تبيان الصلاة - ج3

- السيد حسين البروجردي المزيد...
323 /
303

على الآخر. (1)

الفرع الثاني:

بعد ما يكون تكليف العارى، الغير المتمكن من تحصيل الساتر، الصّلاة عاريا فإذا شرع العاري في صلاته، ثمّ وجد له الساتر في أثناء الصّلاة فما يصنع؟ اعلم أنّ للمسألة صورا:

الصورة الأولى:

ما إذا كان مشتغلا بالصّلاة و يوجد الساتر في أثناء الصّلاة، و كان آخر الوقت بحيث لو رفع اليد عن صلاته لا يدرك من الوقت مع الساتر حتّى ركعة، فلا إشكال في هذه الصورة في أنّه يتمّ ما بيده من الصّلاة، غاية الأمر إن كان متمكنا من تحصيل الساتر حال الصّلاة بدون فعل المنافي، فيستر عورته و يتم صلاته، و إن لم يتمكّن من ذلك يتمّ صلاته عاريا، و ذلك لأنّه لو قطع صلاته فلا يقدر على درك حتّى ركعة من صلاته في الوقت بعد ذلك، فلأجل أهمية الوقت لا بد من الاكتفاء بهذه الصّلاة و إتمامها إمّا مع الستر بالنسبة إلى بقية صلاته إن أمكن له الستر في الاثناء بدون فعل المنافي، و إمّا عاريا في صورة عدم إمكان‌

____________

(1)- أقول: أعلم أنّ في هذا الفرض لا بد و أن يفرض مورد لا يمكن ستر أحد العورتين بالبدن، أو نلتزم بعدم كفاية ساترية البدن للستر الّذي شرط في الصّلاة حتّى يكون الدوران بين ستر القبل بالساتر الموجود له أو الدبر، و يقال بالتخيير في صرف ساتره في أي منهما شاء، و إلّا فإن كان البدن ساترا و لم يكن ترتيب بين أقسام الساتر، ففي الصّلاة حال القيام يحصل الستر بالبدن و في حال الركوع و السجود حيث يبدوا الدبر، و امّا القبل متسور بالفخذين أو باليدين، فيجب أن يستر بالساتر، الدبر معينا لانه لا يمكن ستره حال الركوع و السجود بالبدن و لا وجه للانتقال بالايماء مع وجود الساتر، إلا أنّه يمكن أن يقال: بان مثل هذا المورد خارج عن الفرض، إذا المفروض يكون صورة لا يتمكن من ستر كل من القبل و الدبر بما يقبل أن يصير ساترا، بل يتمكن من ستر أحدهما، فنقول في هذه الصورة كما أفاده مد ظله فافهم. (المقرّر).

304

ستر عورته في بقية صلاته بدون فعل المنافي.

الصورة الثانية:

ما إذا كان الوقت موسّعا بحيث إذا رفع اليد عن الصّلاة بيدها يمكن له إتيان مجموع صلاته بعد ذلك في الوقت، و في هذه الصورة تارة يمكن ان يستر العورة في ضمن الصّلاة بدون فعل المنافي، و تارة لا يمكن له الستر في ما بقى من صلاته إلا بفعل المنافي.

أما ما إذا كان مشتغلا بالصّلاة و وجد له ساتر، و تمكّن من الستر به بدون فعل المنافي، فبناء على كون أجزاء البدن كاليدين و الفخذين و الاليتين محصّلا للستر الشرطي، فلا مجال للاشكال في تتميم الصّلاة مع الساتر، بمعنى أنّه يستر عورته حال الصّلاة، فما مضى من صلاته صحيح، بل واجد للشرط، و كذا ما بقى من صلاته غاية الأمر تبدل ساتره بساتر آخر، فقبل وجود الساتر الّذي هو غير بدنه كان الشرط حاصلا بستر عورته بالبدن، و بعد تستره بما وجد من الساتر يستر عورته به، فعلى هذا وقع تمام صلاته مع الستر، فكل جزء من أجزاء صلاته كان مع الشرط حتى الحال الّذي ينتقل من ساترية بدنه إلى غيره من السواتر، لأنّ في هذا الحال يكون مستورا عورته ببدنه.

ففي هذه الصورة لا مجال للاشكال، لأنّ الاشكال إن كان من باب عدم الستر في ما مضى من صلاته، لأنه لم يكن عورته مستورا بالثياب مثلا، فنقول: إنّه بعد كون البدن من مصاديق الساتر، و بعد عدم كون ترتيب في مصاديق الساتر، بل يكون كل من أفراده في عرض واحد، فهو في ما مضى من أجزاء صلاته كان واجد الشرط الستر، و كذلك في ما بقى من صلاته.

و إن كان الاشكال من باب أنّه في ما مضى من صلاته إن مضى موضع‌

305

الركوع و السجود، مثل ما مضى ركعة من صلاته، أومأ بركوعه و سجوده، و لم يأت بالركوع و السجود الكامل المختار.

فنقول: إنّه بعد عدم وجوب تأخير الصّلاة على من لم يتمكّن من الستر إلّا بالبدن إلى آخر الوقت، بل يجوز له البدار لإطلاق روايات المتقدمة في باب صلاة العاري، و خصوصا مع التصريح في الرواية أبي البختري منها، و هي الرواية التاسعة ممّا ذكرناها بأنّه (فلا ينبغي له أن يصلّي حتّى يخاف ذهاب الوقت) الظاهر في استحباب التأخير إلى أن يخاف ذهاب الوقت، فنقول: إنّ تكليفه إلى الحال كان الايماء بالركوع و السجود، و فيما يبقى من صلاته يكون تكليفه إتمامهما لا الايماء، فوقعت صلاته على طبق ما كان مكلفا به، فلا اشكال في هذا الفرض في انّه يستر بدنه بما وجد من الساتر، و يتم صلاته و تقع صحيحة. (1)

و أمّا بناء على عدم كون أجزاء البدن ساترا ففي الفرض المكلف اشتغل بالصّلاة و أتى ببعض الصّلاة عاريا، لعدم تمكنه من تحصيل الستر الّذي هو شرط في‌

