القواعد الفقهية من مباحث الأصول - ج3

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
91 /
511

إخبارا و لا إنشاء، نظير أن يقال: (من أجنب فليغتسل)، أ فهل يفهم من ذلك الأمر بالإجناب، و هل يتوهّم أحد أنّ هذا الإخبار بالإجناب فيحمل على داعي الإنشاء؟!! نعم، لو كان جزاء للشرط صحت استفادة الأمر منه، فلو قال: (من بلغه ثواب عمل به) استفيد من ذلك أنّ من بلغه ثواب فليعمل به، لكن ليس الأمر كذلك.

إثبات الاستحباب النفسيّ:

و هنا تقريبان لإثبات خصوص الاستحباب النفسيّ من أخبار من بلغ.

التقريب الأوّل: ما في الدراسات (1) من أنّ احتمال الإرشاد منفيّ بظهور أخبار من بلغ في كونها في مقام التحريض و الترغيب في العمل، و احتمال جعل الحجّيّة منفيّ بمنافاة ذلك لقوله: (و إن كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يقله)، فينحصر الأمر في الاستحباب النفسيّ.

و يرد عليه أوّلا: منع انحصار الأمر في الاستحباب النفسيّ بعد إبطال الإرشاد و الحجّيّة، لما عرفت من أنّ ذيل الحديث لا ينافي جعل الحكم الطريقيّ على مستوى الحكم بالاحتياط و إن كان ينافي جعل الحجّيّة من قبيل حجّيّة خبر الثقة، فيبقى‌

____________

(1) ج 3، ص 189.

512

احتمال الحكم الطريقيّ على هذا المستوى.

و ثانيا: أنّ ظهور الأخبار في الترغيب إنّما يدفع الاحتمال الرابع الّذي كان عبارة عن مجرّد الوعد لملاك في نفس الوعد، و لا يدفع الاحتمال الأوّل، و هو الإرشاد، فإنّ الترغيب ثابت فيه أيضا كما في الاحتمال الثاني و الثالث، إلاّ أنّ الترغيب بناء على الإرشاد ترغيب من الشارع بما هو عاقل، و على الاحتمالين الآخرين ترغيب منه بما هو شارع و مولى.

نعم، لو قال بدلا عمّا مضى: إنّ ترغيب الشارع ظاهر في كونه ترغيبا منه بما هو شارع كان هذا شيئا معقولا كما سيأتي (إن شاء اللّه).

التقريب الثاني: هو التقريب المشهور في المقام، و هو عبارة عن تطبيق كلام عامّ في جميع موارد ترتيب الثواب على شي‌ء على ما نحن فيه، و ذلك الكلام العامّ عبارة عن أنّه مهما رتّب ثواب على عمل فقيل: (من فعل كذا كان له كذا و كذا من الثواب) كان ذلك دليلا على مطلوبيّة ذلك العمل و استحبابه، و ذلك لأنّ الثواب يستلزم الأمر و يترتّب عليه بعد فرض أنّه لا يترتّب الثواب على شي‌ء جزافا، فنستكشف من ترتيب الثواب على هذا العمل كونه مأمورا به بقانون الدلالة الالتزاميّة العقليّة، و البرهان الإنّي، و كشف الملزوم عن لازمه.

فطبّق هذا الكلام العامّ على ما نحن فيه حيث إنّه رتّب فيه الثواب على العمل بما بلغ الثواب عليه، فيدلّ على استحباب‌

513

ذلك و تعلّق الأمر به.

و أورد عليه: بأنّ هناك فرقا بين ما نحن فيه و سائر الموارد، و هو أنّه لم يكن يوجد في سائر الموارد ملاك آخر للثواب غير الأمر، و هنا يوجد ملاك آخر له و هو الانقياد.

و أجيب على ذلك: بأنّ إطلاق أخبار من بلغ يشمل فرض العمل بما بلغه الثواب عليه و إن لم يأت برجاء المطابقة و داعي الانقياد، و في فرض عدم إتيانه بهذا النحو لا يوجد ملاك الانقياد.

و من هنا وقع البحث بين المحقّقين كالمحقّق الخراسانيّ و المحقّق الأصفهانيّ و المحقّق العراقيّ و السيّد الأستاذ في أنّه هل يشمل إطلاق أخبار من بلغ صورة الإتيان لا بداعي الانقياد و الرجاء حتى يصحّ الاستدلال بها على المقصود أو لا يشملها حتى لا يصحّ ذلك؟

فذهب بعض كالمحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) إلى شمول الإطلاق لذلك، فيتمّ هذا الاستدلال، و بعض آخر كالمحقّق العراقيّ (قدّس سرّه) إلى عدم شموله له فلا يتمّ هذا الاستدلال فقد اتّفقوا على نقطة و هي أنّه على تقدير شمول إطلاق الأخبار في ذاته لغير صورة الإتيان بداعي الرجاء يتمّ هذا الاستدلال بالأخبار، و اختلفوا في نقطة أخرى و هي أنّه هل يشمل إطلاق الأخبار فرض الإتيان لا بداعي الرجاء أو لا؟

514

أقول: أمّا النقطة الأولى التي اتّفقوا عليها فهي غير صحيحة عندنا، و لنا حول هذه النقطة كلامان:

الكلام الأوّل: أنّ ما ذكروه من إثبات الأمر في موارد ترتّب الثواب على عمل بقانون الملازمة العقليّة بين الثواب و الأمر و كشف الملزوم عن لازمه، غير صحيح، فإنّ الثواب ليس ملازما لواقع الأمر و إنّما هو ملازم للعلم بالأمر، فلو كان الأمر ثابتا في الواقع و العبد يتخيّل عدم الأمر لا يترتّب أيّ ثواب على عمله، بل لو تخيّل النهي ترتّب العقاب عليه، و لو تخيّل العبد الأمر و لم يكن أمر ترتّب الثواب على عمله، فالثواب إنّما هو ملازم للعلم بالأمر لا لنفس الأمر، و عليه فنقول: هل المقصود إحراز نفس الأمر من ترتيب ثواب عمل على عمل بالملازمة، أو المقصود إحراز العلم بالأمر من ذلك؟ فإن كان المقصود هو الأوّل لم يصحّ، لأنّ نفس الأمر ليس طرفا للملازمة، و إن كان المقصود هو الثاني لم يصحّ أيضا، إذ لا معنى لأنّ نحرز من خبر ترتّب الثواب أنّنا عالمون بالأمر، بل نرجع ابتداء إلى أنفسنا فنرى أنّنا غير عالمين بذلك في المرتبة السابقة على هذا الخبر فكيف يكشف هذا الخبر عن علمنا بذلك؟! و إنّما الصحيح في باب استكشاف الأمر من ترتيب الثواب على العمل أنّ ذلك يستفاد لأحد وجهين:

الأوّل: أن يفرض أنّ قوله: (من عمل كذا فله كذا) كناية عرفا عن ثبوت الأمر، نظير قولك: (زيد كثير الرماد) الّذي هو‌

515

كناية عن كونه كريما، و تكفي في باب الكناية مناسبات عرفيّة تصحّح ذلك بلا حاجة إلى ثبوت الملازمة بالدقّة بينهما، كما أنّه لا ملازمة دقّيّة بين كثرة الرماد و الكرم، فقد يكون كثير الرماد و لا يكون كريما و بالعكس.

الثاني: أن يقال إنّ قوله: (من عمل كذا فله كذا) يستبطن قيدا ارتكازيّا- أي من عمل كذا عارفا بحكمه فله كذا- و عندئذ يستكشف الأمر على أساس الملازمة العقليّة، فإنّ صدق هذه القضيّة الشرطيّة مستلزم لكون حكمه هو المطلوبيّة.

و شي‌ء من هذين الوجهين لا يأتيان فيما نحن فيه، فإنّ الأمر ليس هنا منحصرا في الكناية و تقدير كلمة (عارفا بحكمه)، بل يتصوّر هنا تقدير آخر ليس بأشدّ من مئونة الكناية، و مئونة هذا التقدير و هو تقدير فرض الانقياد و داعي الرجاء، فإنّ هذا أيضا تقدير عرفي ليس التقدير الأوّل أو الكناية بأولى منه.

الكلام الثاني: أنّنا لو غضضنا النّظر عمّا مضى، و فرضنا أنّه في موارد ترتيب الثواب على عمل يستكشف الأمر بقانون الملازمة العقليّة بين الثواب و الأمر قلنا مع ذلك: إنّ هذا لا ينطبق على ما نحن فيه.

و توضيح ذلك: أنّنا تارة نفترض لأجل الاستظهار من هذه الأخبار أو لجهة أخرى كحكم العقل أنّ الثواب المذكور في هذه الأخبار ليس ثوابا جزافيّا، و إنّما هو ثواب استحقاقيّ،

516

و أخرى نفرض عدم استبعاد كون ذلك ثوابا جزافيّا، و بكلمة أخرى ثوابا تفضليّا فإن فرض الثاني انغلق باب بحث استكشاف الأمر من هذا الثواب، إذ المفروض عدم استبعاد كون الثواب جزافا و غير ناشئ من استحقاق بواسطة الأمر و غير ذلك، فلا بدّ لفتح باب البحث في ذلك من فرض الأوّل، و هو أنّ الثواب لا يكون جزافيّا، بل هو على أساس استحقاق العبد على مولاه بمعنى من معاني الاستحقاق، و عندئذ نقول: إنّ إطلاق قوله: (من بلغه ثواب فعمله كان له ذلك الثواب) بعد فرض كون المراد به الثواب الاستحقاقيّ مقيّد عقلا بصورة الإتيان بداع قربيّ، إذ الإتيان به لا بهذا الداعي لا يوجب الاستحقاق كما هو واضح، و بعد تقييد الإطلاق بهذا المقيّد المنفصل نقول: إنّ التمسّك بهذا المطلق عندئذ تمسّك بالمطلق في الشبهة المصداقيّة للمقيّد، و لا يجوز التمسّك بالمطلق في الشبهة المصداقيّة للمقيّد المنفصل أصلا [1]، و في باب العام لا يجوز التمسّك به في الشبهة المصداقيّة للمخصّص المنفصل إلاّ في بعض موارد مستثناة، و لكن في باب المطلق [2] ليس لعدم الجواز استثناء أصلا [3]،

____________

[1] بل قد يقال: إنّ المقيّد هنا متّصل، لأنّ اشتراط استحقاق الثواب بالداعي القربيّ عقليّ ارتكازيّ كالمتّصل، و لكن قد يتّضح لك بمراجعة بحث العموم و الخصوص أنّ المخصّص اللبّي الارتكازيّ يكون في خصوص مسألة التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة كالمنفصل لا كالمتّصل.

