تبيان الصلاة - ج3

- السيد حسين البروجردي المزيد...
323 /
153

كلماته (بانّ مقتضى العلم الاجمالي هو الصّلاة إلى أربع جوانب حتّى لو لم يكن الدليل على العمل بالظن، نقول على الاحتياط بمجرد عدم إمكان تحصيل العلم التفصيلي ثمّ قال: و المناقشة بأنّ الأربع غير محصّلة لليقين بالجهة، ضرورة تعدد المحتملات فيها، و عدم انحصارها فتسقط، كما في كل مقدّمة غير محصورة يستلزم الإتيان بها العسر و الحرج المنفيين بالآية و الرواية، و بأنّه متّى سقط بعض أفراد مقدمة اليقين سقط الجميع، لأنّها إنّما وجبت تحصّلا لليقين بالمكلّف به، فوجوب الأربع حينئذ إن كان فهو ليس إلا من الدليل لا القاعدة المزبورة، يدفعها أن ظاهر الخبر المزبور أو صريحه كالفتاوى كون الأربع تحصيلا لليقين و إلّا كان الأمر أسوأ حالا من العامّة المكتفين بالصّلاة إلى جهة من الجهات بلا مقتض لتخصيصها، و هذا هو الاجتهاد المنكر عليهم، فلا بدّ حينئذ من إرادة تحصيل اليقين بما بين المشرق و المغرب.

ثمّ قال بعد اسطر و من ذلك يعلم سقوط المناقشة المزبورة بعد الاغضاء عن الثانية منها لما ستعرفه إن شاء اللّه، كالمناقشة بأنّه لو كان ذلك مقدمة لليقين المذكور لاجتزى بالثلاث، ضرورة حصول جهة ما بين المشرق و المغرب بالصّلاة إلى ثلاث جهات على وجه يقسم فيه الفضاء مثلثا، فإنه يقطع بعدم خروجها عن الخطوط الثلاثة كما هو واضح، إذ يدفعها أيضا احتمال أن ذلك جار مجرى ما في أذهان غالب الناس من الجهات الأربع الخ.

فإنّه على ما قلنا فهمت بأن ذلك- أعنى: الصّلاة إلى أربع جوانب- موافق للاحتياط، و لا يمكن الاحتياط بأقلّ من ذلك، لما قلنا من كون الجهة الربع من الدائرة، فلا بدّ من الصّلاة بأربع جهات حتّى وقعت صلاة منها على جهة الكعبة، فلا‌

154

حاجة إلى إطناب الكلام بما أطنب مع ما يكون فيه مجال من الاشكال لو لم نقل بما قلنا ثمّ إنه بعد كون الصّلاة بأربع جوانب من باب الاحتياط لحصول الاحتياط بها و عدم إعمال تعبّد فيها من الشارع، بل هو ارشاد إلى ما يحكم به العقل في مقام براءة الذمّة من التكليف مع جهله بالجهة.

[مع امكان تحصيل الظن يجوز الصّلاة الى اربع جوانب]

فنقول: هل يجزي هذا النحو من الامتثال- أي إتيان الصّلاة بأربع جوانب- حتى مع التمكن من تحصيل الظن، أو لا يصح هذا النحو من الامتثال؟

أعلم أنّه بعد الاكتفاء بالامتثال الإجمالي في مقابل الامتثال الظنّي فيصحّ الصّلاة إلى أربع جوانب و ترك التحري و تحصيل الظن، لأنّ ما يستفاد من الروايتين الدالتين على العمل بالظن الاجتهادي يستفاد منه الاجزاء و الاكتفاء به، لأنّ الرواية الأولى تدلّ على صرف الاجزاء لأنه قال (يجزي التحري) و الرواية الثانية و إن كانت بصورة الأمر، لأنه قال (اجتهد رأيك و تعمد القبلة جهدك) و لكن بعد عدم كون موضوعية لنفس الاجتهاد، لعدم كون وجوب نفسى للاجتهاد، بل الغرض تحصيل الظن بما هو الشرط للصّلاة- أعنى: القبلة- فلا يستفاد منهما إلا العمل بالظن و إجزائه، لا وجوب العمل به بحيث لا يجوز الاحتياط في هذا الحال خصوصا بقرينة الرواية الأخرى لقوله (يجزي التحرّي) فافهم.

ثمّ إنّه كما بينا سابقا ما يمكن أن يقال في أصل المسألة هو ما قلنا من وجوب التوجه بالوجه إلى جهة الكعبة، و بيّنا ما هو المراد من الجهة، و لم نجد وجها معقولا غير ما قلنا من كفاية الجهة للبعيد، لأنّ ما قيل من كون القبلة عين الكعبة للقريب و البعيد إما بدعوى أن الشي‌ء كلما ازداد بعدا جهة محاذاته أزداد سعة، و الشاهد حكم العرف بذلك، و أنّه يرى العرف صفّا مستطيلا مقابلا لشي‌ء و متوجّها إليه إذا‌

155

كان الفصل بينهما كثيرا، و لو أنّه إذا رسم خطوط من هذا الصف إليه لم يصل كلّها به، و لا إشكال في أن الاستقبال إلى الكعبة كذلك- أعنى: ليس المأمور به إلا استقبالا عرفيا- لعدم تعيين وضع آخر من الشرع على خلاف حكم العرف، فيكفي استقبال العرفي.

أو بدعوى أن الشرط هو التوجّه إلى عين الكعبة فالقريب المتمكن يمكن له العلم بكون توجهه إلى العين، و البعيد و إن كان يجب عليه التوجّه بالعين و لكن بعد عدم تمكنه من تحصيل العلم، فيجب التوجّه نحو عين الكعبة بأحد أمارات ظنية، فيختلف تكليف القريب و البعيد في الحكم الظاهري، فالاول يجب عليه العلم، و الثاني يجب عليه العمل بغير العلم ممّا يكون حجة له، لا يمكن الالتزام به.

ثمّ إنّه بعد ما عرفت ما قلنا من أن المتحير المتمكن من إتيان الصّلاة بأربع جوانب يجب عليه ذلك، فنقول فيمن لا يتمكن من إتيان الصّلاة بأربع جوانب لضيق الوقت، بل لا يتمكن إلا من الصّلاة بجانب واحد: إنه يجب عليه الصّلاة إلى جانب واحد، أما أولا فلأنّ مورد رواية زرارة و محمد بن مسلم و رواية اخرى من زرارة مثل هذا المورد، لأنّه بعد ما قلنا في مقام رفع التعارض بين الأخبار بأنّه مع التمكن من الظن الاجتهادي يكون هو مقدما، ثمّ بعده تصل النوبة إلى الاحتياط و الصّلاة على أربع جوانب، ثمّ بعد ذلك يصلّي الى متى شاء، فلا بدّ له من إتيان الصّلاة بجهة واحدة يكون متمكنا منها، و ثانيا لأنّ بذلك تحصل موافقة الاحتمالية للتكليف.

[من لا يتمكن من الصّلاة الى اربع جوانب لضيق الوقت يكفى الصّلاة الى جانب واحد]

ثمّ إنّه إذا لم يتمكّن من الصّلاة بأربع جوانب لضيق الوقت و لكن يتمكّن من الصّلاة ببعض الجوانب أزيد من جانب واحد، مثلا بجانبين أو بجوانب ثلاث لبقاء‌

156

الوقت بهذا المقدار، فهل يجب إتيان الصّلاة بكل جانب يكون متمكنا، أو لا يجب ذلك بل يكتفي الصّلاة بجانب واحد في هذه الصورة.

[قد يقال بانّ الواجب صلاة واحدة مع سعة الوقت الى جانبين او ازيد]

قد يقال: بعدم وجوب الصّلاة إلّا بجانب واحد و لو كان الوقت باقيا بقدر أن يصلّي بجانبين أو جوانب ثلاثة لأنّ الرواية الدالة على الصّلاة على أربع جوانب إن كان فيها إعمال تعبد فهي تدلّ على الصّلاة إلى أربع جوانب، و إذا لم يتمكن لضيق الوقت منها فلا دلالة لها على الصّلاة إلى جوانب ثلاثة، و يشمل المورد رواية زرارة و محمد بن مسلم بأنّه (يصلّي متّى شاء) و إن لم يكن فيها إعمال تعبد، بل كان الحكم فيها موافقا لما يحكم به العقل من الاحتياط، لأنّ الاشتغال اليقيني يحتاج إلى البراءة اليقينية، فموردها لا بدّ و أن يكون موردا يكون التكليف بحيث تحصل بها موافقة أمر المولى بالاحتياط.

و بعبارة اخرى يكون مورد حكم العقل بالاحتياط ما إذا كان تكليف المولى منجزا على كل تقدير بحيث إذا كان في كل طرف من الاطراف- و في الفرض في كل جانب من الجوانب- يكون منجزا و يحكم العقل بأنّه إن كان هنا يصح العقاب و أمّا إذا لم يكن كذلك فلا حكم للعقل بوجوب الاحتياط، و المقام يكون كذلك، لأنّه إن كانت القبلة في الجهة الّتي لا يتوجّه إليها لضيق الوقت غير الجهات الثلاثة أو الجهتين يمكن له التوجّه بها، فليس تكليف المولى منجزا لعدم قدرة العبد على إطاعته مثل ما إذا خرج أحد أطراف المعلوم بالاجمال عن محل الابتلاء، فعلى هذا لا حكم للعقل بوجوب الاحتياط، فلا يجب عليه إلا الصّلاة بجانب واحد.

و لكن مع ما بيّنا في الأصول من أن العقل كما يحكم تارة بموافقة القطعية للتكليف، و لازمه حفظ التكليف و رعايته، بحيث إنه لو كان المكلف به في كل طرف‌

157

من الأطراف أطاعه و لم يخالفه.

كذلك تارة يقتضي صرف موافقته الاحتمالية في طرف واحد إن لم يبق إلّا طرف واحد، و موافقته في بعض الاطراف المتمكن من حفظه إن كان أزيد من طرف واحد، فلو فرض كون التكيف المحرم المعلوم بالاجمال مرددا بين أربعة اشياء فإن تمكن من رعايته في جميع الأطراف، فيجب حفظ التكليف و الاجتناب من كل الاطراف، و إن لم يتمكن من حفظه إلا في طرف واحد، فيجب موافقته الاحتمالية و الاجتناب من هذا الطرف، و إن أمكن حفظه في ضمن طرفين أو ثلاثة اطراف بحيث كان الممكن له تركها، فيجب الاجتناب عنها و موافقة الاحتمالية بهذا النحو، لأنّ العقل حاكم بحفظ مراد المولى و ما كلف به حتّى الامكان، و يصح احتجاج المولى بالعبد لو ترك ذلك إن صار تركها مصادفا مع ترك التكليف المعلوم بالاجمال، لأن الحاكم في باب الاطاعة و المعصية هو العقل، و هو يحكم بصحة احتجاج المولى و عدمه في كل مورد، و يحكم بصحة احتجاج العبد بالمولى و عدم صحته، و في مثل هذه الموارد يرى صحة احتجاج المولى بالعبد. (1)

____________

(1)- إن قلت: إن الميزان في العلم الاجمالي بناء على وجوب موافقة القطعية، هو حكم العقل بوجوب الاجتناب عن الأطراف من باب مقدمة العلمية، و هذا كما أنتم معترف، فرع كون المعلوم بالاجمال بين الأطراف منجّزا على كل تقدير، بمعنى انّه إن كان في كل طرف من الأطراف كان منجزا، و هذا لا يفرض ألّا في ما كان جميع الاطراف بهذا النحو، و امّا إذا فرض كون بعض الاطراف بحيث لو فرض كونه هو المعلوم ليس التكليف به منجزا، فلا معنى للاجتناب عن ساير الاطراف، لأنّ المعلوم يحتمل كونه في البعض، الذي لو كان المعلوم هذا البعض لا يكون المعلوم بالاجمال تكليفه منجزا، مثل ما إذا خرج أحد الأطراف عن محل الابتلاء، ففي المقام بعد كون

المكلف غير متمكن من الصّلاة بأربع جوانب، بل متمكن إلى جانبين أو ثلاثة جوانب، فالمكلف و إن كان يعلم بكون القبلة في أحد جوانب الأربعة، و لكن بعد ما يكون المفروض انّه إن كانت الكعبة في الجهة الّتي لا يمكن له التوجّه إليها، و ليس هو مكلف بالتوجه به و إن كانت الكعبة فيها، لعدم تمكّنه من ضيق الوقت، فليس التكليف المعلوم إجمالا منجزا على كل تقدير، لأنه على تقدير كونه في الجهة الرابعة الّتي لا يتمكن من جهة ضيق الوقت من التوجّه نحوها لم يكن التكليف منجزا في حقه، فعلى هذا لم يكن العقل حاكما على لزوم إتيان الصّلاة بجوانب المتمكنة و لو لم يتمكن من جانبه الآخر.

هذا ما أتى بنظري، و قلت له مد ظلّه في مجلس البحث، و قال جوابا نقول: بأن العلم كما يقتضي تارة بحكم العقل لزوم موافقته القطعية، فإن كان المعلوم مجملا بين الأطراف يجب الاحتياط في جميع الاطراف من الاجتناب إن كان التكليف المعلوم بالاجمال تحريميا، كذلك تارة يقتضي بحكم العقل موافقته الاحتمالية بحيث إذا فرض كون المعلوم مشتبها بين أطراف لا يتمكن من الاجتناب عن جميع الأطراف، و لكن يتمكن من بعضها، فيحكم العقل بالاجتناب عنها و يصح للمولى الاحتجاج على العبد لو ارتكب هذا البعض و صار مصادفا مع ارتكاب المحرم الواقعي، فعلى هذا لو فرض أن الأطراف أربعة و صار الاجتناب من أحدها خارجا عن قدرة المكلف، فيجب عليه بحكم العقل الاجتناب من أطرافه الثلاثة الباقية، و لا يمكن أن يكتفي في مقام موافقة الاحتمالية بالاجتناب عن طرف واحد من هذه الثلاثة و ارتكاب طرفين الآخرين، لانه لو صادف كون المعلوم بالاجمال في هذين الطرفين يكفي عند العقل لحصول مصححية الاحتجاج، و كذلك إذا كان المعلوم بالاجمال طلب فعل و صار مشتبها بين أطراف أربعة مثلا، فكما يحكم العقل بوجوب الإتيان بجميع المحتملات من باب مقدمة العلمية، كذلك فيما لا يتمكن من موافقة، القطعية بما يمكن له من الموافقة فتارة لا يتمكن إلا من الموافقة الاحتمالية بفعل احد الاطراف فقط، و تارة يتمكن من أزيد من ذلك مثل ما إذا لم يتمكن من فعل طرفي المحتملات أو طرف واحد من المحتملات، فالعقل يحكم حفظا للواجب المعلوم في البين الذي يكون التكليف به معلوما فعلا، بإتيان طرفي الآخر أو اطراف ثلاثة حتّى لو صادف كون

158

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

159

[في ذكر بعض الفروع مربوطة بما نحن فيه]

ثمّ إن هنا بعض الفروع ينبغي التعرض له:

[الكلام في الفرع الاوّل]

الفرع الأول: المتحير الّذي لا يتمكّن لأجل ضيق الوقت من الصّلاة إلى أربع جوانب، و لا ثلاثة جوانب، و لا جانبين، و لم يكن مقصرا في ذلك، بل يتمكن من الصّلاة إلى جانب واحد فقط، فيكون تكليفه الصّلاة إلى أيّ جهة شاء لدلالة رواية زرارة و محمد بن مسلم على هذا، بل كما قلنا يكون موردها، فلا إشكال في كون تكليفه ذلك، كما لا إشكال في إجزاء هذه الصّلاة و عدم حاجة إلى القضاء سواء نقول بأن في هذه الصورة تسقط شرطية القبلة، كما لا يبعد كون ظاهر الروية هذا،

____________

المعلوم في الاجمال بين احدها لم يكن للمولى على العبد حجة.

