تبيان الصلاة - ج3

- السيد حسين البروجردي المزيد...
323 /
253

الصادر منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان (النساء عيّ و عورة فاستروا العورة بالبيوت و استروا العيّ بالكسوت) أو باختلاف يسير في روايتي الأخرى المتقدمة ذكرهما، فنقول: بأنّه يستفاد منها ان النساء عيّ و عورة فكما قلنا يظهر ان النساء شبيهة بالعورة لعدم كونهنّ عورة حقيقة، و وجه التشبيه ليس إلا من باب أن العورة كما يجب سترها كذلك النساء، و قال في الذيل (فاستروا العورة بالبيوت) فهذا شاهد على كون التشبيه و كونها منزلة العورة في لزوم الستر، فلذا قال (فاستروا العورة بالبيوت) و هذا غاية الاهتمام بسترهم، لأنهنّ إن وقفن في البيوت فأجود في سترهن، و لهذا امر بسترهن بأعلى مرتبة كي تستر وجوههنّ و ساير أعضائهن، فبناء على كون كلامه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما يكون في طرقنا فأيضا يستفاد وجوب الستر من الروايات على النساء حتّى الوجه و الكفين. (1)

____________

(1)- أقول: و بعد ما أفاده مد ظله في هذا المقام، و بيّن لتوجيه الرواية بنحو تفيد وجوب ستر تمام البدن حتّى الوجه و الكفين على النساء، بيانا شافيا، عرضت عليه بعض ما خطر بذهني من الاشكال، فقلت: أولا ان كون إطلاق العورة على المرأة في الرواية إطلاقا تنزيليا و بعنوان التشبيه يصح، إذا لم يكن في البين معنى مناسبا للاستعمال في المعنى الحقيقي، و أمّا إن كان في البين معنى يصح حمل اللفظ على المعنى الحقيقي، فلا حاجة إلى التكلف و كون الحمل على وجه التشبيه.

فنقول: ان العورة على ما نرى في كلام اهل اللغة ليست معناها منحصرة بالسوأة أعنى:

بالمعنى المصطلحة عند العرف، و ما يتبادر من هذا اللفظ حين إطلاقها في نظرهم فعلا، بل على ما ذكر أهل اللغة، كما يرى، لها معان اخر: منها أن العورة كل أمر يستحيي منه، و كل أمر ممكن للستر، و كل شي‌ء يستره الإنسان من اعضائه انفة و عفة و حياء و الخلل في الثغر و غيره، و غير ذلك.

فعلى هذا ما يناسب من هذه المعاني مع هذا الكلام، يمكن أن يكون ما يستحيي منه، أو ما يرى من مجمع البيان (7- 8 ص 347) عند ذكر تفسير آية، أو بعدها في سورة الاحزاب قال: و العورة كل شي‌ء يتخوف منه في ثغر أو حرب، بناء على هذا قال: بأن قوله تعالى (و يقولون إن بيوتنا عورة و ما هي بعورة) يقولون إن بيوتنا غير حصينة، فيحتمل أن يكون معنى من معاني العورة كل ما يتخوف منه لجهة.

فعلى هذا يمكن أن يقال: بأن إطلاق العورة على المرأة يمكن أن يكون إما من باب أنّ المرأة بحسب وضعها ممّا يتخوف منه، لكونها معرضا لوقوع الشهوة، و الايقاع في الشهوة أو من باب أنّه ممّا يستحيي منه، كما يرى أنّ كل من يكون صاحب الغيرة يستحيي منه، فعلى هذا لا حاجة إلى كون هذا الاطلاق في الرواية تشبيها بالعورة بمعنى السوأة، فإن كنا نحن و نفس قوله (المرأة عورة) فيمكن كون المراد منه أن المرأة ممّا يستحيي منها، أو يتخوف منها أعنى: ينبغي الاستحياء منها، أو ينبغي التخوف منها، يعني: يواظب عنها، لكون وضعها ممّا يتخوف منها لكونها معرضا للفتن و الشهوات.

فعلى هذا تكون هذه الرواية من الأوامر الاخلاقية الدالة على التعفف، كما ينادي بذلك بعض الروايات، و إن كانت الرواية ما وردت في طرقنا فالاولى بالمطلوب، لأنّ الذيل شاهد على ذلك، فانه ليس حبسهنّ في البيوت و سترهن في البيوت واجب مسلما، فهذا شاهد على بيان شدة الاهتمام بالمواظبة عنهن، فلا يستفاد منها وجوب سترهن حتّى وجوههنّ و كفوفهن.

و ثانيا لو سلم أنّ اطلاق العورة على المرأة كان تشبيها بالسوأة، و لكن نقول: ما ادعى مدّ ظلّه من كون أظهر وجوه الشبه هو تشبيهها بالعورة في وجوب الستر، لأنه لا يمكن دعوى كونها منزلة العورة في جميع الآثار و الاحكام يمكن عدم تصديقه، لأنه يمكن كون وجه التشبيه هو وجوب التحفظ، فكما يجب حفظ الفرج من الوقوع في الفجور، كذلك يجب حفظ النساء بحيث لا يقعن في الفجور و المعاصي، أو كما لا يجوز النظر إلى العورة كذلك لا يجوز النظر إلى النساء، و أنى ذلك و وجوب ستر الوجه و الكفين عليهن.

و ثالثا مع قطع النظر عن ذلك كله و تسليم كونها العورة أي كالسوأة، إذا نراجع إلى وضع

254

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

255

[في ذكر الرواية الّتي نقلها في مجمع البيان]

و من الروايات المتمسّكة بها على وجوب ستر مطلق البدن عليهنّ حتّى الوجه و الكفين، الرواية الّتي نقلها في مجمع (1) البيان عند ذكر آية (و القواعد من النساء الخ) في سورة النور عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) انّه قال: للزوج ما تحت الدرع، و للابن و الاخ ما فوق الدرع، و لغير ذي محرم أربعة أثواب درع و خمار و جلباب و إزار.

اعلم، أن الدرع القميص و بالفارسية (پيراهن)، فالمراد أن للزوج ما تحت‌

____________

النساء، و أنهنّ بحسب خلقتهنّ فتنة، و لا فرق في ذلك كونهنّ ساترات الوجوه أو لا، بل نفس ارائتها و لو مع ستر الوجه معرض للشهوات و الآفات، بل في هذا الحيث صرف منظر حجمها و قامتها مورث للفتنة، و لعل أن ما ورد في بعض الروايات المستفاد منها الأمر بحبس النساء في البيوت، أو عدم رجحان اختلاطهن، حتّى تكلمهنّ مع الرجال، يكون لأجل هذا.

و رابعا على ما في نقل مسعدة بن صدقة قال في ذيل الرواية (فاستروا عوراتهنّ بالبيوت) فإن كانت المرأة عورة بتمامها يجب سترها فلم قال (فاستروا عوراتهنّ بالبيوت) فهذا الكلام شاهد على أن ما يجب سترها عليهم هو عوراتهن، و لا مطلق بدنهن.

و بعد ما أوردنا ما خطر ببالنا أجاب سيدنا الاستاد مد ظله، و أعاد ما أفاده في وجه كون المراد من الرواية هو وجوب ستر تمام البدن على النساء، و قال: لا يبعد أن يكون هذا الكلام الصادر منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، مع كون وضعه بحسب شارعيته في مقام بيان الحكم، أن وجه الظاهر الّذي تشبه النساء بالعورة، هو كونهنّ مثل العورة في وجوب الستر، مع انّه إن كان إطلاق العورة عليهنّ من باب كونهنّ ممّا يستحيي منهن، فأيضا يمكن أن يستفاد وجوب الستر عليهنّ من هذه الرواية، فإنّه على هذا يكون المراد أن النساء يستحيي منهن، أو مكمونات للستر، أو ما يتخوف منهنّ، فأيضا ليس غرضه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نفس الإخبار بذلك، بل يكون في مقام بيان الحكم، فأيضا يمكن أن يقال: بأنّه يستفاد من هذا الكلام وجوب الستر عليهنّ حتّى الوجه و الكفين، خصوصا مع ما في ذيلها على ما في طرقنا من قوله (فاستروا العورة بالبيوت) فمن هذا يستفاد ان النظر في قوله (النساء عيّ و عورة) يكون إلى وجوب سترهنّ، و إن فرض كون ستر هنّ في البيوت لم يكن واجبا، لكن في صورة وجود الناظر يجب الستر عليهنّ. (المقرر)

(1)- مجمع البيان، ج 7 و 8، ص 105.

256

القميص، فيحل له تحت قميص زوجته، فهذا المقدار مقدار ينحصر له (و اقله يكون كناية من جواز الحظ منها حتّى بما تحت القميص من تمام بدنها) و يجوز للأب و الأخ ما فوق القميص، يعني: هذا المقدار هو المقدار الّذي لهما، و لا يجب على المرأة التستر منهما في هذا المقدار، و لغير ذي محرم أربعة أثواب يعني: يجب التستر على النساء لغير ذي محرم بأربعة أثواب: الدرع و هو القميص، و هو يستر البدن إلا الرأس و مقدار من الصدر إلى القدمين، بل لعل كان القميص المتداول سابقا بحيث يجر ذيله في الأرض، فلا يظهر معه حتّى القدمين، و الخمار و هو المقنعة يستر الرأس و الجيب و الصدر، غاية الأمر حيث كان تلقى بعض النساء أطراف الخمار على ظهورهن، فقال اللّه تعالى (و ليضربن بخمرهن على جيوبهن) يعني يسترن بالخمار و يضعن أطرافه بحيث يستر به الصدر، فيستر به لو القى أطرافه الجيب و الصدر، و الجلباب كما قلنا هو ثوب يكون أكبر من الخمار يستر به الرأس و الوجه، و الازار ثوب يغطي به و يستر به تمام البدن، و يكون تقريبا مثل ما نقول بالفارسية (چادر).

فيستفاد من ذلك أن المرأة يجب ستر بدنها من غير ذي محرم بهذه الأثواب الأربعة، و إذا وجب الستر على المرأة بهذه الأربعة مع ما يستر هذه الأثواب الأربعة، فيستر جميع البدن حتّى الوجه و الكفين، فتدل الرواية على ستر جميع البدن على المرأة حتّى الوجه و الكفين، و هو المطلوب. (1)

و من الروايات المتمسك بها لوجوب ستر جميع البدن على المرأة حتّى الوجه و الكفين ما ورد في باب كيفية إحرام المرأة، و هي ما رواها الحلبي عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: مرّ أبو جعفر (عليه السلام) بامرأة متنقبة و هي محرمة، فقال: احرمي و اسفري و ارخي‌

____________

(1)- أقول: و لم يتعرض مد ظله لسند الرواية و أن سندها صحيح أولا. (المقرر)

257

ثوبك من فوق رأسك، فإنك إن تنقبت لم يتغير لونك، فقال رجل: إلى اين ترخيه؟

قال: تغطي عينها، قال: قلت: تبلغ فمها، قال: نعم.) (1)

و بهذه الرواية كما تمسك لوجوب الستر حتّى الوجه و الكفين على المرأة الرواية، تدلّ على أن النقب عليها غير جائزة حال الاحرام بالخصوص، فإن كان كشف الوجه جائزا عليها مطلقا لم يقل الإمام (عليه السلام) (احرمي و اسفري و ارخي ثوبك من فوق رأسك) فيستفاد أن هذا الحكم أعنى: الاسفار مخصوص بهذا الحال خصوصا مع ما قال بعد ذلك (فانك ان تنقبت لم يتغير لونك)، فيستفاد بأن البناء في حال الاحرام حيث يكون على الارتياض، و تحمل المشاق، و العمل على خلاف الميول النفسانية، كما يرى من غير ذلك من بعض محرمات حال الاحرام، فامرت النساء بعدم النقب لأجل أن تغير وجههنّ من شعاع الشّمس، فلحال الاحرام خصوصيّة جوزت كشف الوجه بخلاف غير حال الاحرام.

كذلك تمسك لعدم وجوب ستر الوجه على النساء بدعوى أن قول من سئل كما في الذيل الرواية (فقال رجل: إلى أين ترخيه؟ فقال تغطي عينها قال: قلت: يبلغ فمها، قال: نعم) يدلّ على جواز كشف الوجه في الجملة، لأنه بعد ما امر بتغطية عينها و إرسال الثوب و إرخائه من فوق رأسها إلى عينها و فمها فيجوز كشف ما دون الفم. (2)

____________

(1)- الرواية 3 من الباب 48 من أبواب تروك الاحرام من الوسائل.