[2] بمعنى ثبوت الحكم على الطبيعة لا للافراد.

[3] مضى الوجه في ذلك من قبل أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) في بحث العموم و الخصوص فراجع.

517

و الوجه في كون التمسّك بالمطلق هنا تمسّكا في الشبهة المصداقيّة هو أنّ للعمل بما بلغه الثواب بداع قربيّ مصداقين:

أحدهما مصداق قطعيّ، و الآخر مصداق غير قطعيّ.

أمّا الأوّل فهو العمل بداعي الانقياد، و أمّا الثاني فهو العمل بداعي الأمر الموقوف على وجود الأمر، و مع عدمه يلزم التشريع، أو يكون ذلك أمرا غير معقول، و المفروض أنّه بقطع النّظر عن أخبار من بلغ نشكّ في وجود الأمر فنشكّ في هذا المصداق- هذا بعد تنزّلنا عن الإشكال الأوّل، و إلاّ فقد عرفت أنّ وجود الأمر واقعا لا أثر له أصلا-.

و أمّا النقطة الثانية التي اختلفوا فيها و هي أنّه هل تكون أخبار من بلغ شاملة في ذاتها و بقطع النّظر عمّا مضى لغير فرض الانقياد أو لا؟

فنقول: إنّ هذا موقوف على أن نرى أنّه هل توجد قرينة في أخبار من بلغ على تقييدها بفرض الانقياد أو لا؟

و ما يذكر قرينة على الاختصاص بفرض الانقياد أمران:

الأوّل: فاء التفريع في قوله: (من بلغه ثواب فعمله)، حيث دلّ على كون العمل متفرّعا على البلوغ.

و الثاني: التصريح في بعض تلك الأخبار برجاء المطابقة فيحمل غيره عليه حملا للمطلق على المقيّد.

أمّا القرينة الأولى فقد نوقشت بأمور:

518

الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراسانيّ (1) (رحمه اللّه) من أنّ البلوغ أخذ بنحو الجهة التعليليّة لا بنحو الجهة التقيديّة كي يوجب وجها و عنوانا للعمل.

أقول: إنّ هذا الكلام لا يخلو من إجمال، فإن أراد (قدّس سرّه) بذلك أنّه لمّا كان قيد البلوغ بنحو التعليل لا بنحو التقييد فالعمل يبقى على إطلاقه، و لا يختصّ بالحصّة الانقياديّة و المتفرّعة على البلوغ، فمن الواضح أنّه ليس الأمر كذلك، فإنّه بمجرّد أخذ البلوغ في جانب العمل لا محالة لا يبقى العمل ثابتا على إطلاقه، بل تضيق دائرته بذلك سواء فرض البلوغ جهة تعليليّة أو تقييديّة، فإنّ إطلاقه على أيّ حال خلف فرض التفرّع على البلوغ فيه. و إن أراد بذلك أنّه و إن صار العمل مقيّدا بفرض التفرّع على البلوغ و الحصّة الانقياديّة لكنّ الثواب قد جعل على نفس هذا العمل المتفرّع على البلوغ و المنقاد به، و يكون البلوغ و الانقياد جهة تعليليّة، و لم يجعل الثواب على الانقياد بان يكون هذا العمل بما أنّه معنون بعنوان الانقياد و يكون الانقياد وجها له مثوبا عليه، فيثبت بذلك أنّ الرواية ليست إرشادا إلى حكم العقل بحسن الانقياد، لأنّ ثواب الانقياد في الحقيقة مترتّب على عنوان الانقياد لا على خصوص ذات الحصّة الانقياديّة من العمل بما هو هو ورد عليه: أنّه إن صار البناء على هذا التدقيق فعلى‌

____________

(1) راجع الكفاية ج 2، ص 197 بحسب طبعة المشكينيّ، و من المحتمل كون المقصود الحقيقي للمحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) الوجه الثالث أو الرابع.

519

فرض الاستحباب و كون العمل من باب الطاعة لا من باب الانقياد أيضا نقول: إنّه ليس الثواب في الحقيقة مترتّبا على ذات العمل بما هو، بل مترتّب على عنوان الطاعة [1]، فعلى أيّ حال لا يعقل ترتّب الثواب على ذات العمل بما هو سواء فرض ذلك من باب الانقياد أو من باب الطاعة، فلا يكون ما ذكره قرينة على عدم الإرشاد إلى حسن الانقياد، بل يظهر ممّا عرفت أنّه لم يكن المقصود في أخبار من بلغ فرض العمل موضوعا للثواب بهذا النحو من الدّقة، و إنّما العمل أخذ فيها على وجه المورديّة للثواب، و لا ينافيه كون الثواب مترتّبا على عنوان الانقياد أو عنوان الطاعة.

الثاني: ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) (1) و هو في الحقيقة ليس مناقشة في قرينيّة الفاء للاختصاص بفرض الانقياد، و لم يذكره هو (رحمه اللّه) بهذا الصدد، و إنّما هو دليل مستقلّ على أنّ أخبار من بلغ لا تنظر إلى حصّة الانقياد و لا تكون إرشادا إلى حكم العقل، و في مقام بيان ثواب الانقياد، و هذا الدليل مركّب من مقدّمتين:

1- إنّ الخبر الضعيف المفروض دلالته على ترتّب ثواب على عمل ليس مفاده ترتّب الثواب على العمل بداعي الانقياد،

____________

[1] و ذلك بعد استظهار كون الثواب استحقاقيّا، و إلاّ لا نسدّ باب استظهار الاستحباب.

____________

(1) راجع نهاية الدراية ج 2، ص 221.

520

و إنّما مفاده عبارة عن الثواب على نفس العمل.

2- إنّ أخبار من بلغ قد نطقت بثبوت نفس الثواب الّذي ذكر في ذلك الخبر الضعيف، و قد كان ذلك ثوابا على نفس العمل بحكم المقدّمة الأولى، فيثبت بالجمع بين المقدّمتين أنّ أخبار من بلغ تثبت الثواب على نفس ذلك العمل.

و يرد عليه: أنّه ما هو المقصود بكون مفاد أخبار من بلغ هو ثبوت عين الثواب المذكور في الخبر الصحيح؟ فإن كان المقصود هو العينيّة من جميع الجهات فهو مفروض العدم على كلّ حال، إذ قد أخذ- لا محالة- في أخبار من بلغ عنوان البلوغ سواء فرض بنحو الداعي للفعل و التقييديّة، أو فرض بنحو الموضوع للحكم بالاستحباب و التعليليّة، فعلى أيّ حال يكون للبلوغ دخل في شخص الثواب الموعود في حين أنّه لم يكن دخيلا في الثواب المذكور في الخبر الضعيف. و إن كان المقصود كون الثواب الموعود في أخبار البلوغ عين الثواب المذكور في الخبر الضعيف كمّا و كيفا- أي أنّه يعطي له نفس ما وعد عطاؤه في الخبر الضعيف- فهذا صحيح، و لكنّه لا ينافى فرض كون الثواب على عنوان الانقياد لا على ذات العمل.

الثالث: ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) أيضا (1)، و هو أنّ تفريع العمل على البلوغ لا يقتضي اختصاصه بالحصّة الانقياديّة، و ذلك لأنّ تفريع العمل على شي‌ء تارة يكون من باب‌

____________

(1) راجع نهاية الدراية ج 2، ص 221.

521

تفريعه على داعيه، كما تقول: (وجب عليّ كذا ففعلت)، حيث إنّ الوجوب داع للفعل، و أخرى يكون من باب تفريعه على موضوع داعيه، كما تقول: (دخل الوقت فصلّيت)، حيث إنّ الداعي إلى الفعل هو الأمر به و وجوبه، و يكون الوقت موضوعا لذلك الأمر و الوجوب، ففي ما نحن فيه أيضا نقول: تارة يتفرّع العمل على البلوغ من باب تفريع الشي‌ء على داعيه بأن يكون نفس هذا البلوغ داعيا إلى العمل، و هذا هو الحصّة الانقياديّة، و أخرى يتفرّع على البلوغ من باب تفرّع الشي‌ء على موضوع داعيه بأن يكون الداعي إليه هو الاستحباب الّذي يكون موضوعه البلوغ.