____________

(1)- أقول: فعلى هذا في هذا الفرض الانتقال من مصداق من الساتر، و هو أجزاء البدن إلى مصداق آخر و هو الثوب، ليس من باب عدم كون ما مضى من صلاته غير واجد للستر الّذي شرط في صلاته، لأنّ عورته مستورة ببدنه، بل يكون لزوم الانتقال من باب أنّه في ما مضى كان يؤمى بركوعه و سجوده، أو كان يجلس في موضع القيام لأجل وجود الناظر في ما فرض أن في حال الصّلاة لم يكن مأمونا من المطلع فترك للاضطرار القيام و الركوع و السجود، فإذا فرض تمكنه من أن يستر عورته بالثياب فهو متمكن من أن يصلّي قائما و يتمّ ركوعه و سجوده، فلهذا يجب عليه الستر بالستر في ما يبقى من صلاته لأنّ يصلّي صلاته قائما و إن كان ناظرا و يتم ركوعه و سجوده، و الّا لو لم يكن لزوم حفظ القيام و الركوع و السجود حال التمكن فلا يجب عليه أن يستر عورته بالساتر الّذي تمكن منه في أثناء الصّلاة، لأنّه واجد لشرط الستر، غاية الأمر بمصداقه الآخر و هو أجزاء البدن. (المقرّر).

306

الصّلاة و في ضمن الصّلاة، تمكّن من الساتر بأن يستر عورته بدون فعل المنافي، فهل يكتفي بهذه الصّلاة في مقام الانتقال، و يستر عورته، و يتم باقى من صلاته، أو لا يمكن الاكتفاء بها، بل يجب إتيان صلاة اخرى مع الستر مع سعة الوقت لذلك.

اعلم أنّه إن قلنا بجواز البدار على العاري، كما هو الحقّ لما قدّمنا من عدم اعتبار التأخير إلى أن يخاف فوت الوقت، فالمقدار الّذي وقع من صلاته بلا ستر وقع صحيحا، لأنّ تكليفه كان في هذا الحال الصّلاة عاريا، و ما بقى من صلاته يستر عورته بالساتر الموجود له فعلا فيقع صحيحا أيضا، لأنّه يقع مع الشرط.

و أمّا في المقدار المتخلل حال الصّلاة بين السابق الّذي أتى ببعض صلاته عاريا، و بين اللاحق الّذي يأتي ببعض الصّلاة مع الساتر- أعنى: المقدار المتخلل بينهما، و هو المقدار الّذي تمكن من الستر، و بنى على أن يستر- ففي هذا المقدار يكون بلا ستر قهرا، فيقال: إنّه إن دل دليل الدال على صحة صلاة العاري على شموله لمثل هذه الصورة الّتي تمكن من الستر في ضمن الصّلاة، فإن لم يكن هذا المقدار المتخلل مغتفرا يوجب لغوية الدليل الدال على صحة صلاة العاري الشامل لهذا المورد، فعلى هذا لا اشكال في هذه الصورة أيضا.

(و أمّا صورة توقف الستر على فعل المنافي من هذا المورد، و كذا صورة تمكّنه من الستر حال الصّلاة، و الحال انّه إن قطع صلاته لا يدرك من الوقت إلا مقدار أداء ركعة من صلاته، فلم يتعرض لها سيدنا الاستاد مد ظله، و عطف عنان الكلام إلى مسئلة اخرى و هي هذه).

الفرع الثالث:

هل يكون الستر شرطا في الصّلاة مطلقا في حال العمد، و الجهل بقسميه، و النسيان، أو تكون شرطيته مخصوصة ببعض هذه الصور؟

307

فنقول مقدمة: بأنّ الأحكام الّتي وصلت بأيدينا من الشارع تارة تصل إلينا بمعونة الاطلاقات أو العمومات، و بعبارة اخرى بمعونة ظواهر تستفاد من الادلة، و تارة ليس كذلك، بل نرى من وضع الشرع و المتشرعة و مغروسية حكم عندهم من صدر الأوّل إلى زماننا من كل من يكون له ربط في الشرع، و في زمرة المتشرعة أنّ الحكم كان عنده مسلما، بحيث لا يرى ترديد في هذا الحكم عندهم أصلا، و لهذا كل ما يرى في الروايات لم يكن فيه ذكر من أصل هذا الحكم من المعصومين، و لا سؤال عن أصل الحكم من السائلين، بل كل ما وقع السؤال و الجواب فيها لم يكن إلا من خصوصيات هذا القبيل من الأحكام، و هذا أيضا شاهد على أنّ أصل الحكم كان ثبوته مفروغا عنه عندهم، و لهذا وقع السؤال و الجواب عن الخصوصيات، و كلما وجدت أحكام ثابتة بهذا النحو، فحالها كحال الأحكام الثابتة من الأدلة اللازم الاخذ بها و إن لم تكن مثلها من حيث طرق الاثبات.

فإن كان حكم في الشرع بهذا الوزان بحيث يكون مسلما، و يرى من الأحكام المسلّمة من زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الصادع بالشرع عند المسلمين إلى زماننا، فما قد يختلج بالبال هو أنّه في مثل هذه الأحكام إذا شك في خصوصية من خصوصياتها، لا يمكن التمسك في نفي المشكوك من خصوصياتها بالبراءة.

و لا تتوهم بأنّا غفلنا ما هو مبيّن في محله من أنّ مع الشّك في جزئية شي‌ء، أو شرطيته، أو جزئيته أو شرطيته مطلقا، أو في حال مخصوص، أو في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطي تجري البراءة.

لأنّا نجري البراءة الشرعية، و كذا العقلية إن كانت براءة عقلية، و لم نقل بما قال المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) من الاشكال في إجراء البراءة العقلية في الأقل و الأكثر‌

308

الارتباطي، و كذلك لا نجوّز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية حتّى تقول: بأنّه و لو فرض ثبوت حكم في الشرع إما من الادلة المعهودة من العموم و الاطلاق و ساير الحجج، أو ما بنحو الّذي قلت، و لكن في المقدار المعلوم الثابت نأخذ بالحكم، و في المقدار المشكوك نجري البراءة في الأقل و الأكثر و في الشبهات المصداقية.

