تنقيح مباني العروة - كتاب الصوم

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
220 /
205

و كفّارة الإفاضة من عرفات قبل الغروب (1) عامداً و هي بدنة و بعد العجز عنها صيام ثمانية عشر يوماً، و كفّارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتّى أدمته و نتفها رأسها فيه و كفّارة شقّ الرجل ثوبه على زوجته أو ولده فإنّهما ككفّارة اليمين (2).

____________

مسكيناً، فإن لم يجد فليصم تسعة أيّام، و من كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام (1).

كفّارة الإفاضة من عرفات‌

(1) و بعد العجز عنها صام ثمانية عشر يوماً و يدلّ عليه صحيحة ضريس الكناسي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس؟ قال: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكّة أو في الطريق أوفي أهله» (2) و مقتضاه جواز هذا الصوم في السفر و لا بأس بالالتزام بذلك.

كفّارة خدش المرأة وجهها‌

(2) يظهر من عبارة المحقّق قدس سره في الشرائع الخلاف في ثبوت الكفّارة أصلًا و يستدلّ على ذلك برواية خالد بن سدير أخي حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل شقّ ثوبه على أبيه و على أُمّه أو على أخيه أو على قريب له فقال: «لا بأس بشقّ الجيوب و قد شقّ موسى بن عمران على أخيه هارون، و لا يشقّ الوالد على ولده و لا زوج على امرأته و تشقّ المرأة على زوجها، و إذا شقّ زوج على‌

____________

(1) وسائل الشيعة 13: 13، الباب 2 من أبواب كفّارات الصيد، الحديث 13.

(2) وسائل الشيعة 13: 558، الباب 23 من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة، الحديث 3.

206

و منها: ما يجب فيه الصوم مخيّراً بينه و بين غيره (1)، و هي كفّارة الإفطار في شهر رمضان، و كفّارة الاعتكاف، و كفارة النذر، و العهد، و كفّارة جزّ المرأة شعرها في المصاب فإنّ كلّ هذه مخيّرة بين الخصال الثلاث على الأقوى، و كفّارة حلق الرأس في الإحرام و هي دم شاة أو صيام ثلاثة أيّام أو التصدّق على ستّة مساكين لكلّ واحد مدّان.

____________

امرأته أو والد على ولده فكفّارته حنث يمين و لا صلاة لهما حتّى يكفّرا أو يتوبا من ذلك، فإذا خدشت المرأة وجهها أو جزّت شعرها أو نتفته ففي جزّ الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً و في الخدش إذا أدميت و في النتف كفّارة حيث يمين، و لا شي‌ء في اللطم على الخدود سوى الاستغفار و التوبة، و لقد شقّقن الجيوب و لطمن الخدود الفاطميّات على الحسين بن علي، و على مثله تلطم الخدود و تشقّ الجيوب» (1) و الرواية بحسب الدلالة على الحرمة و ثبوت الكفّارة في خدش المرأة وجهها إذا أدميت أو نتف شعرها بكفّارة حنث يمين و مثلهما شقّ الرجل ثوبه على زوجته أو ولده و في جزّ المرأة شعرها بكفّارة الإفطار في شهر رمضان تامّة، و إنّما الكلام في سندها فإنّ خالد بن سدير لم يثبت له توثيق و لم يثبت عمل المشهور بها على ما أشرنا، و على تقديره فيمكن أن يكون وجهه موافقة الاحتياط و عليه لا تثبت الحرمة فضلًا عن الكفّارة.

كفّارة الإفطار في شهر رمضان و الاعتكاف و النذر‌

(1) قد تقدّم أنّ كفّارة حنث النذر كفّارة حنث اليمين، و أمّا كفارة حنث العهد فكفّارة الإفطار في شهر رمضان، و يشهد لذلك معتبرة علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل عاهد اللّٰه في غير معصية ما عليه إن لم يفِ بعهده؟ قال: «يعتق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 22: 402، الباب 31 من أبواب الكفارات، الحديث الأوّل.

207

و منها: ما يجب فيه الصوم مرتّباً على غيره مخيّراً بينه و بين غيره، و هي كفّارة الواطئ أمته المحرّمة بإذنه فإنّها بدنة أو بقرة و مع العجز فشاة أو صيام ثلاثة أيّام (1).

