الأنموذج في منهج الحكومة الإسلامية

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
98 /
53

5 ملامح الاقتصاد الإسلامي و امتيازه عن الاقتصاد الرأسمالي و الاشتراكي إن من يطلع على مبادئ الاقتصاد الإسلامي يجده مذهباً اقتصادياً مستقلًا في ملامحه و توازنه و اعتداله في مقابل الاقتصاد الرأسمالي و الاشتراكي و يمتاز عنهما روحاً و شكلًا. أما الاقتصاد الرأسمالي فهو قائم على أساس مبدأ الخصخصة أي ملكية الأفراد بلا حدود و لا يعترف بمبدإ الملكية العامة و هي ملكية الدولة إلا في حالات خاصة استثنائية. و أما الاقتصاد الاشتراكي فهو قائم على أساس مبدأ الملكية العامة و هي ملكية الدولة و لا يعترف بالملكية الخاصة و هي ملكية الأفراد.

54

و أما الاقتصاد الإسلامي فهو يقوم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة لأن الإسلام كما يعترف بمبدإ الملكية العامة كذلك يعترف بمبدإ الملكية الخاصة و هي ملكية الأفراد، هذا من جانب. و من جانب آخر إن مبدأ الخصخصة أي ملكية الأفراد في الإسلام قائم على أساس مبدأ الحرية الاقتصادية في الحدود المسموح بها شرعاً بمعنى أنهم أحرار في ممارسة حرياتهم في كافة الأنشطة الاقتصادية إلا الأنشطة المحذورة كالتعامل بالربا و الاتجار بالخمور و لحوم الميتة و الخنازير و الاحتكار و الغش و ما شاكل ذلك. و بكلمة إن الإسلام قد أجاز للأفراد في ممارسة حرياتهم في الأنشطة الاقتصادية التجارية و التبادلية و الاستفادة من الثروات الطبيعية ببذل الجهد و العمل في سبيلها كإحياء الأراضي و حيازة الثروات المنقولة‌

55

و نقلها من مكانها الطبيعي و جعلها في حوزته بشكل مباشر و غير مباشر في الحدود المسموح بها شرعاً. و من هنا كان الإحياء و الحيازة من الأعمال الاستثمارية و الانتفاعية التي تكون ذات قيمة اقتصادية و ليست من الأعمال الاحتكارية لأن الأعمال الاحتكارية متمثلة في سيطرة الفرد على مساحات كبيرة من الثروات الطبيعية بالقوة و الغلبة و القهر بدون إنفاق أي عمل أو بذل أي جهد و تعب في سبيلها، لأن الإسلام لا يعترف بكون هذه السيطرة مصدر حق أو ملك و إنما يعترف بها إذا كانت نتيجة العمل و الجهد حيث أن كل عامل إنما يملك نتيجة عمله و لا يعترف الإسلام بالملك أو الحق بدون العمل، لأن علاقة الفرد بهذه الثروات إنما نجمت عن عمله و بذل جهده في سبيل الاستيلاء عليها بالإحياء أو الحيازة و إن كان المحاز اكبر من قدر حاجته بقانون أن كل فرد يستحق نتيجة عمله و لا تحصل العلاقة من منظور‌

56

الإسلام إذا كان الاستيلاء عليها بالقوة و الغلبة بدون بذل أي عمل و جهد. و من هنا يظهر أن الإسلام أعطى للأفراد حرية الممارسة في الأنشطة الاقتصادية بكافة أنواعها في الحدود المسموح بها شرعاً لا مطلقاً بأن لا تكون من الأنشطة المحذورة و أن لا يكون الاستيلاء على الثروات الطبيعية بالقوة و الغلبة. و من الواضح أن هذا التحديد من الشارع المقدس لا يمكن أن يكون جزافاً بل الهدف من ورائه تحقيق مبدأ العدالة و التوازن بين طبقات المجتمع و لا يمكن تحقيق ذلك إلا بالتحديد المذكور. إلى هنا قد تبين أن الاقتصاد في النظام الإسلامي يختلف عن الاقتصاد في النظام الرأسمالي في نقطتين: الأولى: إن الخصخصة في النظام الاقتصادي الإسلامي أتاحت الحرية للأفراد و الشركات الخاصة و أصحاب رءوس الأموال في القيام بممارسة النشاطات‌

