تبيان الصلاة - ج3

- السيد حسين البروجردي المزيد...
323 /
203

لأنّ احتمال كون هذه الروايات دالة على أن المشرق و المغرب قبلة مطلقا بحيث كان الشرط من أول الأمر حتّى بالنسبة إلى العالم بجهة القبلة هو كفاية التوجّه إلى ما بين المشرق و مغرب القبلة و لو لم يكن حال الاضطرار، أو حال الالتفات بين الصّلاة أو بعدها احتمال، لا يمكن الالتزام به فانّه و إن كان قد يتوهّم ذلك من رواية زرارة أعنى: الرواية الأولى من هذه الطائفة المتقدمة ذكرها، حيث ان فى هذه الرواية بعد السؤال عن حدّ القبلة قال (عليه السلام) (ما بين المشرق و المغرب قبلة) إلا أنّه بعد ظهور رواية الرابعة من هذه الطائفة على أن القبلة المشروعة أولا و بالذات هي مرتبة اخرى غير ما بين المشرق و المغرب، لأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) فيها (إن كان متوجّها فيما بين المشرق و المغرب فليحول وجهه إلى القبلة ساعة يعلم) في ما يعلم كونه على غير القبلة في أثناء الصّلاة، هو أنّ القبلة المشروعة أوّلا مرتبة اخرى تكون دائرتها أضيق ممّا بين المشرق و المغرب، و هي مرتبة يجب على كل أحد، مع قطع النظر عن طرو بعض الطواري، مثل ما كان من باب الخطاء في الاجتهاد، و لهذا بمجرد الالتفات يجب التوجّه إلى هذه المرتبة من القبلة، فهذا شاهد على أن ما بين المشرق و المغرب ليس قبلة مطلقا و لعل المراد من قوله (عليه السلام) في رواية زرارة و غيرها (ما بين المشرق و المغرب قبلة) هي القبلة الّتي لا بد من التوجّه إليها أقلا، فهذه المرتبة مرتبة لا يصح خلوّ الصّلاة من هذه المرتبة من القبلة إلّا في ما دل دليل من خارج على اغتفار خلو الصّلاة حتّى من هذه المرتبة من القبلة و هي ما بعد الوقت، فيمكن ان يقال في مقام الثبوت بكفاية القبلة الظاهرية للصّلاة في هذا الحال، أعنى بعد الوقت أو إسقاط شرطية القبلة.

و على كل فكل من الطائفتين غير شاملين لصورة الدخول في الصّلاة إلى غير‌

204

القبلة عالما عامدا، ثمّ نقول بعد ذلك: بأنّ ما كان دخوله في الصّلاة متوجّها إلى جهة انكشف بعد الصّلاة عدم كونها القبلة إن كان بعد التحرّي و الاجتهاد، فهي القدر المتيقّن من الروايات المفصلة خصوصا التصريح في بعضها على ذلك، مثل ما رواها سليمان بن خالد (قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون في قفر من الأرض في يوم غيم فيصلي لغير القبلة ثمّ يضحى، فيعلم انّه صلّى لغير القبلة كيف يصنع؟ قال: إن كان في وقت فليعد صلاته، و إن كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده.) (1)

[منشأ عدم القضاء في خارج الوقت اجتهاده]

فإنّ مفروض السؤال يكون في يوم غيم في قفر من الأرض، و من الواضح أنّ في أمثال هذا الوقت يكون وقت التحري و إلّا فإن كانت الشمس، طالعة فيعلم بالقبلة بالشمس، فالظاهر أنّ دخوله كان بالتحري، و أصرح من ذلك أنّه قال (و ان كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده،) فمنشأ عدم القضاء في خارج الوقت يكون اجتهاده فيدل ذلك على أنّ دخوله في الصّلاة إلى الجهة الّتي يعلم بعدا كونها غير القبلة كان مستندا إلى الاجتهاد، ثمّ انكشف خطاء اجتهاده، و لا إطلاق لسائر الروايات يشمل ما إذا كان دخوله شاكّا أو ناسيا أو ساهيا للقبلة، لأنّ روايات الباب ظاهرة أو صريحة أو متيقنها صورة كان دخولها في الصّلاة و توجهها إلى الجهة التي ينكشف بعدا كونها غير القبلة عن اجتهاد.

و امّا شمول روايات الدالة على أن ما بين المشرق و المغرب قبلة لصورة النسيان و السهو و عدم شمولها فيأتي الكلام فيها.

و توهّم دلالة رواية يعقوب بن يقطين، و هي هذه: (يعقوب بن يقطين قال:

____________

(1)- الرواية 6 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

205

سألت عبدا صالحا عن رجل صلّى في يوم سحاب على غير القبلة، ثمّ طلعت الشمس و هو في وقت أ يعيد الصّلاة إذا كان قد صلّى على غير القبلة؟ و إن كان قد تحرى القبلة بجهده أ تجزيه صلاته؟ فقال: يعيد ما كان في وقت، فإذا ذهب الوقت فلا اعادة عليه. (1) على الاعم من صورة التحرى و غيره بتقريب أنّ الرواية تدلّ على أن السائل سئل سؤالين: أحدهما عن رجل صلّى في يوم سحاب على غير القبلة، و الثاني عمن تحرى و صلّى على غير القبلة لأنّ بعد سؤال الأوّل (قال و إن كان قد تحري بجهده أ تجزيه صلاته) فأجاب (عليه السلام) عن كلا السؤالين بوجوب الاعادة في الوقت و عدمها في خارجه، و حيث إنّ الظاهر من السؤال الثاني يكون خصوص صورة دخوله متحريا عن القبلة، فالصورة الأولى تكون غير ذلك و هي ما كان دخولها شاكّا في القبلة أو ساهيا أو ناسيا أو يقال: بأنّ السؤال لو فرض أنّه سؤال واحد، و لكن سياق الكلام دليل على أن السائل سئل عن صورة لم تشمل كل الأفراد، ثمّ فرض صورة تكون الأولى بعدم الاشكال، و أداها مصدرا بان الوصلية و قال (و ان كان قد تحرى القبلة بجهده الخ) و لكن الإمام (عليه السلام) بدون تعيين خصوص صورة التحري أو غيرها، أجاب بما يفيد وجوب الاعادة في الوقت و عدمها في خارجه، فاسد جدا.

لأنّه كما قلنا يكون وضع السؤال و فرض السحاب مناسبا مع كون الدخول مع الاجتهاد و التحرّي، لأنّ في أمثال هذه المواقع يتحرّى الشخص و يعمل بمقتضى تحريه، و ما تقدم من أنّ السائل سئل سؤالين، أو سؤالا واحدا بيّن أولا تمام مراتبه، ثمّ مرتبة من مراتبه بقوله (و ان كان قد تحرى الخ) واضح البطلان، لأنّ السؤال ليس‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

206

إلا سؤال واحد، أو أقلا كون السؤال سؤالين غير معلوم، و قوله (و إن كان قد تحرّى الخ) و إن كان إن فيه إن الوصلية، فليس معناه ما توهم، بل المراد، و اللّه اعلم، هو أن السائل بعد ما سئل عن الصّلاة في يوم سحاب، و أنه يعيد أولا يعيد، كان في مقام بيان فهم وجوب الاعادة و عدمها، و أنه تجب الاعادة في هذه الصورة و إن كان صلاته إلى الجهة الّتي صلّى كان مع التحري، فالمراد هو أنّه مع كون ذلك مع التحرّي تجب الاعادة أم لا، فليس في البين إلا سؤال واحد و هو عن الصّلاة على غير القبلة مع التحري، و لا أقل من عدم ظهور للرواية يشمل غير صورة التحرّي.

[روايات عبد الرحمن رواية واحدة لا ثلاثة]

و من هذا يظهر لك حال ساير الروايات مثل الروايات الّتي تنتهى سند كل منها إلى عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه التي قلنا بانّها رواية واحدة، (1) لا أن تكون روايات ثلاثة، و كذلك الرواية الّتي رواها أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال:

الأعمى إذا صلّى لغير القبلة فإن كان في وقت فليعد، و إن كان قد مضى الوقت فلا يعيد). (2)

حيث ان ظاهرها أو متيقنها صورة التحري، لأنّ الاعمى أيضا يسأل و يتحرى حتما عن القبلة و يدخل في الصّلاة فلا يستفاد من الروايات صورة و النسيان و السهو.

و امّا صورة القطع أعنى: ما إذا قطع من طريق إلى كون جهة هي القبلة، فصلّى إلى هذه الجهة، ثمّ انكشف بعد ذلك خطاء قطعه، فهل يقال بهذا التفصيل فيها أعنى: وجوب الاعادة في الوقت و عدمها في خارجه أو لا؟

____________

(1)- الروايات 1 و 5 و 8 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 9 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

207

الظاهر أنّ القطع يكون مثل الاجتهاد الظني، و عدم كون فرق بينهما من هذا الحيث، كما أنّ الروايات بعضها ان كان ظاهرها مورد التحري، و لكن نعلم بأنّ الميزان في عدم الاعادة في خارج الوقت في الصورة الّتي تحرى عن القبلة ليس إلا من باب أن دخوله كان على طبق ما قرّر له من الوظيفة و الطريق على تحصيل شرط القبلة، سواء كان ذلك اجتهاد ظنّى أو القطع.

[في الروايات الدالّة على ان ما بين المشرق و المغرب قبلة]

أما الكلام في الروايات الدالة على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة، (1) و أنّها هل تدلّ على أن ما بين المشرق و المغرب قبلة لخصوص من تحري في القبلة، ثمّ تبين بعد الصّلاة كون انحرافها إلى ما بين المشرق و المغرب لا أزيد أو يشمل من دخل في الصّلاة عالما بكون جهة قبلة، ثمّ تبين بعد الصّلاة كونه منحرفا عن القبلة بما بين المشرق و المغرب، و كون قطعه جهلا مركبا، أو تعم الناسي و الساهي و الغافل عن التوجّه إلى القبلة حال الصّلاة، ثمّ تبين له بعد الصّلاة، و كان انحرافه بما بين المشرق و مغرب القبلة.

أو يقال: ان المستفاد من الرويات خصوصا رواية زرارة منها، هو كون ما بين المشرق و المغرب قبلة، و إطلاق هذا الكلام يقتضي كون هذا الحد قبلة حتّى للعالم المختار، و لا اختصاص لها بصورة التحري أو القطع أو النسيان و السهو.

اعلم أن شمول الروايات لصورة النسيان و السهو مسلم إن لم نقل بأنّ مورد السؤال في بعضها هو من نسى القبلة و انحرف عنها إلى ما بين المشرق و المغرب، مثل رواية معاوية بن عمار أنّه سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصّلاة، ثمّ ينظر بعد‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 9 و الرواية من الباب 10 و الرواية 5 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

208

ما فرغ، فيرى أنّه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا، فقال له: قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة) فإنّه من المحتمل بل لا يبعد أن يكون المستفاد من قوله (يقوم في الصّلاة ثمّ ينظر بعد ما فرغ) انّه متى قام في الصّلاة لم يكن ملتفتا إلى القبلة كي يتوجّه نحوها، بل نسى أو غفل فدخل فيها و الحال أنّه منحرف عنها، فلما صلّى نظر فرأى انّه انحرف عن القبلة، فلا يبعد أن يكون مساق السؤال عمن نسى القبلة.

و على كل حال إن لم نقل بذلك فلا وجه لاختصاص مورد الروايات بخصوص المتحرّي، نعم يمكن دعوى شمول الروايات خصوصا رواية زرارة للناسي و المتحري، بل و القاطع، و لو نقول بعدم كون المستفاد منها كون ما بين المشرق و المغرب قبلة مطلقا حتّى للعالم المختار، و لكن لا يبعد شمولها للقاطع بكون جهة هي القبلة و الناسى و المتحري.

[شمول للروايات للمختار و المضطر مشكل]

و أمّا شمولها لكل مورد حتّى يقال: بأنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة للمختار و المضطر، فهو مشكل و لا يمكن الالتزام به، لدلالة رواية عمار، (1) لأنّها تدلّ على أنّ من توجه في أثناء الصّلاة بكونه منحرفا بما بين المشرق و المغرب يجب عليه التوجّه إلى القبلة و تحويل وجهه نحوها، فهذا دليل على أنّ القبلة المفروضة أولا التوجه إليها هي أضيق دائرة ممّا بين المشرق و المغرب.