____________

رقبة أو يتصدّق بصدقة أو يصوم شهرين متتابعين» (1) فإنّ «صوم شهرين» قرينة على كون المراد بالتصدّق إطعام ستّين مسكيناً، و ما رواه في الوسائل في آخر كتاب النذر عن نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) في رجل عاهد اللّٰه عند الحجر أن لا يقرب محرّماً أبداً فلمّا رجع عاد إلى المحرّم، قال أبو جعفر (عليه السلام):

«يعتق أو يصوم أو يتصدّق على ستّين مسكيناً» (2) و الأمر بالتصدّق على ستّين قرينة على كون المراد من الصوم صوم شهرين متتابعين، بل كلّ منهما قرينة أيضاً على الأُخرى في جهتين و رواية أبي بصير (3) و إن كانت ضعيفة سنداً بحفص بن عمر بن محمّد بن يزيد و لكنّها تصلح للتأييد، و نظير كفّارة العهد كفّارة الاعتكاف أي كفّارة الجماع في صوم الاعتكاف فإنّه و إن ورد في بعض الروايات أنّها كفّارة الإفطار في صوم شهر رمضان و في بعضها بأنّها كفّارة الظهار فتكون مترتّبة إلّا أنّ الطائفة الثانية محمولة على الاستحباب على التقريب المتقدّم في كفّارة إفطار شهر رمضان، و يأتي الكلام فيها في مسائل الاعتكاف.

كفّارة الواطئ أمته‌

(1) لموثقة إسحاق بن عمّار قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): رجل محلّ وقع على أمة له محرمة- إلى أن قال:- فقال: «إن كان موسراً و كان عالماً أنّه لا ينبغي له‌

____________

(1) وسائل الشيعة 22: 395، الباب 24 من أبواب الكفّارات، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 23: 327، الباب 25 من أبواب كتاب النذر و العهد، الحديث 4.

(3) رواها كمعتبرة علي بن جعفر في الباب 24 من الكفارات، و التعبير بالمعتبرة لكون المروي عنه محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن أحمد العلوي (الكوكبي).

208

[يجب التتابع في صوم شهرين من كفّارة الجمع أو كفّارة التخيير]

(مسألة 1): يجب التتابع في صوم شهرين (1) من كفّارة الجمع أو كفّارة التخيير و يكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأوّل و يوم من الشهر الثاني،

____________

و كان هو الذي أمرها بالإحرام فعليه بدنة و إن شاء بقرة و إن شاء شاة و إن لم يكن أمرها بالإحرام فلا شي‌ء عليه موسراً كان أو معسراً، و إن كان أمرها و هو معسر فعليه دم شاة أو صيام» (1) و الصيام و إن كان مطلقاً يشمل صوم يوم إلّا أنّ بقرينة جعل صيام ثلاثة بدلًا عن الشاة في بعض محظورات الإحرام تصلح للقرينة يكون المراد صوم ثلاثة أيّام.

يجب التتابع في صوم الشهرين‌

(1) لما تقدّم من تقييد صومهما بالتتابع سواء كانت في كفارة الجمع أو في كفّارة التخيير و ظاهر التتابع الجمع بين أيّام الشهرين من غير فصل، و لكن يرفع اليد عن ذلك بما دلّ على أنّ التتابع يحصل بصوم شهر كاملًا وصوم بعض الأيّام و لو يوماً واحد من الشهر الآخر سواء كان صوم ذلك اليوم بعد صوم الشهر تماماً أو قبله، و في موثّقة سماعة بن مهران قال: سألته عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أ يفرّق بين الأيّام؟ قال: «إذا صام أكثر من شهر فوصله ثمّ عرض له أمر فأفطر فلا بأس فإن كان أقلّ من شهر أو شهراً فعليه أن يعيد الصيام» (2).

و دعوى أنّ السؤال لا يشمل الكفّارة التخييريّة فإنّ فيها لا يكون عليه صوم شهرين، بل عليه الجامع بين الخصال لا يمكن المساعدة عليها فإنّه يصدق ذلك في الكفّارة التخييريّة و لو فيما لا يتمكّن من العتق و الإطعام فهي مطلقة من هذه الجهة، كما أنّها مطلقة من حيث كون الزائد من الشهر قبله أم بعده و أيضاً مطلقة من كون‌

____________

(1) وسائل الشيعة 13: 120، الباب 8 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 10: 372، الباب 3 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث 5.

