تنقيح مباني العروة - كتاب الصوم

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
220 /
105

إليهم كلّ واحد مدّاً و الأحوط مدّان من حنطة أو شعير أو أرز أو خبز أو نحو ذلك و لا يكفي في كفّارة واحدة إشباع شخص واحد مرّتين أو أزيد أو إعطاؤه مدّين أو أزيد بل لا بدّ من ستّين نفساً.

نعم، إذا كان للفقير عيال متعدّدون و لو كانوا أطفالًا صغاراً يجوز إعطاؤه بعدد الجميع لكلّ واحد مدّاً.

[يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر و حاجة]

(مسألة 25): يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر و حاجة، بل و لو كان للفرار من الصوم لكنّه مكروه.

[مقدار المدّ]

(مسألة 26): المدّ ربع الصاع و هو ستمائة مثقال و أربعة عشر مثقالًا

____________

أبا جعفر (عليه السلام): من أوسط ما تطعمون أهليكم؟ قال: ما تقوتون به عيالكم من أوسط ذلك، قلت: و ما أوسط ذلك؟ فقال: الخل و الزيت و التمر و الخبز فيشبعهم به مرة واحدة (1). و هذه و إن كانت واردة في كفّارة اليمين إلّا أنّ الظاهر عدم اختلاف الكفّارات من هذه الجهة بأن يكون المراد من الإطعام في بعضها غير المراد من الإطعام في بعضها الأُخرى.

و على الجملة، الإشباع ظاهر الإطعام المتعلّق به الأمر في بعض الخطابات من الكفّارات، و أمّا الإعطاء بنحو التمليك بنحو التصدّق هو ظاهر الأمر بالتصدّق على ستّين مسكيناً، كما في حسنة جميل بن دراج و صحيحة عبد اللّه بن سنان (2) و غيرهما و قد قيّد الإعطاء في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه بخمسة عشر صاعاً (3)، و هي تساوي ستّين مدّاً كما قيّد بالمدّ لكلّ مسكين في موثّقة سماعة (4).

____________

(1) وسائل الشيعة 22: 381، الباب 14 من أبواب الكفّارات، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 10: 44-/ 45، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2 و 1.

(3) وسائل الشيعة 10: 48، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 10.

(4) وسائل الشيعة 10: 49، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 12.

106

و ربع مثقال و على هذا فالمدّ مائة و خمسون مثقالًا و ثلاثة مثاقيل و نصف مثقال و ربع ربع المثقال، و إذا أعطى ثلاثة أرباع الوقية من حقّة النجف فقد زاد أزيد من واحد و عشرين مثقالًا؛ إذ ثلاثة أرباع الوقية مائة و خمسة و سبعون مثقالًا.

____________

نعم، ورد في بعض الروايات عشرون صاعاً إلّا أنّ المعتبر منها كحسنة جميل لا تدلّ على تعيّنه و في سند باقيها ضعف، فيحمل على الاستحباب إن لم يكن الحمل على اختلاف الأصواع.

107

فصل

يجب القضاء دون الكفّارة في موارد:

[النوم الثاني بل الثالث]

أحدها: ما مرّ من النوم الثاني، بل الثالث و إن كان الأحوط فيهما الكفّارة أيضاً خصوصاً الثالث.

[إذا أبطل صومه بالإخلال بالنيّة مع عدم الإتيان بشي‌ء من المفطرات]

الثاني: إذا أبطل صومه بالإخلال بالنيّة (1) مع عدم الإتيان بشي‌ء من المفطرات أو بالرياء أو بنيّة القطع أو القاطع كذلك.

[إذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه يوم أو أيّام]

الثالث: إذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه يوم أو أيّام كما مرّ.

[من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه]

الرابع: من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثمّ ظهر سبق طلوعه و أنّه كان في النهار، سواء كان قادراً على المراعاة أو عاجزاً عنها لعمى أو حبس أو نحو ذلك

____________

فصل في موارد وجوب القضاء دون الكفّارة‌

الإخلال بالنيّة‌

(1) قد تقدّم أنّ الصوم و إن كان عبارة عن الإمساك من عدّة أُمور تسمّى بالمفطرات، و لكن يعتبر في صحّته قصد ذلك الإمساك بنحو التقرّب إلى اللّٰه سبحانه، و إذا أخلّ بهذا القصد بأن لم يقصد الإمساك بنحو التقرّب أو أبطل صومه بالرياء أو بقصد القطع أو القاطع من غير تناول شي‌ء من تلك المفطرات فسد صومه، و لكن لا كفّارة عليه؛ لعدم الإفطار فإنّ الإفطار هو تناول المفطر و نقض إمساكه به.

108

أو كان غير عارف بالفجر. و كذا مع المراعاة و عدم اعتقاد بقاء الليل (1) بأن شكّ في الطلوع أو ظنّ فأكل ثمّ تبيّن سبقه، بل الأحوط القضاء حتّى مع اعتقاد بقاء الليل و لا فرق في بطلان الصوم بذلك بين صوم رمضان و غيره من الصوم الواجب و المندوب، بل الأقوى فيها ذلك حتّى مع المراعاة و اعتقاد بقاء الليل.

____________

من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر‌

(1) قد مرّ أنّ الصوم الواجب هو الإمساك من طلوع الفجر إلى دخول الليل فإن أتى المكلّف بذلك مع رعاية القصد المعتبر فيه تحقّق الصوم و إلّا فعليه قضاء ذلك اليوم لفوت الواجب و لو بتناوله المفطر في آن بعد طلوع الفجر مع اعتقاده بعدم طلوعه.

و لكن ورد في موثقة سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان؟ قال: «إن كان قام فنظر فلم يرَ الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر فليتمّ صومه و لا إعادة عليه، و إن كان قام فأكل و شرب ثمّ نظر إلى الفجر فرأى أنّه قد طلع الفجر فليتمّ صومه و يقضي يوماً آخر؛ لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة» (1) و بما أنّ المفروض في السؤال أكله و شربه بعد طلوع الفجر فلا يمكن حمل الرواية على أنّ عدم القضاء بعد النظر إلى الفجر لإحرازه بقاء الليل و عدم وقوع أكله بعد طلوعه، بخلاف ما إذا لم ينظر إليه فإنّه لم يحرز إمساكه من طلوع الفجر.

و على الجملة، ظاهرها أنّ تناول المفطر بعد طلوع الفجر إذا كان بعد الفحص عن طلوع الفجر لا يضرّ بصحّة الصوم، بخلاف ما إذا تناوله قبل الفحص عن طلوعه فإنّه يوجب فساده و عليه قضاؤه و إن يجب عليه الإمساك في بقيّة النهار إلى الليل، و بهذه الموثّقة يرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على أنّ تناول المفطر بعد طلوع الفجر مع الجهل بطلوعه يوجب فساد الصوم و أنّ عليه قضاؤه كصحيحة الحلبي، عن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 115- 116، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

109

..........

____________

أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل تسحّر ثمّ خرج من بيته و قد طلع الفجر و تبيّن قال:

«يتمّ صومه ذلك ثمّ ليقضه» (1) بل دعوى أنّ ظاهرها التناول بعد طلوع الفجر قبل النظر إلى الفجر غير بعيدة.

ثمّ إنّ المراد من المراعاة في عبارة الماتن و غيره يتعيّن أن يكون النظر إلى الفجر فلا تعمّ غيره من النظر إلى الساعة و السؤال عن الغير و نحو ذلك.

و في صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) آمر الجارية تنظر طلع الفجر أم لا فتقول: لم يطلع بعد، فآكل ثمّ أنظر فأجد قد كان طلع حين نظرت قال: «اقضه أما إنّك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شي‌ء» (2).

و على الجملة، بعد ما ذكرنا أنّ القضاء مقتضى القاعدة يرفع اليد عنها في مورد دلالة النص و هو رعاية الفجر بالنظر إليه و يبقى غيره على مقتضاها، و بهذا يظهر عدم الفرق في وجوب القضاء عند ترك النظر بين كون تركه مع التمكّن من النظر أو عدم تمكّنه كما في الأعمى و المحبوس و نحوها و لو مع التسليم بأنّ الموثقة و الصحيحة لا تشملان صورة عدم التمكّن.

بقي في المقام أمران:

أحدهما: أنّ الناظر إلى الفجر إمّا يتبيّن له طلوعه فالأمر فيه واضح فإنّه يجب عليه الإمساك، و إمّا يرى عدم طلوعه فالحكم بالإجزاء، و إن ظهر بعد ذلك أنّه كان طالعاً مورد اليقين من الموثقة و صحيحة معاوية بن عمار، و أمّا إذا بقي بعد النظر شاكّاً في طلوعه و عدمه فحكم الماتن بوجوب القضاء؛ لظهور الروايتين في كون النظر‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 115، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 10: 118، الباب 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث الأوّل.

110

[الأكل تعويلًا على من أخبر ببقاء الليل]

الخامس: الأكل تعويلًا على من أخبر ببقاء الليل و عدم طلوع الفجر مع كونه طالعاً (1).

____________

موجباً لتغيّر حاله بالإضافة إلى ما قبل النظر و لتفريع عدم رؤية الفجر على النظر في الموثّقة.

و لكنّ هذه الدعوى لا تخلو عن المناقشة فيها، بل ما ذكره بعد ذلك من قوله:

بل الأحوط القضاء حتّى مع بقاء الليل، لا يمكن المساعدة عليها؛ لما تقدّم من أنّ موثّقة سماعة تدلّ على عدم وجوب القضاء فيما إذا كان الاعتقاد ببقاء الليل مستنداً إلى النظر إلى الفجر، فلا وجه معه للاحتياط المزبور إلّا أن يكون مراده بذلك ما لو كان اعتقاد بقاء الليل من سبب آخر غير النظر إلى الفجر كالنظر إلى الساعة مثلًا.

ثانيهما: أنّ الظاهر أنّ الحكم بصحّة الصوم فيما إذا كان تناول المفطر بعد طلوع الفجر مع مراعاته بالنظر إلى الفجر يختصّ بصوم شهر رمضان و لا يعمّ غيره، سواء كان الصوم الآخر من الواجب المعيّن أو غيره من الموسع أو المستحب، و سواء كان ممّا لا قضاء له كصوم الاستيجار أو كان له القضاء؛ و ذلك لأنّ الأمر بإتمام الصوم على تقدير فساده الوارد في موثّقة سماعة (1) يختصّ بصوم شهر رمضان فإنّه الذي يجب فيه الإتمام و إن كان الصوم فاسداً دون غيره لعدم الدليل عليه بوجه، بل ذيل صحيحة الحلبي دالّ على العدم حيث قال (عليه السلام): «فإن تسحّر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر» (2) فلا دليل على صحّة الصوم في غير شهر رمضان حتّى مع المراعاة و الاعتقاد ببقاء الليل بالنظر إلى الفجر، و يكفي في إثبات البطلان كونه مقتضى القاعدة بالتقريب المتقدّم في صدر التعليقة.