و يرد عليه: أنّه و إن كان الأمر كما ذكره- أي أنّ تفرّع العمل على شي‌ء يتصوّر له فردان- لكنّ الفرد الثاني لا يمكننا إحرازه بنفس أخبار من بلغ، و توضيح ذلك: أنّ أخبار من بلغ جعلت العمل المتفرّع على البلوغ موضوعا لترتّب الثواب، حيث قال: (من بلغه ثواب فعمله)، ففرّع العمل بالمعنى الحرفي على البلوغ، و لنقلب لأجل التوضيح المعنى الحرفي إلى المعنى الاسميّ فلنفترض أنّ الحديث هكذا: (العمل المتفرّع على البلوغ يترتّب عليه الثواب)، و عندئذ نقول: إنّ العمل المتفرّع على البلوغ له فردان: فرد يقينيّ و هو العمل الانقياديّ و بداعي البلوغ، و فرد مشكوك و هو العمل بداعي حكم البلوغ الّذي هو الاستحباب، و هذا الفرد مشكوك بقطع النّظر عن أخبار‌

522

من بلغ بمشكوكيّة أصل الاستحباب، و من المعلوم أنّه لا يمكن إثبات ذلك بنفس هذه الأخبار بالتمسّك بإطلاقها، فإنّ ثبوت الإطلاق لها فرع ثبوت هذا الفرد، فكيف يثبت ذلك بالإطلاق؟! فذلك من قبيل أن يتمسّك بإطلاق قول: (أكرم العالم) في فرد شككنا في كونه عالما زائدا على الافراد المعلومة، و هذا غير ما مضى من الإشكال على النقطة الأولى من لزوم التمسّك بالمطلق في الشبهة المصداقيّة للمخصّص المنفصل، فإنّ هذا أسوأ من الأوّل، و لو سلّم الأوّل لا يسلّم الثاني و هو التمسّك بالمطلق في الشبهة المصداقيّة لنفس المطلق، فإنّ الإطلاق هنا من أوّل الأمر غير ثابت [1].

الرابع: ما قاله بعض من أنّه لم يفرّع العمل في هذه الأخبار على داعويّة احتمال الأمر حتى يختصّ بالحصّة الانقياديّة،

____________

[1] لا يخفى أنّ المحقّق الأصفهانيّ (رحمه اللّه) لم يكن مقصوده بهذا البيان التمسّك بإطلاق أخبار من بلغ، بل كان مقصوده مجرّد هدم قرينيّة فاء التفريع للاختصاص بفرض الانقياد للواقع المحتمل، كي يثبت بعد سقوط هذه القرينة الاستحباب النفسيّ بالبيان السابق، و هو الوجه الثاني من الوجوه الماضية، و إذن فمجموع الوجه الثاني و الوجه الثالث في نظر المحقّق الأصفهانيّ (رحمه اللّه) وجه واحد.

نعم، يمكن الإيراد عليه: بأنّ التفريع على ما يصلح داعيا مباشرا يكون ظاهرا في إرادة الداعويّة المباشرة و هي الفرد الأوّل دون موضوعيّته للداعي المباشر و هي الفرد الثاني، فظاهر هذه الأحاديث هو أنّ الدافع المباشر إلى العمل كان هو الثواب الموعود به.

523

و إنّما فرّع على داعويّة الثواب، حيث قيل: (من بلغه ثواب فعمله)، فيكفي في المقام كون ذلك الثواب المحتمل داعيا إلى الفعل، و حيث أنّنا نعلم أنّ الثواب إنّما يترتّب على العمل القربي، فهذا الثواب يدعونا إلى أن نأتي بهذا العمل قربيّا، و قربيّته لا تختصّ بكونه بداعي احتمال الأمر، بل تشمل فرض كونه بداعي الأمر الجزميّ.

و الجواب على ذلك هو سنخ الجواب على المناقشة الثالثة. و توضيحه: أنّ روح المطلب يرجع بالآخرة إلى أنّ الثواب رتّب في هذه الأخبار على العمل القربيّ، و العمل القربيّ له فردان: أحدهما قطعيّ و هو العمل بداعي احتمال الأمر.

و أمّا العمل بداعي الأمر الجزميّ فلا يمكن إثباته بإطلاق هذه الأخبار، لأنّ ثبوت إطلاق لها فرع ثبوت هذا الفرد [1].

____________

[1] و قد جاء في تقرير السيّد الهاشميّ (حفظه اللّه) ج 5، ص 130 جواب آخر بدلا عن هذا الجواب، و هو أنّ الثواب على المستحبّ النفسيّ بعنوان البلوغ ثواب آخر غير ثواب الواقع، فإن كان العمل بداعي هذا الاستحباب لا بداعي الواقع المحتمل كان هذا خلف داعوية الثواب البالغ.

و هذا بظاهره يرد عليه ما مضى من أنّ المقصود بعينيّة الثواب ليست هي العينيّة من كلّ الجهات، بل هي العينيّة في كميّة الثواب و كيفيّته، فكون الثواب معلولا للأمر الأوّل أو احتماله تارة، و معلولا للأمر الثاني تارة أخرى لا يضرّ بالعينيّة المقصودة في المقام. نعم، ينبغي أن يقال في المقام و لعلّه المقصود و إن قصر عنه التعبير إنّ الفاء قد فرّع العمل على بلوغ الثواب، و يوجد في المقام بلوغان: أحدهما

524

و أمّا القرينة الثانية [1]: و هي حمل المطلق على المقيّد فتحقيق الحال فيها: أنّ الحمل المطلق على المقيّد ملاكات ثلاثة:

1- أن نعلم صدفة من الخارج وحدة الحكم المقصود بيانه تارة بلسان المطلق، و أخرى بلسان المقيّد، فيقع لا محالة التعارض بينهما، و يقدّم المقيّد على المطلق بحكم قوانين التعارض المذكورة في بحث التعادل و التراجيح.

2- أن يكون للمقيّد مفهوم ينفي به الإطلاق كما إذا كان بنحو القضيّة الشرطيّة، كما لو قيل: (أكرم العالم)، و قيل: (أكرم العالم إن كان عادلا).

3- دعوى استحالة اجتماع حكمين متماثلين أحدهما على المطلق و الآخر على المقيّد على خلاف في سعة دائرة هذا الملاك، هل يختصّ بالواجبات أو يعمّ المستحبات، و ذلك نظير استحالة اجتماع الحكمين المتماثلين على موضوع واحد، و هذه الاستحالة قال بها المحقّق النائينيّ (رحمه اللّه) و مدرسته،

____________

- البلوغ الثابت بالخبر الضعيف، و الآخر البلوغ الثابت بنفس أخبار من بلغ. و من الواضح أنّ الفاء قد فرّع العمل على البلوغ الأوّل لا الثاني و محركيّة البلوغ الأوّل تختصّ بالحصّة الانقياديّة، و القول بأنّ البلوغ الأوّل قد يكون موضوعا للمحرّك لا محرّكا مباشرا رجوع إلى نكتة المحقّق الأصفهانيّ (رحمه اللّه).

[1] لا يخفى أنّ الوجه الرابع من وجوه الجواب على القرينة الأولى لو تمّ يأتي على هذه القرينة أيضا.

525

و قال بها المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) على اختلاف بينهما في طريقة إثباتها. و الصحيح عندنا بطلان هذه الاستحالة، و تنقيح ذلك موكول إلى محلّه.

هذه هي الملاكات الثلاثة لحمل المطلق على المقيّد، فلنر أنّه هل يوجد شي‌ء منها في ما نحن فيه أو لا؟ فنقول:

أمّا الملاك الأوّل فقد ذكر المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) في المقام أنّ الفقيه بتأمّله في تمام أخبار الباب يعرف أنّ المقصود من جميعها بيان حكم واحد [1].

أقول: إنّ من حصل له القطع بوحدة الحكم في المقام و لو بقرينة اشتراك أخبار الباب في بعض التعبيرات و تقاربها [2]

____________

[1] أفاد أستاذنا الشهيد (رضوان اللّه عليه): أنّ المقصود كونها في مقام بيان حكم واحد في قبال كون المطلقات في مقام بيان الحكم الشرعيّ و المقيّدات في مقام الإرشاد. و أمّا على تقدير كون الجميع في مقام بيان الحكم الشرعيّ فقد أخذوا وحدة الحكم أمرا مفروغا عنه، فإنّ حالها عندئذ حال جميع المطلقات و المقيّدات الموجودة في الشريعة التي تحمل على بيان حكم واحد، فيقيّد الأوّل بالثاني من قبيل (أعتق رقبة) و (أعتق رقبة مؤمنة).

[2] أفاد (رضوان اللّه عليه) في مقام تقريب ذلك: أنّه بعد فرض كون المطلقات في مقام بيان الحكم الشرعيّ لو فرض أنّ المقيّدات أيضا في مقام بيان ذلك، فاشتراكهما مع المطلقات في ذكر كلمة البلوغ، و كذا تحديد مقدار الثواب بالمقدار البالغ لا يحتاج إلى مئونة زائدة و نكتة أخرى غير النكتة التي من أجلها ذكر

526

و نحو ذلك، تمّ لديه هذا الملاك، و من لم يحصل له هذا القطع لا يفيده هذا الملاك، و بكلمة أخرى: أنّ هذا ليس أمرا فنيّا، و إنّما هو أمر يرتبط بالذوق و سليقة المستنبط، فمن حصل له القطع هنا بوحدة الحكم حمل المطلق على المقيّد، و من لم يحصل له القطع بذلك لم يمكنه حمل المطلق على المقيّد عن هذا الطريق.

و أمّا الملاك الثاني: فهو موقوف في المقام على فرض كلمة (من) في الأخبار المقيّدة شرطيّة لا موصولة، و فرض دلالة أمثال هذه الأداة من أدوات الشرط على المفهوم، فيدلّ قوله:

(من بلغه ثواب فعمله رجاء ذلك الثواب كان له ذلك) على انتفاء ذلك الثواب بانتفاء الشرط سواء كان بانتفاء أصل البلوغ، أو بانتفاء العمل، أو بانتفاء كون العمل برجاء المصادفة.

لكنّنا قد أثبتنا في بحث مفهوم الشرط أنّ المفهوم يختصّ بأداة الشرط المتمحّضة في معنى حرف الشرط- أي ربط هيئة الجزاء بهيئة الشرط من قبيل (إن)- و لا يثبت لما يدلّ على حصّة معيّنة من الشي‌ء و يجعلها موضوعا للحكم من قبيل كلمة (من)،

____________

- ذلك في المطلقات. أمّا لو فرض أنّ المقيّدات للإرشاد فعلى هذا التقدير كان من المحتمل أن لا يذكر فرض البلوغ، بل يذكر مطلق فرض الاحتمال سواء كان منشأه البلوغ أو غير ذلك، و كان من المحتمل أن لا يحدّد الثواب بهذا النحو، فبحساب الاحتمالات يستبعد تعدّد الحكم، فقد يحصل بذلك لأحد الاطمئنان بأنّهما في مقام بيان حكم واحد إمّا مولويّ أو إرشاديّ، فيقيّد الأوّل بالثاني.

