الحرج، مضافا إلى ما يظهر من قصة بنى عبد الاشهل و تحويل وجوههم إلى الكعبة بمجرد سماعهم تحويل القبلة من البيت المقدس إلى الكعبة، و الحال أنهم لا يعرفون عين الكعبة.

فبهذا البيان يظهر لك كفاية الجهة، و ان وجه كفايتها هو ان التوجّه بالجهة، كما قلنا ملازم مع الاستقبال بالوجه و لو بجزء منه، لا كون الجهة كافية بنفسها و لو لم تكن ملازما لاستقبال العين لعدم دليل على كفاية هذه المعنى من الجهة.

و يؤيّد ما قلنا رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (قال: لا صلاة إلا إلى القبلة، قال: قلت: اين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة كله). (1)

ما رواها معاوية بن عمار (أنّه سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصّلاة ثمّ ينظر بعد ما فرغ، فيرى انّه قد انحرف عن القبلة يمينا و شمالا فقال له: قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة). (2)

[ما دلّ على ان ما بين المشرق و المغرب قبلة لا يكون امر تعبديا]

و يستفاد من الروايتين كون ما بين المشرق و المغرب قبلة بحسب الظاهر، فيحتمل ان يكون المراد بما بين المشرق و المغرب ما يتفاهم منه العرف من أن ما بينهما أي: ما بين المحل الّذي تطلع الشّمس و تغرب كما يرى في كل يوم، و يحتمل أن يكون المراد ممّا بينهما المحل الّذي يكون بين المشرق و المغرب، و هذا المحل ليس إلا المحلّ الّذي يكون وسط الموضع الّذي تطلع الشّمس و تغرب و بعد كون المحل الّذي تطلع الشّمس و تغرب، مختلفا بحسب الفصول فإن في أوائل الصيف إذا حوسب ما‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 1 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

133

بينهما يكون تقريبا بقدر نصف الدائرة، و هكذا تضييق الدائرة الفاصلة بينهما باعتبار تغيير محل الطلوع و غروب الشّمس حتّى يكون في أوائل الخريف الفصل بينهما تقريبا بقدر ربع الدائرة، فما بين الفصلين طلعت الشمس و غربت باعتبار تغيير الفصول، ففي ما بين نصف الدائرة إلى ربع الدائرة يكون تقريبا محل طلوع و غروبها، فلا يصح أن يقال بهذا المقدار ان هذا ما بين المشرق و المغرب، لأنّ كل موضع من هذا المقدار كان موضع المشرق و المغرب باعتبار طلوع الشّمس فيه، و غروبها فيه لا ما بينهما، فما بينهما هو كل موضع لا تطلع بعده فيه الشّمس و لا غربت فيه حتّى يصح أن يقال: ان هذا الموضع ما بينهما، و الاحتمال الثاني أقوى بحسب ما قلنا من الدقة اللطيفة.

فعلى هذا الاحتمال يكون ما بين المشرق و المغرب أيضا تقريبا بقدر ربع الدائرة كما قلنا بأن الفصل بين طرفي الوجه أعنى: الربع المقدم من الوجه يكون كذلك فعلى هذا الاحتمال ما ورد في الروايتين من كون ما بين المشرق و المغرب قبلة هو ربّما يكون من أجل كون ما بين المشرق و المغرب في حدّ الجهة الواقعة فيها الكعبة، و لهذا جعله قبلة، لا أن يكون حكما تعبديا صرفا، فهذا الحكم على هذا مؤيد لما قلنا من أن المراد من الجهة هي الربع الدائرة تقريبا الواقع في نقطة منه القبلة لا محالة.

و لكن يأتي منا كلام بعد ذلك يضعف الأخذ باحتمال الثاني في الروايتين، فافهم.

و يمكن ان يؤيد المطلب أيضا بما ورد في حق الغير المتمكن من تحصيل القبلة بالصّلاة إلى أربع جوانب، مثل الرواية 5 من الباب 8 من أبواب القبلة من الوسائل.

134

وجه التأييد أن المتحير إذا صلى إلى أربع جهات، فصلاته وقعت متوجها إلى جهة الكعبة، لأنّ الكعبة واقعة في أحد من أربع جوانب إذا فرض كون كل جانب ربع الدائرة كما قلنا، فلعلّ وجه الحكم بالصّلاة إلى أربع جوانب في هذه الصورة، كان من باب انّه إذا فعل كذلك، فقد توجه إلى الجهة الّتي تكون الكعبة فيها حتما، لكونها في احد من أربع جوانب يكون كل جانب ربع الدائرة، فعلى هذا يمكن أن تصير هذه الرواية مؤيدة لما قلنا.

[لا اشكال في ان التوجه بتمام الوجه الى عين الكعبة غير مأمور به للبعيد]

و على كل حال لا اشكال في أن التوجّه بتمام الوجه إلى عين الكعبة غير مأمور به للبعيد:

أما أولا فلان ظاهر الآية و هو قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ أو قوله فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ هو التولي بالوجه إلى شطر الكعبة، و الشطر عبارة اخرى عن الجانب و السمت و بالفارسية (سو) و التوجّه بالسمت إلى الشي‌ء ليس الا عبارة عن التوجّه إلى الطرف الّذي يكون هذا الشي‌ء واقعا فيه، لا التوجه بعين الشي‌ء.

و ثانيا قصة خبر تحويل القبلة إلى اهل مسجد القباء أعني: بني عبد الاشهل أيضا على ما في الرواية، شاهد على ذلك، لأنّه بمجرد وصول الخبر بهم بتحويل القبلة من البيت المقدس إلى الكعبة حولوا وجوههم نحو الكعبة، و من الواضح أنهم فهموا من ذلك وجوب التوجّه إلى جانب الكعبة لا إلى العين، لأنّه لم يكن لهم طريق إلى تعيين عين الكعبة بالاصطرلاب أو الهيئة و غير ذلك، فهم توجّهوا إلى جانبها و لم يصر فعلهم مورد طعن اصلا.