(2)- أقول: و قد تعرض سيدنا الاستاد مد ظله للرواية و قال فقط: بأنّه تمسك بها لكل من طرفى المسألة و لم يتعرض لدفع ما توهّم من الاستدلال بها على جواز كشف الوجه على

258

و ممّا يؤيد المطلب، بل يمكن كونه دليلا ما ورد في بعض الروايات من وجوب تستر نساء المسلمين عن المرأة الغير المسلمة، معللا بأنهنّ يذكرن أوصافهنّ لرجالهن، فإذا كان ذلك مبغوضا، فكشف الوجه لنفس الأجنبي محرم مسلما، فهذا دليل أو مؤيد على وجوب الستر على النساء مطلقا حتّى الوجه و الكفين. (1)

[يجب الستر على المرأة كما قلنا في حاشيتنا على العروة و في الوجه و الكفّين بطريق الاحتياط]

فعلى هذا نقول: إنّه كما قلنا في حاشيتنا على العروة يجب الستر على المرأة حتى الوجه و الكفين، غاية الأمر في غير الوجه و الكفين بطريق الفتوى، لأنّ هذا المقدار مسلم عند كل المسلمين، بل يعد من الضروريات، و بالنسبة إلى خصوص الوجه و الكفين بطريق الاحتياط الواجب رعايته، و نقول توضيحا- لئلا يتوهم أحد أنّ ما يرى في زماننا من خروج بعض النساء مكشفات بدون ساتر متبرجات يظهرن وجوههن، و رءوسهنّ و أيديهنّ و أرجلهنّ بوضع فجيع، يمكن كونه على وفق‌

____________

النساء، و لكن يظهر بما أفاده بطلان ذلك بأنّه مع دلالة الصدر على أن كشف الوجه يجوز في خصوص حال الاحرام كما أفاده مد ظله، فلا اشكال في أنّ الذيل لا ينافي مع الصدر، لأنه بعد أمر الإمام (عليه السلام) بالاسفار و إرخاء الثوب و إرساله من فوق الرأس، سأل السائل بأنّه إلى أين ترخيه، ففي الحقيقة سئل عن الحد الّذي يجوز الارخاء، و عن الحد الّذي يجوز كشفه من الوجه في خصوص حال الاحرام، و جواب الامام (عليه السلام) راجع إلى أنّ الارخاء يكون إلى العين، بل يبلغ الفم، و ما دونه يجوز كشفه فقط في حال الاحرام، فلا ينافي الصدر مع الذيل، فعلى هذا تكون الرواية دليلا على وجوب ستر الوجه على النساء، غاية الأمر هذه الرواية يخصص عموم وجوب ستر الوجه عليهنّ بحال الاحرام، بمعنى جواز ذلك بمقدار الّذي عيّن في هذه الرواية أو غيرها في خصوص هذا الحال. (المقرر)

(1)- أقول: و مما يدلّ على الوجوب تستر الوجه الرواية 10 من الباب 48 من أبواب تروك الاحرام من الوسائل، و هي ما رواها سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سأله عن المحرمة، فقال: إن مربها رجل استترت منه بثوبها، و لا تستتر بيدها من الشّمس الحديث. (المقرر)

259

مذاق الشرع- بأن الستر في غير الوجه و الكفين على النساء واجب مسلما عند المسلمين من العامة و الخاصة، بل يعدّ هذا المقدار من الضروريات، فيوجب إنكاره الكفر، و كيف يمكن عد أمثال هذه النساء من المسلمين و داخلا في ربقتهم مع إنكارهنّ هذا الأصل المسلم، و حربهنّ مع اللّه و رسوله، و مخالفتهنّ لهما عيانا و جهارا، و هل هذا إلا إعلان الخلاف مع الدين.

نعم، إن كان خلاف يكون في خصوص وجوب ستر الوجه و الكفين، فيوجد من الفقهاء من أشكل في وجوب سترهما عليهن، و لكن مع ما بينّا من الآية و الروايات يظهر حالهما، و أنّ مقتضى الاستظهار من الآية و الروايات هو وجوب الاحتياط بالتستر في الوجه و الكفين على النساء.

[الكلام في جواز النظر و عدمه]

ثمّ إنّه كما يظهر من مطاوي كلماتنا تارة يقع الكلام في وجوب المقدار الّذي يجب ستره على النساء، و مضى الكلام فيه و تارة يقع الكلام في جواز النظر و عدمه، فهذا مقام آخر، فإن قيل فرضا: بعدم وجوب ستر الوجه و الكفين على النساء، فهذا لا يلازم مع جواز النظر، لأنّه- على ما هو الحق المستفاد من روايات كثيرة- لا يجوز النظر إلى بدن المرأة الأجنبية حتّى الوجه و الكفين، فإن قال أحد بعدم وجوب ستر الوجه و الكفين من الناظر المحترم على النساء، فلا يلازم ذلك لأنّ يقول: بجواز النظر إلى وجوههنّ و كفوفهن، مع ما قلنا بأن مع ما بينا في الآيات و الروايات لا يمكن تجويز كشف الوجه و الكفين عليهن، هذا تمام الكلام في الستر الواجب بالوجوب التكليفي بالمقدار الّذي يناسب التكلم فيه في هذا المقام.

[الستر الواجب على الرجال و النساء فيما اذا كان عالما بوجود الناظر مسلم]

ثمّ اعلم أن الستر الواجب على كل من الرجال و النساء في المقدار الّذي يجب ستره على الرجال و في تمام البدن على النساء، إنما يجب الستر في ما يكون عالما‌

260

بوجود الناظر الّذي يجب الستر منه، و كذا مع الظن بوجود الناظر، لأنّ معنى التحفظ عن الناظر و وجوب الستر عليهم من أن ينظر إليهم، هذا، بل و كذا مع الاحتمال المتساوي الطرفين، لأنّ في هذه الصورة يقتضي التحفظ و التستر بنظر العرف ذلك.

نعم، يبقى الكلام في صورة احتمال وجود الناظر مع كون الاحتمال احتمالا موهونا ضعيفا، فيكون احتمال عدم وجود الناظر أقوى و يظهر من صاحب الجواهر وجوب الستر حتّى في هذه الصورة.

اعلم أنّ مع العلم بوجود الناظر، و كذا مع الظن يجب الستر، و كذلك مع كون معرضيته للنظر و إن كان بالاحتمال، و امّا لو لم تكن المعرضية، بل يكون احتمالا موهونا، ففي وجوب الستر في هذه الصورة و عدمه وجهان (1).

[في ذكر موارد اختلاف الستر الشرطي و الستر التكليفي في الصّلاة]

المقام الثاني: في الستر الواجب في الصّلاة بمعنى كونه شرطا في بحيث لو أتى بالصّلاة بدونه ما كان آتيا بالمأمور به، لكونها فاقدة للشرط، لا أن يكون بمخالفته مستحقا للعقاب، و بين هذا الستر الّذي يكون شرطا في الصّلاة، و بين الستر الواجب بالوجوب التكليفي في غير حال الصّلاة اختلاف في بعض الخصوصيات:

الأول: أنّ في الستر الواجب في غير حال الصّلاة لا تعتبر خصوصيّة في‌

____________

(1)- أقول: و لم يختر مدّ ظلّه وجوب الستر في هذه الصورة بنحو التسلّم و لكن الالتزام بوجوب الستر حتّى في هذه الصورة مشكل، لأنّ وجوب حفظ الفرج في الآية كان معناه الستر بمقتضى الرواية و وجوب الستر لا يقتضي الستر حتّى في هذه الصورة فلا بدّ من الاختصار في مورد عدم وجوب الستر بصورة العلم بعدم وجود الناظر و لا يأتى بنظر العرف من وجوب التحفيظ و التستر هذا المقدار من الستر، نعم كما ذكر سيد الاستاد مد ظله قال الشافعي: بوجوب الستر حتّى مع العلم بعدم وجود الناظر و هو دعوى بلا دليل. (المقرّر).

261

الساتر، بل يكفي بأيّ شي‌ء كان حتّى بالوحل، أو باليد، او بالدّخول في الماء إن لم ير ما يجب ستره من تحت الماء، بخلاف الستر الّذي شرط في الصّلاة، فيجب فيه ساتر خاص حال الاختيار مثلا لا يجوز الطلى بالطين حال الاختيار.

الثاني: أنّ الستر الواجب بالواجب التكليفي لا يعتبر فيه إلا بحيث لا يراه الناظر، فلا يلزم كونه ملتصقا ببدنه، فلو وقع في موضع و نصب ساترا، و لو بفواصل بينه و بين الناظر، ليكفي في حصول الستر، أو ستر نفسه بتوقفه في بيت مشدود الباب لا يراه أحد، بخلاف الستر الواجب في حال الصّلاة، فيجب ان يكون ملتصقا به بحيث يعد كونه لا بساله و لباسا له.

الثالث: أن المعتبر في الستر الواجب في غير حال الصّلاة هو ستر تمام البدن حتى الوجه و الكفين على النساء على ما بينا، و لكن لا يجب ستر الوجه و الكفين في الصّلاة، بمعنى عدم شرطية ستر الوجه حتّى للنساء في الصّلاة.

ثمّ اعلم أنّ الكلام يكون فعلا في الستر الّذي يكون شرطا في الصّلاة و ذكر بعض خصوصياته، و يكون كلاما آخر في بعض ما يكون لبسه مانعا للصّلاة، بمعنى اعتبار كون اللباس في حال الصّلاة ممّا لا يكون من أجزاء هذا البعض، مثل عدم كونه من أجزاء غير المأكول، أو الميتة، أو عدم كونه من الذهب و الحرير للرجال و غير ذلك.

و على كل حال لا إشكال في أنّ الستر الّذي شرط في الصّلاة بالنسبة إلى الرجال في المقدار ليس إلا ستر العورتين، لعدم الدليل على إلا زيد من ذلك، نعم ستر العجان أحوط و ان لم يكن دليل عليه، و كذلك لا يجب ستر غير العورتين بما بين السرة و الركبة على الرجال، لعدم اقتضاء دليل على ذلك و إن كان ذلك موافقا‌

262

للمشهور بين العامة و نادر من فقهائنا.

[في ذكر الروايات في الستر الواجب على النساء في الصّلاة]

و أمّا الستر الّذي شرط في الصّلاة بالنسبة إلى النساء فنقول: لا إشكال بأنّ الواجب على المرأة الحرة ستر تمام البدن حال الصّلاة ما عدا الوجه و الكفين و القدمين، فإنّه يأتي الكلام فيها بعد ذلك، أما شرطية ستر البدن ما عدا ما استثنى الذي يقع الكلام فيه بعدا، فيظهر من الروايات الواردة في الباب فنذكر الروايات أولا، ثمّ المقدار الّذي يستفاد منها، فنقول:

منها ما رواها محمد بن علي بن الحسين باسناد عن الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: صلّت فاطمة (عليها السلام) في درع و خمار على رأسها ليس عليها أكثر وارت به شعرها و أذنيها.) (1)

تدلّ على أنّ فاطمة (عليها السلام) تارة صلّت في درع و هو عبارة عن القميص و خمار و هو عبارة عن المقنعة و بالفارسية (جارقد)، و تدلّ على جواز الاكتفاء بهذا المقدار للستر الشرطى في الصّلاة، لأنّ أبا جعفر (عليه السلام) نقل فعل فاطمة (عليها السلام)، و لا يبعد دلالتها على أن الوجه الّذي يجوز كشفه حال الصّلاة أوسع دائرة من الوجه المعتبر غسله في الوضوء، لأنّ في الوضوء لا يكون الصدغان داخلا في الوجه (كما يستفاد من الرواية المنقولة في أبواب الوضوء).

[في الروايات الواردة في الستر الشرطي لصلاة المرأة]

و بمقتضى هذه الرواية قال (ليس عليها أكثر ممّا وارت به شعرها و أذنيها) فبعد كون خمارها بنحو يواري شعرها و أذنيها، فلا يواري به صدغيها خصوصا مع أن نظر المعصوم (عليه السلام) من بيان ذلك، لعله يكون لأجل بيان أنها (عليها السلام) كشفت‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

263

وجهها حين الصّلاة، فمن هذه الفقرة يستفاد كون الوجه المستثنى من الستر الشرطى في الصّلاة هو الوجه العرفي (1) ثمّ في طي ما أفاده، كما يظهر من بعض روايات الباب، ظهر حال الجيب و أنه يجب ستره لما نرى في بعض الروايات الدالة على اشتراط أن تلتفّ في الملحفة بحيث يستر جمع البدن، فلا إشكال من هذا الحيث).

و منها ما رواها محمد بن علي بن الحسين باسناده عن علي بن جعفر انّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن المرأة ليس لها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي؟ قال:

تلتف فيها، و تغطي رأسها، و تصلّي، فإن خرجت رجلها و ليس تقدر على غير ذلك‌

____________

(1)- ثمّ قلت لسيدنا الاستاد مد ظله: بأنّه ان كنا و ظاهر قوله (عليه السلام) (ليس عليها أكثر ممّا وارت به شعرها و أذنيها) فيمكن أن يقال: إن بعض جيدها (عليهما السلام) و جيبها لم يكن مستورا، لأنّ القميص المتداول في زمانها، و كذا الخمار لا يستر الجيد و الجيب، و لهذا قال اللّه تعالى وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ كما أنّ هذا الاشكال جار في الستر الواجب في الصّلاة، بأنّه يجب ستر الجيب أم لا لأنّه إن كان وضع الدرع أعنى: القميص بنحو المتداول، فهو لا يستر الجيب، فقد اكتفى على ما في بعض الروايات للستر الشرطى في الصّلاة بالدرع و القميص، فلا يلزم ستر الجيب إلّا أن يقال: إن الآية وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ دلّت على إرسال الخمار بنحو يستر الجيب، و لكن دلت الآية بستر الجيب بالخمار في الستر الواجب بالوجوب التكليفي، و لا منافات بين وجوب ستره في غير حال الصّلاة و عدم وجوب ستره حال الصّلاة، فعلى هذا الرواية على عدم وجوب ستر الجيد في المقدار الّذي يظهر حين إرسال الخمار على الظهر كما كان متعارفا و على عدم وجوب ستر الجيب حال الصّلاة، بمعنى عدم شرطية سترهما للصّلاة.

و اجاب مد ظله بأنّه من الواضح أنّها (عليها السلام) لم تجعل الخمار على رأسها على الوضع الغير المتعارف، مثلا تشد على رأسها بحيث لا يصل إلى الموضع الّذي يصل الخمار بوضعه المتعارف فعلى هذا كان جيدها مستورة بالخمار، و أمّا ما قلت من الاشكال بالنسبة إلى الجيب فلم يتوجه مدّ ظله إليه حتّى يظهر ورود إشكالي و عدمه بنظره الشريف، و لعل يجي‌ء توضيح لذلك بعد ذلك إن شاء اللّه. (المقرر)

264

فلا بأس. (1)

[التكلّم في مفاد الروايات]

تدلّ الرواية على الاكتفاء في مقام تحصيل الستر الشرطى في الصّلاة بأن تلفت ملحفة واحدة بنفسها، و تغطي رأسها، و المراد بالملحفة هو ثوب يستر جميع البدن، و يكون تقريبا مثل ما يقال به بالفارسي (جادر) و لا يبعد دلالتها على أن تمام ما وجب سترها في الصّلاة بالملحفة يكون سترها شرطا للصّلاة، لا أن ما هو شرط لها يكون في ضمن ما يستر.