و احتملنا سابقا بأن يكون المراد بما بين المشرق و المغرب ليس المشرق و المغرب الاعتدالي أعنى: ما بين كل نقطة تطلع الشّمس منها أو تغرب فيها، بل يكون ما بين آخر نقطة تطلع الشّمس منها أو تغرب فيها و لم تتجاوز طلوع أو‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

209

غروبها من هذه النقطة، بحيث إذا فرض دائرة و يفرض نقطة، منها محل شرق الشّمس بحسب ميلها الأعظم، و هو في أول سرطان، ثمّ كلما يمضي من الأيام تطلع الشمس في نقطة اخرى بحيث يصير بمضى كل يوم من بعد سرطان الفصل بين مشرقها و مغربها في هذه الدائرة المفروضة أنقص من الفصل الحاصل بين مشرقها و مغربها في أول سرطان إلى أول الجدي، ففي هذا اليوم يكون الفصل بين المشرق و مغرب الشّمس أنقص من جميع أيام السنة، ففي كل موضع من هذه الدائرة المفروضة من أول سرطان إلى أول الجدي يكون مشرق الشّمس و مغربها في نقطة من الدائرة، فتمام هذه المواضع موضع شرق الشّمس و غربها، فليست هذه المواضع من الدائرة المفروضة ما بين المشرق و المغرب، بل نفس المشرق و المغرب، لأنّ كلها موضع شرقها و غربها، و ما هو ما بين المشرق و المغرب يكون كل موضع من الدائرة يكون بين موضع شرقها و غربها، و هو على ما قلنا بين موضع من الدائرة تطلع الشمس منها في أول الجدي و تغرب منها في هذا اليوم، فعلى هذا يكون المراد بما بين المشرق و المغرب ما بين المشرق و المغرب في أول الجدي.

و إذا كان هذا هو المراد فينطبق تقريبا مع ما قلنا في توجيه الجهة، لأنّ بهذا النحو يكون ما بين المشرق و المغرب تقريبا ربع الدائرة المفروضة، و الجهة تكون بهذا المقدار تقريبا فيوافق مفاد هذه الروايات تقريبا مع ما بينا في المراد من الجهة، إلا أنّه بعد دلالة رواية عمار أنّ القبلة المفروضة، أولا أضيق مما بين المشرق و المغرب، فلا يمكن أن يقال بأنّ روايات الدالة على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة مفادها ينطبق مع ما قلنا في ما هو قبلة للبعيد الغير المتمكن من التوجّه إلى عين الكعبة أعنى: الجهة، لأنه قلنا بأن الجهة و شطر المسجد الحرام تكون تقريبا هي الربع‌

210

من الدائرة المفروضة الّتي تكون الكعبة فى هذا الربع.

[توضيح المراد من الجهة و البيان الاول]

و نقول بعونه تعالى توضيحا لمرادنا من الجهة: بأنّه ربما يحتمل أن يكون تكليف البعيد هو عين تكليف القريب، فكما أن الواجب على القريب من الكعبة هو التوجه بعينها كذلك يجب على البعيد أيضا التوجّه بعين الكعبة، فعين الكعبة قبلة للقريب و البعيد ببيانين:

الأول: أن يقال: بكون الواجب على كل مكلف هو استقبال عين الكعبة غاية الأمر يختلف الاستقبال بالنسبة إلى القريب و البعيد، مثلا انت إذا كنت قريبا من شي‌ء بحيث يكون الفصل بينك و بينه ذراعا مثلا، فلا بدّ من صدق المقابلة و كونك مستقبلا له بأن يكون مقاديم وجهك مقابلا له بحيث لو خرج خط من جانبك يكون مستقيما يصل به، حتّى لو كان هذا الجسم المقابل لك إنسانا لا بد و ان يكون تمام مقاديم بدنك مقابلا لتمام مقاديم بدنه، فلو كان نصف بدنك غير مقابل له لا يصدق الاستقبال و كونكما متقابلين، و لكن إذا فرض صيرورتك بعيدا منه مثلا كان هذا الشي‌ء أو هذا الشخص بعيدا عنك بالف ذراع، فلا يعتبر في صدق استقبالك له ما اعتبر في صدق استقبالك له في حال قربك به، فلو كان جزء من بدنك غير مقابل له يصدق الاستقبال مع ذلك، و كلما يكون البعد أكثر يكون الأمر أسهل، فربما يصدق الاستقبال في البعيد لشي‌ء لو فرض كونه قريبا منه لم يصدق الاستقبال اصلا.

فعلى هذا يقال في المسألة هكذا و أنّ الواجب على القريب و البعيد هو و استقبال عين الكعبة، غاية الأمر يختلف صدق الاستقبال بالنّسبة إلى القريب و البعيد، و لهذا ترى أن صفا من الناس إن كان قريبا من شي‌ء لا يكون مستقبلا لهذا الشي‌ء إلّا أحد منهم لقربهم بهذا الشي‌ء، فليس إلّا أحد أهل الصفّ مقابلا له، و ساير‌

211

أهل الصف ليسوا مقابلين له، بل يكونون واقعين في طرفيه، و لكن لو باعدوا عن هذا الشي‌ء يكونون كلهم مستقبلين له في حدّ من العبد عند العرف، و هذا واضح البيان.

[البيان الثاني في المراد من الجهة]

الثاني: و هو لا يتفاوت مع بيان الأوّل في النتيجة، غاية الأمر أنّ بيان الأوّل قال من قال به: بأن الاستقبال يختلف في القريب و البعيد بحسب صدق العرفي، و يقال في بيان الثاني: بأن معنى التوجّه إلى الكعبة و تولية الوجه نحوها ليست إلا جعل مقاديم البدن محاذيا لها في حال الصّلاة مثلا، فيقال بأن الواجب هو كون كل مكلف محاذيا للكعبة حال الصّلاة سواء كان قريبا أو بعيدا، غاية الأمر تختلف المحاذاة بالنسبة إلى القريب و البعيد.

فكما قلنا في المثال السابق في البيان الأوّل ترى أن في مرتبة لا تصدق المحاذاة إلا بكون الشخص مقابلا لشخص آخر مقابلة حقيقية لقربه به، و لكن في مرتبة اخرى يكون مع العبد بينهما تصدق المحاذاة، و لو لم تكن محاذاة، حقيقية، فنحن نقول:

بان القبلة عين الكعبة و يجب التوجّه نحوها مطلقا على القريب و البعيد، و لكن بعد ما نرى ان الشارع لم يأمر إلا بتولية الوجه نحوها و قال اللّه تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (1) و لم يبين موضوع حكمه، فلا بدّ من الرجوع إلى العرف، و نرى بأنّ العرف لا يحكم إلا بلزوم تولية الوجه نحوها، و أنّ معناها ليست إلا جعل مقاديم البدن محاذيا لها، و نرى بأنّ المحاذاة تختلف بنظر العرف للقريب و البعيد، فالبعيد ليس معنى توجهه نحوها، و تولية وجهه بعين الكعبة إلا محاذاته و تولية وجهه بها بنحو يصدق عرفا بأنّه متوجه إلى عين الكعبة، فالبعيد يتوجه بالعين غاية الأمر يكون التوجه و المحاذاة مختلفا في نظر العرف للقريب و البعيد.

____________

(1)- سورة البقرة، الآية 143.

212

[حاصل كلام من قال بان عين الكعبة قبلة للقريب و البعيد]

هذا حاصل كلام من يقول: بأنّ الواجب هو التوجّه بعين الكعبة للقريب و البعيد، و لكنّ السرّ في أن قبلة البعيد أوسع من القريب ليس إلا من باب أن العرف يحكم بصدق الاستقبال أو محاذاة شي‌ء لشي‌ء إذا كان بينهما البعد مع عدم هذا الصدق عنده ان كان بينهما القرب، و هذا هو وجه ما يقال: من أن الشي‌ء كلما ازداد بعدا ازداد جهة محاذاته سعة، و لكن قلنا في صدر البحث بأنّ هذا الكلام غير تمام أعنى: لا يمكن أن يقال بذلك بمجرد دعوى صدق العرفي، و قلنا بأنّه بعد كون الواجب هو التوجّه إلى شطر المسجد الحرام لانه تعالى قال فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (1) نقول في مقام بيان المراد من الشطر بأنّ الشطر هو السمت و الجهة، و لا إشكال في أنّ الواجب على البعيد الغير المتمكّن من التوجّه بعين الكعبة ليس بها، لكونه موجبا لمشقة عظيمة، بل العسر و الحرج، بل أزيد منهما، و لا اشكال في أنّه لا يمكن أن يقال: بان الواجب عليه هو التوجّه بالعين، غاية الأمر يحكم العرف بأنّ التوجّه بالعين يحصل بما قلنا في ضمن بيانين لما قلنا من الاشكال في ذلك أن نغضّى أعيننا و نقول بصدق العرفي بدون أن نفهم أن العرف موافق معه أم لا، و لو فرض حكمهم فما منشأ حكمهم بذلك، و إذا بلغ الأمر إلى هنا كما قلنا سابقا نقول: بأن الشطر هو السمت و الجهة، و الواجب على البعيد هو تولية الوجه شطرها و سمتها و جهتها كما يظهر من الآية ان الواجب، هو التوجّه إلى شطر المسجد الحرام.

و نقول في وجه ذلك و سره: بأن بعض الاشياء ممّا ليس له قدام و لا خلف، و هذا مثل الاشجار و الاحجار، و بعض الاشياء يكون لها قدام و خلف كالانسان، فترى أن له قداما و له خلفا، فإن امر بالتوجه إلى الاشياء الّتي ليس لها قدام و لا‌

____________

(1)- سورة البقرة، الآية 143.

213

خلف، أو امر بتوجه هذه الاشياء مقابلا لشي‌ء آخر، فبكل جانب منها إذا توجه الشخص في فرض الأمر بالتوجه و الاستقبال إليه حصل التوجّه و الاستقبال، و كذلك بتوجيه أي جانب منها إلى شي‌ء آخر في فرض وجوب توجيه هذه الاشياء و استقبالها لشي‌ء آخر يحصل الاستقبال و المحاذاة، و هذا واضح.

و إن كان المأمور به هو توجه أشياء الّتي لها قدام و خلف و استقبالها لشي‌ء آخر، فترى انّه لا يكفي في تحقق الاستقبال استقبال كل جانب منها إلى الشي‌ء الواجب استقباله، فإذا أمر الإنسان بأنّك استقبل شيئا أو توجه شطر شي‌ء، فلا يكفي في امتثال الأمر توجهه و استقباله لكل جانب من جوانبه، بل لا بدّ من التوجّه بجانب يكون قدام بدنه فيه في صدق الاستقبال.

[توضيح كون القبلة الجهة]

إذا عرفت ذلك فلتعرف مطلبا آخر، و هو أنّ الجهات تكون ستة الفوق و التحت و القدام و الخلف و اليمين و الشمال، و الفوق و التحت ليسا مربوطا بجهة كلامنا، فيبقى القدام و الخلف و اليمين و الشمال، و الإنسان له قدام و خلف و يمين و شمال، فإذا فرض راس الإنسان كرة كما أنّ رأسه يكون بشكل الكرة، و فرض تقسيم هذه الكرة أعنى: الرأس بأربعة أجزاء، فالربع من هذه الكرة يكون قدام الإنسان، و ربعها خلفه، و ربعها يمينه، و ربعها يساره، فقدّام الإنسان هو الربع الدورة من الرأس الّذي يكون الوجه واقعا فيه.

و إن حوسب الوجه فكذلك يكون بحسب وضعه كرويا، فانظر إلى الحدّ الّذي يكون جبهة للانسان، فإنّ القدر المسلم من الجبهة هو ما بين العينيين، فمقدم الرأس بين الحاجب و منبت الشعر من طرف الطول، و بين العينيين من طرف العرض يكون هو الجبهة، و هذا المقدار لو لوحظ يرى أن وضعه يكون بشكل الكرويّ، و ليس‌

214

عرض الجبهة عرضا مستويا، بل يكون كرويا بحيث انّه إذا اخرج خط مستقيم من نقطة منه، و خرج خط اخر مستقيم من نقطة اخرى، فلا يصلان بمحلّ واحد كما ترى في الكرة، فكل خط من الخطوط الخارجة من الجبهة كلّما يبعد من الجبهة يصير أبعد من الخط الآخر الخارج منها.

فبعد كون وضع الجبهة، و كذلك الوجه كرويّا، فلو فرض بكون الإنسان مركزا للدائرة، فالدائرة المرسومة حول هذا المركز و القطب، يكون ربع من هذه الدائرة حول مقاديم بدنه المشتمل على الوجه، و ربعه الآخر محاذيا لخلفه، و ربعه محاذيا ليمينه، و ربعه محاذيا ليساره.

فإن كان المطلوب من الإنسان استقباله لشي‌ء، فلا بدّ من أن يستقبله بقدام نفسه، لا جوانبه الأخرى، ففي صدق استقباله يكفي كون الربع من رأسه الواقع مقابل وجهه، و مقاديم بدنه بهذا المقدار مقابلا لهذا الشي‌ء، و وجه صدق الاستقبال بهذا النحو ليس إلا من باب أن هذا الشي‌ء الواقع في موضع إذا أستقبله الإنسان بوجهه، يكون محاذيا له، فإن كان قريبا منه يرى بالحس كون تمام وجهه مقابلا له، و أمّا اذا كان بعيدا فلا يمكن استقباله بكل نقطة من وجهه، لأنه كما قلنا بكون وضع الوجه و الجبهة كرويا فالخطوط الخارجة من نقاط الوجه، لا يمكن أن يتلاقى كلها إلى نقطة واحدة.