و ثالثا يكفي لنا السيرة من الصدر الأوّل إلى الآن من توجههم إلى جهة‌

135

الكعبة و عملهم بذلك، و لو كان البناء من الصدر الأوّل على التوجّه بالوجه إلى عين الكعبة لكان ذلك مشهودا، و لكان اللازم على كل مكلف من تحصيل بعض الطرق المعد لتحصيل عين الكعبة من الهيئة و غيرهما.

و رابعا يكون التكليف بالتوجّه إلى عين الكعبة موجبا لمشقة عظيمة و حرج شديد، و هذا ممّا لا يمكن الالتزام بذلك. فعلى هذا نقول: بأنّ الحق هو كون القبلة للبعيد الغير المتمكّن من التوجّه بعين الكعبة هو الجهة و المراد بالجهة هو المقدار الّذي تكون الكعبة واقعة في أحد نقطة من نقاط هذا المقدار، و هذا المقدار يكون تقريبا بقدر ربع الدائرة و ما بينا من وضع الوجه و كونه كرويا، و ما أسلفنا من البيان كان لطيفة في مقام تشريح المطلب، و وقوع نقطة من نقاط ربع المقدم من الوجه متوجّها إلى عين الكعبة، و كان بيانا لسر كفاية الجهة، لأنّ وجه كفايتها ليس إلّا من باب كون الكعبة واقعة في الجهة، و إلّا لو كانت خارجا عن حدود الجهة، فكيف يمكن القول بكفاية الجهة، لأنّ وجه كفاية الجهة ليس إلا من باب كونها جهة الكعبة و شطرها.

[في ان يؤيد كون القبلة الجهة جعل ثلاث علامات لاهل العراق]

و يؤيد ما قلنا من كفاية الجهة أيضا ما ذكره المحقق (رحمه اللّه) (1) من جعل علامات ثلاثة لأهل العراق (حيث قال: و أهل العراق و من والاهم يجعلون الفجر على المنكب الايسر، و المغرب على الأيمن، و الجدى محاذى خلف المنكب الأيمن و عين الشمس عند زوالها على الحاجب الأيمن) لأنه لو كانت القبلة للبعيد عين الكعبة، و كان البناء على هذه الدقّة، لما يناسب جعل هذه العلامات لأهل العراق مع الاختلاف بين هذه العلامات.

____________

(1)- الشرائع، ج 1، ص 66؛ جواهر الكلام، ج 7، ص 359.

136

[ثلاثة علامات لساكن صقع واحد دليل على كون القبلة اوسع من عين الكعبة]

لأنّ مقتضى الأولى استقبال نقطة الجنوب، و مقتضى الثانية الانحراف عن نقطة الجنوب إلى طرف المغرب بمقدار معتد، به و مقتضى الثالثة الانحراف من نقطة الجنوب إلى جانب المشرق، فكون هذه العلامات علامة لساكن صقع مخصوص دليل على كون القبلة للبعيد أوسع من ذلك، و هو يناسب مع الجهة مع أن في نفس احدى من العلامات الثلاثة أيضا اختلاف إلى الآن بين الفقهاء في المراد منها و هي الجدى.

و لأن ظاهر ما رواه محمد بن مسلم عن احدهما (عليه السلام)، (قال: سألته عن القبلة، فقال: ضع الجدي في قفاك و صلّ) (1) هو جعل المصلّي الجدي في قفاه، و حيث ان الراوي يكون محمد بن مسلم و هو سئل عن القبلة، فالظاهر كون الجدي علامة لمن كان مثله، و هم أهل العراق و من والاهم، و المراد بالقفا يحتمل أن يكون ظهر الرأس أعني الربع الواقع خلف الرأس و هو مؤخر العنق كما في اللّغة، و يحتمل أن يكون المراد منه تمام الخلف مقابل قدام البدن، باعتبار انّه إذا اطلق القفا يفهم منه ذلك عند العرف.

فخلاف في الرواية في ما هو المراد من القفا و خلاف آخر في أن العلّامة جعلت لاىّ موضع من الأرض، فلو فرض كون الحكم لاهل العراق باعتبار كون السائل- كما قلنا و هو محمد بن مسلم- عراقيّا و لكن ليس حال تمام العراق بوزان واحد، و ليسوا كلهم في نقطة واحدة بالنسبة إلى الكعبة، لاختلاف بلاد العراق من حيث جهات الأربعة. و رواية اخرى و هي ما رواها محمد بن علي بن الحسين (قال:

قال رجل للصادق (عليه السلام): إنّي أكون في السفر و لا اهتدى إلى القبلة بالليل، فقال:

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 5 من ابواب القبلة من الوسائل.

137

أ تعرف الكوكب الّذي يقال له: جدي؟ قلت: نعم. قال: أجعله على يمينك، و إذا كنت في طريق الحج فاجعله بين كتفيك). (1)

و في هذه الرواية أيضا مواقع من الكلام، و الخلاف أولا بأن جعل هذه العلّامة علامة لكل احد في كل موضع كان، فهذا ممّا لا يمكن، لأنه لا يمكن أن يكون شي‌ء واحد بوضع واحد علامة لكل جهة من جهات الأربعة بحيث يجعل الجدي كلهم على وضع خاص، حتّى يكونوا متوجّهين إلى القبلة، فلا بدّ من كونها علامة لجهة خاصة، فيقع الكلام في ان هذه الجهة أيّ جهة من الجهات، و لا يمكن الحكم بكونها علامة لاهل العراق مثل رواية محمد بن مسلم، لأنّ روايتها باعتبار السائل كانت قابلة له، و هذه الرواية لم يعين السائل فيها، بل قال: قال رجل للصادق (عليه السلام)، و لا نعلم بان هذا الرجل كان عراقيا او غير عراقي، فعلى كل حال هذا أحد مواقع النظر حتّى نختار بعدا ما هو الحق فيها.