209

و كذا يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين (1)، بل هو الأحوط في صيام سائر الكفّارات و إن كان في وجوبه فيها تأمّل و إشكال.

____________

الإفطار لعروض أمر لا يشرع معه الصوم كالحيض و المرض أو كان الصوم معه مشروعاً كإحساس الضعف القليل أو الميل إلى الإفطار.

و قد ورد في صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن قطع صوم كفّارة اليمين و كفّارة الظهار و كفّارة القتل، فقال: «إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين و التتابع أن يصوم شهراً و يصوم من الآخر شيئاً أو أيّاماً منه فإن عرض له شي‌ء يفطر منه أفطر ثمّ يقضي ما بقي عليه» (1) الحديث فإنّ قوله (عليه السلام): «و التتابع أن يصوم شهراً و يصوم من الآخر شيئاً» تفسير للتتابع في صيام شهرين، سواء كان وجوبه تخييريّاً أو تعيينيّاً، فإنّ الملاك في تحقّقه ذلك فعليه لا بأس بقطع الصوم بعد حصول هذا التتابع و لو كان إرادة قطعه بلا عذر.

و أمّا قوله (عليه السلام): «فإن عرض له شي‌ء يفطر منه أفطر» فلا يوجب تقييد ذلك بمثل عروض مرض أو حيض أو سفر حيث إنّه تفريع على التفسير، و الملاك هو التفسير لا التفريع الذي ظاهره بيان المثال، بل ذيل الصحيحة قرينة على أنّ المراد بالعارض كلّ ما يوجب ميل الإفطار و إن كان الصوم معه مشروعاً، و في صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل صام في ظهار فزاد في النصف يوماً قال: «قضى بقيّته» (2).

يجب التتابع في الثمانية عشر‌

(1) اعتبار التتابع في الثمانية عشر لم يقم عليه دليل، بل مقتضى العموم- في صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّ صوم يفرّق إلّا ثلاثة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 373-/ 374، الباب 3 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث 9.

(2) وسائل الشيعة 10: 372، الباب 3 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث 4.

210

[إذا نذر صوم شهر أو أقلّ أو أزيد لم يجب التتابع]

(مسألة 2): إذا نذر صوم شهر أو أقلّ أو أزيد لم يجب التتابع إلّا مع الانصراف أو اشتراط التتابع فيه.

[إذا فاته النذر المعيّن أو المشروط فيه التتابع فالأحوط في قضائه التتابع]

(مسألة 3): إذا فاته النذر المعيّن أو المشروط فيه التتابع فالأحوط في قضائه التتابع (1) أيضاً.

____________

أيّام في كفّارة اليمين» (1)- جواز التفريق في صوم الكفّارة فلو لم يقم دليل في مورد على اعتبار التتابع يؤخذ به.

و دعوى أنّ التحديد بالأيّام كعشر أيّام و ثمانية عشر يوماً و نحوهما في نفسه ظاهر في التتابع نظير عشرة الإقامة و أقلّ الحيض و أكثره إلى غير ذلك لا يمكن المساعدة عليها؛ فإنّ ذلك فيما إذا كان الشي‌ء الواحد خارجاً محدوداً بها لا في مثل الصوم الذي يكون صوم كلّ يوم له وجود غير وجود صوم اليوم الآخر. و ممّا ذكرنا يظهر الحال في صيام سائر الكفّارات. نعم، لا بد في صوم كفّارة حنث اليمين من تتابع ثلاثة أيّام كما يدلّ عليه الصحيحة و غيرها و كان على الماتن قدس سره التعرّض لذلك.

يجب التتابع في قضاء ما اشترط به التتابع‌

(1) لا يبعد عدم وجوب رعاية التتابع في قضائه فإنّ الثابت في قضاء النذر أن يصوم بدل يوم يوماً آخر كما هو المستفاد من صحيحة علي بن مهزيار: فلو صام بقدر أيّام الشهر المنذور صومه فقد صام بدل صوم يوم يوماً آخر (2). و ما ورد في أنّه: «يقضي ما فاته كما فاته» (3) وارد في الصلاة و رعاية القصر أو التمام في القضاء إذا كان الفائت القصر أو التمام.

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 382، الباب 10 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 10: 378، الباب 7 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 8: 268، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث الأوّل.