[في ذكر المراد من الآية الشريفة]

إذا عرفت ذلك نقول في ما نحن فيه: بأن الظاهر من قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ هو وجوب تولية الوجه شطر المسجد الحرام، أي: جانب مسجد الحرام و سمته فالبعيد يجب عليه التوجّه إلى جانب المسجد الحرام و السمت الذي يكون فيه المسجد الحرام، فبعد ما فهمت من كون وضع الوجه كرويّا و من‌

215

المسلم وجوب تولية الوجه نحوه لقوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فإذا بنى الشخص على تولية وجهه نحو المسجد الحرام، فبحسب طبع وجهه و وضعه، لا بدّ من أن يجعل وجهه شطره، و أن كان بعيدا عن المسجد الحرام، فإذا كان المسجد في موضع و بنى على تولية الوجه شطره فلا يمكن له تولية تمام الوجه للمسجد بحيث يكون بتمام وجهه مستقبلا للكعبة، لأنه بعد كون وجهه كرويّا فالخطوط الخارجة من نقاط وجهه لا تصل إلى نقطة واحدة، بل كلما يبعد عن المسجد فالفرج بين الخطوط الخارجة من نقاط وجهه يصير أكثر بحيث ربما يكون البعد بين كل خط خارج من نقطة مع الخط الخارج من نقطة اخرى فراسخ كثيرة، مع كون الخطين خارجين من نقتطين المتصلتين من الوجه بالآخر، فعلى هذا لا يمكن للشخص البعيد الاستقبال بتمام الوجه، بل لا بد من كفاية الاستقبال بجزء من الوجه.

فعلى هذا نقول في توجيه الجهة و ما يستفاد من ظاهر قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ بأنّ المكلّف النائي من المسجد الحرام إذا فرض كونه مركزا لدائرة تتلاقي محيط هذه الدائرة الكعبة المكرمة، فإذا أمر بهذا الإنسان باستقبال وجهه إلى الكعبة، فلا بدّ له من تولية وجهه شطر المسجد الحرام أعنى: إلى جانب و شطر تكون الكعبة واقعة فيها، فإذا ولى وجهه نحوها، فلو فرض خطوط خارجة من وجه هذا الإنسان مع كون الوجه كرويا، فتلاقي هذه الخطوط إلى المحيط في الجانب الّذي تكون الكعبة فيه، فحيث إن الوجه ربع الدائرة تقريبا من الرأس فتتلاقى الخطوط الخارجة من الوجه ربعا من الدائرة المحيطة بهذا المركز أعنى:

الإنسان المكلف باستقبال الكعبة، ففي كل موضع يكون المكلف و يفرض نفسه مركزا و يفرض دائرة تتلاقي محيطها الكعبة، فربع من هذه الدائرة الواقعة فيه الكعبة‌

216

محاذيا لوجه المكلف المفروض واقعا في مركز هذه الكرة، هو جانب الكعبة و شطرها و سمتها، لأنه يتلاقى أحد الخطوط الخارجة من حدّ الجبهة و الوجه إلى الكعبة لا محالة، لما قلنا في ضمن المطالب المتقدم، و لا يمكن له الاستقبال بأزيد من ذلك بحيث يتلاقى تمام الخطوط الخارجة من عرض الوجه إلى الكعبة، لما قلنا من كون الوجه بخلقته كرويّا، و لهذا مع كون الكعبة بعيدا منه ربّما يحاذي بنفس وجهه مع موضع بعيد من الكعبة بفراسخ، و هذا لاقتضاء وضع الوجه في الإنسان.

فبهذا البيان يمكن أن يقال: بأنّ المراد من الجهة اللازم اعتبار التوجّه نحوها، هو الربع من الدائرة الواقعة في قطعة من هذا الربع الكعبة، و بهذا البيان عرفت ما هو قبلة للبعيد، و يمكن أن يكون وجه حكم العرف للبعيد بأنّ الاستقبال و المحاذاة يصدق للشي‌ء و إن لم يكن محاذاة حقيقية ما قلنا لك.

[ما فهمت في ما نحن فيه]

فبما قلنا في المقام فهمت.

أولا ما هو قبلة للبعيد الغير المتمكن من التوجّه بعين الكعبة، و أنّه إذا توجّه إلى ربع الدائرة الّتي تكون الكعبة واقعة فيه، فقد توجه شطر المسجد الحرام و إن كان ليس ما توجّه من وجهه، إلى الكعبة إلا نقطة من وجهه، لأنّه لا يمكن أزيد من ذلك.

و ثانيا يمكن أن يكون وجه حكم العرف بصدق الاستقبال و المحاذاة للبعيد مع عدم كون الشخص محاذيا في مقابل الكعبة بالدقة العقلية و حقيقة، هو ما قلنا من أنّه يرى العرف عدم امكان أزيد من ذلك، و وقوع جزء من أجزاء وجهه مستقبلا للكعبة، فعلى هذا لسنا مخالفا مع من يقول بكفاية استقبال العرفي و المحاذاة العرفية، إلّا انّا بينّا منشأ لحكم العرف، و بينّا أنّ في الربع من الدائرة الّتي تكون الكعبة في نقطة من نقاطه إذا توجّه الشخص شطر هذا الربع، فقد ولى وجهه شطر المسجد الحرام‌

217

و جانبه و سمته، مع ما ذكرنا سابقا من بعض المؤيدات للمطلب:

[في ذكر بعض المؤيدات للمطلب]

و كان أحدها هذه الروايات الدالة على أن ما بين المشرق و المغرب قبلة بناء اعلى ما احتملنا من كون المراد بما بين المشرق و المغرب هو ما بين المشرق و المغرب في أول الجدي.

و لكن قلنا: بأنّ رواية عمار، (1) الدالة على أنّ القبلة.

شي‌ء تكون دائرتها أضيق ممّا بين المشرق و المغرب، و لهذا مع فرض وقوع بعض صلاته إلى غير القبلة قال في رواية عمار (إن كان متوجها في ما بين المشرق و المغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم و إن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصّلاة، ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة ثمّ يفتتح الصّلاة) منافية مع ما احتملنا من قابلية انطباق الروايات الدالة على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة، مع ما قلنا بأنّ قبلة البعيد هو شطر المسجد و جانبه الّذي يكون تقريبا بقدر الربع من الدائرة.

و الثانية من المؤيدات ما وردت في بعض الروايات الواردة في أحكام الخلوة، و هي هذه الرواية: محمد بن الحسن عن المفيد عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن محمد بن عبد اللّه بن زرارة عن عيسى بن عبد اللّه الهاشمي عن ابيه عن جده عن علي (عليه السلام) قال: (قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لكن شرقوا أو غربوا) فإن الأمر بالتشريق و التغريب يدلّ على أنّ امر القبلة يكون أوسع من نفس التوجّه بالعين، فليس أمرها بهذا الضيق، بل يكون بحد‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

218

من الوسعة يلزم في حال التخلي التشريق و التغريب عن القبلة حتّى لا يكون في هذا الحال مستقبلا للقبلة و لا مستدبرا لها). (1)

الثالثة ما قلنا سابقا: بأنّ الأمر بالتوجه بنفس العين و استقبالها استقبالا حقيقيا بحيث يكون متوجّها لها بالدقة العقلية موجبا للعسر و الحرج و المشقة، و كيف يمكن للمكلفين البعيدين عن الكعبة ذلك، فهذا شاهد على أن أمرها أوسع من ذلك.

الرابعة ما ورد في بعض الروايات بأنّه إذا حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام كان بنو عبد الاشهل في مسجدهم مشتغلين بالصّلاة، فاخبروا بذلك فحوّلوا وجوههم حال الصّلاة نحو الكعبة، فإنّه إن كان الواجب التوجّه إلى نفس العين فكيف هم توجّهوا نحوها، و كيف صاروا عالمين بها حال الصّلاة، فتحويل وجههم إلى الكعبة بدون فحص و تحقيق ليس إلّا من باب أنّهم كانوا عالمين بجهة الكعبة فقط، و هي أمر سهل.

و على كل حال لا يمكن أن يقال في هذا المقام إلّا ما قلنا من أنّ قبلة البعيد هو حدّ يكون تقريبا بقدر الربع من الدائرة الّتي تكون الكعبة واقعة فيها، و هو بيان يناسب مع العين باعتبار أنّ حدّ القبلة هو نقطة يقع أحد خطوط الخارجة من الوجه إلى الكعبة لا محالة، و يناسب مع القول بالجهة، لأنّه إذا صرنا في مقام بيان شطر الشي‌ء و جانبه و جهته، فهذا البيان أنسب بيان له، لما قلنا في طي بياناتنا بأن الربع من مقدم الوجه هو قدام الشخص و الوجه في هذا الربع، فإذا أوجب الاستقبال على المكلف، لا بد و أن يكون بهذا الربع، و هذا ينطبق مع الجهة و فهمت بأنّ ما بينا في وجه‌

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 10 من أبواب احكام الخلوة من الوسائل.

219

كون القبلة هو الربع من الدائرة تقريبا للبعيد يمكن أن يكون وجه حكم العرف بصدق الاستقبال و المحاذاة في هذا الحدّ حدّ للبعيد مع عدم كون الشخص مستقبلا و محاذيا للشي‌ء بالمحاذاة الحقيقية.

هذا تمام الكلام في أصل المطلب و إن كنا بينا ذلك في صدر المبحث، و لكن نبيّن مجددا كي يتضح المطلب كاملا، ثمّ إنه بعد ذلك نعطف عنان الكلام إلى الجهة الّتي كنا باحثا لها، و هي الروايات الدالة على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة، و قلنا: بأن هذه الروايات تشمل صورة النسيان بل يمكن دعوى كون مورد بعض منها خصوص صورة دخوله في الصّلاة ناسيا للقبلة.

[في ذكر الاشكال العمدة في الروايات]

و لكن إشكال العمدة في الروايات هو أنّه كلما تتبعنا في كلمات القدماء من الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) كالمفيد (رحمه اللّه) و الشيخ (رحمه اللّه) و غيرهما لم نجد متعرضا للمسألة أعنى: ظاهر كلماتهم هو التفصيل بين الوقت و خارجه مطلقا إذا انحرف المصلي عن القبلة بدون استثناء ما إذا كان الانحراف بين المشرق و المغرب، بل قالوا بوجوب الاعادة مطلقا إذا تبين بعد الصّلاة منحرفا عن القبلة إذا كان الوقت باقيا، و عدم وجوب الاعادة إذا تبين وقوع صلاته منحرفا عن القبلة و كان التبين بعد الوقت.

نعم، يظهر من الشيخ (رحمه اللّه) استثناء صورة كونه مستدبرا للقبلة، فإنّ في هذه الصورة أوجب (رحمه اللّه) الاعادة و إن كان التبين بعد خروج الوقت، و نقل رواية في النهاية تدلّ على هذا، و يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه بعد ذلك.

فظاهر عبارات القدماء هو التفصيل مطلقا بين الوقت و خارجه، و لم ير من أحدهم الإفتاء على طبق الروايات الدالة على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة و أنّ‌

220

الانحراف إذا كان بهذا المقدار و تبين بعد الصّلاة لا تجب الاعادة و ان كان الوقت باقيا، فلأجل ذلك قد يخلج بالبال وهن في هذه الروايات بدعوى إعراض الاصحاب عنها، فإن ثبت إعراضهم فلا يبقى مقتضى الحجية فيها، لعدم بناء للعقلاء في هذه الصورة، بل كلما ازداد صحة ازداد سقما، لأنّه مع ما يرى من صحة سندها و لكن بعد ما نرى من أنّ بطانة الفن و القدماء لم يعتنوا بها و لم يفت على طبقها نكشف من ذلك أنّهم يرون في هذه الروايات ما لا يمكن معها الاعتماد بكون الروايات صادرة في مقام بيان حكم اللّه الواقعي، و المورد يمكن أن يكون من هذا القبيل، لأنه كيف لم يفت على طبق مضمونها أحد، منهم.

[ادعاء الاعراض يكفي في وهن الروايات ان كان اعراضا]

فمن هذا يدعي إعراض و إن كان ذلك إعراضا فيكفي في وهن الروايات، نعم يرى تعرض الشيخ (رحمه اللّه) و إفتائه في أحد كتبه على طبق رواية عمار. (1)

و أنه إذا تبين للمصلي الانحراف في أثناء الصّلاة- بأنّه إذا كان الانحراف بما بين المشرق و المغرب فليحوّل وجهه إلى الكعبة، و يتم الصّلاة، و إن كان الانحراف بأكثر من ذلك فليقطع الصّلاة.

و لكن لا يكفي تلك الفتوى في صورة كون التبين في أثناء الصّلاة و إفتائه على طبق هذه الرواية لاثبات كون ساير الروايات الّتي موردها صورة كون التبين بعد الصّلاة، و أنه إن كان الانحراف بما بين المشرق و المغرب فلا يعيد، و إن كان الانحراف بأزيد من ذلك فليعد، مورد اعتناء الشّيخ (رحمه اللّه) لأنه يمكن أن يكون الشّيخ أخذ برواية عمار لكون مقتضى الحجية موجودا فيها بنظره الشريف، و لكن مع ذلك لم يكن ساير‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

221

الروايات الّتي موردها صورة كون تبين الانحراف بعد الصّلاة مورد اعتنائه، و الدليل على ذلك عدم إفتائه بمضمون هذه الروايات، فهذا هو الاشكال العمدة في هذه الروايات.

