تنقيح مباني الأحكام - كتاب القصاص

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
338 /
53

نعم، لو علم الولي و باشر القصاص كان القصاص عليه دون الشهود، لقصده إلى القتل للعدوان من غير غرور.

____________

أربعة شهدوا على رجل بالزنا فرجم ثمّ رجع أحدهم فقال شككت في شهادتي قال: عليه الدّية قال: قلت: فإنّه قال شهدت عليه متعمّدا، قال:

يقتل» (1).

و المراد أنّ عليه ربع الدّية أو القتل بعد إرجاع ثلاثة أرباع الدية إلى أوليائه، بقرينة غيرها كمعتبرة السكوني الآتية.

و منها صحيحة إبراهيم بن نعيم الأزدي، قال: «سألت أبا عبد اللّه عن أربعة شهدوا على رجل بالزنا فلما قتل رجع أحدهم عن شهادته قال:

فقال: يقتل الرابع [الراجع] و يؤدّي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدّية» (2).

و المراد من رجوعه، الاعتراف بتعمّده بقرينة غيرها.

و في معتبرة السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) ... «و قال في أربعة شهدوا على رجل أنهم رأوه مع امرأة يجامعها و هم ينظرون، فرجم ثمّ رجع واحد منهم، قال: يغرم ربع الدّية إذا قال شبّه عليّ، و إذا رجع اثنان و قالا شبّه علينا غرّما نصف الدّية، و إن رجعوا كلّهم و قالوا: شبّه علينا غرّموا الدّية، فإن قالوا: شهدنا بالزور قتلوا جميعا» (3).

و على ذلك فهذه الروايات و نحوها تنفي ضمان الدية عن الحاكم و الحدّاد و تثبت ضمانها أو القود على الشهود، و هذا يجري في الشهادة بموجب القصاص أيضا.

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 12 من أبواب الشهادات، الحديث 3: 24.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 12 من أبواب الشهادات، الحديث 2: 240.

(3) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب الشهادات، الحديث 2: 243.

54

[الرابعة: لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح]

الرابعة: لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح (1)، و هو أن لا تبقى حياته مستقرّة و ذبحه آخر، فعلى الأول القود و على الثاني دية الميت، و لو كانت حياته مستقرّة فالأول جارح و الثاني قاتل سواء كانت جنايته مما يقضى معها بالموت غالبا كشقّ الجوف و آلامه أو لا يقضي به كقطع الانملة.

____________

نعم، لو استوفى الولي القصاص بعد ثبوت موجبه عند الحاكم، و كان عالما بتزوير الشهود و بطلان شهادتهم، يكون القصاص على الولي؛ لأنّه قاتله عدوانا من غير غرور.

و أمّا إذا لم يباشر الولي القصاص و طلب من الحدّاد الاستيفاء فهل يكون الحال كما إذا باشره في تعلّق القصاص على الولي أو يكون الولي في الفرض أحد الشركاء في القتل لا يبعد الأول لاستناد القتل إلى طلبه مع علمه بالحال.

(1) ذكروا أنّه لو جنى على شخص فجعله في حكم الإنسان المذبوح بأن لا تبقى له معها حياة مستقرة و المراد بعدم بقاء الحياة المستقرة، عدم بقاء إدراك و شعور و لا نطق و لا حركة اختيارية له ثمّ ذبحه آخر، كان القود على الجاني الأول، و على الثاني دية الجناية على الميت، حيث أنّه يصدق في الفرض على الأول أنّه قاتله و الجناية الثانية الواردة عليه لا تقصر عن الجناية على الميت قطعا فيكون على الثاني دية الجناية على الميت.

و أمّا لو كانت حياته مستقرة يتعلق القصاص بالجاني الثاني حيث يستند قتله إليه حتّى لو فرض أنّ الجناية الأولى كانت مفضية إلى موته أيضا لو لا الجناية الثانية فإنّ الجناية الثانية تمنع عن سراية الأولى و إفضائها إلى الموت.

و ربما يتبادر إلى الذهن أنّ ما ذكروا في المقام من أنّ مع عدم بقاء الحياة‌

55

..........

____________

المستقرة في المجني عليه بالمعنى المزبور يحسب الجناية الثانية، جناية على الميت حتّى ما إذا كانت الجناية الثانية موجبة لتعجّل زهوق روحه، ينافي ما ذكروا في باب التذكية من أنّه إذا تردّى حيوان من جبل أو أصابه بما لا يحلّ الصيد به و أدركه و هو حيّ عينه تطرف و ذنبه تتحرّك فذكّاه، يكون حلالا فإنّه يعمّ ما إذا كانت طرفة عينه و تحرّك ذنبه غير اختياريّ و بدء لزهوق روحه و لو كانت الجناية الثانية في الإنسان المزبور جناية على الميت يكون فري الأوداج في الحيوان في المثال من قطع أوداج الحيوان الميت.

و لكن الجواب أنّ ما ذكروا في تذكية الحيوان مقتضى الروايات الواردة في أنّه مع قطع أوداج الحيوان بالذبح قبل أن يزهق روحه ذكاة فيحلّ بها أكله.

و ذكر في القواعد أنّه لو قتل مريضا مشرفا وجب القود، و ظاهر صاحب الجواهر (قدس سره) حمله على صورة الحياة المستقرّة للمشرف بالمعنى المتقدّم و قرّره لصدق القتل عرفا و لكن نقل عن كشف اللّثام ثبوت القود حتى فيما إذا لم يكن للمشرف المزبور الحياة المستقرة بالمعنى المتقدم و أنّه يتعلّق القود بالجاني في كلتا الصورتين لصدق القتل و فرق بين الجاني على المشرف و ما تقدّم من الجنايتين مع فرض عدم حياة مستقرة للمجني عليه بالجناية الأولى بأنّ الموجب للقصاص من الجنايتين ما إذا استند تلف النفس إليها و هذا لا يجري في المريض و ليس موجب تعلق القصاص في الجناية على المريض المشرف أنّ المريض ربّما تنتهي حالته إلى مثل تلك الحالة ثمّ يبرأ لأنّ هذا مشترك بين المريض و المجني عليه.

و لكن ناقش في هذا الكلام بأنّه مع فرض المريض من عدم بقاء الحياة‌

56

[الخامسة: لو قطع واحد يده و آخر رجله فاندملت إحداهما ثم هلك]

الخامسة: لو قطع واحد يده و آخر رجله فاندملت إحداهما ثم هلك (1)، فمن اندمل جرحه فهو جارح و الآخر قاتل يقتل بعد ردّه دية الجرح المندمل.

____________

المستقرة له لا وجه للقود فيه و فرض البرء مع الحالة المزبورة لا يتحقق لا في المجني عليه و لا في المريض المفروض (1).

أقول: الظاهر هو الفرق في استناد القتل بين الفرضين كما يظهر بالتأمل، و أن لا يطرأ البرء فيهما إلّا بنحو خرق العادة.

(1) المراد استناد موته إلى الجرح غير المندمل و أنه أهلكه بالسراية فيكون على الجارح المزبور القصاص فيما إذا كان قصده من الجناية قتله حيث أنّ قطع اليد أو الرجل لا يكون مما يقتل به عادة، و قد تقدّم أنّ الموجب للقصاص في الهلاك مع السراية أحد الأمرين، إمّا قصد القتل أو كون الجرح مما يقتل مثله، و أمّا الجارح الآخر المندمل الجرح الوارد بجنايته، فإن كان بقصد القتل أم لا فعليه القصاص في الطرف أو الدية مع التراضي، و ظاهر الماتن و غيره أنّه يقتصّ قصاص النفس من الجاني الذي هلك المجني عليه بسراية جرحه بعد ردّ نصف الدّية عليه أيّ دية العضو الذي اندمل جراحته و قيّده بعضهم الردّ بما أخذ من الجاني الدّية.

أقول: مقتضى القاعدة أنّ الجاني الذي سرت جنايته يتعلّق عليه القصاص يعني قصاص النفس من غير أن يرد عليه نصف الدية فإنّ ردّ الدّية على الجاني الذي ترتّب على جنايته هلاك المجني عليه يكون فيما إذا جرح اثنان شخصا فمات بسراية جراحتهما أو جنايتهما فإنّه يردّ أولياء المقتول نصف الدّية على كلّ منهما إن أرادوا القصاص من كلّ منهما و إن أخذوا من‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 42، ص 58- 59.

57

..........

____________

أحدهما الدّية أو عفوا عنه و لم يأخذوا منه القصاص و لا الدّية و أرادوا قتل الآخر فعليهم ردّ نصف الدّية عليه و أما إذا جنى واحد شخصا فلم تسر جنايته و أخذ من الجاني الدّية أو اقتصّ منه ثم جنى عليه شخص آخر بجناية قاتلة أو بقصد قتله فسرت فمات يجوز لأوليائه القصاص من الجاني الثاني من غير ردّ الدّية عليه؛ لأنّ قتل النفس مستند إليه أو إلى جنايته، فيتعلّق عليه قصاص النفس و المقام من هذا القبيل لفرض اندمال أحد الجرحين و موت المجني عليه بسراية الجناية الأخرى من شخص آخر.

و لكن في رواية سورة بن كليب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل قتل رجلا عمدا، و كان المقتول أقطع اليد اليمنى، فقال: إن قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها فإن أراد أوليائه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها إن كان أخذ دية يده و يقتلوه و إن شاءوا طرحوا عنه دية يد و أخذوا الباقي.

قال: و إن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه و لا أخذ لها دية قتلوا قاتله و لا يغرم شيئا و إن شاءوا أخذوا دية كاملة قال: و هكذا وجدناه في كتاب علي (عليه السلام)» (1)، و لكن الرواية- مع كونها مفصّلة في ردّ نصف الدية- لضعفها لا يمكن رفع اليد بها عن القاعدة التي أشرنا إليها مع عدم إمكان الالتزام بمدلولها فإنّ لازمه أن لا يكون على القاتل شي‌ء فيما إذا كانت الجناية القاتلة خطأ أو كان المجني عليه مقطوع اليد من قبل إلّا أن يلتزم بالتفرقة بين القصاص و الدية.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 50 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 82.

58

[فرع:]

فرع: لو جرحه اثنان كلّ واحد منهما جرحا فمات (1) فادّعى أحدهما اندمال جرحه و صدّقه الولي لم ينفذ تصديقه على الآخر؛ لأنّه قد يحاول أخذ دية الجرح من الجارح و الدّية من الآخر، فهو متّهم في تصديقه؛ و لأنّ المنكر مدّع للأصل فيكون القول بيمينه.

____________

(1) إذا جرح كلّ من الاثنين شخصا بقصد قتله فمات و ادّعى أحدهما أنّ جرحه كان مندملا و صدّقه وليّ المقتول فإنّ تصديق الولي نافذ على نفسه، حيث إنّه إقرار منه بعدم الحقّ له في قتل مدّعي الاندمال و لو بردّ نصف الدّية عليه بل له القصاص من الجرح أو أخذ دية المندمل، و لكن تصديق الولي غير نافذ بالإضافة إلى الجارح المنكر لاندمال جرح شريكه فلا يحقّ للولي قتل منكر الاندمال قصاصا من دون ردّ نصف الدّية عليه، كما لا يجوز له مطالبته بتمام دية النفس، و ما في عبارة الماتن من عدم نفوذ تصديق الولي لمدّعي الاندمال بالإضافة إلى منكره لكونه قد يحاول بتصديقه أن يأخذ دية الجرح من الجارح و دية النفس من الآخر فهو لا يساعد ما تقدّم منه في المسألة الخامسة من أنّه لو أريد القصاص من الجاني الذي سرت جنايته ردّت عليه الدّية المأخوذة من الجاني الذي اندمل جرحه اللّهمّ ان يوجّه بأنّ الردّ مختصّ بصورة قتله قصاصا و أمّا إذا أخذت دية النفس منه لا يرد عليه الدّية المأخوذ للجرح المندمل و لكن في التوجيه ما لا يخفى.

و أمّا ما ذكره ثانيا من أنّ المنكر لاندمال جرح شريكه يدعى ما يوافق الأصل فيكون منكرا فيقدّم قوله مع حلفه للولي على عدم الاندمال فهو أمر صحيح.