57

الاقتصادية بكافة أنواعها و أصنافها إلا النشاطات المحذورة في الشريعة المقدسة بشرط أن لا تؤدي هذه الحرية إلى استغلال السوق و الإضرار بالطبقات الضعيفة و المحرومة و إلا فعلى الدولة الإسلامية أن تتدخل و تمنع عن هذه التجاوزات التي تضر بالعدالة الاجتماعية التي أهتم الإسلام بها. بينما الخصخصة في النظام الاقتصادي الرأسمالي أتاحت الحرية الواسعة و بلا حدود لهم في القيام بها و أن أدى ذلك إلى استغلال السوق و اقتصاد البلد و إيجاد الفجوات و الثغرات بين طبقات الأمة و الإضرار بمبدإ العدالة و التوازن الاجتماعي باعتبار أن هؤلاء الأفراد عند ممارستهم النشاطات الاقتصادية في النظام الرأسمالي إنما يأخذون مصالحهم الذاتية بعين الاعتبار بدون ملاحظة مصالح المجتمع الواقعية و أخذها بعين الاعتبار.

58

الثانية: إن النظام الاقتصادي في الإسلام قائم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة و الهدف الأساسي من وراء تشريع هذه الملكية هو تحقيق مبدأ العدالة و التوازن في المجتمع الذي أهتم الإسلام به و تضييق الفجوات و الثغرات بين طبقات الأمة على أساس أن كلًا من الملكية الخاصة و الملكية العامة بمثابة الرقيب و الحارس على الأخرى لكي لا تتجاوز عن حدودها و لا تستغل السوق بينما النظام الاقتصادي الرأسمالي حيث أنه قائم على أساس مبدأ الملكية الخاصة يتيح الفرصة لأصحاب الشركات و رجال الأعمال باستغلال السوق و السيطرة على اقتصاد البلد باعتبار أنه لا مراقب عليهم في ذلك و لا عوائق فيه هذا من ناحية. و من ناحية أخرى إن الدولة إذا كانت إسلامية كان للسلطة الحاكمة حق الإشراف على كافة مؤسسات الدولة من القطاعات الخاصة و العامة لحماية المصالح‌

59

العامة للمجتمع و تحديد حريات الأفراد فيما يمارسونه من النشاطات الاقتصادية و الاجتماعية بما لا يضر العدالة و التوازن الاجتماعي. إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة و هي إن الدين الإسلامي قائم على ثلاثة عناصر أساسية اثنان منها ثابتان غير متحركين: الأول/ العنصر الداخلي الباطني. و هو الإيمان بالله وحده لا شريك له و برسالة الرسول (ص). الثاني/ العنصر الخارجي. و هو متمثل في العبادات و المعاملات. و ثالث منها: متحرك و غير ثابت حسب متطلبات المجتمع، و فيه يتبلور دور الفقيه الجامع للشرائط بوضع تشريعات ثانوية حسب حاجة الوقت في كل عصر و بهدف تنظيم الحياة العامة الاقتصادية و الاجتماعية و الأمنية و الفردية و علاقة الأمة بالسلطة و صلاحيات رئيس الدولة و سائر كياناتها و غير ذلك.