و ثانيا أن رواية الاولى تدلّ على جعل الجدي في القفا، و هذه الرواية تدلّ على ان في السفر الّذي لم يكن في طريق الحج، لا بدّ من جعل الجدي على يمينه، و في طريق الحج بين كتفيه، فبين الروايتين مخالفة بحسب الظاهر.

و ثالثا كلام آخر في ما هو المراد من الكتف، و أنّه هل هو المفصل الواقع بين عظم العضد و المنكب أو غير ذلك، فغرضنا أن نفس هذه العلّامة يكون نحو علامته مورد الخلاف، فأنّ كان الأمر غير موسّع لكان اللازم الدقّة في جعل العلّامة لا الاتساع بمقدار لا يناسب إلا مع كون القبلة الجهة.

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 5 من ابواب القبلة من الوسائل.

138

ثمّ إنّ ما قلنا في طي كلماتنا من كون رواية زرارة و معاوية بن عمار المذكورين في الباب (1) مؤيدين المطلب، بناء على كون المراد ممّا بين المشرق و المغرب ما قلنا من أن ما بينهما ليس إلا الموضع الّذي لا تطلع بحسب اختلاف الفصول فيه الشّمس و لا غربت فيه، و هو آخر موضع الّذي تطلع الشّمس فيها، و تغرب فيها فما بينهما مع عدم الطلوع و الغروب للشمس بعد ذلك ما بين المشرق و المغرب، و هو تقريبا ليس إلا ربع الدائرة إذا فرض رسم دائرة تلاقي نقطة الجنوب و الشمال و المشرق و المغرب، يمكن أن يقال بأنّ بين روايات آخر قرينة على الاحتمال الآخر الّذي ذكرناه، لا هذا الاحتمال، و هو كون المراد ممّا بين المشرق و المغرب ما بين ما تطلع الشّمس و تغرب في كل يوم بحسب ما يتراءى عند العرف، فلنذكر هذه الروايات حتّى يتبين لك الحال إن شاء اللّه تعالى:

[في ذكر بعض الروايات حتّى يظهر الحال]

الرواية الأولى: ما رواها معاوية بن عمار (انّه سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصّلاة، ثمّ ينظر بعد ما فرغ، فيرى انّه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا، فقال له: قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة). (2)

و ظاهرها في حدّ ذاته هو كون ما بين المشرق و المغرب قبلة، و يحتمل أن يكون المراد ممّا بينهما هو ما بين محلّ طلوع الشّمس و غروبها في كل يوم، فما بين المحل الّذي يرى الشخص ان الشّمس طلعت منها و غربت هو القبلة.

و يحتمل أن يكون المراد ما قلنا من أنّ المراد المحل الّذي واقع بين آخر نقطة تطلع الشّمس منها، و آخر نقطة تغرب منها الشّمس و لم تطلع بعدها الشمس، فهذا‌

____________

(1)- الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 1 من الباب 10 من ابواب القبلة من الوسائل.

139

الموضع ما بينهما، و هو مقدار ربع الدائرة تقريبا من طرفى نقطة الجنوب، أو من طرفي نقطة الشمال بحيث تكون نقطة الجنوب أو الشمال بين هذا الربع من الدائرة، و هل لها إطلاق بحيث يقال: بكون ما بين المشرق و المغرب قبلة مطلقا بدون التقييد بالاضطرار أو بصورة الجهل أم لا، يأتي الكلام في ذلك.

الرواية الثانية: ما رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: لا صلاة إلّا إلى القبلة. قال: قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة كله.) (1)

و هذه الرواية أقوى ظهورا من الأولى في كون ما بين المشرق و المغرب قبلة، لأنّه يكون (عليه السلام) في مقام بيان الحدّ، فهل لها اطلاق أم لا؟

يحتمل أن يكون لها إلّا طلاق لأنّه بعد ما كان (عليه السلام) في مقام الحد (فقال: ما بين المشرق و المغرب قبلة) فلو كان هذا قبلة لخصوص من كان جاهلا بالقبلة فصلّى، بانّ كون صلاته إلى غير القبلة، فكان اللازم عليه البيان.

و لكن يحتمل أن يقال: بأنّ الرواية الثانية و كذا الأولى تكون في مقام بيان الحد الّذي لا يمكن الخروج عن هذا الحد في القبلة أصلا، و اعتبار ذلك مطلقا و هذا لا ينافي مع اعتبار أضيق من هذا الحدّ للأشخاص مخصوصة، و هم القادرون و العالمون بجهة الكعبة أو عينها، فالروايتان على هذا ليستا إلا في مقام كون ما بين المشرق و المغرب قبلة في الجملة، فلا إطلاق لهما تشملان لكل من المكلفين، و هذا الاحتمال و إن كان ضعيفا بالنسبة إلى الاحتمال الأوّل إذا كنا و هاتين الروايتين فقط، و لكن يأتي بعد ذلك بعض روايات آخر شاهد على الاحتمال الثاني.

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 10 من ابواب القبلة من الوسائل.