و بعبارة اخرى حيث يقع الكلام في أنّه ما يستفاد من روايات الباب من ستر تمام البدن إلا ما يأتي استثنائه بعدا من الوجه و غيره، هل الشرط في الصّلاة تمام ما يستر بالخمار و الدرع، أو بثلاثة أثواب، أو بالملحفه من البدن، أو ليس كذلك، بل الشرط في الصّلاة يكون بعض ما يستره الأثواب من البدن، و الامر بلبس هذه الاثواب و الستر بها يكون من باب أنّ المقدار الّذي يكون الشرط في الصّلاة ستره من البدن يستر قهرا بهذه الأثواب.

و هذه الرواية من الشواهد على أنّ تمام ما يستر من البدن بهذه الأثواب، هو ممّا يكون ستره شرطا في الصّلاة، لأنّه بعد السؤال عن الصّلاة في الملحفة (قال (عليه السلام):

تلتف فيها و تغطّي رأسها و تصلّي فإن خرجت رجلها و ليس تقدر على غير ذلك فلا بأس) فالظاهر من هذه الفقرة وجوب التلفف فيها و تغطية الرأس و جواز خروج الرجل منها لو لم تقدر على غير ذلك، فهذا شاهد على أنّ ما تستره الملحفة من بدنها شرط في الصّلاة بتمامه.

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

265

و منها ما رواها محمد بن علي بن الحسين باسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: المرأة تصلّي في الدرع و المقنعة إذا كان كثيفا يعني ستيرا). (1)

و روى هذه الرواية، مع اختلاف في متنها، الكليني تنتهي سندها إلى محمد بن مسلم، و هي ما عدها صاحب الوسائل الرواية 8 من هذا الباب، و لم يكن في الجهة التي نحن في مقامه فرق بينهما، و تدلّ على أن المرأة تصلّي في الدرع و المقنعة إذا كان كثيفا يعني ستيرا بحيث تستر معهما بدنها.

و منها ما رواها محمد بن علي بن الحسين باسناده عن يونس بن يعقوب (أنّه سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي في ثوب واحد؟ قال: نعم. قال: قلت: فالمرأة؟

قال: لا، و لا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار إلا أن لا تجده.) (2)

و هذه الرواية مع قطع النظر عن دلالتها على وجوب ستر المرأة رأسها إذا كانت بالغة لانه (قال: لا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار إلا في الصورة الّتي لا تجد الخمار) تدلّ على عدم شرطية ستر الوجه في الصّلاة في حق غير البالغة، لأنّه قيّد عدم الصلاحية بلا خمار لما إذا حاضت المرأة.

و من المعلوم أنّ القميص أعنى: الدرع ثوب تلبسه النساء حتما، إذ ما من أحد حتّى الرجال إلا و يلبس ثوبا يستر عورته و يستر بدنه من الحرارة و البرودة، فلهذا لم يذكر في الرواية و تعرض فقط للزوم الخمار للمرأة، لأنّ الخمار قد يظن عدم لبسه.

____________

(1)- الرواية 3 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 4 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

266

و منها ما رواها محمد بن علي بن الحسين باسناده عن العلي بن خميس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: سألته عن المرأة تصلّي في درع و ملحفة ليس عليها ازار و لا مقنعة؟ قال: لا بأس إذا التفتّ بها، و ان لم تكن تكفيها عرضا جعلتها طولا.) (1)

و تدلّ هذه الرواية على الاكتفاء بالدرع و الملحفة إذا التفتّ بها، و لا يبعد دلالتها على كون تمام ما يستر بهما من البدن ستره شرط في الصّلاة لقوله (عليه السلام) (لا بأس إذا التفت بها و إن لم تكن تكفيها عرضا جعلتها طولا).

و منها الرواية الّتي قال فيها (أي محمد بن علي بن الحسين) و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

ثمانية لا يقبل اللّه لهم صلاة، منهم المرأة المدركة تصلي بغير خمار. (2)

و منها ما رواها ابن أبي يعقور (قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): تصلّي المرأة في ثلاثة أثواب: ازار و درع و خمار، و لا يضرها بأن تقنّع بالخمار، فإن لم تجد فثوبين تتزر بأحدهما و تقنّع بالآخر. قلت: فإن كان درع و ملحفة ليس عليها مقنعة؟ فقال:

لا بأس إذا تقنعت بملحفة، فإن لم تكفها فتلبسها طولا.) (3)

و المراد بالازار هو ثوب يلبس فوق الثياب (و قوله تصلي المرأة في ثلاثة أثواب) يحمل على الاستحباب لدلالة بعض الروايات على كفاية الثوبين: درع و خمار، مضافا إلى أن ذيل الرواية يدلّ على كفاية الثوبين الدرع و الملحفة.

و منها ما رواها زرارة (قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أدنى ما تصلّي فيه المرأة.

____________

(1)- الرواية 5 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 6 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(3)- الرواية 8 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

267

قال: درع و ملحفة فتنتشرها على رأسها و تجلّل بها.) (1)

و منها ما رواها عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) (قال: ليس على الاماء أن يتقنّعن في الصّلاة، و لا ينبغي للمرأة أن تصلّي إلا في ثوبين.) (2)

و منها ما رواها جميل بن دراج (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة تصلّي في درع و خمار؟ فقال: يكون عليها ملحفة تضمّها عليها.) (3)

و ضمّ الملحفة المستفاد من هذه الرواية بالدرع و القناع يكون مستحبا لا شرطا واجبا، لدلالة بعض الرواية على كفاية الدرع و الخمار.

و منها ما رواها على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (قال: سألته عن المرأة الحرة هل يصلح لها أن تصلّي في درع و مقنعة؟ قال: لا يصلح لها إلا أن لا تجد بدا). (4)

يحمل (لا يصلح) على الكراهة، لا عدم كفاية الدرع و المقنعة، لحصول الشرط لما يستفاد من بعض الروايات كما بينّا عدم لزوم أزيد من ثوبين.

و منها ما رواها علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (قال: سألته عن المرأة هل يصلح لها أن تصلّي في ملحفة و مقنعة و لها درع؟ قال: لا يصلح لها إلا ان تلبس درعها. (5) قال: و سألته عن المرأة هل يصلح لها ان تصلي في إزار و ملحفة‌

____________

(1)- الرواية 9 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 10 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(3)- الرواية 11 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(4)- الرواية 14 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(5)- الرواية 15 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

268

و مقنعة و لها درع؟ قال إذا وجدت فلا يصلح لها الصّلاة الّا و عليها درع. (1) و قال سألته عن المرأة هل يصلح لها أن تصلّي في إزار و ملحفة تقنّع بها و لها درع؟ قال: لا يصلح أن يصلّي حتّى تلبس درعها). (2)

(فما يستفاد من هذه الرواية و ما قبلها من عدم الاكتفاء بالملحفة و المقنعة إلا مع الدرع، يحمل على الكراهة، لأنّ لفظ (لا يصلح) شاهد على هذا، مضافا إلى دلالة بعض روايات الباب على الاكتفاء في الستر الّذي شرطناه في الصّلاة بالثوبين، فظهر لك ممّا مر عدم تعارض بين هذه الروايات، فافهم).

[الكلام في بعض الخصوصيات: الخصوصية الاولى]

هذه الروايات الواردة في المسألة، و المستفاد منها في الجملة شرطية ستر البدن على المرأة حال الصّلاة، و انما الكلام في بعض الخصوصيات:

الخصوصية الأولى: ما قلنا في طي كلماتنا من أن كل ما يستر من البدن بالثوبين كما في بعض الروايات، أو الدرع و الخمار كما في بعضها، أو الملحفة مع المقنعة كما في بعضها، هل هو شرط في الصّلاة، بمعنى أنّ تمام أجزاء البدن ممّا يستر بالدرع و الخمار يشترط في الصّلاة ستره على المرأة، أو ليس كذلك، بل يستفاد من الروايات كون ما يجب ستره في الصّلاة من بدنها بالوجوب الوضعي يستر بالدرع و الخمار، و على ذلك لا يلزم كون تمام ما يستر بهما من بدنها شرطا، بل الشرط في جملة ما يستر بالثوبين في الجملة، و امّا ما هو من حيث المقدار هل هو تمام ما يستر بالثوبين، أو بعض ممّا يستر بهما، فلا يستفاد من الرواية، و قلنا في ضمن ذكر الروايات: بأنّه لا يبعد دلالة بعض الروايات على كون الشرط تمام ما يستر بهما‌

____________

(1)- الرواية 16 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 17 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

269

من بدنها.

الخصوصية الثانية:

لا إشكال في عدم شرطية ستر الوجه للصّلاة على المرأة، فيجوز كشفه لها حال الصّلاة في الجملة أولا، لأنّ الثابت من بعض الروايات المتقدمة كفاية الدرع و الخمار، و من الواضح أن الدرع هو القميص، فلا يستر به الوجه، و كذلك الخمار المقنعة، و به أيضا لا يستر الوجه إذا القى بحسب وضعه المتعارف.

و ثانيا لدلالة رواية سماعة المصلي و هي هذه عن سماعة، قال: سألته عن المرأة تصلّي متنقبة؟ قال: إذا كشفت عن موضع السجود فلا بأس به، و ان أسفرت فهو افضل. (1)

مضافا إلى ما ادعى من عدم الخلاف في عدم وجوب ستره، أو نقل الاجماع عليه، و المخالف قليل، مثل ما نقل عن ابن حمزة في الوسيلة من انّه يجب على المرأة ستر جميع بدنها إلا موضع السجود، أو ما نقل من الغنية و الجمل و العقود من عدم استثناء الوجه، أو ما نقل من اشارة السبق بأنّه قال: المرأة تكشف بعض وجهها و أطراف يديها و قدميها، و ان كان مراد الأخير هذا لعلّه لم يكن مخالفا في المسألة، بل قال بعض الوجه، لأنه يجب ستر مقدار من الوجه من باب المقدمة.

و على كل حال لا كلام في أصل استثناء الوجه في الجملة، و إنّما الاشكال في أنّ الوجه الّذي يجوز كشفه في الصّلاة، هل هو الوجه العرفي الّذي يدخل فيه الصدغان، أو الوجه المعتبر غسله في الوضوء؟ و هو أضيق دائرة من الوجه العرفي،

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 33 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

270

و هو ما دارت عليه الابهام و الوسطى، فلا يدخل فيه الصدغان.

[قد يقال بانّ الوجه هو الوجه العرفي و قد يقال بانّ الوجه الوجه الوضوئي]

قد يقال: بأن الوجه هو الوجه العرفي، لأنه المراد من الوجه، و قد يقال: بأن الوجه هو الوجه الوضوئي بأنّه بعد تحديد الشارع في الوضوء الوجه بهذا الحد، فينزل أحكام الشرعية الثابتة للوجه على هذا الوجه (1) ثمّ إنّه لا يستفاد من هذه الرواية الناقلة عن فعل فاطمة (عليها السلام) جواز كشف الجيد على النساء تمسكا بقوله (ليس‌

____________

(1)- أقول: إذا بلغ كلامه مدّ ظله الى هنا قلت له: بأنّه ان كان في ما نحن فيه في الأدلة لفظ (الوجه) فكان مجال لأنّ يبحث في أنّ الوجه هل هو الوجه العرفي أو الوجه الوضوئي، و يظهر من الحاج آقا رضا هذا البحث مع عدم مجال لهذا النزاع، بعد عدم ذكر من (الوجه) في روايات الباب. و إذا قلت ذلك صار مدّ ظله في مقام ذكر وجه لكون المراد هو الوجه العرفي، و هو ما بينا في ذيل التعرض عن رواية الفضيل من دلالة ما ذكر أبو جعفر (عليه السلام) من فعل فاطمة (عليها السلام)، فإنه (عليه السلام) قال في ضمن الرواية (ليس عليها أكثر ممّا وارت به شعرها و أذنيها) فتدل هذه الرواية على أنّ وضع خمارها كان بنحو لا يستر معه إلا شعرها و أذنيها، فإذا كان خمارها هكذا فلا يستر به صدغيها لأنّ الرواية تدلّ على أنّ بخمارها سترت (عليها السلام) فقط شعرها و أذنيها لا غيرهما فلم تستر به صدغيها، فتدل هذه الرواية على أن الوجه الّذي يجوز كشفه في الصّلاة هو الوجه العرفي لأنّ الصدغين داخل في الوجه العرفي، غاية الأمر لا يمكن التعويل على هذه الرواية، لأنّ سند الصّدوق (رحمه اللّه) إلى الفضيل يكون ضعيفا، و احتمال عدم كون الفضيل الراوي لهذه الرواية هو الفضيل بن ثابت.

أقول: و لكن بنظري لا يستفاد من الرواية هذه الجهة، لأنّ الخمار إذا وضع على الرأس بحيث يستر به الشعر فقهرا يستر به الصدغين، لأنّ مقدم الرأس بين الصدغين أيضا منبت الشعر، فلو ستر الخمار تمام الشعر، فقهرا يستر تمام الصدغين، و لا أقل بعضهما، و لا أقل من أنّه لا يستفاد من صرف قوله (ليس عليها أكثر ممّا وارت به شعرها و أذنيها) كون الصدغين ممّا لا يجب ستره حال الصّلاة، و كون الوجه الخارج هو وجه العرفي، و كان الجائز كشف وجه العرفي لهنّ حال الصّلاة، فتأمل.

271

عليها أكثر ممّا وارت به شعرها و أذنيها) بأنّ الظاهر من هذه الفقرة، هو أنّ ما سترت (عليها السلام) ما كان إلا الشعر و الأذنين فالخمار لا يستر إلا شعرها و أذنيها، و الدرع لا يستر الجيد فكان جيدها مكشوفة، فتدل على جواز كشف الجيد حال الصّلاة، أعنى: عدم شرطية ستر الجيد للصّلاة.