و نتيجة ذلك أنّه لا يجوز للولي الاقتصاص منه إلّا بعد ردّ نصف الدّية عليه أو أخذ نصف الدّية منه.

59

[السادسة: لو قطع يده من الكوع و آخر ذراعه فهلك قتلا به]

السادسة: لو قطع يده من الكوع و آخر ذراعه فهلك قتلا به (1)؛ لأنّ سراية الأوّلي لم تنقطع بالثاني؛ لشياع ألمه قبل الثانية، و ليس كذلك لو قطع واحد يده و قتله الآخر؛ لأنّ السراية انقطعت بالتعجيل و في الأوّل إشكال.

____________

(1) لو جنى أحد على شخص جناية، ثمّ جنى آخر جناية في موضع الجناية الأولى، فمات المجني عليه، كما إذا قطع واحد يد شخص من الكوع أي من الزند مما يلي طرف الإبهام- ثم قطع شخص آخر ذراعه من اليد المقطوعة فمات المجني عليه، يقع الكلام في أنّ الجناية الأولى تنقطع سرايتها بالجناية الثانية و يتعلّق قصاص النفس بالجاني الثاني و أنّ الأوّل جارح نظير ما إذا قطع واحد يد إنسان و قتله آخر فإنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ الثاني قاتل و الأوّل جارح، كما تقدّم، أو أنّ الجناية الثانية- أي قطع الذراع- لا تقطع سراية الأولى فهما مشتركان في القتل يجوز الاقتصاص بالنفس من كليهما، ذكر الماتن (قدس سره) كغيره أنّ الجناية الثانية لا تقطع سراية الأولى، فإنّ قطع اليد من الكوع أوّلا قد أحدث في بدن المجني عليه ألما لا ينقضي بحدوث الجناية الثانية و لا يقاس بما ذكر من قطع واحد يده أوّلا ثم قتله آخر حيث أنّ القتل يقطع سراية الجناية الأولى، ثم استشكل في عدم انقطاع سراية قطع اليد من الكوع أوّلا بقطع الذراع ثانيا.

أقول: المعيار في كون الاثنين مشتركين في القتل استناد موت المجني عليه إلى جنايتهما عرفا، فإن استند إليهما يتعلّق القود بكلّ منهما و إلّا يكون القاتل هو الذي استند الموت بجنايته كما إذا كان الجناية الثانية جناية قاتلة و لو بلحاظ وقوع الجناية الأولى قبلها، و يكون الأول جارحا، كما تقدّم.

60

و لو كان الجاني واحدا دخلت دية الطرف في دية النفس إجماعا منّا (1) و هل يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس؟ اضطربت فتوى الأصحاب فيه، ففي النهاية: يقتصّ منه إن فرّق ذلك و إن ضربه ضربة لم يكن عليه أكثر من

____________

(1) ثم يقع الكلام فيما إذا قطع واحد يد إنسان من الكوع أوّلا، ثمّ قطعها من الذراع ثانيا، فمات، فإن كان القطع مما يوجب الدّية أصالة فتدخل دية الطرف في دية النفس على ما ذكر الماتن و غيره من أنّ دية الطرف تدخل في دية النفس بالإجماع و ظاهره كما صرّح به غير واحد بعدم الفرق بين أن تكون الجنايتان بضربة واحدة أو بضربتين، و قيل بالفرق و أنّ دخول دية الطرف في دية النفس فيما إذا كانت الجنايتان بضربة واحدة و يؤخذ من الجاني دية الطرف و دية النفس فيما إذا استند الموت إلى الجناية الثانية مع كونهما بضربتين. نعم لو استند الموت إلى سراية الجنايتين لا يكون إلّا دية النفس، و على ذلك يقع الكلام في مقامات:

الأوّل: في دخول دية الطرف في دية النفس فيما إذا كانت الجنايتان بضربة واحدة.

و الثاني: دخول دية الطرف في دية النفس و عدم دخولها فيها فيما إذا كانت الجنايتان بضربتين.

و الثالث: في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس فيما إذا كانت الجنايتان بضربة واحدة.

و الرابع: دخول قصاص الطرف في قصاص النفس أو عدم دخوله فيه فيما إذا كانت الجنايتان بضربتين.

أمّا المقام الأوّل، فالظاهر عدم خلاف في دخول دية الطرف في دية‌

61

القتل، و هي رواية محمد بن قيس عن أحدهما. و في المبسوط و الخلاف: يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، و هي رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام).

و في موضع آخر من الكتابين: لو قطع يد رجل ثم قتله قطع ثم قتل، و الأقرب ما تضمّنته النهاية لثبوت القصاص بالجناية الأولى، و لا كذلك لو كانت الضربة واحدة.

____________

النفس، و يمكن الاستدلال عليه بصحيحة أبي عبيدة الحذّاء، قال: «سألت أبا جعفر عن رجل ضرب رجلا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتّى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله، قال: إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة و لا يعقل ما قال و لا ما قيل له فإنّه ينتظر به سنة فإن مات فيما بينه و بين السنة أقيد به ضاربه و إن لم يمت فيما بينه و بين السنة و لم يرجع إليه عقله أغرم ضاربه الدّية في ماله لذهاب عقله قلت: فما ترى عليه في الشجّة شيئا؟ قال: لا، لأنّه ضرب ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمته أغلظ الجنايتين و هي الدّية، و لو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائنا ما كان إلّا أن يكون فيهما الموت بواحدة و تطرح الأخرى فيقاد به ضاربه» الحديث (1)، فإنّ مفادها دخول دية شجّة الرأس في دية ذهاب العقل الذي لا يحتمل الفرق بينه و بين النفس، و تعليل هذا التداخل بوقوع الجنايتين بضربة واحدة مقتضاها عدم التداخل مع عدم وقوع الجنايتين بضربة واحدة بأن حصل كل منهما بضربة مستقلة، اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ هذا التعليل راجع إلى غير الجناية على النفس فلا يجري في الجناية على الطرف و النفس، و لكن الدعوى ضعيفة فإنّ ظاهرها أنّ مع تعدّد الضربات يلزم على الجاني كلّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 7 من أبواب ديات المنافع، الحديث 1: 281.

62

..........

____________

جناية حاصلة منها ما لم تنتهي الجناية الحاصلة من بعضها إلى قصاص النفس؛ و لذا يكون مقتضى الصحيحة عدم تداخل دية الطرف في دية النفس مع تعدّد الضربات.

نعم، يبقى في المقام دعوى إجماع الماتن و غيره بالتداخل، فإن تمّ فيرفع اليد به عن ظاهر الصحيحة و إلّا فمقتضى الأصل عدم التداخل، ثم انّ عدم التداخل فيما إذا لم يستند الموت إلى مجموع الجنايات و إلّا فلا ينبغي التأمّل في أنّ الثابت دية النفس خاصة و يبعد الالتزام بأنّه لو جنى شخص على الآخر خطأ بأن قطع يده ثم بعد مضى زمان طويل قتله خطأ فيلتزم بديّة النفس خاصّة و من هنا فصّل بعضهم بين الجنايتين بضربتين مع وقوع فصل بين الضربتين بقليل أو كثير، و استشكل في التداخل في القسم الأخير، و هذا كلّه فيما إذا كانت دية الجناية ثابتة بالأصل، و أمّا مع وقوع الصلح على الدّية مع اطلاق الدّية فيبتني التداخل على دخول قصاص الطرف في قصاص النفس و عدمه.

و لا ينبغي التأمّل في دخول الجناية على الطرف في الجناية على النفس إذا كانت الجنايتان بضربة واحدة، فيتعلّق على الجاني القود خاصّة، و في صحيحة محمد بن قيس عن أحدهما (عليه السلام) «في رجل فقأ عيني رجل و قطع اذنيه ثم قتله فقال: إن كان فرّق ذلك اقتصّ منه ثمّ يقتل و إن كان ضربه ضربة واحدة ضربت عنقه و لم يقتصّ منه» (1).

و في صحيحة حفص بن البختري قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 51 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 82.

63

و كذا لو كان بسرايته كمن قطع يد غيره فسرت إلى نفسه فالقصاص في النفس (1) لا في الطرف.

____________

رجل ضرب على رأسه فذهب سمعه و بصره و اعتقل لسانه ثمّ مات فقال:

إن كان ضربه ضربة بعد ضربة اقتصّ منه ثمّ قتل و إن كان أصابه هذا من ضربة واحدة قتل و لم يقتصّ منه» (1) و ظاهر هاتين أنّ مع تعدّد الضربات لا تداخل في البين، و لكن ظاهر صحيحة أبي عبيدة المتقدّمة هو التداخل حيث ورد فيها أنّ مع تعدّد الضربات لا تتداخل الجناية الحاصلة من ضربة في الجناية الحاصلة من ضربة أخرى ما لم يكن في البين قتل حيث مع وقوع القتل يقتصّ من الجاني و تترك الجنايات الأخرى.

و ربما يقال تحمل صحيحة أبي عبيدة الظاهرة في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس مع تعدّد الضربات على صورة الموت بالسراية من الجنايات فإن أمكن هذا الجمع فهو و إلّا لا يؤخذ بصحيحة محمد بن قيس و حفص لموافقتها الكتاب العزيز الدالّ بإطلاقه على ثبوت القصاص في الطرف و النفس.

و ربما يقال بأنّ مقتضى ما ورد في النهي عن التمثيل بالقاتل و إن مثّل هو بغيره و قتله دخول قصاص الطرف في قصاص النفس و لكن لا يخفى أنّ التمثيل به غير القصاص في الطرف و النفس.

(1) و ذلك فإنّ القتل لا ينفكّ عادة عن الجرح و الجناية على الطرف فمع موت المجني عليه بسرايته تكون الجناية قتلا و يثبت مقتضاه من دية النفس أو القود.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 51 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 83.

64

[مسائل من الاشتراك:]

[الأولى: إذا اشترك جماعة في قتل واحد قتلوا به]

مسائل من الاشتراك:

الأولى: إذا اشترك جماعة في قتل واحد قتلوا به و الوليّ بالخيار بين قتل الجميع بعد أن يردّ عليهم ما فضل عن دية المقتول فيأخذ كلّ واحد منهم ما فضل من ديته عن جنايته و بين قتل البعض و يردّ الباقون دية جنايتهم فإن فضل للمقتولين فضل قام به المولى (1).

____________

(1) فيما اشترك اثنان أو الأزيد في قتل أحد ظلما يكون الخيار لولي المقتول في القصاص عن كل واحد منهم أو يأخذ الدية منهم أو يقتصّ من بعضهم و يردّ الباقون الدية، فلو اشترك ثلاثة في قتل رجل فلوليّ المقتول أن يقتل كلّ واحد منهم و يردّ عليهم الفاضل من دية جنايتهم بأن يردّ ثلثي الدية على أولياء كل واحد منهم فيكون عليه ديتا النفس.

و إن اقتصّ عن واحد يردّ كلّ واحد من المتروكين ثلث الدية على أولياء المقتول قصاصا و لا يكون على ولي القصاص شي‌ء، و إن قتل منهم اثنين قصاصا يردّ المتروك دية جنايته أي ثلث الدية على أولياء كلّ من المقتولين قصاصا بأن يعطي كلا من أوليائهما سدس الدية و على الولي إكمال ثلثي الدية على أولياء كلّ منهما بأن يردّ على كلّ منهما نصف الدية، يعني ثلثا و سدسا ليتمّ لكلّ منهما ثلثا الدّية.

و يظهر من كلمات الأصحاب التسالم على أمر و هو أنّ أولياء المقتول قصاصا في الفرض الثاني لا يطالبون الفاضل من دية مقتولهم من وليّ القصاص بل المطالب به شريكاه في القتل، و هكذا في الفرض الثالث يطالب أولياء المقتولين قصاصا، كلّ منهما الشريك المتروك بسدس دية مقتولهم و لا يحقّ لها مطالبة وليّ القصاص به، و هذا الحكم و إن كان على خلاف القاعدة؛ لأنّ اتلاف مقتولهم فعل وليّ القصاص فهو الضامن لما‌

65

..........