527

فهذا الملاك الثاني في المقام منتف.

و أمّا الملاك الثالث: فهو غير ثابت في ما نحن فيه، فإنّ الأخبار المقيّدة المختصّة بفرض داعي الرجاء تكون بحسب عقليّة هذا التقريب المشهور لإثبات الاستحباب من أخبار من بلغ غير دالّة على الاستحباب و محتملة الإرشاد إلى حكم العقل، فلم يثبت كونها بصدد بيان مثل الحكم الّذي بيّن في الأخبار المطلقة، فلا وجه لتقييد المطلقات بها.

ثمّ لو قطعنا النّظر عن جميع ما مضى حتى الآن في هاتين النقطتين من المناقشات، قلنا أيضا: إنّ من المحتمل كون أخبار الباب بصدد بيان الحكم الطريقيّ لا بمعنى الحجّيّة، بل بالمعنى الّذي مضى منّا من كونه من قبيل إيجاب الاحتياط، و لا ينفي هذا ما مضى من فرض استبعاد جزافيّة الثواب في المقام، و أنّ الثواب الاستحقاقيّ يكشف عن الأمر، و ذلك لأنّنا نمنع كون الثواب منحصرا في هذين القسمين، و هما الثواب الجزافي و الثواب الاستحقاقيّ، بل هنا قسم ثالث و هو الثواب الترغيبيّ، و قد جعل حتى يكون الربح جزميّا، فيرغب المكلّفون في العمل بتمام الأخبار الدالة على استحباب عمل مّا، فيتحفّظ ضمنا على الأغراض الواقعيّة الموجودة في ضمن مفاد تلك الأخبار.

و التحقيق: أنّ هذا المنهج منهم في البحث كان تبعيدا للمسافة، و إثبات الأمر المولويّ في المقام لا يحتاج إلى اللفّ و الدوران. و الصحيح في المقام أن يقال- مقتنصا ممّا مضى-: إنّ‌

528

الاحتمال الرابع من الاحتمالات التي ذكرناها في أوّل البحث منفيّ بظهور الأخبار في الترغيب و الحثّ على العمل، و هي ظاهرة في ذلك ظهورا لا يقبل الإنكار، و الاحتمال الأوّل من تلك الاحتمالات و هو الإرشاد لا يحتاج في مقام نفيه إلى مثل افتراض أنّ قوله: (فعمله) إخبار بداعي الأمر الظاهر في المولويّة، بل نقول في مقام نفيه: إنّ الترغيب الصادر من المولى ظاهر في المولويّة كالأمر الصادر منه، و لا خصوصيّة للأمر في ذلك، فمطلق الحث و الترغيب الصادر من الشارع ظاهر في كونه صادرا منه بما هو شارع، سواء أبرز هذا الترغيب بلسان الأمر، أو بلسان آخر، فإنّ كونه بلسان الأمر لا تتصوّر له خصوصيّة في المقام، و إنّما النكتة في هذا الظهور أنّ المولى في مقام حثّه و طلبه لشي‌ء يكون الغالب فيه تقمّصه قميص المولويّة، فينعقد لكلامه ظهور في المولويّة [1]، و هذه النكتة نسبتها إلى كلا اللسانين على حدّ سواء، و احتمال جعل الحجّيّة منفيّ بما في ذيل الأخبار من قوله: (و إن كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يقله) فيبقى في المقام احتمالان: أحدهما الاستحباب النفسيّ،

____________

[1] لا يخفى أنّ الإرشاد حينما يتّصل بأمور الآخرة من الثواب و العقاب كما في الإرشاد بالأمر بإطاعة اللّه و الرسول ليس خلاف شأن المولى، أو قل: إنّ ترغيب المولى في مثل هذا المورد بما هو عاقل ليس شاذّا بالقياس إلى ترغيبه فيه بما هو مولى، فمثل قوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً) (1) يحتمل بلحاظ الأهل المولويّة، و يحتمل الإرشاد، و ليس أحدهما أولى من الآخر.

____________

(1) السورة 66 التحريم- الآية 6.

529

و الآخر الحكم الطريقيّ على مستوى جعل الاحتياط، و مجرّد ظهور الأخبار في الحثّ و الترغيب لا يعيّن الاستحباب النفسيّ لملاءمة ذلك مع الحكم الطريقيّ أيضا. و هنا نتكلّم في مقامين:

أحدهما في عقد الموازنة بين هذين الاحتمالين، و أنّ أيّا منهما يعيّن في قبال الآخر أو يكونان متساويين؟ و الآخر في أنّه بناء على الاستحباب النفسيّ لفرض دلالة الترغيب عليه مثلا فهل المستحبّ ذات العمل أو العمل بداعي الانقياد و رجاء الموافقة للواقع؟

إجمال الدلالة:

أمّا المقام الأوّل: فالتحقيق أنّ الحديث مجمل مردّد أمره بين الحكم الطريقيّ و الاستحباب النفسيّ [1].

____________

[1] و الأثر العمليّ بينهما يظهر في مثل ما إذا قلنا بكفاية الأغسال المستحبّة عن الوضوء و كان الخبر الدالّ على استحباب غسل مّا ضعيفا، فعلى الاستحباب النفسيّ يجزي عن الوضوء، و على الحكم الطريقيّ الاحتياطيّ لا يجزي عنه، و ما إذا دلّ خبر ضعيف على استحباب غسل المسترسل من اللحية في الوضوء و قلنا بكفاية استحباب ذلك في جواز المسح ببلّته، فيجوز المسح بها على الاستحباب دون الحكم الطريقيّ الاحتياطيّ، و ما إذا دلّ خبر ضعيف على استحباب الوضوء لغاية كقراءة القرآن، و لم نقل باستحباب الوضوء في ذاته، فعلى الاستحباب يرتفع الحدث، و على الحكم الطريقيّ الاحتياطيّ لا يثبت ارتفاع الحدث.

أمّا الثمرات التي مضت بين القول بجعل الحجّيّة و القول بالاستحباب

530

و يمكن أن يقال في مقام تعيين الثاني في قبال الأوّل إنّه لو كان ذلك حكما طريقيّا بداعي التحفّظ على الأغراض الواقعيّة الثابتة في موارد الأخبار الدالّة على استحباب جملة من الأمور لم يكن وجه لمئونة تقييد العمل في هذه الأخبار بكونه بداعي القربة [1]، فإنّ هذا القيد ليس له أيّ دخل في المطلب، بل مع عدمه يوجب التحفّظ على الأغراض الواقعيّة بنحو أشدّ، لأنّ ثبوت الثواب على العمل على الإطلاق يوجب تحرّك العبد نحوه و لو لم يوجد في نفسه داع قربيّ بأن أتى بذلك العمل لأجل الثواب صرفا، نظير عمل الأجير من دون داعي القربة أصلا. نعم، في خصوص المستحبّات التعبّديّة لا بدّ من قصد القربة. و أمّا في المستحبّات التوصليّة و هي أكثر المستحبّات فيتحقّق الغرض بالعمل بها و لو بدون القربة.

و لكنّ هذا الكلام غير صحيح، فإنّ أصل الاستحباب النفسيّ الّذي بلغ بالخبر الضعيف مثلا لم تكن له محرّكيّة بهذا النحو لما هو محقّق في الفقه من عدم ترتّب الثواب على المستحبّات و لو كانت توصّليّة، إلاّ إذا أتى بها بداعي القربة،

____________

- النفسيّ فلا ترد فيما بين القول بجعل الاحتياط الطريقيّ و القول بالاستحباب النفسيّ، ما عدا الثمرة الأخيرة لو تمّت في نفسها، و سيأتي البحث (إن شاء اللّه) عن تماميّتها و عدم تماميّتها.

[1] و هذا التقييد مستفاد من تفريع العمل على داعي الثواب بالفاء، أو بقوله: (رجاء ذلك الثواب) بناء على كون الثواب في المقام استحقاقيّا لا يتمّ إلاّ بالقربة.

531

فالمحرّكيّة المولويّة في نفس تلك المستحبّات الواقعيّة ليست بأزيد من هذا المقدار. و أمّا المصلحة التكوينيّة المترتّبة على العمل بذاك المستحب و لو من دون قربة لو كانت مصلحة شخصيّة لا نوعيّة، فليست محرّكيّتها من المحرّكيّات المولويّة، و من المعلوم أنّ الحكم الطريقيّ ليس شأنه التحفّظ على الأغراض الواقعيّة الثابتة في الأحكام النفسيّة بأزيد ممّا تقتضيه نفس تلك الأحكام من التحفّظ و التحريك، و إنّما شأنه تدارك نقص التحريك المولويّ الثابت في ذلك الحكم النفسيّ الحاصل بواسطة الشكّ فيه.

ثمّ لو فرضنا أنّ الثواب في تلك المستحبّات الواقعيّة يترتّب على العمل و لو من دون قربة، فعندئذ لا وجه لدعوى أنّ الثواب في أخبار من بلغ مختصّ بفرض القربة فيصبح تقييد العمل في هذه الأخبار بكونه بداعي القربة أوّل الكلام [1].