لأنّه من الواضح أنّها (عليها السلام) أرسلت خمارها بحسب وضعه الطبيعي، و إذا ارسل هكذا يستر به الجيد، مضافا إلى أنّ المستفاد من ساير روايات الباب هو ستر تمام البدن ما عدا الوجه و الكفين و القدمين- سمعت الكلام في الوجه، و تسمع الكلام في الكفين و القدمين إن شاء اللّه).

و إذا لم يثبت من دليل أنّ الوجه المستثنى من وجوب الستر هو الوجه العرفي، أو الوجه في باب الوضوء، و بلغ الأمر إلى اجراء الأصول فنقول: و ان قلنا في دوران الأمر بين الاقل و الاكثر الارتباطي بالبراءة الشرعية و العقلية، و لكن في المقام لا تجري البراءة في مقدار الزائد على الوجه في الباب الوضوء، لأنّه بعد كون شرط إجراء البراءة، كما حقّقناه في الأصول هو الفحص، فلم ندر بأنّ الخمار بحسب وضعه المتداول في زمان صدور الرواية و السابق مطلقا، كان بحيث يستر به أطراف الوجه، فلم يبق مكشوفا إلّا مقدار الوجه في باب الوضوء، أو يكشف وجه العرفي، و حيث لم تتفحص فصحا تاما، فلازمه عدم حصول شرط إجراء البراءة، فالاحتياط الاقتصار في كشف الوجه بمقدار الوجه في باب الوضوء.

الخصوصية الثالثة:

ممّا استثنى من البدن- الّذي يكون ستره شرطا في الصّلاة- الكفان من المرأة، و نقل عن المعتبر و المنتهى نسبة عدم وجوب سترهما إلى علمائنا، و نقل الاجماع صريحا عليه عن الروض، بل نقل إجماع العلماء على ذلك إلّا‌

272

من أحمد و داود، و على كل حال ما يمكن الاستدلال به مع قطع النظر ممّا نقل من الاجماع.

أولا: ما ذكرنا من انّه هل الشرط للصّلاة في حق المرأة هو ستر تمام ما يستر بالثوبين من بدنها أو لا يعلم ذلك، بل ما ندري هو ان المرأة إذا سترت بدنها بثوبين الخمار و الدرع مثلا فقد ستر المقدار الّذي هو شرط في الصّلاة، و امّا كون تمام ما يستر بهما شرط أو بعضها فغير معلوم، فلم يثبت من هذه الادلة كون الكفين لازم الستر فى الصّلاة و كون سترهما شرطا و إن ستر الكفين بالدرع. (1)

و ثانيا: فلأنه بعد دلالة بعض ما ذكرنا من الروايات على كفاية ما يستر من بدنها بالدرع و الخمار في حصول الستر الّذي هو شرط في الصّلاة، و بعد وضوح عدم ستر الكفّين بالدرع و الخمار لانّ الخمار ليس وضعه بحيث يستر به الكفّين و كذا الدرع فان كم الدرع ليس طوله بحيث يستر به حتى الكفّين بل كما ترى لا معنى لانّ يطول الكم حتّى يستر به الكفين، مع احتياج الإنسان لرفع قسمة من الحوائج بكفه، فكيف يمكن ستره، فعلى هذا لا يستفاد من الروايات شرطية ستر الكفين مع كون‌

____________

(1)- أقول: قلت له مد ظله: بأنّه كما يظهر من بياناتك الشريفة قلت بامكان دلالة بعض الروايات على كون تمام ما يستر بالثوبين شرطا في الصّلاة للمرأة و خصوصا دلالة رواية زرارة المتقدمة على ذلك لأنه (قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أدنى ما تصلي فيه المرأة؟ قال: درع و ملحفة الخ) فلا يكفي أدنى من ذلك لانه قال (أدنى ما تصلي المرأة و من الواضح أن سؤال السائل منه (عليه السلام) ليس الا من جهة حكم الشرعي و انّه بأىّ مقدار من لباس المرأة يحصل الستر الذي شرط في الصّلاة لها فقال (درع و ملحفة) فلا يكفي أدنى من ذلك فبمقدار يستر بهما من بدنها يشترط ستر هذا المقدار من بدنها في الصّلاة فلهذا لا يكفي هذا الوجه لاثبات عدم شرطية ستر الكفين في الصّلاة فصرف النظر مدّ ظله عن هذا الوجه و لعله استرضى ما قلت. (المقرّر).

273

سترهما خلاف العادة.

فما يظهر من صاحب الحدائق (رحمه اللّه) من الإشكال في ذلك و أنّه يستر الكفين بكمّ الدرع و كون وضعه بهذا النحو، فاسد لما قلنا من أن العادة تقتضى خلافه، مع احتياجها في مشاغلها بكشفهما، و أنّ المشهور من الفقهاء المتقدمين على صاحب الحدائق قائلون بجواز كشفهما لم يفهموا من الروايات كون كمّ الدرع بحيث يسترهما إما لعدم كون وضع كم الدرع بحيث يسترهما بحسب متعارفه في أزمنتهم و أزمنة صدور الروايات، و إما من باب كون المتعارف منه مختلفا، فبعض الدروع و إن كان يستر كمّها الكفين، و لكن بعضها ليس كذلك، فأيضا لا يكون المتعارف كما صاحب الحدائق (رحمه اللّه) حتّى يقال ان المتعارف ستر الكفين بالكم، فينزل الاطلاقات الواردة في الروايات على المتعارف، لأنه إن كان المتعارف بحيث لا يستر الكفين به، أو كان متعارفه مختلفا، فأيضا لا يستفاد من الادلة شرطية سترهما.

و من هنا يظهر لك أنّ ما قال صاحب الحدائق (رحمه اللّه) (1)- بعد ما ادعى كون المتعارف في زمانه على ستر الكفين بكمّ الدروع- و لو شككنا في أن قبل ذلك أعنى:

زمان صدور الرواية كان المتعارف هكذا، أو على غير هذا النحو، فببركة أصالة عدم النقل نقول بكون المتعارف في السابق مثل الحال، فاسد لأنّه بعد ما نرى من فتوى المشهور على جواز كشف الكفين، و وجه فتواهم ليس إلا عدم كون الكفين مستورين بالكمّ بحسب ما يرون من المتعارف، فلا يشملهما ما ورد في الرواية المستفاد منها ستر المرأة بالدرع و الخمار، فنرى أنّ المتعارف كان مطلقا على خلاف ما توهّم صاحب الحدائق، أو كان مختلفا، فلا شك في المتعارف حتّى يستدل بأصالة‌

____________

(1)- الحدائق، ج 7، ص 9.

274

عدم النقل لأنّهم متقدّمون عليه، فالتعارف قبل صاحب الحدائق على خلاف ما تخيله، فلا وجه لما قاله.

[الحقّ عدم شرطية ستر الكفّين للمرأة في الصّلاة]

فالحقّ عدم شرطية ستر الكفّين للمرأة في الصّلاة لما قلنا من أن المتعارف إمّا على كشف الكفين و عدم سترهما بالكمّ أو لا أقل من كون المتعارف من الدرع مختلفا، فبعضه يسترهما، و بعضه لا يسترهما فأيضا لا يمكن استفادة سترهما من الروايات.

و لو فرض عدم كفاية ما بيّنا للدلالة على جواز كشف المرأة كفيها حال الصّلاة، و شكّ في أنّه يشترط سترهما عليها في الصّلاة أم لا، فنقول بعد ما حققنا في الأصول إجراء البراءة الشرعية و العقلية في الأقل و الأكثر الارتباطي في ما شك في شرطية شي‌ء أو جزئيته، فنقول في المقام: بعد ما لا ندري بأنّ سترهما في للمرأة شرط أو لا فتكون مجري البراءة، فلا يعتبر سترهما.

و ما قلنا في الوجه: بأنّ إجراء البراءة مشكل لأنّ شرطها الفحص، و لا ندري بحصول الفحص بمقدار اللازم أم لا، لا يجري في الكفين، لأنّ فتوى مشهور القدماء دليل على عدم كون الدرع بحيث يستر بكمّه الكف، ففي الحقيقة تكون الشهرة كافية في الفحص اللازم، فحصل شرط اجراء البراءة، و لهذا مع الشّك نحكم بعدم شرطيّة ستر الكفّين للنساء في الصّلاة ببركة أصالة البراءة.

الخصوصية الرابعة:

ممّا استثنى ممّا يكون ستره شرطا في الصّلاة من بدن المرأة القدمان منها على ما هو المشهور بين فقهائنا، ظاهرهما و باطنهما، و للعامّة قولان في المسألة، فبعضهم قالوا بعدم شرطية سترهما، و بعض بخلافه، و من علمائنا من يظهر من ظاهر كلامه التفصيل بين الظاهر و الباطن، فأوجبوا الستر في الباطن‌

275

بمعنى كون ستر باطنهما شرطا في الصّلاة، و عدم كون ستر ظاهرهما شرطا فيها.

و لكن على ما يظهر من صاحب الجواهر (رحمه اللّه) (1) لم تكن هؤلاء مفصّلا في المسألة، لأنّه قال: بأن من اقتصر في شرطية الستر بخصوص الظهر لعله ليس نظر إلى وجوب ستر الباطن كما ظن باعتبار استتاره غالبا بالأرض أو الثياب، فلا حاجة إلى كشفه، بل يكون منشأ اقتصاره بالظّهر من باب كون ستر الباطن مفروغا عنه.

و لا يبعد صحة ما ادعاه (رحمه اللّه) لأنّه لو لم يستر الظهر من القدم بالدرع، فلا يستر به الباطن، و ليس بحسب المتعارف في الحال و سابقا ثوب يغطي به الباطن بالخصوص مع كشف الظاهر من القدم، و ليس الأمر بحيث يستر الباطن بالارض أو بالثياب، لأنّ المرأة تروح و تمشي، و يظهر باطن قدميها، فلعل عدم ذكر الباطن، في كلمات هذا البعض كان من باب مفروغية ستر الباطن و على كل حال ما هو دليل على عدم شرطية ستر القدمين لها، ظاهرهما و باطنهما، هو انّه بعد الاكتفاء بالدرع و الخمار للصّلاة، كما هو لسان بعض الروايات المتقدمة.

فيقال: إنّ الدرع بحسب متعارفه إما ليس مطلقا طويل الذيل بحيث يستر به القدمين، أو و ان فرض أنّ بعض الدروع يستر القدم لكن ليس مطلقا فعلا و لا سابقا كذلك، بل يكون بعض منها بحيث يكشف القدمان معها، خصوصا مع أنّ نوع النساء بحسب العادة، لأجل ابتلاءاتهنّ و مشاغلهن، لا يمكن كون دروعهنّ بحيث تجرّ على الأرض و تزاحم في المشي و الحركة و القيام و القعود، فعلى هذا لم يثبت كون المتعارف منها ما يستر به القدم، حتّى يدعي أن المطلقات الواردة فيها الدرع تنزّل على‌

____________

(1)- جواهر الكلام، ج 8، ص 183.

276

المتعارف، فيثبت كون ستر القدمين شرطا، بل إما يكون المتعارف على خلاف ذلك، و إما لا أقل من كون المتعارف منها مختلفا، و الشاهد على أنّ بالدرع لا يستر القدم هو فتوى المشهور، لأنّ فتواهم ليس إلا من باب ما رأوا من عدم ستر القدم بالدرع بحسب ما كان المتعارف في أزمنتهم، فعلى هذا لا يشترط ستر القدمين الظاهر و الباطن حال الصّلاة على النساء، و امّا ما قال صاحب الجواهر (رحمه اللّه) (1) من انّه إذا لم يكن ستر الوجه و الكفين شرطا، فبالأولوية لا يشترط ستر القدمين ممّا لا يمكن لنا قبوله، لعدم أولوية للقدمين فالعمدة ما قلنا. (2)

الخصوصية الخامسة:

هل يجب على المرأة ستر شعرها حال الصّلاة بمعنى أنّ ستر شعرها أيضا شرط في الصّلاة أم لا؟

يظهر من كلام صاحب الجواهر (3) (رحمه اللّه) أنّ صاحب المدارك (رحمه اللّه) لم يجب ستر‌

____________

(1)- جواهر الكلام، ج 8، ص 172.

(2)- أقول: و قال سيدنا الاستاد مدّ ظلّه بعد ذلك: و لو شككنا في أنّ ستر القدمين شرط للصّلاة على المرأة أولا، يمكن أن يقال بعدم إجراء البراءة في المقام من باب أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (المرأة عورة أو النساء عيّ و عورة أو بدن المرأة أو جسد المرأة عورة) دل على كون بدنها بتمامه عورة، فما ندري بخروجه نقول بعدم جواز كشفه حال الصّلاة.

قلت له في الطريق: بأنّه كما يظهر من إفاداتك الشريفة سابقا أيضا كان قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (النساء عي و عورة) في مقام بيان وجوب ستر بدنها بالوجوب التكليفي، و أنّي له بالوجوب الشرطي في الصّلاة، و على فرض تمامية دلالة هذه الرواية، و عدم دليل على جواز كشف الوجه، أو الكفين، أو القدمين حال الصّلاة، فلو كشفت هذه المواضع، فقد خالفت حكما تكليفيا و لا ربط لذلك بالوجوب الشرطي الّذي أثره بطلان الصّلاة مع عدم الشرط، و لم يتعرض بعد لما قال، و لعله استرضى ما قلت. (المقرر)

(3)- جواهر جلد 8 ص 168- 169.

277

الشعر عليها تمسكا بالرواية الّتي قلنا بكونها متحدة مع الرواية 7 من هذا الباب، لكون راويهما محمد بن مسلم، و نذكر هما مجددا لتوضيح المطلب، و نقول:

الرواية الّتي رواها الصّدوق (رحمه اللّه) باسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: المرأة تصلّي في الدرع و المقنعة إذا كان كثيفا يعني ستيرا.) (1)

فهل يكون قوله (عليه السلام) (إذا كان كثيفا) راجعا إلى كل ما ذكر من الدرع و المقنعة، أو يكون راجعا إلى خصوص الدرع، فعلى الأوّل يكون المراد أنّ المرأة تصلّي في الدرع و المقنعة إذا كان الدرع و المقنعة كثيفا، و على الثاني يكون المراد انّه إذا كان الدرع كثيفا.