____________

أتلفه عليهم، إلّا أنّه لا بدّ من الالتزام بالمتسالم عليه فإنّه يستفاد من الروايات المعتبرة الواردة في حكم الشركاء في القتل، كصحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجلين قتلا رجلا قال: إن شاء أولياء المقتول أن يؤدّوا دية و يقتلوهما جميعا قتلوهما» (1). و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في عشرة اشتركوا في قتل رجل قال: يخيّر أهل المقتول فأيّهم شاءوا قتلوا و يرجع أوليائه على الباقين بتسعة أعشار الدية» (2)، و مدلولهما كون الفاضل من دية جناية المقتول قصاصا على المتروكين نظير الفرض الثاني من المثال الذي ذكرنا، و في صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجلين قتلا رجلا قال: إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة و قتلوهما و تكون الدية بين أولياء المقتولين فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه و أدّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول، و إن لم يؤدّ دية أحدهما و لم يقتل أحدهما قبل الدية صاحبه من كليهما و إن قبل أولياؤه الدية كانت عليهما» (3).

و في معتبرة الفضيل بن يسار قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): عشرة قتلوا رجلا، قال: «إن شاء أوليائه قتلوهم جميعا و غرموا تسع ديات، و إن شاءوا تخيّروا رجلا فقتلوه و أدّى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير عشر الدية كلّ رجل منهم ثم الوالي بعد يلي أدبهم و حبسهم» (4).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 29.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 29.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4: 30.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6: 30.

66

..........

____________

و يظهر من هذه أنّ عفوّ ولي الدم عن القصاص أو حتى عن الدية أيضا لا يوجب سقوط التعزير على الجاني فيكون للوالي أدبه و حبسه كما أنّ ظاهرها أيضا كون الفاضل من دية جناية المقتول على المتروكين.

و في صحيحة أخرى لابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إذا قتل الرجلان و الثلاثة رجلا فإن أرادوا قتلهم ترادّوا فضل الديات فإن قبل أوليائه الدية كانت عليهما و إلّا أخذوا دية صاحبهم» (1).

و لا يعارضها مثل معتبرة أبي العباس و غيره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا اجتمع العدة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيّهم شاءوا و ليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنّ اللّه عز و جل يقول وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» (2).

و الوجه في عدم المعارضة أنّ هذه الرواية الدالّة على أنّه ليس للولي قتل أكثر من واحد مطلقة تعمّ صورة امتناع الولي عن ردّ فاضل الدية و صورة أدائه فاضلها، و الروايات المتقدمة دالّة على أنّ للوليّ قتل الجميع أو الأكثر مع ردّه فاضل الدّية، فتحمل هذه الرواية على صورة امتناعه عن ردّ فاضل الدية فليس له في الفرض إلّا قتل واحد؛ لأنّ مع قتل الواحد يكون الفاضل عن ديته على المتروكين كما تقدّم في الروايات، و لو أغمض عن هذا الجمع العرفي يتعيّن طرحها لموافقتها لمذهب بعضهم من أنّه ليس للولي قتل الجميع؛ لأنّه إسراف في القتل حيث لم يذهب بالجناية غير نفس واحدة.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5: 30.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7: 30.

67

..........

____________

ثم إنّ ظاهر الماتن أنّ وليّ المقتول إذا أراد قتل الجميع فلا يحقّ له قتلهم إلّا بعد ردّه الفاضل من دية جنايتهم حيث قال: فالوليّ بالخيار في قتل الجميع بعد ما يردّ عليهم ما فضل ... إلخ، و قد صرّح بعض الأصحاب بذلك و عمّم كلّ مورد يكون ردّ فاضل الدية عليه و لو في غير الاشتراك في القتل، كما إذا قتل رجل امرأة و أراد أولياء المرأة القصاص من الرجل فإنّه لا يحقّ لهم إلّا بعد ردّ فاضل دية الرجل، و يدلّ على ذلك ما ورد في صحيحة عبد اللّه بن مسكان المتقدمة من قوله (عليه السلام) «إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة و قتلوهما» (1) حيث أنّ في ظاهرها أداء الفاضل علّق على إرادة قتل الجميع لا على قتلهم.

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «في الرجل يقتل المرأة متعمدا فأراد أهل المرأة أن يقتلوه قال: «ذاك لهم إذا أدّوا إلى أهله نصف الدّية» (2) فإن ظاهرها أنّ حقّ القتل مشروط بأداء نصف الدية.

و في صحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل، قال: إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد أحد فاقتسماها ثم يقطعهما» الحديث (3)، حيث إنّه لا فرق في هذا الحكم بين قصاص النفس و قصاص الطرف بل يمكن أن يلتزم- كما هو ظاهر بعض- أنّ هذا لا يختصّ بما إذا كان ردّ فاضل دية جناية الجاني على وليّ القصاص، بل يعمّ ما إذا كان إكمال ردّ الفاضل عليه فلا يحقّ له القصاص.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4: 30.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 59.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 25 من أبواب القصاص الطرف، الحديث 1: 140.

68

و تتحقّق الشركة (1) بأن يفعل كلّ واحد منهم ما يقتل لو انفرد أو ما يكون له شركة في السراية مع القصد إلى الجناية، و لا يعتبر التساوي في الجناية، بل لو جرحه واحد جرحا و الآخر مائة جرح ثم سرى الجميع فالجناية عليهما بالسوية و لو طلب الدية كانت عليهما نصفين.

____________

إلّا بعد ردّ ما عليه من إكمال الفاضل، كما إذا كان القتل باشتراك ثلاثة و أراد الولي قتل اثنين منهم فإنّه لا يجوز له القتل إلّا بعد ردّ ما عليه من دية النفس لكلّ من الجانبين نصفها، و اللّه العالم.

(1) ذكر (قدس سره) أنّ الاشتراك في قتل واحد يتحقّق في موردين:

أحدهما: إذا فعل كلّ من المتعدّدين فعلا يقتل الشخص غالبا لو انفرد بأن ضرب كلّ منهما ضربة قاتلة.

و ثانيهما: ما إذا كان الجرح من المتعدّد و إن لم يكن فعل كلّ قاتلا، و لكن قتل الشخص بسرايته مع قصد كلّ منهما قتله. و يتعين أن يلحق بهما مورد ثالث و هو ما إذا كان فعل كلّ أو بعضهم غير الجرح و لم يكن الفعل من كل قاتلا و مات الشخص بفعل المجموع كما إذا ضربه عشرة بالسياط فمات، فإذا كان مجموع السياط الواردة على جسمه قاتلة أو قصد كلّ منهما قتله بضربة يتعلّق على كلّ منهم القصاص لاستناد موته إلى الجميع مع قصد كلّ منهم قتله أو قصد الفعل القاتل و لو بضمّ فعله إلى فعل السائرين، و على الجملة فالملاك في اشتراك القتل استناد موته إلى الجميع و لا يعتبر في ذلك تساوي المشتركين في عدد جنايتهم و لو جرح أحدهما جرحا و الآخر مائة و سرت الجنايات فمات، يكون على كلّ منهم حقّ القصاص، فإنّ الملاك في الاشتراك الاستناد عرفا و فرض اعتبار التساوي في الجنايات في موارد الاشتراك في القتل مع أنّه فرض نادر لم يتعرّض لاعتباره في الروايات‌

69

[الثانية: يقتصّ من الجماعة في الأطراف كما يقتصّ في النفس]

الثانية: يقتصّ من الجماعة في الأطراف كما يقتصّ في النفس، فلو اجتمع جماعة على قطع يده أو قلع عينه فله الاقتصاص منهم بعد ردّ ما يفضل لكلّ واحد منهم عن جنايته، و له الاقتصاص من أحدهم و يردّ الباقون دية جنايتهم و تتحقّق الشركة في ذلك بأن يحصل الاشتراك في فعل واحد، فلو انفرد كلّ واحد بقطع جزء من يده لم يقطع يد أحدهما و كذا لو جعل أحدهما آلته فوق يده و الآخر تحت يده و اعتمدا حتّى التقتا فلا قطع في اليد على أحدهما؛ لأنّ كلا منهما منفرد بجنايته لم يشاركه الآخر فيها فعليه القصاص في جنايته حسب (1).

____________

المتقدمة و غيرها، مما دلّ على أنّ للولي قتل كلّ من المتعددين المشتركين في قتل مولاه كما لم يعتبر فيها وحدة الجنايات في الجنس، كما إذا جرحه أحدهم و ضربه الآخر، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين وحدتها في الجنس و النوع أو اختلافها، كما لا يخفى.

(1) ذكروا أنّ ما ذكره في الاشتراك في القتل يجري في الاشتراك في الجناية على الأطراف فإن كانت الجناية على الطرف بنحو الاشتراك يتعلّق على كلّ من المشتركين فيها القصاص، فإن اقتصّ الولي من واحد يردّ الباقون على المقتصّ منه الزائد عن دية جنايته، و إن اقتص الولي من الجميع يرد على كلّ الزائد على دية جنايته كلّ من المشتركين على غرار ما تقدّم في مسألة الاشتراك في القتل، و يدلّ على ذلك صحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل قال: إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد و أحد [فاقتسماها ثم يقطعهما، و إن أحبّ أخذ منهما دية يد] قال: و إن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية» (1)، و مقتضاها أنّه إذا أراد القصاص من الجميع،

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 25 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 140.

70

..........

____________

فلا بدّ من أن يكون القصاص من الجميع بعد ردّ فاضل الدية عليهم، بخلاف ما إذا أراد الاقتصاص عن أحدهم، فإنّه لا يتوقّف القصاص منه على ردّ الباقين فاضل الدّية، بمعنى أن لا يحقّ للولي القصاص من أحدهم إلّا بعد ردّ الباقين الفاضل عن دية جنايته عليه.

و المشهور ذكروا أنّ الاشتراك في الجناية على الطرف يختلف عن الاشتراك في القتل، فإنّ الملاك في الاشتراك في القتل استناد موته إلى المتعدّدين و إن كانت جناية كلّ منهم غير الجناية الصادرة عن الآخرين كما مرّ، بخلاف الجناية على الطرف، فإنّ الاشتراك فيها يحصل فيما إذا صدر فعل واحد من المتعدّد بأن كان الفعل الواحد صادرا بنحو الاشتراك في نفس الفعل المفروض، و لا عبرة بوحدة الأثر من فعلهما مع كون فعل كلّ منهما غير الفعل الصادر عن الآخر و لو انفرد كلّ منهما بقطع جزء من يده فسقطت يده فلا يقتصّ عن كلّ منهما بقطع اليد بل بمقدار جنايته إذا أمكن و إلّا ينتقل الأمر إلى مطالبة الدية. و من هذا القبيل إذا وضع أحدهما سكّينه تحت اليد و الآخر فوق يده و اعتمد كلّ منهما على سكّينه فسقطت يده بالتقائهما فلا يقطع يد أحدهما؛ لأنّ كلّ منهما منفرد بفعل لم يشترك فيه الآخر، و إن سقطت يده بفعلهما. نعم لو قطع أحدهما بعض اليد و الآخر البعض الآخر من غير أن يتلاقيا ثم سرت الجنايتان فسقطت يده يكون على كلّ منهما القصاص؛ لأنّ السراية المفروضة تحسب الفعل الواحد الصادر منهما بنحو الاشتراك فيه.

أقول: التفرقة بما ذكر بين الاشتراك في القتل و الاشتراك في الجناية على الطرف مشكل جدّا بعد استناد انقطاع يده إليهما كانقطاع نفس المقتول‌

71

[الثالثة: لو اشترك في قتله امرأتان قتلتا به و لا رد]

الثالثة: لو اشترك في قتله امرأتان (1) قتلتا به و لا رد؛ إذ لا فاضل لهما عن ديته، و لو كنّ أكثر كان للولي قتلهنّ بعد ردّ فاضل ديتهنّ بالسوية إن كنّ

____________

إلى المتعدد و إنّ الاطلاق في صحيحة أبي مريم الأنصاري أي عدم الاستفصال في الجواب عن اشتراكهما في قطع اليد بالنحو المعتبر عند المشهور مع أنّه فرض لعلّه نادر و لا أقلّ من تعارف الفرضين يدفع اعتباره، و اللّه العالم.