60

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

61

6 معايير تشكيل الحكومة الشرعية

62

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

63

6 معايير تشكيل الحكومة الشرعية إن تشكيل الحكومة الإسلامية و هي الحكومة القائمة على أساس مبدأ الحاكمية لله وحده لا شريك له إنما هو بيد السلطة الحاكمة في زمن الغيبة لا بالانتخابات و صناديق الاقتراع على أساس أن السلطة الحاكمة في الدولة الإسلامية منصوبة من قبل الله تعالى حتى في زمن الغيبة و مأمورة بتشكيل الدولة إذا كانت الظروف مواتية و الموانع و العوائق غير موجودة و قد مرت الإشارة إلى أنه لا بد من التحاور و التشاور مع العلماء و المفكرين و الخبراء و الأمناء المخلصين في انتخاب أعضاء الحكومة و ان يكون ذلك بعد دراسة شاملة لِسوابق كل عضو و مدى أهليته في الحكم و خبرويته و كفايته و صرامته و أمانته بدون أي دور للطائفية و الحزبية و العنصرية و القرابة‌

64

بينما إن لهذه العناوين دوراً بارزاً و هاماً في انتخاب أعضاء الحكومة عن طريق صناديق الاقتراع لأن تلك العناوين تتحكم على التعيينات لا الأهلية و الخبروية و الأمانة و الإخلاص. أما الناس المشتركون في الانتخابات فأكثرهم لا يعرفون من هو الأهل لأن للدعايات الفارغة و الإعلانات البراقة الحزبية و الطائفية دوراً هاماً و كبيراً في كسب آراء الناس بل قد تشترى الأصوات بالمال و يستخدم الدين كوسيلة للوصول إلى الحكم و لهذا لا تكون هذه الحكومات ناجحة غالباً و لا تدفع البلد إلى التقدم و التطور و الاستقرار بل تدفع إلى التخلف و عدم الاستقرار. و من هنا يظهر أن طريقة انتخاب أعضاء الحكومة الشرعية و معاييره تمتاز عن طريقة انتخاب أعضاء الحكومة غير الشرعية و معاييره.

65

و الخلاصة إن تشكيل الحكومة الشرعية بكافة مكونتها و شرائحها و أعضائها إنما هو على طبق معايير خاصة و هي النزاهة و الكفاءة و الإخلاص على ضوء تطبيق نظام المحاسبة عليها بشكل موضوعي و دقيق، و لهذا يكون لهذه الحكومة دور كبير و هام في تطور البلد و استقراره و تقدمه من جهة و في تحقيق مبدأ العدالة و التوازن بين طبقات الأمة من جهة أخرى، بينما تتحكم في الحكومات غير الشرعية جهات أخرى أيضاً كالقرابة و العلاقات الخاصة.

66

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

67

7 منشأ تخوف الغرب و عملائهم من الحكومة الإسلامية

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

7 منشأ تخوف الغرب و عملائهم من الحكومة الإسلامية إن من المؤسف جداً إن عدداً كبيراً من المسلمين في الداخل و الخارج الذين يسمون أنفسهم بالمثقفين و المفكرين يخشون من إقامة النظام الإسلامي في البلاد الإسلامية و منشأ هذا التخوف أمران: الأول: الجهل بالإسلام و نظامه الإنساني. الثاني: الإعلام المضلل و الدعايات الفارغة من الغرب و الشرق التي تصب على محاربة الإسلام، و اتصافه بالتطرف و التحجر و الأحكام المضادة للحرية و حقوق الإنسان، فإن لذلك دوراً بارزاً و هاماً في هذا التخوّف، و تأثيراً كبيراً في النفوس غير المزودة و المجهزة بالقيم و المثل الدينية و الإنسانية.

70

أما تخوّف الغرب من الإسلام فله مبرر لأنهم يخافون من النظام الإسلامي و قيمه الإنسانية و الأخلاقية و الاجتماعية و الفردية و العائلية و قوة نفوذه و انتشاره في العالم و تبلور نظامه الإنساني في كل يوم لا سيما بين الشباب و الشابات في الدول الإسلامية و غير الإسلامية و لهذا ينقل و يسمع أن عدداً كبيراً من الشباب و الشابات في الدول الغربية و غيرها ينتحلون الدين الإسلامي على أنه دين الحضارة و العدل و المساواة، مع قلة معرفتهم به و عدم اطلاعهم إلا على بعض القيم و المثل الإنسانية كالنظام العائلي الموجود بين المسلمين فإنه منهار و متفكك في المجتمع الغربي، حيث نرى و نتعايش الاجتماع العائلي بين الآباء و الأمهات و الأبناء و البنات و الأحفاد على سفرة واحدة في كل يوم عدة مرات و هذه الظاهرة مفقودة في حياتهم اليومية، و كذا كثير من الظواهر الإيجابية من الأخلاقية و الاجتماعية و العبادية و غيرها.