211

[من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لا يجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم أنّه لا يسلم له]

(مسألة 4): من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لا يجوز أن يشرع فيه في زمان يعلم أنّه لا يسلم له بتخلّل العيد أو تخلّل يوم يجب فيه صوم آخر من نذر أو إجارة أو شهر رمضان، فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يجوز له أن يبتدئ بشعبان (1) بل يجب أن يصوم قبله يوماً أو أزيد من رجب، و كذا لا يجوز أن يقتصر على شوّال مع يوم من ذي القعدة أو على ذي الحجّة مع يوم من المحرم لنقصان الشهرين بالعيدين.

نعم، لو لم يعلم من حين الشروع عدم السلامة فاتّفق فلا بأس على الأصحّ و إن كان الأحوط عدم الإجزاء.

و يستثنى ممّا ذكرنا من عدم الجواز مورد واحد و هو صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتّع إذا شرع فيه يوم التروية فإنّه يصحّ و إن تخلل بينها العيد فيأتي بالثالث بعد العيد بلا فصل أو بعد أيّام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى، و أمّا لو شرع فيه يوم عرفة أو صام يوم السابع و التروية و تركه في عرفه لم يصحّ و وجب الاستئناف كسائر موارد وجوب التتابع.

[كلّ صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لا لعذر اختياراً يجب استئنافه]

(مسألة 5): كلّ صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لا لعذر اختياراً يجب استئنافه، و كذا إذا شرع فيه في زمان يتخلّل فيه صوم واجب آخر من نذرٍ و نحوه.

و أمّا ما لم يشترط فيه التتابع و إن وجب فيه بنذر أو نحوه فلا يجب استئنافه و إن أثم بالإفطار كما إذا نذر التتابع في قضاء رمضان فإنّه لو خالف و أتى به متفرّقاً صحّ و إن عصى من جهة خلف النذر.

____________

(1) كما يدلّ على ذلك مثل صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: في رجل صام في ظهار شعبان ثمّ أدركه شهر رمضان، قال: «يصوم رمضان‌

212

[إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الأعذار لم يجب استئنافه]

(مسألة 6): إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الأعذار كالمرض و الحيض و النفاس و السفر الاضطراري دون الاختياري لم يجب استئنافه (1) بل يبني على ما مضى.

و من العذر ما إذا نسي النيّة حتّى فات وقتها بأن تذكّر بعد الزوال.

و منه أيضاً ما إذا نسي فنوى صوماً آخر و لم يتذكّر إلّا بعد الزوال.

و منه أيضاً ما إذا نذر قبل تعلّق الكفّارة صوم كلّ خميس فإن تخلّله في أثناء التتابع لا يضرّ به (2) و لا يجب عليه الانتقال إلى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذّر.

____________

و يستأنف الصوم فإن هو صام في الظهار فزاد في النصف يوماً قضى بقيّته» و قد تقدّم الوجه في عدم الفرق بين وجوب صوم شهرين متتابعين تعييناً و تخييراً.

لا يضرّ بالتتابع الإفطار عن عذر‌

(1) فإنّ مع العذر كالمرض و الحيض يكون قطع التتابع بحبس اللّٰه سبحانه الصوم على المكلّف و غلبة اللّٰه سبحانه في حكمه بقطع الصيام كما ورد ذلك في صحيحة رفاعة و سليمان بن خالد: و أمّا السفر فإن كان للاضطرار إليه فيدخل في حبس اللّٰه و غلبته (1)، و أمّا السفر الاختياري فنفس السفر يحسب من قطع التتابع قبل أن يصوم أكثر من شهر فعليه الاستئناف.

(2) قد تقدّم في بحث نيّة الصوم أنّ الصوم الندبي لا يمنع عن انطباق عنواني الكفّارة و المنذور عليه حيث يتعلّق الوجوب بما هو مستحبّ في نفسه من ناحيتي الكفّارة و النذر فلا يكون في الفرض قطع التتابع أصلًا.

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 374، الباب 3 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث 10 و 12.

213

نعم، لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلّق الكفارة اتّجه الانتقال إلى سائر الخصال.

[كلّ من وجب عليه شهران متتابعان إذا صام شهراً و يوماً متتابعاً يجوز له التفريق في البقيّة]

(مسالة 7): كلّ من وجب عليه شهران متتابعان من كفّارة معيّنة أو مخيّرة إذا صام شهراً و يوماً متتابعاً يجوز له التفريق في البقيّة و لو اختياراً لا لعذر، و كذا لو كان من نذر أو عهد لم يشترط فيه تتابع الأيّام جميعها و لم يكن المنساق منه ذلك.