فما نقول في المقام، فهل نقول و نلتزم: بطرح هذه الروايات، و ردّ علمها إلى أهلها بدعوى إعراض الاصحاب عنها من باب عدم تعرضهم لها أعنى: الافتاء على طبقها، و نقول نحن أيضا: بالتفصيل مطلقا بين الوقت و خارجه إذا تبين الانحراف بعد الصّلاة، و وجوب الاعادة في الوقت و عدمه في خارجه؟

أو نقول: بأن صرف عدم تعرضهم لها، و عدم إفتائهم على طبق هذه الروايات لا يكفي لاثبات كون الروايات ممّا أعرض عنه الاصحاب و نتيجة ذلك أنّه نقول: بعدم وجوب الاعادة حتّى في ما اذا تبين الانحراف بعد الصّلاة و كان الوقت باقيا إذا كان الانحراف بما بين المشرق و المغرب في صورة النسيان، أو بعض صور اخر بمقدار الّذي يستفاد من الروايات، و أنّ موردها صورة كون دخوله في الصّلاة ناسيا للقبلة أو غيره من الصور أو كلها أو بعضها (1) و يبقى الكلام في أمر‌

____________

(1)- أقول: اعلم أن سيدنا الاستاد مدّ ظله بعد ما أفاد ما ذكرت لك قال ما حاصله يرجع إلى أنّه يمكن أن يقال: بعدم ثبوت الاعراض، لأنه ليس في البين إلّا عدم تعرض الفقهاء، و عدم إفتائهم بمفاد الأخبار الدالة على أنّ ما بين المشرق و المغرب قبلة، و لكن لم يرجح أحد طرفي المسألة بعد ما تكلمات معه، فما اختار الاعراض و لا عدمه، و المسألة بعد ذلك مشكلة.

و على كل حال أنا أقول: بأنّه على تقدير عدم الاشكال في هذه الروايات من حيث السند فكما أفاد مد ظله في أول تعرضه للروايات، و بينا لك، تشمل هذه الروايات صورة كون دخول المصلي في الصّلاة ناسيا عن القبلة، لأنّ ظاهر بعض الروايات يشمل النسيان، بل يمكن كون

222

آخر أشرنا إليه سابقا، و هو ما نتعرض له في الجهة الثانية إن شاء اللّه و نقول:

الجهة الثانية: بعد ما فهمت بأن الطائفة السادسة من الروايات كانت دالة‌

____________

موردها النسيان و أقول: بأنّه لا يبعد شمولها لصورة التحري و الاجتهاد، و أنه إذا كان دخوله في الصّلاة و توجهه إلى جهة باعتقاد كونها القبلة بمقتضى اجتهاده الظني و تحريه لأنّ الرواية 5 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل تدلّ على هذا، و هي ما رواها الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) أنّه كان يقول: من صلّى على غير القبلة و هو يرى على القبلة، ثمّ عرف بعد ذلك، فلا اعادة عليه إذا كان في ما بين المشرق و المغرب) فظاهر قوله (و هو يرى انّه على القبلة) هو أنّ ذلك كان بحسب اعتقاده لا من باب كونه ناسيا للقبلة اصلا فعلى هذا تدخل صورة دخوله في الصّلاة باجتهاد إلى جهة من باب أنّه يرى كونها القبلة، بل و كذلك صورة القطع لأنه أولا ظاهر قوله (يرى) هو ان دخوله كان باعتقاد كونها القبلة سواء كان اعتقاده ظنيا أو قطعيا، مضافا إلى أن منشأ كفاية التحري و الاجتهاد الظني، و عدم وجوب الاعادة في هذه الصورة ليس إلا من باب كون دخوله في الصّلاة لا مع المسامحة و عدم الاعتناء و التعلل بأمر القبلة، بل دخل و توجه إلى جهة بحسب ما يقتضي الطريق و الحجة، فلا فرق بين القطع انكشف بعد الصّلاة كونه جهلا مركبا و بين الاجتهاد الظني.

فعلى هذا شمول هذه الروايات لهذه الموارد الثلاثة (صورة القطع و الاجتهاد الظني و النسيان غير بعيد، فعلى هذا بناء على عدم اشكال في الروايات من حيث السند، هذا المقدار يكون مقدار دلالتها، و لا يمكن الالتزام بدلالتها على أن ما بين المشرق و المغرب قبلة مطلقا حتّى كان الجائز من أول الأمر التوجّه الى ما بين شرق القبلة و غربها لما قلنا من أن المستفاد من بعض روايات الباب هو كون القبلة المجعولة أولا أضيق من ذلك غاية الأمر ما بين المشرق و المغرب قبلة لبعض الموارد، و هو صورة النسيان و الاجتهاد و القطع.

هذا ما يمكن أن يقال في المقام، فتكون النتيجة على هذا هو أنّ الانحراف ان كان ما بين المشرق و المغرب و تبين بعد الصّلاة، فلا تجب اعادة الصّلاة لا في الوقت و لا خارجه في الصور المتقدمة أعنى: النسيان و الاجتهاد الظني و القطع، و ان كان الانحراف بأزيد من ذلك، فتجب الاعادة في خصوص الوقت لا في خارجه، فهذا ما يمكن أن يقال في مقام الجمع بين الطائفة الخامسة و بين السادسة من الروايات. (المقرر)

223

على التفصيل في الاعادة و عدمها بين كون تبين انحراف المصلي عن القبلة في الوقت و خارجه إذا كان الانحراف أزيد ممّا بين المشرق و المغرب، و إطلاقها يقتضي ما كان الانحراف بالغا حدّ نفس المشرق و المغرب او أزيد إلى صورة يكون الانحراف إلى دبر القبلة أعنى: النقطة المقابلة للقبلة، مثل ما إذا توجّه إلى نقطة الجنوب باعتقاد كونها القبلة ثمّ تبين بعد الصّلاة كون نقطة مقابله أي نقطة الشمال هي القبلة.

يقع الكلام في أنّه هل يوجد في الأخبار رواية تكون معارضة مع هذه الطائفة بالنسبة إلى خارج الوقت أم لا؟

اعلم أن رواية معمّر بن يحيى (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلّى على غير القبلة، ثمّ تبينت القبلة و قد دخلت وقت صلاة اخرى، قال: يعيدها قبل أن يصلّي هذه الّتي قد دخل وقتها) (1) الحديث، لا يكون مدلولها منافيا مع الرواية المفصلة، لأنّ ما يمكن أن يقال في وجه المعارضة بينهما هو أن يدّعي بأن الظاهر من قوله (و قد دخل وقت صلاة اخرى) هو أن تبين وقوع صلاته على غير القبلة كان بعد الوقت، فمع ذلك أمر باعادتها، لأنّه قال (عليه السلام) (يعيدها قبل أن يصلّي هذه الّتي قد دخل وقتها) ليس وجها وجيها.

أمّا أولا: فلما قلنا سابقا من احتمال عدم كون المراد من دخول وقت صلاة اخرى وقت صلاة يدخل وقتها بخروج وقت الصّلاة الأولى كالمغرب بالنسبة إلى الظهر و العصر، أو الصبح بالنسبة إليهما، و المغرب بل يكون المراد منها الصّلاة المترتبة على صلاة و إن كان الوقت مشتركا بينهما كالعصر بالنسبة إلى الظهر، أو‌

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 9 من أبواب القبلة من الوسائل.

224

العشاء بالنسبة إلى المغرب، ففي هذا المورد أيضا يطلق (و قد دخل وقت صلاة اخرى) فعلى هذا ليست الرواية لاجل الحكم فيها باعادتها قبل الثانية معارضة مع الرواية المفصلة، لأنّ على هذا كان الحكم باعادة الصّلاة قبل الأخرى كان من باب كون الوقت باقيا.

[ليست الرواية اصلا في مقام بيان هذا الحيث]

و ثانيا و هو العمدة في الجواب، هو أن الرواية ليست أصلا في مقام بيان هذا الحيث، بل الرواية تكون في مقام بيان أنّ الفائتة تجب تقديمها على الحاضرة أم لا أعنى: إذا كان الواجب عليه صلاة قضائية يجب تقديمها على الحاضرة، فإذا كانت الرواية في مقام بيان ذلك، فلو فرض أنّ ما عليه من قضاء الصّلاة كان لأجل وقوعها على غير القبلة و لكن لا إطلاق للرواية في هذا الحيث، لأنّه ليس في مقام بيان ذلك.

فعلى هذا يمكن أن يكون المورد موردا يجب قضاء الصّلاة و إتيانها حتّى بعد الوقت، مثل أن يكون موردها موردا صلّى على غير القبلة عمدا أو جهلا بالحكم بناء اعلى القضاء في الموردين، فلا إطلاق لها يشمل وجوب القضاء حتّى في صورة التحرّي أو العلم حتّى تكون الرواية معارضة مع ما نفي الاعادة في خارج الوقت. (1)

____________

(1)- أقول: إن ما أفاده مد ظله يشكل الالتزام به مع سياق الرواية، لأنّ السائل على ما يحكي متن الرواية، حيث قال (سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلّى على غير القبلة ثمّ تبينت القبلة و قد دخل وقت صلاة اخرى قال: يعيدها قبل أن يصلّي هذه الّتي قد دخل وقتها) كان نظره إلى فهم حال من صلّى على غير القبلة، لا عن لزوم تقديم الفائتة على الحاضرة و عدمه، فلا بد أن يقال في مقام يرى تعارض بينها و بين الروايات المفصلة إمّا بما قال أوّلا في توجيه الرواية، و امّا بأن يقال: بعد كون ظاهر رواية معمّر هو وجوب الاعادة حتّى في خارج الوقت

225

و على كل حال يكون مدلول رواية معمّر هو وجوب الاعادة في خارج الوقت في مطلق من صلّى على غير القبلة سواء كان انحرافه إلى المشرق و المغرب، أو أزيد من ذلك، أو كان بحد الاستدبار.

[الكلام في رواية عمّار]

و امّا رواية عمار (1) و هي هذه (عن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصّلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: إن كان متوجها في ما بين المشرق و المغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، و إن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصّلاة، ثمّ يحوّل وجهه إلى القبلة، ثمّ يفتتح الصّلاة).

فتوهم كونها معارضة مع الروايات المفصلة بين الوقت و خارجه في الاعادة و عدمها، بأن يقال: إنها تدلّ على وجوب إعادة الصّلاة و افتتاحها ثانيا إذا تبين وقوعها مستدبرا للقبلة، و إطلاقها يقتضي وجوب الاعادة حتّى في صورة خروج الوقت مثل ما إذا كان مشتغلا بالصّلاة فتبين له وقوع ما مضى من أجزاء صلاته إلى دبر القبلة و خرج الوقت في هذا الحال، أعنى: في أثناء الصّلاة، فيجب بمقتضى إطلاق هذه الرواية قطع صلاته و افتتاحها مجددا، فعلى هذا تدلّ على وجوب الاعادة في صورة الاستدبار حتّى بعد خروج الوقت، فتعارض مع الروايات المفصلة، لأنها دالة على عدم الاعادة في خارج الوقت مطلقا حتّى في صورة وقوع مستدبرا.

____________

(1)- و ليس قابلة للتقييد باخبار المفصلة لأنّ موردها خصوص خروج الوقت، فهي نص في هذه الصورة، و مع ذلك قال (يعيد) بأن العمل بها في قبال الروايات المفصّلة، غير ممكن للزوم طرح الروايات المفصّلة ففي مقام التعارض لا بدّ من ترجيح الروايات المفصّلة لكون العمل على طبقها، فالمرجح لها. (المقرر)

(1)- الرواية 4 من الباب 10 من أبواب القبلة من الوسائل.

226

[في ذكر اشكال و الجواب عنه]

و إن قلت: ان الرواية متعرضة لما إذا تبين الخروج عن القبلة و وقوع ما مضى من صلاته على دبر القبلة في أثناء الصّلاة، و الروايات المفصلة لما تبين الانحراف بعد الصّلاة، فموردهما مختلف فلا تعارض بينهما.

أقول بأنّه بعد وجوب الاعادة إذا تبين في الأثناء في صورة الاستدبار مع أن بعض صلاته وقعت مستدبرا، ففي صورة تمامية الصّلاة إن لم تكن الاعادة ثابتة بالأولوية في صورة الاستدبار، فلا أقل من انّه لا فرق مسلما في هذا الفرض بين وقوع بعض الصّلاة مستدبرا في وجوب الاعادة أو وقوع كلها مستدبرا.

