تنقيح مباني الأحكام - كتاب القصاص

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
338 /
103

..........

____________

عليه و أنّه إذا أراد أولياء الحرّة قتل الرجل الحرّ فعليهم ردّ نصف ديته.

ثمّ إنّه إذا بنى على أنّ لمولى المقتول استرقاق العبد و لو بلا رضا مولاه لأنّ الدية تتعلق برقبة العبد و يقتضي التعلّق بها جواز استرقاقه يكون استرقاق العبد بتمامه في صورتين:

إحداهما: ما إذا كانت قيمة العبد المقتول أو الأمة المقتولة مساوية مع قيمة العبد القاتل.

ثانيتهما: ما إذا كانت قيمة المقتول أكثر من قيمة العبد القاتل فإنّه لا يكون لمولى المقتول إلّا قتل العبد القاتل أو استرقاقه و لا يضمن مولى القاتل شيئا، حيث إنّ أهل العبد لا يغرم وراء نفسه شيئا و أنّ المولى لا يعقل عبده، و أمّا إذا انعكس الأمر بأن كان قيمة القاتل أكثر من قيمة المقتول فقد تقدّم في الجهة الثانية أنّ لمولى المقتول قتله و لا يرد على مولى القاتل مع قتل القاتل شيئا.

و أمّا إذا أراد استرقاق القاتل فلا يسترقّ منه بأكثر من قيمة مقتوله؛ لأنّ دية مقتوله قيمته فأخذ تلك القيمة و تعلّقها برقبة القاتل الاسترقاق بمقدارها و قد تقدّم أنّ في جرح العبد الحرّ إذا كانت قيمة العبد أكثر من دية الجرح فيسترق المجني عليه مع امتناع مولاه عن دفع أرش جناية عبده بمقدار أرش الجناية.

بقي في المقام أمر و هو أنّ ظاهر كلام الماتن أنّ مولى العبد المقتول إذا طلب الدية لا تكون الدية مضمونة على مولى العبد القاتل حيث أنّ المولى لا يعقل العبد إلّا أنّه إذا أراد فكّ عبده من جنايته فكّه بأرش جناية عبده‌

104

و لو كان القتل خطأ كان مولى القاتل بالخيار بين فكّه بقيمته (1) و لا تخيير لمولى المجني عليه و بين دفعه، و له منه ما يفضل عن قيمة المقتول و ليس عليه ما يعوز.

____________

و أرش جناية عبده في المقام قيمة العبد المقتول.

و لكن لا يخفى أنّه لا دليل على جواز فكّه جناية عبده بأرش جناية عبده أو بقيمة عبده القاتل أو بأقل الأمرين من غير رضا مولى العبد المقتول.

نعم إذا تضمّن طلبه الدية الرضا بالفكّ كان لمولى العبد القاتل الفك المزبور.

(1) إذا قتل العبد عبدا أو أمة خطأ فقد تقدّم ما يدلّ على أنّ جناية العبد تتعلق برقبته و لا يعقل المولى العبد و لكن مولى العبد القاتل مخيّر بين إعطاء قيمة العبد المقتول أو الأمة المقتولة و بين دفع العبد إلى مولى المقتول فيسترقّه بتمامه إذا كانت قيمته مساوية لقيمة المقتول أو المقتولة أو أقل.

و أمّا إذا كانت قيمة العبد القاتل أكثر، فلمولاه الزائد على قيمة المقتول أو المقتولة.

و الوجه في ذلك أنّ مقتضى كون جناية العبد على رقبته و ليس على مولاه ضمان جنايته انّه إذا كانت قيمة المقتول أكثر فلا يتحمل مولى القاتل شيئا و لا يكون عليه ما يعوز بخلاف ما كانت قيمته أكثر فإنّه ليس لمولى المقتول غير ديته، و بما أنّ تلك الدية برقبة العبد فيسترق منه مقدار دية المقتول.

و أمّا أنّ لمولى القاتل دفع دية العبد المقتول أو المقتولة و أنّه مخيّر بين دفعها و دفع عبده فيدلّ عليه صحيحة محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في مدبّر قتل رجلا خطأ قال: إن شاء مولاه أن يؤدّي إليهم الدية و إلّا دفعه‌

105

..........