(1) إذا اشترك امرأتان حرّتان في قتل رجل، فللوليّ قتل كلّ منهما من غير أن يردّ؛ لأنّ دية الرجل تساوي ضعف دية المرأة فلا فاضل لهما على دية الرجل. و في صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأتين قتلتا رجلا عمدا قال: يقتلان به، ما يختلف في هذا أحد» (1) و إن كنّ أكثر من امرأتين بأن كنّ ثلاثا مثلا فعلى كلّ منهنّ ثلث الجناية، فإن قتل الوليّ الجميع يردّ على أولياء كلّ منهنّ ثلث دية المرأة حيث إنّ عليه دية امرأة واحدة فيعطيها إلى أولياء المقتولين أثلاثا، و إن قتل اثنتين تردّ الثالثة ثلث دية الرجل إليهما بالسوية؛ لأنّ جناية كلّ منهنّ الثلث من دية الرجل المساوي ثلثي دية المرأة و إن قتل الولي واحدا منهنّ فبما أنّ جناية كلّ امرأة ثلث دية الرجل المساوي ثلثي دية المرأة يكون على الباقيتين ثلثان من دية الرجل المقتول، فيستحقّ أولياء المرأة المقتولة ثلث دية المرأة حيث كانت جنايتها مساوية لثلثي ديتها فيبقى على الباقيتين نصف دية الرجل تردّانه على ولي مقتولهما.

و لو قتل رجلان امرأة فلولي المرأة القصاص من كلّ منهما بعد ردّ ثلاثة‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 15: 62.

72

متساويات في الدية و إلّا أكمل لكلّ واحدة ديتها بعد وضع أرش جنايتها. و لو اشترك رجل و امرأة (1) فعلى كلّ منهما نصف الدية و للولي قتلهما، و يختصّ الرجل بالرد، و في المقنعة يقسم الردّ بينهما أثلاثا و ليس بمعتمد. و لو قتل المرأة فلا ردّ.

____________

أرباع دية الرجل على كلّ من الرجلين أو أوليائهما؛ لأنّ جنايتهما معا تساوي نصف دية الرجل، حيث إنّه دية المرأة المقتولة، فيكون الفاضل من دية الرجلين دية نفس و نصفها. فاللازم على الولي الرد على كلّ منهما ثلاثة أرباع دية النفس.

(1) و لو اشترك رجل و امرأة في قتل رجل، فلوليّ المقتول أخذ الدية منهما فيكون على كلّ من الرجل الجاني و المرأة الجانية نصف دية المقتول كما هو مقتضى اشتراك الاثنين في القتل، كما أنّ على الوليّ قتل المرأة و في صورة قتلها فلا ردّ عليها؛ لأنّ جنايتها تساوي ديتها و يأخذ من الجاني نصف الدية كما أنّ له قتل الرجل و تردّ المرأة على أولياء الرجل الجاني نصف دية مقتولها أي نصف دية الرجل المساوي لجنايتها، و لو قتلهما الولي يردّ نصف الدية على الرجل الجاني و ليس لأولياء المرأة الجانية ردّ؛ لما تقدم من أنّ جنايتها تساوي ديتها، بخلاف الرجل الجاني فإنّه استوفى منه ضعف جنايته. و عن المفيد (قدس سره) في المقنعة أنّه إذا قتلهما الولي يردّ نصف دية النفس عليهما أثلاثا، ثلثان منه للرجل، و ثلث للمرأة؛ لأنّ جناية الرجل تحسب ضعف جناية المرأة، و لكن لا يخفى لا وجه لهذا الاحتساب بعد استناد القتل إليهما و إلّا لزم في صورة مطالبة الولي الدية منهما أن يكون دية المقتول عليهما أثلاثا و هو كما ترى.

و يدلّ على الحكمين- و هما اختصاص الرجل بالردّ و أنّ الدية يكون‌

73

و على الرجل نصف الدية، و لو قتل الرجل ردّت المرأة عليه نصف ديته، و قيل نصف ديتها و هو ضعيف (1). و كل موضع يوجب الردّ فإنّه يكون مقدّما على الاستيفاء (2).

____________

عليهما بالنصف- ما ورد في صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«سئل عن غلام لم يدرك و امرأة قتلا رجلا خطأ فقال: إن خطأ المرأة و الغلام عمد فإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما و يردّوا على أولياء الغلام خمسة آلاف درهم، و إن أحبّوا أن يقتلوا الغلام قتلوه و ترد المرأة على أولياء الغلام ربع الدية، و إن أحب أولياء المقتول أن يقتلوا المرأة قتلوها و يردّ الغلام على أولياء المرأة ربع الدية. و قال: إن أحبّ أولياء المقتول أن يأخذوا الدية كان على الغلام نصف الدية و على المرأة نصف الدية» (1).

و هذه الصحيحة و إن تضمّنت لأمور لا يمكن العمل بها إلّا أنّه لا بأس بدلالتها على الحكمين المزبورين، و لا أقلّ من تأييدهما بها كما لا يخفى.

(1) لا موجب لردّ نصف ديتها بعد كون جنايتها تساوي نصف دية الرجل، نعم ردّ ربع الدية المساوي لنصف ديتها ورد في صحيحة أبي بصير المتقدّمة، و لكنّها كما ذكرنا لا تصلح للاعتماد عليها في هذا الحكم، حيث ورد فيها تساوي الغلام و المرأة في الردّ و مقداره.

(2) قد تقدم أنّ اعتبار كون الرد مقدّما على الاستيفاء إنّما هو فيما وجب على الولي ردّ فاضل الدية، و أمّا إذا كان فاضل الدية على باقي الشركاء في القتل أو على الشريك الآخر فاعتبار تقدّم الردّ احتماله مدفوع بإطلاق الأخبار، بل ما ورد في بعضها من الردّ على أولياء المقتصّ منه يشعر بخلاف الاعتبار.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 34 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 64.

74

[الرابعة: إذا اشترك عبد و حرّ في قتل حرّ عمدا]

الرابعة: إذا اشترك عبد و حرّ في قتل حرّ عمدا، قال في النهاية: للأولياء أن يقتلوهما و يؤدّوا إلى سيد العبد ثمنه، أو يقتلوا الحر و يؤدّي سيد العبد إلى ورثة المقتول خمسة آلاف درهم، أو يسلّم العبد إليهم، أو يقتلوا العبد و ليس لمولاه على الحرّ سبيل (1). و الأشبه أنّ مع قتلهما يردّون إلى الحر نصف الدّية و لا يردّ على

____________

(1) ذكر في النهاية فيما إذا اشترك حرّ و عبد في قتل حرّ أنّ لأولياء الحرّ المقتول قتل كلّ منهما أو قتل أحدهما، فإن قتلوهما يكون عليهم ثمن العبد يؤدّون إلى سيّده، و إن قتلوا الحرّ فقط يؤدّي مولى العبد إلى ورثة الجاني الحرّ خمسة آلاف درهم أو يسلّم العبد إليهم، و إن قتلوا العبد فليس لمولاه على الحرّ الجاني سبيل، و ما ذكره (قدس سره) في الفروض الثلاثة لا ينطبق على شي‌ء من القواعد و ليس له دليل خاصّ.

أمّا في الفرض الأول- و هو فرض قتل ولي المقتول كلا من الجاني الحرّ و العبد- فإنّ على وليّ المقتول نصف الدية للجاني الحر و ليس عليه لمولى العبد من قتل العبد شي‌ء إلّا إذا زادت قيمته على دية جنايته، يعني نصف دية الحر، فإن زادت قيمته عنه فلمولاه مقدار تلك الزيادة فقط.

نعم، لو فرض أنّ العبد من قسم النفيس يساوي قيمته بأزيد من دية الحر يكون على ولي المقتول نصف الدية؛ لأن دية العبد- كما يأتي- لا تزيد على دية الحر، فمع زيادة قيمته ردّت إلى مقدار الدية، و أمّا إذا قتل أولياء المقتول الحرّ فقط، قيل على مولى العبد دفعه إلى وليّ الجاني المقتول ليسترقّه فيما إذا كانت قيمته مساوية لنصف دية الحر أو بمقدار نصف ديته إذا كانت قيمته أكثر من نصف دية الحر، و إن كانت قيمته أقل من نصف دية الحر كان باقي نصف الدية على أولياء المقتول ظلما و لا يبعد أن يقال في الفرض إنّ على أولياء المقتول ظلما إذا قتلوا الجاني الحر نصف دية الحر، كما في فرض‌

75

مولى العبد شي‌ء ما لم تكن قيمته أزيد من نصف دية الحر فيرد عليه الزائد فإن قتلوا العبد و كانت قيمته زائدة عن نصف دية المقتول أدّوا إلى المولى الزائد، فإن استوعب الدية و إلّا كان تمام الدية لأولياء المقتول و في هذا اختلاف للأصحاب و ما اخترناه أنسب بالمذهب.

____________

قتلهم كلا من الجاني الحر و العبد و لهم استرقاق العبد أو بمقدار نصف دية الحر؛ لأنّه لا دليل في فرض اشتراك الحر و العبد في القتل على رجوع وليّ الجاني إلى مولى العبد في فاضل الدية و مقتضى القاعدة ضمان النصف على الولي فإنّه اقتصّ من الجاني، و أمّا إذا قتل أولياء المقتول العبد فقط يردّون على مولاه ما زاد على نصف دية مقتولهم الحر و يكون لهم على الحرّ الجاني نصف دية مقتولهم و على ما قيل يكون ما زاد من قيمة العبد عن مقدار نصف دية الحر على الجاني الحر و يؤدّي باقي نصف الدية على أولياء المقتول و على ما ذكرنا قال الماتن في الفرض الأول: و الأشبه انّ مع قتلهما يؤدّي أولياء المقتول نصف الدية إلى الجاني الحرّ، و لا يردّ على مولى العبد شي‌ء ما لم يكن قيمته أزيد من نصف دية الحرّ فيردّ عليه الزائد.

و ذكرنا أنّ الأظهر بحسب القواعد أنّ ولي المقتول ظلما إذا قتل الجاني الحر فعليه دفع نصف الدية يؤدّي إلى الجاني الحر قبل قتله، و أما العبد فإن قتله يدفع إلى مولاه الزائد على جناية العبد كما إذا كانت قيمته أكثر من نصف دية الحر و إن كان قيمته أقل من نصف دية الحر المقتول ظلما فليس له أن يرجع في الزائد إلى مولاه؛ لأنّ الشخص لا يجني أكثر من نفسه و إذا لم يقتله فإنه يجوز له استرقاقه بمقدار نصف دية مقتوله و يبقى الزائد لمولاه، و إن كانت قيمته أقل من نصف دية الحر فليس على مولاه شي‌ء لما تقدم من أنّه لا يجني إلّا مقدار نفسه.

76

[الخامسة: لو اشترك عبد و امرأة في قتل حرّ فلأوليائه قتلهما]

الخامسة: لو اشترك عبد و امرأة في قتل حرّ فلأوليائه قتلهما و لا ردّ على المرأة و لا على العبد إلّا أن تزيد قيمته عن نصف الدية فيرد على مولاه الزائد. و لو قتلت المرأة به كان لهم استرقاق العبد إلّا أن يكون قيمته زائدة عن نصف دية المقتول فيرد على مولاه ما فضل (1).

____________

و على الجملة، لا دليل في الفرض على رجوع أولياء الجاني الحرّ إلى مولى العبد، و ما تقدّم من رجوع أولياء الشريك المقتول إلى شريكه وارد في الشريك الحر القاتل.

(1) يعلم الحكم في هذه المسألة مما تقدّم، و حيث إنّ المفروض انّ المرأة شريك العبد في القتل، فإن أراد وليّ المقتول ظلما قتلهما فلا ردّ على المرأة؛ لعدم زائد على جنايتها، و أما العبد فإن كان قيمته أزيد من جنايته يردّ الولي على مولاه الفاضل من قيمته، و إن نقص قيمته عن نصف دية الحر فليس على مولاه شي‌ء، و كذا إذا كان قيمة العبد بمقدار نصف الدية لما تقدم من أنّ الشخص لا يجني أكثر من نفسه.

و إذا قتل الولي العبد خاصّة و كانت قيمته مساوية لجنايته أو أقل فلا ردّ على مولاه و على المرأة دية جنايتها تردّها على وليّ المقتول ظلما، و إن كانت قيمة العبد أكثر من جنايتها ردّت المرأة على مولاه فاضل قيمته فيما لو كانت قيمته مستوعبة لدية الحرّ، و إن نقص قيمته عن دية الحر ردّت المرأة الفاضل من الدية التي عليها لوليّ المقتول ظلما، هذا ما ذكره الماتن (قدس سره).