و لكن نقول بأنّه بعد ما بينّا بأنّ مدرك حجية جلّ الحجج المثبتة للأحكام، أو النافية هو بناء العقلاء، لأنّ حجية العموم و الاطلاق، و كذا الخبر الواحد يكون ذلك، و كذا أصالة البراءة العقلية، و لهذا كان الواجب الفحص ثمّ إجرائها، نقول: بأنّ بناء العقلاء في هذه الموارد هل هو إجراء البراءة بصرف الشك، أو ليس بناء العقلاء على ذلك، بل يلزم الاحتياط إلّا في خصوص ما دل الدليل على إخراجه، و لا يبعد أن يكون كذلك.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنّ مسئلة الستر تكون كذلك، لأنّ شرطية أصل الستر في الصّلاة و دخله فيها من الأحكام المسلمة بحيث لا يرى شك في زمان من الأزمنة في دخله فيها من صدر الأوّل إلى الآن، و حتى يرى من الأسئلة و الأجوبة الواردة في الروايات الواقعة من خصوصياته، كون أصل المسألة من المسائل المفروغ عنها، مثلا يسأل تارة عن الغير المتمكن من الستر كالعاري، أو من رجل صلّى و فرجه خارج و هو لا يعلم، أو ممّا يلزم أن يستر به الرجل أو المرأة، و أقل ساتر يسترهما في الصّلاة، ففي كل هذه الأسئلة و الأجوبة يرى كون أصل شرطية الستر مسلما عندهم.

فإذا كان كذلك، فإن شككنا في خصوصية من خصوصيات هذا الحكم‌

309

المسلّم، مثلا نشك في أنّ هذا الحكم ثابت في خصوص حال العمد، أو معتبر حتّى في حال الجهل، فهل يكون المرجع في مورد الشّك البراءة، أو كما قلنا لا بد مع كون الحكم بهذه المرحلة من الوضوح من ترتيب الأثر عليه مطلقا إلا في ما ورد من الشرع من عدم كونه ساريا إلى موضوع خاص، و عدم كون هذا الحكم في حال من الأحوال، أو في خصوصية من الخصوصيات، و لا تجري البراءة في ما شك من خصوصياته بكون الحكم ثابت معها، أولا.

لا يبعد أن يكون الأمر كذلك، لعدم بناء العقلاء على إجراء الأصول في مثل هذه الموارد. (1) ثمّ إن قلنا كذلك، فلا إشكال في أنّه في مسئلة الستر كلما شككنا في الخصوصيات الراجعة إليه، و لا ندري بأنّ الحكم ثابت معها أولا، لا مجال لإجراء البراءة، و لا بدّ من حفظ الشرط إلا ما خرج بالدليل، ففي الفروع الّتي نتعرض لها لا تجري البراءة و نرفع اليد عن شرطية الستر إلا في المقدار الّذي قام الدليل على اخراجه.

و أمّا لو لم نقل بهذه المقالة، و قلنا بإجراء البراءة في أمثال هذه الموارد، فنقول‌

____________

(1)- أقول: و إن كان مدّ ظلّه متوجّها بما يرد على هذا الكلام، و لهذا قد تصدى لدفع الدخل و كان في مقام ذكر نكتة دقيقة مع قطع النظر عما نجري على حسب المباني في الأصول، و نبحث حوله، و كان وجه ترديده في إجراء البراءة ما أفاده و لكن مع ذلك لا يخطر بالبال فرق في المقام مع ساير الموارد الّتي نجري البراءة، غاية الأمر أنّ الأحكام الثابتة بهذا النحو يكون كالعموم أو الاطلاق المستفاد من رواية صحيحة بل و من القرآن الكريم، و لكن القدر المسلم منه نأخذ به و في المقدار المشكوك في كونه فردا للعام أو المطلق أو كونه داخلا في موضوع الحكم أو كان الشك في كون اللفظ يشمله أو لا، فلا نرى إشكالا في إجراء البراءة على حسب ما قوينا في الأصول، و يكون مورد البراءة، فتأمل. (المقرر)

310

بعونه تعالى: أنّه إذا شك في أنّه هل يعتبر الستر في الصّلاة مطلقا، أو يختص بصورة العلم و العمد و الاختيار، و باقى الصور الّتي تكون محلا للكلام بعد ذلك إن شاء اللّه.

[ما يكون دليلا لكون شرطية الستر مختصة ببعض الاحوال امور ثلاثة]

فما يمكن أن يكون دليلا لكون شرطيته مخصوصة ببعض الأحوال امور ثلاثة:

الأمر الأول: حديث لا تعاد.

الأمر الثاني: ما رواها محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن احمد عن العمركي عن علي بن جعفر عن أخيه (قال: سألته عن الرجل صلّى و فرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة أو ما حاله؟ قال: لا اعادة عليه و قد تمّت صلاته.) (1)

الأمر الثالث: حديث الرفع.

فنقول الأمر الأول: حديث لا تعاد، فهي الرواية 4 من الباب (1) من أبواب قواطع الصّلاة و ما يجوز فيها، و هي ما رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا تعاد الصّلاة إلا من خمسة الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود، ثمّ قال: القراءة سنة، و التشهد سنة فلا ينقض السنة الفريضة). (2)

[الكلام في حديث لا تعاد]

و قبل التكلم في المسألة لا بدّ لنا من التكلم في حديث لا تعاد بنحو الاجمال كي تكون أنت على بصيرة من مفاده، و موارد شموله و عدم شموله، فنقول: إنّ بعض من أدركنا محضره من الأعاظم كان نظره على أنّ الحديث يشمل حتّى صورة العلم و العمد، فمن ترك في صلاته من غير المستثنى شيئا و لو عمدا، فلا يضرّ بصلاته لقوله‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 27 من أبواب لباس المصلّى من الوسائل.