71

و من هنا كان هؤلاء يشعرون بأن الإسلام خطر عليهم و لذلك قاموا بالإعلام المضلل و الدعايات الفارغة على الإسلام بذرائع مختلفة،

(تارة) بذريعة أن الدين الإسلامي يروج للتطرف و الإرهاب، (و أخرى) إن الدين الإسلامي ضد الحرية و الديمقراطية، (و ثالثة) إن الدين الإسلامي ضد حقوق الإنسان و هذه الدعايات كلها دعايات مغرضة و فارغة لا يمت إلى الإسلام بصلة، و لا واقع موضوع لها.

أما الذريعة الأولى:

فلأن الدين الإسلامي دين سلم و عدل و إنسانية و رأفة و رحمة و ضد التطرف و الإرهاب بكل أشكاله و أنواعه و أنه دين يستنكر قتل الأبرياء بأشد الاستنكار حيث جعله أكبر جريمة في تاريخ البشرية بنص قوله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ النّٰاسَ جَمِيعاً، وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً فالإسلام‌

72

جعل قتل نفس واحدة بريئة بمثابة قتل الناس جميعاً و هو أكبر جريمة في عالم الإنسانية كما أنه جعل إحياء نفس واحدة بمثابة إحياء الناس جميعاً و هو أكبر خدمة في عالم البشرية، بل الإسلام قد حرّم مثلة جسد الإنسان حتى في ساحة الحرب مع العدو، و هذا هو الإسلام.

و أما الذريعة الثانية:

فلأن الإسلام قد أعطى الحرية للأفراد في كافة نواحي حياتهم بشكل متزن معتدل بحيث لا تؤدي الحرية إلى زعزعة العدالة الاجتماعية و التوازن بين طبقات الأمة، لأنهم أحرار في ممارسة النشاطات الاقتصادية بكافة أنواعها غير النشاطات المحذورة المعيقة في الإسلام و أحرار في ممارسة النشاطات الثقافية و الترفيهية و غيرهما في الحدود المسموح بها شرعاً و أحرار في التعبير عن آرائهم شريطة أن لا يكون كذباً و إيذاء للآخرين و تضييعاً لحقوقهم.

73

و بكلمة إن الإنسان لا يمكن أن يبقى مطلق العنان يفعل ما يشاء و يترك ما يشاء و إلا لزم الهرج و المرج بل لا يمكن الحياة حينئذٍ على سطح الكرة الأرضية لأن القوي يأكل الضعيف، فإذن لا بد من وضع حد لاطلاق عنانه، و لهذا قام العقلاء بوضع حدود له من جانبهم. و أما الشريعة الإسلامية فقد قيدت إطلاق عنان الإنسان بخطوط عريضة و هي إن الإنسان حر في سطح الكرة الأرضية بكافة ممارساته و تصرفاته في الحدود المسموح بها شرعاً لا مطلقاً و الهدف من وراء هذا التقييد و التحديد أمران: الأول/ إن الإنسان حيث أنه أشرف مخلوقاته من جهة أنه تعالى أوهب العقل له فلا بد من الحفاظ على مكانته و كرامته و شرفه و لا يمكن الحفاظ عليها إلا بتقييد إطلاق عنانه بالحدود المسموح بها شرعاً و إلا فهو إنسان ساقط في المجتمع و لا قيمة له.