و لكن قد ذكرنا أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية أنّ الولي إذا قتل العبد و كانت قيمته أكثر من جنايته تكون الزائد على جنايته على وليّ المقتول ظلما و كونه على المرأة التي ترك الولي قتلها لم يقم عليه دليل، فيكون للولي أخذ نصف دية مقتوله منها، و إذا لم يقتل الولي العبد فله استرقاقه بلا فرق بين‌

77

و إن قتلوا العبد و قيمته بقدر جنايته أو أقلّ فلا ردّ، و على المرأة دية جنايتها، و إن كانت قيمته أكثر من نصف الدية ردّت عليه المرأة ما فضل عن قيمته، فإن استوعب دية الحر و إلّا كان الفاضل لورثة المقتول أوّلا.

____________

كون قيمته بمقدار جنايته أو أقل أو أكثر.

نعم، في صورة زيادة قيمته عن جنايته- أي نصف دية الحر- فعلى الولي ردّ ما فضل عن جنايته على مولاه إن رضي مولاه بذلك و إلّا يكون العبد مشتركا بينهما و يحتمل أن يكون له ردّ ما زاد مطلقا.

و يدلّ على هذا صحيحة ضريس الكناسي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة و عبد قتلا رجلا خطأ فقال: إن خطأ المرأة و العبد مثل العمد فإن أحبّ أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما فإن كانت قيمة العبد أكثر من خمسة آلاف درهم فليردّوا على سيد العبد ما يفضل بعد الخمسة آلاف درهم و إن أحبّوا أن يقتلوا المرأة و يأخذوا العبد أخذوا إلّا أن تكون قيمته أكثر من خمسة آلاف درهم فليردّوا على مولى العبد ما يفضل بعد الخمسة آلاف درهم و يأخذوا العبد أو يفتديه سيّده، و إن كانت قيمة العبد أقلّ من خمسة آلاف درهم فليس لهم إلّا العبد» (1).

و قد تقدّم أنّ ما ورد في مثل هذه الصحيحة من كون خطأ المرأة و العبد عمد لا يمكن الأخذ به، و لكن لا بأس بما ورد فيه من حكم قتل العبد عمدا، و ما ورد فيها أيضا من استرقاق كل العبد إذا كانت قيمته أكثر من جنايته بردّ فاضلها لمولاه مطلقا و إنّ للمولى أن يفديه لا يخلو عن المناقشة مع عدم توافق الولي مع مولاه حيث إنّ الثابت لولي المقتول ظلما مع زيادة قيمة العبد عن‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 34 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 64.

78

..........

____________

جنايته استرقاقه بمقدار جنايته.

و على كلّ تقدير فلا دليل على أنّ ردّ الفاضل من جناية العبد من قيمته على المرأة التي ترك قتلها كما أشرنا إليه فيما تقدّم.

بقي في المقام مسألة يعلم بها الحكم في فروض الاشتراك في القتل مع عدم تساوي المشتركين في الدية، و هي ما إذا اشترك رجل و خنثى في قتل رجل أو امرأة حرّة و بما أنّ الخنثى يكون ديتها نصف دية الرجل و نصف دية المرأة و بتعبير آخر تحسب الخنثى في نصف ديتها رجلا و في نصفها الآخر امرأة، فلو قتل الرجل و الخنثى رجلا يكون للوليّ قتلهما، فإن قتلهما يردّ على الرجل نصف ديته و على الخنثى ربع دية النفس؛ لأنّ دية الخنثى ثلاثة أرباع دية النفس نصف دية نفس الرجل و نصف دية المرأة و جنايتها تساوي نصف دية النفس فيكون الفاضل نصف دية المرأة المساوي لربع دية النفس.

و لو قتل الرجل و الخنثى امرأة حرّة فلوليّ المقتول قتلهما فيردّ على الرجل نصف ديته و ربع ديته؛ لأنّ جنايته مساوية لنصف دية المرأة فيكون له ثلاثة أرباع الدية، و يردّ على الخنثى نصف دية النفس؛ لأنّ جنايتها تساوي نصف دية المرأة فيبقى لها نصف دية النفس فقط.

و مما ذكر يظهر أنّه لو اشترك امرأة و خنثى في قتل رجل و قتلهما الولي لا يكون للمرأة فاضل لأنّ جنايتها تساوي ديتها و يكون على الولي ردّ ربع الدّية على الخنثى؛ لأنّ ديتها ثلاثة أرباع الدية و جنايتها تساوي نصف الدية.

و لو اشترك امرأة و خنثى في قتل امرأة فقتلهما الولي يكون على الولي ردّ نصف دية المرأة على المرأة الجانية؛ لأنّ جنايتها تساوي نصف دية المرأة‌

79

[الفصل الثاني في الشروط المعتبرة في القصاص و هي خمسة]

الفصل الثاني في الشروط المعتبرة في القصاص و هي خمسة

[الشرط الأول: التساوي في الحرية و الرقّية]

الأول: التساوي في الحرية و الرقّية، فيقتل الحرّ بالحرّ و بالحرّة مع ردّ فاضل ديته و الحرّة بالحرّة و بالحرّ و لا يؤخذ ما فضل على الأشهر (الأظهر خ ل) (1).

____________

و يكون على الولي أيضا نصف الدية يردّه على الخنثى؛ لأنّ جنايتها تساوي نصف دية المرأة المساوي لربع الدية، فيبقى لها من دينه نصف الدية، حيث إنّ ديتها مساوية لثلاثة أرباع الدية فذهب إحداها بجنايتها. و يعلم مما ذكرنا الحال في بقية الفروض.

(1) المراد أنّ الحرّ لا يقتل بقتله العبد أو الأمة، بل يقتل بقتله الحرّ و الحرّة. نعم إذا قتل بالحرّة يجب على أولياء الحرّة ردّ فاضل ديته و هو نصف دية النفس.

و يشهد لذلك- مع التسالم بين الأصحاب على الحكم- صحيحة أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) قال: «إن قتل رجل امرأة و أراد أهل المرأة أن يقتلوه أدّوا نصف الدية إلى أهل الرجل» (1)، و في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يقتل المرأة قال: إن شاء أوليائها قتلوه و غرموا خمسة آلاف درهم لأولياء المقتول، و إن شاءوا أخذوا خمسة آلاف درهم من القاتل» (2). و في موثقة أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل قتل امرأة فقال: إن أراد أهل المرأة أن يقتلوه أدّوا نصف ديته‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6: 60.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 12: 61.

80

..........

____________

و قتلوه و إلّا قبلوا الدية» (1)، إلى غير ذلك.

و لو لم يتمكّن أولياء الحرّة المقتولة من ردّ الفاضل، أو أرادوا أخذ دية الحرّة من الحرّ القاتل كان ذلك جائزا لهم، كما هو ظاهر صحيحة محمد بن قيس، و لكن ليس للحرّ القاتل إلزامهم بأخذ الدية و الامتناع عن أخذ فاضل ديته. و على الجملة فلأولياء الحرّة المقتولة إلزام الحر القاتل بإعطاء نصف الدية و ليس له إلزام أولياء المقتول بأخذ الدية و ترك القصاص.

و في معتبرة أبي العباس و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن قتل رجل امرأة خيّر أولياء المرأة إن شاءوا أن يقتلوا الرجل و يغرموا نصف الدية لورثته و إن شاءوا أن يأخذوا نصف الدية» (2).

فما في الجواهر (3) من المناقشة في فرض امتناع الوليّ عن إعطاء فاضل الدية أو لفقره في إلزام القاتل بإعطاء دية المقتولة، لا وجه له، كما لا وجه للاستدلال على جواز إلزامه بالتمسّك بهدر دم المقتولة بدونه حتى يجاب بأنّه ليس في عدم جواز الإلزام طلّ الدم إلى هدره.

و ذكرنا سابقا أنّ للقاتل الجاني مطالبة الأولياء بفاضل ديته قبل القصاص فلا يجوز لهم قتل الجاني قبل إعطاء نصف الدية. و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «في الرجل يقتل المرأة متعمّدا فأراد أهل المرأة أن يقتلوه قال: ذلك لهم إذا أدّوا إلى أهله نصف الدّية» (4) و ظاهر‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7: 60.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 9: 61.

(3) جواهر الكلام: ج 42، ص 82.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 59.

81

..........

____________

القضية الشرطية فعليّة الجزاء يعني حقّ القصاص بفعليّة الشرط و هو أداء نصف الدية و ما في موثقة إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام) «أنّ رجلا قتل امرأة فلم يجعل علي (عليه السلام) بينهما قصاصا و ألزمه الدّية» (1)، محمول على صورة الامتناع عن ردّ فاضل الدية أو عدم التمكّن من ردّه.

و كذلك يقتل الحرّ بقتله الحرّة و الحرّ، و إذا قتلت الحرّة الحرّ لا يؤخذ منها فاضل دية الرجل على المشهور، بل ادّعى عدم الخلاف في ذلك، و لا ينافيه تعبير الماتن بالأشهر، حيث يمكن أن يكون التعبير به للرواية لا للفتوى بالخلاف، و الرواية هي صحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في امرأة قتلت رجلا قال: تقتل و يؤدّي وليّها بقية المال»، و في رواية محمد بن علي بن محبوب «بقية الدية» 2.

و هذه الرواية مخالفة للروايات الأخرى الدالّة على أنّ جناية الشخص لا تزيد على نفسه، و في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ... إلى أن قال: في امرأة قتلت زوجها متعمّدة قال: إن شاء أهله أن يقتلوها قتلوها و ليس يجنى أحد أكثر من جنايته على نفسه» (3).

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «و إن قتلت المرأة الرجل قتلت به ليس لهم إلا نفسها» (4)، و في خبر أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ... إلى أن قال: و سألته عن امرأة قتلت رجلا، قال: «تقتل و لا يغرم أهلها شيئا» (5).

____________

(1) (1) و (2) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 17- 16: 62.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 59.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 59.

(5) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4: 60.

82

..........

____________

و في رواية هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في المرأة تقتل الرجل ما عليها قال: لا يجني الجاني على أكثر من نفسه» (1)، إلى غير ذلك.

و لو فرضت المعارضة بين هذه الروايات و الصحيحة الدالّة على أخذ بقية دية الرجل تطرح الصحيحة لموافقة الطائفة النافية لإطلاق الكتاب المجيد، قال اللّه سبحانه وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ الآية (2).

و في صحيحة زرارة عن أحدهما (عليه السلام) «في قول اللّه عز و جل النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ الآية، قال: هي محكمة» (3).

و على الجملة، ما حكي عن الراوندي من حمل الصحيحة الدالة على أخذ باقي دية الرجل المقتول زائدا على قتل قاتلته على صورة يسار المرأة القاتلة، و هذه الروايات النافية غير قتلها على صورة إعسارها، جمع تبرّعي، بل قوله (عليه السلام) «ليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه» الوارد في السؤال عن قتل المرأة زوجها متعمدة آب عن الحمل على صورة إعسارها، فالترجيح مع الروايات النافية.

و ما ذكر القمّي (قدس سره) في تفسيره في ذيل الآية وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 10: 61.

(2) سورة المائدة: الآية 45.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 11: 61.

83

و يقتصّ للمرأة من الرجل في الأطراف من غير ردّ، و يتساوى ديتهما ما لم تبلغ ثلث دية الحر ثم يرجع إلى النصف فيقتصّ لها منه مع رد التفاوت (1).

____________

وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ من أنّها منسوخة بقوله سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثىٰ بِالْأُنْثىٰ و قوله:

الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ لم تنسخ، لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الآية محكمة كما في صحيحة زرارة، غاية الأمر ورد على إطلاقها بعض التقييد كما في ساير المطلقات، بل ذكرنا في بحث الأصول أنّ المراد ببعض الروايات الواردة في نسخ الكتاب ورود المخصّص أو التقييد على عموم الآية و إطلاقها بل الأمر في الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ أيضا كذلك.