(2)- الرواية 4 من الباب 1 من أبواب قواطع الصّلاة و ما يجوز فيها من الوسائل.

311

(لا تعاد الصّلاة إلا من خمس) و الناظر يرى أن في شمول الحديث لخصوص النسيان، أو الجهل، و غير ذلك كلمات و اختلاف بين الفقهاء (رضوان اللّه عليهم).

و على كل حال ما يأتي بالنظر أنّ مفاد الحديث، هو أنّ من كان يريد اتيان الصّلاة بنحو المطلوب، و كان بنائه على إتيان صلاته بما لها من الأجزاء و الشرائط، و لم يأت بها كما هو المطلوب من غير اختيار، فلا إعادة عليه إن لم يكن ما قصر منها من الخمسة، و لا يمكن شمولها لحال العمد.

أما أولا فلأنّ الحديث متعرض لصورة وقوع الصّلاة، و أنّه إذا فرغ من الصّلاة فرأى أنّ في صلاته وقع نقص، و لهذا عبّر بقوله (لا تعاد) و هذه العبارة ظاهرة في مضى الصّلاة و أنّ ما مضى من صلاته لا تجب الاعادة، و إن قلنا بشمول الرواية لما كان المكلف في أثناء الصّلاة، فمع ذلك يكون في مورد نقص في صلاته شي‌ء، و مضى محل تداركه، فعلى كل حال ليست الرواية متعرضة لحال الشروع في الصّلاة، بمعنى انّه يجوز بمقتضى الحديث للمكلف الشروع في الصّلاة، و ينقص شيئا عمدا، و يتمسّك بالحديث، و أنّه لا تجب الاعادة، لأنّ الرواية غير متعرضة لهذه الصورة.

فإذا لم يكن الحديث متعرضا لجواز الابتداء و الدخول في الصّلاة، و عدم إتيانه بالجزء أو الشرط محتجا بالحديث، فلا يمكن شمول الحديث لصورة العمد، و ترك جزء أو شرط من الصّلاة عمدا.

و ثانيا أنّ شمول الحديث لصورة العمد مناف مع جعل الأجزاء و الشرائط جزء و شرطا في الصّلاة، لأنّ معنى كون القراءة مثلا جزء عدم تماميّة بدونها، فإن كان مفاد حديث (لا تعاد) هو تجويز ترك الجزء أو الشرط و تركهما عمدا في الصّلاة،

312

يكون لازمه رفع اليد عن الجزء و الشرط، فهذا مناف مع اعتبارهما، و حيث يلزم من شمول الحديث لصورة العمد لغوية جعل شي‌ء جزء أو شرطا، نفهم عدم شمول الحديث لصورة ترك العمدية.

[لا يشمل حديث لا تعاد لصورة العمد]

فإذا عرفت عدم شمول الحديث لصورة العمد نقول: بأنّه كما قلنا ظاهر الحديث هو أن كلّ ما تعلقت الإرادة بفعله في الصّلاة بحيث يكون المريد للصّلاة مريدا له أوّلا و بالذات، و كان بناء المكلف على إتيانه في الصّلاة، بحيث لو لم يمنعه الصوارف الّتي ليست تحت اختياره ليقع منه في ضمن الصّلاة، و يوجد ما بنى عليه في الخارج، و إذا لم يوجد ما كان بنائه على إتيانه، و ما وقع مراده في الصّلاة، لأجل طرو بعض ما ليس تحت اختياره، فلا تعاد الصّلاة في هذه الجهات إلا في خمسة امّا ما كان تركه تحت اختياره، و مع ذلك تركه فلا يشمله الحديث.

فعلى هذا نقول: بأنّ نسيان الموضوع يشمله الحديث، فمن نسى القراءة مع علمه بكون القراءة واجبة في الصّلاة، فلا يجب عليه إعادة الصّلاة لأجلها لقوله (عليه السلام) (لا تعاد الصّلاة إلا من خمسة) لأنّ ترك القراءة مع كون بنائه على إتيانها مستند إلى نسيانه، و هو أمر غير اختياري له، و كذلك الجهل بالموضوع مثل من يكون جاهلا بكون ساتره في الصّلاة يكون فيه خرق يكشف عورته، و امّا صورة ترك شي‌ء يعتبر في الصّلاة عمدا، أو تركه مع الشّك في الحكم، مثلا لا يدري بأنّ القراءة واجبة في الصّلاة أم لا، و مع ذلك تركها، فلا يشمله الحديث.

و أمّا الجاهل المركب- سواء كان جاهلا مركبا في الحكم، مثل من يعتقد جهلا بعدم كون القراءة مثلا جزء للصّلاة، أو الستر شرطا فيها، أو كان جاهلا مركبا في الموضوع، مثل من يكون قاطعا بكون عورته مستورا حال الصّلاة، و الحال أنّ في‌

313

ثوبه خرق يكشف عورته حال الصّلاة- فهل يكون عموم (لا تعاد) شاملا له أم لا؟

لا يبعد شمول الحديث للجهل المركب أيضا لأنّ تركه الجزء أو الشرط في الصّلاة باعتقاد عدم شرطيته أو جزئيته، أو باعتقاد كونها واجدا لهما ليس تحت اختياره، إذ مع هذا الاعتقاد غير متمكن لاتيانهما، و لم يكن عن عمد و علم باعتبارهما، أو عدم تحصيلهما حتّى يقال: بعدم شمول الحديث له، و لا مانع من شمول (لا تعاد) للجهل المركب.

و أمّا شمول الحديث لخصوص الأجزاء و شرائط الصّلاة بمعنى، أنّه لو نسى الجزء، أو الشرط مثلا، فيحكم بعدم الاعادة بمقتضى الحديث، أو يشمل الحديث مضافا إلى الأجزاء و الشرائط للموانع أيضا.