و ألحق المشهور بالشهرين الشهر المنذور فيه التتابع فقالوا: إذا تابع في خمسة عشر يوماً منه يجوز له التفريق في البقيّة اختياراً و هو مشكل (1) فلا يترك الاحتياط فيه بالاستئناف مع تخلّل الإفطار عمداً، و إن بقي منه يوم كما لا إشكال في عدم جواز التفريق اختياراً مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم المتتابع.

[إذا بطل التتابع في الأثناء لا يكشف عن بطلان الأيّام السابقة فهي صحيحة]

(مسألة 8): إذا بطل التتابع في الأثناء لا يكشف عن بطلان الأيّام السابقة فهي صحيحة و إن لم تكن امتثالًا للأمر الوجوبي و لا الندبي؛ لكونها محبوبة في حدّ نفسها من حيث إنّها صوم، و كذلك الحال في الصلاة إذا بطلت في الأثناء فإنّ الأذكار و القراءة صحيحة في حدّ نفسها من حيث محبوبيّتها لذاتها.

يجوز التفريق بعد صيام ما وجب متتابعاً

____________

(1) الأظهر عدم الإشكال فيه لدلالة معتبرة موسى بن بكر، و معتبرة فضيل بن يسار عليه، و المناقشة في السند بموسى بن بكر غير صحيح؛ فإنّه من المعاريف الذين لم يرد فيهم قدح؛ فإنّه قد رويا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و على رواية الشيخ عن أبي جعفر و عنه (عليه السلام) في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوماً ثمّ عرض له أمر فقال: «إن كان صام خمسة عشر يوماً فله أن يقضي ما بقي و إن كان أقلّ من خمسة عشر لم يجزه حتّى يصوم شهراً تامّاً» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 376، الباب 5 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث الأوّل. و التهذيب 4: 285.

214

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

215

فصل

أقسام الصوم أربعة: واجب، و ندب، و مكروه كراهة عبادة، و محظور.

[الصوم الواجب]

و الواجب أقسام: صوم شهر رمضان، وصوم الكفّارة، وصوم القضاء، وصوم بدل الهدي في حجّ التمتّع، وصوم النذر و العهد و اليمين، و الملتزم بشرط أو إجارة، وصوم اليوم الثالث من أيّام الاعتكاف.

أمّا الواجب فقد مرّ جملة منه.

[الصوم المندوب]

و أمّا المندوب منه فأقسام:

منها: ما لا يختصّ بسبب مخصوص و لا زمان معيّن كصوم أيام السنة عدا ما استثني من العيدين و أيّام التشريق لمن كان بمنى، فقد وردت الأخبار الكثيرة في فضله من حيث هو و محبوبيّته و فوائده، و يكفي فيه ما ورد في الحديث القدسي:

الصوم لي و أنا أُجازي به، و ما ورد من أنّ الصوم جنّة من النار، و أنّ نوم الصائم عبادة، و صمته تسبيح، و عمله متقبّل، و دعاؤه مستجاب. و نعم ما قال بعض العلماء من أنّه: لو لم يكن في الصوم إلّا الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيميّة إلى ذروة التشبه بالملائكة الروحانيّة لكفى به فضلًا و منقبةً و شرفاً (1).

و منها: ما يختصّ بسبب مخصوص و هي كثيرة مذكورة في كتب الأدعية.

و منها: ما يختصّ بوقت معيّن و هو في مواضع:

____________

(1) و هو صاحب مدارك الأحكام 6: 7.

216

منها- و هو آكدها-: صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر، فقد ورد أنّه يعادل صوم الدهر و يذهب بوحر الصدر.

و أفضل كيفياته: ما عن المشهور و يدلّ عليه جملة من الأخبار، و هو أن يصوم أوّل خميس من الشهر و آخر خميس منه، و أوّل أربعاء في العشر الثاني.

و من تركه يستحبّ له قضاؤه، و مع العجز عن صومه لكبره و نحوه يستحبّ أن يتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام أو بدرهم.

و منها: صوم أيّام البيض من كلّ شهر و هي الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر على الأصحّ المشهور، و عن العماني أنّها الثلاثة المتقدّمة.

و منها: صوم يوم مولد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو السابع عشر من ربيع الأوّل على الأصحّ، و عن الكليني أنّه الثاني عشر منه.