و من هذا القبيل ما نقل في رسالة المحكم و المتشابه عن تفسير العماني بالاسناد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ قوله سبحانه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ الْحُرُّ بِالْحُرِّ الآية، نسخت ما فيها هذه الآية وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ و إلّا فقد تقدّم ما في صحيحة زرارة أنها محكمة.

(1) لا خلاف في أنّ المرأة يقتصّ لها من الرجل في الجناية على طرفها، كما يقتص للرجل من المرأة في الجناية على طرفه، كما لا خلاف في أنّ المرأة إذا اقتصّ للرجل منها فلا يؤخذ منها شي‌ء كما إذا قطعت المرأة يد رجل فاقتصّ من المرأة بقطع يدها فلا يؤخذ منها شي‌ء و إن كان دية يد الرجل ضعف دية يد المرأة.

و يدلّ على ذلك مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل فقأ عين امرأة فقال: إن شاءوا أن يفقئوا عينه و يؤدّوا إليه ربع الدية و إن شاءت أن تأخذ ربع الدية. و قال في امرأة فقأت عين رجل أنّه: إن شاء فقأ‌

84

..........

____________

عينها و إلّا أخذ دية عينه» (1).

و هذا بخلاف ما إذا كان الجاني رجلا و المجني عليها امرأة، فإنّ دية الرجل و المرأة في الأطراف متساوية إلى حدّ الثلث، و إذا اقتصّ للمرأة من الرجل قبل بلوغ الثلث لم يكن في البين ردّ على الرجل الجاني، و إذا تجاوز الثلث أو بلغه يقتصّ للمرأة من الرجل مع ردّ نصف دية الطرف على الرجل حيث يكون دية الرجل بعد بلوغ الثلث أو تجاوزه ضعف دية طرف المرأة و دية المرأة نصف دية الرجل مثلا إذا قطع الرجل اصبعا من المرأة فلها القصاص من الرجل بقطع اصبعه من غير ردّ، و كذا في قطعه اصبعين من المرأة أو الثلاث من أصابعها، و أمّا إذا قطع أربعا من أصابعها فللمرأة أن يقتصّ من الرجل و تقطع أربعة أصابعه، و لكن عليها ردّ نصف دية أصابعه الأربعة عليه.

و يدلّ على الردّ مثل ما ورد في صدر صحيحة الحلبي المتقدّمة، و على التساوي في الدية ما لم يبلغ ثلث دية الحرّ الصحيحة الأخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «جراحات الرجال و النساء سواء سنّ المرأة بسنّ الرجل و موضحة المرأة بموضحة الرجل و إصبع المرأة بإصبع الرجل حتى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية ضعّفت دية الرجل على دية المرأة» (2)، و في صحيحة جميل بن درّاج قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة بينها و بين الرجل قصاص قال: نعم في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل و سفلت المرأة» (3).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 2 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 124.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 122.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 123.

85

..........

____________

و في صحيحة الحلبي الأخرى قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن جراحات الرجال و النساء في الديات و القصاص السنّ بالسنّ و الشجّة بالشجّة و الاصبع بالاصبع سواء حتى تبلغ الجراحات ثلث الدية فإذا جازت الثلث صيّرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية و دية النساء ثلث الدية» (1).

بقي في المقام أمور:

الأول: أنّه قد ورد في معتبرة عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «ليس بين الرجل و النساء قصاص إلّا في النفس» (2) و لا عامل بظاهرها من الأصحاب، و مع الغمض عن ذلك فهي معارضة بالأخبار المتقدّمة الموافقة لإطلاق الكتاب المجيد الدالّة على ثبوت القصاص في الأطراف العين بالعين و الأنف بالأنف و الاذن بالاذن و السنّ بالسنّ و الجروح قصاص، و حملها على تساوي القصاص بينهما بمعنى عدم الاقتصاص للمرأة من الرجل من دون ردّ غير ممكن لأنّ استثناء النفس عن ذلك يكون بلا معنى.

الثاني: قيل إنّ ظاهر بعض الروايات أنّ تساوي المرأة مع الرجل في دية الطرف يرتفع بتجاوز الدية ثلث دية الحر، و ظاهر بعضها الأخرى ارتفاعه بمجرّد بلوغها ثلث ديته فيجب على المرأة الردّ بمجرّد بلوغها الثلث و لا يعتبر تجاوزها عنه.

و يقال بعد تعارض الأخبار المتقدّمة في هذه الجهة يرجع فيما بلغ‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 6: 123.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 7: 124.

86

..........

____________

مقدار الثلث و لم يتجاوز عنه بعموم ما دلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل، كما في صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «دية المرأة نصف دية الرجل» (1)، فيجب ردّ نصف الدية على الجاني إذا اقتصّ للمرأة منه و إن أخذت الدية منه فلها نصف دية الرجل.

أقول: الأخبار الدالة على أن دية المرأة نصف دية الرجل واردة في دية النفس، و أمّا في دية الأطراف و الجراحات فلم يرد فيها اطلاق بحيث يمكن التمسّك به، و لو قيل بأنّ ما ورد في الروايات ما ظاهره تضعيف دية الرجل بعد تجاوز ثلث الدية كلّها بفاء التفريع على الجملة الشرطية السابقة لا أنّها جملة شرطية مستقلة في مقابل الشرطية قبلها و أنّ الغاية في الشرطية قبلها خارجة عن الحكم المغيّى بها و لو بقرينة مثل صحيحة الحلبي الوارد فيها:

«جراحات الرجال و النساء سواء ... حتّى تبلغ الجراحة ثلث الدية» (2)، فإذا بلغت ثلث الدية ضعّفت، و نحوها ما في صحيحة جميل بن دراج (3) فلا يكون اعتبار بما ورد في الشرطية الثانية من ذكر عنوان تجاوز الثلث حيث لا يعتبر المفهوم إلّا من الشرطية الأولى فيكون الشرطية الثانية المذكورة بفاء التفريع من التصريح ببعض مفهوم الشرطية الأوّلي كما في نظائرها.

الثالث: هل يجوز للمرأة في مورد لزوم ردّ نصف دية العضو أن تقتصر ببعض الاقتصاص من الرجل حتى لا يجب عليها ردّ الدية كما إذا قطع الرجل أربعة أصابع من المرأة فأرادت أن يقطع اصبعي الرجل حتى لا يكون‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 151.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 122.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 3: 122.

87

..........

____________

عليها ردّ نصف الدية، فقد يقال بالجواز تمسّكا بما دلّ على أنّ الجناية على المرأة فيما تجاوز ثلث الدّية ترجع إلى النصف فيجوز لها القصاص من الجناية عليها بالنصف بقطع اصبعي الرجل و لأنّه إذا جاز لها قطع أربعة أصابع من الرجل الجاني جاز قطع اصبعيه قصاصا من بعض جنايته و عدم الردّ عليه يحسب أخذها الدية من جناية عليها في قطع اصبعيها الثالث و الرابع.

و لكن الأظهر عدم جواز ذلك بحيث يكون لها الحقّ من غير تراض بينهما؛ و ذلك فإنّه لا دليل على التبعيض في جناية واحدة، و مقتضى الأدلة أنّ لها قطع الأربع و ردّ العشرين أو أخذ الدية على أصابعها يعني العشرين، فجواز قطع الاثنين إنّما هو في ضمن جواز قطع الأربع؛ و لأنّ دية مجموع أصابعها الأربع، عشرون، لا أنّ دية كلّ من أصابعها خمس من الإبل ليكون قطع الاثنين من أصابع الرجل و عدم الردّ من القصاص و أخذ الدية على الاصبعين الثالث و الرابع. و مما ذكر يظهر الحال في أنّه ليس لها قطع الثلاث من أصابع الرجل و الردّ عليه بخمسة من الإبل.

ثمّ إنّه قد ذكر في الجواهر (1) أنّ جواز قطع الأربع من أصابع الرجل مع ردّ العشرين عليه فيما إذا كان قطع الأربع بضربة واحدة، و أمّا لو كان بضربات أربع فلها الاقتصاص من الرجل من دون الردّ عليه كما صرّح بذلك جماعة، و كذا فيما كان بضربتين و قد قطع في كلّ ضربة اصبعين من أصابع المرأة، فإنّ لها في الفرض قطع الأربع من أصابعه من غير ردّ فإنّ في كلّ ضربة قد قطع الرجل اصبعا أو اصبعين من أصابع المرأة فلها القصاص من كلّ من الاصبع أو الاصبعين أو أخذ الدية على كلّ منها و المفروض‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 42، ص 90.

88

و يقتل العبد بالعبد و بالأمة و الأمة بالأمة و بالعبد (1).

____________

تساوي دية الرجل و المرأة في كلّ من الجنايات و لا دليل في الفرض على سقوط جناية بسبق جناية أخرى.

(1) لا خلاف في أنّ العبد يقتل بقتله العبد أو الأمة عمدا و كذلك تقتل الأمة بقتلهما العبد و الأمة، و يدلّ عليه الكتاب المجيد النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1)، وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ (2).

ثمّ إذا كان القاتل و المقتول مملوكين لمالك واحد يجوز للمالك القصاص من عبده أو أمته بلا فرق بين تساوي قيمتها أو اختلافهما و يقتضيه الاطلاق المشار إليه، و في موثّقة اسحاق بن عمار قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل له مملوكان قتل أحدهما صاحبه أله أن يقيده به دون السلطان إن أحبّ ذلك؟ قال: هو ماله يفعل به ما شاء إن شاء قتل و إن شاء عفا» (3).

و أمّا إذا كان مالك أحدهما غير مالك الآخر و كانت قيمة القاتل زايدة على قيمة المقتول فقد ذكر العلّامة في القواعد و تبعه غيره أنّه يردّ على مولى الجاني القاتل فاضل قيمته؛ لأنّ القيمة في المملوك بمنزلة الدية في غيره.

و لكن لا يخفى أنّ الردّ يحتاج إلى قيام دليل عليه و مقتضى الاطلاق المشار إليها جواز الاقتصاص من غير لزوم شي‌ء. نعم إذا أراد مولى المقتول استرقاق القاتل فليس له منه إلّا مقدار ماليّة مقتوله؛ و هذا لقيام الدليل عليه كما يأتي.

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

(2) سورة البقرة: الآية 178.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 44 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 76.

89

عدم القصاص على الحرّ إذا قتل مملوكا:

و لا يقتل حرّ بعبد و لا أمة (1)، و قيل: إن اعتاد الحر قتل العبيد قتل حسما للجرأة.

____________

(1) بلا خلاف ظاهر أو منقول من أصحابنا، و إن حكي عن بعض مخالفينا أنّه لا يقتل إذا قتل عبده، و أمّا إذا قتل عبد غيره فيقتل.

و يدلّ على الحكم المزبور عدّة من الروايات:

منها: صحيحة أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) قال: «قلت له: قول اللّه عز و جل كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثىٰ بِالْأُنْثىٰ قال: لا يقتل حرّ بعبد و لكن ضرب ضربا شديدا و يغرم ثمنه دية العبد» (1).

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يقتل الحرّ بالعبد و إذا قتل الحرّ العبد غرّم ثمنه و ضرب ضربا شديدا» (2)، إلى غير ذلك مما يعمّ قتل غيره. نعم ذكر الشيخ في التهذيبين و جماعة أنّ الحرّ إذا اعتاد قتل العبيد قتل حسما للجرأة على القتل و تمانعا عن الفساد، و كأنّ هذا لا يكون من القصاص.

و يستدلّ على ذلك برواية الفتح الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) «في رجل قتل مملوكه أو مملوكته قال: إن كان المملوك له أدّب و حبس إلّا أن يكون معروفا بقتل المماليك فيقتل به» (3)، و رواه في الوسائل عن أبي الفتح الجرجاني و هو سهو.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 40 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 71.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 40 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 71.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 38 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 69.

90

..........

____________

و في رواية يونس عنهم (عليهم السلام) قال: «سئل عن رجل قتل مملوكه قال: إن كان غير معروف بالقتل ضرب ضربا شديدا و أخذ منه قيمة العبد و يدفع إلى بيت مال المسلمين، و إن كان متعوّدا للقتل قتل به» (1)، و لا يبعد اعتبار الرواية سندا.