فالمتحصّل من البحث أنّ أخبار البلوغ عندنا باقية على إجمالها بين الاستحباب النفسيّ و الحكم الطريقيّ، و إنّما الثابت لنا إجمالا هو أنّ الشارع قد حثّنا على العمل بكلّ ما وصلنا استحبابه، و أنّه إذا فعلنا ذلك بداعي القربة ثبت نفس الثواب الموعود في ذلك الخبر و لو فرض غير مطابق للواقع، بل أنّ هنا احتمالا آخر في معنى أخبار من بلغ غير الاحتمالات الماضية‌

____________

[1] و بكلمة أخرى: لو لم يكن الثواب في مفاد خبر الضعيف استحقاقيّا فكذلك لا نكتة لحمل الثواب في أخبار من بلغ على الثواب الاستحقاقيّ

532

لو لم يمكن استظهار خلافه بطل أصل دلالة هذه الأخبار على الحثّ على ما دلّ خبر ضعيف على استحبابه، و ذلك الاحتمال هو أنّها إنّما تكون بصدد الحثّ على العمل بالمستحبّات الحقيقيّة التي بلغنا عليها ثواب معيّن بلوغا غير قطعيّ، فتلك الأخبار تقول: إنّ الثوابات البالغة على بعض المستحبّات حتى لو كان بلوغها غير مطابق في علم اللّه للواقع يضمنها لكم اللّه (تعالى) بذلك البلوغ، و عليه فقد فرض في المرتبة السابقة في موضوع هذه الأخبار استحباب شي‌ء من الأشياء و خيريّته، و هذا هو ظاهر من جملة من الأخبار، حيث جاء فيها: (من بلغه ثواب على شي‌ء من الخير) [1]، ففرضت الخيريّة مفروغا عنها، و فرض بلوغ ثواب معيّن على ذلك الخير، و حيث إنّ ذلك البلوغ ليس قطعيّا فتنقص محرّكيّة الثواب الموعود في ذلك الخبر البالغ تكون هذه الأخبار بصدد تكميل محرّكيّته، و إذا ضمّ شخص إلى ذلك دعوى الاطمئنان بوحدة المراد من تمام تلك الأخبار [2]

____________

[1] هذه الأخبار ضعيفة السند، فخبر صفوان ضعيف بعليّ بن موسى راجع الوسائل ج 1، ب 18 من مقدّمة العبادات ص 59، ح 1. و خبرا عدّة الداعي و الإقبال الظاهر أنّهما ينظران إلى الخبر الأوّل، راجع نفس الباب ح 8، 9 و لو استقلا عن الخبر الأوّل فلا سند لهما مضافا إلى إجمالهما أو إجمال أحدهما- أي انّهما أو أحدهما ليس ظاهرا في فرض الخيريّة في المرتبة السابقة-.

[2] لا يخفى أنّ الاطمئنان الّذي قد يدّعى في ما سبق لا يمكن دعواه هنا، لأنّ حساب الاحتمالات بلحاظ اتّحاد الأخبار في القيود و إن كان يوجب استبعاد

533

ثبت بذلك أنّ هذا الاحتمال الأخير هو المقصود من تمام الأخبار في المقام، و بناء على هذا المعنى يكون التمسّك بأخبار من بلغ فيما لم يثبت استحبابه في الرتبة السابقة تمسّكا بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لذلك العامّ.

الحصة الانقيادية أو طبيعيّ العمل:

و أمّا المقام الثاني: فالتحقيق أنّ الاستحباب النفسيّ- لو ثبت- لا يختصّ بخصوص الحصّة الانقياديّة، و ذلك لما مضى في المناقشة الرابعة [1] في قرينيّة (الفاء) للاختصاص بالحصّة‌

____________

- اختلافها في المولويّة و الإرشاد، و كذلك اختلافها في افتراض حكمين مولويّين، و لكن في المقام يمكن دعوى أنّها جميعا بصدد الترغيب إلى أمر واحد و هو الإتيان بالخيرات الواقعيّة سواء كانت معلومة أو كانت محتملة، و هذا الترغيب استوجب في غير ما ثبتت خيريّته مسبقا الجعل الجديد، فاتّحاد القسم المستبطن للجعل الجديد و القسم الخاصّ بالخيرات المعلومة في القيود و الخصوصيّات أمر غير مستبعد.

[1] و بالإمكان التمسّك أيضا في المقام بالمناقشة الثالثة من تلك المناقشات، و لعلّ الأستاذ الشهيد (رحمه اللّه) إنّما اختار هنا المناقشة الرابعة دون الثالثة، لأنّ الثالثة تدفع فقط محذور فاء التفريع، و لا تدفع محذور التقييد في بعض الروايات بكون العمل برجاء ذاك الثواب في حين أنّ الوجه الرابع يدفع كلا المحذورين.

هذا. و لكن لا يخفى أنّ ما مضى منّا من التعليق على الوجه الثالث و كذا الرابع لا يدع مجالا في المقام للاستفادة من هذين الوجهين، فقد مضى منّا في التعليق على

534

الانقياديّة من أنّ العمل لم يفرّع في تلك الأخبار على داعي احتمال الأمر، بل فرّع على داعي ذاك الثواب الموعود، و هو أعمّ من الحصّة الانقياديّة، نعم داعي الثواب يجرّنا إلى إتيان العمل بقصد القربة لعلمنا بعدم ترتّب الثواب على العمل غير القربيّ، و حيث كان مصبّ الحثّ في هذه الأخبار طبيعيّ العمل برجاء الثواب لا العمل برجاء احتمال الأمر، فلا محالة نستكشف استحباب طبيعيّ العمل دون خصوص الحصّة الانقياديّة، و قصد القربة و إن كان لا بدّ منه لترتّب الثواب لكن قصد القربة لا ينحصر في قصد ذلك الأمر الاحتماليّ الّذي وصلنا بخبر ضعيف مثلا، بل يكون له مصداق آخر أيضا و هو قصد الأمر الجزميّ الثابت بنفس أخبار من بلغ، و هنا ليس المفروض إثبات هذا الفرد بشمول إطلاق الأخبار لغير الحصّة الانقياديّة حتى يأتي ما مضى من أنّ هذا الإطلاق متوقّف على‌

____________

- الوجه الرابع أنّ (الفاء) فرّع العمل على البلوغ الأوّل للثواب، و هذا لا يكون إلاّ في الحصّة الانقياديّة، إلاّ إذا قلنا: إنّه يكفي للتفريع فرض كون البلوغ موضوعا للمحرّك، و لكن هذا يعني الاستفادة من نكتة المحقّق الأصفهانيّ (رحمه اللّه) الواردة في الوجه الثالث و التي ناقشناها بظهور التفريع في المحرّكيّة المباشرة.

فالحقّ أنّ أخبار من بلغ لو حملت على الاستحباب النفسيّ تختصّ بالحصّة الانقياديّة.

و الحقّ: أنّ مفاد أخبار ن بلغ مردّد بين الاستحباب النفسيّ للانقياد الناشئ من ملاك جديد خلقه البلوغ، و الاستحباب الطريقيّ الّذي لا ملاك له إلاّ الحفاظ على ملاك الواقع و لا يختصّ بحالة الانقياد.

535

ثبوت هذا الفرد، فلا يمكن ثبوته بنفس هذا الإطلاق، بل المفروض أنّ الأمر الجزميّ ثابت بهذه الأخبار بظهورها في الحثّ و الترغيب مثلا.

هذا تمام الكلام في أصل مفاد أخبار من بلغ.

تنبيهات حول أخبار من بلغ:

بقي هنا التنبيه على أمور:

بلوغ الكراهة:

الأمر الأوّل: في نسبة أخبار من بلغ إلى الروايات الواردة في باب الكراهة، و الكلام في ذلك يقع أوّلا في أنّ أخبار من بلغ هل تشمل روايات الكراهة، أو تختصّ بمثل أخبار الاستحباب؟ و ثانيا في أنّه- على فرض شمولها لأخبار الكراهة- هل تثبت بذلك كراهة الفعل، أو لا يثبت إلاّ مجرّد رجحان الترك؟ و ثالثا في أنّه إذا ورد خبر دالّ على الاستحباب و خبر آخر دالّ على الكراهة، فما هو أثر أخبار من بلغ تجاه ذلك، فالكلام يقع في مقامات ثلاثة:

المقام لأوّل: في أصل شمول من بلغ لروايات الكراهة.

و وجه الإشكال في ذلك ليس هو دعوى أنّ الظاهر منها‌

536

هو النّظر إلى جانب الطلب و الترغيب لا إلى جانب الزجر حتى يقال في المقام: إنّ هذا الإشكال لا يأتي في أخبار الحثّ و الترغيب على الترك و استحبابه، أو يقال: إنّ هذا الإشكال يتفرّع على مسألة أنّ النهي هل يكون مفاده طلب الترك، أو الزجر عن الفعل، فعلى الأوّل لا يأتي الإشكال، و على الثاني يأتي الإشكال، و إنّما وجه الإشكال في المقام هو انصراف لفظ العمل و الفعل و نحو ذلك ممّا يوجد في أخبار من بلغ عن شموله للترك، و من هنا يظهر ثبوت الإشكال حتى في أخبار استحباب الترك.

و التحقيق في المقام: أنّه على فرض الجمود على المعنى المطابقي للفظ و إن كان يتأتّى هذا الإشكال، لكنّ الصحيح أنّ خصوصيّة الفعل تكون ملغيّة عرفا بمناسبات الحكم و الموضوع، و إنّما المطلوب في هذه الأخبار بحسب ما يفهمه العرف في المقام هو العمل بما بلغه الإنسان من الثواب و الخير سواء كان فعلا أو تركا، فالصحيح شمول هذه الأخبار للروايات الواردة في باب الكراهة خلافا للسيّد الأستاذ.

المقام الثاني: في أنّ هذه الأخبار هل تثبت في موارد بلوغ الكراهة مجرّد رجحان الترك، أو تثبت كراهة الفعل؟

التحقيق: هو الأوّل، سواء فرض أنّ مفاد هذه الأخبار هو جعل الحجّيّة، أو فرض أنّ مفادها الاستحباب النفسيّ.

أمّا على الفرض الأوّل فلأنّها إنّما تنظر إلى جعل‌

537

الحجّيّة بمقدار بلوغ الثواب و ثبوت الخير لا أزيد من ذلك، فلا تثبت كراهة الفعل، و إنّما تثبت رجحان الترك الجامع بين استحباب الترك و كون الترك نقيضا للفعل المكروه، أو قل:

الجامع بين الرجحان الذاتيّ و هو الاستحباب و الرجحان العرضيّ بلحاظ كونه نقيضا للمكروه [1].