الأكل تعويلًا على من أخبر ببقاء الليل‌

(1) فإنّ المأمور به هو الإمساك ما بين الحدّين و المفروض عدم تحقّقه في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 115- 116، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة 10: 116- 117، الباب 45 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث الأوّل.

111

[الأكل إذا أخبره مخبر بطلوع الفجر لزعمه سخريّة المخبر]

السادس: الأكل إذا أخبره مخبر بطلوع الفجر، لزعمه سخريّة المخبر أو لعدم العلم بصدقه (1).

____________

المقام، و لا دليل على إجزاء الناقص عن الكامل في غير ما إذا كان الاعتقاد ببقاء الليل مستنداً إلى النظر إلى الفجر، مضافاً إلى أنّ صحيحة معاوية بن عمّار (1) تدلّ على القضاء فيما لو أكل تعويلًا على إخبار الجارية بعدم طلوع الفجر، و أمّا عدم ثبوت الكفّارة في مثل المورد فلأنّها متقوّمة بالعمد و لا عمد في المقام.

(1) إن أخبره مخبر بطلوع الفجر و كان قوله حجّة و مع ذلك لم يعتنِ به و أكل ثمّ ظهر أنّه قد طلع الفجر قبل ذلك فلا إشكال في وجوب القضاء، بل في وجوب الكفّارة أيضاً مع علمه بحجّيّة الخبر فإنّه إفطار عمدي لدى ثبوت الفجر بحجّة شرعيّة، و لا تجري في مثله صحيحة عبد الصمد بن بشير (2) الدالّة على نفي الكفّارة عن الجاهل.

في ما إذا أكل من أُخبر بطلوع الفجر لزعمه سخرية المخبر‌

و أمّا إذا لم يكن قوله حجّة إمّا لعدم كونه ثقة أو لزعم السخرية فلا كفّارة لعدم صدق العمد بعد جواز الإفطار استناداً إلى استصحاب بقاء الليل و عدم طلوع الفجر و لكنّه يجب القضاء؛ لما تقدّم من أنّه مقتضى القاعدة بعد عدم تحقّق الإمساك بين الحدّين، مضافاً إلى صحيحة عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل خرج في شهر رمضان و أصحابه يتسحّرون في بيت فنظر إلى الفجر فناداهم أنّه قد طلع الفجر فكفّ بعض و ظنّ بعض أنّه يسخر فأكل؟ فقال: «يتمّ صومه و يقضي» (3).

و أمّا ما في المتن من فرض عدم العلم بصدقه فلا أثر له؛ لأنّه لا يعتبر في حجّية قول الثقة حصول العلم بصدقه بل يكفي احتمال صدقه.

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 118، الباب 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث الأوّل ..

(2) وسائل الشيعة 13: 158، الباب 8 من أبواب بقيّة كفّارات الإحرام، الحديث 3.

(3) وسائل الشيعة 10: 118- 119، الباب 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث الأوّل.

112

[الإفطار تقليداً لمن أخبر بدخول الليل]

السابع: الإفطار تقليداً لمن أخبر بدخول الليل و إن كان جائزاً له لعمى أو نحوه، و كذا إذا أخبره عدل بل عدلان بل الأقوى وجوب الكفّارة أيضاً إذا لم يجز له التقليد (1).

____________

الإفطار تقليداً لمن أخبر بدخول الليل‌

(1) لا شكّ في وجوب القضاء بل الكفّارة أيضاً فيما إذا لم يكن خبر المخبر حجّة إمّا لعدم كونه ثقة أو لأجل البناء على عدم اعتبار خبر الثقة في الموضوعات؛ نظراً إلى أنّ مقتضى استصحاب بقاء النهار و عدم دخول الليل هو عدم جواز الإفطار فهذا الإفطار محكوم شرعاً بوقوعه قبل الليل أو في النهار الذي هو موضوع لوجوب القضاء، و كذا الكفّارة لكونه عمدياً إلّا إذا كان جاهلًا بالمسألة فتخيّل أنّ أخبار كلّ مخبر بانقضاء النهار يسوّغ الإفطار فإنّه لا كفّارة حينئذ بناء على ما تقدّم من أنّ الجاهل لا كفّارة عليه.

و أمّا إذا كان خبره حجّة لكونه ثقة مع البناء على حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات أو لفرض قيام البيّنة فأفطر استناداً إليها ثمّ انكشف الخلاف فالإفطار المزبور و إن كان جائزاً بمقتضى قيام الحجّة الشرعية و لكنّه حيث إنّ المفروض أنّه وقع في النهار و لم يتحقّق المأمور به الذي هو الإمساك بين الحدّين وجب عليه قضاؤه و ما ذهب إليه صاحب المدارك (1) من عدم وجوب القضاء؛ لأنّه عمل بوظيفته بمقتضى قيام الحجّة الشرعيّة لا وجه له؛ لأنّ الحكم الظاهري بجواز الإفطار لا يوجب تغيير الواقع- الذي هو عدم تحقّق الإمساك المأمور به- و كون الناقص مجزياً عن الكامل يحتاج إلى دليل مفقود في المقام. نعم، لا كفّارة عليه في الفرض لفقد العمد.

____________

(1) المدارك 6: 94.

113

[الإفطار لظلمةٍ قطع بحصول الليل منها فبان خطأه]

الثامن: الإفطار لظلمةٍ قطع بحصول الليل منها فبان خطأه و لم يكن في السماء علّة، و كذا لو شكّ أو ظنّ بذلك منها، بل المتّجه في الأخيرين الكفّارة أيضاً، لعدم جواز الإفطار حينئذٍ، و لو كان جاهلًا بعدم جواز الإفطار فالأقوى عدم الكفارة و إن كان الأحوط إعطاؤها (1).

____________

الإفطار لظلمة قطع بحصول الليل منها‌

(1) لا ينبغي الإشكال في عدم جواز الإفطار ما لم يتيقّن بدخول الليل و لو يقيناً تعبّديّاً مستنداً إلى حجّة شرعيّة و لا يكفي مجرد الظن به فإنّ مقتضى الاستصحاب بقاء النهار و عدم دخول الليل فيتمّ موضوع وجوب الإمساك، فلو أفطر و الحال هذه ثمّ انكشف خطأه في المظنّة وجب عليه القضاء بل الكفّارة أيضاً مع علمه بعدم جواز الإفطار اعتماداً على هذا الظنّ و إلّا لم تجب عليه الكفّارة.

نعم، يستثنى من ذلك ما لو كانت في السماء علّة فظنّ دخول الليل فأفطر ثمّ بان له الخطأ فإنّه لا يجب عليه القضاء فضلًا عن الكفّارة؛ و ذلك لما دلّ عليه من عدّة نصوص و هي و إن لم تكن كلّها صحاح- كما ادّعاه في الجواهر (1)- و لكنّه يوجد فيها نصوص صحيحة كصحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد ذلك و قد صلّيت أعدت الصلاة و مضى صومك، و تكفّ عن الطعام إن كنت قد أصبت منه شيئاً» (2) و صحيحته الأُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) (في حديث) أنّه قال لرجل ظنّ أنّ الشمس قد غابت فأفطر ثمّ أبصر الشمس بعد ذلك، قال: «ليس عليه قضاء» (3).

و هذه النصوص و إن كانت معارضة بموثّقة أبي بصير و سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب‌

____________

(1) الجواهر 16: 286.

(2) وسائل الشيعة 10: 122، الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 10: 123، الباب 51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

114

نعم، لو كانت في السماء علّة فظنّ دخول الليل فأفطر ثمّ بان له الخطأ لم يكن عليه قضاء فضلًا عن الكفّارة.

و محصّل المطلب: أنّ من فعل المفطر بتخيّل عدم طلوع الفجر أو بتخيّل دخول الليل بطل صومه في جميع الصور إلّا في صورة ظنّ دخول الليل مع وجود علّة في السماء من غيم أو غبار أو بخار أو نحو ذلك، من غير فرق بين شهر رمضان و غيره من الصوم الواجب و المندوب، و في الصور التي ليس معذوراً شرعاً في الإفطار كما إذا قامت البيّنة على أنّ الفجر قد طلع و مع ذلك أتى بالمفطر أو شكّ في دخول الليل أو ظنّ ظنّاً غير معتبر و مع ذلك أفطر يجب الكفّارة أيضاً فيما فيه الكفّارة.

[إذا أكل أو شرب مثلًا مع الشكّ في طلوع الفجر و لم يتبيّن أحد الأمرين لم يكن عليه شي‌ء]

(مسألة 1): إذا أكل أو شرب- مثلًا- مع الشكّ في طلوع الفجر و لم يتبيّن أحد الأمرين لم يكن عليه شي‌ء.

نعم، لو شهد عدلان بالطلوع و مع ذلك تناول المفطر وجب عليه القضاء، بل الكفّارة أيضاً و إن لم يتبيّن له ذلك بعد ذلك و لو شهد عدل واحد بذلك فكذلك على الأحوط (1).

____________

الشمس فرأوا أنّه الليل فأفطر بعضهم ثمّ أنّ السحاب انجلى فإذا الشمس، فقال: على الذي أفطر صيام ذلك اليوم إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول: «أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ» فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه؛ لأنّه أكل متعمّداً» (1) فإنّها تدلّ على وجوب القضاء في مفروض المسألة، و لكن الترجيح مع النصوص المزبورة لمخالفتها للعامّة و موافقة الموثّقة لهم فتحمل الموثقة على التقيّة في مقام المعارضة.

لو شهد عدل واحد بالطلوع‌

(1) بل على الأظهر؛ و ذلك لأنّه لا فرق في حجّيّة خبر الثقة في السيرة العقلائيّة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 121، الباب 50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث الأوّل.

115

[يجوز له فعل المفطر و لو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع الفجر و لم يشهد به البيّنة]

(مسألة 2): يجوز له فعل المفطر و لو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع الفجر و لم يشهد به البيّنة، و لا يجوز له ذلك إذا شكّ في الغروب عملًا بالاستصحاب في الطرفين، و لو شهد عدل واحد بالطلوع أو الغروب فالأحوط ترك المفطر عملًا بالاحتياط للإشكال في حجّيّة خبر العدل الواحد و عدم حجّيّته إلّا أنّ الاحتياط في الغروب إلزامي و في الطلوع استحبابي نظراً للاستصحاب (1).

التاسع: إدخال الماء في الفم للتبرد بمضمضة أو غيرها فسبقه و دخل الجوف فإنّه يقضي و لا كفّارة عليه و كذا لو أدخله عبثاً فسبقه، و أما لو نسي فابتلعه فلا قضاء عليه أيضاً و إن كان أحوط. و لا يلحق بالماء غيره على الأقوى و إن كان عبثاً كما لا يلحق بالإدخال في الفم الإدخال في الأنف للاستنشاق أو غيره و إن كان أحوط في الأمرين.