و في المقام يكون الأمر كذلك، لأنّه بعد كون الواجب في الصّلاة التوجّه إلى القبلة، و هي شرط فيها، و يعلم المكلف المتحير إجمالا بكون القبلة في أحد من جهاته الأربعة، و على الفرض لا يكون متمكنا لضيق الوقت من الصّلاة إلى كل هذه الجوانب الأربعة لتحصيل الموافقة القطعية، و لكن يتمكن من الصّلاة بثلاثة جوانب، فيجب بحكم العقل موافقة المعلوم بالاجمال بهذا النحو، لأنه بعد معلومية تكليف المولى و كونه مريدا له، فيجب بحكم العقل حفظ مأمور به المولى مهما أمكن، و هو في المقام يكون بذلك النحو، فلو ترك الصّلاة بجانب منها أو جانبين، و اكتفي بجانبين آخرين أو جانب واحد، و صادف كون مطلوبه في ما ترك العبد، فيصح بحكم العقل احتجاج المولى، و يستحق العبد العقاب على ترك مطلوب المولى بحكم العقل.

اقول: هذا غاية ما يمكن لي أن احرر و أقول في مقام بيان مراده مد ظله العالي، و لكن مع ذلك عندي مورد الاشكال أوّلا لما قلت في ضمن (إن قلت) المتقدم و ثانيا لأنه بعد عدم كون المورد- أعنى: صورة التمكن من الصّلاة بثلاثة جوانب- موردا يشمله ما ورد في المرسلتين بالصّلاة على أربعة جوانب، لأنّ موردهما ما إذا كان الشخص متمكنا من الصّلاة على أربع جوانب، و على الفرض لا يتمكن من ذلك لضيق الوقت، فيكون المورد من مصاديق الرواية الدالة على انّه يجزي المتحير الصّلاة إلى أي جهة شاء، لأنه متحير لا يعلم بالقبلة، و لا يتمكن من الصّلاة إلى أربع جوانب، فيكون تكليفه الصّلاة إلى أي جهة شاء فتأمل. (المقرر)

160

و سواء نقول بأن شرطية القبلة محفوظة بحالها، غاية الأمر حيث لا يمكن حفظها بنحو اليقين، و لا يمكن موافقتها القطعية، يكفي موافقتها الاحتمالية، لصراحة الرواية على إجزاء الصّلاة بهذه الحالة بأيّ طرف شاء، هذا كلّه فيمن لم يكن مقصرا في تأخير الصّلاة إلى أربع جوانب حتّى ضاق الوقت.

[الكلام في الفرع الثاني]

الفرع الثاني: لو كان المتحيّر في جهة القبلة مقصرا في تأخير الصّلاة إلى أربع جوانب حتّى ضاق الوقت، و لم يتمكن لضيق الوقت إلا من إتيان صلاة بجهة واحدة من الجهات الأربعة- مثلا صار متحيّرا في القبلة في وقت يكون متمكنّا من أن يصلّي بأربع جوانب، لكن أخّر الصّلاة و لم يصلّ أربع صلوات عمدا و عن تقصير صار الوقت مضيّقا، بحيث لا يتمكن فعلا إلا من أن يصلّي صلاة واحدة بجهة واحدة لعدم بقاء الوقت إلّا بهذا المقدار- فلا إشكال في وجوب الاتيان فعلا بالصّلاة الواحدة المتمكنة عنها، لوجوب ذلك بحكم العقل لاجل لزوم موافقة عنده، و لكن الكلام في جهتين:

الجهة الأولى [من الفرع الثاني:]

في إجزاء هذه الصّلاة و الاكتفاء بها بحيث لا يكون الواجب عليه بعد الوقت إتيان صلوات ثلاثة إلى جهات أخر غير جهة الّتي يصلّي نحوها هذه الصّلاة حتى كان مصليا إلى أربع جهات أحدها في الوقت، و ثلاثة منها في خارج الوقت أو يجب عليه قضاء صلوات ثلاثة اخر في خارج الوقت حتّى يعلم بوقوع صلاة منها إلى جهة الكعبة.

الجهة الثانية: [من الفرع الثاني:]

بعد فرض إجزاء صلاة واحدة في هذا الحال يقع الكلام في أنّ هذا الشخص هل يكون معاقبا على تأخير الصّلاة حتّى ضاق عليه الوقت لأنّه بتقصيره صار الوقت مضيقا بحيث لم يتمكن من الصّلاة بثلاثة جوانب اخر، لأنّه‌

161

كان متمكنّا قبل ضيق الوقت من الإتيان بكل هذه الأربعة، أو لم يكن معاقبا على ذلك.

و اعلم مقدمة بأن فرض كلامنا يكون على وجوب حفظ شرطية الوقت للصّلاة مهما أمكن بحيث يجوز رفع اليد لأجل حفظ هذا الشرط من بعض الشرائط و منها القبلة، لما نرى من تتبّع الموارد أن الشارع ألغى شرطية بعض الشرائط إذا دار الأمر بين حفظ هذه الشرائط، و بين حفظ شرطية الوقت، كما ترى في نفس المورد أعنى: القبلة، فإن الشارع على ما يستفاد من رواية زرارة و محمد بن مسلم أسقط شرطية القبلة أو اكتفي بموافقة الاحتماليّة لحفظ شرطية الوقت حتّى تقع الصّلاة في وقتها، و إلّا فلو فرض عدم الاعتناء بشرطية الوقت لكان اللازم ان يأمر بأربع صلوات للمتحير مطلقا، لأنه متمكن على ذلك إما في الوقت و إما في خارجه، فالكلام يقع في الجهتين المذكورتين مع مفروغية اعتبار شرطية الوقت، و وجوب حفظه حتّى الامكان، و عدم رفع الشارع يده عنه حتّى في هذا الحال.

إذا عرفت ذلك نقول بعونه تعالى:

أما الكلام في الجهة الأولى: يعني: في إجزاء هذه الصّلاة و عدم وجوب قضاء الصّلاة (إما بأن يصلّى بثلاثة جوانب اخر بعد الوقت، و إما بصلوة اخرى إذا فرض علمه بجهة القبلة بعد الوقت) فلا يبعد أن تكون المسألة مبنية على ما اسلفناه في طي كلامنا في الفرع السابق بأنّه إن قلنا بكون القبلة شرطا حتّى في هذا الحال للمتحير الّذي لا يتمكّن من الصّلاة إلى أربع جوانب، و كانت رواية زرارة و محمد‌

162

بن مسلم (1) و زرارة (2)- المستفاد منهما بأنّه يصلّي حيث يشاء- ناظرة إلى وجوب موافقة الاحتمالية الّتي يحكم بها العقل، و وجه الحكم بأنّه يصلّي حيث يشاء كان من باب انّه بأيّ جهة يصلّي فقد أدرك جهة واحدة، و بذلك حصلت الموافقة الاحتمالية للتكليف، فيجب عليه إتيان صلاة في الوقت إلى جهة و صلوات ثلاثة إلى جهات ثلاثة اخر حتّى يعلم بأنّه أتى بالتكليف المتعلّق بالصّلاة إلى القبلة.

و إن قلنا بأن شرطية القبلة ساقطة في هذا الحال كما هو المستفاد من ظاهر روايتي زرارة، و محمد بن مسلم و زرارة، لأنّ المستفاد منها أن المتحير يصلّي إلى أي جهة شاء، و هذا التعبير مناسب مع سقوط الشرطية في هذا الحال، فلا بدّ من اكتفاء الشارع بصلوة واحدة في هذا الحال، لأنه بعد عدم شرطية القبلة، و معنى ذلك عدم وجوب التوجّه إليها في هذا الحال، و عدم وجوب كون صلاته واجدا لهذا الشرط، فهذا المكلف يصلّي صلاته إلى جهة و صلاته واجدة للشرائط، و مقتضي القاعدة هو إجزاء هذه الصّلاة و عدم وجوب القضاء، لأنه أتى بالمأمور به كما أمر المولى، و حيث أنّ الظاهر عندنا سقوط شرطية القبلة، فلا اشكال في وجوب إتيان المكلّف في هذا الحال بصلوة واحدة إلى أي جهة شاء، و سقوط القضاء عنه و إجزائها (3).

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 8 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 3 من الباب 8 من أبواب القبلة من الوسائل.

(3)- أقول: أولا ما المانع من شمول نفس الروايتين لهذا المورد أعنى: من لم يتمكن إلا من صلاة واحدة، و كان عدم قدرته على أزيد من ذلك لتقصيره، لأنّ الروايتين مطلقتان و تدلان على أن المتحير يصلّي إلى أي جهة شاء إذا لم يتمكن من الصّلاة بأربع جوانب بعد جمعهما مع المرسلتين المتقدمتين الدالتين على وجوب الصّلاة إلى أربع جوانب، و على الفرض هذا الشخص

163

و امّا الكلام في الجهة الثانية: بعد ما أمضينا من إجزاء هذه الصّلاة و عدم وجوب القضاء بالإتيان إلى جوانب اخرى، يقع الكلام في أنّه هل يكون معاقبا على التأخير حتّى صار غير متمكن من الإتيان بكل هذه الجوانب الأربعة، أو لم يكن معاقبا على ذلك؟

اعلم انّه بعد ما أمضينا الكلام مكررا في أن المكلّف إذا دخل عليه وقت الصّلاة توجه إليه التكليف بإتيان الصّلاة، و لا يدعو الأمر الا نحو طبيعة الصّلاة فما هو المأمور به ليس إلا طبيعة الصّلاة، غاية الأمر أنّ هذه الطبيعة لها أفراد مختلفة ففرد، منها الحاضر، و فرد منها المسافر، و فرد منها الصحيح، و فرد منها المريض، و فرد منها المتوضى، و فرد منها المتيمم، و فرد منها من يجب عليه صلاة الكامل المختار، و فرد منها من لا يجب عليه إلا الصّلاة المجعول حال الخوف، و فرد منها صلاة الغريق، و كل هذه الافراد فرد الطبيعة الصّلاة بحيث لا فرق بينها في المصلحة القائمة بالطبيعة.

فالمريض الّذي يصلّي قاعدا أو مضطجعا يكون واجدا لما يكون الكامل المختار واجدا له من حيث المصلحة الصلاتية، غاية الأمر يكون مكلف فردا لفرد‌

____________

موردهما فعلا.

و ثانيا على فرض منع ذلك و التزامنا بعدم سقوط شرطية القبلة حتّى في هذا الحال فهو يصلّي الى جهة صلاته، و إذا مضى الوقت فهو شاك في أن ما أتى من الصّلاة هل وقعت إلى القبلة حتّى لا يجب القضاء، أو لم تقع إلى القبلة حتّى كان القضاء واجبا، فإن قلنا بان القضاء تابع لصدق الفوت فهو شاك في أنّه هل فات عنه الفريضة أم لا، و استصحاب عدم إتيان الصّلاة لا يكفى في وجوب القضاء، لأنه لا يثبت الفوت، لأنّ ذلك مثبت، و إن قلنا بان الفوت ليس الا عدم الاتيان، فمقتضى عدم إتيانها هو وجوب القضاء. (المقرّر).

164

من هذه الطبيعة، و مكلف آخر فردا لفرد آخر من الطبيعة، فالحاضر يكون موردا لتكليف أربع ركعات، و المسافر لركعتين، و هكذا فإذا دخل الوقت، مثلا زالت الشمس، فعلى المكلف بحكم العقل التخيير في كل جزء من أجزاء الواقع بين الحدين، فله أن يصلّي في أول الوقت، و في وسطه و في آخره.

فالمكلف بعد ما يرى من أن لها أفرادا مختلفة، فلا بدّ من ملاحظة حال نفسه، فإن كان في زمان من هذه الأزمتة الواقعة بين الحدين يريد أن يأتي بصلوة الظهر، فإن كان مسافرا فيصلّي ركعتين، و إن كان حاضرا فيصلّى أربع ركعات، و إن كان صحيحا يصلّي قائما، و إن لم يتمكّن من القيام يصلّي قاعدا، و إن كان واجد الماء يصلّي مع الوضوء، و إن كان فاقد الماء يصلّي متيمما.

فكذلك إن كان عالما بجهة الكعبة يصلّي نحوها، و إن كان متحيرا و يكون الوقت باقيا بقدر أن يصلّي إلى أربع جوانب، فيصلّي أربع صلوات، و إن لم يكن الوقت باقيا إلّا بمقدار إتيان صلاة فيصلّي حيث يشاء، و في كل هذه أنحاء أدرك مصلحة المكامنة في طبيعة الصّلاة.

إذا عرفت ذلك، ففي ما نحن فيه بعد كون الصّلاة الواقعة في هذا الحال من هذا المكلف فردا للصّلاة واجدة للمصلحة الكامنة في طبيعتها، و ليس الأمر من المولى إلا بإتيان هذه الطبيعة، و ليس الأفراد، المختلفة مجعولة إلا لمن يكون موردا لكل فرد من الافراد بحيث لا يريد المولى من العبد إلّا إتيان كل أحد فردا من هذه الأفراد بشرط كونه موردا لهذا الفرد، و منطبقا عليه، و لم يجب تحصيل مورديّة فرد على العبد، و لا حرم عليه إخراج نفسه عن مورديّة فرد و ادخاله في مورديّة فرد آخر، فلا وجه لكونه مستحقا للعقاب إذا أختار فردا من الطبيعة، و صيّر نفسه مورده،

165

و أخرج نفسه من مورديّة فرد آخر، فعلى هذا لا مورد للحكم باستحقاق العقاب نحن فيه.