140

[في ذكر الرواية الثالثة و الرابعة]

الرواية الثالثة: ما رواها عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في رجل صلّى على غير القبلة، فيعلم و هو في الصّلاة قبل أن يفرغ من صلاته قال: إن كان متوجّها في ما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه الى القبلة ساعة يعلم و ان كان متوجّها الى دبر القبلة فليقطع الصّلاة ثمّ يحوّل وجهه الى القبلة ثمّ يفتتح الصّلاة.) (1)

الرواية الرابعة: ما رواها حسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليه السلام): (أنه كان يقول: من صلّى على غير القبلة، و هو يرى أنّه على القبلة ثمّ عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه إذا كان في ما بين المشرق و المغرب.) (2)

و يستفاد من هاتين الروايتين كون قبلة مجعولة أضيق دائرة ممّا بين المشرق و المغرب و المأمور به التوجّه إليها أولا، و في الفرض تخيّل الشخص توجّهه إليها و الحال انّه غير متوجه إليها، فعلم بعد ذلك، فقال: إن كان ما بين المشرق و المغرب فلا يضرّ انحرافه عن القبلة الأصلية، لأنّ الظاهر منهما خصوصا الأخيرة هو انّه صلّى على غير القبلة، و هو يرى أنّه على القبلة، فمن المعلوم أن هذه القبلة غير ما بين المشرق و المغرب.

فعلى هذا بعد ضم هاتين الروايتين إلى الأولى و الثانية نفهم عدم إطلاق لهما أيضا، و عدم كون ما بين المشرق و المغرب قبلة مطلقا حتّى للمتمكن و العالم بالقبلة الأصليّة الّتي دائرتها اضيق ممّا بين المشرق و المغرب.

و من هنا يظهر أنّ ما احتملنا في الرواية الاولى و الثانية- من كون المراد ممّا بين المشرق و المغرب، هو بين آخر نقطتين الّتي تطلع الشّمس فيها و تغرب عنها،

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 10 من ابواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 5 من الباب 10 من ابواب القبلة من الوسائل.

141

مائلا بطرف نقطة الجنوب من طرف المشرق و المغرب، و هو تقريبا ربع الدائرة من الدور إذا فرض تقسيم الكرة بأربعة، فربع الدائرة الواقعة في طرف نقطة الجنوب أو الشمال هو ما بين المشرق و المغرب- لا يساعد مع الروايتين الاخيرتين، مع ما التزمنا من كون القبلة الجهة للبعيد، لأنّه بعد ما استفاد من الروايتين بأن غير ما بين المشرق و المغرب قبلة اخرى يجب التوجّه بها أولا، و لهذا لو لم يتوجه بها جهلا اكتفى الشارع بالتوجّه إلى ما بين المشرق و المغرب فلمّا التزمنا بأنّ المراد من قوله (ما بين المشرق و المغرب قبلة) ما قلنا من الاحتمال المذكور في الفوق، و هو ربع الدورة تقريبا، فلا بدّ من أن نلتزم بان القبلة الأصلية المأمور بها أولا تكون أضيق من ربع الدورة، فمع التزامنا بالجهة للبعيد، فلازم ذلك التزامنا بأن الجهة أضيق من ربع الدورة، و الحال انّه كما قلنا يكون حدّ الجهة تقريبا ربع الدورة.

فمن هنا نقول: بان ما احتملنا في المراد ممّا بين المشرق و المغرب ليس احتمال يمكن الأخذ به، فلا بدّ من الاخذ بالاحتمال الأول، و هو كون المراد من قوله (ما بين المشرق و المغرب قبلة) هو ما بين ما تطلع الشّمس في كل يوم و تغرب الشمس، فكل المواضع الّتي ما بين المشرق و المغرب قبلة، سواء كان اليوم يوم الصيف أو الخريف، فيكون تقريبا نصف الدائرة ما بين المشرق و المغرب، فإن اخذنا بالروايات المذكورة الدالة على كون ما بين المشرق و المغرب قبلة، فلا بدّ من الالتزام بكون ما بين نصف الدائرة قبلة، فهذا المقدار أوسع من القبلة المأمور بها أولا و هو الجهة، لأنها ربع الدورة تقريبا فافهم.

و بالجملة بعد اللتيا و اللتي ما اخترنا في المقام هو كون الجهة قبلة للبعيد من باب كون التوجّه بالوجه إلى شطر الشي‌ء و جانبه هذا و قلنا في مقام المراد من الجهة‌

142

بما حاصله يرجع إلى انك لو فرضت المستقبل (بالكسر) اعني: المكلف بالتوجه بالقبلة كمركز دائرة و قطبها، و فرضت دائرة حول هذا القطب و المركز، فهذه الدائرة يتم على أربعة جهات جهة المشرق، وجهة المغرب، و جهة الجنوب، وجهة الشمال، فهذه الدائرة إذا قسمت على أربعة جهات فكل ربع من هذه الدائرة يحسب جزء لجهة من الجهات الأربعة، فربعها يعدّ جهة المشرق، و ربعها جهة المغرب، و ربعها جهة الجنوب، و ربعها جهة الشمال، فكلما أستقبل الشخص الواقع في مركز الدائرة في أحد من الجهات الأربعة بوجهه فهو مستقبل قهرا لربع هذه الدائرة، لأنّ شطر كل نقطة من هذه الجهات الأربعة ليس إلا الربع من هذه الدائرة الواقعة هذه الجهة في هذا الربع منها.

ثمّ بعد ما بينا لك من كون وضع الوجه و الرأس أيضا كرويّا بحيث إنّه لا يكون الوجه و الجبهة مستويا، بل يكون دوريّا، و لهذا يكون الرأس أيضا قابلا للتقسيم بأربعة أجزاء، و يكون كل جزء بقدر ربع الدائرة، فربع من هذه الدائرة المفروضة هو سمت القدام من الرأس الواقع فيه الوجه، فإذا فرض أن الرأس يكون له طرف القدام و طرف الدبر، و طرف اليمين، و طرف الشمال مثل الكرة المفروضة لها المشرق و المغرب و الجنوب و الشمال، فربع من هذه الدورة أعنى: الرأس يكون جزء القدام من الرأس الواقع فيه الوجه، و ربع طرف الخلف مقابل الوجه، و ربع منه طرف اليمين، و ربع منه طرف الشمال، فمن يستقبل لشي‌ء تارة يكون من الأشياء الّتي ليست لها قدام و لا خلف و لا يمين و لا شمال كالشجر مثلا، و تارة يكون من الاشياء الّتي لها هذه الجهات مثل الإنسان، فإن له قدام و خلف و يمين و شمال، فإذا أمر بمثل الإنسان بالاستقبال بقدامه بشي‌ء فلا بدّ من استقباله بربع المقدم من رأسه أعنى: بوجهه، لأنّ‌

143

هذا الربع جزء القدام لأنّه لا يعدّ جزء اليمين و لا الشمال و لا الخلف.