يمكن أن يقال باحتمال الثاني من باب أن لفظ (كان) يكون مذكرا و مفردا فيرجع ضميره إلى الدرع، لأنه مذكر، و يمكن أن يقال باحتمال الأوّل من باب أنّ الضمير و إن كان مذكرا و لا بدّ من إرجاعه إلى المذكر، لكن هنا يرجع إليه و إلى ما بعده، لأنّ التكلم بهذا النحو يكون متداولا، فيكون المراد أن الدرع و المقنعة إذا كانا كثيفين و لا يبعد أن يكون هذا الاحتمال أقوى، لتداول هذا النحو من الكلام في الاستعمالات.

و يذكر صاحب الوسائل رواية اخرى، و هي ما رواها الكليني (رحمه اللّه) عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم في حديث (قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما ترى للرجل يصلّي في قميص واحد؟ فقال:

إذا كان كثيفا فلا بأس به، و المرأة تصلّي في الدرع و المقنعة إذا كان الدرع كثيفا، يعني:

____________

(1)- الرواية 3 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

278

إذا كان ستيرا). (1)

و لا يبعد كون الروايتين رواية واحدة رواها محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، و اختلاف بعض الفاظ المتن يحتمل من نفس محمد بن مسلم تارة نقل هكذا و تارة هكذا، أو من بعض ناقليها منه، فعلى هذا ليستا روايتين.

و على كل حال في هذه الرواية بعد قوله (و المرأة تصلّي في الدرع و المقنعة) قال (إذا كان الدرع كثيفا) بخلاف الرواية الأولى فإن فيها (إذا كان كثيفا) فتمسك صاحب المدارك لعدم اعتبار ستر الشعر على المرأة حال الصّلاة بهذه الفقرة من الرواية الأخيرة، بدعوى أنّه بعد ما قال (إذا كان الدرع كثيفا)، فلا يعتبر كون المقنعة كثيفا أي ستيرا، لأنّ في الرواية اعتبر في خصوص الدرع كونه ستيرا، و إذا لم تكن المقنعة ستيرا، فيظهر الشعر من تحتها فجواز عدم كونها ستيرة شاهد على جواز كشف الشعر حال الصّلاة.

و لا يخفى عليك فساد هذا التوهم:

أما أوّلا: فلانه كما قلنا ليست رواية الأولى و الثانية روايتين، بل رواية واحدة رواها محمد بن مسلم، و بعد الاختلاف في مضمونهما لا يمكن الاستناد بكل منهما في مورد الاختلاف، فإن كان ما صدر من الإمام (عليه السلام) ما في الرواية الّتي رواها الصدوق (رحمه اللّه) ففيها (إذا كان كثيفا) و هو كما قلنا يناسب مع كون النظر إلى كون كل من الدرع و المقنعة كثيفا، و إن كان ما صدر ما في الرواية على ما رواها الكليني (رحمه اللّه) ففيها (إذا كان الدرع كثيفا) فهي تدلّ على خصوص كثافة الدرع، فمع الاختلاف في هذه‌

____________

(1)- الرواية 7 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

279

الفقرة لا يمكن الاعتماد بكليهما، فلا دليل على اعتبار كون خصوص الدرع ستيرا و كثيفا، حتّى يقال بعدم اعتبار ذلك في المقنعة.

و ثانيا: لو فرض عدم دلالة هذه الرواية إلا على كون الدرع ستيرا، فيدلّ بعض روايات اخر من هذا الباب تعرضنا لها على اعتبار كون المقنعة ستيرا بحيث لا يرى ما تحتها، فهذا دليل على شرطية ستر الشعر فانظر في الأخبار المتقدمة، ففيها ما قلنا خصوصا الرواية المتقدمة، و هي ما رواها علي بن جعفر (أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن المرأة ليس لها إلا ملحفة واحدة كيف تصلّي قال: تلتفت فيها و تغطي رأسها و تصلّي، فإن خرجت رجلها و ليس تقدر على غير ذلك فلا بأس.) (1)

فهي صريحة في لزوم تغطية الرأس بالملحفة، و من الواضح أن تغطية الرأس لا تحصل إلا بتغطية الشعر، بل في الرواية خصوصية اخرى، و هي أنّ في صورة عدم القدرة على ستر جميع البدن و الدوران بين ستر الرأس أو الصدر و اليدين و بين الرجل بلزوم ستر الرأس و جواز كشف الرجل، فهذا أيضا مؤيد لأنّ ستر الرأس لازم الحفظ حتّى في صورة الدوران.

و ثالثا: و هو ما يظهر من كلام صاحب الجواهر (رحمه اللّه) (2) و هو أنّه بعد شرطية ستر الرأس مسلما فعلى لزوم اعتبار كون الساتر من جنس خاص، و لا يكتفي بساترية بالشعر، فلا بدّ لأجل ستر الرأس من كون الخمار ستيرا، و إلّا لم يستر الرأس.

ثمّ إنه بعد شرطية ستر الشعر، فهل يشترط ستر الشعر الخارج من رأسها‌

____________

(1)- الرواية 2 من الباب 28 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- جواهر الكلام، ج 8، ص 269.

280

و أرسل إلى ظهرها على خلاف المتعارف أولا؟ يظهر من صاحب الجواهر (رحمه اللّه) (1) بانّ الخمر المتعارفة كانت بحيثية بحسب وضعها المتعارف بعد إرسال ذيلها يستر بها شعر المرأة، و على كل حال فالاحوط ستر الشعر مطلقا على النساء حال الصّلاة.

[في الخصوصية السادسة و السابعة]

الخصوصية السادسة: بعد استثناء الوجه عما يجب ستره حال الصّلاة على المرأة من بدنها، هل يجوز كشف ظاهر الوجه فقط، أو يجوز حتّى باطن الوجه، فيجوز كشف الفم و الاسنان، أو باطن العين حال الصّلاة أولا.

اعلم أنّه بعد ما فهمت بأنّ لفظ (الوجه) لم يكن في لسان الروايات، و ما يكون ليس إلا شرطية ستر ما يستره الخمار و الدرع، فكل مقدار لا يسترهما يجوز كشفه، و من الواضح أنّ المقدار الّذي لا يستر الخمار من الوجه خارج، فلا فرق في هذا المقدار بين الباطن و الظاهر، لأنّ هذا الموضع من البدن يجوز كشفه، مضافا إلى أنّا نعلم بأنّه لم يعتبر ستر العين أو ضم الشفتين في حال الصّلاة، بل مع أنّها تقرأ في الصّلاة لا يمكن لها ضم شفتيها إلا بأن تستر تمام وجهها حتّى لا يرى باطن فمه، فعلى هذا يجوز كشف المقدار من الوجه الخارج عن بدنها الّذي ستره شرط ظاهره و باطنه.

الخصوصية السابعة: بناء على شرعية عبادة الصبي و الصبية، فاعلم أنّ ستر الرأس غير معتبر في صحة صلاة الصبية، فيجوز كشف رأسها حال الصّلاة إلى أن تبلغ، فإذا بلغت فحكمها حكم النساء، لدلالة بعض الروايات على ذلك، فانظر إلى الباب 29 حديث 3 من أبواب لباس المصلي من الوسائل، فإنّ فيه ما يدلّ‌

____________

(1)- جواهر جلد 8 ص 167 و 168.

281

على ذلك.

[في الخصوصية الثامنة و التاسعة]

الخصوصيّة الثامنة: الأمّة يجوز كشف رأسها حال الصّلاة، فليس لها ستر الرأس شرطا في الصّلاة، لدلالة بعض الروايات على ذلك، فانظر إلى الباب 29 من أبواب لباس المصلي من الوسائل حديث 1 و 2 و 4 و 11.

الخصوصية التاسعة: يقع الكلام في صلاة العاري، فنذكر أوّلا اخبار الباب، ثمّ نبين مقدار دلالتها، و بعض الخصوصيات الراجعة إليها فنقول:

الرواية الأولى: ما رواها علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (قال: سألته عن الرجل قطع عليه، أو غرق متاعه، فبقي عريانا و حضرت الصّلاة كيف يصلّي؟

قال: إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتمّ صلاته بالركوع و السجود، و إن لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم.) (1)

الرواية الثانية: ما رواها أيوب بن نوح عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: العاري الّذي ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها و يسجد فيها و يركع). (2)

و اعلم أنّ هذه الرواية مع قطع النّظر عن الارسال فيها، لأنّ أيوب يروي عن بعض أصحابه، فيها حذف الواسطة أيضا، لأنّه على ترتيب الطبقات الّتي بين كل طبقة مع طبقة اخرى، و بيّنا في طبقاتنا، لا يمكن أن يروي أيوب بن نوح بواسطة واحدة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، بل لا يمكن أن يروي عنه (عليه السلام) إلا بواسطتين، فعلى هذا‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 50 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 2 من الباب 50 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

282

لا بدّ و أن يكون واسطة اخرى غير بعض أصحابه في طريق الرواية، و قد حذفت الواسطة، فافهم.

[حول الرواية الثالثة الواردة في الصّلاة العاري]

الرواية الثالثة: ما رواها ابن مسكان عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصّلاة، قال: يصلّي عريانا قائما إن لم يره أحد، فإن راه أحد صلّى جالسا). (1)

و هي ما رواها أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي في المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن أبي حمزة عن عبد اللّه مسكان عن أبي جعفر (عليه السلام) على ما نقلها صاحب الوسائل، و هي آخر رواية ذكر في هذا الباب، و هي الرواية 7 من هذا الباب أعنى 50 و إن كان الطريق على نهج ذكر صاحب الوسائل نقلا عن المحاسن، فقد حذفت الواسطة، لأنّه بحسب الطبقات لا يمكن أن يكون ابن مسكان راوي الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام).

و لكن يمكن أنّ البرقي في المحاسن نقل الرواية بطريق المتقدم لكن عن أبي عبد اللّه، كما أنّ الظاهر ذلك، لأنّ صاحب الوسائل ذكر الرواية ينتهي سندها بابن مسكان (2) و هو يروي عن أبي عبد اللّه، فما نقل أنّ عبد اللّه بن مسكان (3) يروي الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام) اشتباه من صاحب الوسائل.

فعلى هذا نقول: بأنّه بعد كون نقل البرقي دالّا على أنّ ابن مسكان يروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فلم يرد إشكال حذف الواسطة، لأنّ ابن مسكان يمكن أن يروي‌

____________

(1)- الرواية 3 من الباب 50 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 2 من الباب 46 من أبواب النجاسات عن المحاسن في الوسائل.

(3)- الرواية 7 من الباب 50 من أبواب النجاسات عن المحاسن في الوسائل.

283

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، أوّلا و أنّه و إن لم تكن روايته هذه بلا واسطة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، لأنّ بنقل الشّيخ (رحمه اللّه) روى الرواية ابن مسكان عن بعض أصحابه عنه (عليه السلام)، و احتمال إسقاط بعض أصحابه في نقل البرقي، و كانت الرواية فيها الارسال من هذا الحيث إلا أنّ بعد كون ابن مسكان من الأجلاء و تصحيح ما يصح عنه، فلا يضرّ الارسال بصحة الرواية ثانيا، فافهم.

الرواية الرابعة: ما رواها عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (أنّه قال في حديث: و إن كان معه سيف و ليس معه ثوب، فليتقلّد السيف و يصلّى قائما). (1)

الرواية الخامسة: الرواية الّتي عدها الرواية الخامسة صاحب الوسائل من هذا الباب بعد قوله (محمد بن علي بن الحسين باسناده عن عبد اللّه بن سنان مثله) (قال: و روي في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصّلاة أنّه يصلّي عريانا قائما إن لم يره أحد، فإن راه أحد صلّى جالسا). (2)

فهذه مرسلة رواها الصدوق (رحمه اللّه)، و لا يبعد كونها هي الرواية الّتي رواها ابن مسكان أعنى الرواية الثالثة فى الباب 50.

الرواية السادسة: ما رواها زرارة (قال قلت: لأبي جعفر (عليه السلام): رجل خرج من سفينته عريانا، أو سلب ثيابه و لم يجد شيئا يصلّي فيه، فقال: يصلّي إيماء، و إن كانت امرأة جعلت يدها على فرجها، و إن كان رجلا وضع يده على سوأته، يجلسان فيوميان إيماء و لا يسجدان و لا يركعان فيبدو ما خلفهما، تكون صلاتهما إيماء برءوسهما. قال: و إن كانا في ماء أو بحر لجىّ لم يسجدا عليه، و موضوع عنهما فيه‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 50 من أبواب النجاسات عن المحاسن في الوسائل.

(2)- مرسلة الصّدوق 3 من الباب 5 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

284

يؤميان في ذلك إيماء رفعهما توجه و وضعهما). (1)

الرواية السابعة: ما رواها عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: سألته عن قوم صلوا جماعة و هم عراة قال يتقدمهم الإمام بركبتيه و يصلّي بهم جلوسا و هو جالس.) (2)

الرواية الثامنة: ما رواها إسحاق بن عمار (قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): قوم قطع عليهم الطريق، و اخذت ثيابهم، فبقوا عراتا و حضرت الصّلاة، كيف يصنعون؟

فقال: يتقدمهم إمامهم فيجلس و يجلسون خلفه، فيومي إيماء بالركوع و السجود، و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم.) (3)

الرواية التاسعة: ما رواها أبو البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) أنّه (قال: من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلّي حتّى يخاف ذهاب الوقت يبتغي ثيابا، فإن لم يجد صلّى عريانا جالسا يؤمى إيماء يجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن كانوا جماعة تباعدوا في المجالس، ثمّ صلوا كذلك فرادى). (4)

الرواية العاشرة: ما رواها سماعة (قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض و ليس عليه إلا ثوب واحد، و أجنب فيه و ليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال:

يتيمّم و يصلّي عريانا قاعدا يؤمى إيماء). (5)

____________

(1)- الرواية 6 من الباب 50 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 1 من الباب 51 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(3)- الرواية 2 من الباب 51 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(4)- الرواية 1 من الباب 52 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(5)- الرواية 1 من الباب 46 من أبواب النجاسات من الوسائل.