و منها: صوم يوم الغدير و هو الثامن عشر من ذي الحجّة و منها: صوم يوم مبعث النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو السابع و العشرون من شهر رجب.

و منها: يوم دحو الأرض من تحت الكعبة و هو اليوم الخامس و العشرون من ذي القعدة.

و منها: يوم عرفة لمن لا يضعفه الصوم عن الدعاء.

و منها: يوم المباهلة و هو الرابع و العشرون من ذي الحجّة.

و منها: كلّ خميس و جمعة معاً أو الجمعة فقط.

و منها: أوّل ذي الحجة بل كلّ يوم من التسع فيه.

و منها: يوم النيروز.

و منها: صوم رجب و شعبان كلّاً أو بعضاً و لو يوماً من كلّ منهما.

217

و منها: أوّل يوم من المحرّم و ثالثه و سابعه.

و منها التاسع و العشرون من ذي القعدة.

و منها: صوم ستّة أيّام بعد عيد الفطر بثلاثة أيّام أحدها العيد.

و منها: يوم النصف من جمادى الأُولى.

[لا يجب إتمام صوم التطوّع بالشروع فيه]

(مسألة 1): لا يجب إتمام صوم التطوّع بالشروع فيه، بل يجوز له الإفطار إلى الغروب، و إن كان يكره بعد الزوال.

[يستحبّ للصائم تطوّعاً قطع الصوم إذا دعاه أخوه المؤمن إلى الطعام]

(مسالة 2): يستحبّ للصائم تطوّعاً قطع الصوم إذا دعاه أخوه المؤمن إلى الطعام بل قيل بكراهته حينئذ.

[الصوم المكروه]

و أمّا المكروه منه- بمعنى قلّة الثواب-: ففي مواضع أيضاً:

منها: صوم عاشوراء.

و منها: صوم عرفة لمن خاف أن يضعفه عن الدعاء الذي هو أفضل من الصوم، و كذا مع الشكّ في هلال ذي الحجّة خوفاً من أن يكون يوم العيد.

و منها: صوم الضيف (1) بدون إذن مضيّفه و الأحوط تركه مع نهيه، بل الأحوط تركه مع عدم إذنه أيضاً.

و منها: صوم الولد بدون إذن والده، بل الأحوط تركه خصوصاً مع النهي، بل يحرم إذا كان إيذاءً له من حيث شفقته عليه، و الظاهر جريان الحكم في ولد الولد بالنسبة إلى الجد، و الأولى مراعاة إذن الوالدة و مع كونه إيذاءً لها يحرم كما في الوالد.

____________

فصل في أقسام الصوم‌

(1) هذا في الصوم تطوّعاً كما قيّد بذلك في رواية الزهري، و كذا في رواية هشام بن الحكم المرويّتين في باب (10) من الصوم المحرم و المكروه (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 529 و 530، الحديث 1 و 2.

218

[الصوم المحظور]

و أمّا المحظور منه ففي مواضع (1) أيضاً:

أحدها: صوم العيدين للفطر و الأضحى و إن كان عن كفّارة القتل في أشهر الحرم، و القول بجوازه للقاتل شاذّ و الرواية الدالّة عليه ضعيفة سنداً و دلالةً (2).

الثاني: صوم أيّام التشريق و هي الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر من ذي الحجّة لمن كان بمنى، و لا فرق على الأقوى بين الناسك و غيره.

الثالث: صوم يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان بنيّة أنّه من رمضان و أمّا بنيّة أنّه من شعبان فلا مانع منه كما مرّ.

الرابع: صوم وفاء نذر المعصية بأن ينذر الصوم إذا تمكّن من الحرام الفلاني أو إذا ترك الواجب الفلاني يقصد بذلك الشكر على تيسّره، و أمّا إذا كان بقصد الزجر عنه فلا بأس به.

نعم، يلحق بالأوّل في الحرمة ما إذا نذر الصوم زجراً عن طاعةٍ صدرت منه أو عن معصيةٍ تركها.

____________

(1) الظاهر عدم حرمة نفس الصوم أي الإمساك عن المفطرات في الموارد المزبورة ذاتاً، بل حرمتها تشريعيّة كما هو ظاهر النهي عن العبادة، و عليه فلا مانع من الصوم رجاءً فيما إذا ثبت يوم العيد بحجّة شرعيّة و احتمل مخالفتها للواقع حيث إنّ قيام الحجّة لا يمنع عن الاحتياط.