____________

- التي هي عمدة دليل حجّيّته- بين ما إذا كان في الأحكام و ما إذا كان في الموضوعات و توهّم رادعيّة بعض الروايات كمعتبرة مسعدة بن صدقة (1) عن السيرة بالنسبة إلى حجّيّة الخبر في الموضوعات مندفع بما تقرر في محلّه.

و منه يظهر أنّه لا يعتبر في المخبر أن يكون عادلًا بل يكفي كونه ثقة متحرزاً عن الكذب. نعم، وجوب الكفّارة في مثل المقام إنّما هو فيما إذا كان عالماً بعدم جواز الإفطار مع إخبار العدل أو الثقة و إلّا فيجب القضاء دون الكفّارة.

(1) بل لا فرق مع أخبار العدل بين الأخبار بالطلوع أو الغروب في لزوم الاعتناء به.

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 89، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

116

[لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم يجب عليه القضاء]

(مسألة 3): لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم يجب عليه القضاء، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة على الأقوى (2)، بل لمطلق الطهارة و إن كانت لغيرها من الغايات من غير فرق بين الوضوء و الغسل و إن كان الأحوط القضاء فيما عدا ما كان لصلاة الفريضة خصوصاً فيما كان لغير الصلاة من الغايات.

[يكره المبالغة في المضمضة]

(مسألة 4): يكره المبالغة في المضمضة مطلقاً و ينبغي له أن لا يبلع ريقه حتّى يبزق ثلاث مرات.

[لا يجوز التمضمض مع العلم بأنّه يسبقه الماء إلى الحلق]

(مسألة 5): لا يجوز التمضمض مع العلم بأنّه يسبقه الماء إلى الحلق أو ينسى فيبلعه.

العاشر: سبق المني (2) بالملاعبة أو بالملامسة إذا لم يكن ذلك من قصده و لا عادته على الأحوط و إن كان الأقوى عدم وجوب القضاء أيضاً.

____________

إدخال الماء في الفم‌

(1) بل الأظهر وجوب القضاء إذا لم يكن وضوؤه للصلاة الفريضة كما هو ظاهر صحيحة حماد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الصائم يتوضّأ للصلاة فيدخل الماء حلقه، فقال: «إن كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه شي‌ء، و إن كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء» (1) و بها يرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على عدم القضاء بدخول الماء في حلقه في وضوئه و كذا ما ورد بعدم القضاء بدخول الماء في حلقه بالمضمضة إذا لم يتعمّد كما في موثّقتي سماعة و عمار الساباطي المرويتين كما قبلها في باب (23) من أبواب ما يمسك الصائم عنه (2).

(2) قد تقدّم التفصيل فيه في مفطريّة الاستمناء.

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 70، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 10: 71- 72، الحديث 4 و 5.

117

فصل في الزّمان الذي يصحّ فيه الصّوم

و هو النهار من غير العيدين و مبدؤه طلوع الفجر الثاني، و وقت الإفطار ذهاب الحمرة من المشرق (1).

و يجب الإمساك من باب المقدّمة في جزء من الليل في كلّ من الطرفين ليحصل العلم بإمساك تمام النهار.

و يستحبّ تأخير الإفطار حتّى يصلّي العشاءين لتكتب صلاته صلاة الصائم، إلّا أن يكون هناك من ينتظره للإفطار أو تنازعه نفسه على وجه يسلبه الخضوع و الإقبال، و لو كان لأجل القهوة و التتن و الترياك فإنّ الأفضل حينئذ الإفطار ثمّ الصلاة مع المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الإمكان.

[لا يشرع الصوم في الليل و لا صوم مجموع الليل و النهار]

(مسألة 1): لا يشرع الصوم في الليل و لا صوم مجموع الليل و النهار، بل و لا إدخال جزء من الليل فيه إلّا بقصد المقدّميّة.

____________

فصل في الزمان الذي يصحّ فيه الصوم‌

(1) على الأحوط.

118

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

119

فصل في شرائط صحة الصّوم

و هي أُمور:

[الأوّل الإسلام و الإيمان]

الأوّل: الإسلام و الإيمان، فلا يصحّ من غير المؤمن و لو في جزء من النهار، فلو أسلم الكافر في أثناء النهار و لو قبل الزوال لم يصحّ صومه، و كذا لو ارتدّ ثمّ عاد إلى الإسلام بالتوبة، و إن كان الصوم معيّناً و جدّد النيّة قبل الزوال على الأقوى.

[الثاني العقل]

الثاني: العقل فلا يصحّ من المجنون و لو أدواراً و إن كان جنونه في جزء من النهار.

و لا من السكران و لا من المغمى عليه (1) و لو في بعض النهار و إن سبقت منه النيّة على الأصحّ.

[الثالث عدم الإصباح جنباً أو على حدث الحيض و النفاس بعد النقاء]

الثالث: عدم الإصباح جنباً أو على حدث الحيض و النفاس بعد النقاء من الدم على التفصيل المتقدّم.

____________

فصل في شرائط صحة الصّوم‌

اعتبار العقل‌

(1) قد يتأمّل في الفرق بينهما مع سبق قصد الصوم منهما و بين النائم في أثناء النهار، و ظاهر كلماتهم كالماتن قدس سره أنّ السكران لا يصحّ منه الصوم و إن كان مكلّفاً به‌

120

[الرابع الخلو من الحيض و النفاس في مجموع النهار]

الرابع: الخلو من الحيض و النفاس في مجموع النهار فلا يصحّ من الحائض و النفساء إذا فاجأهما الدم و لو قبل الغروب بلحظة أو انقطع عنهما بعد الفجر بلحظة، و يصحّ من المستحاضة إذا أتت بما عليها من الأغسال النهارية.

[الخامس أن لا يكون مسافراً سفراً يوجب قصر الصلاة]

الخامس: أن لا يكون مسافراً سفراً يوجب قصر الصلاة مع العلم بالحكم في الصوم الواجب إلّا في ثلاثة مواضع:

أحدها: صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتع.

الثاني: صوم بدل البدنة ممّن أفاض من عرفات قبل الغروب عامداً (1) و هو ثمانية عشر يوماً.

____________

بخلاف المغمى عليه فإنّه لا تكليف عليه بالصوم، و إذا لم يمكن قصد الصوم من السكران حتّى القصد التعليقي الذي ذكرنا سابقاً فلا بأس بالحكم بفساد صومه و إن سبق منه النيّة في الليل قبل تناول المسكر فإنّ عدم اعتبار القصد التعليقي من النائم حال نومه؛ لكون النوم في النهار لازماً عادياً في الصوم، فالأمر به كاشف عن عدم قصد الإمساك حاله؛ و لذا لو قصد النائم أنّه يمسك عن المفطرات حال يقظته في النهار كفى في صحّة صومه.

و ممّا ذكرناه في السكران يجري في المغمى عليه أيضاً، و الفرق بينهما أنّ سكر السكران بفعله المحرّم فلا يوجب سقوط التكليف عنه ملاكاً و عقاباً، بخلاف المغمى عليه فإنّ عدم تمكّنه من الصوم الواجب مستند إلى غلبة اللّٰه سبحانه فيسقط التكليف عنه حتّى ملاكاً.

اعتبار عدم السفر إلّا في مواضع‌

(1) و يدلّ عليه صحيحة ضريس المروية في باب (23) من أبواب إحرام الحجّ‌

121

الثالث: صوم النذر المشترط (1) فيه سفراً خاصّة أو سفراً و حضراً، دون النذر المطلق، بل الأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر أيضاً إلّا ثلاثة أيّام للحاجة في المدينة و الأفضل إتيانها في الأربعاء و الخميس و الجمعة (2).

____________

عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس! قال (عليه السلام): «عليه بدنة ينحرها يوم النحر فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكّة أو في الطريق أو في أهله» (1) فإنّ ظاهر ذكر الطريق و مكّة مع عدم تعارف الإقامة فيهما جواز الصوم فيهما مع كونه مسافراً و بها يرفع اليد عن إطلاق ما دلّ على عدم مشروعيّة الصوم في السفر.

(1) و يدلّ عليه صحيحة علي بن مهزيار قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفّارة؟

فكتب (عليه السلام) و قرأته: «لا تتركه إلّا من علّة و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلّا أن تكون نويت ذلك و إن كنت أفطرت منه من غير علّة فتصدّق بقدر كلّ يوم على سبعة مساكين» (2) و اشتمالها لجواز الصوم مع المرض مع نيّته في نذره كالصوم في السفر و كون كفّارة حنث النذر الإطعام لسبعة مساكين لا يقدح في اعتبارها بالإضافة إلى نذر الصوم في السفر؛ لأنّ التفكيك في فقرات الحديث أمر معروف مع أنّ المحكي عن نسخة المقنع (3) (عشرة) بدل (سبعة) على ما مرّ، و لو كان في البين إطلاق يقتضي جواز الصوم المنذور في السفر يرفع اليد عنه بالمكاتبة الدالّة على اعتبار نيّته عند النذر، كما أنّه إن قام إطلاق على عدم جواز الصوم المنذور في السفر يقيّد بما إذا لم ينوه عند نذره سفراً.

(2) ليس في البين ما دلّ على الأمر بصيام ثلاثة أيّام في المدينة من المسافر‌

____________

(1) وسائل الشيعة 13: 558، الباب 23 من أبواب إحرام الحج ...، الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة 10: 195- 196، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث الأوّل.

(3) المقنع: 410.

122

و أمّا المسافر الجاهل بالحكم لو صام فيصحّ صومه و يجزئه حسبما عرفته في جاهل حكم الصلاة (1)، إذ الإفطار كالقصر و الصيام كالتمام في الصلاة، لكن يشترط أن يبقى على جهله إلى آخر النهار، و أمّا لو علم بالحكم في الأثناء فلا يصحّ صومه، و أمّا الناسي فلا يلحق بالجاهل في الصحّة،

____________

للحاجة ليتمسّك بإطلاقه و يحمل ما ورد في صحيحة معاوية بن عمّار و نحوها على الأفضلية.

و دعوى ظهور الصحيحة في تعدّد المطلوب بقرينة الارتكاز في المستحبّات لا يمكن المساعدة عليها بعد اقتضاء الأدلّة عدم مشروعيّة الصوم من المسافر، و في موثّقة عمّار الساباطي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقول للّٰه عليّ أن أصوم شهراً أو أكثر من ذلك أو أقلّ فيعرض له أمر لا بدّ من أن يسافر يصوم و هو مسافر؟ قال:

«إذا سافر فليفطر؛ لأنّه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره و الصوم في السفر معصية» (1). و على الجملة، ما ورد في صحيحة معاوية بن عمّار هو صوم يوم الأربعاء و الخميس و الجمعة (2) على الكيفيّة الواردة فيها و في غيره يؤخذ بالإطلاق المشار إليه في الموثّقة، و صحيحة أحمد بن محمّد يعني ابن نصر البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) (3).