و لكن لا مجال لهذا التوهّم حيث ان الرواية مشعرة أو ظاهرة في ما كان تبين الانحراف مستدبرا في الوقت، لأنه من الواضح أنّ الشخص يصلّي صلاته في الوقت، ففرض صورة كان الشخص مشتغلا في الوقت بالصّلاة ثمّ تبين له انحرافه عن القبلة، و أجاب (عليه السلام) بما يستفاد منه وجوب اعادة هذه الصّلاة إذا كان الانحراف بالغا حدّ الاستدبار، فمورد السؤال و الجواب هو مورد يكون الوقت باقيا، ففرض شمولها لخارج الوقت بعيد في الغاية.

نعم هنا رواية رواها الشّيخ الطوسي شيخ الطائفة (رحمه اللّه) و هي هذه (محمد بن الحسن في النهاية (قال: قد رويت رواية انّه إذا كان صلّى إلى استدبار القبلة ثمّ علم بعد خروج الوقت وجب عليه إعادة الصّلاة، و هذا هو الأحوط و عليه العمل انتهى). (1)

و هذه الرواية تارة يقع الكلام في مقدار دلالتها و أنها هل تعارض مع‌

____________

(1)- الرواية 10 من الباب 11 من أبواب القبلة من الوسائل.

227

الروايات المفصلة أم لا، و تارة يقع الكلام في حجيتها و اعتبارها، و أنها هل تكون رواية اخرى غير ما ذكرنا من أخبار الباب أولا.

[الكلام في مقدار دلالة الرواية]

أما الكلام في مقدار دلالتها، فهي تدلّ على انّه من صلّى و وقع ما صلّيها إلى استدبار القبلة تجب إعادتها في صورة علم بعد خروج الوقت بوقوع صلاته مستدبرا للقبلة، فهي خاص بالنسبة إلى الأخبار المفصّلة، لأنّها تدلّ على وجوب الاعادة في خصوص الاستدبار في خصوص بعد الوقت، فلا بدّ من تقييد أخبار المفصلة بها، و تكون النتيجة هو وجوب الاعادة إذا كان الانحراف بالغا إلى المشرق و المغرب و أزيد من ذلك حتّى صورة الاستدبار في الوقت مطلقا، و لا تجب الاعادة بعد الوقت إلا في خصوص ما إذا كان مستدبرا في صلاته إلى القبلة.

و لا وجه لأنّ يقال: بأن النسبة بين هذه الرواية و الروايات المفصلة تكون عموما من وجه، بأن يقال: ان هذه الرواية خاص باعتبار تعرضها لخصوص صورة الاستدبار و عام باعتبار دلالتها على الاعادة بعد الوقت و خارجه، و الروايات المفصلة عام باعتبار تعرضها لصورة وقوع الصّلاة على غير القبلة- سواء كان وقوعها على غير القبلة بحد الاستدبار، أو إلى المشرق و المغرب أو الأزيد من المشرق و المغرب أنقص من الاستدبار- و خاص باعتبار دلالتها على وجوب الاعادة في خصوص الوقت، فإذا كانت النسبة عموما من وجه فلم تقدمت هذه الرواية على الروايات المفصلة، و ما وجه ترجيح تقديمها.

لأنّا نقول: بأنّه يكون المجال لهذا الكلام في الرواية السابقة أعنى: رواية عمار، على فرض دلالتها على ما توهّم و على فرض تعارضها مع الروايات المفصلة، لأنها على هذا كانت مطلقة بالنسبة إلى الوقت و خارجه، لأنها على ما ذكرنا في وجه‌

228

التوهم تدلّ على وجوب الاعادة في الوقت و خارجه، و أمّا رواية الشّيخ فليست كذلك أعنى: ليست مطلقة من حيث الوقت و خارجه في وجوب الاعادة و ليس شمولها لخارج الوقت في وجوب الاعادة بالإطلاق، بل هي نص في وجوب الاعادة في خارج الوقت، لأنّ المفروض فيها هو صورة العلم بعد الوقت باستدبارها للقبلة، فهي خاص أو مقيّد، فيجب تقييد المطلقات بها، فتكون النتيجة ما قلنا.

[الكلام في اعتبار الرواية الّتي رواها الشيخ (رحمه اللّه)]

و امّا الكلام في اعتبارها و كونها رواية مستقلة غير الروايات الاخر المذكورة في الباب و عدمها، فنقول: بأنّ ما يمكن أن يكون منشأ للاشكال في الرواية من هذا الحيث أمور:

الأمر الأول: أن يقال: بأنّ هذه الرواية مرسلة لأنّ الشّيخ أرسلها بدون أن يذكر سندها، و من تنتهي الرواية إليه فليست بحجة، إذ ربما انّه (رحمه اللّه) لو ذكر سندها لم نعتمد على كل من يكون في طريق الرواية، أو بعضها، لاحتمال عدم كونه ثقة عندنا.

الأمر الثاني: أن عمل الفقهاء كالسيد (رحمه اللّه) و ابن ادريس (رحمه اللّه) و ابن جنيد (رحمه اللّه) على التفصيل بين الوقت و خارجه مطلقا سواء بلغ الانحراف بحد الاستدبار أو لا.

الأمر الثالث: انّه يحتمل كون نظر الشّيخ (رحمه اللّه) في ما (رويت) إلى رواية معمر بن يحيى، أو إلى رواية عمار المتقدم ذكرهما، و فهم (رحمه اللّه) من أحدهما بأن في صورة الاستدبار تجب الاعادة في خارج الوقت، و ذكرنا وجه أن تكون الروايتان دالتين على وجوب الاعادة في خارج الوقت في ما تقدم عند التكلم عن الروايتين.

الأمر الرابع: أن بعض كلمات الشّيخ في بعض كتبه دليل على عدم كون تلك العبارة منه رواية مستقلة غير ساير الروايات، فانّه في التهذيب ذكر الروايات و لم يتعرض لهذه الرواية، بل في الخلاف عبارته صريح في أنّ دليل من يقول بوجوب‌

229

الاعادة حتّى في خارج الوقت في خصوص الاستدبار هو رواية عمار، فعلى هذا ما قال في النهاية ليس نظره الشريف إلى أنّ رواية اخرى غير ما بايدينا وصل إليه، بل نظره إلى ما قال من انّه (رويت الخ) هي رواية عمار بقرينة ما قال في الخلاف، فنقول في الجواب:

أمّا ما في الأمر الأوّل فما توهّم من أنها مرسلة إلى آخر ما ذكر، فنقول: إن الشيخ (رحمه اللّه) عادل و قد أخبر بورود رواية عن أحد المعصومين (عليهم السلام) و إن لم يصرّح بذلك، لأنّ من الواضح أن نظره الشريف من ورود رواية هو ورودها عن أحدهم (عليهم السلام)، و خبر العادل حجة، فلا يضر إرسالها في حجيتها.

أما ما في الثاني فاعلم أن بعض الاعاظم من الفقهاء إما روا هذه الرواية على اختلاف في التعبير كالسيد المرتضى (رحمه اللّه) في الناصريات و الشيخ (رحمه اللّه) في النهاية و بعض آخر، و إما افتوا على طبق ذلك كالمفيد (رحمه اللّه) و بعض آخر، و امّا السيّد المرتضى (رحمه اللّه) و ابن ادريس (رحمه اللّه) فعدم إفتائهما على طبق هذه الرواية يكون من باب أنهما لم يعملا على الخبر الواحد، و أمّا ابن جنيد (رحمه اللّه) فحيث إنه ليس الواصل إلينا وضع فقاهته و إحاطته حتى يمكن لنا التوقف لأجل عدم إفتائه بذلك في قبال الشيخ (رحمه اللّه) و المفيد و غيرهما من الفقهاء لأنّه ليس اثر له إلا كتاب (المختصر الاحمدي في الفقه المحمدي) و يظهر من العلّامة (رحمه اللّه) أن هذا الكتاب وصل بيده، و أمّا بعد العلّامة (رحمه اللّه) فلم نقف على هذا الكتاب، فعمل على طبق هذه الرواية المشهور من الفقهاء و إن كان لها ضعف من أجل ارسالها فهي منجبرة بعمل الاصحاب و إن لم يظهر من كلماتهم استنادهم بها في الفتوى، بل يكفي صرف مطابقة فتوى المشهور مع الحكم المستفاد من الرواية في جبر ضعف سندها.

230

[الكلام في الامر الثالث و الرابع في الرواية الّتي رواها الشيخ]

أما في الأمر الثالث فانّه كيف يمكن أن يقال بكون نظر الشّيخ (رحمه اللّه) في قوله (رويت) إلى رواية معمر بن يحيى أو رواية عمار، لأنه كما قلنا لا يستفاد منهما وجوب إعادة الصّلاة بعد الوقت في خصوص الاستدبار، و لا يستظهر ذلك منهما، فكيف يستند (رحمه اللّه) بهما مع عدم ارتباطهما بما قال من أنّه (رويت رواية أنّ من صلّى إلى استدبار القبلة ثمّ علم بعد خروج الوقت وجب عليه اعادة الصّلاة، و هذا هو الأحوط و عليه العمل) و كيف يمكن أن يقال باختفاء أمر واضح عليه (رحمه اللّه) و أنه تخيل دلالة أحد الروايتين على هذه الفتوى فقال هكذا في النهاية فمن هنا نعلم أن نظره الشريف ليس إلى الروايتين، بل هي رواية اخرى غيرهما.

و امّا في الأمر الرابع فنقول: أنّ عدم تعرض الشيخ (رحمه اللّه) لهذه الرواية الّتي- ذكرها في النهاية- في التهذيب، و كذا الاستدلال لوجوب الاعادة في صورة الاستدبار برواية عمار في الخلاف لا ينافي أيضا مع كونها رواية مستقلة، لأنّ عدم الذكر في بعض كتبه أو الاستدلال لوجوب الاعادة في خارج الوقت في صورة الاستدبار برواية عمار في بعض كتبه، لا يوجب أن يكون ما نقل من الرواية في كتابه الآخر أعنى: النهاية، هو رواية عمار. فإذا لا يبعد كون ما ارسله رواية مستقلة الدالة على وجوب الاعادة في خارج الوقت لو تبيّن استدباره للقبلة.

و عدم ذكر لها في الجوامع الأربعة (الكافي و التهذيب و الاستبصار و من لا يحضره الفقيه) لا يوجب انكار الرواية، لأنّه كانت جوامع اخر سابقة على هذه الجوامع، و ربّما أخذ الشّيخ منها و لم يصل إلينا هذه الجوامع. (1)

____________

(1)- أقول: و مع ذلك كله و لو أنّ سيدنا الاستاد مدّ ظله استوفي الكلام فى هذه الرواية، و جاء

231

هذا تمام الكلام في هذه المسألة و الحمد للّه أولا و آخرا، و في الخلل بعض مسائل اخر لم يتعرض له سيدنا الاستاد مدّ ظلّه.

الجهة الرابعة: في عدم اشتراط الاستقبال في النوافل.

لا إشكال في جواز إتيان النافلة حال السفر، بل في مطلق حال المشي و إن لم يكن في السفر، و يدل على ذلك بعض الروايات، و لا حاجة إلى تعرضها مفصلا، فارجع باب 15 من أبواب القبلة من الوسائل، فإنّ بعض الروايات صريحة في عدم شرطية الاستقبال في النوافل حال السفر و حال المشي، و بعض الروايات يمكن ان يكون دليلا على ذلك بالملازمة، لأنه بعد دلالتها على جواز النافلة حال المشي و الركوب فغالبا يكون المشى و الركوب ملازما مع الخروج عن القبلة، لأنّ الطريق ليس مستقيما، فهو بانحراف الطريق ينحرف عن القبلة، فمن جواز إتيانها حال المشي و الركوب مع كون ذلك ملازما للانحراف عن القبلة نكشف بالملازمة عدم شرطية القبلة للنافلة فى هذا الحال.

فهذا لا إشكال فيه كما انّه لا إشكال في عدم شرطية الاستقبال في حال السفر و مطلق المشي في النافلة حتّى في حال تكبيرة الاحرام، لأنه و إن تدلّ على شرطية القبلة في النافلة في هذا الحال الرواية 12 من الباب 15 من أبواب القبلة من‌

____________

بتحقيقات و نكات، و لكن لم نفهم كون ما ارسله في النهاية رواية اخرى غير ساير روايات الباب مع تصريحه في الخلاف بأن ما يخصص العمومات الدالة على وجوب الإعادة في الوقت و عدمها في خارجه، في خصوص خارج الوقت في صورة الاستدبار هو رواية عمّار، فإذا نظنّ ظنّا قويا بكون نظره في النهاية أيضا إلى رواية عمار، فلا يمكن احراز رواية اخرى حتّى يحكم بمقتضاها بأن في صورة الاستدبار تجب الاعادة حتّى في ما تبين الاستدبار بعد الوقت، و لكن الاحتياط حسن. (المقرّر).

232

الوسائل، إلا أن الرواية 6 بنقل الكليني (لا على ما رواه الشّيخ (رحمه اللّه) من الباب 15 من أبواب القبلة من الوسائل) تدلّ على عدم اشتراط القبلة فيها حتّى في هذا الحال.