74

الثاني/ إن الإسلام قد أهتم في تحقيق العدالة الاجتماعية و التوازن بين طبقات الأمة و لا يمكن تحقيق هذا المبدأ إلا بتقييد حرية الإنسان بحدود لا تزعزع هذا المبدأ و لا تضر بحقوق الآخرين و تتناسب مع الحدود العقلائية و الإنسانية. فالنتيجة إن الدين الإسلامي دين حر شفاف يواكب العلم و الحضارة و التقدم و ينسجم مع متطلبات كل عصر مهما تطور كما إن الحرية في الإسلام تتناسب مع قيم الرجل و مكانته و قيم المرأة و مكانتها في الإسلام لأن المرأة حرة في الحدود المسموح بها شرعاً و لها أن تلعب دوراً هاماً في المجتمع كالرجل و لا فرق بينهما فأي عمل سياسي أو اجتماعي أو ثقافي يجوز للرجل يجوز للمرأة أيضاً شريطة أن تحافظ على كرامتها و شرفها و عفتها و سترها الإسلامي و قيمها الإنسانية و لا تكون مبتذلة حيث لا قيمة للمبتذلات‌

75

حتى عند المجتمع العقلائي، لأن حرية المرأة لا تتطلب منها السفور و الابتذال و لا تفرض عليها ذلك. و أما الحرية في الغرب فحيث إنها ليست مبنية على قيم إنسانية و أسس دينية عقلائية. فلهذا وصلت إلى درجة الابتذال و حضيض الحيوانية و خرجت عن الحدود العقلائية و الإنسانية و الأخلاقية بل وصلت إلى درجة يشمئز الإنسان عن ذكر أسمها و يخجل و لكن مع ذلك فهم مصرون على تطبيق هذه الحرية المطلقة و نشرها في الدول الإسلامية و هدفهم من وراء ذلك تهديم الإسلام و تقاليده الإنسانية و ثقافته القيمة المبنية على الأخلاق و الاحترام.

و أما الذريعة الثالثة:

فلأن الدين الإسلامي ليس ضد حقوق الإنسان كيف فان الإسلام قد أهتم بالحفاظ عليها و عدم جواز تفويتها و جعل الغرامة عليها لتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية بين طبقات الأمة و التوازن و لا يمكن تحقيق ذلك إلا بالحفاظ على‌

76

حقوق الجميع على حد سواء من دون أي تمييز بين فرد و فرد آخر هذا من جانب، و من جانب آخر أنه لا يمكن من منظور الإسلام أن يذهب حق أحد هدراً بل الأمر كذلك من منظور العقلاء أيضاً. و من هنا يرى الإسلام المعادلة بالمثل في الحقوق بين الناس و في الجراحات: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ... وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ و أشار تعالى إلى حكمة هذه المعادلة بقوله عز و جل وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ و في الأموال المعادلة بالمثل أو القيمة. و من هنا لو فرض أن شخصاً قام بقلع عين شخص آخر عدوانا و ظلماً و انتهاكاً لحرمته و سلب عنه هذا الحق فقد جعل الله تعالى للمظلوم حق الاقتصاص من الظالم بأن يقوم بقلع عينه و سلب هذا الحق عنه لسببين: الأول/ إن حق الظالم ليس أولى من حق المظلوم فإذا لم ير الظالم هذا الحق للمظلوم و سلب حقه‌

77

و انتهك حرمته فقد جعل الله تعالى للمظلوم سلطانا عليه بأن يقوم بالاقتصاص منه بالمقدار الذي ظلمه في حقه لا أكثر و هو مقتضى العدل و الإنصاف و المعادلة بالمثل كما في الآية الكريمة. الثاني/ إن في ذلك عبرة للظالم و للآخرين معاً بعدم التعدي على حقوق الآخرين و لهذا للقصاص أثر كبير في حفظ التوازن و العدالة الاجتماعية، و لا يمكن تطبيق حقوق الإنسان على الظالم بدعوى أنه لا يجوز الاقتصاص منه لأنه ينافي حقه في بقاء عينه سالمة و ذلك: أولًا: إن معنى هذا هو ذهاب حق المظلوم هدراً و هو لا يجوز لا شرعاً و لا عقلًا و لا عقلائياً. و ثانياً: إن تطبيق المنهج الغربي الجديد لحقوق الإنسان على الظالم مكافئة له في مقابل ظلمه و عدوانه و تشويق له فيه و للآخرين معاً، و ترويج للظلم و الطغيان و من الواضح إن ذلك مؤثر في عدم استقرار‌