و أمّا على الفرض الثاني فالامر أوضح، فإنّ المفروض أنّ أخبار من بلغ تثبت الاستحباب، و فرض إثباتها للاستحباب في موارد أخبار المستحبات و الكراهة في موارد أخبار المكروهات خلاف الظاهر، فإنّها ظاهرة في جعل سنخ واحد من الحكم في تمام الموارد [2].

المقام الثالث: في أنّه إذا دلّ خبر على استحباب شي‌ء و خبر آخر على كراهته، فما هو مفاد أخبار من بلغ بالنسبة لهذا المورد؟

ذكر السيّد الأستاذ: أنّه بناء على القول باختصاص أخبار‌

____________

[1] الفرق بين الأمر بالترك إيجابا و استحبابا و النهي عن الفعل حرمة أو كراهة حينما لا يكون مجرّد تفنّن في التعبير هو أنّ الفعل قد يكون هو المقتضي لمفسدة مّا فيصبح مبغوضا على مستوى الحرمة أو الكراهة، و قد يكون مانعا عن حصول مصلحة مّا فيكون الترك عندئذ محبوبا لكونه مقدّمة لحصول المصلحة على حدّ مقدّميّة عدم المانع للمعلول، و ليس الفعل مبغوضا إلاّ بنحو مبغوضيّة نقيض المطلوب.

[2] و المفروض أنّها ظاهرة في الحثّ و الترغيب المنصرف إلى الاستحباب.

538

من بلغ بروايات الاستحباب يكون الثابت هنا استحباب العمل بعنوان البلوغ، و ليس هناك أيّ معارض أو مزاحم لذلك، لأنّ المفروض أنّ أخبار من بلغ لم تشمل تلك الرواية الضعيفة الدالّة على الكراهة. و أمّا بناء على القول بعدم اختصاص أخبار من بلغ بروايات طلب الفعل فعندئذ قد يقال: لا مانع من شمولها لكلتا الروايتين، فيثبت استحباب كلّ من الفعل و الترك، إلاّ أنّهما يتزاحمان و لا ضير في ذلك، إذ ما أكثر المستحبّات المتزاحمة.

لكنّ الصحيح هو التفصيل بين ما لو كان الخبران الضعيفان دالّين على الحكم التوصّليّ و ما لو كان أحدهما- على الأقلّ- دالاّ على الاستحباب التعبدي، ففي الأوّل يقع التعارض لا محالة بين دلالتي أخبار من بلغ، إذ لا يعقل جعل الاستحباب للفعل و للترك معا، لأنّه تلزم من ذلك اللغويّة، إذ يستحيل أن يتفاوت حال العبد بعد الأمر عنه قبل الأمر، فإنّه- على أيّ حال- لا يقدر على الجمع بين الفعل و الترك، و صدور أحدهما منه ضروريّ، فيقع التنافي بين الجعلين، و ذلك يوجب التعارض في عالم الإثبات و الدلالة. نعم، إذا كان أحدهما- على الأقلّ- تعبّديّا لم يكن بينهما تعارض، إذ الفعل القربيّ مثلا مع الترك ضدّان لهما ثالث، فيختلف حال العبد بعد الأمر عنه قبله، إذ يمكنه ترك كليهما و اختيار الثالث، فالأمر يحرّكه نحو الجامع بينهما. هذا ما أفاده السيّد الأستاذ في المقام (1).

و يرد عليه أوّلا: منع شمول أخبار من بلغ للرواية الدالّة‌

____________

(1) راجع الدراسات ج 3، ص 194- 195.

539

على الاستحباب المعارضة بالرواية الدالّة على الكراهة حتى بناء على اختصاصها بروايات الاستحباب، فإنّ تلك الأخبار لا تشمل مثل هذه الرواية لا لمانع و هو التعارض حتى يقال: إنّه على هذا المبنى لا يوجد تعارض في المقام، بل لعدم المقتضي للشمول في نفسه، و السرّ في ذلك أنّ المفروض في موضوع أخبار من بلغ- كما يدلّ عليه فاء التفريع- كون العمل متفرّعا على داعي الثواب الموعود في تلك الرواية، فتختصّ أخبار من بلغ- بحسب الفهم العرفي- بفرض معقوليّة تفرّع العمل على داعي الثواب في الرتبة السابقة على هذه الأخبار، و حيث إنّ الثواب إنّما يترتّب على العمل القربيّ، فلا بدّ من فرض إمكان التقرّب بالعمل في المرتبة السابقة عليها و التقرّب إلى المولى بالفعل لا يعقل في ما لو كانت نسبة المولى إلى الفعل و الترك على حدّ سواء، و حيث إنّه قد ورد الخبر على كلّ من استحباب الفعل و الترك، و يحتمل الصدق في كلّ منهما، فنسبة المولى إليهما على حدّ سواء، فلا معنى للتقرّب إليه بالفعل [1]. نعم،

____________

[1] قد يقال: إنّ هذا الكلام ينافي فرض دلالة أخبار من بلغ على الاستحباب الّذي هو مفروض السيّد الخوئيّ على ما تقدّم من أستاذنا (رحمه اللّه) من أنّ أخبار من بلغ بعد تسليم دلالتها على الاستحباب تشمل من عمل بداعي التقرّب بهذا الأمر الجديد، و لا تختصّ بمن عمل بداعي الانقياد، إذ بناء على هذا لا مبرّر لتخصيص مورد هذه الأخبار بفرض إمكانيّة الداعي القربيّ في الرتبة السابقة على أخبار من بلغ.

و قد ورد في تقرير السيّد الهاشميّ (حفظه اللّه) جواب على ذلك، و هو أنّ

540

..........

____________

- أخبار من بلغ و إن كانت تشمل بالإطلاق فرض داعويّة نفس هذا الأمر الاستحبابيّ، و لكنّ ظهورها في تتميم محرّكيّة ما بلغ يوجب اختصاصها بفرض إمكان التحرّك ممّا بلغ في الرتبة السابقة على هذه الأخبار.

أقول: إنّ فرض ظهور هذه الأخبار في تتميم محرّكيّة ما بلغ يناسب فرض دلالة هذه الأخبار على الحجّيّة أو الأمر الطريقيّ بالاحتياط، و لا يناسب فرض دلالتها على الاستحباب النفسيّ الّذي مضى من أستاذنا مبنيّا عليه دعوى الإطلاق لمن عمل بداعي الأمر الجديد فان مفاد هذه الروايات لو كان استحبابا نفسيا موضوعه البلوغ فلا نكتة لاستظهار كونها بصدد تتميم محرّكيّة ما بلغ. نعم لو فرض ان هذه الروايات جعلت الاستحباب النفسيّ لعنوان الاحتياط و الانقياد، فهذا أيضا يكون متمّما لمحرّكيّة البلوغ، لكنّ هذا خلف فرض شمول إطلاق هذه الرواية لمن تحرّك بداعي الأمر الجديد فحسب و دون داعي الانقياد. و الحقّ ما مضى من اختصاص أخبار من بلغ بناء على إرادة الاستحباب بالحصّة الانقياديّة، و تلك لا تتصور لدى تعارض خبر الاستحباب بخبر الكراهة من دون ترجيح احتماليّ أو محتمليّ.

نعم، بناء على كون مفاد أخبار من بلغ الحجّيّة لا يكون مفادها مختصّا بالحصّة الانقياديّة، فتشمل الخبر الضعيف الدالّ على الاستحباب و لو كان معارضا بخبر دالّ على الكراهة أو الحرمة، و لو كان المعارض صحيحا سندا فأخبار من بلغ تجعل الضعيف صحيحا، و يقع طرفا للمعارضة مع الخبر الصحيح.

أمّا لو كان مفادها حكما طريقيّا على مستوى الاحتياط، فلا تشمل الخبر الضعيف المعارض بخبر صحيح دالّ على الحرمة، إذ لا معنى للاحتياط في هذا الفرض، بل و لا تشمل المعارض بما دلّ على الكراهة، أو بخبر ضعيف دلّ على الحرمة ما لم يوجد ترجيح احتمالي أو محتمليّ لطرف الاستحباب، لأنّ الحكم الطريقيّ باستحباب الاحتياط ينصرف إلى فرض إمكانية الاحتياط في الرتبة السابقة

541

نستثني من ذلك فرض أقوائيّة أحد الجانبين من الآخر احتمالا أو محتملا. فيعقل التقرّب في ذلك الجانب. و أمّا بحسب ما هو طبع القضيّة و الحالة الاعتياديّة في المقام فلا يعقل التقرّب، و عندئذ لا يعقل التفرّع على داعي الثواب، فيخرج ذلك عن موضوع هذه الأخبار.

و ثانيا: أنّا لو سلّمنا شمول الأخبار لرواية الاستحباب بقطع النّظر عن ناحية التعارض فما ذكره من التفصيل بناء على شمولها لرواية الكراهة- لو تمّ- فإنّما يجب أن يكون مركز هذا التفصيل الاستحباب المستفاد من أخبار من بلغ، لا الاستحباب المستفاد من تلك الرواية الضعيفة، فإنّ المفروض المختار له [1] أنّ أخبار من بلغ لم تجعل تلك الرواية حجّة حتى يثبت الاستحباب المستفاد من تلك الرواية، و إنّما جعلت استحبابا نفسيا على عنوان البلوغ، فيجب أن يرى أنّ هذا الاستحباب المستفاد من أخبار من بلغ هل هو تعبّديّ فلا يحصل التعارض أو التزاحم لوجود الضّد الثالث، أو توصليّ فيحصل التعارض أو التزاحم لعدمه، و حيث إنّ المستفاد من أخبار من بلغ، أو القدر المتيقّن منه هو التعبّديّة، إذ قد أخذ في موضوعها فرض‌

____________

- على ذلك، فكأنّ احتياطا مفروغا عن إمكانه حكم عليه بالاستحباب، في حين أنّه لا يمكن الاحتياط في المرتبة السابقة في المقام مع عدم مرجّح احتماليّ أو محتمليّ

[1] هذا هو مختار السيّد الخوئيّ (رحمه اللّه) حسب ما ورد في الدراسات ج 3، ص 189، و لكنّ مختاره في المصباح ج 1، ص 319 هو الإرشاد.