[في ان المراد من الآية هو وجوب التوجه بشطر الكعبة بالوجه]

إذا عرفت ذلك نقول: ان الظاهر من الآية وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ هو وجوب التوجّه بشطر الكعبة بالوجه و معنى الاستقبال بالوجه، ليس إلا جعل الوجه في جانب الكعبة و شطرها و سمتها، و حيث إن الوجه كما عرفت يكون كرويّا بحيث إذا خرج خطان من طرفي الوجه أعنى: الربع المقدم من الوجه يتشكل مثلث إذا يستطيل هذان الخطان و يصلان بالكرة يقعان على طرفي ربع الدائرة المتوجه إليها، فيكون الوجه في قبال ربع الدائرة قهرا، فإذا فرض كون الكعبة في الربع الدائرة الربع الّذي فيه نقطة الجنوب مثلا، أو نقطة اخرى، فإذا استقبل بوجهه إلى هذه الجهة وقع وجهه محاذيا لجانب الكعبة و سمتها بحيث لو خرج خطوط من كل نقطة من وجهه يصل أحد منها إلى الكعبة لا محالة.

فهذا هو السر في كفاية الجهة، فالجهة كافية باعتبار كون المحاذي بالوجه للجهة محاذيا للعين أيضا غاية الأمر لا بتمام وجهه، بل ببعض وجهه، و هذا المقدار من التوجه كاف للبعيد مع ما قلنا من أن التوجّه بتمام الوجه إلى نفس نقطة خاصة مع كون وضع الوجه كرويا غير معقول، لأنّ الخطوط الخارجة من الشي‌ء الكروي لا يمكن أن يتلاقى كلها إلى هذه النقطة الخاصّة و ان كان يمكن ذلك للقريب لقربه بها، و لو يمكن دعوى عدم امكان التوجّه بتمام أيضا له إذا كان الشخص مثلا في الخطوط الخارجة من الوجه لا يتلاقى كلها الكعبة، نعم القريب المتمكن من الاستقبال بعينها يجب عليه ذلك، لأنّ جانبها و شطرها هو هذا بخلاف البعيد.

فعلى ما قلنا يظهر لك حدّ السمت، و هو ربع الدورة تقريبا، و وجه كفاية الجهة هو كون الكعبة فيها، فما قلنا من الجهة هو القبلة للبعيد لما قدّمنا وجهه من أوّل كلامنا‌

144

إلى هنا فظهر لك بحمد اللّه كفاية الجهة و حدّها و سرّ كفايتها، و الحمد له أولا و آخرا هذا تمام الكلام في ما هو القبلة.

[لو لم يتمكّن من تحصيل العلم بالقبلة فما يكون تكليف المكلّف]

الجهة الثانية: وقع الكلام بعد ذلك في أمر آخر، و هو انّه لو تمكن المكلف من تحصيل القبلة بالعلم، أو ببعض العلامات المفيدة للعلم أيضا (لانّه بجعل الجدى في موضع خاص أيضا يحصل القطع بجهة الكعبة و شطرها) فهو، و إن لم يتمكّن من تحصيل العلم بالقبلة فما يكون تكليف المكلف في هذه الصورة؟

[في ذكر روايات الواردة في المقام على طوائف ثلاثة]

اعلم أنّ روايات الواردة في المقام على طوائف ثلاثة:

الطائفة الأولى:

ما رواها زرارة (قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يجزي التحري أبدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة.) (1)

و ظاهرها تدلّ على كفاية المظنة إذا لم يعلم أين وجه القبلة، لأنّ المراد بالتحرّي هو الظّن، و هنا كلام آخر و هو أنّه هل يكتفي بالظن في حال عدم العلم ما لم ينكشف الخلاف، فلو كشف الخلاف لم يجز ما فعل على طبق ظنه، أو يجزي ما فعل مطلقا، و لو كشف الخلاف لظاهر قوله (يجزي التحري أبدا).

ما رواها سماعة (قال: سألته عن الصّلاة بالليل و النهار إذا لم ير الشّمس و لا القمر و لا النجوم. قال: اجتهد رأيك و تعمّد القبلة جهدك.) (2)

و روى عن سماعة ببعض طرق آخر باختلاف يسير في متن الحديث (و ليست الرواية مضمرة و إن ترى انّه نقل عن سماعة (قال: سألته) و لم يذكر ممّن سأله، سماعة‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 6 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 2 من الباب 6 من أبواب القبلة من الوسائل.

145

يروي عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، و له كتاب فذكر في اوّل كتابه سألت عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ثمّ قال في صدر كل رواية و سألته و سألته و هكذا إلى آخر كتابه، ثمّ بعدا نقل عن كتابه كل رواية مجز عن الآخر فصار التقطيع سببا لتوهم كون الرواية مضمرة، فالرواية مسندة و منتهى سندها إلى أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السلام)).

و هذه الرواية تدلّ على كفاية الظن و العمل بالاجتهاد في القبلة مع عدم التمكّن من تحصيل القبلة بالعلم أو بالعلامات.

[في ذكر الطائفة الثانية و الثالثة]

الطائفة الثانية: ما رواها زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (ثمّ إنّه قال: يجزي المتحيّر أبدا أينما توجّه إذا لم يعلم اين وجه القبلة). (1)

ما رواها زرارة (قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قبلة المتحير، فقال: يصلّي حيث يشاء) (2).