78

البلد و الأمن و هذا معنى قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ. مثلا للإنسان حق البقاء في الحياة و ليس لأحد أن يسلب عنه هذا الحق ظلماً و عدواناً و أما إذا سلبه عنه فقد جعل الله تعالى لوليه سلطاناً عليه بأن يقتص منه، لأن هذا هو مقتضى العدل و الإنصاف، و مقتضى قوله تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) فمن قتل أحداً ظلماً و جوراً فقد أضاع و هدر حقه في البقاء على قيد الحياة إذ من لم ير هذا الحق للآخر لم يكن هذا الحق ثابتاً له أيضاً و لا يمكن تطبيق حقوق الإنسان على القاتل دون المقتول لأنه مخالف للنظرة الإسلامية و العقلائية معاً و مكافأة له في مقابل ظلمه و عدوانه و تشويقاً له و للآخرين على ذلك مع أن في إجراء القصاص عليه عبرة للناس و تحقيقاً للعدالة و التوازن في الحقوق و الأمن في البلد لأن دم الإنسان لا يذهب هدراً و قد أعترف بذلك كقانون عام في أكثر دول‌

79

العالم و سيقر العالم بقانون القصاص في المستقبل القريب إذ من يؤيد هذا القانون و يطلب من حكومته تشريعه في ازدياد مستمر.

80

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

81

8 أسباب تدخل الأجانب في الدول الإسلامية

82

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

83

8 أسباب تدخل الأجانب في الدول الإسلامية أي منا لو ألتفت إلى حكومات الدول الإسلامية لشاهد بوضوح سيطرة بعض الدول الكبرى الاستعمارية على حكوماتها بشكل أو آخر، و لهذه السيطرة و التدخل في شئونها عوامل عديدة نشير إلى بعض منها:

العامل الأول: تخلف الدول الإسلامية بشكل عام اقتصادياً و تقنياً

و هذا التخلف يدفعها إلى الاستسلام للغرب أو الشرق و عدم الاستقلال.

العامل الثاني: عدم الحرية و الديمقراطية في الدول الإسلامية غالباً

فإنه ذريعة لتدخل الأجانب فيها و فرصة ثمينة لهم.

العامل الثالث: إن لقلة معرفة المسئولين في الدول الإسلامية بالنظام الإسلامي كنظام إلهي عام لكافة البشر إلى يوم القيامة،

84

و اعتقادهم غالباً بأنه نظام غير قابل للتطبيق في العصر الحالي دوراً كبيراً في إعطاء الذريعة لهم و إفساح المجال أمامهم للتدخل في البلاد الإسلامية.

العامل الرابع: إن للتبليغات المضللة و الدعايات الفارغة من الغرب و الشرق على الإسلام دوراً كبيراً و تأثيراً هاماً في نفوس القادة و المسئولين

و إنها تزودهم بالتقاليد الغربية أو الشرقية و ثقافتهم و هي تحول دون تقبل التقاليد الإسلامية و ثقافتها، بل إلى رفضها و محاربتها.