____________

إليهم يخدمهم» (1)، فإنّه لا فرق كما سيأتي بين القنّ و المدبّر في هذا الحكم، و أنّ المدبّر ما دام لم يمت مولاه الذي دبّره بحكم القنّ و بهما يرفع اليد عن اطلاق صحيحة أبي بصير الدالّة على تعيّن دفع العبد القاتل إلى وليّ المقتول، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مدبّر قتل رجلا عمدا فقال: تقيل به قال: قلت: فإن قتله خطأ؟ قال فقال: يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم رقّا فإن شاءوا باعوا و إن شاءوا استرقّوا و ليس لهم أن يقتلوه قال ثم قال:

يا أبا محمد إنّ المدبّر مملوك» (2). و نحوها صحيحة محمد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مكاتب قتل رجلا خطأ قال فقال: إن كان مولاه حين كاتبه اشترط عليه ان عجز فهو ردّ في الرق فهو بمنزلة المملوك يدفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا استرقّوا و إن شاءوا باعوا» الحديث، هذا على رواية الصدوق. و في رواية الكليني كما في الوسائل: «فإن شاءوا قتلوا و إن شاءوا باعوا» (3) فهو سهو لعدم ثبوت القصاص في القتل الخطئي و لو كان المراد بالخطإ مقابل الصواب لا مقابل العمد خرج الخبر عن مورد الكلام و هو قتل العبد خطأ.

فإنّهما و إن كانتا ظاهرتين في قتل المملوك حرّا خطأ إلّا أنّه لا فرق بين قتله الحرّ أو العبد في كون الدية في رقبة العبد، و قد دلّت صحيحة محمد بن حمران على أنّ للمولى فكّ العبد الجاني خطأ بإعطاء دية المقتول كان المقتول عبدا أو حرا.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب ديات النفس، الحديث 3: 155.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 42 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 74.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 46 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 78.

106

و لو اختلف الجاني و مولى العبد في قيمته يوم قتل، فالقول قول الجاني مع يمينه إذا لم يكن للمولى بيّنة (1).

و المدبّر كالقنّ (2) و لو قتل عمدا قتل و إن شاء الولي استرقاقه كان له، و إن

____________

(1) و الوجه في ذلك انّ مولى العبد المقتول يدّعي الزيادة على ما يعترف به مولى العبد القاتل أو الجاني، فإن أقام بيّنة على أنّ قيمة عبده عند القتل كانت تلك الزيادة فهو، و إلّا يحلف الجاني أو مولى المقتول على نفي تلك الزيادة.

نعم لو ردّ الجاني أو مولى العبد القاتل الحلف على مولى المقتول فحلف ثبتت تلك الزيادة على ما هو ميزان القضاء.

و في رواية أبي الورد قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل عبدا خطأ، قال: عليه قيمته و لا يجاوز بقيمته عشرة آلاف درهم قلت و من يقوّمه و هو ميّت؟ قال: إن كان لمولاه شهود أنّ قيمته يوم قتل كان كذا و كذا أخذ بها قاتله و إن لم يكن له شهود على ذلك كانت القيمة على من قتله مع يمينه يشهد باللّه ما له قيمة أكثر مما قوّمته فإن أبى أن يحلف و ردّ اليمين على الولي فإن حلف المولى أعطى ما حلف عليه» الحديث (1).

(2) لما تقدّم في صحيحة أبي بصير من أنّ المدبّر مملوك فيجري عليه ما جرى على قتل العبد عمدا أو خطأ سواء كان المقتول حرّا أو عبدا، فإن كان قتله عمدا كان وليّ المقتول مخيّرا بين قتله قصاصا أو استرقاقه، و إن كان قتله خطأ يكون مولى القاتل مخيّرا بين فكّه بالدية و تسليمه إلى مولى المقتول أو وليّه.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 7 من أبواب ديات النفس، الحديث 1: 153.

107

قتل خطأ فإن فكّه مولاه بأرش الجناية و إلّا سلّمه للرقّ و إذا مات الذي دبّره هل ينعتق قيل لا؛ لأنّه كالوصية؛ و قد خرج عن ملكه بالجناية فيبطل التدبير، و قيل

____________

ثمّ يقع الكلام في أنّه إذا صار رقّا لمولى المقتول أو لأوليائه فهل يكون في ملكهم أيضا مدبّرا نظير ما ذكرنا في بيع الراهن العين المرهونة و لازم ذلك أن ينعتق العبد القاتل بمجرّد موت مولاه الذي دبّره أو أنّ التدبير كالوصية بالعبد و إذا خرج العبد الموصى به للغير عن ملك الموصى بالبيع أو بالصلح و نحوها تبطل الوصية.