285

و لكن رواها الشّيخ و ذكر بدل قوله (قاعدا يؤمى إيماء) (قائما يومي إيماء) نقلها صاحب الوسائل، و هي رواية 3 من هذا الباب، فافهم.

الرواية الحادى عشر: ما رواها الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (من رجل أصابته جنابة و هو بالفلاة، و ليس عليه إلا ثوب واحد و أصاب ثوبه منى. قال:

يتيمّم و يطرح ثوبه، فيجلس مجتمعا، فيصلّي فيومي إيماء). (1)

[الكلام في فهم المراد من الروايات يقع في امور]

هذا ما ورد من الروايات في هذا الباب، و أمّا فهم المراد منها فيقع الكلام فيه في طي أمور:

الأمر الأول:

هل يجب على العارى أن يصلّي قائما، أو قاعدا، او يجب عليه القيام إن لم يره احد، و يجب أن يصلّي جالسا إن يراه أحد.

اعلم أنّ الرواية 1 و 4 و إن كانت دالة على القيام، و الرواية 6 و 7 و 8 و 9 و 10 (بناء على ما نقلها الكليني (رحمه اللّه) و امّا بناء على ما نقلها الشّيخ (رحمه اللّه) تكون من الروايات الدالة على القيام) و 11 تدلّ على وجوب الجلوس، و يتوهّم التعارض بين ما يعتبر القيام و بين ما يعتبر الجلوس إلّا أنّه بعد دلالة رواية 3 و رواية 5 (بناء على كونها غير رواية 3) على التفصيل بين الصورة الّتي يراه أحد و بين الصورة لا يراه أحد، فأوجبت الجلوس في الأوّل و القيام في الثاني، فيجمع بهما بين الروايات الدالة على اعتبار الجلوس مطلقا و بين الروايتين الدالتين على القيام مطلقا في صورة وجود الناظر و عدمه، لأنّ بالروايتين المفصلتين يقيد إطلاق كل من الطائفتين.

و إن قلت: إنّ الرواية الأولى تدلّ على أنّ مع وجود الناظر يجب القيام في‌

____________

(1)- الرواية 4 من الباب 46 من أبواب النجاسات من الوسائل.

286

الصّلاة على العاري، لأنّه قال فيها (إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتمّ صلاته بالركوع و السجود، و ان لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم) فالحكم إن اصاب حشيشا يستر به عورته، شاهد على فرض صورة وجود الناظر، فالذيل يقول و إن لم يصب شيئا بقرينة المقابلة يكون في صورة وجود الناظر، و مع ذلك قال (أومأ و هو قائم) فعلى هذا بعد دلالة الرواية باعتبار القيام في خصوص صورة وجود الناظر، فتكون هذه الرواية معارض مع الرواية الدالة على التفصيل، لأنّ ما دل على التفصيل كان لسانه الجلوس في صورة وجود الناظر، و هذه الرواية تدلّ على القيام و مورده خصوص صورة وجود الناظر.

فنقول: بأنّه بعد دلالة الروايتين على التفصيل أوّلا أنّ الرواية الأولى ليست صريحة على كون المفروض صورة وجود الناظر حتّى يكون الذيل صورة وجود الناظر بقرينة الصدر، و ثانيا و لو فرض كون اللازم ستر العورة بالحشيش في صورة وجود الناظر، و لكن الذيل مطلق و قال (إن لم يصب شيئا يستر به عورة أومأ و هو قائم) فإطلاقه يقتضي وجوب الإيماء قائما سواء كان ناظر أو لا، فأيضا نقيّده بما دل على التفصيل.

الأمر الثاني:

هل يجب على العاري أن يركع و يسجد مثل حال الاختيار، أو يجب عليه أن يؤمى ايماء بالركوع و السجود، أو نقول بالتفصيل.

اعلم أنّ الرواية الأولى تدلّ على الايماء بالركوع و السجود و هو قائم، و الرواية 6 و 9 و 10 بنقل الكليني (رحمه اللّه) و 11 تدلّ على الجلوس و الايماء بالركوع و السجود، و الرواية 2 تدلّ على أنّ العاري يسجد و يركع إذا وجد حفيرة، و الرواية 8 تدلّ على اتيان المأمومين في ما إذا كان الإمام و المأموم عاريا بالركوع و السجود و‌

287

الإمام يؤمى ايماء و أنّ كلا من الإمام و المأموم يجلسان.

فيمكن أن يقال في هذا المقام: بأنّه بعد دلالة غير الرواية 2 و 8 على الايماء، و دلالتهما على الاتيان بالركوع و السجود بأنّ الأمر في غيرهما بالايماء كان من باب عدم الأمن من الناظر، و الأمر في هاتين الروايتين بالركوع و السجود يكون من باب عدم وجود الناظر فبهذا يجمع بين الروايات، و يقال: بوجوب الركوع و السجود إذا لم يكن معرضا لوجود الناظر، و الايماء بهما إذا كان مورد المعرضية لوجود الناظر، هذا كله في ما يأتي بالنظر البدوي.

و لكن بعد التأمّل يظهر أنّ الجمع بين الروايات بجعل الركوع و السجود للعاري في خصوص حال الأمن من أن يراه أحد، و الايماء بهما لصورة عدم الأمن من أن يراه أحد موجب للاشكال، و كذلك الجمع بين الروايات في الأمر الأوّل بأنّ العاري إذا لم يره أحد يصلّي قائما، و إذا يكون معرضا لأنّ يراه أحد يصلّي جالسا موجب للاشكال، فلا بدّ أوّلا من ذكر الاشكال، ثمّ التكلم في وروده و عدم وروده فنقول بعونه تعالى:

فالاشكال في الجمع بين الروايات بالنسبة إلى الركوع و السجود بالالتزام بأنّه إذا كان معرضا لأنّ يراه أحد فيومي بهما، و إن كان مأمونا من أن يراه أحد فيكون تكليف العاري إتيان الركوع و السجود بحمل ما ورد في رواية إسحاق بن عمار و رواية أيوب بن نوح من الاتيان بالركوع و السجود على صورة الأمن من المطلع، و حمل بعض الروايات المتقدمة الدالة على الايماء بهما على صورة عدم الأمن من المطلع، فهو أنّه إن كان مورد رواية إسحاق بن عمّار- و هي الرواية الثامنة- صورة الأمن من المطلع على ما قلتم، فما وجه الأمر بالجلوس، لأنّه قال (يتقدمهم إمامهم‌

288

فيجلس و يجلسون خلفه، فيومي ايماء بالركوع و السجود و هم يركعون و يسجدون)

و إن كان مورد عدم الأمن من المطلع و لهذا أمر بالجلوس، فما وجه أمرهم بالركوع، فلا يساعد الجلوس مع كون التكليف الركوع و السجود، فلا يمكن حمل الرواية على صورة الأمن من المطلع، لأنّ المفروض فيها الجلوس، و هو على ما قلتم في مقام الجمع بين الروايات الدالة على القيام، و بين الروايات الدالة على الجلوس:

بأنّ الأوّل صورة الأمن من المطلع، و الثاني صورة عدم الأمن، فمع فرض كون مورد الجلوس صورة عدم الأمن من المطلع، و فرض في رواية إسحاق بن عمار الجلوس المحمول على صورة عدم الأمن من المطلع، كيف يحمل الأمر بالركوع و السجود في هذه الرواية على صورة الأمن من المطلع، فلا يمكن الجمع بين الجلوس المأمور به في هذه الرواية و بين الركوع و السجود.

و أمّا الاشكال الوارد على الجمع المتقدم بين الروايات من حيث القيام و الجلوس من حمل ما دلّ على وجوب القيام على العاري على صورة الأمن من المطلع، و حمل ما دلّ من الروايات على الجلوس على صورة عدم الأمن من المطلع بقرينة رواية ابن مسكان المتقدم، فهو أنّه في فرض القيام، و هو صورة الأمن من المطلع على ما قلتم، فلم أوجب الايماء كما في الرواية الأولى، لأنّه إن كان القيام في صورة الأمن من المطلع فيتم ركوعه و سجوده أيضا كما ينبغي، فلم يؤمى بهما مع أنّك قلت بأنّ الايماء بالركوع و السجود يكون في خصوص صورة عدم الأمن من المطلع.

هذا كلّه في الاشكالين الواردين على الالتزام بالجمع بين الروايات بوجوب القيام و الركوع و السجود في صورة الأمن من المطلع و وجوب الجلوس و الايماء معا في فرض عدم الأمن من المطلع.

289

[الكلام في الاشكالين الواردين على الجمع بين الروايات]

اعلم أنّه إن كان الاشكال منحصرا بالاشكال الأول، أعني: بخصوص ما في رواية إسحاق بن عمار، فيمكن أن يقال: بأنّ منشأ الأمر بالجلوس فيها، و مع ذلك الأمر بالركوع و السجود على خصوص المأمومين غير مناف مع كون وجوب القيام في صورة الأمن من المطلع، و الجلوس في صورة عدم الأمن من المطلع، و كون وجوب الايماء في صورة عدم الأمن من المطلع، و الركوع و السجود في صورة الأمن من المطلع، لأنّه من الممكن أنّ عدم الأمن من المطلع في خصوص مورد هذه الرواية كان من نفس المأمومين، بأن يرى كل أحد منهم سوأة الاخر، لا من غيرهم، فعلى هذا أمر بالجلوس و الايماء بالركوع و السجود على الإمام، لأنّه متى يقدم على القوم، فلو كان الواجب عليه الركوع و السجود يظهر دبره و يراه القوم، فلأجل ذلك أوجب عليه الايماء بهما.

و أمّا المأمومين فحيث إنّهم حال الصّلاة في الجماعة يقفون في صف واحد، فيرى كل واحد قبل من يكون قريبا متصلا به لظهور قبلهم فيكشف قبلهم و لم يستر قبلهم إن كانوا قائمين حال الصّلاة، و أمّا إن جلسوا فلا يظهر قبلهم و يستر بما بين الفخذين، فلهذا أمر عليهم بالجلوس لكي لا يكشف قبلهم مع وجود الناظر، و أمّا حيث لم يكن ناظر غيرهم و هم على الفرض حال الصّلاة واقفون في صف واحد، فليس ناظر يرى دبرهم، فلهذا أمر عليهم بالركوع و السجود، فعلى هذا يرتفع الاشكال بأنّ وجه الجلوس عليهم كان من باب أنّهم إن قاموا حال الصّلاة يرى قبلهم، و يجب الجلوس إن يرهم أحد، و وجه الركوع و السجود عليهم مع فرض كونهم جالسين هو الأمن من الناظر من حيث دبرهم، (1) و على كل حال يمكن أن‌

____________

(1)- أقول: و انّي و إن توجّهت بهذا التوجيه أيضا و قلت له مد ظله، و لكن إن كان وجه الأمر

290

يجاب عن هذا الاشكال بهذا النحو.

[و امّا ما قيل في الجواب فكلام غير تام]

و أمّا ما قيل في مقام الجواب: إنّ الوارد في ذيل الرواية (و هم يركعون و يسجدون على وجوههم) بأنّ المراد أنّهم يركعون و يسجدون على الوجه الّذي يجب عليهم، فليست الرواية إلا في مقام بيان ذلك، فعلى هذا ليست الرواية متعرضة للوجه و النحو الّذي يجب عليهم الركوع و السجود فإن ثبت بالروايات الاخر كون ركوع العاري و سجوده بالايماء فلا ينافي مع الروية.

فكلام غير تمام، أمّا أوّلا فلأنّ معنى (على وجوههم) ليس إلا أنّهم يسجدون على وجوههم، يعني: كل واحد يسجد بوجهه، و ثانيا أنّه مع فرض أنّه أمر على ما يستفاد من الرواية بأنّ الإمام يؤمى بالركوع و السجود، ثمّ قال (و هم يركعون و يسجدون) فمن الواضح أنّ المراد أنّهم يركعون و يسجدون بنحو الركوع و السجود الواجب على المختار.

كما أنّه إن قيل ببعض توجيهات باردة اخرى لكون المراد من قوله (و هم يركعون و يسجدون على وجوههم) غير الركوع و السجود الواجب حال الاختيار، مما لا يعتني به، لوضوح دلالة الرواية على كون الركوع و السجود بنحو المتعارف‌

____________

بالجلوس في هذه الرواية و الركوع و السجود ما ذكر من أن عدم الأمن من الناظر يكون للمأمومين في خصوص قبلهم لا دبرهم، فيقال: بأنّه بناء على هذا كان اللازم أن يأمر بالامام بالقيام و الايماء، لأنّه إن كان عدم الأمن فقط من ناحية أنفسهم لا من الخارج، فعلى الفرض حال الصّلاة يقفون المأمومين خلفه، فلا يرون قدام الإمام، فكشف القبل جائز، لكونه مأمونا من أن يراه أحد، و يجب على الجمع المتقدم القيام مع الأمن من المطلع، و إن قلت بأنّه لو قام فيري دبره، لأنّهم في خلفه، نقول: بأنّ الدبر مستور بالآيتين، إلا أن يقال: بعدم الاكتفاء بهذا النحو من الستر. (المقرّر).

291

منهما حال الاختيار، هذا بالنسبة إلى هذا الاشكال.

[امّا الكلام في اشكال آخر]

و أمّا الكلام في الاشكال الآخر، و هو أنّه مع فرض القيام لم يؤمى بالركوع و السجود مع كون الفرض فرض الأمن من المطلع بقرينة رواية ابن مسكان.

فنقول: إذا بلغ الأمر إلى هنا لا بد لنا من إشباع الكلام في صلاة العاري، و الروايات الواردة في المقام بنحو يظهر ما هو الحق في المقام و يرتفع الاشكال.