قد يقال: بالشمول جمودا على ظاهر قوله (لا تعاد الصّلاة إلا من خمسة) فما سوى الخمسة لا تعاد الصّلاة من أجله سواء كان شرطا أو جزء أو مانعا من الموانع، و لكن بعد التأمل فالحكم بشمول الحديث للموانع مشكل، لأنه بعد ما قلنا من ان لسان (لا تعاد) هو عدم لزوم إعادة الصّلاة في ما تعلق به إرادة المكلف بمقتضى الأمر بالصّلاة أوّلا و بالذات، بحيث تكون إرادة الصّلاة أوّلا و بالذات إرادتها أعنى:

من يريدها يريد اتيان هذا الشي‌ء أوّلا و بالذات، و لكن لم يأت بها لطرو امر غير اختيارى للمكلف.

فعلى هذا نقول: بأن الجزء و الشرط حيث يكون وجودهما معتبرا في فمن يريد الصّلاة، يريدهما أوّلا و بالذات، و امّا بعد عدم كون الموانع ممّا يكون وجودها دخيلا في الصّلاة، لأنّ بوجودها تبطل الصّلاة و لا عدم وجودها شرطا في الصّلاة، بل معنى دخلها في الصّلاة ليس إلا أنّ من يريد الصّلاة و اتيان ما يعتبر فيها حيث يرى‌

314

انّه لو وجد أحد الموانع في أثناء هذا العمل يحصل الاختلال في هذا العمل أعنى:

الصّلاة، فلم يوجدها، لأنّ يقع ما يريد إتيانها في الخارج و يحصل مراد المولى، فالإرادة إن تعلقت بالموانع تعلقت بالواسطة و بالعرض، فليس وزانها وزان الجزء و الشرط، فإذا كان كذلك فشمول الحديث لها مشكل، مضافا إلى أنّ ما ذكر في المستثنى ليس من الخمسة أحد من الموانع، بل المذكور إما جزء أو شرط، فهذا شاهد على أن المستثنى منه يكون من جنس المستثنى أعنى: لا يكون إلا الأجزاء و الشرائط، فمن أجل ذلك شمول الحديث للموانع عندنا مشكل. (1)

____________

(1)- أقول: كما قلت به مدّ ظلّه في مجلس بحثه، لا يرى مانع في شمول الحديث للموانع، لأنّ من يريد إتيان الصّلاة يريد إتيانها كما امر بها، و الحال أنّ الصّلاة لا تصير صلاة إلا بفعل امور و ترك امور، فلا بدّ من إتيان أشياء و هي عبارة عن الجزء و الشرط، و ترك أشياء، و هي ما نعبّر عنها بالموانع، فكما أنّ مريد الصّلاة يريد إتيان ما هو جزء و شرط لها، كذلك يريد ترك ما يكون وجوده مضرا فيها أعنى: الموانع، فقوله (لا تعاد الصّلاة إلا من خمسة) يدلّ على عدم إعادة الصّلاة إلا من خمسة، و بعد بيان ما افاده مد ظله يدلّ الحديث على أن صلاته إذا وقعت فاقدة هو معتبر فيها بلا اختيار، و يكون المفقود غير الخمسة، فلا تجب الاعادة، فنقول: بأنّ الموانع ليست من الخمسة، فلا مانع من شمول الحديث لها.

و أمّا ما أفاده مد ظله من أن كون المستثنى من خصوص الجزء و الشرط شاهد على كون المستثنى منه خصوص الجزء و الشرط، فأقول: إنه بعد عدم قصور في قوله (لا تعاد إلا من خمسة) لشمولاه للموانع، بأنّ ذكر خصوص الخمسة يكون من باب أنّ الاعادة لا تجب إلّا فيها، فلا وجه لذكر بعض الموانع أو كلها من الخمسة، فعدم ذكر واحد من الموانع في المستثنى يمكن أن يكون من باب عدم كون شي‌ء منها ممّا يوجب الاعادة في صورة وجوده نسيانا أو جهلا، لا من باب عدم كون الموانع داخلا في المستثنى منه أصلا، فتأمل.

ثمّ إنّ هنا كلاما آخر في أنّ الحديث يشمل الزيادة كما يشمل النقيصة، مثلا كما يشمل نقص

315

و امّا الأمر الثاني: ممّا يظهر من كلماتهم الاستدلال به في المقام رواية علي بن جعفر عن أخيه؟ قال: سألته عن الرجل صلّى و فرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة أو ما حاله؟ قال: لا إعادة عليه و قد تمّت صلاته.

و شمول هذه الرواية لصورة الجهل واضح، لأنّ ظاهر قوله (صلّى و فرجه خارج لا يعلم به) وقوع ذلك من باب عدم علمه بكون فرجه خارجا، فكان المنشأ جهله بالموضوع، و أمّا شموله لصورة النسيان فمشكل.

و امّا الأمر الثالث: ممّا يستدل به كما يرى في كلمات الفقهاء هو حديث الرفع، و الكلام في شمول الحديث، و إمكان التمسك به في مثل هذه الموارد و عدمه، لا يناسب ذكره هنا، و يجئ الكلام عند تعرضنا في الأصول للحديث قريبا إن شاء اللّه، و لهذا لا نجعله من الأدلة للمقام فعلا، و إذا بلغ الأمر في الأصول إلى التكلم منه، يظهر لك إمكان التمسك به لمثل المقام و عدم إمكان التمسّك به.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ للمسألة صورا نتعرض لها و لحكمها:

[ذكر صور ترك المكلّف الستر جهلا/ الصورة الاولى و الثانية]

الصورة الأولى: و هي ممّا لا إشكال فيها، هي صورة ترك الستر عمدا و عن علم، فلا إشكال في بطلان الصّلاة في هذه الصورة، لأنّ القدر المتقين من اشتراط الستر في الصّلاة هو في هذا الحال.