و الظاهر من الروايتين هو جواز توجّه المصلّي إلى أي جهة شاء إذا كان متحيرا في القبلة و لم يعلم بوجهها.

الطائفة الثالثة: ما رواها محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: روى فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة انّه يصلّي إلى أربعة جوانب) (3).

ما رواها محمد بن يعقوب (قال: و روي أيضا انّه يصلّي إلى أربع جوانب) (4).

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 8 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- اقول: و يحتمل كونهما رواية واحدة لأنّ الأولى رواها زرارة و محمد بن مسلم فيمكن ان نقلها تارة زرارة بنفسه./ الرواية 3 من الباب 8 من أبواب القبلة من الوسائل.

(3)- الرواية 1 من الباب 8 من أبواب القبلة من الوسائل.

(4)- الرواية 4 من الباب 8 من أبواب القبلة من الوسائل.

146

و هاتان الروايتان نقلهما الصّدوق (رحمه اللّه) و الكليني (رحمه اللّه) مرسلة، و يمكن وصول رواية إليهما و لهذا نقلا كذلك، و يمكن أن تكون هذه الرواية الّتي نقلا روايته تكون هذه الرواية نذكرها الآن، و هي ما رواها خراش (بالراء أو بالدال على اختلاف الضبط) عن بعض أصحابنا عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) (قال: قلت: جعلت فداك إن هؤلاء المخالفين علينا يقولون: إذا اطبقت علينا أو اظلمت فلم نعرف السّماء كنّا و أنتم سواء في الاجتهاد، فقال: ليس كما يقولون إذا كان ذلك فليصلّ لأربع وجوه) (1).

فهذه الرواية تدلّ على أن السائل قال: إن المخالفين يقولون بنا بأنكم تعملون بالاجتهاد مثلنا في مورد القبلة، فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام): ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فليصل لأربع وجوه.

[ظاهر كل هذه الطوائف معارض مع الاخر]

إذا عرفت ان في المقام طوائف ثلاثة من الروايات، فنقول: ظاهر كل طائفة من هذه الطوائف معارض مع الأخرى، فأنّ مقتضى الطائفة الأولى هو وجوب العمل بالظن مع فقد ما يوجب تحصيل العلم، و لو كان العلم حاصلا من جعل علامة لان ذلك يوجب العلم بالجهة، فعلى هذا تدلّ هذه الطائفة على العمل بالظن الحاصل بالاجتهاد عن جهة الكعبة، لأنّ ظاهر التحرّي كما نرى في موارد استعماله هو تحصيل الظنّ.

و مقتضي الطائفة الثانية هو ان المتحيّر في القبلة يصلّي حيث يشاء، و إطلاقه يشمل ما إذا كان المتحير في القبلة الواقعية ظانا بالظنّ الغير المعتبر على كون القبلة في جهة من الجهات الأربعة، فبينهما التعارض و كذلك مع الطائفة الثالثة، لأنّ مقتضى‌

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 8 من أبواب القبلة من الوسائل.

147

الطائفة الثالثة هو الصّلاة إلى أربع جوانب على من لم يتمكّن من أن يعرف القبلة، سواء كان ظانّا بجهة على أن القبلة فيها أوّلا، و معارضة مع الطائفة الثانية لأنّها دلّت على الصّلاة بايّ جهة شاء، و هذه الطائفة تدلّ على الصّلاة على أربع جوانب، فبينهما تعارض أيضا.

إذا فهمت ذلك نقول: بأنّه يمكن رفع التعارض بين الطائفة الأولى و بين الثانية أوّلا فبان لفظ المتحيّر الوارد في الطائفة الثانية (يجزي المتحيّر أبدا أينما توجّه إذا لم يعلم أين وجه القبلة) لا يشمل الظان لأنّ الظان لم يكن متحيرا، فيمكن دعوى عدم شمول المتحير للظان أصلا، فلا إطلاق له يشمل الظانّ.

و ثانيا أنّه بعد عدم إمكان تحصيل العلم إذا أمكن الظن، فهو مقدم و يكون بناء العقلاء على الاخذ به، و لهذا قالوا في الانسداد بأنّه بعد عدم إمكان الاحتياط أو عدم وجوبه يتنزل بالظن، فلا وجه لمن يكون ظانّا بالقبلة و امكان موافقة الظنّية بأن يرفع اليد عنها و يكتفي بالموافقة الاحتمالية و يصلّي حيث يشاء. (1)

و ثالثا على فرض شمول المتحير للظان أيضا، و عدم الالتزام بما قلنا ثانيا فنقول: بأنّ النسبة بين الطائفة الأولى و الثانية تكون العموم و الخصوص المطلق، لأنّ الطائفة الأولى أخص من الثانية، لكون موردها خصوص الظانّ، و الثانية أعم لأنها تشمل الظان و غير الظان، مثل من يكون شاكا في جهة القبلة، فعلى هذا لا بدّ من تقديم الخاص على العام، لكون ذلك جمعا عرفيّا، فيجمع بينهما بتقييد الطائفة الثانية أو تخصيصها بالاولى، فنتيجة الجمع بينهما هو انّه مع امكان الاجتهاد و تحصيل‌

____________

(1)- أقول: و لكن ليس هذا إلا دعوى الانسداد في المورد و لزوم الاخذ بالظن المطلق، و كيف يمكن الالتزام به لمن لم يلتزم به في غير المورد. (المقرر).

148

الظن يجب تحصيله و العمل به، و مع عدمه يصلّي حيث يشاء، فبهذا يجمع بين الطائفة الأولى و الثانية.