فاعلم أنّ الكلام في صلاة العاري مرة يقع في ما إذا يصلّي فرادى، و مرة يقع الكلام في صلاة الجماعة للعراة، و في الأوّل تارة يقع في أنّ تكليفه القيام أو الجلوس، أو القيام في صورة و الجلوس في صورة اخرى، و تارة يقع الكلام في أنّ العاري يركع و يسجد في صلاته، أو يؤمى بهما، أو أن في أي صورة تكليفه الركوع و السجود، و في أي صورة تكليفه الايماء بهما.

أما الكلام في وظيفته إذا يصلّي صلاته بالفرادى، فالكلام في هذه الصورة في مقامين الأوّل في ان وظيفته القيام، أو الجلوس أو التفصيل بين الجلوس و القيام، فنقول: إنّ المستفاد من بعض روايات المتقدمة القيام، و من بعضها الجلوس: قد يقال بوجوب الجلوس كما هو قول بعض، و قد يقال بالقيام مطلقا كما هو قول بعض، و قد يقال بالتخيير بين القيام و الجلوس مطلقا كما يظهر من كلام المحقق (رحمه اللّه) (1).

[في ما نقل بالتفصيل في المسألة]

و لكن ما يظهر بالنظر هو ما قدّمنا من التفصيل بين الجلوس و القيام، بأن يصلّي العاري جالسا مع عدم الأمن من المطلع، و أن يصلّي قائما مع الأمن من المطلع، لأنّ بعض روايات الباب و إن تدلّ على القيام مطلقا، و بعضها على الجلوس مطلقا،

____________

(1)- الجواهر، ص 200.

292

و لكن بعد دلالة رواية ابن مسكان- و عدم ورود الخدشة في سندها و إن كان فيها ابهام الواسطة، لأنّ ابن مسكان روى عن بعض أصحابه و هذا البعض مبهم، و لكن بعد ما روى الرواية البرقي، و ينتهي السند إلى ابن مسكان و يروي ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و قابل بأن يروي ابن مسكان بلا واسطة عنه (عليه السلام) أوّلا و كون جلالة ابن مسكان بحيث لا يضرّ ابهام الواسطة بصحة الرواية ثانيا، فيأخذ بروايتها- فنقول بالتفصيل المتقدم في المسألة. إذا عرفت ذلك نقول: لا يرد إشكال في الروايات في هذه الجهة، و هل يمكن ان يقال: بأنّ في هذه الصورة راعي الشارع مضافا إلى الستر الّذي واجب بالوجوب التكليفي، الستر الّذي هو شرط في الصّلاة، أو لم يراع إلا الستر الّذي واجب نفسي فقط، لأنّه يحتمل أن يكون الستر الشرطي محفوظا في هذا الحال أيضا في حال الجلوس و القيام، غاية الأمر مستور بالبدن عورتيه و يكفي مستوريتهما بالبدن في هذا الحال بنظر الشارع. (1)

و على كل حال على هذا النحو من التفصيل من القيام و القعود في صورة عدم وجود الناظر، و في صورة المعرضية لوجود الناظر، لا يرد إشكال في الروايات من‌

____________

(1)- أقول: و ان احتمل ذلك سيدنا الاستاد دام اللّه بقائه، و لكن بعد ما اوردت مع أخي الأغر أيده اللّه بأنّه إن كان الستر الشرطي ملحوظا في هذا الحال، فما معنى التفصيل بين وجود الناظر و عدمه بقرينة رواية ابن مسكان، لأنّ في الستر الشرطي يعتبر الستر، و إن لم يكن ناظر، مضافا بأنّه إن حصل الستر الشرطي و التكليفي بالبدن فلم انتقل التكليف من القيام إلى الجلوس، بل يجب لحفظ القيام حال الصّلاة، القيام مع فرض ستر البدن على ما قلت مطلقا، و لا معنى للجلوس أصلا، لأنّه و لو فرض وجود ناظر، و لكن بعد مستورية العورتين بالبدن، فيجب أن يصلّي قائما، فلا معنى للتفصيل بين القيام و الجلوس، فرفع اليد مدّ ظلّه عن هذا الاحتمال، و عطف عنان الكلام إلى مطلب آخر. (المقرر)

293

حيث القيام، لأنّ الاشكال المتقدم هو أنّه لا يجتمع الايماء مع القيام كما في رواية علي بن جعفر بأنّه إن كان القيام من باب الأمن من المطلع فلا مانع من السجود و الركوع، فلم امر بالايماء بهما، و يأتي جواب هذا الاشكال في المقام الثاني، فعلى هذا من حيث القيام و الجلوس لا إشكال في الروايات. (1)

[الكلام في المقام الثاني]

أما الكلام في المقام الثاني، و هو أنّه هل يجب على العاري الركوع و السجود في‌

____________

(1)- أقول: و اوردت في مجلس البحث إيرادا بأنّه لا يرتفع الاشكال بعد، و هو أنّه بناء على ما أفاده مد ظله فلو فرض كون الستر الشرطي معتبرا حتّى في هذا الحال في الصّلاة، فلا معنى للتفصيل بين القيام و الجلوس، لأنه تستر العورة حال القيام بالبدن، و يحصل الستر الشرطي بهذا النحو، فلم ينتقل من القيام إلى الجلوس، و إن فرض كون الظاهر من الروايات حفظ الستر التكليفي في هذا الحال فقط، كما يظهر من التفصيل الظاهر من رواية ابن مسكان من الفرق بين وجود الناظر و عدمه، فالجلوس في الأوّل و القيام في الثاني فأيضا يبقى الاشكال في الروايات إن قيل بهذا التفصيل، لأنّه مع فرض حصول الستر التكليفي بالبدن، كما هو الحق و لا إشكال فيه، و إن كان الاشكال في ساترية البدن في مقام الستر الشرطي، فنقول: إنّه مع فرض ستر الدبر بالاليتين، و ستر القبل بالفخذين، أو باليدين، فما وجه الانتقال من القيام إلى الجلوس إن كان يراه أحد مع فرض مستورية عورته و إن يراه أحد.

فالأخذ بالروايات و الالتزام بأنّا نفهم بأنّ وجه الحكم بالقيام في صورة الأمن من المطلع، و بالجلوس في صورة عدم الأمن من المطلع، يكون من باب أهمية حفظ الستر التكليفي، أو الستر التكليفي و الوضعي على القيام الواجب في الصّلاة بدون اعمال تعبد في الروايات، في غير محله.

لأنّه إن التزمنا بالتعبد فنستريح من الاشكال، و إلّا فلا، و أنّ الالتزام بالتعبد في رواية ابن مسكان مع التصريح بوجه لزوم القيام في صورة، و الجلوس في صورة اخرى، مشكل، فلا يمكن دفع الاشكال إلا باحد النحوين: إما برفع اليد عن رواية ابن مسكان و الالتزام إما بالتخيير، أو بالقيام مطلقا، أو بالجلوس مطلقا، و إما من الالتزام بأن البدن ليس ساترا حتّى في الستر التكليفي، فتأمل. (المقرّر).

294

صلاته حال كونه عاريا، أو يجب عليه الايماء بهما حال الصّلاة، فنقول: إن كل رواية من روايات الباب المتعرضة لهذه الجهة- أعنى: تكليف العاري في الركوع و السجود- تدلّ على أن العاري يؤمى بهما في صلاته (و هي رواية علي بن جعفر، و رواية زرارة، و رواية أبي البختري، و رواية سماعة، و رواية حلبي) إلّا رواية أيوب بن نوح و هي الرواية الثانية، و رواية إسحاق بن عمار و هي الرواية الثامنة، فنقول:

[في ان رواية أيوب بن نوح لا يعتني بها في قبال الروايات]

أما رواية أيوب بن نوح فلا يعتني بها في قبال هذه الروايات، لما قلنا من ضعف سندها من جهة إبهام الواسطة، لأنّه يروي عن بعض أصحابه، و لم يعين شخصه، و من جهة حذف الواسطة لما قلنا من أن بحسب الطبقات لا يمكن أن يروي بواسطة واحدة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، بل لا بد من واسطتين أحدها بعض اصحابه، و لا بدّ من شخص آخر يروي عنه هذا البعض، و لم يكن في الطريق عين و لا اثر منه، فلهذا سندها ضعيف.

فيبقى في المقام ما يعارض الروايات الدالة على الايماء- سواء كان يصلّي قائما كرواية علي بن جعفر، أو جالسا كغيرها من الروايات- رواية إسحاق بن عمار فقط، فنقول: إنّه إن كان من الروايات الدالة على الايماء ما يرد فيها الجلوس و الايماء (مثل رواية زرارة، و أبي البختري، و سماعة، و حلبي) فإن فيها مع فرض الجلوس في الصّلاة أمر بالايماء بهما فقط، فيمكن أن يحتمل أحد و يقول: بأنّها غير معارض مع رواية إسحاق بن عمار، لأنّ الأمر بالجلوس و الايماء فيها كان من باب عدم الأمن من المطلع، كما حملنا الروايات الدالة على أن يصلّي جالسا على هذه الصورة، فلهذا أمر بالجلوس و الايماء كي يستر عورته من الناظر، و نحمل رواية إسحاق بن عمار على ما قلنا سابقا، و هو صورة كون عدم الأمن من المطلع من ناحية نفس أشخاص قطع‌

295

عليهم الطريق، و اخذت ثيابهم فبقوا عريانا، فإن الناظر منحصر بأنفسهم، فلهذا أمر بالإمام بالجلوس و الايماء، لأنّه لو بنى على أن يركع و يسجد يبدو عورته، لأن المأمومين في خلفه، و أمّا المأمومين فجلوسهم كان من باب أنهم لو قاموا حال الصّلاة، فلا يستر عورة كل واحد منهم من الاخر، فلا يأمن كل واحد منهم بالنسبة إلى قبله، و لهذا امرهم بالجلوس، و أمّا حيث لا يكون ناظر من الخارج غيرهم، و إذا وقفوا في صف واحد حال الجماعة يكونون مأمونين من أن ينظر إلى دبرهم، فلهذا امرهم بأنّ يركع المأمومين و يسجدوا.

و لكن بعد دلالة رواية علي بن جعفر، و هي الرواية الأولى من الروايات قدّمنا ذكرها، على أن العاري يصلّي قائما و يؤمى بالركوع و السجود، و فرضنا بأنّ مورد وجوب القيام في الصّلاة هو مورد عدم وجود الناظر، و في فرض الأمن من المطّلع فمع فرض الأمن من المطّلع و عدم وجود من يراه، امر بالقيام و امر بالايماء بهما في صحيحة علي بن جعفر، فعلى هذا لا يمكن رفع التعارض بينها و بين رواية إسحاق بن عمار بالوجه المتقدم، لأنّه و لو حمل كون المأمومين بالركوع و السجود لأجل الأمن من المطلع على خصوص دبرهم، و لكن يعارضها ممّا رواه علي بن جعفر، لأنّ في خصوص هذا الفرض أعنى: الأمن من المطلع أمر (عليه السلام) بالايماء بهما، فلا يمكن الجمع بهذا النحو بين الطائفة من الروايات الدالة على الايماء و بين رواية إسحاق بن عمّار الدالة على الركوع و السجود.

فإذا لا يوجد وجه جمع بينهما و يقع التعارض بينهما، ففي مقام التعارض لا بد من رفع اليد عن رواية إسحاق بن عمار أولا لكون ما يعارضها هو رواية علي بن جعفر، و هي رواية صحيحة، و لا يمكن رفع اليد عنها لأجل هذه الرواية، فلا بدّ من‌

296

طرحها في قبال الصحيحة، مضافا إلى أنّ الركوع و السجود مع كونه عاريا يوجب جعل المصلي نفسه بوضع يكون مستنكرا، و لا يبعد عدم كونه مناسبا مع الهيئة الصلاتية، لأنّه إذا ركع و سجد يبدو دبره، و لم يكن هذا الوضع مرضيا، كما أنّ في رواية زرارة قال (و لا يسجد ان و لا يركعان فيبدو ما خلفهما) فتركهما صار لازما لأن لا يبدو خلفهما، فهذا دليل على عدم كون كشف الدبر مرضيّا ثانيا، فافهم.

[في وجوب الايماء بالركوع و السجود على العاري]

ثمّ من الأمر بالايماء في كل من حالتى القيام و القعود في رواية علي بن جعفر و غيرها ممّا مر ذكرها نفهم أنّ الشارع لا يرفع اليد حتّى في هذا الحال الّذي يكون المكلف عاريا عن الستر الشرطي بالنسبة إلى خصوص الدبر للأمر بالايماء بالركوع و السجود، و من الواضح أنّ هذا لم يكن تعبدا صرفا، بل نفهم أنّ وجهه هو حفظ شرطية الستر بالنسبة إلى خصوص الدبر، و كون الفرق بينه و بين القبل، و على كل حال نقول: بوجوب الايماء بالركوع و السجود على العاري (1) هذا تمام الكلام في‌

____________

(1)- أقول: لا يستفاد كون الستر الشرطي شرطا حتّى في هذا الحال متمسكا بهذه الروايات الدالة على الايماء حال القيام و الجلوس في خصوص الدبر لا القبل، بدعوى أنّ القبل لا يجب ستره بالستر الشرطي حال القيام المفروض عدم وجود الناظر، لأنّه بعد كون البدن ساترا و لزوم الستر به فيجب ستر القبل باليد أيضا حتّى حال القيام.

و لا يمكن دعوى الفرق بين اليد و ساير أعضاء البدن بأن يقال: إنّ خصوص الاليتين من البدن يقبلان لأنّ يصيرا ساترا، فمن الأمر بالايماء نفهم ان الدبر مستور بهما، لأنّه لا فرق بينهما و بين اليد.