الصورة الثانية: هي ترك المكلف الستر في الصّلاة و كان منشأ تركه الجهل‌

____________

الجزء أو الشرط في مورد النسيان أو الجهل بتفصيل المتقدم، كذلك يشمل زيادة الجزء مثلا، فكما يدلّ على صحة الصّلاة في النقيصة الراجعة إلى غير المستثنى، كذلك يدلّ على الصحة في صورة وقوع الزيادة في الصّلاة، أو لا يدلّ على ذلك؟ و لم يتعرّض مدّ ظلّه لعدم كون المقام مناسبا للتعرض في خصوصيات الحديث بنحو المستوفى. (المقرّر)

316

بالموضوع، و ترك الستر في هذه الصورة تارة يكون من باب غفلته أصلا عن كون عورته مكشوفة حال الصّلاة و تارة يكون من باب غفلته بكونه مشتغلا بالصّلاة و إن كان ملتفتا بكونه بلا ستر، و ان كان وقوع هذا الفرض بعيد، و تارة يكون من باب اعتقاده بكونه مستور العورة حال الصّلاة، و الحال أنّ اعتقاده خلاف الواقع، مثل ما إذا كان في ثوبه الساتر لعورته خرق انكشفت عورته في الصّلاة، أو مثل ما إذا أصاب ريح فانكشفت عورته في الصّلاة، و الحال أنّه جاهل بذلك و معتقد بكونه مستور العورة في الصّلاة.

و في تمام هذه الفروض المتصورة في هذه الصورة إما وقعت صلاته بتمامها بلا ستر مثل ما انكشفت عورته في تمام الصّلاة، و هو جاهل به، أو وقع بعض صلاته بلا ستر، مثلا في تمام الفروض لبس بنفسه ثوبا آخر حال الصّلاة، أو البسه شخص آخر ثوبا آخر استتر معه عورته، فوقع بعض صلاته مع الستر، و في تمام هذه الفروض من هذه الصورة أيضا تارة يفرض تذكر المصلي بذلك بعد الصّلاة، و تارة يفرض تذكره و انكشاف الحال له في أثناء الصّلاة، و في فرض كشف الحال و انكشاف ما مضى من صلاته في أثناء الصّلاة مرة يفرض كونه واجدا للستر قبل الانكشاف بحيث بعد الانكشاف يرى أن عورته مستورة، و لا تقع قطعة من صلاته على ما يعلم بلا ستر، مثل ما إذا كشفت عورته عن جهل، ثمّ قبل انكشاف الحال له لبس بنفسه ثوب آخر، أو ألبسه الآخر ثوب فسترت عورته، فإذا تبين له في الاثناء وقوع بعض صلاته بلا ستر يرى أن عورته مستور فعلا، و اخرى يفرض أنّ في الاثناء انكشف له الحال و بين انكشاف الحال له و بين أن يستر عورته لما بقى من صلاته يتخلل قطعة من صلاته يكون فاقدا للستر حال العلم.

317

[الصورة الثالثة: في صورة نسيان الستر]

الصورة الثالثة: صورة نسيان الستر، و هي تارة يكون من باب انّه نسى الستر و لم يلتفت به حتّى قبل الصّلاة، و تارة يلتفت قبل الصّلاة بكونه بلا ستر، و لكن حين الشروع في الصّلاة نسى الستر فيصلّي مكشوف العروة، و في هذه الصورة يمكن أن يفرض كما قلنا في الصورة الثانية أنّ تمام صلاته كان بلا ستر، و يمكن أن يفرض وقوع بعض صلاته بلا ستر كما قلنا، و كذلك تارة يتبيّن له وقوع تمام صلاته أو بعض صلاته بلا ستر بعد الفراغ من الصّلاة، و تارة يتبيّن في أثنائها و لما تبين الحال في الأثناء يكون له احتمالان المتقدمان في الصورة الثانية. (1)

إذا عرفت هاتين الصورتين غير الأولى، فنقول: أما في الصورة الثانية، فإن كان الانكشاف بعد الصّلاة، فلا إشكال في صحة الصّلاة في كل الفروض (و لم‌

____________

(1)- أقول: و هنا يمكن فرض صورتين اخريين لم يتعرض لهما مد ظله: الأولى أن يكون دخوله مع الشّك في الستر، و تارة يكون شاكّا في الموضوع، مثلا يشكّ في أنّه هل في ثوبه خرق يكشف معه عورته أم لا، و يدخل بهذا الحال في الصّلاة، ثمّ بعد الفراغ ينكشف كون عورته مكشوفة، فنقول: إن في هذه الصورة تارة يكون دخوله في الصّلاة متمسكا بأصل من الأصول، أو أمارة من الامارات، فصحة الصّلاة في هذه الصورة مبنية على إجزاء صلاته بها الماتى مع الشرط ظاهرا، و لا يبعد الحكم بالصحة على مبنى سيدنا الاستاد مد ظله في باب الإجزاء في مثل المقام، و أمّا التمسك بحديث (لا تعاد) أو رواية علي بن جعفر فلا مجال له.

و تارة يكون شاكا في الحكم، و مع ذلك يدخل في الصّلاة بلا ستر، فلا وجه للحكم بالصحة في هذه الفرض.

الصورة الثانية ما إذا كان جاهلا بالحكم بالجهل المركب أعنى: يعتقد عدم شرطية الستر في الصّلاة، و يدخل فيها بهذا النحو، ثمّ بعد الصّلاة انكشف له كون الستر شرطا، فكما قلنا لا يبعد الحكم بالصحة لحديث (لا تعاد) لأنّه قلنا لا يبعد لشمولاه لهذا النحو من الجهل المركب، و امّا إذا تذكر في الأثناء فالأمر مشكل للإشكال في شمول (لا تعاد) لأثناء. (المقرّر).