و امّا تعارض الطائفتين مع الطائفة الثالثة، فنقول: أما التعارض بين الأولى و الثالثة فكما قلنا كان من باب أن مقتضى الطائفة الأولى هو الاخذ بالظن و الصّلاة على الجهة الّتي يظنّ كون القبلة فيها، و مقتضى الثالثة هو وجوب الصّلاة إلى أربع جوانب لمن لم يعرف القبلة و لو كان ظانّا، حتّى أن في رواية خراش فرض أنّه لا يجوز الاجتهاد، و لا بدّ من الصّلاة بأربع جوانب.

فنقول في مقام رفع التعارض بينهما: بان الكلام تارة يقع في الطائفة الأولى مع ما روى الكليني (رحمه اللّه) و الصدوق (رحمه اللّه) من الطائفة الثالثة: بأنّه يصلّي إلى أربع جوانب.

و تارة يقع الكلام في التعارض بين الطائفة الأولى و بين رواية خراش من الطائفة الثالثة.

أما الكلام في الأوّل فنقول: تارة نقول: بأنهما مرسلتان لأنّ الكليني (رحمه اللّه) و كذا الصدوق (رحمه اللّه) قالا (و روى) و لم يبينا ممّن روى، فعلى هذا بصرف نقلها مرسلة ليس لنا الحكم بحجيتهما، و ما قال صاحب الجواهر (رحمه اللّه): بأن الصّدوق (رحمه اللّه)- على ما قال في أول كتابه- لا ينقل إلا رواية تكون حجة عنده أيضا لا يفيد لنا، إذ ربما تكون الرواية حجة عنده، و لكن لو وصل بايدينا لم نر فيها مقتضى الحجية، فمع إرسالهما لا يمكن التعويل عليهما، إذ ربما لو وصل بايدينا سندها ما كان السند معتبرا عندنا.

و تارة نقول- كما هو الحقّ- بأنّهما و ان كانتا مرسلتين، و لكنّ المشهور، عمل بهما فيجبر ضعف سند المرسلتين بعمل المشهور فعلى هذا تكون المرسلتين حجّة، فإذا كان كذلك نقول: أما مرسلة الكليني (رحمه اللّه) فهو كما يظهر من نقله وارد في المتحير، لأنه‌

149

بعد ما روى عن زرارة بسنده قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قبلة المتحير فقال يصلّي حيث يشاء) فبعد ذلك قال الكليني (رحمه اللّه): و روى أيضا انّه يصلّي إلى أربع جوانب) و من الواضح انّه يقول (و روى أيضا أنّه) يعني المتحير يصلّي إلى أربع جوانب، فنقول في مقام الجمع بينها و بين الطائفة الأولى الدالة على العمل بالاجتهاد و الظن، ما قلنا في مقام الجمع بين الطائفة الأولى و الثانية من أولا و ثانيا و ثالثا.

و أمّا مرسلة الصّدوق (رحمه اللّه) فنقول- مع امكان دعوى انصرافها عن الصورة يتمكّن الشخص من تحصيل الظن، لأنّ المفروض فيها كما يظهر من متن المرسلة (محمد بن علي بن الحسين قال: روى فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة انّه يصلّي إلى أربعة جوانب) الصورة الّتي لا يتمكن الشخص من الاجتهاد لأنّه في مفازة، و الغالب عدم امكانه في ذلك الموضع من تحصيل ظن اجتهادي على جهة الكعبة، فلهذا صورة التمكن من الظن خارج عن فرض المرسلة- بأنّه على فرض اطلاق لها فأيضا يقيد إطلاقها بالطائفة الأولى، لأنها خاص و هذه المرسلة عام، لأنّها وردت في خصوص المتمكن من تحصيل الظن، و هذه عام تشمل الظن و الشك، فيحمل المطلق على المقيد، أو العام على الخاص، فتكون النتيجة هي وجوب تحصيل الظن و العمل به أوّلا، ثمّ لو لم يتمكن فالصّلاة إلى أربعة جوانب.

و امّا الكلام في رواية خداش (أو خراش) فالتعارض بينها و بين الطائفة الأولى الدالة على إجزاء التحري و الاجتهاد الظني يكون بالتباين، لأنّ رواية خراش نص في عدم جواز الاخذ بالاجتهاد، و وجوب الصّلاة إلى أربعة جوانب، و لكن بعد كون نفس خراش و من يروي عن الخراش من المجاهيل، و لم يعين خراش ممّن يروي لأنّ الطريق هكذا- عن خراش عن بعض اصحابنا عن ابي عبد اللّه)

150

و مضافا إلى عدم عامل بهذه الرواية من الاصحاب، فلا يمكن التعويل عليها في مقابل ما ورد من إجزاء التحري إذا لم يعلم اين وجه القبلة، هذا كله حال التعارض و الجمع بين الطائفة الأولى و الثالثة.

و امّا الكلام في التعارض بين الطائفة الثانية و بين الثالثة، فنقول: مقتضى الطائفة الثانية الصّلاة إلى أي طرف شاء إذا كان الشخص متحيرا و لا يعلم بجهة القبلة، و مقتضى الطائفة الثالثة هو وجوب الصّلاة إلى أربع جهات لمن لا يعلم، فيقع بينهما التعارض.