إن قلت: إنّ لطبيعة الصّلاة و إن كانت أفرادا كثيرة، و لكن ليس كل فرد واجدا لما في الفرد الآخر من المصلحة، مثلا لا إشكال في أن الصّلاة مع الطهارة المائية واجدة لمرتبة من المصلحة لم تكن هذه المرتبة في الصّلاة مع الطهارة المائية واجدة لمرتبة من المصلحة لم تكن هذه المرتبة في الصّلاة مع الطهارة الترابية، فعلى هذا لا يجوز تفويت المصلحة بلا عذر و من تقصير، فلا يجوز تفويت الماء و جعل نفسه غير متمكن من الوضوء عن تقصير، و هكذا في ما نحن فيه تكون الصّلاة إلى أربع جوانب واجدة لمرتبة من المصلحة، و لهذا كانت واجبة، و لم تكن في الصّلاة إلى أي جهة شاء هذه المرتبة من المصلحة، لأنّ بها يحفظ شرطية القبلة حتما، و باتيان صلاة واحدة الى اى جهة شاء في صوره التحير لا يعلم بحفظه الشرط، و بهذه لا يعلم بذلك.

نقول: بأنّ ما يدعوا إليه أمر الصّلاة ليس إلّا إلى ما في هذه الطبيعة من المصلحة الكامنة الّتي صارت سببا لتعلق الأمر بها، و ليس على العبد إلا إطاعة أمر المولى، و إيجاد ما أمر به في الخارج، و عدم إيجاد ما نهى عنه المولى، فعليه اطاعة الأمر و النهي، و في المقام ليس أمر الصّلاة إلا داعيا و باعثا إلى إيجاد طبيعة الصّلاة، فإذا دخل وقت صلاة الظهر مثلا، فهو مخير بتخيير العقلى بين ايقاعها في أي جزء من اجزاء وقتها، فإذا أراد أن يأتي بها المكلف في أحد أبعاض هذا الوقت فينظر أنّه مورد أي فرد من أفراد طبيعة الصّلاة، فإن كان مسافرا يأتي بالطبيعة في ضمن هذا الفرد و إن كان حاضرا فيأتي بها في ضمن الفرد الواجب على الحاضر، و هكذا فالصحيح يصلّي قائما، و المريض يصلّي قاعدا و هكذا، و يمكن له في ضمن‌

166

الوقت صيرورة نفسه موردا لفرد و اخراج نفسه من موردية فرد آخر، فالحاضر يسافر، و المسافر يرجع إلى وطنه، فمن له الماء يجوز له تفويت الماء حتّى يكون تكليفه التيمم، و كذلك من يتمكن من الصّلاة إلى أربع جهات لسعة الوقت، فله التأخير إلى مقدار يصير مورد تكليف إتيانها إلى أي جهة شاء.

[فلا وجه لكون العبد معاقبا]

فعلى هذا بعد إتيان المكلف بطبيعة الصّلاة و عدم كون الواجب عليه حفظ مورديته لفرد، لعدم دليل على عدم جواز أن يجعل الحاضر نفسه مسافر، أو بالعكس، و عدم دليل لعدم جواز جعل واجد الماء، نفسه فاقد الماء و كذلك عدم دليل على عدم جواز المتمكن من الصّلاة إلى أربع جوانب أن يجعل نفسه مضطرا بحيث لا يتمكن إلا من الصّلاة بجانب واحد، فبعد إتيان المكلف بطبيعة الصّلاة، و كون هذا الفرد من الصّلاة واجدا لما في الفرد الآخر من المصلحة الكامنة في طبيعة الصّلاة، و عدم كون الواجب على المكلف إذا صار مورد فرد منها أن يحفظ مورديته له، و لو فرض كون مصلحة زائدة في هذا الفرد باعتبار مشخصات الفردية فلا يجب عليه حفظ هذه المصلحة، و لا يحرم عليه تفويتها لعدم دليل على ذلك، فلا وجه في المقام لاستحقاق العقاب على التأخير و صيرورته غير متمكن من إتيان الصّلاة إلا بجانب واحد لضيق الوقت، لعدم دليل على ذلك.

[فالقول بعدم استحقاق العبد للعقاب قوى]

فالقول بعدم استحقاق العقاب في ما لو تأخر عمدا و عن تقصير، و ترك الصّلاة إلى أربع جوانب حتّى ضاق الوقت بحيث لا يتمكن إلا من صلاة واحدة، قوى في حد ذاته إلّا انّ ما يظهر من تتبع الكلمات هو التزام القدماء باستحقاق العقاب، فمع قطع النظر عن ذلك لا دليل على استحقاق العقاب، هذا تمام الكلام في الفرع الثاني.

167

الفرع الثالث:

بعد ما قلنا من كون تكليف المتحير الغير المتمكن من تحصيل العلم أو الظن بالقبلة، هو الصّلاة إلى أربع جوانب، فلو صار المكلّف متحيرا في وقت الظهر و العصر، فيكون الواجب عليه إتيان كل من الصّلاة الظهر و العصر إلى أربع جهات اعنى يجب عليه إتيان ثمانية صلوات، و هذا ممّا لا اشكال فيه.

إنّما الاشكال في انّه هل يجب عليه في هذا الفرض إتيان أربع صلوات للعصر الواجب إتيان كل منها إلى جهة، بعد ما أتى بكل من الصلوات الأربعة الّتي يأتي بها احتياطا بقصد اطاعة أمر صلاة الظهر، فإذا أتى بمحتملات الأربعة للظهر حتّى قطع بأنّه أتى بها إلى القبلة، فيجوز له الشروع في الصلوات الأربعة احتياطا للعصر.

أو يجوز له إتيان كل من الصلوات الأربعة للعصر بعد كل من الصلوات الأربعة للظهر، بأن يشرع في الصّلاة فيأتي بالظهر إلى جهة، ثمّ يأتي بالعصر بعدها إلى هذه الجهة، ثمّ يأتي بظهر آخر إلى جهة اخرى، فيأتي بعصر بعدها إلى هذه الجهة، و هكذا إلى آخرها:

وجه الأول: أنّه بعد اعتبار الترتيب بين الظهر و العصر بمعنى أنّ العصر يشترط أن يكون مترتبا على الظهر، فمهما لم يأت بمحتملات الظهر، أعنى: لم يصلّ الظهر إلى أربع جهات، فإن أتى ببعض محتملات العصر، فهو لا يعلم بكون عصره واجدا لشرطية الترتيب، لأنّه من المحتمل كون الظهر المأتي بها قبل هذا العصر غير واقع إلى جهة القبلة، فصارت فاسدة، و على تقدير فساد الظهر ليس عصره واقعا بعد الظهر، فيجب عليه أن يأتي بمحتملات العصر بعد إتيان جميع محتملات الظهر.

و أمّا وجه جواز إتيان كل محتمل من المحتملات الأربعة من العصر بعد إتيان كل واحد من محتملات الظهر، فهو انّه بعد كون الواجب على المكلف الإتيان بأربع‌

168

صلوات لكل من الظهر و العصر في الفرض من باب عدم علمه تفصيلا بجهة القبلة، و يكون من باب الاحتياط، و علم الاجمالي بكون القبلة واقعة في أحد من الجهات الأربعة، و اثر الاحتياط ليس إلا ان المكلف يعلم بإتيان جميع المحتملات بأن صلاته صارت واقعة إلى القبلة، و إذا أتى بكل من المحتملات لا يدري كون هذا صلاته، لعدم علمه حال إتيان هذا المحتمل بأنّه واجد لشرط القبلة، فهو لا يدري تفصيلا عند إتيان كل من هذه المحتملات بكونه هو صلاة ظهره، بل يعلم إجمالا أن أحدا منها يصير صلاة ظهره، فليس عند إتيان كل منها جازما في نيته، لأنّه لا يمكن له أن ينويه ظهرا مسلّما، لاحتمال عدم كونها إلى القبلة، فإذا كان كذلك، فإن أتى بكل من محتملات العصر بعد كل من محتملات الظهر- أعنى: أتي بظهر، ثمّ بعصر، بظهر، ثمّ بعصر، ثمّ بظهر، ثمّ بعصر، ثمّ بظهر، ثمّ بعصر- يدري أيضا بأنّه اتى بعصره واقعا واجدا لشرط الترتيب، لأنّ أحدا من هذه الصلوات الآتية بعنوان العصر صارت واقعة بعد الظهر قطعا.

[في ذكر اشكال عدم الترتيب بين الظهر و العصر و الجواب عنه]

إن قلت: إن هذا المكلف متى يأتى بعصر بعد ظهر واحد، لا يدري بواجديته لشرط الترتيب، لاحتمال كون ظهره إلى غير القبلة حين الإتيان بهذا العصر و امّا إذا اتى بها بعد كل من المحتملات الظهريّة فيعلم تفضيلا بكون صلاة عصره واجده لشرط الترتيب فمع قدرته على تحصيل ذلك تفصيلا لا وجه للاكتفاء بموافقة الاجمالية.

أقول: مع عدم اعتبار الجزم في النية و كفاية هذا النحو من القصد، و كفاية إتيان الظهر و لو لم يعلم حين إتيان المحتملات بأنّها الظهر أم لا، لكفاية علمه بعد إتيان كل من محتملات الظهرية و العصرية بهذا النحو، بأنّه أتى صلاة الظهر إلى القبلة‌

169

و أتى بالعصر إلى القبلة واجدة لشرط الترتيب، إن في المقام لا يوجب هذا النحو من الإتيان بالظهر و العصر إجمالا زائدا على الاجمال الحاصل في الظهر على أي حال، لأنّه بعد كون الظهر الواقع إلى القبلة أمره دائر بين المحتملات الأربع بحيث لا يعلم بوقوع صلاة ظهره إلى القبلة إلا بعد إتيان جميع محتملات الظهر، فعلى هذا إن اتى بالعصر بعد إتيان جميع محتملات الظهر بعد وقوع كل من محتملات العصر في جهتها و إن كان يعلم بوقوع صلاة العصر بعد الظهر، لكن لتردده في جهة القبلة يجب أربع صلوات حتّى كانت أحدها إلى القبلة، فإن أتى باحد محتملات العصر بعد أحد محتملات الظهر و هكذا إلى الآخر، فلا يوجب هذا إجمالا زائدا على ما في الظهر و يكون لا بدّ منه، لأنّ منشأ الإتيان بثمانين صلوات ليس إلا التردد في القبلة، و هذا الاجمال واقع لا محالة، لأنّ الظهر لا بد من إتيانها إلى أربع جهات لأجل إجمال القبلة، فكما انّه يصح لأجل هذا الاجمال الإتيان بأربع صلوات و امتثال الاجمالي، و عدم اشكال في عدم الجزم في النية، كذلك يصح في العصر امتثال الاجمالي لاجل تحصيل شرطية الاستقبال و الترتيب، و المكلف إذا أتى بهذا النحو فهو يعلم عند إتيان كل عصر يقع منه بعد ظهر بأنّه إن كانت ظهر الواقعة منه إلى هذه الجهة واقعة إلى القبلة فعصره أيضا واقعة إلى القبلة و واقعة مترتبة على الظهر لوقوعها بعد الظهر الصحيح، و إن لم تكن ظهره واقعة إلى القبلة فعصره أيضا لم تقع لفقدها لشرطى الاستقبال و الترتيب، فلا بدّ له من الإتيان بسائر المحتملات كي يقطع بحصول المكلف به مع شرط القبلة و الترتيب.

فعلى هذا الوجه لا إشكال في إتيان كل عصر بعد كل ظهر في الفرض نعم، إتيان تمام محتملات العصر بعد الفراغ عن تمام محتملات الظهر، يكون أحوط، و لكن‌

170

لا إشكال في إتيانها بنحو المتقدم.

إن قلت: إنّه بعد ما أتى باحد محتملات الظهر فإذا اتى بأحد محتملات العصر فحيث يكون شاكا في أنّ هذا العصر واجد للترتيب أم لا، لأنه شاك في أن ظهره وقعت إلى القبلة حتّى كانت عصره واجدة للترتيب أم لا، فمقتضى استصحاب عدم إتيان الظهر هو عدم كون العصر واجدة للشرط، لأنّ بالاستصحاب يثبت عدم إتيان الظهر، فبعد عدم إتيان الظهر، و لو بالاستصحاب، يعلم كون عصره غير واجدة لشرط الترتيب، فعلى هذا يعلم بعدم كون عصره صحيحة.

و امّا إن أتى بمحتملات العصر بعد إتيان جميع محتملات الظهر، فهو قاطع حين إتيان كل من المحتملات العصر بأنّها إن كانت عصرا تكون واجدة لشرط الترتيب، و هذا واضح.

نقول: بأنّه ما قلت من الاستصحاب ليس أثره إلا إتيان عصر آخر واجدة للشرط، و عدم الاكتفاء بهذا العصر المحتمل فقط، و نحن ملتزمون بذلك، و لهذا لا بد من إتيان جميع محتملات العصر على هذا الفرض بعد كل محتمل الظهرية- أعنى: يأتي بظهر، ثمّ عصر، و هكذا- فإذا فرغ من كل المحتملات يعلم بأن ظهره و عصره وقعت إلى القبلة، و يعلم أيضا بأن ما هو عصره وقع واجدا للشرط، كما انّه قبل الإتيان بجميع المحتملات يعلم انّه إذا أتى بهذا النحو فقد أدى صلاة ظهره و عصره و الحال أنهما واجدان للشرائط المعتبرة فيهما، فعلى هذا نقول: إنه يجوز الإتيان في الفرض بالعصر بكلا النحوين المتقدمين و لا يرد اشكال أصلا.

الفرع الرابع:

هل يجوز في ما كان تكليف المكلف إتيان كل من الظهر و العصر أو المغرب و العشاء إلى أربع جهات، أن يصلّي العصر أو العشاء في الجهات‌

171

الأربعة الّتي صلّى الظهر أو المغرب، فيها أو يصح أن يأتي بهما إلى أربع جهات اخر، مثلا لو فرض انّه رسم خطين متقاطعين بحيث يتشكل أربع زوايا قائمة، و كان أحد من الخطوط الأربعة إلى نقطة المشرق، و الآخر إلى نقطة المغرب، و الثالث و الرابع إلى نقطة الجنوب و الشمال، و صلّى الظهر أو المغرب على هذه الجهات الأربعة، فهل يجوز له أن يتوجه حال صلاة العصر أو العشاء إلى نقاط أربعة مخالفة مع النقاط الأربعة المذكورة الّتي صلّى الظهر أو المغرب إليها، أو لا بدّ من إتيان العصر أو العشاء إلى النقاط الأربعة المذكورة لا غيرها.