(1) الأظهر أنّ الصائم الجاهل- سواء كان جهله بأصل الحكم أو بالخصوصيّات المعتبرة فيه- يحكم على صومه بالصحّة إذا بقي جهله إلى آخر النهار، فإنّ مع علمه بالحكم أو بالخصوصيّات في الأثناء يكون صومه لا بجهالة، بل مع علمه و بلوغ نهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عنه.

و ما ذكرنا من صحّة صومه مع جهله بالحكم أو بالخصوصيّات المعتبرة فيه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 199، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8.

(2) وسائل الشيعة 10: 202، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 10: 202، الباب 12 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

123

..........

____________

يقتضيها إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه» (1) و كذا صحيحة أبي بصير عنه (عليه السلام) قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر و إن صامه بجهالة لم يقضه» (2).

لا يقال: لا بد من تقييد الجهالة فيهما بالجهالة بأصل الحكم بقرينة صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث ورد فيها: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر؟ فقال: «إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى عن ذلك فليس عليه القضاء و قد أجزأ عنه الصوم» (3).

و في صحيحة الحلبي قال: قلت: رجل صام في السفر؟ فقال إن كان بلغه أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى عن ذلك فعليه القضاء و إن لم يكن بلغه فلا شي‌ء عليه» (4).

فإنّه يقال: ظاهرهما الحكم ببطلان الصوم إذا بلغ نهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الصوم في السفر الذي صام فيه كما هو ظاهر اسم الإشارة في قوله (عليه السلام): «إن كان بلغه أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى عن ذلك» فلا يفيد بلوغ نهيه عن الصوم في سفر آخر غير سنخ ذلك السفر كما إذا سافر أربعاً و رجع أربعاً مع عدم علمه بأنّه كالسفر الامتدادي.

و على الجملة، الموضوع لوجوب القضاء بلوغ نهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بحيث يعمّ السفر المفروض بنحو الانحلال.

نعم، غاية الأمر عدم شمولهما لما إذا كان الصوم في سفر للجهل بالموضوع مع علمه بالحكم، كما لا يعمّان الصوم في السفر نسياناً للحكم أو بالموضوع، بل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 180، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 10: 180، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

(3) وسائل الشيعة: 10: 179، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

(4) وسائل الشيعة 10: 179، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

124

و كذا يصحّ الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال (1) كما أنّه يصحّ صومه إذا لم يقصر في صلاته كناوي الإقامة عشرة أيام أو المتردّد ثلاثين يوماً و كثير السفر و العاصي بسفره و غيرهم ممّن تقدّم تفصيلًا في كتاب الصلاة.

____________

مقتضاهما وجوب قضائه و لو بنى على إطلاق صحيحة العيص، و كذا صحيحة أبي بصير (1) لصورة الجهل بالموضوع يتعارضان فيها مع صحيحتي الحلبي و عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه فيتساقطان في مورد الاجتماع و يرجع إلى إطلاق ما دلّ على عدم جواز الصوم في السفر.

(1) في البين ثلاث طوائف من الأخبار:

الأُولى: ما دلّ على أنّه إذا خرج إلى السفر قبل الزوال يفطر و إذا خرج بعد الزوال فليتمّ صومه كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج من بيته و هو يريد السفر و هو صائم، قال: «إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم و إن خرج بعد الزوال فليتمّ يومه» (2) و مثلها صحيحة عبيد بن زرارة و موثّقته (3).

الثانية: ما دلّ على أنّه: «إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، و إن لم يحدّث نفسه من الليلة ثمّ بدا له في السفر من يومه أتمّ صومه» كموثّقة علي بن يقطين (4) و مقتضى الطائفة الأُولى أنّ الموضوع لوجوب الإفطار الخروج قبل‌

____________

(1) تقدمتا آنفاً.

(2) وسائل الشيعة 10: 185، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 10: 186، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3 و 4.

(4) وسائل الشيعة 10: 187، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 10.

125

..........

____________

الزوال، بلا فرق بين قصد السفر من الليل أم لا، كما أنّ مقتضى الطائفة الثانية أنّ الموضوع لوجوب الإفطار قصد السفر من الليل، سواء خرج قبل الزوال أو بعده.

و في البين طائفة ثالثة و العمدة صحيحة رفاعة حيث إنّ المستفاد منها أنّ من خرج إلى السفر بعد طلوع الفجر و كان قصد السفر أمراً عرضه بعد طلوع الفجر يتمّ صومه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح؟ قال: «يتمّ صومه يومه ذلك» (1) و هذه الصحيحة أخصّ بالإضافة إلى صحيحة الحلبي و موثّقتي عبيد بن زرارة الدالّة على أنّ المكلف الصائم إذا خرج إلى السفر قبل الزوال أفطر مطلقاً، أي لا فرق بين كون السفر مقصوداً من الليل أو أمراً عارضاً في النهار فتختصّ بعد تقييدها بصحيحة رفاعة أنّ الخروج قبل الزوال يوجب الإفطار مع كون السفر مقصوداً من الليل، و هذه الطائفة بعد ورود القيد لها يكون السفر مقصوداً من الليل يقدم على إطلاق ما ورد في الطائفة الثانية من أنّ المكلف إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، فإن الإطلاق يعمّ ما إذا خرج بعد الزوال أيضاً. و الوجه في التقديم أنّه لو لم تقدّم الطائفة الأُولى بعد ورود القيد لها على الطائفة الثانية يكون التفصيل فيها بالخروج قبل الزوال و بعده لغواً.

و أما ما ورد في صحيحة أُخرى لرفاعة بن موسى من أنّ المكلف إذا خرج إلى السفر في نهار شهر رمضان بعد طلوع الفجر يكون مخيّراً بين الصوم و تركه فلا يمكن العمل به؛ لكونه من فتاوى المخالفين قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يريد السفر في رمضان؟ قال: «إذا أصبح في بلده ثمّ خرج فإن شاء صام و إن شاء أفطر» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 186، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

(2) وسائل الشيعة 10: 187، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.

126

[السادس عدم المرض أو الرمد الذي يضرّه الصوم]

السادس: عدم المرض أو الرمد الذي يضرّه الصوم لإيجابه شدّته أو طول برئه أو شدّة ألمه أو نحو ذلك، سواء حصل اليقين بذلك أو الظنّ، بل أو الاحتمال الموجب للخوف، بل لو خاف الصحيح من حدوث المرض لم يصحّ منه، و كذا إذا خاف من الضرر في نفسه أو غيره (1) أو عرضه أو عرض غيره أو في مال يجب حفظه و كان وجوبه أهمّ في نظر الشارع من وجوب الصوم و كذا إذا زاحمه واجب آخر أهمّ منه. و لا يكفي الضعف و إن كان مفرطاً ما دام يتحمّل عادة.

نعم، لو كان ممّا لا يُتحمل عادةً جاز الإفطار و لو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ من الصوم ففي الصحّة إشكال (2)، فلا يترك الاحتياط بالقضاء.

____________

اعتبار عدم المرض‌

(1) إذا عدّ تضرّر الغير في نفسه أو عرضه ضرراً على الصائم كما إذا كان المتضرّر من أهله و عياله فلا يكون الصوم واجباً عليه، بل يجب عليه قضاؤه بخلاف ما إذا لم يعدّ ضرراً عليه بأن يلازم صومه تضرّر الغير نفساً أو عرضاً أو مالًا يكون وجوب الصوم عليه مع وجوب التحفّظ على الغير من تضرّره من المتزاحمين، و لو صام في هذا الفرض يحكم بصحّة صومه للترتّب فمزاحمة وجوب الصوم مع واجب آخر أهمّ لا يوجب بطلانه.

(2) يحكم ببطلانه إذا كان الشخص مريضاً و صام بعدم اعتقاد الضرر أو أوجب صومه المرض مع اعتقاده بأنّه لا يوجبه و الوجه في البطلان أنّ الشخص المزبور مكلّف بالقضاء بمقتضى الآية المباركة و الروايات التي منها ما ظاهره أنّه إذا أوجب الصوم المرض و الضرر أفطر كموثقة عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يجد في رأسه وجعاً من صداع شديد هل يجوز له الإفطار؟ قال: «إذا صدع صداعاً شديداً و إذا حمّ حمى شديدة و إذا رمدت عيناه رمداً شديداً فقد حلّ له الإفطار» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 220- 221، الباب 20 أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

127

و إذا حكم الطبيب بأنّ الصوم مضرّ و علم المكلّف من نفسه عدم الضرر يصحّ صومه و إذا حكم بعدم ضرره و علم المكلّف أو ظنّ كونه مضراً وجب عليه تركه (1) و لا يصحّ منه.

[يصحّ الصوم من النائم و لو في تمام النهار]

(مسألة 1): يصحّ الصوم من النائم و لو في تمام النهار إذا سبقت منه النيّة في الليل، و أمّا إذا لم تسبق منه النيّة فإن استمر نومه إلى الزوال بطل صومه (2) و وجب

____________

و على الجملة، ليس المورد من الموارد التي يكون رفع التكليف فيها بقاعدة نفي الضرر ليقال إنّ الرفع في القاعدة امتناني فلا يعمّ الموارد التي يكون المكلّف معتقداً بعدم الضرر مع ثبوت الضرر واقعاً فإنّ رفع التكليف في ذلك يكون خلاف الامتنان كما إذا اعتقد عدم الضرر في الوضوء أو الغسل و كان مضرّاً.

و على الجملة، الأظهر الحكم ببطلان الصوم مع كونه ضررياً و لو مع اعتقاد عدم الضرر، و بهذا يظهر أنّه لو اعتقد الضرر و صام باعتقاد أنّ الضرر يرفع وجوب الصوم لا جوازه ثمّ بان عدم الضرر فيه يحكم بصحّته للأمر به واقعاً و إن تخيّله أمراً استحبابياً.

صوم النائم‌

(1) فإنّ خوف المكلّف من ضرر الصوم حتّى مع إخبار الطبيب بعدمه طريق إلى إحرازه كما هو مقتضى الإطلاق في صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر» (1) نعم، إذا أخبر الطبيب الحاذق بالضرر و لم يكن في الصائم خوف تركه فإنّ الصحيحة لا تدلّ على انحصار طريق إحراز الضرر على الخوف، بل تدلّ على اعتبار الخوف.

(2) هذا إذا لم ينوِ صيام جميع الشهر بنيّة واحدة من قبل و إلّا صحّ صومه على‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 218، الباب 19 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث الأوّل.

128

عليه القضاء إذا كان واجباً و إن استيقظ قبله نوى و صحّ (1) كما أنّه لو كان مندوباً و استيقظ قبل الغروب يصحّ إذا نوى.