542

التفرع على داعي الثواب الّذي لا يكون إلاّ في فرض القربة [1]، فلا بدّ أن يقول السيّد الأستاذ- حسب مذاقه- بالتزاحم في تمام الموارد لوجود الضدّ الثالث، لا بالتزاحم في بعض الموارد و التعارض في بعض آخر، و كأنّه غفل عن استفادة التعبّديّة، أو كونها قدرا متيقّنا من نفس أخبار من بلغ، و تخيّل أنّها تجعل متعلّق تلك الرواية الضعيفة مستحبّا بعنوان البلوغ، ففصل بين فرض كون مفاد تلك الرواية الاستحباب التعبّديّ، و فرض كون مفادها الاستحباب التوصليّ.

و ثالثا: أنّ أصل التفصيل الّذي ذكره في غير محلّه، فإنّه إذا فرض أحدهما تعبّديّا و الآخر توصّليّا وقع أيضا التعارض بينهما، لا أنّه يتحقّق مستحبّان متزاحمان من قبيل مزاحمة زيارة أحد الإمامين لزيارة الإمام الآخر مع استحباب كلّ من الزيارتين، و ذلك لأنّه إمّا أن يفرض أن هذين المستحبّين المتزاحمين مستحبّان بنحو الترتّب، أو يفرض أنّهما مستحبّان بنحو الإطلاق، أو يفرض أنّهما فردان لمستحبّ واحد بأن يكون المستحبّ هو الجامع بينهما.

فإن فرض الترتّب قلنا: إنّ هذا إنّما يعقل في سائر الموارد التي تكون كزيارة الإمامين، فيعقل استحباب زيارة كلّ من الإمامين في فرض عدم زيارة الآخر. أمّا في ما نحن فيه فلا‌

____________

[1] بعد فرض كون الثواب استحقاقيّا، و إلاّ لانسدّ باب استظهار الاستحباب.

543

يعقل أن يكون مثلا الترك مستحبّا و الفعل مستحبّا قربيّا على نحو الترتّب، فإنّ معنى ذلك أنّ الفعل مستحبّ قربيّ في فرض عدم الترك، و فرض عدم الترك مساوق لفرض الفعل، في حين أنّه إذا فرض الفعل في المرتبة السابقة على الإتيان به قربيّا استحال تعلّق داعي القربة به، إذ هو في هذا التقدير ضروريّ الوجود بالفرض. نعم، لو كان كلّ من الفعل و الترك قربيّا لم يأت هذا الإشكال، لأنّ فرض عدم الترك القربيّ ليس مساوقا لفرض الفعل.

و إن فرض أنّ كلاّ منهما مستحبّ حتى على تقدير الآخر بأن يقال: إنّ الترتّب إنّما التزمنا به في الواجبات المتزاحمة دفعا لمحذور التكليف بغير المقدور، و إحراج المكلّف. و أمّا في المستحبّات المتزاحمة فلا إحراج في البين، لجواز الترك، فنلتزم بإطلاق استحبابها و ثبوت استحباب كلّ منهما على تقدير الإتيان بالآخر، قلنا: إنّ الإطلاق في باب المستحبّات المتزاحمة غير معقول بلا فرق بين كونها توصّليّة أو تعبّديّة أو مختلفة، بل لا بدّ من الترتّب، فإنّ إطلاق الأمر بشي‌ء لفرض اشتغال المكلّف بضدّ ذلك الشي‌ء مساوق لتحريك المكلّف و صرفه عن ذاك الضدّ إلى هذا العمل المأمور به، فإذا فرض ذاك الضدّ أيضا مأمورا به و مستحبّا لا يكون أضعف من المستحبّ الأوّل لم يعقل هذا الإطلاق في المستحبّ الأوّل، لأنّ صرف المكلّف عن ذاك الضدّ إلى هذا بلا موجب، لأنّ المفروض أنّه لا يقلّ عن هذا العمل من حيث المحبوبيّة، فلا يعقل انقداح الإرادة الإطلاقيّة في نفس المولى. هذا في مطلق المستحبّات المتزاحمة.

544

أضف إلى ما ذكرناه شيئا في خصوص ما نحن فيه، و هو أنّ التحريك المولويّ مع فرض استحباب الفعل و الترك غير معقول، سواء فرض كلاهما توصّليّين أو فرض أحدهما أو كلاهما قربيّا، و سواء فرض استحبابهما بنحو الإطلاق أو بنحو الترتّب، و ذلك لأنّه و إن كان بفرض القربيّة يتعقّل الضدّ الثالث لكنّ الداعي القربيّ يحرّك نحو ذات الفعل أو الترك، و تحريكه نحو أحدهما بالخصوص فرع أن لا تكون نسبة المولى إليهما على حدّ سواء، و المفروض هنا أنّ نسبة المولى إليهما على حدّ سواء، و تحريكه نحو الجامع بينهما غير معقول لضروريّة الجامع، و هذا بخلاف غير ما نحن فيه من سائر المستحبات المتزاحمة، فإنّه هناك يعقل التحريك نحو الجامع، إذ من الممكن ترك الجامع.

و إن فرض أنّ المستحبّ هو الجامع فهذا أيضا غير صحيح، فإنّه يرد عليه:

1- إنّ مقتضى أخبار من بلغ ليس هو استحباب الجامع، بل استحباب الفرد بالخصوص، و هذا سنخ ما يقال في الواجبين المتزاحمين من أنّ إرجاعهما إلى الواجبين المشروطين يكون على القاعدة، لكنّ إرجاعهما إلى الواجب التخييريّ بأن يكون الواجب هو الجامع على خلاف القاعدة.

2- إنّ استحباب الجامع في نفسه غير معقول، و لو فرضت القربيّة في أحد الجانبين أو كليهما فإنّ داعي القربة لا يمكنه‌

545

التحريك نحو الجامع، لضروريّة الجامع بين الفعل و الترك، و لا نحو الفرد بخصوصيّته الفرديّة، لخروج الخصوصيّة الفرديّة عن تحت الأمر حسب الفرض.

و رابعا: أنّه مع غضّ النّظر عن كلّ ما مضى لا يتمّ كلامه فيما لو دلّ خبر على الاستحباب و دلّ الخبر الآخر على كراهة الفعل لا على استحباب الترك، و قلنا: إنّ أخبار من بلغ بشمولها لروايات الكراهة تثبت الكراهة لا مجرّد رجحان الترك، و ذلك للزوم وحدة مركز الحبّ و الكراهة، و لا تنثلم وحدة المركز بأخذ قصد القربة.

البلوغ المعلوم الكذب:

الأمر الثاني: ذكر السيّد الأستاذ- كما لعلّه المشهور أيضا-: أنّ أخبار من بلغ لا تشمل الخبر المعلوم الكذب، و ذكر في وجه ذلك دعوى الانصراف، و ذكر أيضا: أنّه يخرج منها الخبر الضعيف المحتمل الصدق المبتلى بالمعارضة لخبر صحيح دالّ على عدم الاستحباب، لأنّ ذلك الخبر الصحيح يجعلنا عالمين تعبّدا بالكذب، فيخرج المورد عن تحت أخبار من بلغ بالحكومة، إذ المفروض أنّه أخذ في موضوعها عدم العلم بالكذب، و ذكر أيضا: أنّ هذه الأخبار منصرفة عن مورد دلّ الخبر الصحيح فيه على الحرمة، ثمّ أرجع هذا الانصراف إلى الانصراف الأوّل ببيان أنّه لمّا كان هذا الخبر الصحيح الدالّ على‌

546

الحرمة يدلّ بالملازمة على عدم الاستحباب و كذب الخبر الضعيف فقد أصبحنا عالمين تعبّدا بكذبه، فخرج المورد عن تحت أخبار من بلغ بالحكومة.

أقول: إنّ خروج الخبر المقطوع الكذب عن تحت أخبار من بلغ ممّا لا محيص عنه، و ذلك لأنّه و إن كان دخوله فيها ممكنا ثبوتا، إذ المفروض عند السيّد الأستاذ أنّ هذه الأخبار تدلّ على الاستحباب النفسيّ لا على جعل الحجّيّة حتى يقال:

إنّه لا يعقل جعل الحجّيّة مع القطع بالكذب، و من المعلوم معقوليّة جعل الاستحباب بعنوان البلوغ و لو كذبا، لكنّه- مع هذا- خارج عن مفاد تلك الأخبار إثباتا، و ذلك بنكتة ما مضى من أنّ المستفاد عرفا منها إمكان التفرّع على الثواب في المرتبة السابقة على تلك الأخبار، حيث أخذ في موضوعها تفريع العمل على ذلك الثواب، و من المعلوم أنّ هذا التفريع غير معقول مع القطع بالكذب، و منه يظهر أيضا خروج المورد الّذي دلّ فيه خبر صحيح على الحرمة، إذ عند ذلك يتنجّز الترك على العبد و يصبح بالفعل مستحقّا للعقاب، فكيف يعقل تفريعه على الثواب؟! أمّا في مورد معارضة الخبر الضعيف لخبر صحيح دالّ على عدم الاستحباب فليس الخبر الضعيف خارجا عن مدلول تلك الأخبار، لمعقوليّة التفرّع هناك ما دام احتمال الصدق موجودا تكوينا. و دعوى الحكومة لإفادة الخبر الصحيح العلم تعبّدا بعدم الاستحباب في غير محلّها حتى بناء على قيام الأمارة مقام العلم الموضوعيّ، و ذلك لأنّه لم يؤخذ في موضوع‌

547

تلك الأخبار عدم العلم بعنوانه، كما في (رفع ما لا يعلمون) و (كلّ شي‌ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام) كي يلتزم بالحكومة من هذه الجهة مثلا، و إنّما المأخوذ فيها إمكان تفرّع العمل على الثواب، و خروج مورد العلم بالكذب إنّما يكون لعدم إمكان التفرّع فيه، و في مورد المعارضة للخبر الصحيح الدالّ على عدم الاستحباب يكون التفرّع ممكنا، و بكلمة أخرى: أنّ إمكان التفرّع لازم تكوينيّ للشكّ التكوينيّ، و العلم التعبّديّ لا يرفع اللوازم التكوينيّة للشكّ.