318

يصرح مدّ ظله بالصحة في فرض كون منشأ عدم ستره كونه غافلا من كونه مشتغلا بالصّلاة) لدلالة حديث (لا تعاد) على ذلك لشمولاه للجهل بالموضوع، و لدلالة رواية علي بن جعفر المتقدمة، لأنّ القدر المتيقن منها صورة الجهل بالموضوع، و أمّا إن كان انكشاف في أثناء الصّلاة، فإن كان بعد الانكشاف مستور العورة- بمعنى أنّ لصلاته قطعتين: قطعة منها مكشوف العورة مع كونه جاهلا، و قطعة منها عالما و مستور العورة فيها، و لم يتخلل زمان في صلاته يكون فاقدا للستر عن علم- فأيضا لا إشكال في صحة ما مضى من صلاته، و يتم ما بقى من صلاته مع الستر، و تقع صحيحة، لأنّ رواية علي بن جعفر و إن كان ظاهرها كون الانكشاف بعد الصّلاة لقوله (صلى و فرجه خارج) و لكن بعد عرض الرواية على العرف لا يرى العرف فرق بين وقوع تمام الصّلاة بلا ستر، و بين وقوع بعضها بلا ستر إن لم نقل بأنّه مع فرض وقوع تمام الصّلاة بلا ستر إذا حكم بالصحة، فمع وقوع بعض منها بلا ستر تصح الصّلاة بالاولوية.

و أمّا حديث (لا تعاد) فإن قلنا بشموله لأثناء الصّلاة و عدم اختصاصه بما إذا تبين الحال بعدها، فهو أيضا دليل للمورد، و إلّا فلا.

[في صورة انكشاف عدم الستر بعد الصّلاة فصلاته صحيحة]

و أمّا إذا انكشف الحال في أثناء الصّلاة، و لكن لم يكن مستورا حال الانكشاف، بل يتخلل بين الحالة المتقدمة من صلاته الّتي كانت بلا ستر، و بين الحالة اللاحقة الّتي يستر عورته قطعة يكون فيها مع العلم فاقدا للستر، فهل تصح هذه الصّلاة إذا بادر بالستر، و يتم صلاته مع كونه فاقدا للستر عن علم في قطعة من صلاته، أم لا؟

اعلم أنّه مع قطع النظر ممّا قلنا من أنّه يشكل شمول حديث (لا تعاد) لمثل‌

319

المورد للاشكال في شموله لأثناء الصّلاة، بأنّه ما يمكن أن يقال في وجه الصحة في المقام، هو انّه بعد شمول حديث (لا تعاد) و رواية علي بن جعفر للمورد، و أثره صحة ما مضى من صلاته، فيقال: إنّ لصلاته ثلاث قطعات: قطعة منها هي القطعة الماضية من صلاته بلا ستر لجهله، فالصحة في هذه القطعة تستفاد من حديث (لا تعاد) و علي بن جعفر، و قطعة منها قطعة ينكشف له الحال و قد بادر بالستر و ستر عورته، و يصير واجد للشرط و يتمّ صلاته مع الشرط، و قطعة ثالثة ما بين القطعتين قد تبين له عدم كونه مستور العورة و يصير في مقام أن يستر عورته، و في هذه القطعة و إن ترك الستر عن علم، لأنّه صار عالما بكونه بلا ستر و لم يستر بعد، و لكن لا بد من الالتزام بعدم شرطية الستر بالنسبة إلى هذه القطعة، لأنّه لو قيل بشرطيته في هذه القطعة، و بطلان الصّلاة لأجل تركه الستر فيها عن علم، يلزم اللغوية في حديث (لا تعاد) و رواية علي بن جعفر، لأنّ معنى شمولهما للمورد و لازمه هو إمكان إتمام الصّلاة بهذا النحو، و لا يمكن إتمام الصّلاة إلّا بعدم شرطية الستر في القطعية المتخللة.

فإذا كان كذلك نقول: بأنّه في ما مضى من صلاته بلا ستر جهلا فصحت صلاته لحديث (لا تعاد) و رواية علي بن جعفر، و في القطعة المتخللة الّتي صار عالما و لم يستر بعد فقد سقط شرطية الستر، و في القطعة الأخرى يبادر بالستر و يتم صلاته مع الستر، فتقع صلاته صحيحة.

و فيه أنّه إن كان حديث (لا تعاد) أو رواية علي بن جعفر واردا في خصوص المورد، فيمكن أن يقال بذلك، لأنه بعد الحكم بالصحة في خصوص هذا الفرض مع استلزام الصحة في هذا الفرض لوقوع قطعة من الصّلاة عن علم بلا ستر، يدلّ على عدم شرطية الستر في هذه القطعة، و لكن بعد كون المدعى شمول الحديثين للمورد‌

320

بالإطلاق، فيمكن منع إطلاقهما لمثل هذا المورد، فعلى هذا لا يمكن الاكتفاء بهذه الصّلاة الواقعة بعضها بلا ستر للجهل، و بعضها بلا ستر مع العلم، و بعضها مع الستر.

و إن قيل لتوجيه الصحة: بأنّه يمكن للمصلي بعد انكشاف الحال له في الأثناء ترك أفعال الصّلاة فورا بمجرد الانكشاف، و يبادر بالستر، ثمّ يشتغل بأفعال بناء على أن يقال: بكون الستر شرطا للصّلاة لا للمصلي، لأنّه على هذا لا يقع صلاته بلا ستر عن علم، و المقدار المتخلل الّذي كان بلا ستر مع العلم لم يكن من الصّلاة، فبهذا النحو يمكن تصحيح الصّلاة و إتمامها.

نقول: بان نظر المتوهّم هو جعل الفرق بين كون الستر شرطا للمصلي، و بين كونه شرطا للصّلاة، و أنّه إذا كان شرطا للمصلي تبطل الصّلاة، و إن كان شرطا للصّلاة، فيمكن تصحيح الصّلاة بالنحو المتقدم، و لكن نقول: بأنّ الصّلاة تارة نقول:

بكونها عبارة من هذه الأذكار و القرآن و أفعال خاصة كالتكبير و القراءة و الركوع و السجود و غيرها، و تارة نقول، بأن الصّلاة عبارة عن التوجّه المخصوص إليه تعالى، و الحضور عنده بهذا النحو، و خضوع خاص به، فالمصلي من أوّل قوله (اللّه أكبر) يشرع في هذا العمل، فهو من هذا الحال إلى تمام التسليم مشتغل به، و يعد من الشروع إلى الاتمام عمل واحد، و توجه مخصوص له أذكار و أفعال مخصوصة، فهو في هذه القطعة من الزمان مشتغل بهذا العمل، و يقال: إنّه في الصّلاة، فكما يعدّ في حال اشتغاله بالركوع و السجود و القراءة و غيرها، كونه في الصّلاة، كذلك في السكوتات المتخللة، و حالات المنفصلة بين أفعال الصّلاة يعدّ كونه في الصّلاة، كما ترى في ناطق ينطق، فهو من حين شروعه إلى إتمام نطقه يعدّ كونه مشتغلا بالنطق حتّى في الآنات التي يسكت فيها من باب الاتفاق، و لا يقولون في هذه الآنات بأنّه‌