[يصحّ الصوم و سائر العبادات من الصبي المميّز على الأقوى]

(مسألة 2): يصحّ الصوم و سائر العبادات من الصبي المميّز على الأقوى من شرعيّة عباداته (2) و يستحبّ تمرينه عليها، بل التشديد عليه لسبع من غير فرق بين الذكر و الأُنثى في ذلك كلّه.

____________

ما مرّ في بحث النيّة.

(1) قد تقدّم عدم قيام دليل على ذلك في صوم شهر رمضان لو لم نقل بالتأمّل في غيره من الواجب المعيّن.

صحّة عبادات الصبي‌

(2) و العمدة في مشروعيّة الصوم و الصلاة ما دلّ من الروايات الواردة في ثبوت الصلاة على الصبي إذا عقلها و الصوم إذا أطاقه، و هذه الروايات متفرّقة على الأبواب المختلفة و كذا ما ورد في الصلاة على الصبي الميّت كصحيحة زرارة و الحلبي عن عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الصلاة على الصبي متى يصلّى عليه قال: إذا عقل الصلاة، قلت: متى تجب الصلاة عليه؟ قال: إذا كان ابن ستّ سنين و الصيام إذا أطاقه (1). و المراد من الوجوب الثبوت كما هو معناه لغة، و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): سألته عن الغلام متى يجب عليه الصوم و الصلاة؟ قال: «إذا راهق الحلم و عرف الصلاة و الصوم» (2) و مقتضى مشروعيّة الصلاة و الصوم و كذا الحجّ عن الصبي مشروعيّة وضوئه و غسله و تيمّمه.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 95، الباب 13 من أبواب وجوب صلاة الجنازة، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 4: 19، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 3.

129

[يشترط في صحّة الصوم المندوب مضافاً إلى ما ذكر أن لا يكون عليه صوم واجب]

(مسألة 3): يشترط في صحّة الصوم المندوب مضافاً إلى ما ذكر أن لا يكون عليه صوم واجب من قضاء أو نذر (1) أو كفّارة أو نحوها، مع التمكّن من أدائه،

____________

و أمّا ما ورد في الأمر على الأولياء أن يأمروا أطفالهم بالصلاة و الصيام (1) خصوصاً بملاحظة أنّ ظاهرها أمر الأولياء أطفالهم بالصلاة و الصوم على نحو التقرّب.

يناقش فيه بأنّ الحكم في بعض تلك الروايات معلّل بتعوّدهم و قصد التقرّب منهم لا محذور فيه لعدم حرمة التشريع عليهم حيث يعمّه رفع القلم عنهم فاستظهار المشروعية من تلك الأخبار مشكل، و لا مانع عن الالتزام باستحباب تعويدهم على الصوم و الصلاة لآبائهم و استحباب الإتيان بالعبادة منهم.

شرائط صحّة الصوم المستحبّ‌

(1) لا ينبغي التأمّل في اشتراط الصوم تطوّعاً بأن لا يكون عليه قضاء شهر رمضان، و يشهد لذلك صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أ يتطوّع؟ قال: «لا حتّى يقضي ما عليه من شهر رمضان» (2) و صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن ركعتي الفجر؟ قال: قبل الفجر- إلى أن قال:- أ تريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوّع إذا دخل عليك وقت الفريضة؟ فابدأ بالفريضة (3).

و إنّما الكلام فيما إذا كان عليه واجب آخر كصوم النذر أو الكفّارة و نحوهما، فإنّه يستدل على عدم جواز التطوع أيضاً بما رواه الصدوق قدس سره بإسناده عن الحلبي و باسناده عن أبي الصباح الكناني جميعاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه لا يجوز أن يتطوّع‌

____________

(1) انظر وسائل الشيعة 4: 19، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 5. و 10: 234، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة 10: 346، الباب 28 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.

(3) وسائل الشيعة 10: 345- 346، الباب 28 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث الأوّل.

130

و أمّا مع عدم التمكّن منه كما إذا كان مسافراً و قلنا بجواز الصوم المندوب في السفر أو كان في المدينة و أراد صيام ثلاثة أيّام للحاجة فالأقوى صحّته (1). و كذا إذا نسي الواجب و أتى بالمندوب فإنّ الأقوى صحّته إذا تذكر بعد الفراغ.

____________

الرجل بالصيام و عليه شي‌ء من الفرض» و قال و قد وردت بذلك الأخبار و الآثار عن الأئمة (عليهم السلام) (1) و قال في كتاب المقنع: اعلم أنّه لا يجوز أن يتطوع الرجل و عليه شي‌ء من الفرض كذلك وجدته في كلّ الأحاديث (2). و التقييد في الأولتين بقضاء شهر رمضان لا يوجب حمل الإطلاق في الأخيرتين عليه؛ لعدم التنافي بين الإطلاق و التقييد، لكن قد يشكل بأنّ الصدوق ذكر في الفقيه باب الرجل يتطوع بالصيام و عليه شي‌ء من الفرض: وردت الأخبار و الآثار عن الأئمة (عليهم السلام) أنه لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام و عليه شي‌ء من الفرض و ممن روى ذلك الحلبي و أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3). و لا يبعد أن يكون مراده من رواية الحلبي و أبي الصباح ما رواه الكليني و كلاهما وارد فيمن عليه قضاء شهر رمضان و استظهر قدس سره منهما عدم الخصوصيّة للقضاء و المراد مطلق الفرض، و بما أنّ الوارد في الباب روايات ثلاث و كلّها ناظرة إلى من عليه قضاء شهر رمضان، فالتعبير بصيغة الجمع في قوله: وردت بذلك الأخبار و الآثار، لا ينافي الاحتمال المنفي عنه البعد و إن لم ينقل الصدوق إلّا روايتين.

(1) و الوجه في الصحّة هو انصراف الروايات الواردة في عدم جواز التطوّع بالصيام ممّن عليه قضاء شهر رمضان أو شي‌ء من الفرض إلى صورة التمكّن من الإيتان بالقضاء أو ما عليه من الفرض، فإنّ مناسبة الحكم و الموضوع مقتضاها أنّ‌

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2: 136، باب الرجل يتطوّع بالصيام و عليه شي‌ء من الفرض.

(2) المقنع: 203، باب الرجل يتطوع بالصيام و عليه شي‌ء من شهر رمضان.

(3) من لا يحضره الفقيه 2: 136.

131

و أمّا إذا تذكّر في الأثناء قطع، و يجوز تجديد النيّة حينئذ للواجب مع بقاء محلّها، كما إذا كان قبل الزوال، و لو نذر التطوع على الإطلاق صحّ، و إن كان عليه واجب فيجوز أن يأتي بالمنذور قبله بعد ما صار واجباً، و كذا لو نذر أيّاماً معيّنة يمكن إتيان الواجب قبلها، و أمّا لو نذر أيّاماً معيّنة لا يمكن إتيان الواجب قبلها ففي صحّته إشكال (1) من أنّه بعد النذر يصير واجباً و من أنّ التطوع قبل الفريضة غير جائز فلا يصحّ نذره و لا يبعد أن يقال: إنّه لا يجوز بوصف التطوع و بالنذر يخرج عن الوصف و يكفي في رجحان متعلّق النذر رجحانه و لو بالنذر و بعبارة أُخرى المانع هو وصف الندب و بالنذر يرتفع المانع.

____________

عدم مشروعية التطوّع للمكلّف المزبور هو أن يأتي بفرضه و يهتمّ به خصوصاً بملاحظة ما ورد في صحيحة الحلبي من قوله (عليه السلام): «أ تريد أن تقايس» (1) و ملاحظة الاهتمام إمّا بالإضافة إلى صوم القضاء أو مطلق الفرض على ما تقدّم، و لكنّ هذا الوجه قابل للمناقشة بأنّ ظاهر الروايات اشتراط الصيام الذي يأتي به المكلّف تطوّعاً بفراغ ذمّته عن صوم القضاء أو عن مطلق الفرض و لو كان الاشتراط مقصوراً على صورة التمكّن من الإيتان بالقضاء أو الفرض لصحّ الصوم تطوّعاً ممّن عليه القضاء بنيّة الصوم بعد الزوال و قبل الغروب.

اللهمّ إلّا أن يقال بأنّ ما دل على التوسعة في نيّة الصوم تطوّعاً موردها اجتماع شرائط الصوم تطوّعاً من طلوع الفجر و لكنّه كما ترى.

(1) الظاهر عدم الإشكال في صحّته لا لأنّه يكفي في انعقاد النذر كون متعلّقه راجحاً و لو بالنذر ليقال ظاهر ما دلّ على اعتبار الرجحان في المنذور كونه راجحاً مع قطع النظر عن تعلّقه، بل لأنّ المنهي عنه في الروايات المتقدّمة الصيام تطوّعاً ممّن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 345- 346، الباب 28 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث الأوّل.

132

[الظاهر جواز التطوّع بالصوم]

(مسألة 4): الظاهر جواز التطوّع بالصوم إذا كان ما عليه من الصوم الواجب استيجارياً (1) و إن كان الأحوط تقديم الواجب.

____________

عليه القضاء أو مطلق الفرض بأن يكون عند صيامه متطوّعاً به و يتعلّق نذر الناذر بصيام يكون صيام تطوّع في نفسه و مع قطع النظر عن زمان الإتيان به فإنّه عند الإتيان يصوم واجباً و لا يأتى بالصيام تطوّعاً، و لا يعتبر في صحّة النذر إلّا أن لا يكون صيامه عند الإتيان صيام تطوّع.

(1) و ذلك فإنّ ظاهر الروايات المتقدّمة أن يكون على المكلّف صومه الواجب عليه أو قضاء صومه و في موارد الاستيجار يكون الصوم الواجب على ذمة الغير فعلى الأجير أن يؤدي عنه بالنيابة.

و بهذا يظهر جواز التطوّع للولد الأكبر إذا وجب عليه قضاء ما فات عن أبيه.

133

فصل في شرائط وجوب الصّوم

و هي أُمور:

[البلوغ و العقل]

الأوّل و الثاني: البلوغ، العقل، فلا يجب على الصبي و المجنون، إلّا أن يكملا قبل طلوع الفجر، دون ما إذا كملا بعده فإنّه لا يجب عليهما و إن لم يأتيا بالمفطر، بل و إن نوى الصبي الصوم ندباً، لكن الأحوط مع عدم إتيان المفطر الإتمام و القضاء إذا كان الصوم واجباً معيّناً (1).

و لا فرق في الجنون بين الإطباقي و الأدواري إذا كان يحصل في النهار و لو في جزء منه، و أمّا لو كان دور جنونه في الليل بحيث يفيق قبل الفجر فيجب عليه.

____________

فصل في شرائط وجوب الصوم‌

في اعتبار البلوغ‌

(1) لا حاجة إلى القضاء مع الإتمام فإنّه لو فرض كونه مكلّفاً بصوم ذلك اليوم فقد صامه و لم يفت عنه فلا موضوع للقضاء و إن لم يكن مكلّفاً فلم يفت أيضاً منه صوم ليكون عليه قضاؤه.