و في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) «أنّ عليّا (عليه السلام) قتل حرّا بعبده قتله عمدا» (2)، حيث حملوه على صورة الاعتياد؛ لأنّها حكاية قضية في واقعة.

و لكن لا يبعد الالتزام بأنّه إذا قتل مملوكه و كان معروفا بقتل مماليكه يقتل كما هو ظاهر رواية يونس التي ذكرنا عدم البعد في اعتبارها سندا؛ لأنّ اسماعيل بن مرار الراوي عنه من المعاريف الذين لم يرد فيهم قدح، و يونس بن عبد الرحمن يمكن أن يروي عن الكاظم و الرضا (عليهما السلام) و يسند ما سمع عن أحدهما أو عن كليهما إلى جميعهم (عليهم السلام) فلا وجه لما حكي عن الشهيد من الخدشة فيها بالإرسال.

و لكن هذا فيما إذا قتل مملوكه أو مملوكته بأن كان متعوّدا على قتل عبيده أو إمائه، و أمّا إذا كان متعوّدا لقتل مملوك الغير فتسرية الحكم إليه مشكل و لا يبعد في الأخذ فيه بالإطلاق بأنّ الحرّ لا يقتل بالعبد و لكن يضرب ضربا شديدا و يغرم ثمنه و يؤيّد ذلك التقييد في رواية الفتح بن يزيد الجرجاني بقوله «إن كان المملوك له».

و على الجملة لا يقتل الحر بالعبد و التعوّد على قتل العبيد و لو كانوا‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 38 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 69.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 40 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 9: 72.

91

و لو قتل المولى عبده كفّر (1) و عزّر و لم يقتل به.

____________

للغير و إن كان فسادا و جرأة إلّا أنّ مطلق الفساد لا يوجب جواز القتل ما لم يدخل في عنوان المحارب.

نعم، في موثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «ليس بين الرجال و النساء قصاص إلّا في النفس و لا بين الأحرار و المماليك قصاص إلّا في النفس، و ليس بين الصبيان قصاص في شي‌ء إلّا في النفس» (1)، و لكنّ مفادها لا يمكن الأخذ به في شي‌ء من الفقرات الثلاث، ضرورة عدم القصاص بين الصبيان حتى في النفس، فإن قتل الصبي يحسب خطأ محضا تحمّل الدية على عاقلته و بين الرجال و النساء قصاص في النفس و غيرها و ليس بين العبيد و الأحرار قصاص، كما تقدّم.

و أمّا معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) «ليس بين العبيد و الأحرار قصاص فيما دون النفس و ليس بين اليهودي و النصراني و المجوسي قصاص إلّا في النفس» (2)، فيمكن الأخذ بما ورد في صدورها و غاية مفادها ثبوت القصاص بين الحرّ و العبد بنحو الموجبة الجزئية أو بنحو القضية المهملة فيحمل على صورة تعوّد المولى على قتل عبيده، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) المراد كفارة الجمع كما يشهد عليه صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل يقتل عبده متعمّدا أيّ شي‌ء عليه من الكفّارة؟ قال:

عتق رقبة و صيام شهرين متتابعين و صدقة على ستين مسكينا» (3). و موثقة‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 22 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 139.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 22 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 139.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 6: 68.

92

..........

____________

سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل قتل مملوكا له، قال:

يعتق رقبة و يصوم شهرين متتابعين و يتوب إلى اللّه» (1). و في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من قتل عبده متعمّدا فعليه أن يعتق رقبة و أن يطعم ستين مسكينا و أن يصوم شهرين» (2).

و بذلك يرفع اليد عن الاطلاق في حسنة عمران عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يقتل مملوكا له قال: يعتق رقبة و يصوم شهرين متتابعين و يتوب إلى اللّه عز و جل» (3) بتقييده بإطعام ستين مسكينا بقرينة ما تقدّم.

و ما في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «في الرجل يقتل مملوكه متعمدا قال: يعجبني أن يعتق رقبة و يصوم شهرين متتابعين و يطعم ستين مسكينا ثمّ تكون التوبة بعد ذلك» (4) من التعبير بقوله (عليه السلام) «يعجبني» لا ينافي كونه واجبا.

و أمّا أنّه لا يقتل، فيدلّ عليه- مضافا إلى إطلاق ما تقدّم من أنّه لا يقتل الحرّ بالعبد- معتبرة يونس (5) و معتبرة السكوني (6)؛ حيث ورد في الأولى أنّه إذا كان المولى معروفا بقتل العبيد يقتل، و إلّا يضرب ضربا شديدا على ما تقدّم، و ورد في الثانية على ما رواه في الفقيه أنّ عليا (عليه السلام) رفع إليه رجل عذّب عبده حتّى مات فضربه مائة نكالا و حبسه و غرّمه قيمة العبد فتصدّق بها‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4: 68.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 67.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 67.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 67.

(5) الوسائل: ج 19، الباب 38 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 69.

(6) الوسائل: ج 29، الباب 37، الحديث 35230: 37.

93

..........

____________

عنه، و بما أنّه ورد في هذه المعتبرة الضرب بمائة و حبسه فقد حدّد في بعض الكلمات من أصحابنا الضرب بمائة جلدة ضربا شديدا و حبسه و أخذ قيمة العبد و التصدّق بها أو إرجاع القيمة إلى بيت المال، حيث إنّ إرجاعها إلى بيت المال وارد في صحيحة يونس و التصدّق بها في المعتبرة، و مقتضى الجمع بينهما برفع اليد عن إطلاق كلّ منهما في التعيّن بصراحة الأخرى في جواز ما ورد فيه و تكون النتيجة هو التخيير.

و لكن يمكن أن يقال ما ورد في المعتبرة حكاية فعل فلا تدلّ إلّا على مشروعية الضرب بالمائة و حبس مولى القاتل لا على وجوبهما حتى يرفع اليد بها عن إطلاق صحيحة يونس و غيرها من ذكر التعزير بالضرب الشديد و عدم ذكر الحبس بخلاف التغريم فإنّه وارد في الصحيحة و المعتبرة فيلتزم أنّه حكم شرعي مترتّب على قتل المولى عبده لا أنّه داخل في التعزير ليكون اختياره بيد الحاكم و نظره كالحبس.

و بتعبير آخر التغريم الوارد فيها نظير التغريم الوارد فيمن قتل العبد، حيث ذكر في بعض تلك الروايات في مقام التأديب و التعزير نظير موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال: يقتل العبد بالحر و لا يقتل الحرّ بالعبد و لكن يغرم ثمنه و يضرب ضربا شديدا حتّى لا يعود» (1).

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا قتل الحرّ العبد غرّم قيمته و أدّب. قيل: فإن كانت قيمته عشرين ألف درهم قال: لا يجاوز بقيمته دية الأحرار» (2)، فإنّ قوله «حتّى لا يعود» تعليل راجع إلى ضربه.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 40 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 71.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 40 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4: 71.

94

و قيل يغرم قيمته و يتصدّق بها، و في المستند ضعف (1) و في بعض الروايات ان اعتاد ذلك قتل به، و لو قتل عبدا لغيره عمدا غرم قيمته يوم قتله (2).

____________

(1) قد تقدّم عدم ضعف في مستنده و أنّ التصدّق بها تخيير بينه و بين إرجاع القيمة إلى بيت مال المسلمين و أنّ ما في الروايتين من أنّ المولى إذا تعوّد على قتل مملوكه و عبده يقتل، يتعيّن الأخذ به و يتعدّى إلى ما إذا تعوّد بقتل المملوكة لعدم احتمال الاختصاص بالعبد خصوصا بملاحظة ورود المملوكة في رواية الفتح بن يزيد.

(2) إذا قتل الحرّ عبدا لغيره عمدا ضمن قيمة العبد يوم قتله و عزّر بضرب شديد و كأنه لا خلاف في الحكم.

و يشهد له صحيحة أبي بصير عن أحدهما (عليه السلام) قال: «قلت له: قول اللّه عز و جل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثىٰ بِالْأُنْثىٰ قال: لا يقتل حرّ بعبد و لكن يضرب ضربا شديدا و يغرم ثمنه دية العبد» (1)، و نحوها غيرها.

و إذا قتل الحرّ الأمة عمدا فالحكم أيضا كذلك لا يقتل الحرّ بالأمة و يكون عليه قيمتها يوم قتلها فإنّ الروايات و إن كانت واردة في قتل الحرّ العبد و المملوك إلّا أنّ المتفاهم منها عرفا عدم الفرق بين قتل الحر العبد أو الأمة في أنّه لا قصاص على الحرّ بقتله المملوك بلا فرق بين العبد و الأمة بل الأمر كذلك في قتل الحرّة العبد أو الأمة فلا قصاص على الحرّة بل يكون عليها قيمة العبد و الأمة يوم القتل لمولاهما، حيث إنّ اليوم المزبور يوم اشتغال الذمّة بالدية التي هي قيمة العبد أو الأمة، و يدلّ عليه رواية‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 40 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 71.

95

و لا يتجاوز بها دية الحر و لا بقيمة المملوكة دية الحرة (1) و لو كان ذمّيا لذمي

____________

أبي الورد (1) و لضعف سندها صالحة للتأييد.

و الأمر في قتل الحر العبد أو الأمة و في قتل الحرّة العبد و الأمة خطأ أيضا كذلك، يعني يكون دية المقتول قيمته كان عبدا أو أمة، و الفرق بينهما أنّ في صورة القتل عمدا تكون الدية على القاتل، و في صورة الخطأ على عاقلته، على ما يأتي. نعم يختصّ التعزير بالضرب الشديد بصورة القتل عمدا كما هو ظاهر.

(1) بلا خلاف يعتدّ به.

و يدلّ على ذلك صحيحة الحلبي المتقدمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث ورد فيها «إذا قتل الحرّ العبد غرم قيمته و أدّب، قيل: فإن كانت قيمته عشرين ألف درهم قال: «لا يتجاوز بقيمة عبد دية الأحرار» (2).

و في صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دية العبد قيمته، فإن كان نفيسا فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم، و لا يتجاوز به دية الحر» (3).

و على ذلك فإن كان المقتول أمة فديتها قيمتها، و إذا زادت قيمتها على دية الحرة لا تكون ديتها أكثر من دية الحرّة. و دية الحرة نصف دية الحرّ على ما دلّت عليه الروايات، كصحيحة عبد اللّه بن مسكان، حيث ورد فيها «دية المرأة نصف دية الرجل» (4). و صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 7 من أبواب ديات النفس، الحديث 1: 153.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 40 من أبواب ديات النفس، الحديث 4: 18.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 6 من أبواب ديات النفس، الحديث 2: 152.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 5 من أبواب ديات النفس، الحديث 1: 151.

96

لم يتجاوز بقيمة الذكر دية مولاه و لا بقيمة الانثى دية الذمية (1).

____________

في الرجل يقتل المرأة قال: «إن شاء أوليائها قتلوه و غرموا خمسة آلاف درهم لأولياء المقتول و إن شاءوا أخذوا خمسة آلاف درهم من القاتل» (1)، و غير ذلك مما ورد في دية الحرّة.

بقي في المقام أمر و هو أنّ ما تقدّم من الروايات الدالّة على أنّ دية العبد قيمته و أنّ قيمته إذا تجاوزت دية الحرّ تكون ديته بمقدار دية الحرّ ناظر إلى ضمان القاتل من جهة القتل و إذا كان الموجب لضمانه القيمة أمرا آخر فالقاتل يضمن تمام قيمته و إن زادت دية الحرّ كما إذا غصب عبد الغير ثمّ قتله و كانت قيمته أكثر من دية الحر فالقاتل يضمن تمام قيمته لأنّ ضمانه تمامها ليس بالقتل بل للغصب، و لو مات العبد المغصوب في يد الغاصب كان على الغاصب تمام قيمته فكيف إذا قتله بعد الغصب فإنّ القتل لا يسقط من ضمانه.