فنقول: إنّه يمكن دعوى لزوم حفظ شرطية ستر القبل أيضا في هذا الحال، لأنّ بعد كون البدن قابلا لصيرورته ساترا للستر الشرطي فالقبل مستور حال القيام و الجلوس إما بالفخذين و إما باليدين، أو بكل من الفخذ و اليد، بل كما قلنا في المقام الأوّل لا نفهم التفصيل الوارد في رواية ابن

297

هذين المقامين و أنت إن تنظر إلى كلمات من تعرض لهذه المسألة ترى أنهم لم يأتوا بشي‌ء كاف لفهم المطلب في المقام، و غاية ما يمكن أن يقال في هذا المقام ما أفاده مدّ ظله في هذا المقام. (1)

____________

مسكان الّتي جعله مدّ ظلّه شاهدا للجمع بين الروايات الدالة على القيام و بين الروايات الدالة على الجلوس، لأنه إن كان البدن قابلا لصيرورته ساترا للستر التكليفي أو الوضعي، فما معنى الانتقال من القيام إلى الجلوس في صورة وجود الناظر، لأنّ العورتين مستوران حال القيام القبل بالفخذين، أو اليدين، و الدبر بالاليتين، فالعورة مستورة و إن كان الناظر موجودا، لهذا قلت:

لا يمكن توجيه الروايات إلا بنحو المتقدم بيانه فتامل. (المقرر)

(1) أقول: ثمّ يمكن أن يورد على رواية إسحاق بن عمار و يجعل ممّا يوهنها بأنّه إن كان حفظ الركوع و السجود أهمّ من الستر الواجب بالوجوب الشرطي في الصّلاة، و لهذا رفع اليد عنه و امر بأن المأمومين يركعون و يسجدون، فلم شرّعت لهم الجماعة الّتي أثرها أنّ الإمام يؤمى بهما، و يرفع اليد عن الركوع و السجود، فإن كان حفظهما أهمّ من الستر الشرطى في الصّلاة، فكان اللازم أن لا يشرع لهم الجماعة حتّى يصلّون إما في صف واحد فيركعون و يسجدون مع عدم ناظر غيرهم كما فرض لدفع الاشكال من الرواية، أو يتباعدون فيصلّون و يركعون و يسجدون، و ان كان حفظ الستر أهمّ منهما فلم امر بالمأمومين بالركوع و السجود و ترك الستر بالنسبة إلى الدبر.

و إن قلت: إن الإمام يؤمى لأنّ يصلّوا جماعة.

قلت: مع كون الجماعة مستحبا، فكيف يرفع اليد عن الركوع و السجود الواجب لاجل المستحب، فهذا أيضا اشكال في الرواية لنا لا نفهم وجه دفع له، فيصير من موهنات الرواية.

ثمّ إنّه مدّ ظلّه لم يتعرض في البحث عن جماعة العراة، و أنّه هل يشرع لهم الجماعة أم لا؟

وجه عدم المشروعية ما يستفاد من رواية أبي البختري، و هي الرواية التاسعة بترتيب المذكور منّا، فإن فيها قال (فان كانوا جماعة تباعدوا في المجالس، ثمّ صلّوا كذلك فرادى) و لكن ما يخطر ببالى- و إن لم ار من يقول به في مقام الاشكال في الرواية في هذا المقام- هو أنّه بعد ما فرض

298

ثمّ إنّه إن قلنا بالتفصيل بين القيام و الجلوس في الصّلاة على العاري، كما اخترنا ذلك، فمورد القيام هو صورة يكون مأمونا من أن يراه أحد، و بعبارة اخرى لا يكون معرضا لأنّ يراه أحد، و الجلوس في صورة كونه معرضا لأنّ يراه أحد، لا أن يجمد بظاهر رواية ابن مسكان بانّه (يصلّي عريانا قائما إن لم يره أحد، فإن راه أحد صلّى جالسا) و يقال: إنّه يجب الجلوس في خصوص مورد يراه أحد، و بعبارة اخرى يكون الناظر موجودا و يعلم به، بل من الواضح أن المراد هو ما قلنا بان الميزان هو المعرضية و عدم المعرضية، فإن كان في معرض أن يراه أحد يصلّي جالسا، و الّا فلا، هذا تمام الكلام في صلاة العاري.

الخصوصية العاشرة:

هل يكون المعتبر في الستر الّذي شرط في كون الساتر من جنس خاص، و مما يكون متداولا من الثياب، أو لا يختص بكونه ثوبا، بل يكفي كل ما يستر به العورة و إن كان طينا، بل و بدن الشخص، أولا يعتبر أن يكون خصوص الثياب، بل يكفي غيره مثل الحشيش، و لكن لا يكفي كل شي‌ء حتى‌

____________

في هذه الرواية أن العاري يصلّي جالسا و يؤمى بالركوع و السجود، فإن فرض كونهم جماعة، فهم بعد كونهم جالسين يستر عوراتهم بالاليتين و الفخذين، فإن كان من ينظر بهم من أنفسهم، أو من الخارج فلا تبدو عوراتهم حتّى يجب عليهم التباعد لأنّ لا يرى عوراتهم، فهذا شاهد على أن قوله (فإن كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثمّ صلّوا كذلك فرادى) ليس دالا على وجوب التباعد و الفرادى، فعلى هذا لا دلالة لهذه الرواية على عدم مشروعية الجماعة في حقهم خصوصا مع الاشكال في سندها.

و دعوى الاجماع على مشروعية الجماعة في حقهم، و لا سيما مع دلالة رواية عبد اللّه بن سنان، و هي الرواية السابعة ممّا ذكرنا من الروايات في هذا الباب، فعلى هذا، الحق مشروعية الجماعة للعراة، فافهم. (المقرّر).

299

الطين و البدن؟

اعلم أنّه لا اشكال في عدم اختصاص كون الساتر من جنس الثياب المتداول لبسه، و كون الدرع و الخمار أو الثوب واردا في الروايات لا يصير دليلا على الساتر بها لعدم خصوصية، و يدل على ذلك رواية علي بن جعفر الّتي جعلناها الرواية الأولى من الروايات الواردة في صلاة العاري، فإن هذه الرواية صريحة في الاكتفاء بالحشيش في الساترية للصّلاة، فعلى هذا لإشكال في كون الحشيش ساترا.

و أمّا الطين فأيضا لا إشكال لنا في أن العورة تستر به، لعدم لزوم أزيد من ستر العورة بحيث لم تكن البشرة ظاهرة، و لا مانع من ظهور الحجم، و الطين قابل لأن يستر البشرة، فعلى هذا لم يكن إشكال في الستر به.

و لكن نقول: بعدم جعله ساترا بحيث لا يجوّز الشارع رفع اليد عنه و الصّلاة عاريا، لا لعدم قابليته لأنّ يستر العورة، بل لأنّ الستر به موجب للحرج، لأنّ الإطلاء به عسر على الشخص، فلهذا نقول: بأنّه لا يبعد عدم وجوب الستر به إن دار أمر المكلف بأن يستر به أو الصّلاة عاريا.

و امّا البدن فهل يقبل أن يسير ساترا للصّلاة، بمعنى أن يستر المصلي عورته ببدنه، مثلا يستر الرجال دبرهم بالاليتين، و قبلهم بالفخذين أو باليدين، أولا؟

لا يبعد أن يقال: بكون البدن أيضا ممّا يستر به العورة إما في مطلق القبل و الدبر، لما قلنا من أنا نفهم من كون الوظيفة للعارى، بمقتضى الجمع بين الروايات، هو القيام في صورة الأمن من المطلع، و الجلوس في صورة عدم الأمن منه، بأن الستر الّذي شرط في الصّلاة لازم الحفظ حتّى في هذا الحال، و يحفظ ذلك حال القيام، و كذا‌

300

الجلوس بالفخذين و الاليتين، لأنّ بالأوّل يستر القبل، و بالثاني يستر الدبر. (1)

أو في خصوص الدبر، لأنه بعد ما وجب الايماء بالركوع و السجود، بمقتضى بعض الروايات المتقدمة و عدم العمل برواية أيوب بن نوح و إسحاق بن عمار، فإنّا نفهم بأن وجه الأمر بالايماء بهما يكون من باب حفظ شرطية ستر الدبر في قبال الركوع و السجود، و تقديم حفظ ستر الدبر عليهما، و لهذا أمر بالايماء بهما، فهذا دليل على أن الاليتين يكفي لصيرورتهما ساترا للدبر. (2)

الخصوصية الحادية عشر:

لو فرض كون الساتر المعتبر في الصّلاة غير‌

____________

(1)- (أقول: و لكن بعد ما أعدت الاشكال الّذي ذكرنا سابقا في طي البحث في المقام الأوّل، من أنّه ان كان الستر الشرطي معتبرا في هذا الحال و حصل بالبدن، فما وجه الانتقال من القيام إلى الجلوس، و مضافا بأن ذلك لا يناسب مع رواية ابن مسكان الدالة على أنّ الانتقال من القيام إلى الجلوس يكون لأجل عدم الأمن من المطلع، و هذا مناسب مع الستر التكليفي، و مع عدم كون البدن ساترا، لأنه إن كان البدن ساترا للستر التكليفي و الوضعي فحال القيام تكون العورة مستورا بالاليتين و الفخذين أو باليدين، فما وجه الانتقال من القيام إلى الجلوس، صرف النظر عن ذلك مدّ ظله) (المقرّر).

(2)- (اقول و لكن كما قلنا سابقا في المقام الثاني من المقامين في صلاة العاري ان كان وجه الايماء الدال عليه بعض الروايات حفظ ستر الوضعي أو التكليفي في مقابل الركوع و السجود و كون البدن ساترا للقبل و الدبر أو لخصوص الدبر فما وجه الانتقال من القيام إلى الجلوس لانه يمكن له ان يصلى قائما و يستر عورته قبلا و دبرا ببدنه القبل بالفخذين أو اليدين و الدبر بالاليتين فيحفظ القيام الّذي هو شرط في الصّلاة و الستر كليهما و لا مجال لأنّ يقال بان القبل لا يستر بالفخذين و اليدان لا يكونا محصّلا للستر لانّه لا فرق بين الاليتين في حيث كونهما ساترا و بين اليدين فعلى هذا لا يمكن استفادة كون البدن ممّا يستر به العورة و يصير ساترا للستر المعتبر في الصّلاة و ان كان ساترا للستر التكليفي و لهذا في الستر الواجب بالوجوب التكليفي يكفي الستر و لو بالبدن). (المقرر)

301

مختص بكونه من الملبوسات و الثياب، و يكفي غيره من الحشيش و الطين و البدن، فهل يكون ترتيب بين هذه الامور بمعنى انّه يعتبر أولا حال الصّلاة ستر العورة بالثوب و اللباس، فإن لم يجد الثوب و اللباس تصل النوبة بالحشيش مثلا، ثمّ بالطين، ثمّ بالبدن، أو لم يكن ترتيب بينها، فمن كان متمكنا من الستر بالثوب يجوز له الستر بالحشيش و غيره ممّا يقبل أن يكون ساترا.

ما يمكن أن يكون وجها للأوّل هو رواية علي بن جعفر، و هي الرواية الأولى من الروايات الّتي ذكرناها في البحث عن صلاة العاري، و هي هذه (علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل قطع عليه، أو غرق متاعه فبقى عريانا و حضرت الصّلاة، كيف يصلّي؟ قال: إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتمّ صلاته بالركوع و السجود، و إن لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ و هو قائم) بدعوى أنّ الرواية- بعد فرض كون الرجل بلا لباس و ثوب كما يستفاد منها، و بقائه عريانا- دالة على جواز الستر بالحشيش، فبعد كون المفروض صورة عدم الثوب، و كون جواز الستر بالحشيش في هذه الصورة، فإن كان واجدا للثوب لا يجوز له أن يستر عورته بالحشيش، فالرواية تدلّ على الترتيب.

و لكن الحق عدم كون ترتيب بين ما يقبل لكونه ساترا للستر المعتبر في الصّلاة، و ما ورد في رواية علي بن جعفر لا يدل على الترتيب، لأنّ تجويز الحشيش في هذا الفرض ليس من باب عدم قابليته لأنّ يصير ساترا مع وجود الثوب، بل كان ذلك فرض السائل بأنّه لا لباس له، فجوّز (عليه السلام) أن يستر عورته بالحشيش، لا أنّ عدم وجود الثوب شرط في قابلية كون الحشيش ساترا، و فرض السائل صورة عدم وجود الثوب ليس من باب كون المعلوم بنظره الترتيب، بل من باب أن من‌

302

يكون له الثوب لا داعي له بأن يترك الثوب و يستر نفسه بالحشيش و غيره، فعلى هذا لا يعتبر الترتيب، بل يكفي كل ما اكتفينا كونه قابلا لصيرورته ساترا للستر المعتبر في الصّلاة، فبناء على هذا إن قلنا بكفاية الطين أو البدن، فهما في عرض الثوب، و لا ترتيب بينها.

الخصوصية الثانية عشر:

يقع الكلام في فروع:

الفرع الأول:

لو لم يجد المصلّي إلّا ما يستر به أحد عورتيه، فما يكون تكليفه؟

اعلم أنّ الكلام تارة يقع في ما يكون ما يوجد له من الساتر يقبل لأنّ يستر به أحد عورتيه معينا، مثلا يقبل الساتر لأنّ يستر به خصوص القبل، أو خصوص الدبر، فلا إشكال في هذه الصورة في أنّ تكليفه ستر خصوص ما يمكن ستره حال الصّلاة من أحد عورتيه، لأنّه مقدوره و يجب حفظه الشرط في المقدور الممكن، و هو أحد المعين من عورتيه.

و تارة يقع الكلام في ما لا يجد الا ما يستر به أحد عورتيه لكن لا أحد المعين، بل ما يمكن له ليس إلا ستر واحد من القبل أو الدبر بهذا الساتر بحيث لا يمكن له سترهما به، و لكن يمكن له ستر واحد منهما، فهل يكون في هذا الفرض ترجيح لأحد من القبل و الدبر على الآخر، فيقال مثلا: يقدم القبل على الدبر أو العكس، أو ليس ترجيح لستر أحدهما على الآخر، بل يكون مخيرا في أن يستر بهذا الساتر الّذي يجد له القبل أو الدبر.

الحق التخيير بينهما لعدم وجه وجيه لترجيح ستر كل واحد من القبل و الدبر‌