نعم، مع عدم الإتمام يكون الاحتياط الاستحبابي في قضائه؛ لاحتمال أنّه كان مكلّفاً به و لم يصم.

134

[عدم الإغماء]

الثالث: عدم الإغماء فلا يجب معه الصوم و لو حصل في جزء من النهار. نعم، لو كان نوى الصوم قبل الإغماء فالأحوط إتمامه.

[عدم المرض الذي يتضرر معه الصائم]

الرابع: عدم المرض الذي يتضرر معه الصائم و لو برئ بعد الزوال و لم يفطر لم يجب عليه النيّة و الإتمام و أمّا لو برئ قبله و لم يتناول مفطراً فالأحوط أن ينوي و يصوم و إن كان الأقوى عدم وجوبه.

[الخلو من الحيض و النفاس]

الخامس: الخلو من الحيض و النفاس، فلا يجب معهما و إن كان حصولهما في جزء من النهار.

[الحضر]

السادس: الحضر، فلا يجب على المسافر الذي يجب عليه قصر الصلاة، بخلاف من كان وظيفته التمام كالمقيم عشراً و المتردّد ثلاثين يوماً و المكاري و نحوه و العاصي بسفره فإنّه يجب عليه التمام إذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة فكلّ سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم و بالعكس.

[إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار]

(مسألة 1): إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار (1)، و إن كان بعده وجب عليه البقاء على صومه.

و إذا كان مسافراً و حضر بلده أو بلداً يعزم على الإقامة فيه عشرة أيّام فإن كان قبل الزوال و لم يتناول المفطر وجب عليه الصوم، و إن كان بعده أو تناول فلا، و إن استحبّ له الإمساك بقيّة النهار.

____________

في اعتبار عدم السفر‌

(1) هذا إذا كان ناوياً للسفر من الليل كما مرّ بيان ذلك في فصل شرائط صحّة الصوم، و أمّا إذا لم ينوه من الليل و اتّفق السفر قبل الزوال فالأحوط وجوباً الصوم، و الأظهر أنّ صومه كذلك يجزي و لا قضاء عليه فإنّه إن كان مأموراً بالصيام فقد أتى به، و إن كانت وظيفته الإفطار فقد صام في السفر جهلًا فيجزي على ما مرّ.

135

و الظاهر أنّ المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال (1) أو بعده لا الخروج عن حدّ الترخص، و كذا في الرجوع المناط دخول البلد لكن لا يترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع قبل الزوال و الخروج عن حدّ الترخص بعده، و كذا في العود إذا كان الوصول إلى حدّ الترخص قبل الزوال و الدخول في المنزل بعده.

[قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة و الصوم و قصرها و الإفطار]

(مسأله 2): قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة و الصوم و قصرها و الإفطار لكن يستثنى من ذلك موارد:

أحدها: الأماكن الأربعة فإنّ المسافر يتخيّر فيها بين القصر و التمام في الصلاة و في الصوم يتعيّن الإفطار.

الثاني: ما مر من الخارج إلى السفر بعد الزوال فإنّه يتعيّن عليه البقاء على الصوم مع أنّه يقصر في الصلاة.

____________

(1) فإنّ بدء السفر يكون بالخروج من بلده أو قريته فإن كان ذلك قبل الزوال أفطر مطلقاً أو بناءً على ما ذكرنا إذا نواه من الليل كما أنّ انتهاء السفر يكون بالوصول إلى بلده أو قريته أو محلّ الإقامة، فإن كان ذلك قبل الزوال و لم يتناول مفطراً فعليه صيام ذلك اليوم كما هو ظاهر موثّقة سماعة، عن أبي بصير قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان؟ فقال: «إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به» (1).

و ما دلّ على عدم القصر قبل حدّ الترخّص تخصيص في أدلّة القصر لا أنّ المقدار في حدّ الترخّص منزّل منزلة البلد و مع الخروج قبل الزوال لا بدّ من الإمساك و قصد الصوم إلى مضي حدّ الترخّص كما أنّه لا يبعد أن يقال بعدم جواز التناول إذا قدم من سفره قبل الزوال من حين الوصول إلى حدّ الترخّص، بل عليه قصد الصوم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 191، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

136

الثالث: ما مرّ من الراجع من سفره فإنّه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الإتمام مع أنّه يتعيّن عليه الإفطار.

(مسألة 3): إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلّا بعد الوصول إلى حدّ الترخّص، و قد مرّ سابقاً وجوب الكفّارة عليه إن أفطر قبله.

(مسألة 4): يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان (1) بل و لو كان للفرار من الصوم كما مرّ. و أمّا غيره من الواجب المعيّن فالأقوى عدم جوازه إلّا مع الضرورة كما أنّه لو كان مسافراً وجب عليه الإقامة لإتيانه مع الإمكان.

____________

أخذاً بما دلّ على الملازمة بين القصر و التمام.

(1) لما تقدّم من أنّ عدم السفر من شرط وجوب صوم شهر رمضان كما هو ظاهر الآية و الروايات و لا يجب على المكلّف تحصيل شرط الوجوب.

و أمّا إذا وجب صوم يوم بموجب آخر فإن كان وجوبه مشروطاً بمعنى تعليق وجوبه على عدم كونه مسافراً فالحال فيه كالحال في صوم شهر رمضان، كما إذا نذر للّٰه عليّ أنّ أصوم يوم الخميس إذا لم أكن مسافراً فيه، و إذا لم يكن وجوبه مشروطاً بعدم السفر بل كان الواجب مشروطاً بعدمه فقط، حيث إنّ الصوم لا يصحّ من المسافر، فكون نذره مطلقاً بمعنى أنّه جعل للّٰه عليه أن يصوم يوم الخميس مثلًا، و ليس معنى الإطلاق هو أن يصوم و لو كان مسافراً فإنّ الصوم في السفر غير مشروع فيبطل نذره، بل المراد من الإطلاق عدم تعليق ما عليه للّٰه من الصوم على عدم سفره، فمقتضى القاعدة في هذا الفرض وجوب الإقامة عليه ليصوم ذلك اليوم أو لا يخرج إلى السفر ليأتي بمنذوره صحيحاً، و مثل ذلك ما إذا وجب عليه صيام أيّام قضاءً لضيق وقت القضاء بناءً على عدم جواز تأخيره إلى سنة أُخرى، إلّا أنّه يظهر من بعض الروايات جواز خروجه إلى السفر في مورد نذر المطلق، بل في مطلق الواجب‌

137

..........

____________

المعيّن كرواية عبد اللّه بن جندب حيث ورد فيها: أنّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فحضرته نيّة في زيارة أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يخرج و لا يصوم في الطريق فإذا رجع قضى ذلك» (1).

و دلالتها في مورد النذر المطلق على جواز السفر و عدم وجوب الإقامة في الطريق تامّة، و لكنّ الإشكال أنّها مرسلة؛ لأنّ المروي في الكافي: سمعت ممّن رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2) و كذا في التهذيب (3) و ليس كما رواه في الوسائل في باب الصوم سمعت من زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4).

أضف إلى ذلك اضطراب السند.

نعم، يستدلّ على ذلك بصحيحة علي بن مهزيار، قال: كتبت إليه يعني إلى أبي الحسن (عليه السلام): يا سيّدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ و كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: «قد وضع اللّٰه عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها و يصوم يوماً بدل يوم إن شاء اللّٰه» (5) حيث يستفاد منها أنّ اللّٰه لم يأمر بالصيام في تلك الأيّام التي منها يوم سفره فلا يجب في سفره قصد الإقامة حتّى يصوم ذلك اليوم، بل لم يوجب الصوم بحيث لم يجز الخروج إلى سفره، سواء كان الموجب للأمر الوفاء بالنذر أو غيره.

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 197- 198، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

(2) الكافي 7: 457، الحديث 16.

(3) التهذيب 8: 306، الحديث 16.

(4) وسائل الشيعة 10: 197- 198، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

(5) وسائل الشيعة 23: 310، الباب 10 من أبواب كتاب النذر و العهد، الحديث الأوّل.

138

[الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان قبل أن يمضي ثلاثة و عشرون يوماً]

(مسألة 5): الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان قبل أن يمضي ثلاثة و عشرون يوماً (1) إلّا في حجّ أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه.

____________

و لكن الإنصاف أنّه لا يمكن أن يستفاد منه غير عدم وجوب الإقامة على الناذر لا مطلق من وجب عليه الصوم بموجب آخر لظاهر قوله (عليه السلام): «قد وضع اللّٰه عنه» و لو كان الوارد: وضع اللّٰه الصيام في تلك الأيام، لأمكن الاستدلال بكون وجوب كلّ صوم بأيّ موجب مشروط بعدم السفر حتّى ما لو كان استيجارياً حيث إنّه يمكن للشارع جعل البدل على العمل المستأجر عليه و البدل قضاء الصوم المتروك في سفره، و كذا موثّقة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) حيث إنّ الوارد فيها: «قد وضع اللّٰه عنها حقّه» (1) و المفروض فيها نذر المرأة الصيام في يوم قدوم ولدها من السفر ما بقيت مع أنّ ظاهرها فساد نذرها؛ لأنّه (عليه السلام) لم يأمرها بقضاء ما تركت في سفرها و لم توجب العمل بنذرها بعد عودها من سفرها فلاحظها.

و دعوى دلالة الموثّقة على وضع اللّٰه سبحانه حقّه و هذا لا يعمّ الموارد التي يكون الصوم للّٰه حقّاً للغير كالمستأجر أو شرطاً عليه في عقد حيث يصير صومه للّٰه حقّاً للمشروط له لا يمكن المساعدة؛ لأنّ عدم دلالة الموثّقة على رفعه في موردي الإجارة و الشرط لا ينافي دلالة صحيحة علي بن مهزيار (2) على وضع الصوم في تلك الأيّام و حال السفر و المرض مطلقاً بأن لا يجب على المسافر قصد الإقامة و العمدة عدم استفادة حكم غير النذر منهما، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

كراهة السفر في شهر رمضان‌

(1) في المقام روايات ظاهر بعضها أفضليّة ترك السفر في شهر رمضان لإدراك‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 196، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

(2) تقدمت آنفاً.

139

..........

____________

صيامه كصحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان و هو مقيم لا يريد براحاً ثمّ يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر؟

فسكت فسألته غير مرّة، فقال: يقيم أفضل إلّا أن تكون له حاجة لا بدّ له من الخروج فيها أو يتخوّف على ماله» (1).

و منها ما ظاهره نفي البأس عن السفر فيه كصحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيّام؟ فقال: «لا بأس أن يسافر و يفطر و لا يصوم» (2) و ظاهرها و صراحة الأُولى جواز السفر و لو لم يكن له حاجة و ضرورة عليه و استفادة الكراهة منهما مشكل؛ لأنّ أفضليّة الترك أو عدم البأس في السفر لا يقتضي كراهته.