(2) ليس في صحيحة زرارة التي يروي عنه أبان بن تغلب (1) ضعف سنداً و لا دلالة، فإنّ المراد من القتل في الحرم أشهر الحرم بقرينة الأمر بصوم شهرين متتابعين فيها و ما فيها «قلت: العيدان» يعني يدخل في الأشهر الحرم من العيدان‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 380، الباب 8 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث 2.

219

الخامس: صوم الصمت، بأن ينوي في صومه السكوت عن الكلام في تمام النهار أو بعضه بجعله في نيّته من قيود صومه، و أمّا إذا لم يجعله قيداً و إن صمت فلا بأس به، بل و إن كان في حال النيّة بانياً على ذلك إذا لم يجعل الكلام جزءاً من المفطرات و تركه قيداً في صومه.

السادس: صوم الوصال و هو صوم يوم و ليلة إلى السحر أو صوم يومين بلا إفطار في البين، و أمّا لو أخّر الإفطار إلى السحر أو إلى الليلة الثانية مع عدم قصد جعل تركه جزءاً من الصوم فلا بأس به و إن كان الأحوط عدم التأخير إلى السحر مطلقاً.

لسابع: صوم الزوجة مع المزاحمة لِحقّ الزوج، و الأحوط تركه (1) بلا إذن منه، بل لا يترك الاحتياط مع نهيه عنه و إن لم يكن مزاحماً لحقّه.

الثامن: صوم المملوك مع المزاحمة لحقّ المولى، و الأحوط تركه من دون إذنه، بل لا يترك الاحتياط مع نهيه.

التاسع: صوم الولد مع كونه موجباً لتألم الوالدين و أذيّتهما.

العاشر: صوم المريض و من كان يضرّه الصوم.

____________

خصوصاً بملاحظة روايته الأُخرى التي يروي عنه علي بن رئاب (1).

(1) الكراهة أو الاحتياط في الترك في صومها بلا إذن منه في صومها تطوّعاً و في صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): «ليس للمرأة أن تصوم تطوّعاً إلّا بإذن زوجها» (2) و الحمل على الكراهة؛ لما ورد في صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه قال: سألته عن المرأة تصوم تطوّعاً بغير إذن زوجها؟ «قال لا بأس» (3) المرويتان في باب (8) من أبواب الصوم المحرم و المكروه.

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 380، الباب 8 من أبواب بقيّة الصوم الواجب، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 10: 527، الباب 8 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 10: 528، الباب 8 من أبواب الصوم المحرّم و المكروه، الحديث 5.

220

الحادي عشر: صوم المسافر إلّا في الصور المستثناة على ما مرّ.

الثاني عشر: صوم الدهر حتّى العيدين على ما في الخبر، و إن كان يمكن أن يكون من حيث اشتماله عليهما لا لكونه صوم الدهر من حيث هو.

[يستحبّ الإمساك تأدّباً في شهر رمضان و إن لم يكن صوماً في مواضع]

(مسألة 3): يستحبّ الإمساك تأدّباً في شهر رمضان و إن لم يكن صوماً في مواضع:

أحدها: المسافر إذا ورد أهله أو محلّ الإقامة بعد الزوال مطلقاً أو قبله و قد أفطر، و أمّا إذا ورد قبله و لم يفطر فقد مرّ أنّه يجب عليه الصوم.

الثاني: المريض إذا برئ في أثناء النهار و قد أفطر، و كذا لو لم يفطر إذا كان بعد الزوال، بل قبله أيضاً على ما مرّ من عدم صحّة صومه، و إن كان الأحوط تجديد النيّة و الإتمام ثمّ القضاء.

الثالث: الحائض و النفساء إذا طهرتا في أثناء النهار.

الرابع: الكافر إذا أسلم في أثناء النهار أتى بالمفطر أم لا.

الخامس: الصبي إذا بلغ في أثناء النهار.

السادس: المجنون و المغمى عليه إذا أفاقا في أثنائه.

تمّ كتاب الصوم

____________

قد وقع الفراغ من التعليق على كتاب الصوم في السادس من شهر ربيع الثاني من السنة السابعة و الثمانين بعد الألف و الثلاثمائة، و أعدت النظر فيه ثانياً في ربيع الأوّل من السنة السادسة عشر بعد الألف و الأربعمائة.