اعلم أنّ الكلام لا بدّ و أن يكون في موضعين:

الموضع الأول: يقع الكلام في انّه على فرض جواز إتيان كل من المحتملات العصر بعد كل من المحتملات الظهر، هل يجوز إتيان العصر بعد الظهر في جهة غير الجهة الّتي صلّى الظهر، بأن يصلّي ظهرا إلى جهة، ثمّ بعدها يصلّي عصرا إلى جهة مخالفة للجهة الّتي صلّى الظهر أم لا؟

فنقول: في هذه الصورة بعدم الجواز أعنى: جواز الوضعي أعنى: عدم صحة العصر، لأنّه لو صلّى كذلك فيقطع ببطلان صلاة عصره إجمالا، لأنّ عصره إما فاقدة لشرط الترتيب إن كانت صلاة عصره إلى القبلة، لأنه على هذا يعلم بكون صلاة ظهره واقعة إلى غير جهة القبلة، و إما واقعة إلى غير القبلة، لاحتمال عدم كون الجهة التي صلّى العصر إليها هي القبلة، فعلى هذا لا إشكال في عدم الجواز في هذه الصورة.

الموضع الثاني: فرض الكلام الصورة الّتي أتى المكلف بجميع محتملات الظهر، و أنه بعد إتيان الظهر متيقن بأنّ أحدا منها وقعت إلى القبلة، فهل يجوز أن يأتي بمحتملات العصر إلى نقاط أربعة غير النقاط الأربعة الواقعة إليها الظهر، أو‌

172

لا بدّ من إتيان محتملات العصر إلى الجهات الأربعة الّتي صلّى إليها محتملات الظهر.

فنقول: في هذا المقام بجواز ذلك على ما قلنا في جهة القبلة من انّه إذا قسّم كل دائرة بأربعة اجزاء، فتكون جهة الكعبة في ربع من الدائرة الربع الّذي واقع فيه الكعبة بحيث لو فرض خروج خطوط من مقاديم بدن الإنسان و وجهه ليصل خط من هذه الخطوط إلى الكعبة، ففي كل موضع إذا فرض كون المكلف مركزا و يرسم حوله دائرة يتقاطع هذه الدائرة الكعبة، ففي كل ربع من الدائرة تكون الكعبة واقعة في هذا الربع، يجب على هذا المكلف التوجّه نحو هذا الربع من الدائرة، فعلى هذا لو فرض ان الكعبة في ربع من الدائرة، ففي كل موضع يكون الإنسان فوجهه واقع إما مستقبل القبلة، أو مستدبرها، أو إلى يمين القبلة، أو إلى يسار القبلة، ففي كل نقطة رسم خطوطا أربعة بحيث يحصل منها زوايا أربعة قائمة، و كان رأس كل خط متوجها إلى نقطة، فلو صلّى متوجها إلى هذه النقاط الأربعة الّتي يتوجه نحوها رأس هذه الخطوط، فهو يعلم بوقوع أحد منها إلى جهة القبلة، فإذا صلّى إلى هذه الجهات الأربعة فقد وقع أحد من صلواته إلى القبلة، فإذا رسم بهذا النحو خطوطا أربعة و صلّى الظهر في كل من هذه الخطوط، فإذا بنى بأن يصلّي العصر إلى نقاط أربعة اخر غير نقاط الأربعة الّتي صلّى الظهر إليها، بأن رسم خطوطا أربعة متقابلة على خلاف نقاط الّتي صلّى الظهر إليها، و صلّى هكذا، فيقع عصره صحيحا واقعة أحدى منها إلى القبلة، لأنّه بعد ما فرضنا من أن في كل موضع يقع الإنسان المصلي، و يفرض مركز دائرة، و يرسم حوله دائرة تتقاطع نقطة منها الكعبة، فإذا صلّى إليها محتملات العصر في غير نقاط الأربعة الّتي صلّى إليها محتملات الظهر، و لكن بعد كون كل من محتملات الظهر و كذا العصر واقعة إلى نقطة من نقاط كل ربع من الدائرة، و تكون الكعبة على‌

173

الفرض واقعا في أحد من ربع الدائرة، فتقع واحد من المحتملات الظهر و العصر لا محالة إلى القبلة، و لا نريد من إتيان المحتملات إلّا هذا، فلا فرق بين أن يكون كل نقطة من نقاط الأربعة الّتي صلي العصر إليها موافقا مع كل نقطة من نقاط الأربعة التي توجه إليها حال صلاة الظهر، أو مخالفا لأنّه على كل حال تقع أحد من محتملات الظهر و أحد من محتملات العصر إلى جهة الكعبة، فعلى مبنانا لا إشكال في ذلك (1).

الفرع الخامس:

قال في العروة (2): من عليه صلاتان كالظهرين مثلا مع كون وظيفته التكرار إلى أربع إذا لم يكن له من الوقت مقدار ثمان صلوات، بل كان مقدار خمسة أو ستة أو سبعة، فهل يجب إتمام جهات الأولى و صرف بقية الوقت في الثانية، أو يجب إتمام جهات الثانية و إيراد النقص على الأولى؟ الأظهر الوجه الأول، و يحتمل وجه ثالث و هو التخيير.

اعلم انّه بعد فرض وجوب حفظ الوقت، و أهمّيته من القبلة، فيقع الكلام في هذا الفرع.

____________

(1)- أقول: و يظهر من بعضهم في مقام جواز إتيان محتملات العصر إلى غير جهات الّتي صلّى محتملات الظهر بأن رواية زرارة و محمد بن مسلم و زرارة تدلّان على أن المتحير يصلّي إلى أربع جهات في هذا الحال، و إطلاقهما يقتضي إتيانها الى كل أربع جهة، فالمصلي للعصر تكليفه ذلك، و بحسب إطلاق هذه الروايتين يجوز له إتيان محتملات العصر إلى أربع نقاط متقابلة سواء كانت موافقة مع نقاط الواقعة فيها محتملات الظهر أم لا.

و لكن بعد عدم إعمال تعبد للروايتين و كونهما موافقتين مع حكم العقل، فلا بدّ من أن تدور مدار حكم العقل، فإن حصل بذلك موافقة القطعية يجوز و الّا فلا، و حيث قلنا بحصول الموافقة بهذا النحو، فيصح إتيان العصر بهذا النحو، فتأمل.

(2)- العروة الوثقى، ص 392، ج 1، مسأله 14.

174

[في ذكر وجه ورود النقص على الظهر و العصر]

فنقول: إنّ وجه كون ورود النقص على صلاة الظهر و وجوب إتيان العصر إلى أربع جهات هو أن يقال: بأن المستفاد من رواية (1) داود بن فرقد من كون آخر الوقت بمقدار إتيان أربع ركعات مختصا بالعصر، هو أن آخر الوقت بمقدار لا يمكن إتيان العصر بعد مضيّ هذا المقدار مختص بها، و ليست خصوصية لأربع ركعات، لأنّ وقت أدائها يصير مختلفا، فإذا كان مسافرا فلا يحتاج إلا إلى مقدار وقت يصلّي فيه ركعتين، و إذا كان حاضرا أربع ركعات، و إذا كان متوضئا فبمقدار نفس صلاة العصر من آخر الوقت، و إذا كان غير متوضأ فبمقدار أن يتوضأ و يصلّي العصر، فالميزان كون آخر الوقت بمقدار أداء العصر مختصّا به، و يختلف ذلك الزمان بحسب اختلاف امكان اداء العصر.

فعلى هذا نقول في المقام بانّه بعد عدم امكان اداء العصر و براءة الذمّة منها إلّا باتيان اربع صلوات، فلا بدّ من كون آخر الوقت بمقدار اداء اربع صلوات مختصا بالعصر.

فعلى هذا لا بد من ان يرد النقص بصلوة الظهر بمعنى وقته إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار اداء العصر.

و امّا وجه كون النقص واردا بصلوة العصر و اتيان اربع صلوات للظهر، فهو أن يقال بأنّه بعد ما لا يدلّ رواية داود بن فرقد إلّا على كون آخر الوقت بمقدار اتيان اربع ركعات مختصا بالعصر، و ان قلت بعدم موضوعية لاربع ركعات، لأنّ المسافر الّذي تكليفه ركعتان، فليس آخر الوقت مختصا بالعصر إلا بقدر ركعتين،

____________

(1)- الرواية 7 من الباب 4 من أبواب المواقيت من الوسائل.

175

و لكن المقدار الممكن هو ان يقال ان الرواية تدلّ على أن آخر الوقت بمقدار يتوقف اتيان العصر في هذا الوقت بحسب ما يعتبر فيه واقعا من الركعات و الاجزاء و الشرائط، فهو مختص بالعصر، و لا يستفاد من الرواية ازيد من ذلك، فالمتحير الذي كان تكليفه بحكم العقل الصّلاة إلى اربع جوانب، فكيف يمكن ان يقال بان آخر الوقت بمقدار ستة عشر ركعة مختص بالعصر، لدلالة رواية داود على ذلك، فلا يظهر من هذه الرواية كون هذا المقدار من الوقت مختصا بالعصر.

فعلى هذا يكون المكلف في الوقت المشترك، و لا بدّ له من اتيان الظهر أوّلا صحيحا، ثمّ اتيان العصر لترتب العصر عليه، و كون شرط من شرائطه وقوعها بعد الظهر فما لم يأت بالظهر على ما هو عليه، و هو في الفرض ليس إلا باتيان اربع صلوات لا يمكن له اتيان العصر، لعدم حصول شرطه و هو اتيان الظهر الصحيح الجامع لاجزاء و الشرائط، و حيث ان الاظهر وجه الثاني فالمتعين ورود النقص على العصر، فيأتي بجميع محتملات الظهر أولا، ثمّ يأتي بما يمكن له في الوقت من اتيان محتملات العصر، ثمّ ان السيّد (رحمه اللّه) قال و يحتمل وجه ثالث و هو التخير، و كانه بعد ما قال الاظهر الوجه الأول، و يحتمل وجه ثالث و هو التخير كون هذا الاحتمال مورد الاعتناء أيضا، و لكن الاظهر الوجه الأول، و لم نجد للمتحير وجها وجيها يمكن الاعتناء به، لأنّ الأمر دائر بين الاحتمالين، أما الاستظهار من رواية داود بن فرقد بكون آخر الوقت بمقدار اداء العصر بأي نحو يمكن اتيانه شرعا و عقلا مختصا بالعصر، فلا اشكال في ان النقص لا بد و ان يرد بالظهر، لانّه لا يمكن اداء العصر لمن كان متحيرا إلا بإتيان اربع صلوات، و على الفرض يكون الوقت بهذا المقدار مختصا بالعصر فعلى هذا لا بد من ان يأتي ببعض محتملات الظهر حتّى إذا بقى مقدار اداء‌

176

اربع صلوات من الوقت، فإذا بلغ هذا الوقت فقد خرج الظهر، و لا بدّ من صرف الوقت في صلاة العصر.

[لا يمكن اختصاص آخر الوقت بالعصر]

و ان لم نقل بذلك و قلنا بأن آخر الوقت مختص بالعصر بمقدار امكن للمكلف اتيان العصر بما هو تكليفه بحسب الواقع، و امّا ازيد من ذلك مثل ما نحن فيه الّذي ليس الالزام باتيان اربع صلوات إلا من باب حكم العقل، فلا يمكن اختصاص آخر الوقت بالعصر حتّى فى هذا الفرض، لأنّ رواية داود ليس إلا في مقام بيان ما هو وقت للظهر و العصر المكلف به واقعا اشتراكا و اختصاصا، و بعد ما قلنا بان الاظهر هذا فالنقص يرد على العصر لبقاء وقت المشترك بمقدار اداء محتملات الظهر، و ما لم يأت بالظهر على وجهها لا يمكن له اتيان العصر، لأنّ من شرائط العصر الترتيب اعنى كونها مرتبا على الظهر، فلا بدّ من صرف الوقت أوّلا في الظهر ثمّ في العصر بمقدار يكون باقيا (1).

____________

(1)- أقول ثمّ أنّي قلت في مجلس البحث بانّه يمكن بأن يكون وجها للتخيير بان يقال بعد كون الوقت كما افاد مد ظله في غير مقدار اداء اربع ركعات في آخر الوقت مشتركا بين الظهر و العصر بحيث يمكن له اتيانهما في هذا الوقت غاية الأمر يشترط في العصر ان يكون مترتبا على الظهر ففي المقام نقول بان الوقت مشترك بينهما و ليس له لضيق الوقت اتيان كل من محتملات الظهر و العصر فلا يمكن له إلا حفظ شرط القبلة في احد من الظهر و العصر فإذا كان كذلك فيحكم العقل بالتخيير بين حفظ الشرط في الظهر و رفع اليد عن شرط القبلة في العصر و لازمه عدم وجوب الاتيان بتمام اربع صلوات في العصر و بين حفظ الشرط في محتملات العصر و رفع اليد عن شرط القبلة في الظهر و لازمه جواز الاقتصار بالموافقة الاحتمالية من حيث القبلة في الظهر و امتثال القطعي في العصر بالنسبة إلى شرط القبلة.

ان قلت بعد اعتبار الترتيب بين الظهرين و اشتراط وقوع العصر بعد الظهر فما لم يأت بجميع

محتملات الظهر لا يجوز له الشروع في العصر لفقد شرط و هو الاتيان بالظهر الصحيح فلا بدّ من حفظ الشرط في الظهر و الاتيان بجميع محتملات الظهر ثمّ الاتيان بعد ذلك بما يمكن له من اتيان محتملات العصر فالترتيب مانع من الحكم بالتخيير.

أقول ان فرض كون القبلة شرطا حتّى في هذا المورد في الظهر فصحيح ما قلت من انّه لا يمكن له الشروع في العصر إلا بعد اتيان الظهر بماله من الاجزاء و الشرائط و لكن هذا مصادرة لانا فعلا نبحث في ذلك إذ لا ندري بان شرطية القبلة محفوظة حتّى فى هذا الحال حتّى لا يجوز له الشروع في العصر قبل ذلك فإن كان الشرط معتبرا في الظهر لا يصح عصره إلا بعد اتيان جميع محتملات الظهر و ان كان الشرط معتبرا في العصر فما اتى من بعض محتملات الظهر وقع صحيحا لعدم كون القبلة شرطا في الظهر فيجوز له الشروع و حفظ الشرط في العصر ففي هذا المورد لا ندري بصرف الشرط في أي من الظهر و العصر فيكون مقتضى حكم العقل التخيير في المقام و بهذا يمكن ان يقال ان لاحتمال التخيير وجه ثمّ.