[الكلام في انّه هل القبلة ليست شرطا في النوافل او شرطا خرج حال السفر و حال المشي منه]

هذا ممّا لا اشكال فيه، انما الاشكال في أنّه هل القبلة غير معتبرة اى لا تكون شرطا في النافلة أصلا بحيث يجوز إتيانها إلى غير القبلة حتّى في حال الاستقرار، أو ليس كذلك، بل القبلة شرط فيها، غاية الأمر خرج حال السفر و حال المشي، و يبقى الباقي، و لا يخفى عليك أنّ الكلام يكون في دخلها و عدم دخلها شرطا، فإن كانت شرطا فإن نافلة بدون الشرط لم تقع صحيحا، و إن لم تكن شرطا فيها فتقع النافلة بدون وجودها صحيحة، و ليس الكلام في أنّ القبلة واجب فيها بالوجوب التكليفي، أو ليس بواجب حتّى يتوهم أحد و يقول: انّه كيف يمكن أن تكون القبلة واجب في النافلة مع كون نفس النافلة مستحبة، فمن أجرى البحث إلى هذا المقام، و توهم كون النزاع في كون القبلة واجبا فيها بالوجوب التكليفي و عدمه، فقد بعد عن طريق الصواب بمراحل، بل النزاع يكون في الوجوب الوضعي، و هو عبارة عن أن القبلة شرط فيها أولا.

[الامر الاول من الامور الّتي تمسّك به في هذا الباب]

إذا عرفت ذلك نقول بعونه تعالى: إن ما تمسك به في هذا الباب بعض امور نعترض لها:

الأمر الأول: و هو الّذي تكون العمدة في المسألة، الرواية الّتي رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (أنّه قال: لا صلاة ألّا إلى القبلة: قال: قلت: أين حد القبلة؟ قال:

ما بين المشرق و المغرب قبلة كله. قال: قلت: فمن صلّى لغير القبلة، أو في يوم غيم في‌

233

غير الوقت؟ قال: يعيد.) (1)

وجه الاستدلال هو المستفاد من قوله (لا صلاة إلا إلى القبلة) أنّه نفي الصلاتيّة من صلاة ليست إلى القبلة و بعد كون لا صلاة مفيدا للعموم فيعم هذه العبارة لكل صلاة، فكل صلاة من الصلوات يعتبر فيها القبلة سواء كانت صلاة فريضة أو نافلة. (2)

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 9 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- أقول: و أوردت عليه مد ظله في المجلس البحث و قلت: بأنّ قوله (لا صلاة إلا إلى القبلة) على فرض اطلاقها في حدّ ذاته بحيث يشمل النافلة، و لم يكن مختصا بالفريضة، و لكن ذيل الرواية و هو قوله (فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت قال يعيد) مناف مع كون الاطلاق لقوله (لا صلاة إلا إلى القبلة) لأنّ وجوب الاعادة المستفاد من قوله (عليه السلام) (يعيد) لا يساعد إلا مع كون (لا صلاة الا الى القبلة) مختصا بالفريضة، لأنّ في الفريضة تجب الإعادة إذا وقعت على غير القبلة لا النافلة.

و قال مدّ ظله في الجواب: بأنّ (يعيد) ليس الا في مقام بيان عدم وقوع الصّلاة الواقعة على غير القبلة واجدة للشرط و أنّه لأجل كونها غير واجدة للشرط لم يأت بها المكلف، فلو كان المكلف في مقام تحصيل مطلوب المولى فلا بدّ له من اعادتها مع القبلة، فعلى هذا في الفريضة الواقعة بدون شرط القبلة لا بد له في مقام حفظ مطلوب المولى من اعادتها مع الشرط، و ان كانت نافلة و كان في صدد تحصيل مطلوب استحبابى المولى فلا بدّ له أيضا من إعادة النافلة الواقعة بلا شرط مع الشرط مجددا فقوله (عليه السلام) (يعيد) لا ينافي مع كون (لا صلاة إلا إلى القبلة) شاملة للفريضة و النافلة، فقوله (عليه السلام) (بعيد) يدلّ على أنّه بعد ما (لا صلاة إلا إلى القبلة) فمن صلّى إلى غير القبلة لم يأت صلاته و لم يوجد مطلوب المولى، بل لا بد له من الاعادة فى مقام تحصيل مطلوب المولى، فإن كان مطلوبه وجوبيا فتجب الاعادة قهرا، و ان كان مطلوبه استحبابيا لا تجب الاعادة، بل إن كان في مقام إتيان مطلوب استحبابي المولي فيستحب له الاعادة في ما يكون أمر الاستحبابي باقيا.

234

[الامر الثاني لاشتراط القبلة مطلقا]

الأمر الثاني لاشتراط القبلة مطلقا: ما قيل من عدم معهودية الصّلاة مستقرا إلى غير القبلة عند المتشرعة بل يرون ذلك من المنكرات.

و فيه انّه لا عبرة بما قيل، فإنه لو فرض كون المعهود عندهم هو الصّلاة إلى القبلة، فلا يصير ذلك وجها لعدم جواز غير ذلك عندهم، بل يمكن أن يكون مختارهم من الصّلاة إلى القبلة يكون من باب كون الأفضل إتيانها إلى القبلة، لا لزوم ذلك بحيث يكون مع فقدها الصّلاة باطلة، و لا يمكن دعوى السيرة في العدميّات و إلّا فلا بد من الالتزام بعدم جواز كل فعل لم يصدر من المتشرعة (و من هذا القبيل بعض امور اخر تمسك به لاعتبار القبلة في النافلة حال الاستقرار).

أما الروايات الّتي تمسك بها لعدم اعتبار القبلة في النافلة مطلقا حتّى حال الاستقرار (منها الروايات الواردة في سقوطها حال السفر بدعوى عدم فرق بين السفر و غيره، كما يظهر من مطاوي كلمات الحاج آقا رضا الهمداني (رحمه اللّه). (1)

و فيه انّه مع الفرق الواضح بين السفر و المشي و بين حال الاستقرار، كما يظهر من بعض روايات الباب من أن ذلك ضيق في السفر، انّه لو لم يثبت الفرق من أين‌

____________

و لكن كما قلت لا يمكن أن يقول كذلك، لأنه و ان كان دخل القبلة في الصّلاة بنحو الشرطية، و معناه عدم تمامية الصّلاة إلا متوجها إلى القبلة، لا أنها واجب بالوجوب التكليفي، و الاعادة تكون من باب عدم حصول ما هو شرط في الصّلاة و لكن مع ذلك بعد عدم اتيان الصّلاة مع شرائطه، فالاعادة، واجبة بالوجوب التكليفي لا الوجوب الشرطي بحيث يكون المكلف معاقبا على ترك الاعادة، لأنه ما اتى بما وجب عليه و هو الصّلاة كما امر بها، فقوله (عليه السلام) (يعيد) في الرواية ظاهر في الوجوب و على هذا الظهور يستفاد أن قوله في الصدر (لا صلاة إلا إلى القبلة) ليس لها إطلاق يشمل النافلة. (المقرّر).

(1)- مصباح الفقيه، ص 111.

235

اثبت عدم الفرق حتّى يقال: بأنّه كما لا تعتبر القبلة حال السفر و المشي كذلك لا تعتبر حال الاستقرار.

و منها ما رواها محمد بن مسعود العياشي في تفسيره عن زرارة (قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام): الصّلاة في السفر في السفينة و المحمل سواء؟ قال: النافلة كلها سواء تؤمي ايماء أينما توجهت دابتك و سفينتك، و الفريضة تنزل لها عن المحمل إلى الأرض إلّا من خوف، فإن خفت أومأت، و امّا السفينة فصلّ فيها قائما و توخّ القبلة بجهدك، فإن نوحا (عليه السلام) قد صلّى الفريضة فيها قائما متوجها إلى القبلة و هي مطبقة عليهم. قال:

قلت: و ما كان علمه بالقبلة فيتوجهها و هي مطبقة عليهم؟ قال: كان جبرئيل (عليه السلام) يقومه نحوها. قال: قلت فأتوجه نحوها في كل تكبيرة؟ قال: أما النافلة فلا إنما تكبّر على غير القبلة اللّه اكبر، ثمّ قال: كل ذلك قبلة للمتنفّل أينما تولّوا فثمّ وجه اللّه). (1)

وجه الدلالة ذيل الرواية قال (أما النافلة الخ) فهو يدلّ على عدم كون النافلة مشروطة بالقبلة مطلقا.

[الاحتياط مراعاة القبلة في النوافل في حال الاستقرار]

و فيه انّه إذا تأملنا في الرواية نرى أنّها أيضا مخصوصة بحال السفر، فالذيل لا يدل إلا على عدم اشراطها بالقبلة حال السفر في السفينة و على الدابة، و لا إطلاق لها يشمل لكل مورد حتّى حال الاستقرار.

و منها ما ورد في باب الالتفات عن القبلة حال الصّلاة، و هي الرواية رواها محمد بن ادريس في آخر السرائر نقلا من كتاب الجامع للبزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) (قال: سألته عن الرجل يلتفت في صلاته، هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كانت‌

____________

(1)- الرواية 17 من الباب 13 من أبواب القبلة من الوسائل.

236

الفريضة و التفت إلى خلفه، فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلّى و لا يعتد به، و إن كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته و لكن لا يعود.) (1)

و رواه الحميري في قرب الاسناد (2) عن عبد اللّه بن الحسن عن جده علي بن جعفر من أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (3)، و قال مد ظله بان هذه الرواية وردت في الالتفات عن القبلة و انّه من القواطع و هذه الجهة غير ما نحن فيه و هو بيان شرطية القبلة للصّلاة و عدمها، نعم يمكن أن يقال: بأنّه بعد كون الالتفات قاطعا نستكشف كون التوجّه نحو القبلة واجبا، و من عدم كونه قاطعا نستكشف عدم شرطيته.

هذه جملة ممّا يمكن أن يقال في طرفي المسألة، و لكن الاحتياط هو مراعات القبلة في النوافل حال الاستقرار، فافهم.

[الجهة الخامسة: في عدم جواز اتيان صلاة الفريضة على الراحلة في غير حال الضرورة]

الجهة الخامسة: لا اشكال في عدم جواز إتيان صلاة الفريضة على الراحلة في غير حال الضرورة، و جواز ذلك حال الضرورة، كما لا إشكال في جواز إتيان‌

____________

(1)- الرواية 8 من الباب 3 من أبواب القواطع من الوسائل.

(2)- قرب الاسناد ص 107 ح 381.

(3)- (و ربّما يتوهم أن هذه تدلّ على اعتبار القبلة في النافلة في الجملة، لأنّ مورد الروايات ليس العمد، لبعد توجه أحد في الفريضة إلى دبر القبلة، فيكون موردها صورة النسيان، و في النافلة في صورة كونه ناسيا قال (لم يقطع ذلك صلاته) فهذا دليل على أن القبلة معتبرة فيها في الجملة، غاية الأمر في صورة النسيان لا تعتبر ذلك، و لكن قوله في ذيل الرواية في النافلة (لم يقطع ذلك صلاته و لكن لا يعود) دليل على أن الالتفات المفروض للسائل كان عمدا، لأنه قال في النافلة (لا يعود) يعني: لا تجدد هذا العمل، فإن كان فعله أوّلا ناسيا لا معنى للنهي عن العود، فهذه الرواية لا تبعد دلالتها على عدم اشتراط القبلة في النافلة بحيث مع عدمها كانت النافلة باطلة، نعم يمكن أن يقال بكون ذلك مستحبا في النافلة، و بعد ما قلت بدلالة الرواية على عدم الاشتراط تمّ البحث، و لم يتعرض سيدنا للرواية و أنها تدلّ على ذلك أم لا.

237

النافلة على الراحلة مطلقا حتّى في غير حال الضرورة، و يدل على الحكمين بعض ما ورد في الباب، فارجع باب 14 و باب 15 من أبواب القبلة من الوسائل، إنما الكلام في موردين:

[الروايات المتعارضة في النافلة المنذورة]

المورد الأول: في النافلة الّتي صارت واجبة بالعرض مثل ما لو نذر إتيان نافلة، فإنها نافلة ذاتا و صارت واجبة بالعرض، و أن حكمها حكم النافلة بعد طروّ حيث الوجوب، أو حكم الفريضة حتّى يجوز إتيانها على الراحلة على الأول، و لم يكن جائزا على الثاني.

الأمر الثاني: يقع الكلام في الفريضة الّتي صارت نافلة بالعرض مثل صلاة المعادة، فإن من صلّى فرادى مثلا يستحبّ له إتيان صلاته مجددا و إعادتها جماعة، فهل يجوز إتيان مثل هذه الصّلاة على الراحلة بدعوى كونها نفلا فعلا فحكمها حكم النافلة، أو لا يجوز ذلك بدعوى كون حكمها حكم الفريضة و إن صارت نفلا بالعرض.

أمّا الكلام في المورد الأوّل فنقول: إنّ في الباب تكون روايتان يمكن دعوى شمولهما للمورد أعنى: للنافلة الّتي صارت فريضة بالعرض، فلا يجوز اتيانها على الراحلة.