هل يكفي البلوغ للفقيه؟

الأمر الثالث: إذا وصل الفقيه خبر ضعيف دالّ على الاستحباب فهل يجوز له الإفتاء بالاستحباب للعاميّ الّذي لم يصله ذلك أو لا؟

ذكر المحقّق العراقيّ (1) (رحمه اللّه): أنّ ذلك متفرّع على ما هو المختار فيما هو مفاد هذه الأخبار، فإن كان المختار فيها جعل الحجّيّة جاز له ذلك، لأنّه و إن اختصّ البلوغ بهذا الشخص فصار حجّة لهذا الشخص، لكنّ مفاد ذلك الخبر البالغ الّذي صار حجّة هو الاستحباب للكلّ، و إن كان المختار فيها‌

____________

(1) راجع نهاية الأفكار، القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 286، و هو صريح في خلاف ما نقله أستاذنا (رحمه اللّه) هنا عنه.

548

جعل الاستحباب النفسيّ بعنوان البلوغ لم يجز له ذلك، لأنّ موضوع هذا الاستحباب هو البلوغ، و هذا الموضوع إنّما تحقّق بشأن هذا الشخص دون ذاك.

أقول: أمّا الشقّ الأوّل من كلامه و هو أنّه على تقدير الحجّيّة يجوز الإفتاء بالاستحباب للجميع، فيرد عليه: أنّه على تقدير اختصاص الحجّيّة بمن بلغه هذا الخبر- حسب ما اعترف (رحمه اللّه) به- يكون جواز الإفتاء بالاستحباب للجميع مع عدم علمه وجدانا بالاستحباب للجميع مبنيّا على القول بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعيّ، و نحن و إن كنّا نقول في ما يكون دليل حجّيّته سيرة العقلاء، أو مثل قوله: (يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني) بقيامه مقام القطع الموضوعيّ في خصوص حكم الإفتاء و الإسناد إلى الشارع، لكن لا نقول بذلك فيما نحن فيه، إذ مجرّد دليل الحجّيّة لا يدلّ عندنا على القيام مقام العلم الموضوعيّ، و إنّما يجب أن يستفاد ذلك بمئونة زائدة، كشمول السيرة لذلك، أو دلالة الأخذ على ذلك، و هذا منتف فيما نحن فيه.

و بعد تسليم قيام الأمارة بدليل حجّيّتها مقام القطع الموضوعيّ نقول: إنّه يمكن الإيراد عليه (قدّس سرّه) بأنّه و إن كان مفاد الخبر البالغ هو الاستحباب للجميع، لكنّه بحسب مقام الثبوت كما يعقل جعل الحجّيّة لتمام مفاد هذا الخبر كذلك يعقل جعل الحجّيّة لقطعة من مفاده، و هي الاستحباب لهذا الشخص الّذي بلغه هذا الخبر، و إذا كان كلا الأمرين معقولا بحسب عالم الثبوت قلنا: إنّ المتيقّن بحسب عالم الإثبات هو‌

549

الثاني، لأنّ الحجّيّة هنا إنّما استكشفناها بلسان الترغيب في العمل، و الترغيب الموجود في هذه الأخبار- كما ترى- مختصّ بعمل من بلغه دون عمل الجميع.

لكنّ الإنصاف أنّه بعد تسليم أصل مبنى قيام الأمارة مقام القطع الموضوعيّ يكون الصحيح ما ذكره (رحمه اللّه) من صحّة الإفتاء بالاستحباب للجميع، و ذلك لأنّ المرتكز في نظر العقلاء في باب جعل الحجج هو فرض عدم التقطيع في المفاد بحسب الأفراد، و أدلّة جعل الحجج تنصرف- لا محالة- إلى ما يلائم المرتكزات العقلائيّة في باب الحجج، فتلغى عرفا خصوصيّة هذا الفرد، و يصحّ بذلك الإفتاء بالاستحباب للجميع.

و التحقيق في المقام: منع اختصاص الحجّيّة المجعولة في هذه الأخبار بخصوص من بلغه الخبر الضعيف، بل تشمل حتى من لم يبلغه، و السرّ في ذلك أنّ البلوغ في دليل الحجّيّة لم يؤخذ بحسب المتفاهم العرفي موضوعا، و إنّما أخذ طريقيّا، فدليل حجّيّة الخبر البالغ يدلّ على حجّيّة أصل ذلك الخبر للجميع، و إنّما البلوغ المأخوذ في الكلام في الحقيقة بلوغ للحجّة.

و أمّا الشقّ الثاني من كلامه فالإنصاف أنّه إشكال صحيح وارد على المشهور- على ما نسب إليهم من استفادة الاستحباب النفسيّ من هذه الأخبار-، حيث يفتون بالاستحباب مطلقا بقاعدة التسامح في أدلّة السنن.

550

و إن كان دفع السيّد الأستاذ- على ما أتذكّر [1]- هذا الإشكال بأنّ هذا الإفتاء لا بأس به، إذا إنّ أيّ شخص وصله هذا الإفتاء صار الإفتاء صدقا بالنسبة له لحصول البلوغ بنفس وصول هذا الإفتاء إليه، و أيّ شخص لم يصله هذا الإفتاء لا يهمّ أمر هذا الإفتاء بالنسبة لذاك الشخص.

أقول: يرد عليه أوّلا: أنّه يتحقّق محذور الكذب بالنسبة لوصول هذا الإفتاء إلى بعض الأشخاص و إن كان الكذب بلحاظ أشخاص آخرين، فإنّ من وصله هذا الإفتاء قد أخبر بالاستحباب حتى بالنسبة لمن لم يصله.

و ثانيا: انّه لو فرض أنّ المحذور ليس هو محذور الكذب، و ينحصر المحذور في محذور الإغراء بالجهل، فأيضا لا يصحّ هذا الكلام، و توضيح ذلك: أنّ في المقام استحبابين: أحدهما استحباب ثابت، و هو الاستحباب الّذي دلّت عليه أخبار من بلغ، و الآخر استحباب محتمل، و هو الاستحباب الّذي دلّ عليه ذاك الخبر الضعيف، و بلوغ هذا الاستحباب موضوع لذاك الاستحباب، و يستحيل أن يكون بلوغ استحباب موضوعا لنفس ذاك الاستحباب على حدّ استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم.

و عندئذ نقول: إنّ المفتي بالاستحباب إن فرض أنّه أفتى‌

____________

[1] لم أجد ذلك في الدراسات و لا في المصباح و لعلّ أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) يذكر ذلك مباشرة عن أستاذه.

551

بالاستحباب تعليقا و بنحو القضيّة الشرطيّة، أيّ أنّه قال: (من بلغه استحباب هذا العمل صار هذا العمل مستحبّا له) فهذه القضيّة الشرطيّة لا تحقّق شرطها إلاّ إذا فرض أنّه عرف من حال الفقيه انّه يكون مبناه في التكلّم على هذا النحو- أي أنّه يتكلّم بمثل هذه القضيّة الشرطيّة و يقصد بذلك الإخبار بموضوع الشرط- و لا كلام لنا بشأن هذا الشخص، و إن فرض أنّه أفتى بالاستحباب الفعليّ قلنا: إنّ هذا الإفتاء إن كان إفتاء بالاستحباب الّذي دلّ عليه الخبر الضعيف، فالمفروض عدم دلالة أخبار من بلغ على حجّيّة ذلك الخبر الضعيف، فكيف يفتي بلا حجّة؟! و إن كان إفتاء بالاستحباب الّذي جعل على موضوع البلوغ في أخبار من بلغ، قلنا: إنّه ما هو المقصود بقولكم: إنّ هذا الإفتاء يوجب بلوغ الاستحباب إلى العاميّ حتى تترتّب على هذا البلوغ صحّة هذا الإفتاء و يتحقّق الاستحباب بشأنه؟ هل المقصود بذلك حصول بلوغ هذا الاستحباب، أو حصول بلوغ الاستحباب الّذي دلّ عليه الخبر الضعيف؟ إن قصد الأوّل ورد عليه ما ذكرناه من أنّ بلوغ الاستحباب يستحيل أخذه في موضوع ذاك الاستحباب، و إن قصد الثاني بدعوى أنّ هذا الإفتاء يدلّ بالالتزام على ورود خبر بالاستحباب، لأنّ العاميّ بحسن ظنّه بالفقيه يعرف أنّه لو لا ورود خبر بالاستحباب لما أفتى بالاستحباب، ورد عليه: أنّ العوام كيف يعرفون أنّ مدرك هذا الإفتاء هو الخبر لا شي‌ء آخر، كالشهرة الفتوائيّة، أو مطلق الظنّ‌

552

مثلا، فهل هم مطّلعون على مباني هذا الفقيه، و يرون انّه لا يقول بحجّيّة الشهرة و الظنّ مثلا، أو يعلمون بعدم وجود الشهرة و الظنّ في المقام مثلا فينتقلون من ذلك إلى أنّ مدرك هذا الفقيه كان خبرا من الأخبار؟! هذا تمام الكلام في مبحث أخبار من بلغ، و قد بقي بعض أمور جزئيّة في هذا المبحث يظهر حالها بالتأمّل في ما ذكرناه.