بعد ما قلت ذلك اجرى البحث سيدنا الأستاذ مدّ ظلّه في الجواب عن ذلك و هذا حاصل ما افاده مدّ ظلّه و قال بانّه لو صرفنا النظر عما قلنا في وجه ورود النقص على الظهر من كون الوقت المختص بالعصر بمقدار يمكن له بحسب حاله أداء العصر و لو مع ما يكون مقدمة لها بحكم العقل فلا اشكال في أن الحق هو وجوب اتيان جميع محتملات الظهر و ورود النقص بالعصر لانه على الفرض يكون الوقت مشتركا بين الظهر و العصر و ما لم يأت بالظهر لا مجال للاتيان بالعصر لانها مشروط بوقوعها بعد الظهر فالحال يكون ظرف اتيان الظهر و هو متمكن من اتيان الصّلاة إلى القبلة فيجب عليه ذلك و على الفرض لا يمكن تحصيل القبلة إلا باتيان اربع صلوات فلا بدّ من اتيانها ثمّ بعد اتيان محتملات الظهر يكون ظرف اتيان العصر فهو ان كان متمكنا من اتيانها في الوقت مع شرط القبلة فعليه ذلك و ان لم يمكن له ذلك لضيق الوقت فيسقط الشرط و يجب عليه اتيان العصر بلا شرط فيجب عليه اتيان ما يمكن له من بعض محتملات العصر أما إلى جهة أو جهتين أو ثلاثة جهات في الفرض من باب وجوب موافقة الاحتمالية في هذه الصورة و قد مرّ وجه لزوم موافقة الاحتمالية بقدر الامكان.

ان قلت انّه بعد دخول الوقت يكون التكليف بالنسبة إلى كل من الظهر و العصر فعليا بحيث يجب تحصيل شرائطهما و مقدماتهما و العصر و ان كان مترتبا على الظهر في الوجود و لكن مع ذلك يكون كالظهر فكما لا يجوز تقويت مقدمات الظهر كذلك لا يجوز تفويت مقدمات العصر و بعبارة اخرى يكون قبل اتيان الظهر كالواجب المعلق فكما لا يجوز تفويت واجب المعلق و يجب تحصيل مقدماته و ليس كالواجب المشروط كذلك لا يجوز تفويت مقدمات العصر و يجب تحصيل مقدماته فكما يجب حفظ شرطية القبلة للظهر كذلك يجب للعصر فعلى هذا و لو كان العصر مشروطا بكونه مترتبا على الظهر في الوجود و لكن بعد كون القبلة شرطا في كل من الظهر و العصر و بعد كون الظهر و العصر من حيث هذا الشرط على السواء في الوقت اعنى كما يدعوا امر الظهر باتيانه مع الشرط كذلك العصر بحيث لا يجوز للمكلف الغاء هذا الشرط في الظهر في ذاته و كذا في العصر في حدّ ذاته و لهذا لو لم يكن هذا الشرط شرطا في الظهر فلا بدّ له من اتيان العصر مع هذا الشرط و لا يجوز له عمل يوجب عدم تمكنه بعد اتيان الظهر من عدم اتيان العصر مع القبلة ففي المورد بعد ما لا يمكن للمكلف حفظ هذا الشرط في كل من الظهر و العصر و بعد كون كل منهما في عرض واحد بالنسبة إلى هذا الشرط و ان كان احدهما مترتبا على الآخر و بعد عدم كون المكلف قادرا إلا على حفظ شرط القبلة في احدهما فقط لأنّ الوقت لم يسع لازيد من ذلك فله قدرة لا يمكن صرفها إلا في احدها فبعد عدم ترجيح في احدهما على الآخر فيحكم العقل بكون المكلف مخيرا بين ان يأتي الظهر إلى اربع جهات حتّى كان الآتي بها مع القبلة و يرد النقص في العصر و بين عكس ذلك.

اقول انّه و لو فرض كون الأمر كذلك اعنى كان العصر بالنسبة إلى شرط القبلة بعد دخول الوقت مثل الظهر اعنى يكون الواجب عليه فعلا اتيانها مع القبلة و لو لم يأت بعد بالظهر و كان بحيث لا يجب تفويت شرطه في حدّ ذاته و كان نظير واجب المعلق و لكن مع ذلك بعد كون المكلف به أوّلا الظهر بحيث ان هذا الزمان ظرف اتيانه و بعد ذلك يكون طرف اتيان العصر فعلى هذا يكون في هذا الظرف مأمورا باتيان الظهر و على الفرض يكون قادرا على ان يأتي بها مع الشرط فلا بدّ من اتيانها إلى القبلة فإذا اتى بمحتملات الظهر فيصل ظرف اتيان العصر ففي هذا

177

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

178

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

179

الفرع السادس:

من لم يتمكن إلا من الصّلاة إلى اربع جهات لضيق الوقت، و لم يصل الظهر و لا العصر، فهل يجب ان يصلّي إلى اربع جهات بقصد الظهر أو بقصد العصر، أو يجب اتيان ثلاثة منها إلى ثلاث جهات بقصد الظهر، و واحدة منها إلى أي جهة شاء بقصد العصر.

اعلم انّه بعد ما قلنا من ان القدر المتيقن من اختصاص آخر الوقت بالعصر‌

____________

الظرف بعد ما يرى عدم تمكنه من الصّلاة إلى اربع جوانب و عدم قدرته على حفظ الشرط فيسقط شرطيته الشرط فعدم صرف القدرة في العصر ليس إلا من باب انّه بعد صرف قدرته في الظهر لم تصل النوبة إلى العصر و لم يبق له زمينة يمكن معها حفظ الشرط و هو و ان كان متمكنا من عدم صرف القدرة في الظهر حتّى يكون متمكنا من صرف القدرة في العصر و لكن بعد كونهما طوليا فالعقل لا يحكم في هذا المورد بالتخيير بل يحكم بتقديم الظهر و اتيانها مع الشرط لتقدم ظرف وجوده على العصر و صرف القدرة في حفظ الشرط للظهر و اتيان جميع محتملاتها و ورود النقص على العصر (خصوصا مع ما افاد سيدنا الأستاذ مد ظله في مطاوي كلماته المتقدمة في الفرع السابق من ان المكلف مأمور بإتيان الطبيعة في ما بين الحدين ففي كل آن يكون بصدد اتيانها فيرى نفسه بانّها مورد أي فرد من افراد الطبيعة فيأتي بهذا الفرد منها ففي المقام من لم يأت بالظهر و لا يكون متمكنا من اتيان جميع محتملات الظهر و العصر لضيق الوقت و لم نقل بكون ازيد من مقدار اربع ركعات من آخر الوقت مختصا بالعصر ففي هذا الوقت المشترك يكون هذا المكلف بالنسبة إلى الظهر مأمورا باتيان اربع صلات لانه مورد هذا الفرد من الطبيعة و على الفرض يكون قادرا على ذلك و إذا فرغ من الظهر و وصل ظرف اتيان العصر فهو يرى انّه مورد فرد آخر منها أما صلاة واحدة فيصلى حيث يشاء أو صلاتين أو صلوات ثلاث فيجب عليه ذلك لاجل ما قلنا من لزوم موافقة الاحتمالية بهذا النحو هذا حاصل ما افاده مد ظله في هذا المقام و لبعض آخر من الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) في دوران الأمر بين فقط التيام في بعض الاجزاء دون بعض الآخر و انه لا بدّ من صرف القدرة على جزء المقدم أو يكون ضميرا كلمات من أراد فليراجع. (المقرر)

180

هو مقدار اداء اربع ركعات فقط، و يكون باقي الوقت بعد مضى مقدار اربع ركعات من اوّل الزوال مشتركا بين الظهر و العصر، ففي الفرض بعد بقاء الوقت بقدر اتيان اربع صلوات، فكما قلنا في الفرع السابق من وجوب حفظ الشرط من جانب الظهر، لان الآن ظرف اتيانه و هو متمكن من حفظ الشرط، و بعد ما قلنا من وجوب موافقة الاحتمالية بقدر الامكان و انّه لو لم يتمكّن الشخص من اتيان الصّلاة إلى أي جهات، و تحصيل موافقة القطعية، فيجب موافقة الاحتماليّة بهذا النحو، اعنى باتيان الظهر إلى ثلاث جهات، و بعد اتيانها كذلك فلا يبقى على الفرض إلا مقدار اداء اربع ركعات من الوقت، فيجب اتيان صلاة العصر في هذا الوقت، و حيث لم يدر اين وجه القبلة، فيكون تكليفه اتيان العصر إلى أي جهة شاء لدلالة الرواية على ذلك، فافهم.

الفرع السابع:

من كان تكليفه الصّلاة إلى اربع جهات، فصلّى إلى جهة أو جهتين أو ثلاث جهات، فعلم اجمالا أو تفصيلا بوقوع أحدى منها إلى جهة الكعبة، فلا اشكال في الاكتفاء بذلك و عدم وجوب الاعادة إلى الجهة الّتي كانت إلى الكعبة، لأنّ المطلوب ليس إلا وقوع صلاته إلى القبلة، و قد أتى بمطلوب المولى، و لا يلزم ان يكون عالما حين العمل بكون صلاته إلى القبلة، و لذا يكفي الامتثال الإجمالي و الصّلاة إلى اربع جوانب كي يعلم ان بهذا النحو صلّى إلى القبلة، و في الفرض صلّى إلى القبلة فلا حاجة إلى اعادة الصّلاة ثانيا إلى القبلة، كما لا يجب بعد ذلك اتيان ما بقي من المحتملات، فلا يجب في الفرض مع فرض وقوع صلاته إلى القبلة ان يأتي بثلاث صلوات بعد فرض اتيانه بصلوة إلى جهة، و علمه بعد ذلك بكون صلاته إلى القبلة أو إلى جهتين بعد صلاته إلى جهتين، و علم بكون أحدى منها المعينة أو غير‌

181

المعين إلى القبلة أو إلى جهة في ما إذا صلى إلى جهات ثلاث و علم بوقوع احدى منها إلى القبلة، لأنّ الزام المكلف بالصّلاة إلى أربع جهات كان من باب حكم العقل، حتى يعلم بامتثال التكليف المتعلّق بالصّلاة إلى القبلة، و بعد علمه بامتثال التكليف، و وقوع صلاته إلى القبلة، فلا يجب إتيان بقية المحتملات إلى باقي الجهات الأربع.

و مرسلة الصّدوق و الكليني لا يستفاد منهما أن في المورد كان اعمال تعبّد من الشارع بل ليس مفادهما إلا مفاد حكم العقل بوجوب الموافقة القطعيّة، فلا يمكن أن يقال: انّ ظاهرهما هو الصّلاة إلى أربع جوانب، و لو علم في الأثناء بوقوع ما أتى من أربع صلوات إلى القبلة، فافهم.

كما أنّه لو اتى ببعض من المحتملات أعنى: ببعض جهات الأربعة و علم بعدم كونها جهة الكعبة، فيجب اتيان الصّلاة إلى باقي الجهات حتّى يعلم بوقوع صلاته إلى جهة الكعبة، لأنّ الميزان هو حصول الامتثال و لا يحصل الامتثال القطعي إلا بذلك بحكم العقل.

الفرع الثامن:

هل يجب على من يكون متحيرا في ساير الصلوات الواجبة الاتيان إلى أربع جهات، مثلا إذا ظهرت آية موجبة لصلاة الآيات، و كان متحيرا في القبلة، يجب عليه أن يصلّي صلاة الآيات إلى أربع جهات أولا يجب ذلك، بل يسقط عنه التوجّه إلى القبلة في هذا الحال، فيصلّي حيث يشاء.

اعلم انّه بعد اعتبار القبلة في الصلوات الواجبة، فيجب حال التحير حفظ القبلة و امتثال الاجمالي، و هو لا يحصل إلا بالصّلاة إلى أربع جوانب، فيكون حال ساير الصلوات حال صلاة اليومية في هذا الحال.

نعم، قيل بعدم وجوب الصّلاة إلى أربع جوانب في صلاة الميت، و ليس وجهه‌

182

إلا أن يقال: بأن الدليل الدال على الصّلاة إلى أربع جوانب ليس له إطلاق يشمل حتى صلاة الميت، و تكون الروايتان الدالتان على ذلك في مقام اعمال التعبد لا ما يحكم العقل من حفظ الأطراف لتحصيل موافقة المعلوم بالاجمال، و يقال بعد ذلك: بأنّه لا يجب موافقة القطعية في العلم الاجمالي، و الّا فلو كان للدليل إطلاق أو قلنا بوجوب موافقة القطعية في العلم الاجمالي، فلا يتم هذا الكلام.

و بعد ما قلنا من أن مدلول الروايتين ليس إلا الارشاد بما يحكم به العقل، من أنّه بعد وجوب وقوع الصّلاة إلى القبلة، و عدم طريق إلى تحصيل القبلة، فيحكم العقل بوجوب إتيان أربع صلوات إلى أربع جهات، حتّى يعلم بامتثال التكليف الاجمالي، اعنى وجوب الصّلاة إلى القبلة المتردد أمرها بين أربع جوانب، فليس لهذا الكلام أعنى: الاشكال في صلاة الميت وجه، بل يجب مع التحير في جهة القبلة من أربع صلوات بالميت كي يعلم بامتثال التكليف، كما أنّه يكون الأمر كذلك في ساير الصلوات الواجبة.

نعم يمكن ان يقال في خصوص صلاة العيدين، و صلاة الجمعة بانّه مع التحير يجزي اتيان صلاة واحدة إلى أي جهة شاء، لانه بعد كون هذه الصلوات وضعها على اجتماع الناس، و بمقتضى السياسة الدينية و حضور الإمام أو من نصبه الإمام و عظمتها في الخارج، فبحسب وضعها منافية من إتيانها إلى أربع جهات، فلا يبعد الاكتفاء بصلوة واحدة إلى جهة واحدة، و لكن لم نقل بذلك مسلما، و لا نجزم بذلك، بل كان إبداء احتمال في المسألة.

الفرع التاسع:

هل يجري ما قلنا في المتحيّر من الاحتياط في اربع جوانب في قضاء الأجزاء المنسية، و سجدتي السهو، بمعنى وجوب إتيانهما في صورة التحير إلى‌

183

أربع جهات أم لا يجري؟

فإن قلنا بالاول، فإن نسى التشهّد مثلا، و لم يدر أين وجه القبلة، يجب عليه أربع تشهدات إلى أربع جهات، و إذا حصل له موجب سجود السهو و لم يدر وجه القبلة، يجب عليه تكرار سجود السهو إلى أربع جهات.

و ان قلنا بالثاني، فلا يجب إلا تشهد واحد أو سجدتي السهو مرة إلى أي جهة شاء.