الرواية الأولى: ما رواها عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

لا يصلّي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة، و يجزيه فاتحة الكتاب، و يضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شي‌ء، و يؤمى في النافلة إيماء). (1)

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 14 من أبواب القبلة من الوسائل.

238

الرواية الثانية: ما رواها عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبى عبد اللّه (عليه السلام):

أ يصلّي الرجل شيئا من الفروض راكبا؟ فقال: لا إلا من ضرورة). (1)

وجه الاستدلال هو أن قوله في الرواية الأولى (لا يصلّي على الدابة الفريضة) و قوله في الثانية (أ يصلّي الرجل شيئا من الفروض) تدلّ على أن الفريضة لا يجوز إتيانها على الدابة أو راكبا، و المراد من الفريضة ليس خصوص الفرائض المعهودة، بل إطلاقها يشمل كل فريضة، و منها هذه الفريضة، و هي النافلة صارت فريضة بالعرض.

و في قبال الروايتين وردت رواية اخرى، و هي ما رواها علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (قال: سألته عن رجل جعل للّه عليه أن يصلّي كذا و كذا، هل يجزيه أن يصلّي ذلك على دابته و هو مسافر؟ قال: نعم). (2)

و هذه الرواية تدلّ بظاهرها على جواز نافلة المنذورة على الدابة، فإن فرض إطلاق للروايتين المتقدمتين، فيقيّد إطلاقهما بهذه الرواية، فمقتضى الجمع بينهما و بين هذه الرواية هو جواز إتيان هذا القسم من النافلة على الراحلة، فلو لم يكن وجه آخر لجواز إتيان نافلة المنذورة على الراحلة، لكفي لنا هذه الرواية.

و ربّما يتوهّم أنّ النسبة بين الروايتين و بين هذه الرواية تكون عموما من وجه، لأنّ الروايتين أعم من حيث شمولهما لما هو فرض ذاتا و ما هو فرض بالعرض، و خاص باعتبار دلالتهما على عدم جواز إتيان الفريضة على الدابة راكبا في خصوص غير حال الضرورة، و أمّا في حال الضرورة فيجوز إتيان الفريضة‌

____________

(1)- الرواية 6 من الباب 14 من أبواب القبلة من الوسائل.

(2)- الرواية 6 من الباب 14 من أبواب القبلة من الوسائل.

239

بمقتضى الروايتين، و رواية علي بن جعفر اعم من جهة، و هي ظهورها في جواز إتيان نافلة المنذورة على الدابة حتّى في غير حال الضرورة، و أخص باعتبار كون موردها خصوص نافلة المنذورة، فإذا كانت النسبة بينهما عموما من وجه فلم قدّمت رواية علي بن جعفر عليهما و قيدت بها الروايتين، بل يمكن العكس و تكون النتيجة جواز إتيان نافلة المنذورة على الدابة في خصوص حال الضرورة، فما وجه ما قلت من تقييدهما بهذه الرواية حتّى كانت النتيجة جواز اتيان نافلة المنذورة على الدابة مطلقا.

و لكن هذا توهّم فاسد، لأنه أولا يمكن منع شمول الفريضة الواردة في الروايتين على اختلاف التعبير فيهما للمورد، و كون إطلاق لهما يشمل المورد، لإمكان منع ذلك.

و ثانيا لو فرض تسليم ذلك نقول: بأنّ مورد تعارض الروايتين مع رواية علي بن جعفر يكون في النافلة المنذورة في غير حال الضرورة، لأنه لو كانت الضرورة فلا إشكال في الجواز و إن كانت الصّلاة فريضة اصلية فالتعارض فى هذا المورد، لأنّ مقتضى إطلاق الروايتين عدم جواز إتيان نافلة المنذورة في غير حال الضرورة، و مقتضى إطلاق هذه الرواية جواز اتيانها في غير حال الضرورة.

فإذا كان الأمر كذلك، فحيث ان الميزان في مقام الجمع الدلالى هو الأخذ بأقوى الظهورين بحكم العرف، فنقول: بأنّه نرى أنّ رواية علي بن جعفر بحسب ظاهرها أقوى ظهورا لشمولها لمورد غير الضرورة من الروايتين، بل يمكن ادعاء أنّ نظر السائل فيها إلى خصوص حال غير الضرورة، خصوصا لو قلنا: بأنّ مثل علي بن جعفر- مع كون مسئلة جواز الصّلاة على الراحلة من المسائل الّتي مورد‌

240

تعرض العامة- فهو كيف لا يدري مع جلالته بأنّ الصّلاة حتّى الفريضة يجوز اتيانها على الراحلة حال الضرورة، فلا بدّ و أن يكون سؤاله راجعا إلى مورد نذر النافلة في غير حال الضرورة، فعلى هذا تكون الرواية نصا في غير مورد الضرورة، فتقدم على الروايتين بلا إشكال لأنّهما مطلقتان و هي مقيّدة.

هذا كله بمقتضى ما يستفاد من الروايات في الباب، و يمكن أن يقال: بعدم شمول بعض الروايات الدالة على عدم جواز إتيان الفريضة على الراحلة في غير حال الضرورة للنافلة الّتي صارت واجبة بالعرض بأن يقال: إنّ ما يدلّ من الروايات على عدم إتيان الفريضة على الراحلة في غير حال الضرورة فيه احتمالان:

الاحتمال الأول: أن يكون المراد من الفريضة هي الطبائع المعنية في الخارج مثل الفرائض اليومية، فتكون الروايتان في مقام بيان عدم جواز إتيان هذه الطبائع مع عدم الضرورة على الراحلة، و على هذا تكون الفريضة في الرواية الأولى و المفروض في الرواية الثانية إشارة إلى الطبائع المعينة الّتي تكون فريضة، فإن كان الأمر هكذا فلا يشمل لفظ الفريضة و الفروض إلا هذه الطبائع، و لا يشمل للنافلة المنذورة.

و بعبارة اخرى يكون المراد من الفريضة و المفروض ما كان فرضا ذاتا لا ما صار واجبا بالعرض، فإن النافلة المنذورة نافلة واجبة لا الفريضة.

[المراد من الفريضة ما كان ذاتا واجبا لا بالعرض]

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد من الفريضة و المفروض في الروايتين ما يكون فرضا غير مشير إلى الطبائع المعينة، و بعبارة اخرى ما هو فرض فعلا، و إن لم يكن فرضا ذاتا، فيشمل النافلة المنذورة أيضا لانها فريضة فعلا.)

و الأقوى الاحتمال الأول، فإنّ الفريضة بحسب إطلاقها تكون إشارة إلى‌

241

الطبائع المعينة، فلا تشمل للنافلة المنذورة، و بعبارة اخرى الفريضة تكون ما هي فريضة ذاتا، لا ما تكون فريضة فعلا.

فنقول: قد تحصل أن النافلة الّتي عرضها الوجوب يجوز إتيانها على الراحلة حتى في غير حال الضرورة.

أما الكلام في المورد الثاني أعنى: في الفريضة الّتي صارت نفلا بالعرض مثل الفريضة المعادة، فنقول: إنّه لا يبعد عدم جواز إتيانها على الراحلة في غير حال الضرورة، لأنّ شمول الادلة الدالة على إتيان النافلة على الراحلة حتّى مع عدم الضرورة لما نحن فيه غير مسلم، مضافا إلى أنّ ما بينا لك في المورد الأوّل من أنّ الظاهر من الفريضة بنظر العرف يكون إشارة إلى الطبائع المعينة الّتي تكون فريضة لا إلى كل ما يصير واجبا، كذلك نقول: بأنّ الظاهر من النافلة، الطبائع بحسب وضعها الشرعي تكون نافلة، و بعبارة اخرى نافلة ذاتا لا ما صار نفلا بالعرض.

242

هذا تمام الكلام في هذه المسألة و الحمد للّه أوّلا و آخرا و صلى اللّه على رسوله و آله و سلم.

هذا تمام المباحث الّتي تعرّضها سيدنا الاستاد مدّ ظله في القبلة، و قد قرّرنا ما أفاده مد ظله مع بعض ما خطر ببالي القاصر، و قد فرغ من المباحث المتعرضة لها في القبلة في اليوم الرابع عشر من شهر ربيع الأوّل سنة 1370 و أنا الاقل على الصافي الگلپايگاني اللهم اجعل عواقب امورنا خيرا.

243

المقدّمة الرابعة: في الستر و الساتر

و بعد لما فرغ سيدنا المعظم و استادنا الاعظم آية اللّه العظمى الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي متعنا اللّه بطول بقائه عن المباحث المتعلقة بالقبلة، شرع في اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأوّل سنة 1370 في المباحث الراجعة إلى الستر و الساتر، و أسأل اللّه لأنّ يوفقني لفهم ما يقول مد ظله، و تحريره مع ما يخطر ببالي القاصر، و يجعلني من أهل العلم و العمل، و يوفقني لترويج دينه و يجعل عاقبة أمري خيرا.

فنقول بعونه تعالى يقع الكلام:

تارة فى الستر أعنى ما يجب على المكلف ستره من بدنه امّا بالوجوب النفسى و اما بالوجوب الشرطى:

فالاوّل: ما يجب على كل مكلف ستره من بدنه مطلقا و لو في غير حال الصلاة و معنا وجوبه النفسى أنّه يستحق الثواب على فعله و العذاب على تركه.

244

و الثّاني: ما يجب عليه ستره من بدنه حال الصلاة بالوجوب الشرطي أعنى لو ستر هذا المقدار من بدنه فقد أتى بشرط صلاته، و إن لم يستر حال الصّلاة و صلّى بدون ذلك، فصلاته فاقدة للشرط، و ليس على ترك نفس هذا الشرط عقاب، بل الثواب و العقاب يدور مدار إتيان الصّلاة واجدة للشرائط و عدم اتيانها.

و تارة في الساتر أعنى: ما به يستر المكلف نفسه، و فى هذا المقام ليس السّاتر بما هو ساتر مورد الكلام، و إن كان كلام في هذا المقام فيكون في اللباس الذي يلبس المكلف و لو لم يستر به، فيقع الكلام في أنّ اللباس الّذي يصير ساترا لا بدّ و أن يكون خاليا عن بعض الموانع، و يأتي الكلام فيها إن شاء الله، ففي هذا المقام يقع الكلام في ما هو مانع.

إذا عرفت ذلك ظهر لك ما هو السر في التعبير في كلماتهم بأنّ الكلام يكون في الستر و الساتر، لأنّ البحث في الستر من حيث غير ما يبحث في الساتر فافهم.

و اعلم أنّ الكلام ليس في مقدار يجوز النظر على المكلف من الرجال و النساء، و ما لا يجوز النظر، بل الكلام في الستر الواجب عليهم، فإن ثبت وجوب الستر في مورد أو عدمه في مورد آخر، فلا يلازم ذلك مع عدم جواز النظر و جواز النظر به، إذ ربما قلنا بوجوب الستر في مورد، و لم نقل بعدم جواز النظر إليه، أو قلنا بعدم وجوب الستر و لكن قلنا بحرمة النظر إليه.

245

المورد الاوّل: يقع في الستر

ثمّ إنّ الكلام في المورد الأوّل اعنى فى الستر يقع في مقامين:

المقام الأول: في المقدار الّذي يجب على المكلف ستره من بدنه مطلقا و لو في غير حال الصّلاة.

و المقام الثاني: في المقدار الّذي يجب ستره من بدنه في خصوص حال الصّلاة.

أما الكلام في المقام الأوّل فنقول- بطريق الاختصار، لأنّ المقام ليس مقام تعرضه بنحو المستوفي- إنّ التكلم في هذا المقام يقع تارة في الستر الواجب على الرجال، و تارة يقع في الستر الواجب على النساء.

[يقع الكلام في مفاد آية الشريفة من سورة النور الآية]

أما الستر الواجب على الرجال، فنقول: اعلم أنّ المسلم عند المسلمين من الخاصة و العامة هو وجوب ستر العورتين على الرجال بمعنى: وجوب ستر القضيب و الانثيين و المقعد، و هذا المقدار مسلم عند الفريقين، و يدل على ذلك قوله تعالى في‌

246

سورة النور قال عزّ من قال قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ الخ (1) فأوجب سبحانه تعالى غضّ البصر عليهم، و حفظ فروجهم، و نحن نتكلم في الجهات الراجعة إلى مفاد الآية في طي امور:

الأمر الأول: يقع الكلام في مفاد قوله تعالى يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ فقال الأخفش بكون (من) في قوله (من ابصارهم) زائدة، و قال بعض بكون (من) هنا للتبعيض، فان كانت من زائدة فتكون المعنى انّه يجب غض أبصارهم، و إن كانت من هنا للتبعيض فإمّا يكون التبعيض باعتبار الابصار أعنى: يجب الغض عن ابصار بعض الامور، و ليس الأمر بحيث يجوز ابصار كل شي‌ء، و لا أن يكون الحرام ابصار كل شي‌ء، بل الابصار جائز إلى بعض الاشياء و حرام بالنسبة إلى بعض الاشياء، و إمّا يكون التبعيض باعتبار المبصر (بالفتح) أعنى: لا يجوز أن ينظر المرء إلى كل ما يكون مبصرا.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنّه لا يمكن أن يقال: بعدم جواز النظر إلى كل شي‌ء على المؤمنين باعتبار أن اللّه تعالى يقول (يغضوا من أبصارهم) فهو عز شانه لم يعين مورد عدم جواز النظر، و حذف المتعلّق يفيد العموم، فلا يجوز النظر إلى شي‌ء من الاشياء، لأنّ بطلان ذلك مسلم من الدين، لأنه بالضرورة يجوز النظر إلى بعض الاشياء، فوجوب الغض لا إشكال في كونه بالنسبة إلى بعض المواضع و بعض الأشياء، كما أنّ (من) إن كانت للتبيض يقتضي ذلك.