العامل الخامس: إن للفرقة الموجودة بين القادة و المسئولين في البلاد الإسلامية و عدم رؤية واضحة مشتركة بينهم أمام الشرق و الغرب

تأثيراً كبيراً في عدم استقلالهم، إذ لو كانت لهم رؤية واضحة مشتركة تجاه العالم الغربي و الشرقي لرأينا أنهم يحسبون لها ألف حساب حيث أن لها تأثيراً هاماً في استقلال‌

85

بلادهم الإسلامية و قوتهم و شوكتهم و الحفاظ على كرامتهم و كرامة شعوبهم المسلمة. العامل السادس: إن القادة و المسئولين في البلاد الإسلامية لعلهم كانوا يعتقدون بأن بقائهم في كرسي الحكم مرتبط بعلاقتهم الوطيدة بالغرب أو الشرق و هذا خطأ منهم لأن بقاءهم فيه مرتبط بإخلاصهم للوطن و خدمة شعوبهم بأمانة و إخلاص و صدق و منحهم حق الحرية في المعتقد و التعبير في الحدود المسموح بها شرعاً. و من الواضح أن لهذه العوامل دوراً أساسيا في تدخل الأجانب في شئون البلاد الإسلامية و نشر أفكارهم المضللة و ثقافتهم المتدنية المبتذلة و هدم الأفكار الإسلامية و تقاليدها الإنسانية و السيطرة على ثروات البلاد و هكذا.

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

9 نظام المحاسبة في الحكومة الإسلامية

88

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

89

9 نظام المحاسبة في الحكومة الإسلامية إن نظام المحاسبة في الإسلام ليس نظاماً محدداً و مدروساً في ضمن نص تشريعي من الكتاب و السنة و ثابتاً بل هو بيد السلطة الحاكمة في كل عصر لأن وظيفة السلطة الحاكمة شرعاً في الحكومة الإسلامية تفرض عليها أنه إذا قامت بوضع خطة تعليمية أو أمنية أو غيرها تقوم بدراسة تلك الخطة بواسطة الخبراء و المفكرين و الأمناء من جميع جهاتها الإيجابية و السلبية و الظروف المحيطة بها و مستقبلها و مدى نجاحها و غير ذلك دراسة موضوعية دقيقة و بعد هذه الدراسة و الاطمئنان بنجاحها تقوم بوضعها مثلًا إذا أرادت الحكومة الإسلامية إنشاء مشروع اقتصادي فلا بد من دراسته بكافة جوانبه و علاقة هذا المشروع بالاقتصاد‌

90

العالمي أو الإقليمي و مدى رغبة الناس إليه في الوقت الحاضر و في المستقبل و تسجيل المعلومات و الأحداث المرتبطة به و بعد هذه الدراسة و الاطمئنان بنجاحه تقوم بإنشائه. و من هنا يظهر أمور: الأول/ إن نظام المحاسبة لا يمكن أن يكون نظاماً ثابتا مستقرا و غير متحرك طول التاريخ بل هو نظام متحرك و متغير بتغير الزمان و متطور بتطور الحكومة عصراً بعد عصر. و لا يمكن تطبيق نظام المحاسبة الذي كان متداولًا في زمن النبي الأكرم) ص) على الحكومة في الوقت الحاضر لأن الحكومة في ذلك الوقت كانت بسيطة بتمام مكوناتها و أجهزتها بينما الحكومة في هذا الوقت قد تطورت و توسعت بكافة أجهزتها و مكوناتها و من الواضح أن تطور الحكومة و توسعها يتطلب تطور نظام المحاسبة و توسعه.

91

الثاني/ إن نظام المحاسبة لا يختص بالأنشطة الاقتصادية فحسب بل يشمل كافة أنشطة الدولة بتمام تشكيلاتها و أعضائها على أساس أن السلطة الحاكمة في الحكومة الشرعية مأمورة بتطبيق نظام المحاسبة بشكل مدروس و دقيق على كافة أعضاء الحكومة و شرائحها و مكوناتها و مشروعاتها العامة و الخاصة باعتبار أن الهدف الأصلي من وراء الحكومة الشرعية تحقيق الأهداف الإسلامية النبيلة و هي العدالة الاجتماعية و المحافظة على التوازن و الاعتدال بين طبقات الأمة و الأمن و الاستقرار و لا يمكن تحقيق هذا الهدف و الوصول إليه إلا بتطبيق نظام المحاسبة على جميع شرايين الحكومة بشكل دقيق و موضوعي. الثالث/ إن نظام المحاسبة في الإسلام لا يمتاز عن نظام المحاسبة الوضعية إلا في نقطة واحدة و هي إن نظام المحاسبة في الإسلام محدود بالحدود المسموح بها شرعاً و لهذا لا يمكن تطبيق هذا النظام على الأنشطة‌