أعلم أن اعتبار القبلة في الأجزاء المنسية و كذا في سجدتي السهو مسلم، فيجب حالهما التوجّه إلى القبلة، سواء نقول بكون أجزاء المنسية جزء للصّلاة، غاية الأمر محلّها في هذه الصورة بعد الصّلاة، أو قلنا بكونها مثل سجدتي السهو واجبات مستقلة، لأنّ المنساق من أدلتهما اعتبار ما يعتبر في الصّلاة من الشرائط فيهما و منافات منافيات الصّلاة فيهما، إنما الكلام في المقام يكون هنا في جهات:

[في ذكر بعض الجهات في المقام]

الجهة الأولى: هل يفرض صورة في الأجزاء المنسية كان الواجب فيها إتيانها إلى أربع جهات أم لا؟

الجهة الثانية: في انّه بعد فرض ذلك، و عدم وجود ما يمنع عن الاتيان بأربع جوانب، هل يجب فيها الاحتياط أم لا يجب ذلك؟

الجهة الثالثة: على تقدير وجوب الاحتياط، هل يجب الاحتياط باتيانها إلى أربع جهات، أو اقل من ذلك؟

الجهة الرابعة: بعد كون الفصل باحد المنافيات مضرّا بينها و بين الصّلاة، فما هو التكليف و ما يصنع المكلف؟

184

[الكلام في الجهة الاولى و الثانية]

أما الكلام في الجهة الأولى: فاعلم أنّه إن قلنا بأنّ قضاء أجزاء المنسية تكون واجبات مستقلة المشروعة عند نسيان هذه الاجزاء، و لم تكن جزء للصّلاة، فلا إشكال في انّه يفرض صورة في الأجزاء المنسية يكون الشخص متحيرا فيها في القبلة، لأنه بعد كونها واجبات مستقلة و غير مربوطة بالصّلاة، فلا يضرّ الفصل بالمنافيات بينها و بين الصّلاة، فعلى هذا يمكن فرض صورة كان الشخص متحيرا في القبلة فيها، مثلا صلّى صلاته ثمّ خرج عن موضع صلّى صلاته، و بلغ إلى محل لم يدر أين وجه القبلة، فتوجه بأنّه نسي تشهدا من هذه الصّلاة أو سجودا منها، فيجب عليه إتيانه مع القبلة، و حيث لم يدر وجه القبلة فيجب بمقتضى العلم الاجمالى و تحيره أن يتشهّد أو يسجد إلى أربع جهات حتّى يعلم باتيان التشهّد أو السجدة إلى القبلة الواقعية.

و إن قلنا بكونها جزء للصّلاة، غاية الأمر تغير محلّها و إلّا فهي جزء لها، فلازم ذلك مضرية المنافيات بينها و بين الصّلاة حتّى تصير قابلة لصيرورتها جزء للصّلاة، فكما أن وقوع المنافيات مضرا إذا حصلت بين أجزاء و موجبا لبطلانها، و عدم قابلية ضم اللاحق بالسابق، كذلك بين الصّلاة و بين أجزاء المنسيّة، فيشكل الأمر، و لا يمكن فرض صورة كان التكليف فيها إتيان أجزاء المنسية إلى أربع جهات.

الكلام في الجهة الثانية: إن قلنا بعدم كون المنافي مضرّا بينها و بين الصّلاة، فيمكن فرض صورة وجوب الاحتياط في الأجزاء المنسية (1) فلا بدّ له من‌

____________

(1)- أقول: فرضت صورة في المجلس البحث و أعطف سيدنا الأستاذ مدّ ظله عنان الكلام

إلى تنقيحه و هو أنّه قلت: إذا صلّى المتحيّر إلى أربع جهات لوجوب الاحتياط عليه فبعد تماميّة أربع صلوات علم اجمالا بنسيان تشهّد أو سجدة من أحدى هذه الصلوات الأربع فيجب عليه بحكم العقل الاحتياط في التشهّد أو في السجدة حتّى يقطع بموافقة أمر المولى بقضاء التشهّد أو السجدة لأنّه يعد علمه بنسيان التشهّد في أحدى صلواته الأربعة المأتي بها، فهو يعلم بوجوب تشهد عليه و لا إشكال في وجوب وقوع التشهّد إلى القبلة فلا بدّ بمقتضى العلم الاجمالي بهذا التكليف الاحتياط و يأتي الكلام في ما تكون مقتضى الاحتياط و استرضاه مدّ ظله و نقحه و قال: هل نقول هكذا أو نقول: بأنّه بعد ما يعلم بأنّ أحدى من هذه الصلوات كانت واقعة إلى القبلة احدا من هذه الجهات الأربعة الّتي صلّى إليها كانت فيها القبلة فهو فعلا لا يدري بأنّ هذا التشهّد نقص من هذه الصّلاة الواقعة واقعا إلى القبلة أو من أحدى من صلوات ثلاثة اخر فمقتضى قاعده الفراغ في هذه الصّلاة الواقعة الى القبلة هو تماميتها فيها، فلا يجب عليه قضاء التّشهد لامكان كون التشهّد الناقص من غيرها أعنى: من أحدى من الثلاثة الآخر و ان كان من أحدى منها فلا يجب قضاء تشهدها، لأنّ الصّلاة الواقعة إلى القبلة إن كان مع التشهّد فلا يضرّ عدم تشهد أحدى منها، لأنّ وجوب هذه الثلاثة كان بحكم العقل و من باب المقدمية.

و لكن مع ذلك قال: بأنّ الحقّ الأوّل و وجوب الاحتياط لأنّ بعد علم الاجمالي بنسيان التشهد من أحدى من أربع صلوات فيحكم العقل بأنّ ما هو معلوم و إن كان مرددا في الاطراف يجب حفظه فأن فرض كون المعلوم بالاجمال منطبقا على الصّلاة الواقعة إلى القبلة واقعا، فكانت بلا تشهّد و يصحّ للمولى العقاب و ليس حكم العقل في الأطراف المعلوم بالاجمالي إلّا هذا الحكم التعليقي و هو أنّه على فرض كون المعلوم في أحد الأطراف و تعمل فى أحد الاطراف ما يفوت مطلوب المولى المعلوم بالاجمال يصح له أن يعاقب العبد فكذلك في المقام و بعد العلم الاجمالي لا تجري قاعدة الفراغ سواء كانت أصلا أو أمارة لأنّه لا مجال لاجراء الاصل أو الامارة على خلاف العلم و لا فرق في العلم بين الإجمالي و التفصيليّ.

و كما أنّه يمكن أن يقال بأنّه لو أخذنا بالتعليل أعنى: قوله (لانّه حين العمل اذكر) في قاعدة الفراغ فلا تجري لأنّه لا يمكن له أن يدعي نفسه أنّه كان أذكر أو بأن نقول: بعدم إطلاق لها

185

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

186

الاحتياط، كما أن الأمر يكون هكذا لو صلّى إلى أربع جهات، و علم ينقص ركن من أركان الصلوات الأربعة عمدا أو سهوا أو ترك جزء غير ركني عمدا من أحدى منها فيجب بحكم العقل تجديدها، أعنى: اتيان اربع صلوات مجددا، لأنّ العقل يحكم بذلك، فعلى هذا إن فرض عدم مضرّيّة وجود المنافي بين الصّلاة و بين اجزاء المنسية، فيمكن فرض صورة كان الواجب الاحتياط في الاجزاء المنسية باتيانها بعد الصّلاة أزيد من مرّة واحدة بنحو تحصل الاحتياط.

الكلام في الجهة الثالثة:

بعد ما قلنا بوجوب الاحتياط فرضا، فكيف طريق الاحتياط بحكم العقل، فهل يجب اتيان تشهدات أربعة أو سجدات أربعة، أو يكتفي في الفرض المذكور بأقل من ذلك؟

لا إشكال في انّه بعد كون الواجب في التشهّد المنسي، أو السجدة المنسيّة، التوجّه إلى القبلة، فهو في الفرض يعلم بوجوب قضاء تشهّد أو سجدة عليه، و لا يعلم أين وجه القبلة، فيجب إتيانه إلى أربع جهات مثل المتحيّر في أصل الصّلاة، لأنّ هذا مقتضى تنجيز العلم الإجمالي، فإذا تشهّد أو سجد إلى أربع جهات يعلم‌

____________

تجري حتّى مع العلم الاجمالي.

(أو بأن يقال: ان قاعدة الفراغ في كل من أربع صلوات معارضة مع الأخرى و لا يمكن أن يقال: بان قاعدة الفراغ تجري فقط في أحدى من هذه الصلوات الأربعة و هي الصّلاة الواقعة إلى القبلة واقعا لا غيرها، لأنّه لا اشكال في أجزائها في كل منها مثلا لو صلّى هذا المتحير الواجب عليه بحكم العقل أربع صلوات إلى أربع جهات إلى جهة شك بعد إتمامها بأنّه هل زاد في صلواته أو نقص منها، فتجري قاعدة الفراغ و ببركتها يكتفي و يصلّي إلى باقي الجهات و بعد ذلك فبعد العلم الاجمالي لا يمكن له إجراء القاعدة في كل من الأربعة و الحكم بإتيان تشهّداتها، لأنه يعلم بعدم إتيان تشهّد أحدى منها. (المقرر).

187

بامتثال الأمر المتوجّه إليه بقضائه.

الكلام في الجهة الرابعة:

بعد ما فرض كون الفصل بأحد المنافيات مضرا إذا وقعت بينها و بين الصّلاة ما لا يكون بعيدا بل هو الأقرب فعلى هذا لا يمكن للمصلّى الإتيان بجزء المنسى إلى الأربع لتحصيل إبراء الذمّة، لأنّه لو كان جزء المنسىّ من أجزاء أحد الصلوات الثلاثة الّتي أتى بها إلى جهات ثلاثة قبل صلاة الرابعة الّتي صلّاها الى جهة رابعة، فقد وقع المنافي بين جزء المنسى و بين الصّلاة نسى منها هذا الجزء، لأنّ كل صلاة وقعت بعد الصّلاة الّتي نسى جزئها، فهي من المنافيات.

فعلى هذا بعد عدم علم بأنّ التشهّد المنسي أو السجدة المنسية، نسى من أي صلاة من هذه الصلوات الأربع، فهو لا يدري بأن هذا الجزء، الّذي يقضيها وقع بعد الصّلاة الّتي نسى عنها هذا الجزء أو فصل المنافي بينهما، فلا يمكن له تحصيل البراءة بصرف اتيان التشهّد أو السجدة إلى أربع جهات كما انّه إذا أتى بأربع تشهدات أو أربع سجدات إلى أربع جهات قضاء فإن كان التشهّد أو السجدة المنسية من الأخيرة من الصلوات الأربع، و أتى بالتشهد أو بالسجدة المنسية إلى الجهة صلّى هذه الصّلاة، فلم يتخلل المنافي بين الصّلاة و بين الجزء المنسي، و لكن بعد ما لا يدري بكون ما نقص من هذه الصّلاة لاحتمال ورود النقص إلى أحد الصلوات الثلاثة، الواقعة إلى الجهات الثلاثة فهو يحتمل وقوع التشهّد الواقع إلى الجهة صلّى الصّلاة الأخيرة متخللا بين الجزء المنسي و الصّلاة الّتي نسى جزئها، فعلى هذا لا يمكن له إتيان الجزء المنسي متصلة بالصّلاة الّتي نسى هذا الجزء منها بحيث لم يقع بينهما فصل بأحد المنافيات.

188

فالمكلف فى هذا المورد يعلم بعدم أثر في إتيان التشهّد أو السجدة إلى أربع جهات، فلا معنى للعمل بهذا النحو، لأنّ الغرض من إتيانهما إلى أربع جهات هو قضاء ما نسى منه واقعا في أحد صلواته الأربعة، بأنّه إذا أتى بهما إلى أربع جهات فأتى بما نسى منه في صلواته، فإن كان المنسي من الأولى فأتى به إلى الجهة الواقعة فيه صلاته الأولى و هكذا، و بعد كون تخلل المنافي مضرّا فهو يعلم بأن بهذا العلم أعنى:

الاتيان إلى أربع جهات، لا يمكن له تحصيل الموافقة القطعية، لأنّه لو كان المنسي في أحد من الصلوات الأربعة غير الأخيرة أعنى: الصّلاة الرابعة، و أتى بالتشهد أو السجدة أولا إلى الجهة الواقعة إليها الرابعة، فاتيان التشهّد أو السجدة إلى الجهات الأخرى لا ينفع لتحصيل الموافقة القطعية، لأنه وقع المنافي بين الصّلاة و بين الجزء المنسيّ في هذه الصورة، فهو لا يتمكّن من تحصيل الموافقة القطعيّة بهذا النحو.

[مع تحلل المنافى بين الجزء المنسي و الصّلاة لا يمكن له الاحتياط]

و بعد ذلك فلا بدّ من الاحتياط بنحو آخر، و هو ما ينبغي أن يبحث عنه في هذه الجهة أعنى: الجهة الرابعة من الجهات الأربعة الّتي قلنا بوقوع الكلام في هذه الجهات.

فإذا نقول في هذا المقام: بأنّه بعد كون تخلّل المنافي بين الصّلاة و الجزء المنسي مضرّا، فكما قلنا لا يمكن تحصيل الموافقة القطعية بالإتيان بالجزء المنسي إلى أربع جهات بل لا بدّ له من الاحتياط بنحو آخر، ففي الفرض بعد ما كان تكليفه إلى أربع جوانب، و بعد فرض إتيان الصلاة إلى أربع جوانب، و بعد فرض العلم الاجمالي بنسيان تشهد أو سجدة من أحدى من هذه الصلوات، و بعد عدم إمكان موافقة القطعية باتيان جزء المنسي إلى أربع جهات، فهو يعلم فعلا إما بوجوب قضاء الجزء المنسي عليه، لاحتمال كون المنسي من الصّلاة الواقعة أخيرا من الصلوات الأربعة‌

189

التي يمكن إتيان جزئها المنسي بدون وقوع المنافي، و إما بوجوب إتيان أصل الصّلاة عليه، لاحتمال كون المنسي من غير الأخيرة، و لهذا حصل الفصل، فلا بدّ من إعادة أصل الصّلاة، و حيث إن القبلة غير معلوم فيجب الاحتياط بتكرار الصّلاة مكررا.