فنقول: بان رواية خراش حيث لا يمكن العمل بها في موردها، و هو مورد التمكن من الاجتهاد الظنّي، و كون سندها ضعيفة، فغير قابلة لأنّ يعوّل عليها إن كان المستند في الصّلاة بأربع جوانب هذه الرواية فقط، و لكن بعد كون مرسلة الكليني (رحمه اللّه) و مرسلة الصّدوق (رحمه اللّه) دالّتان على الصّلاة بأربع جوانب لمن لا يهتدي وجه القبلة، و كون ضعف سندهما منجبرا بعمل المشهور بمضمونهما، و كونهما موافقين للاحتياط، فلا بد من العمل بهما و الصّلاة إلى أربع جوانب، و الروايتان الدالتان على جواز الصّلاة للمتحير حيث يشاء- أعنى: الطائفة الثانية من الروايات- و ان كان ظاهر هما الصّلاة إلى أي طرف شاء، و لكن مع كون مضمونهما مخالفا للاحتياط، و كون ظاهرهما الغاء شرطية القبلة من رأس، لأنّ لسانهما إتيان الصّلاة حيث يشاء، لا يمكن العمل بهما في قبال المرسلتين المنجبرتين بعمل الاصحاب، و كونهما على وفق الاحتياط، حتّى لو وصل التعارض بينهما بمقام لا يمكن ترجيح المرسلتين عليهما، و أغمضنا عن كون الترجيح لهما لكونهما موافقتين للمشهور، و بلغ أمر تعارضها إلى التساقط فأيضا مقتضى القاعدة هو الاخذ بمضمون المرسلتين، لكونهما موافقتين‌

151

للاحتياط، لأنّ مقتضى الادلة الاولية الدالة على اعتبار شرطية، القبلة هو الاحتياط في تحصيل الشرط لا إسقاط الشرط من رأسه، و يحصل الاحتياط بإتيان الصّلاة إلى أربع جوانب، لأنّه بعد ما بينا في المراد بجهة القبلة بأن جهتها تكون تقريبا ربع الدائرة من المحيط الّذي فرض كون الشخص مركزها، فمن يعلم كون الكعبة في أي ربع من الدائرة- مثلا يكون الشخص في نقطة الشمال، و يعلم كون الكعبة في نقطة من ربع الدائرة من نقطة الجنوب- فيتوجه نحوها، و امّا من لا يعلم كون الكعبة في أي ربع من هذه الأربعة، فلا بدّ من أن يصلّي إلى أربع جهات حتّى يعلم بذلك أنّه يحصل الشرط، و توجّه نحو الكعبة و شطرها و جهتها، فعلى هذا يكون من صلّى بأربع جهات فقد تيقن ببراءة ذمته و إتيان صلاته واجدة لشرط القبلة.

[الصّلاة الى اربع جوانب يؤيد ان القبلة الجهة]

و من هنا يظهر أن ما قلنا في وجه الامر بالصّلاة الى أربع جوانب يؤيد ما قلنا في مقام بيان المراد من الجهة الّتي قبلة للبعيد يكون كلاما تماما بناء على عدم كون هذا الحكم حكما تعبّديا صرفا، كما أنّه لا يبعد عدم كونها حكما تعبديّا صرفا، بل ليس الحكم بالصّلاة إلى أربع جوانب بحسب ما يفهم العرف إلّا من باب كون هذا العمل مؤديا إلى العمل بالشرط، و وقوع الصّلاة متوجّها إلى جهة الكعبة، لأنّه بعد تقسيم الدائرة على أربعة أجزاء و بعد كون الجهة في أحد من هذه الأجزاء الأربعة من الدائرة ببيان المتقدم في تحديد الجهة، فإذا فرض عدم تمكّن الشخص من تحصيل الربع الّذي هو جهة الكعبة من هذه الأربعة، فإذا صلّى متوجّها إلى كل ربع من هذه الدورة صلاة، فقد علم ببراءة ذمته، و تحصيل الشرط و إتيانها بصلوة واجدة لشرط القبلة.

و حكم الشارع بالصّلاة بأربع جوانب يكون من هذا الباب، لا أن يكون‌

152

إعمال تعبّد من الشارع في الفرض، كما أنّه ما قلنا سابقا من أنّ ما دلّ على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبله يؤيدنا بناء على عدم حمله على ما يأتي بنظر العرف ممّا بين المشرق و المغرب، و هو كل موضع تطلع في كل يوم من أحد طرفيه الشّمس و تغرب من طرفه الآخر، بل على ما احتملنا من كون ما بينهما هو الموضع الّذي لا تطلع فيه الشمس و لا تغرب فيه في أحد من الفصول، و يكون بينهما، و تقريبا بقدر ربع الدائرة، فإذا تمكن من تحصيل المشرق و المغرب و تحصيل العلم بالربع الّذي جهة الكعبة فيه فهو، فإذا كان في نقطة الجنوب يتوجّه بنقطة الشمال و بالعكس، و كذلك إذا كان في نقطة المشرق بالمغرب و بالعكس، و في الرواية و ان ورد (ما بين المشرق و المغرب قبلة) لكن يفهم منه أن ما بين الشمال و الجنوب قبلة بهذا المنوال.

[مع التمكّن من الصّلاة الى الجهة لا يجب عليه الصّلاة الى اربع جوانب]

فعلى كل حال مع التمكن من ذلك لا يجب عليه الصّلاة بأربع جوانب بناء على ما احتملنا، لأنّه يتمكّن من تحصيل الجهة و هي الربع من الدورة و هو ما بين المشرق و المغرب، و لو لم يتمكن فيجب عليه الصّلاة إلى أربع جوانب. (1)

ثمّ على ما قلنا من كون الصّلاة إلى أربع جوانب حكما موافقا للاحتياط و لا يبعد عدم إعمال تعبد من الشارع فيه، بل ليس منشأه إلا ما يفهم العرف من أنّه إذا فرض عدم إمكان تحصيل الربع من الدائرة الّتي هي جهة الكعبة، فلا بدّ خروجا لعهدة التكليف من الصّلاة إلى جهات أربعة، يظهر لك بأنّه لا حاجة إلى ما ذكره (2) صاحب الجواهر (رحمه اللّه) و أتعب نفسه من الاشكال و ردّه، فقال (رحمه اللّه) بعد ما قال في طي‌

____________

(1)- أقول: و قد مضى الاشكال في عدم امكان الالتزام بما احتمله مدّ ظلّه في المراد ممّا بين المشرق و المغرب حتّى يكون المجال لما أفاد هنا. (المقرر)

(2)- جواهر، ص 410، ج 7.