321

تم نطقه، و لا يقال لمن نطق ساعة، و تخلل سكوت له في بعض آنات الساعة: بأنّه نطق مرات باعتبار أن تخلل سكوت في بعض الآنات يوجب تعدد نطق واحد، كما أنّه لو قيل في الصّلاة بكون ما عدّ من الصّلاة كل زمان مشتغل بأفعال الصّلاة من أجزائها و شرائطها فقط، لا الحالات الّتي لا يشتغل في أثناء الصّلاة باتيان شي‌ء من أفعال الصّلاة، فيوجب أن يقال: بأنّه في حال إتمام جزء و قبل الشروع في جزء آخر يخرج من الصّلاة، ثمّ يدخل فيها بشروعه في الجزء الآخر، و الحال أنّه لا يمكن الالتزام بذلك.

فعلى هذا نقول: بأنّ المصلي في تمام زمان يشتغل باتيان الصّلاة يعدّ بأنّه في الصّلاة حتّى في هذه الآنات المتخللة، و الحق كون الأمر كذلك، فعلى هذا لا يبقى فرق بين كون الشرط شرطا للصّلاة أو للمصلي، لأنّه لو فرض كون الشرط شرطا للصّلاة، فلا يمكن مع ما قلنا من الالتزام بعدم مضرية كون المصلي فاقدا للشرط لم يكن مشتغلا بأفعال الصّلاة، مثلا يقال في المقام بأنّه إذا كان مشتغلا بالقراءة فيتركها و يستر عورته ثمّ يشتغل بها، لأنه كما قلنا حتّى في هذا الحال يكون المصلي في الصّلاة، و يعدّ هذا الآن من آنات الصّلاة، فكما يعتبر في الصّلاة حال الاشتغال بأفعالها الستر، كذلك في الآنات المتخللة بين أفعال الصّلاة، فعلى هذا لا يمكن أن يقال في المقام: بأنّه يمكن أن يترك المصلي في أثناء الصّلاة ما يشتغل به من أفعالها إذا انكشف له عدم كون ما مضى من صلاته مع الستر، ثمّ يستر عورته ثمّ يشتغل بافعال الصّلاة لما قلنا. (1)

____________

(1)- أقول: و إن كان في المقام لا أثر لبيان الفرق في كون الشرط شرطا للصّلاة أو للمصلي،

322

و اعلم أنّه يمكن أن يقال: بصحة ما بيده من الصّلاة، و قابليته للاتمام و إجزاء المأمور به في الفرض في مورد و هو إذا تبين الحال في الأثناء و يدور الأمر بين الاكتفاء بهذه الصّلاة مع فرض وقوع قطعة منها بلا ستر مع العلم بذلك، و بين بطلان ذلك و إتيان هذه الصّلاة في خارج الوقت، مثل ما إذا كان في ضيق الوقت و لم يبق من الوقت حتّى بمقدار أداء ركعة مع الستر لو يرفع اليد عن الصّلاة الواقعة كذلك بعضها، ففي هذا المورد يمكن الالتزام بصحة ما بيده من الصّلاة، و قابلية إتمامها و إن وقعت قطعة منها عن علم فاقدة للستر من باب أهمية الوقت، فافهم.

هذا تمام الكلام في ما أوردنا تعرضه في المورد الأوّل من الموردين من الستر و الساتر، و الحمد للّه أوّلا و آخرا و صلّى اللّه على رسوله و على آله و أيّد سيدنا‌

____________

لأن ظاهر بعض أخبار الباب هو كون شرطية الستر للمصلي، و لكن عندي في ما أفاده مد ظله إشكال، و هو أنّ الصّلاة عبارة عن هذه الأفعال المخصوصة الّتي وقعت تحت الأمر و إن كانت الصّلاة مرتبة من الخضوع، و عبادة مخصوصة، و لكن ما امرنا به ليس إلا ما يكون أوّله التكبير و آخره التسليم، فعلى هذا نقول: إنّ هذا المركب الّذي يسمى بالصّلاة عبارة عن هذه الأشياء المختلفة اجتمعها أمر واحد، و بهذا الاعتبار تكون وحدة بينها، و يعتبر العرف وحدة في هذه المختلفات، فبهذا الاعتبار وجود واحد تدريجي الوجود، فهو ما دام مشتغلا بهذه الافعال يقال: إنّه في الصّلاة، و أمّا إذا لم يكن مشتغلا بها، فلا يقال: إنّه في الصّلاة و ان يقال إنّه المصلي.

و ما أفاده من أنّه إن كان الأمر كذلك يوجب وجود الصّلاة بوجود جزء منها، و انعدامها بانعدامه، ثمّ وجودها مجددا بوجود جزء آخر، و هكذا.

نقول: بعد اعتبار الوحدة بين هذه الأفعال، فبهذا الاعتبار هي وجود وحدانى متدرج في الوجود، فإن انعدم جزء منه يوجد جزئها الآخر، و بهذا الاعتبار يكون وجودها باق، لأنّ هذا معنى الموجود الّذي يكون متدرجا في الوجود، فيمكن فرض الفرق بين شرط الصّلاة و المصلي. (المقرّر).

323

الاعظم و متّعنا اللّه بطول بقائه.

تمّ بحمد اللّه و منّه الجزء الثالث من كتاب تبيان الصّلاة المشتمل على المقدمة الاولى فى اعداد الفرائض و الثانية فى المواقيت و الثالثة في القبلة و الرابعة في لباس المصلّي و يتلوه الجزء الرابع‌