[في ذكر طريق الاحتياط]

و طريق الاحتياط على هذا على الفرض يحصل باتيان الجزء المنسي أولا إلى الجهة الّتي صلّى الصّلاة الأخيرة إليها، ثمّ اتيان صلوات ثلاثة إلى جهات ثلاثة اخر غير هذه الجهة، لأنّه إما نسى التشهّد أو السجدة من الصّلاة الأخيرة من أربع صلوات، أو من غيرها، فإن كان منها فإذا تشهد أو سجد بعدها إلى الجهة الّتي وقعت الأخيرة إليها، فقد أتى بالمكلف به، و حصلت الموافقة القطعيّة، و ان كان المنسيّ من غيرها أعنى: من أحدى من ثلاثة صلوات اخر، فلا يمكن له قضاء الجزء المنسيّ بلا فصل بينه و بين الصّلاة الّتي نسى منه هذا الجزء، لفصل الصّلاة الأخيرة أقلا بينها و بين الجزء المنسي، فلا بدّ من إعادة أصل الصّلاة، و إذا أتى بثلاث صلوات إلى جوانب ثلاثة بعد إتيان الجزء المنسي إلى الجهة الّتي صلّى الصّلاة الأخيرة إليها، فهو يعلم بامتثال التكليف للصّلاة، لأنّ القبلة إما في الجهة الّتي صلّى الصّلاة الأخيرة إليها، فهو صلّى إلى القبلة، و على الفرض لو كان المنسي منها فقد أتى بجزء المنسي بلا فصل بعدها، و إن كانت القبلة إلى أحدى من الجهات الثلاثة الاخر، فحيث لم يتمكن من قضاء الجزء المنسي إن كان المنسي من أحدى منها لحصول المنافي بينها و بين الجزء المنسي، فلا بدّ من إعادة أصل الصّلاة، و حيث لم يدر وجه القبلة، فهو لو إلى جهات ثلاثة بعد الصّلاة الرابعة و بعد قضاء الجزء المنسيّ، فهو يعلم بوقوع صلاة صحيحة منها إلى القبلة، لأنّه على هذا صلّى إلى أربع جهات كما هو حقّه.

فبهذا النحو يحصل احتياط في المقام، فافهم، فظهر لك ممّا مرّ حال المسألة و جهاتها بحمد اللّه و الحمد للّه أولا و آخرا و صلّى اللّه على رسوله و آهل و اللعن على‌

190

أعدائهم.

[الكلام في الخلل في القبلة]

الجهة الثالثة: في الخلل و يقع الكلام فيه في طي مطالب:

المطلب الأول: يقع الكلام في حكم ما إذا صلّى إلى جهة، ثمّ تبيّن خطائه و عدم كون القبلة فى هذه الجهة، فلا بدّ أوّلا من ذكر أخبار الواردة في الباب، ثمّ بيان ما يستفاد منها، و بيان حكم المسألة، فنقول بعونه تعالى: إن الأخبار الواردة في المقام على طوائف:

الطائفة الأولى: ما تدلّ بظاهرها في حدّ ذاتها على وجوب استقبال القبلة فيما إذا تبيّن له كونها على غير القبلة في أثنائها، لما بقي من صلاته، و أمّا إذا فرغ من صلاته، و تبيّن كون صلاته على غير القبلة فلا يعيدها، و هي رواية القاسم بن الوليد (قال: سألته عن رجل تبين له و هو في الصّلاة أنّه على غير القبلة، قال: يستقبلها إذا أثبت ذلك، و ان كان فرغ منها فلا يعيدها.) (1)

و هذه الرواية مضمرة، لأنّ القاسم لم يعيّن ممّن يروي، و قال فقط (سألته) مضافا إلى أنّه لم يذكر في الرجال شي‌ء في حق القاسم إلا أنهم قالوا: له كتاب، و تدلّ بظاهرها على ما قلنا، غاية الأمر ينبغي التكلم فيها في بعض جهات اخر، و هو في أنّ الرواية هل تدلّ على كون الدخول في الصّلاة مع التحرّي عن القبلة، و قام في الصّلاة إلى الجهة الّتي توجه نحوها بمقتضى اجتهاده.

أو كان عالما بكون القبلة إلى الجهة الّتي توجّه نحوها و تبين بعدا خطائها.

أو كان ساهيا أو ناسيا عن القبلة اصلا، أو كان للرواية إطلاق يشمل كل‌

____________

(1)- الرواية 3 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

191

الصور، و تدلّ على أنّ من توجه بجهة بأيّ نحو كان، ثمّ ثبت كون القبلة في غير هذه الجهة، فإن كان التبين في أثناء الصّلاة يستقبلها، و ان كان بعد الفراغ فلا يعيدها.

و أيضا هل تدلّ الرواية على عدم الإعادة في الوقت و القضاء فى خارجه إذا تبين بعد الفراغ من الصّلاة، بمعنى أن لها إطلاق يشمل كل من الوقت و خارجه.

أو تدلّ على عدم الوجوب إن كان في خارج الوقت، و أمّا في الوقت فلا ظهور لها معتدّ به.

و أيضا هل تدلّ الرواية على أن الحكم المذكور ثابت حتّى في ما إذا تبين كون الخروج عن القبلة بالغا حدّ اليمين و اليسار او أكثر من ذلك، مثل ما كان مستدبرا للقبلة، أو ليس لها اطلاق يشمل مطلق تبين الخروج من القبلة، بل لا يدلّ إلا على عدم وجوب الاعادة في ما إذا كان الانحراف إلى ما بين اليمين و اليسار، و لم يبلغ بهذا الحدّ اعنى: حدّ اليمين و اليسار، فهذه جهات لا بد من التكلم فيها.

[الكلام في الجهات المختلفة في الطائفة الثانية من الروايات]

الطائفة الثانية: ما تدلّ بظاهرها على وجوب إعادة الصّلاة في صورة تبين كونها على غير القبلة، و هي ما رواها معمر بن يحيى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلّى على غير القبلة، ثمّ تبينت القبلة و قد دخل وقت صلاة اخرى، قال:

يعيدها قبل أن يصلّي هذه الّتي قد دخل وقتها) (1) الحديث. (و نقل العامة معمرا مخففا، و في رجال أصحابنا معمر مشددا). (2)

و تدلّ الرواية على وجوب الاعادة بعد الصّلاة لمن تبين له وقوع صلاته على‌

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 9 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- و قد نقل سيدنا الأستاذ مد ظله في أطراف شخصيته و ما روى عنه العامة مطالب مفيدة.

(المقرر)

192

غير القبلة غاية الأمر يقع الكلام في الرواية أيضا في جهات:

الاولى في أنّه هل تدلّ على مطلق من صلّى على غير القبلة سواء كان دخوله في الصّلاة إلى الجهة الّتي توجهه نحوها، ثمّ انكشف عدم كونها القبلة، من باب العلم بذلك، أو التحرى و الاجتهاد، أو السهو في القبلة، أو نسيانها، أو يختص بصورة التحري فقط، او مع العلم، و لا تشمل السهو و النسيان.

الثانية في أنّها هل تدلّ على خصوص صورة كونه مستدبر القبلة ثمّ انكشف له ذلك، أو على مطلق كونه على غير القبلة، و إن كان مقبلا إلى يمين القبلة أو يسارها.

الثالثة في أنّها هل تدلّ على وجوب الإعادة في الوقت و خارجه، بل لها خصوصية في ذلك بقرينة قوله (و قد دخل وقت صلاة اخرى) لأنّ ذلك قرينة على مضى الوقت و دخول وقت صلاة اخرى، أو تدلّ على وجوب الاعادة في خصوص ما إذا انكشف كونه على غير القبلة في الوقت، و امّا بعد الوقت فلا ظهور لها يشمل بعد الوقت، و كان قوله (و قد دخل وقت صلاة اخرى) يعني دخل وقت صلاة العصر إن كان ما صلّى على غير القبلة الظهر، أو العشاء إن كان ما صلّى غير القبلة المغرب، فالمراد بدخول وقت صلاة اخرى، هو دخول وقت صلاة مترتبة عليها، و إن كان الوقت مشتركا بينهما، فهذه جهات يأتي الكلام فيها في طى كلامنا.

الطائفة الثالثة: ما قال الشّيخ (رحمه اللّه) في النهاية، قال: قد رويت رواية أن من صلّى إلى استدبار القبلة، ثمّ علم بعد خروج الوقت وجب عليه إعادة الصّلاة، و هذا هو الاحوط و عليه العمل انتهى (1)، و هي تدلّ على أن من صلّى إلى دبر القبلة يجب‌

____________

(1)- النهاية، ص 64.

193

عليه إعادة الصّلاة بعد خروج الوقت.) (1)

و احتمال كون نظر الشّيخ (رحمه اللّه) من الرواية الّتي رويت إلى رواية معمّر المتقدمة ذكرها، و أنّه استظهر منها وجوب الإعادة حتّى في خارج الوقت، و لهذا قال رويت رواية بعيد، لأنّ رواية (2) معمر ليس فيها كون وقوع صلاته مستدبر القبلة و الحال أنّه (رحمه اللّه) قال رويت رواية على أنّ من صلّى إلى استدبار القبلة، ثمّ علم بعد خروج الوقت وجب عليه إعادة الصّلاة الخ، فعلى هذا هي أيضا رواية في الباب.

الطائفة الرابعة: ما تدلّ على عدم وجوب الاعادة على من صلّى على غير القبلة في صورة التحرّي، و هي ما رواها الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (ثمّ في الاعمى يؤمّ القوم و هو على غير القبلة قال: يعيد، و لا يعيدون فانّهم قد تحروا.) (3)

و قد يستشكل في الرواية نظرا إلى أنّه ما الفرق بين الأعمى و غيره، حتّى تجب الاعادة عليه دون غيره، لأنّ الاعمى أيضا دخل في الصّلاة حتما بعد السؤال و الفحص عن القبلة، فدخل فيها بعد التحري و الاجتهاد مثل القوم فما الفرق بينه و بينهم حتّى يقال: يعيد و لا يعيدون، معللا بأنّهم قد تحرّوا، فهذا سبب لو هن الرواية. (4)

____________

(1)- الرواية 10 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 5 من الباب 9 من أبواب القبلة من الوسائل.

(3)- الرواية 7 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

(4)- أقول: قلت في مجلس البحث بعد ما أفاد مدّ ظله ما تقدم: بأنّه بعد صراحة قول الإمام (عليه السلام) في عدم وجوب الاعادة على القوم، لأنّهم قد تحرّوا، فيمكن أن يكون المعلوم بين السائل و الامام (عليه السلام) بأن الاعمى دخل بغير التحري و لم ينقل تمام القضيّة في الرواية فبعد إمكان

194

و اعلم أن هذه الطوائف من شواذ الأخبار في هذا الباب، و العمدة في الباب‌

[ذكر الطائفة الخامسة من الروايات المربوطة بالمقام]

هي الطائفة الخامسة و السادسة من الروايات، فنقول:

أما الطائفة الخامسة: فهي ما يمكن أن يستفاد منها بحسب الظاهر في ذاتها، وجوب الإعادة إذا كان الخروج عن القبلة بالغا إلى المشرق و المغرب أو أزيد، و عدم وجوب الإعادة إذا لم يبلغ بهذا الحدّ، بل كان غير بالغ حدّ اليمين و الشمال أو المغرب و المشرق، و هي روايات:

الرواية الأولى: ما رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (أنه قال: لا صلاة إلا إلى القبلة قال: قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق و المغرب قبلة كله. قال:

قلت: فمن صلّى لغير القبلة، أو في يوم غيم في غير الوقت؟ قال: يعيد.) (1)

و ظاهر هذه الرواية تدلّ على أنّ الصّلاة الواقعة إلى غير القبلة ليست بصلوة، و أنّ القبلة حدّها ما بين المشرق و المغرب، و بعد ما قال (فمن صلّى لغير القبلة أو صلّى في يوم غيم في غير الوقت يعني: صلّى الصّلاة في غير وقته في يوم غيم، يعيد الصّلاة) يستفاد بأن الصّلاة الواقعة إلى المشرق و مغرب الكعبة أو أزيد من ذلك محتاجة إلى الاعادة، و امّا إذا لم يبلغ الانحراف عن القبلة إلى هذا الحدّ، بل كان ما بين المشرق و المغرب، فلم يصرح فيها بعدم وجوب الإعادة، و لكن يستفاد ذلك من قوله (عليه السلام) في جواب (أين حدّ القبلة) قال (ما بين المشرق و المغرب قبلة) لأنّه إذا كان ما بين‌

____________

ذلك لا وجه لرفع اليد عن ظاهر قوله (عليه السلام) من أن وجه عدم وجوب الإعادة على القوم كان من باب تحرّيهم، و وجوب الإعادة على الاعمى كان من باب عدم تحريه فسكت مدّ ظله و لم يقل شيئا و لعله استرتضى مدّ ظلّه ما قلت. (المقرر)

(1)- الرواية 2 من الباب 9 من أبواب القبلة من الوسائل.

195

المشرق و المغرب قبلة، فالصّلاة الواقعة ما بين المشرق و المغرب واجدة لشرط القبلة فلا تجب الإعادة، غاية الأمر كلام آخر هنا في أن ما بين المشرق هل هو قبلة مطلقا، أو لخصوص البعض الموارد:

الرواية الثانية: ما رواها معاوية بن عمار انّه سئل الصادق (عليه السلام) (عن الرجل يقوم في الصّلاة، ثمّ ينظر بعد ما فرغ فيرى انّه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا فقال: قد مضت صلاته، و ما بين المشرق و المغرب قبلة.) (1)

و هذه الرواية لا تدلّ إلّا على عدم وجوب الإعادة على من انحرف عن القبلة، و لم يبلغ إلى المشرق و المغرب أو أزيد، بل كان انحرافه أنقص من ذلك يعني:

بين المشرق و المغرب، و امّا بالنسبة إلى ما إذا كان الانحراف الى المشرق و المغرب أو اكثر، فالرواية غير دالة عليه (إلا على مبنى سيدنا الاستاد مد ظله في المفهوم فانّه يقول على هذا بأنّ قوله (ما بين المشرق و المغرب قبلة) له المفهوم بمعنى وجود الدليل على كون القبلة إلى هذا الحد، و عدم الدليل على أزيد من ذلك نعم، لو ورد الدليل على أزيد من ذلك لم يكن منافيا مع هذه الرواية).

الرواية الثالثة: ما رواها عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصّلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: إن كان متوجّها بين المشرق و المغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و إن كان متوجّها إلى دبر القبلة فليقطع الصّلاة، ثمّ يحول وجهه إلى القبلة، ثمّ يفتتح الصّلاة.) (2)

و هذه الرواية متعرضة لصورة كون توجه المصلي في ضمن الصّلاة، و أنه في‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 4 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

196

صورة كون الانحراف في ما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و هذا تدلّ على صحة ما مضى بهذا النحو من صلاته، و امّا إن كان الانحراف إلى دبر القبلة فما مضى من صلاته تقع فاسدة، و لا بدّ من قطع الصّلاة و اتيانها مجددا إلى القبلة، و لم تتعرض الرواية لصورة تبين الانحراف بعد الصّلاة، فليست مربوطة بمسألتنا إلا ان يقال: بأنّه لا فرق بين تمام الصّلاة و أبعاضها، فإذا لم يكن الانحراف بأزيد من بين المشرق و المغرب موجبا لبطلان بعض الصّلاة و إعادتها من رأس، فكذلك لا يوجب لبطلان تمام الصّلاة و إعادتها، و إذا كان الانحراف بحد المشرق و المغرب أو أكثر مضرا و موجبا لفساد بعض الصّلاة، فكذلك في كل الصّلاة لعدم الفرق بين بعض الصّلاة و تمامها فتامل.