نعم، في رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخروج إذا دخل شهر رمضان؟ فقال: «لا إلّا فيما أخبرك به: خروج إلى مكّة أو غزو في سبيل اللّٰه أو مال تخاف هلاكه» (3) الحديث، و نحوها رواية الحسين بن المختار (4)، و لكنّ الحكم بالكراهة بهما مشكل؛ لضعف الأُولى بعلي بن أبي حمزة و الثانية بعلي بن السندي، كما أنّ التفصيل بين مضي ثلاثة و عشرين يوماً و ما بعدها بعدم الكراهة بعد مضيّها مبني على الاعتماد بمرسلة علي بن أسباط، عن رجل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا دخل شهر رمضان فلله فيه شرط قال اللّٰه تعالى: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلّا في حجّ أو في عمرة أو مال يخاف‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 181، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 10: 181، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 10: 181، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

(4) وسائل الشيعة 10: 183، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8.

140

[يكره لكلّ من يجوز له الإفطار التملّي من الطعام و الشراب]

(مسألة 6): يكره للمسافر في شهر رمضان، بل كلّ من يجوز له الإفطار التملّي من الطعام و الشراب (1) و كذا يكره له الجماع في النهار، بل الأحوط تركه و إن كان الأقوى جوازه.

____________

تلفه أو أخ يخاف هلاكه و ليس له أن يخرج في إتلاف مال أخيه فإذا مضت ليلة ثلاث و عشرين فليخرج حيث شاء» (1).

فإنّ فيها مضافاً إلى الإرسال ضعف السند بسهل بن زياد، و لعلّ دعوى الشهرة و انجبار ضعفها بعمل المشهور ممّا لا مجال لها في المقام فإنّ الشهرة على تقديرها يمكن أن يكون منشؤها التسامح في أدلّة السنن، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

كراهة التملّي من الطعام للمسافر في شهر رمضان‌

(1) و يقتضي الحكمين أي كراهة التملّي من الطعام و الشراب للمسافر في شهر رمضان، بل لمطلق المعذور في ترك صيامه و كذا كراهة الجماع في نهاره صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له أ فله أن يصيب منها بالنهار؟ فقال: سبحان اللّٰه أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان؟ إنّ له في الليل سبحاً طويلًا، قلت: أ ليس له أن يأكل و يشرب و يقصّر؟ قال:

«إن اللّٰه تبارك و تعالى قد رخّص للمسافر في الإفطار و التقصير رحمة و تخفيفاً لموضع التعب و النصب و وعث السفر و لم يرخّص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان و أوجب عليه قضاء الصيام، و لم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة إذا آب من سفره ثمّ قال: و السنّة لا تقاس و إنّي إذا سافرت في شهر رمضان لا آكل إلّا القوت و ما أشرب كلّ الرّي (2). فإنّ الجمع بينها و بين ما دلّ على جواز المجامعة يوجب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 182، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة 10: 206، الباب 13 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

141

..........

____________

حمل المنع على الكراهة.

و في موثّقة أبي العباس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يسافر و معه جارية في شهر رمضان هل يقع عليها؟ قال: «نعم» (1) و نحوها صحيحة عمر بن يزيد (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 206، الباب 13 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة 10: 205، الباب 13 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث الأوّل.

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

فصل

وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص، بل قد يجب (1):

[الشيخ و الشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم أو كان حرجاً و مشقّة]

الأوّل و الثاني: الشيخ و الشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم أو كان حرجاً و مشقّة فيجوز لهما الإفطار.

____________

فصل في موارد جواز الافطار‌

(1) ظاهر كلامه قدس سره وفاقاً لجماعة لعلّه الأشهر أنّ الصوم في هذه الموارد مشروعٌ إلّا فيما أوجَب ضرراً على نفسه أو على الغير على ما يأتي، و ذكر جماعة أنّ الصوم في هذه الموارد غير مشروع بل يتعيّن فيها الفدية من غير وجوب القضاء أو معه على ما يأتي.

و العمدة في مستند القولين قوله سبحانه: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ» (1) إلى أن ذكر «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (2) حيث ذكر بعض الأصحاب أنّ اللّٰه سبحانه أوجَب على الذين يتحمّلون الصوم بمشقّة كثيرة إعطاء فدية من غير أن يجعل في حقّهم الصوم لا تعييناً و لا تخييراً بينه و بين إعطاء الفدية و لا ندب فيهم بالصيام، و ذلك فإنّ قوله سبحانه: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ

____________

(1) سورة البقرة: الآية 184.

(2) سورة البقرة: الآية 184.

144

..........

____________

مِسْكِينٍ»* عدول من الخطاب إلى الغيبة و قوله سبحانه: «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» خطاب راجع إلى الخطاب قبل ذلك بقوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ» (1) و كأنّ اللّٰه سبحانه بصدد بيان أنّ الصيام أداءً- كما في غير المريض و المسافر و قضاءً فيهما «خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»* و لو كان راجعاً إلى ما تضمّن الغيبة في قوله سبحانه: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» إلخ كان مقتضى السياق التعبير بالغيبة و أن يقول: و إن يصوموا خير لهم بدل قوله: «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» فالعدول من الغيبة إلى الخطاب قرينة على أنّ قوله سبحانه: «وَ أَنْ تَصُومُوا» غير مرتبط بما يتضمّن الغيبة، و عليه فصوم شهر رمضان غير مشروع ممّن يطيقه الصوم، بل وظيفته إعطاء الفدية.

و لكن لا يمكن المساعدة على ذلك و أنّ قوله سبحانه: «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» إمّا خطاب يختصّ بالذين يطيقونه الصوم و لا أقلّ أنّهم يدخلون فيه فإنّ قوله سبحانه: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ» أيضاً خطاب لا غيبة، و التقدير: الذين يطيقونه منكم، نظير قوله تعالى: «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ» هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّ العدول من الخطاب إلى الغيبة و من الغيبة إلى الخطاب أمر معروف خصوصاً في الكتاب العزيز و لو كان «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» خطاباً إلى من خوطب بالأمر بالصوم أوّلًا كان الأنسب أن يتقدّم على قوله سبحانه: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» إلخ.

و يظهر أنّ المرفوع عن الذين يطيقونه الصيام هو تعيّن الصوم لا مشروعيّته من‌

____________

(1) سورة البقرة: الآية 183.

145

لكن يجب عليهما في صورة المشقّة، بل في صورة التعذّر (1) أيضاً التكفير بدل كلّ يوم بمدّ من طعام و الأحوط مدّان، و الأفضل كونهما من حنطة.

____________

صحيحة محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان و يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمدّ من طعام و لا قضاء عليهما و إن لم يعذرا فلا شي‌ء عليهما» (1).

الشيخ و الشيخة‌

(1) فإن كان المراد من «الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» (2) الذين يوجب الصيام المشقّة الكثيرة كما هو ظاهر تفسيره بالشيخ وذي العطاش فوجوب الفدية على غير المتمكّن من الصيام يدفع بالأصل.

و ما يقال من أنّ ظاهر الصحيح عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي (3) وجوب الفدية على العاجز عن الصيام أيضاً لشيخوخته، و كذا رواية أبي بصير المروي عن نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى (4) لضعفهما سنداً بإبراهيم بن أبي زياد و علي بن أبي حمزة لا يمكن الاعتماد عليهما.

نعم، في مرسل ابن بكير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) على رواية الكافي (5)، و موثّقته عنه (عليه السلام) على رواية الصدوق قدس سره يمكن دعوى الإطلاق حيث ذكر في قول اللّٰه عزّ و جلّ: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ» قال: الذين كانوا يطيقون الصوم ثمّ أصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكلّ يوم مدّ» (6) و لذا إعطاء الفدية في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 209- 210، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث الأوّل.

(2) سورة البقرة: الآية 184.

(3) وسائل الشيعة 10: 212، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 10.

(4) وسائل الشيعة 10: 213، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 12.

(5) الكافي 4: 116، الحديث 5.

(6) من لا يحضره الفقيه 2: 133، الحديث 1949.

146

و الأقوى وجوب القضاء عليهما (1) لو تمكّنا بعد ذلك.

[من به داء العطش]

الثالث: من به داء العطش فإنّه يفطر، سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر أو كان فيه مشقّة، و يجب عليه التصدّق بمدّ، و الأحوط مدّان، من غير فرق بين ما إذا كان مرجو الزوال أم لا، و الأحوط بل الأقوى وجوب القضاء عليه (2) إذا تمكّن بعد ذلك، كما أنّ الأحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة.

____________

صورة تعذّر الصيام على من كان وظيفته الصيام في الماضي أحوط و إن تعذّر فعلًا، و الوجه في الاحتياط ما يتراءى من التنافي بينها و بين صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة من جهة التفسير.

(1) لم يظهر وجه صحيح لوجوب القضاء، و قد تقدّم في صحيحة محمّد بن مسلم (1) نفي القضاء عن الشيخ وذي العطاش و لا مجال معه للتمسّك بوجوب قضاء الفوائت فإنّه مضافاً إلى عدم إحراز الفوت لعدم تكليفها بالصوم و إنّما أُمرا بإعطاء الفدية مع تمكّنهما منه أنّه لا مجال للتمسّك بالإطلاق أو العموم مع وجود المقيّد و المخصّص كما هو مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم.

من به داء العطش‌

(2) مقتضى صحيحة محمّد بن مسلم عدم وجوب القضاء حتّى فيما إذا زال عنه الوصف في السنة الأُولى.

و دعوى أنّ النسبة بينها و بين ما دلّ على وجوب القضاء- المرويّة مع ما تقدّم في الباب (15) ممّن يصحّ عنه الصوم- على المريض العموم من وجه؛ لأنّ‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 209، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث الأوّل.

147

[الحامل المقرب التي يضرّها الصوم أو يضرّ حملها]

الرابع: الحامل المقرب التي يضرّها الصوم أو يضرّ حملها، فتفطر و تتصدّق من مالها (1) بالمدّ أو المدّين و تقضي بعد ذلك.

____________

المفروض فيما دلّ على وجوب القضاء على المريض زوال مرضه في السنة الأُولى، و لكنّه مطلق بالإضافة إلى كون مرضه العطاش أو غيره و ما دلّ على عدم القضاء على ذي العطاش كالصحيحة مطلق من حيث زوال العطاش إلى السنة الآتية أم لا، و مع تساقطهما في مورد اجتماعهما يرجع إلى ما دلّ على وجوب قضاء الفوائت من الصلاة و الصوم لا يمكن المساعدة عليه؛ فإنّ جعل ذي العطاش ممّن يطيقه الصوم و إلحاقه بالشيخ مقتضاه أنّ لعنوانه خصوصيّة لا يلحق بالمريض بل يلحق بالشيخ أو الشيخة في نفي القضاء عنه.