(1) دية الذمّي الحرّ ثمانمائة درهم و الذمّية الحرة ديتها نصفها لما دلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الذكر و على ذلك لو قتل المسلم العبد الذمّي الذي كان لذمّي يكون دية العبد المزبور قيمته، و إذا تجاوزت قيمته دية الذمّي الحرّ المفروض كون مولاه كذلك يكون على المسلم ثمانمائة درهم كما أنّه إذا قتل المسلم الأمة الذمّية يكون عليه أربعمائة درهم دية الحرة الذمّية، فإنّ دية الأمة الذمّية لا تتجاوز دية الذمّية الحرّة، و مقتضى ما ذكر عدم الفرق بين أن يكون العبد الذمّي لذمّي و الأمة الذمّية للحرّ الذمي أو للحرّة الذمّية أو كان العبد و الأمة الذميين للمولى المسلم أو المسلمة.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 5 من أبواب ديات النفس، الحديث 4: 151.

97

..........

____________

و لكن ظاهر كلام جملة من الأصحاب و المصرّح به في كلام بعضهم كالعلّامة و غيره أنّ العبد الذمّي إذا كان لمسلم فديته قيمته ما لم يتجاوز دية الحر المسلم و دية الأمة الذمّية قيمتها ما لم يتجاوز دية المسلمة الحرّة.

و يستدلّ على ذلك بما أرسله في الإيضاح (انّ العبد لا يتجاوز بقيمته دية مولاه) و ظاهر كلام الماتن أيضا الالتزام بذلك حيث قيّد كون العبد الذمي المقتول بكون مولاه ذمّيا و الأمة الذمّية المقتولة بكون مولاتها ذمّية فإنّه بناء على ما ذكرنا أنّ دية العبد الذمّي لا يتجاوز عن دية الحر الذمّي سواء كان مولاه ذمّيا أو مسلما و كذلك الأمة الذمية لا تتجاوز ديتها أربعمائة درهم كانت لذمّي أو لمسلم أو لمسلمة، بل ربما احتمل بعضهم أنّ العبد الذمّي لذمّي إذا أسلم عند مولاه و قتل قبل أن يباع على مولاه لا يتجاوز ديته عن دية مولاه الذمّي أخذا بعموم الخبر.

و لكن لا يخفى من عدم وجود الخبر المزبور في كتب أخبارنا و الاستناد إليه في رفع اليد عما ذكرنا من مقتضى الروايات مشكل جدّا.

و ما يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) من التمسّك فيما إذا كان العبد الذمّي المقتول لمسلم بالإطلاق في قوله (عليه السلام) «دية العبد قيمته» لم يظهر للتمسك بالإطلاق المزبور وجه بعد ورود القيد بأنّ الدية قيمته ما لم يتجاوز ديته دية الحر الظاهر في الحر المسلم إذا كان العبد مسلما و الحرّ الذمّي إذا كان العبد المقتول ذمّيا، و اللّه سبحانه هو العالم.

98

و لو قتل العبد حرّا قتل به (1) و لا يضمن المولى جنايته لكن وليّ الدم بالخيار بين قتله و بين استرقاقه و ليس لمولاه فكّه مع كراهية الوليّ.

و لو جرح حرّا كان للمجروح الاقتصاص منه، فإن طلب الدية فكّه مولاه بأرش الجناية (2) و لو امتنع كان للمجروح استرقاقه إن أحاطت به الجناية و إن قصر

____________

(1) بلا خلاف يعرف لقوله (عليه السلام) في موثقة سماعة: «يقتل العبد بالحر» (1)، و صحيحة زرارة عن أحدهما (عليه السلام): «في العبد إذا قتل الحرّ دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه و إن شاءوا استرقّوه» (2)، و ظاهر هذه الصحيحة انّ الاختيار بيد وليّ المقتول و ليس لمولاه إلزام وليّ المقتول بأخذ الدية و نحوها غيرها كما أنّ الوليّ ليس له إلّا الاقتصاص من العبد و استرقاقه و ليس له إلزام مولاه بإعطاء الدية أو إلزامه بردّ التفاوت بين قيمة العبد و دية المقتول بعد الاقتصاص من العبد أو استرقاقه، حيث إنّ مولى العبد لا يغرم أكثر من نفس العبد.

كما يدلّ على ذلك- مضافا إلى ظاهر الصحيحة أي إطلاقها المقامي- صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) حيث ورد فيها «انّ العبد لا يغرم أهله وراء نفسه شيئا» (3).

(2) فللمولى فكّ عبده بأرش جنايته فإن أبى من فكّه بأرش الجناية يكون المجني عليه على التخيير بين أن يسترقّ العبد كلّه إذا أحاطت أرش جنايته تمام قيمته، أو بمقدار نسبة أرش الجناية إلى قيمته فيكون العبد مشتركا بينه و بين مولاه و بين أن يطالب مولاه بالبيع و يستوفي من ثمنه أرش الجناية،

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 40 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 71.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 41 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 73.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب ديات النفس، الحديث 2: 157.

99

ارشها كان له أن يسترقّ منه بنسبة الجناية من قيمته، و إن شاء طالب ببيعه و له من ثمنه ارش الجناية فإن زاد ثمنه فالزيادة للمولى.

____________

و إن زادت قيمته عن أرشها فالزيادة للمولى.

و لكن الوارد في حكم جناية العبد على الحرّ صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في عبد جرح حرّا فقال: «إن شاء الحرّ اقتصّ منه و إن شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته و إن كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحرّ المجروح من العبد بقدر دية جراحه و الباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقّه و يردّ الباقي على المولى» (1).

و ظاهرها أنّ للمجنيّ عليه الاقتصاص من العبد و إذا لم يقتصّ له استرقاق العبد إذا كان أرش جنايته مستوعبا لتمام قيمته، و أمّا إذا لم يستوعب أرشها قيمته فللمولى أن يفكّ عبده بأرش الجناية فإن امتنع يكون العبد مشتركا بين مولاه و المجني عليه بنسبة أرش جنايته إلى قيمته فيباع العبد و يأخذ المجني عليه مقدار حصته و يكون الباقي للمولى. و الفرق بين مدلولها و بين ما ذكره الماتن في أمرين:

أحدهما: انّ مدلول الصحيحة انّ للمجني عليه استرقاق العبد فيما إذا أحاطت جنايتها بقيمته و ليس للمولى إلزام المجني عليه بأخذ أرش الجناية و يدلّ على ذلك أيضا صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في عبد جرح رجلين قال: هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته» (2).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 8 من أبواب ديات النفس، الحديث 2: 154.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 45 من أبواب ديات النفس، الحديث 1: 77.

100

و لو قتل العبد عبدا عمدا (1) فالقود لمولاه، فإن قتل جاز و إن طلب الدية تعلّقت برقبة الجاني، فإن تساوت القيمتان كان لمولى المقتول استرقاقه و لا يضمنه مولاه و لكن لو تبرّع فكّه بقيمة الجناية و إن كانت قيمة القاتل أكثر فلمولاه منه بقدر

____________

و على الجملة ظاهر الصحيحتين أنّ مع إحاطة أرش جناية العبد على الحرّ بقيمته يكون للحر المجني عليه الاقتصاص من العبد أو استرقاقه مع أنّ ظاهر الماتن انّ استرقاقه مترتّب على امتناع مولاه عن أداء أرش جنايته حتى ما إذا كان أرش جنايته محيطا بقيمته.

ثانيهما: انّ مع عدم إحاطة أرش جناية العبد بقيمته يكون المجني عليه مخيرا بين الاقتصاص و طلب أرش الجناية من مولاه، فإن امتنع المولى عن فك العبد بأداء أرش الجناية فهو- يعني العبد- يكون مشتركا بين المولى و المجني عليه فيباع العبد كسائر الأموال المشتركة، فيأخذ كلّ منهما من ثمنه حصّته. فالمتعيّن الأخذ بمدلول الصحيحة لعدم قيام وجه معتبر على التصرّف في مدول الصحيحتين و حمل البيع في صحيحة الفضيل على تخيير المجني عليه مع أنّ ظاهرها كون البيع من مقتضى اشتراك العبد بين المجني عليه و مولاه.

(1) إذا قتل العبد عبدا كان لمولى العبد المقتول القصاص من العبد القاتل، حيث إنّ ولي الدم للعبد المقتول مولاه، و يشهد لقتل العبد بالعبد و الأمة بالأمة بل الأمة بالعبد و العبد بالأمة قوله سبحانه: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1) وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثىٰ بِالْأُنْثىٰ (2) و الحكم في الجملة مما لا إشكال فيه و لا تأمّل.

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

(2) سورة البقرة: الآية 178.

101

قيمة المقتول، و إن كانت قيمته أقلّ فلمولى المقتول قتله أو استرقاقه و لا يضمن مولى القاتل شيئا إذ المولى لا يعقل عبدا.

____________

إنّما الكلام في جهات:

الأولى: ما هو ظاهر الماتن (قدس سره) من أنّ لمولى العبد المقتول الاختيار في أن يقتصّ من العبد القاتل و أن تطلب الدية، و بما أنّ المولى لا يغرم وراء نفس العبد شيئا و أنّ جناية العبد تكون الدية في رقبته، يكون مقتضى ذلك أنّ له استرقاقه.

أضف إلى ذلك ما تقدّم في قتل العبد حرّا من أنّ وليّ الحر المقتول مخيّر بين قتل العبد و بين استرقاقه كما يدلّ عليه الروايات كصحيحة زرارة عن أحدهما (عليه السلام) «في العبد إذا قتل الحرّ دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه و إن شاءوا استرقّوه» (1)، و إذا جاز الاسترقاق و ترك قتل العبد إذا قتل الحرّ يكون ترك قتله و جواز استرقاقه أولى فيما قتل العبد عبدا كما قيل.

و لكن لا يخفى ما في الوجهين فإنّ الثابت للوليّ في القتل العمدي هو حقّ القصاص من القاتل و أمّا ثبوت الدية فيحتاج إلى التراضي بينه و بين القاتل، و قد خرجنا عن ذلك فيما إذا قتل العبد حرّا لدلالة صحيحة زرارة و غيرها أنّ وليّ المقتول مخيّر بين الاقتصاص من العبد القاتل أو استرقاقه و رفع اليد عنه فيما إذا قتل العبد عبدا بأن يلتزم أنّ لمولى العبد المقتول استرقاق العبد القاتل و لو بلا رضا مولاه فيحتاج إلى قيام دليل عليه و الأولوية التي ذكرها في الجواهر (2) لم يظهر لها وجه صحيح.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 41 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 73.

(2) جواهر الكلام: 42/ 103.

102

..........

____________

و الجهة الثانية: أنّ العبد المقتول إذا كانت قيمته مختلفا مع قيمة العبد القاتل بأن كان قيمة العبد القاتل أكثر و اقتصّ منه مولى العبد المقتول فهل عليه ردّ الزائد على مولى العبد القاتل أو ليس عليه الردّ؟ المنسوب إلى العلّامة في القواعد و المختار في المسالك هو لزوم الردّ؛ لأنّ في العبد يلاحظ فيه المالية فلا يستوفى الزائد بالناقص، نعم إذا كان الأمر بالعكس بأن كان قيمة العبد المقتول أكثر فمع الاقتصاص من العبد القاتل لا يكون على مولاه شي‌ء حيث إنّ المولى لا يغرم وراء نفس العبد شيئا.

و لكن لا يخفى أنّ ظاهر الآية المباركة مقابلة النفس بالنفس في الحرّ و في العبد، حيث ذكر سبحانه النَّفْسَ بِالنَّفْسِ و الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ و الخروج عن ذلك يحتاج إلى قيام دليل عليه و ليس في المقام ما يحسب دليلا على الخروج، فيجوز لمولى المقتول قتل العبد القاتل من غير ردّ شي‌ء إلى مولاه إذا زادت قيمته عن قيمة العبد المقتول.

و الجهة الثالثة: فيما إذا قتل العبد الأمة أو قتلت الأمة عبدا فهل يؤخذ بمقتضى قوله سبحانه النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1) و يحكم بأنّه إذا أراد مولى الأمة المقتولة القصاص من العبد القاتل لا يرد على مولاه نصف قيمته، كما أنّه إذا أراد مولى العبد الذي قتله الأمة الاقتصاص منها لا يأخذ من مولاها نصف قيمة عبده لما تقدّم من أنّ المولى لا يغرم غير نفس العبد شيئا؟

الصحيح ذلك، لما تقدّم من ظهور الآية في مقابلة النفس بالنفس و الخروج عن ذلك في الحرّ و الحرّة إذا قتلت المرأة رجلا، كان لقيام الدليل‌

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.