الرواية الرابعة: ما رواها الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليه السلام): انّه كان يقول: من صلّى على غير القبلة و هو يرى انّه على القبلة، ثمّ عرف بعد ذلك فلا إعادة عليه إذا كان ما بين المشرق و المغرب.) (1)

و هذه الرواية تدلّ على عدم وجوب الاعادة إذا تبيّن بعد الصّلاة كونه منحرفا من القبلة و لكن إلى ما بين المشرق و المغرب لا أكثر من ذلك و تدلّ على وجوب الاعادة على الانحراف أكثر من ذلك بالمفهوم لقوله (إذا كان ما بين المشرق و المغرب).

[الطائفة السادسة من الروايات المربوطة بالمقام]

الطائفة السادسة: ما يمكن أن يستفاد منها الفرق في وجوب الاعادة بين الوقت و خارج الوقت إذا كان منحرفا عن القبلة و هي روايات:

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

197

[في ذكر بعض الروايات الواردة في المقام]

الرواية الاولى: ما رواها عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) (قال: إذا صليت و أنت على غير القبلة و استبان لك أنك صليت و انت على غير القبلة و أنت في وقت فأعد، و إن فاتك الوقت فلا تعد.) (1)

فهذه الرواية فرقت بين الوقت و خارجه في وجوب الاعادة و عدمها إذا تبين وقوع الصّلاة على غير القبلة.

الرواية الثانية: ما رواها يعقوب بن يقطين (قال: سألت عبدا صالحا عن رجل صلّى في يوم سحاب على غير القبلة، ثمّ طلعت الشّمس و هو في وقت أ يعيد الصّلاة إذا كان قد صلّى على غير القبلة و إن كان قد تحرى القبلة بجهده أ تجزيه صلاته؟ فقال: يعيد ما كان في وقت، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه.) (2)

الرواية الثالثة: ما رواها سليمان بن خالد (قال: قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيم فيصلّي لغير القبلة، ثمّ يضحي فيعلم انّه قد صلّى لغير القبلة كيف يصنع؟ قال: إن كان في وقت فليعد صلاته، و ان كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده.) (3)

الرواية الرابعة: الرواية 9 من هذا الباب بنقل الوسائل، و لم نتعرض للرواية 5 و 8 من هذا الباب لأنّ سندهما أيضا ينتهي إلى عبد الرحمن بن أبى عبد اللّه، و متن الروايتين و إن كان مختلفا في الجملة مع متن الرواية الأولى الّتي رواها عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه (عليه السلام) خصوصا الرواية 8، الّتي رواها الصّدوق (رحمه اللّه) لأنها‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 2 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

(3)- الرواية 6 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

198

متعرضة للسؤالين أحدهما عن الاعمى، و لكن مع ذلك من كان له تتبع في الروايات يدري بأن كلها ليست إلا رواية واحدة، غاية الأمر عبد الرحمن نقل ما وقع بينه و بين المعصوم (عليه السلام) على الاختلاف لا أن عبد الرحمن سئل عن المسألة ثلاث مرات، و على كل حال تدلّ كلها على التفصيل بين الوقت و خارجه في وجوب الاعادة و عدمها.

[قد يقال بالجمع بين الطائفة الخامسة و السادسة بالعموم و الخصوص من وجه]

و على كل حال قد يقال: بأن النسبة بين الطائفة الخامسة و بين الطائفة السادسة تكون عموما من وجه، لأنّ الطائفة الخامسة خاص من جهة و عام من جهة، خاص من جهة، ان الاعادة اوجبت فيها في خصوص ما إذا كان الانحراف بالغا حدّ المشرق و المغرب و أكثر، لأنها دلت على عدم وجوب الاعادة إذا كانت الانحراف أقل من ذلك، و دلت على وجوب الاعادة فيما إذا كان الانحراف بالغا المشرق و المغرب أو اكثر، و عام من جهة ان وجوب الاعادة فيها غير مختصّة بالوقت بل تعم الوقت و خارجه.

و الطائفة السادسة خاص من جهة و عام من جهة، خاص من جهة اختصاص الاعادة بما إذا كان تبين الانحراف في الوقت، و امّا إذا كان بعد الوقت فلا تجب الإعادة، و عام من جهة وجوب الاعادة في الوقت لمن انحرف عن القبلة سواء كان انحرافه بأقل من المشرق و المغرب أو بالمشرق و المغرب و اكثر.

فإذا كان كذلك فحيث انّه ما يرى من كلمات المشهور من القدماء هو أنهم فصّلوا بين ما إذا كان تبين الانحراف في الوقت فتجب إعادة الصّلاة، و بين ما إذا كان تبيّن الانحراف في خارج الوقت فلا تجب الاعادة، فيؤخذ بالطائفة السادسة من الأخبار و يقيد بها الأخبار الطائفة الخامسة في مورد التعارض، و تكون النتيجة هو‌

199

وجوب الاعادة مطلقا حتّى في ما إذا لم يكن الانحراف بالغا حدّ المشرق و المغرب.

و هذا النحو من التوجيه فى مقام رفع التعارض بين الطائفتين من الروايات، هو ما اختاره صاحب الحدائق (رحمه اللّه)، و لكن ليس كلامه في محلّه، و ليس هذا هو الجمع بين الطائفتين من الروايات، بل هذا يوجب طرح الطائفة الخامسة من الروايات، لأن بين الطائفة الخامسة و السادسة لم تكن منافات و معارضة في بعض الجهات، مقتضى كل من الطائفتين عدم وجوب الاعادة في خارج الوقت بالنسبة إلى من انحرف عن القبلة، في صلاته بمقدار لم يبلغ المشرق و مغرب القبلة، لأنّ الطائفة الخامسة تدلّ على عدم وجوب الاعادة فى هذه الصورة مطلقا في الوقت و خارجه، و الطائفة السادسة تدلّ على عدم الاعادة فى هذه الصورة أيضا في صورة خروج الوقت، فتعارضهما يكون بالنسبة إلى ما كان الانحراف كذلك و لكن تبين بعد ذلك في الوقت، فإن مقتضى الطائفة الأولى من الطائفتين هي عدم وجوب الاعادة، لكون الانحراف ما بين المشرق و المغرب، و تدلّ هذه الطائفة على كون منشأ عدم وجوب الاعادة هو أن ما بين المشرق و المغرب قبلة، و الحال أن الطائفة الثانية من هاتين الطائفتين تدلّ على وجوب الإعادة في هذه الصورة، فإن قلنا بترجيح الطائفة الثانية و لازمه وجوب الإعادة في الوقت مطلقا إذا كانت صلاته إلى غير القبلة سواء كان الانحراف بالغا حدّ المشرق و المغرب و أزيد، أو يكون أقل من ذلك، فيوجب ذلك طرح الطائفة الأولى، لأنّ الطائفة الأولى نص في أن عدم وجوب الاعادة في هذه الصورة مستندة إلى كون ما بين المشرق و المغرب قبلة، فإن رفع اليد عن ذلك و يقال بوجوب الإعادة فى هذا الفرض و تقييد الطائفة الأولى الدالة على عدم وجوب الإعادة في الفرض بالطائفة الثانية، فيوجب ذلك طرح الطائفة الأولى‌

200

من رأس، لأنّ بذلك رفع اليد عما تكون الطائفة الأولى نص فيه، و هو كون ما بين المشرق و المغرب علّة لعدم وجوب الاعادة لا خروج الوقت، فهذا ليس جمع بل طرح الطائفة الأولى، فلا وجه لما ذهب إليه صاحب الحدائق (رحمه اللّه) فى المقام.

[نقول ان التعارض بين الطائفتين يدوى اذا عرض على العرف]

إذا عرفت ذلك نقول في مقام الجمع فى هذا التعارض البدوي بين الطائفتين:

بأنه بعد كون لسان الطائفة الأولى هو عدم وجوب الاعادة في ما إذا كان الانحراف بما بين المشرق و المغرب لوقوعها إلى القبلة، لأنّ المستفاد منها كون ما بين المشرق و المغرب قبلة، و يكون لسان الطائفة الثانية فيه وجوب الاعادة إذا صلّى إلى غير القبلة و تبين ذلك في الوقت، و امّا لو تبين في خارجه فلا تجب الاعادة، فإن عرض الطائفتين من الروايات على العرف يرى أن الطائفة الأولى تحكم بعدم وجوب الاعادة في الفرض لكون صلاته واقعة إلى القبلة، و الطائفة الثانية تحكم بوجوب الاعادة في الوقت لكونها واقعة على غير القبلة، فلم ير العرف فيهما منافات و معارضة، و بلسان الاصطلاحي يكون لسان الطائفة الأولى لسان الورود أو الحكومة على الطائفة الثانية، لأنّه إما تدلّ على كون ما بين المشرق قبلة حقيقة بدون اعمال تعبد و تنزيل فتكون واردا على الطائفة الثانية، و امّا تدلّ على كون ما بين المشرق و المغرب قبلة تنزيلا و تعبدا فتكون حاكما على الطائفة الثانية و على كل حال لا تعارض بينهما.

و امّا بالنسبة إلى ما كان الانحراف بالغا حدّ المشرق و المغرب و أزيد، فإن توهّم كون التعارض بينهما بنظر البدوي لأنّ الظاهر من الاطلاق في الطائفة الأولى أعنى: الخامسة هو وجوب الإعادة في الوقت و خارجه، و الطائفة الثانية أعنى الطائفة السادسة من الروايات المتقدمة ذكرها نصّ في الفرق بين الوقت و خارجه،

201

فلا بدّ من تقييد الأولى بالثانية، فتكون النتيجة الاعادة في الوقت إذا كان الانحراف بالغا إلى المشرق و مغرب القبلة أو أزيد، و عدم الاعادة في خارج الوقت في هذه الصورة، هذا كله في مقام الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات.

و هنا كلام آخر في بعض ما يمكن أن يكون معارضا بالنسبة إلى خارج الوقت مع الطائفة السادسة أعنى: الأخبار الّتي كان مفادها التفصيل بين الوقت و خارجه، و يأتي الكلام في ذلك إن شاء اللّه.

ثمّ ان من الغريب انّه لم نر في كلمات القدماء عدم وجوب الاعادة مطلقا إذا كان الانحراف ما بين المشرق و المغرب، بل يظهر من كلماتهم على سبيل الإطلاق ما يستفاد من الروايات المفصلة من وجوب الإعادة في الوقت و عدمها في خارجه إذا صلّى على غير القبلة بدون ذكر عما إذا كان الانحراف ما بين المشرق و المغرب، فكيف لم يذكروا هذه الصورة فانّه لا يجب الاعادة مطلقا فيها مع دلالة الروايات عليها، كما قلنا بأن مقتضى الجمع بينها و بين الروايات المفصّلة هو عدم وجوب الاعادة مطلقا إذا كان الانحراف ما بين المشرق و مغرب القبلة.

و يمكن أن يقال في توجيه عدم تعرضهم لصورة الانحراف في ما بين المشرق و المغرب، هو أن هذا المقدار من الانحراف لا يكون انحرافا عن القبلة كما قلنا في حاشيتنا على العروة: بأن القبلة هو ما بين محل شرق الشّمس و غربها في أول الجدي لا المشرق و المغرب العرفى، و هو كل مورد يطلع فيه الشّمس و يغرب فيه، لأنه على ما قلنا كون ما بين المشرق و المغرب تقريبا بقدر ربع الدائرة، فيساوق مع ما قلنا في المراد من الجهة، فلا يبعد أن يكون نظرهم إلى ذلك، فعدم تعرضهم بصورة الانحراف البالغ هذا الحدّ كان من باب عدم كونه انحرافا، لأنه لم يزد تقريبا من ربع الدائرة الّتي‌

202

تكون تقريبا هو المراد من الجهة الّتي يجب التوجّه إليها، فبهذا النحو يمكن توجيه كلامهم، و يمكن أن يكون هذا وجه عدم تعرضهم، و على كل حال لم نر في كلامهم إلا الحكم بالاعادة في الوقت و عدمها في خارجة إذا صلى إلى غير القبلة، و لم يتعرضوا لصورة ما بين المشرق و المغرب أصلا فتأمل.

[يقع الكلام في بعض الجهات]

ثمّ إنّه يقع الكلام في بعض الجهات الأولى في انّه كما قلنا في طي كلماتنا السابقة يقع الكلام في أن الروايات الدالة على التفصيل بين الاعادة في الوقت و خارجه، أو ما دل من الروايات على عدم الاعادة مطلقا في ما كان الانحراف ما بين المشرق و المغرب هل تدلّ على خصوص ما إذا كان دخول المصلّى في الصّلاة بعد التحري عن القبلة فشرع في الصّلاة بعد تحصيل الاجتهاد الظنى على جهة، ثمّ تبين بعد الصّلاة عدم كون هذه الجهة هي الجهة القبلة، أو يعم الدخول مع التحري و الدخول مع العلم بكون جهة هي القبلة ثمّ تبين بعد الصّلاة خلاف ذلك، أو يعم صورة دخل في الصّلاة و توجه إلى غير جهة القبلة ناسيا أو ساهيا ثمّ تبين له بعد الصّلاة انّه توجه إلى غير القبلة، أو تشمل حتّى الصورة الّتي دخل في الصّلاة و توجه الى غير جهة القبلة مع كونه شاكا في القبلة، أو يشمل حتّى صورة توجّهه إلى غير القبلة عمدا.

لا اشكال في عدم دخول صورة الاخيرة، أما الأخبار المفصّلة بين الوقت و خارجه، فهي صريحة في أنّه صلّى على غير القبلة، ثمّ تبين بعد الصّلاة كونها على غير القبلة، و أمّا إن كان من أوّل الصّلاة عالما بكون الجهة الّتي يتوجه نحوها غير القبلة فمن الأوّل بيّن عنده كون صلاته على غير القبلة، لا أنّه بعد الصّلاة تبين ذلك، فهذا شاهد على خروج هذه الصورة عن موردها مسلما.

[لا يمكن الالتزام بكون ما بين المشرق و المغرب قبلة مطلقا]

و كذلك الأمر بالنسبة إلى الطائفة الدالة على أن ما بين المشرق و المغرب قبلة،