و ما يمكن أن يقال فى هذا المقام هو انّه إذا لوحظ قوله تعالى (يغضوا من‌

____________

(1)- سورة النور، الآية 30.

247

أبصارهم) مع قوله (و يحفظوا فروجهم) ترى أن البلاغة تقتضي كون مورد وجوب الغض هو المورد الّذي يجب حفظه من أن ينظر إليه، فكأنّ اللّه تعالى في مقام إثبات أمرين: أحدهما وجوب حفظ الفرج من أن ينظر إليه، و ثانيهما وجوب الغض عن ذلك، يعني لا تنظر إلى عورة الغير، و لا تجعل عورتك معرضا لأنّ ينظر إليه، بل أستره عن الناظر، فالبلاغة مقتضية لأنّ نقول: ان المراد هو وجوب غض البصر عن عورة الغير فبناء على هذا ما يأتي بالنظر هو كون المراد وجوب غض البصر على الرجال عن عورات غيرهم، لا وجوب غض البصر مطلقا عن كل شي‌ء، لعدم وجوب في ذلك بالضرورة من الدين، نعم بمقتضى شان نزول آية المباركة هو وجوب الغض على الرجال أزيد من عورات النساء، لأنّ رواية 4 من الباب 104 من أبواب النكاح من الوسائل تدلّ على ذلك، فارجع الرواية.

[في وجوب ستر العورة على الرجال]

الأمر الثاني: اعلم أن الواجب على الرجال هو ستر العورتين بمعنى وجوب ستر القضيب و الانثيين و المقعد، و هذا المقدار كما قلنا مسلم عند الفريقين، و المشهور عند العامة وجوب الستر من السرّة إلى الركبتين، بل قال أبو حنيفة بوجوب ستر نفس الركبتين أيضا و المقدار الثابت من الآية أيضا هو العورتين، لأنّ قوله (و يحافظوا فروجهم) و ان كان المراد من الفرج لغة معنى أخص من شموله لكلا العورتين إلا ان الفرج بحسب إطلاقه العرفي يطلق على العورتين.

الأمر الثالث: يقع الكلام في الناظر الّذي يجب على الرجال ستر العورة منه، لا إشكال في وجوب الستر عن النساء، و كذا الرجال، و كذا الصبي المميز، و أمّا الصبي الغير المميز الّذي لا يلتفت إلى هذه الخصوصيات، و لم يكن فرق في شعوره بين العورة و غيرها فوجوب الستر عنه غير معلوم، و أمّا المجنون فإن كان مثل الصبي‌

248

الغير المميز، فهو أيضا وجوب الستر عنه غير معلوم، لعدم اطلاق لقوله (و يحافظوا فروجهم) يشمل لهذا المجنون، و أمّا المجنون الّذي له المشاعر، و مع جنونه يتلفت إلى هذه الخصوصيات، فلا يبعد وجوب ستر العورة عنه، و كذلك يجب ستر العورة عن الخنثى على الرجال.

و أمّا الكلام في أنّه يجب الستر في خصوص صورة العلم برؤية الناظر، أو مع الظن بذلك، أو حتّى مع الاحتمال فيأتي الكلام فيه بعد التكلم في وجوب الستر على النساء، و الجهات الراجعة إليها بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.

هذا تمام الكلام في الجهات الراجعة إلى الستر الواجب على الرجال بطريق الاختصار.

[الكلام في الستر الواجب على النساء]

و أمّا الكلام في الستر الواجب على النساء فنقول: إنّه تارة يقع الكلام يستفاد من بعض الآيات الشريفة، و تارة يقع الكلام في ما يستفاد من الروايات.

أما الكلام في بعض الآيات فنقول: قال اللّه تعالى في سورة النور (1) قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ الخ.

تدلّ الآية على وجوب غض البصر عليهنّ و ستر الفروج، لأنّ المراد من حفظ الفرج هو الستر، كما يدلّ عليه ما روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) على ما في مجمع البيان (2) المستفاد منه أن كل آية من الآيات القرآنية الّتي فيها حفظ الفرج، فالمراد‌

____________

(1)- سورة النور، الآية 31.

(2)- مجمع البيان، ج 7 و 8، ص 138.

249

منه حفظه عن الزنا إلا هذه الآية، فإن المراد منه ستره، و المراد من قوله (و لا يبدين زينتهن) ليس النهي من ابداء نفس الزينة، لأنّ إظهارها بدون أن تكون في البدن لا مانع منها، فإنه لا يحرم إبداء الخلخال مثلا بنفسه، بل المراد عدم جواز إبدائها إذا كانت في مواضعها، فالنهي يكون من الزينة الواقعة في مواضعها من البدن كما أنّ المناسب ذلك، لأنّ إظهارها فى حال وقوعها في مواضعها موجب لتهييج الشهوة، و لكن استثنى منها ما ظهر منها، و يأتي الكلام إنشاء اللّه في ما هو المراد ممّا ظهر منها.

و المراد من قوله (وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ) كما يظهر من بعض التفاسير أيضا هو القاء الخمار أعنى: المقنعة و بالفارسية (چارقد) على صدورهن و لا يصنعن كما تصنع قبل ذلك من إلقاء ذيل الخمار و أطرافه على ظهورهن بحيث يكشف بذلك جيوبهنّ و صدورهن، بل وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ يعني:

يسترن صدورهن بالخمار، و امّا أنّه تعالى تكرر قوله (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) فلعله كان قوله أولا (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) لبيان عدم جواز إبدائها إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا، و ذكره ثانيا كان لاجل أن يعلمن انّه لا يجوز إبداء الزينة إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ الخ، فهذا ما يستفاد من الآية، و ما ينبغي أن يقال فيها بنحو الاجمال.

و قوله تعالى في سورة الاحزاب يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ وَ بَنٰاتِكَ وَ نِسٰاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلٰا يُؤْذَيْنَ وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً (1) الجلباب أكبر من خمار المرأة، و هو الّذي يغطي رأسها و وجهها، فالظاهر من قوله تعالى هو وجوب ستر الرأس و الوجه بالجلباب، لأنّ المراد من قوله (يدنين عليهن) هو الستر على أنفسهنّ بالجلباب، كما يقال: أدنى عليك ثوبك كما قال‌

____________

(1)- سورة الاحزاب، الآية 59.

250

الكشاف، أي: أرخى عليك ثوبك، و الجلباب بعد ما يكون ثوبا يغطي الرأس و الوجه، فالمراد ستر الوجه و الرأس بالجلباب، فيستفاد من هذه الآية وجوب ستر الرأس و الوجه بالجلباب.

[الكلام في الروايات الواردة في الباب]

أما الكلام في الروايات فنقول: ان الكلام في الروايات المتمسكة بها لوجوب ستر تمام البدن على المرأة حتّى الوجه و الكفين، بعد ما لا إشكال في وجوب ستر غير الوجه و الكفين على النساء بالضرورة عند المسلمين من الخاصّة و العامة، فنحن نكون في مقام بيان ذكر ما يمكن أن يستدل بها على وجوب الستر على النساء الوجه و الكفين فنقول:

منها ما روي في طرق العامة (المرأة عورة) و على نقل بعضهم (جسد المرأة عورة) أو (بدن المرأة عورة) أو (النساء عورة) و روي أيضا في طرقنا، فقد روي هذا المضمون على اختلاف في اللفظ مع إضافة في رواياتنا.

أحدها: ما رواها محمد بن علي بن الحسين (قال: قال (عليه السلام): إنما النساء عىّ و عورة فاستروا العورة بالبيوت و استروا العي بالسكوت.) (1)

و رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ذكر مثله، إلا انّه ترك لفظ إنما، و رواه الشّيخ في المجالس و الاخبار باسناده عن هشام بن سالم مثله.

ثانيها: ما رواها محمد بن الحسن في المجالس و الاخبار تنتهي سندها إلى فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن جدها علي بن ابى طالب (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 24 من أبواب النكاح من الوسائل.

251

النساء عيّ و عورات فداووا عيّهنّ بالسكوت و عوراتهنّ بالبيوت). (1)

ثالثها: ما رواها محمد بن يعقوب و تنتهي سندها إلى مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تبتدءوا النساء بالسلام، و لا تدعوهن إلى الطعام فإن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: النساء عيّ و عورة فاستروا عيّهنّ بالسكوت و استروا عوراتهنّ بالبيوت.) (2)

أما ما روى في طريق العامة (النساء عورة) أو (جسد المرأة) أو (بدن المرأة) أو (المرأة عورة) فهي و ان كانت من النبويات و النبويات إذا لم تكن في طرقنا ضعيفة في حدّ ذاتها إلا أنّ هذه الرواية منجبرة بعمل أصحابنا حتّى أن العلّامة (ره) قال في المنتهى عند التعرض لمسائل الستر (مسئلة: و جسد المرأة البالغة الحرة عورة بلا خلاف بين كل من يحفظ عنه العلم لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المرأة عورة الخ) فهذا الكلام أعنى: قوله بلا خلاف بين كل من يحفظ عنه العلم، كاف في انجبار ضعف سند الرواية، مضافا إلى ورود هذا المضمون مع اختلاف يسير في طرقنا، و هي الروايات الثلاثة المتقدّمة.

[الكلام في تشبيه النساء بالعورة]

أما الكلام في دلالة هذه الرواية و هي (المرأة عورة أو بدن المرأة أو جسد المرأة أو النساء عورة) فنقول: إنّه من الواضح أنّ العورة عبارة عن السوأة، و من الواضح أنّه ليست المرأة عورة بهذه المعنى، فإذا كنّا نحن و هذا الاطلاق مع ما يرى من المراد من العورة عند العرف، فهو (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شبه النساء بالعورة، و ما يكون وجه شبهه بحسب نظر العرفي، هو أنّ العورة كما تجب سترها و لا يجوز كشفها، كذلك يجب‌

____________

(1)- الرواية 6 من الباب 24 من أبواب النكاح من الوسائل.

(2)- الرواية 1 من الباب 131 من أبواب النكاح من الوسائل.

252

ستر النساء.

و هذا البيان أبلغ تشبيه و أحسن بيان في التشبيه، لأنّ التشبيه تارة يكون بألفاظ الدالة على التشبيه، و تارة من غاية الشباهة بين المشبه و المشبه به يلقى المتكلم ألفاظ الدالة على التشبيه، و يحمل المشبه على المشبه به فتارة يقول: زيد كالاسد، و تارة يقول: زيد الاسد، فالثاني دليل على قوة الشباهة عند المتكلم و البلاغة في هذا النحو، فهو (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقل (المرأة كالعورة) بل قال (المرأة عورة) فبعد معلومية عدم كونها عورة حقيقة، فنفهم من هذا الاستعمال تنزيل المتكلم المرأة منزلة العورة، فبعد ما نرى من انّه نزّلها منزلة العورة و شبهها بها، فلا بدّ من كونها بنظر المتكلم شبيهة بها في جهة، فإذا نعرض هذا الكلام و هذا التشبيه بالعرف انّه أي شبه من شبهها أظهر من غيرها بالعورة، فنرى بنظر العرفي أن وجه شبه الظاهر هو كونها مثلها في لزوم التستر خصوصا مع صدور هذا الكلام من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فهو بمقتضى شارعيته لا يرى من وجه تشبيه المرأة بالعورة إلا كونها مثلها في وجوب السّتر.

فعلى هذا نقول: بأنّه بعد ما بينا، يستفاد من الرواية أن المرأة يجب سترها، فيجب أن تكون مستورة بتمام بدنها من الرأس و الوجه و اليدين و ساير بدنها، لأنه قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (المرأة عورة) و لم يختص كونها عورة بغير وجهها و كفّيها، خصوصا إن كان الوارد (جسد المرأة) أو (بدن المرأة) فهو أظهر في إثبات كون الحكم لتمام بدنها، لأنّ وجهها و كفّيها من بدنها و جسدها أيضا، هذا كله في ما ورد في طرق العامة من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (المرأة عورة) أو تعبيرات اخر.

[في ذكر الروايات الواردة بطرقنا]

و أمّا الكلام في ما وردت في طرقنا، و هي ما ذكرناها، تدلّ على أنّ كلام‌