الحامل المقرب‌

(1) المراد أنّ التصدّق ليس من مئونتها على زوجها لا لزوم كون التصدّق من مالها بحيث لو طالبت زوجها بأن يتصدّق عنها فتصدّق لا يجزي عن الواجب عليها.

و يدلّ على وجوب الكفّارة و القضاء في الحامل المقرب و المرضعة القليلة اللبن صحيحة محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان؛ لأنّهما لا يطيقان الصوم و عليهما أن تتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم يفطر فيه بمدّ من طعام و عليهما قضاء كلّ يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد» (1) و ظاهرها عدم الفرق بين أن يكون الصوم مضرّاً بحالهما أو بولدهما فإنّ تقييد الحامل بالمقرب باعتبار الغالب أنّ الصوم يوجب تنزّل قوى المرأة و صعوبة وضع الولد أو ضعف الحمل الموجب لصعوبة وضعه، و كذلك الحال في المرأة القليلة اللبن حيث يوجب قلّته أن يمصّ الطفل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 215، الباب 17 أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث الأوّل.

148

[المرضعة القليلة اللبن إذا أضرّ بها الصوم أو أضرّ بالولد]

الخامس: المرضعة القليلة اللبن إذا أضرّ بها الصوم أو أضرّ بالولد و لا فرق بين أن يكون الولد لها أو متبرّعة برضاعه أو مستأجرة و يجب عليها التصدّق بالمدّ أو المدّين أيضاً من مالها و القضاء بعد ذلك، و الأحوط بل الأقوى الاقتصار (1) على صورة عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع تبرّعاً أو بأُجرة من أبيه أو منها أو من متبرّع.

____________

و يستولي الضعف على المرضعة أو يقلّ لبنها بصومها عمّا كان عليه فيضرّ بولدها.

و على الجملة، دعوى اختصاص الكفّارة بصورة الإضرار بالولد و أنّ الإضرار بالأُم و المرضعة يوجب أن يجري عليهما حكم المريض المكلّف بالقضاء خاصّة فإنّ الموجب و الموضوع لوجوب القضاء ليس عنوان المريض، بل المتضرّر بالصوم لا يمكن المساعدة عليها فإنّ الآية المباركة: «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً» (1)* إلخ لا إطلاق لها بالإضافة إلى غير المريض لتقع المعارضة بين إطلاقها النافي للفدية و بين إطلاق صحيحة محمّد بن مسلم فيؤخذ بالآية؛ و ذلك فإنّ غير المريض الذي يوجب صومه مرضه و ضرره ملحق بمدلول الآية بحسب الحكم لا أنّه مدلول لها، و أمّا مكاتبة علي بن مهزيار المروية في آخر السرائر (2) عن كتاب المسائل مضافاً إلى إرسالها حيث إنّ سند ابن إدريس إلى الكتاب غير معلوم لا تدلّ على نفي الفدية عن المرضعة إلّا بالإطلاق المقامي- يعني السكوت في مقام البيان- و الصحيحة بيان لوجوب الفدية عليها و على الحامل مطلقاً كوجوب القضاء عليهما.

المرضعة القليلة اللبن‌

(1) الاقتصار على صورة عدم وجود من يقوم مقامها و إن كان أحوط و لكن‌

____________

(1) سورة البقرة: الآية 184.

(2) السرائر 3: 583.

149

..........

____________

لا قوّة فيه فإنّ ما ورد ذلك مكاتبة علي بن مهزيار المتقدّمة و ذكرنا ضعفها بجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب المسائل.

و دعوى أنّ مع وجود البديل لا تكون المرضعة ممّن لا تطيق الصوم فلا يعمّها صحيحة ابن مسلم المتقدّمة لا يمكن المساعدة عليها؛ فإن ظاهرها أنّ المرضعة بوصف كونها مرضعة لا تطيق الصوم و هذا حاصل مع تمكّنها من بديلها.

150

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

151

[فصل في طرق ثبوت هلال رمضان و شوّال]

فصل في طرق ثبوت هلال رمضان و شوّال للصوم و الإفطار

و هي أُمور:

[رؤية المكلّف نفسه]

الأوّل: رؤية المكلّف نفسه (1).

[التواتر]

الثاني: التواتر.

[الشياع المفيد للعلم]

الثالث: الشياع المفيد للعلم و في حكمه كلّ ما يفيد العلم و لو بمعاونة القرائن فمن حصل له العلم بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به و إن لم يوافقه أحد، بل و إن شهد و ردّ الحاكم شهادته.

[مضي ثلاثين يوماً من هلال شعبان أو ثلاثين يوماً من هلال رمضان]

الرابع: مضي ثلاثين يوماً من هلال شعبان أو ثلاثين يوماً من هلال رمضان فإنّه يجب الصوم معه في الأوّل و الإفطار في الثاني.

____________

فصل في ثبوت هلال شهر رمضان و شوّال‌

في الرؤية‌

(1) لا ينبغي التأمّل في أنّ شهر رمضان و كذا شهر شوّال يدخل بخروج القمر عن المحاق بحيث يكون قابلًا للرؤية لمن على الأرض بصورة الهلال و أنّ شهر رمضان بفعليّته موضوع لوجوب الصوم فيه على المكلّفين و أنّ أوّل طريق إلى دخول الشهر رؤية هلاله و لو انفرد مكلّف برؤيته يجب عليه صوم نهاره و في صحيحة علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يرى الهلال‌

152

..........

____________

في شهر رمضان وحده و لا يبصره غيره أله أن يصوم؟ قال: إذا لم يشكّ فليصم وحده و إلا يصوم مع الناس (1).

ثمّ إنّه لا يعتبر في إحراز دخول الشهر رؤية المكلّف نفسه الهلال و إن رآه الغير و علم تحقّق الرؤية من السائرين إمّا بالتواتر أو بالشياع المفيد للعلم، و كذا كلّ ما يفيد للمكلّف علمه و لو بمئونة القرائن تحقّق الرؤية وجب عليه صومه، و لو شهد من رأى الهلال برؤيته عند الحاكم و ردّ الحاكم شهادته؛ لما ذكرنا من أنّ دخول الشهر يكون بخروج القمر عن المحاق بحيث يكون قابلًا للرؤية و علمه بتحقّق الرؤية علم بدخول الشهر الموضوع لوجوب الصوم أو لوجوب الإفطار.

نعم، إخبار شخص بأنّه رأى الهلال و لو كان ثقة مع عدم العلم الوجداني و لو بمعونة القرائن بتحقّق الرؤية منه و لو لاحتمال اشتباهه لا يعتبر حتّى بناءً على اعتبار خبر الثقة في سائر الموضوعات؛ لما ورد في غير واحد من الروايات من أنّه مع عدم إحراز الرؤية وجداناً لا يثبت الرؤية إلّا بشهادة عدلين.

و في صحيحة منصور بن حازم أنّه قال: «صم لرؤية الهلال و أفطر لرؤيته، فإن شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه فاقضه» (2).

و في صحيحة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه بيّنة عدول من المسلمين» (3).

و في صحيحة عبيد اللّٰه بن علي الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال علي (عليه السلام):

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 261، الباب 4 من أبواب احكام شهر رمضان، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 10: 254، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 8.

(3) الاستبصار 2: 64، الحديث 9.

153

..........

____________

«لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (1) إلى غير ذلك.

نعم، في اعتبار البيّنة أيضاً خلاف في جهتين:

إحداهما: أنّ اعتبارها يحتاج إلى قيامها عند الحاكم و تصديقه.

و ثانيتها: أنّ اعتبارها إذا كان في السماء علّة و أمّا مع عدمها فلا اعتبار بها.

أمّا الجهة الأُولى فقد يستظهر في اعتبارها عند قيام الحاكم من قول علي (عليه السلام):

«لا أُجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (2) و ما ورد في صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بالإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل الزوال، و إن شهدا بعد الزوال أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم و أخّر الصلاة إلى الغد فصلّى بهم» (3) و لكن لا يخفى أنّ كون قيام البيّنة عند الإمام أو الحاكم موضوعاً لحكم من حكمه بثبوت الهلال و الأمر بالإفطار لا ينافي اعتبارها بالإضافة إلى من قامت عنده.

و أمّا ثاني الجهتين فقد يستدل على عدم اعتبار البيّنة مطلقاً برواية حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلًا عدد القسامة، و إنّما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر و كان بالمصر علّة فأخبرا أنّهما رأياه و أخبرا عن قوم صاموا للرؤية و أفطروا للرؤية» (4) و في رواية أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الصوم للرؤية و الفطر للرؤية و ليس الرؤية أن يراه واحد و لا اثنان و لا خمسون (5).

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 288، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 7.

(2) وسائل الشيعة 10: 286، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 7: 432، الباب 9 من أبواب صلاة العيد، الحديث الأوّل.

(4) وسائل الشيعة 10: 290، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13.

(5) وسائل الشيعة 10: 290، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 12.

154

..........

____________

أقول: يحتمل أن يكون المراد من هذه الرواية أن يدّعي واحد رؤيته الهلال أو اثنان أو أكثر مع احتمال التواطؤ على الكذب، و إلّا فكيف لا يثبت الرؤية مع العلم بصدقهم و تحقّق الرؤية حقيقة من بعضهم أو كلّهم كما هو ظاهرها؟

و أمّا الرواية الأُولى فلضعف سندها ب‍ «حبيب الخزاعي» لا يمكن الاعتماد عليها.

و أمّا صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا و إذا رأيتموه فأفطروا و ليس بالرأي لا بالتظنّي و لكن بالرؤية، و الرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا هو و ينظر تسعة فلا يرونه، و إذا رآه واحد رآه عشرة آلاف، و إذا كانت علّة فأتمّ شعبان ثلاثين، و زاد حمّاد فيه: و ليس أن يقول رجل: هو ذا هو، لا أعلم إلّا قال: و لا خمسون (1). فقد ظهر الجواب منها ممّا تقدم من أنّ مع احتمال تواطئهم على الكذب لا يعتبر قولهم، و كذا إذا كانت دعواهم الرؤية و لكن مع الشكّ في كونه المرأي هلالًا.

نعم، في صحيحة أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخرّاز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: «إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض اللّٰه فلا تؤدّوه بالتظنّي و ليس رؤية الهلال أن يقوم عدّة فيقول واحد: قد رأيته و يقول الآخرون: لم نره إذا رآه واحد رآه مائة و إذا رآه مائة رآه ألف و لا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقلّ من شهادة خمسين، و إذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان من مصر» (2) و لكنّها أيضاً محمولة على صورة الشكّ في صحّة دعوى المدّعين للرؤية بسبب نفي الآخرين كون الهلال فوق الأُفق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 289- 290، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.

(2) وسائل الشيعة 10: 289، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 10.