92

الاقتصادية المحذورة شرعاً كإنشاء مصنع للخمور مثلا و الأنشطة الربوية و نحوها بينما لا يكون نظام المحاسبة الوضعية محدودا بالحدود المذكورة. و حيث أن نظام المحاسبة في الإسلام يتطور وقتا بعد وقت و عصرا بعد عصر فبطبيعة الحال يخضع للدراسة الأكاديمية.

93

10 أسباب نجاح الحكومة الإسلامية

94

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

95

10 أسباب نجاح الحكومة الإسلامية بعد عرض النظام الإسلامي بمقوماته و ركائزه، لا بد من ملاحظة ما يرجح هذا النظام على غيره، و معرفة أسباب نجاح الحكومة الإسلامية. اعلم إن هناك عدة أسباب و عوامل لنجاح الحكومة المبتنية على أساس مبادئ الإسلام:

الأول/ العامل النفسي و هو الإيمان بالله وحده لا شريك له،

حيث إن الحكومة الشرعية على أساس معاييرها الخاصة مؤلفة من الأعضاء الكفوئين و المؤمنين و الخبراء المخلصين بدون تأثير أي جهة خارجية أو أمور جانبية فيها كالحزبية و الطائفية و العلاقات غيرها فبطبيعة الحال لها دور كبير و هام في نزاهة الحكومة، باعتبار أنهم بحسب إيمانهم بالله عز‌

96

و جل يرون أنفسهم مسئولين أمام الله تعالى و لا يمكن الخروج عن هذه المسئولية إلا بالعمل الجاد و النزيه المعتدل.

الثاني/ إن جميع الموظفين في دوائر الحكومة الشرعية سواء من المراتب الكبيرة أو الصغير أجراء من قبل السلطة الحاكمة،

و بمقتضى عقد الإجارة يجب عليهم الوفاء بها و الإتيان بما استؤجروا عليه و لا يجوز لهم الإخلال بالعمل المستأجر عليه و إلا فلا يستحقون تمام الأجرة.

الثالث/ إن إطاعة السلطة الحاكمة في الحكومة الشرعية واجبة على الناس بعنوان ثانوي

بمقتضى قوله تعالى أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و على هذا فحيث أن الموظفين في هذه الحكومة مأمورين بالعمل بوظائفهم من قبل السلطة الحاكمة و هي ولي الأمر، فيجب عليهم العمل بها.

97

إضافة إلى الرقابة الموجودة من قبل السلطة الحاكمة على جميع شرائح الحكومة الشرعية. و غير خفي أنه لا يتوفر شي‌ء من هذه العوامل في الحكومات غير الشرعية. و هذه هي المميزات الأساسية للحكومة الشرعية عن الحكومات غير الشرعية. و من الطبيعي أن تلك المميزات تدفع البلد إلى التطور و النمو اقتصاديا و تعليميا و تقنيا و أمنيا و إداريا و هكذا و إن لها دورا بارزا في تحقيق مبدأ التوازن و العدالة الاجتماعية بين طبقات الأمة و رص الصفوف و توحيد الكلمة و تكوين المجتمع المتلاحم الآمن المتحد الذي لا إفراط فيه و لا تفريط و لا يخاف أحد فيه على نفسه و لا على عرضه و لا على ماله‌

98

هذا نموذج من الحكومة الشرعية و هي حكومة قائمة على أساس مبدأ حاكمية الدين و الله هو الموفق و المعين. وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ* النجف الأشرف 10 ذو القعدة 1426 ه‍‌