و مقتضى صحيحة محمد بن حمران انتقال العبد إلى ولي المقتول مدبّرا حيث روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مدبّر قتل رجلا خطأ قال: «إن شاء مولاه أن يؤدّي إليهم الدية و إلّا دفعه إليهم يخدمهم فإذا مات مولاه يعني الذي أعتقه- رجع حرّا» (1). و نحوها صحيحة جميل قال: «قلت:

لأبي عبد اللّه (عليه السلام): مدبّر قتل رجلا خطأ من يضمن عنه؟ قال: يصالح عنه مولاه فإن أبى دفع إلى أولياء المقتول يخدمهم حتى يموت الذي دبّره ثمّ يرجع حرّا لا سبيل عليه» (2). و ظاهر هذه أنّه لا يطالب بعد حرّيته بشي‌ء و لا يستسعى، و قد نقل ذلك عن ظاهر المفيد (قدس سره).

و لكن المنقول عن الشيخ في نهايته و كتابي الأخبار أنّه يستسعى في دية المقتول لأنّ ديته عليه و ذكر الماتن (قدس سره) أنّ الاستسعاء في دية المقتول وهم؛ لأنّ رقبة العبد صارت دية المقتول و لو كان عليه بعد انعتاقه عوضا يكون العوض قيمة رقبته كما يدلّ عليه خبر هشام بن أحمر، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن مدبّر قتل رجلا خطأ قال: أيّ شي‌ء رويتم في هذا؟ قال:

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب ديات النفس، الحديث 3: 155.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب ديات النفس، الحديث 1: 155.

108

لا يبطل بل ينعتق و هو المروي، و مع القول بعتقه هل يسعى في فكّ رقبته؟ فيه خلاف، الأشهر أنّه يسعى، و ربما قال بعض الأصحاب يسعى في دية المقتول و لعلّه وهم.

____________

قلت: روينا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: يتلّ برمّته إلى أولياء المقتول فإذا مات الذي دبّره اعتق، قال: سبحان اللّه فيبطل دم امرئ مسلم! قال: قلت: هكذا روينا قال: غلطتم على أبي يتلّ برمّته إلى أولياء المقتول فإذا مات الذي دبّره استسعى في قيمته» (1).

و لو كانت هذه الرواية تامّة سندا لكان المتعيّن الالتزام بمدلولها لحكومتها بنظرها إلى المروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و لكن ضعفها سندا يمنع عن الأخذ بها و طرح المروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و دعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور لا يمكن المساعدة عليها؛ لأنّ الشهرة على تقديرها في العمل بمضمونها لوجه آخر و هو ما يقال من أنّ لازم انعتاقه بعد موت المولى الذي دبّره بلا استسعاء ذهاب دم المقتول هدرا حيث إنّه يمكن أن يكون قتل المدبّر خطأ في زمان ثم ان يموت مولاه في زمان ثان قبل أن يسترّقه أولياء المقتول أو مولى المقتول، و هذا و إن كان غير صحيح لأنّ المفروض في صحيحتي محمد بن حمران و جميل استرقاق المدبّر إلى حين موت المولى الذي دبّره و هذا الاسترقاق الدّية التي تعلّق برقبة العبد، و إذا انعتق بموت مولاه لا يكون عليه شي‌ء، نظير ما إذا مات بعد استرقاقه، بخلاف ما إذا مات مولاه قبل الاسترقاق، فإنّ دية المقتول على العبد المعتق حيث لم يؤدّ الدية فيكون عليه الاستسعاء في دية المقتول.

و على الجملة، المتعيّن الأخذ بصحيحتي محمد بن حمران و جميل في‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب ديات النفس، الحديث 5: 156.

109

و المكاتب إن لم يؤدّ من مكاتبته شيئا أو كان مشروطا فهو كالقنّ (1)،

____________

مورد دلالتهما، و في غيره يؤخذ بما ذكرنا من استسعائه بعد انعتاقه في دية المقتول.

(1) بلا خلاف ظاهر أو منقول، و يشهد لذلك ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مكاتب قتل رجلا خطأ قال: فقال: إن كان مولاه حين كاتبه اشترط عليه إن عجز فهو ردّ في الرق فهو بمنزلة المملوك يدفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا و إن شاءوا باعوا و إن كان مولاه حين كاتبه لم يشترط عليه و كان قد أدّى من مكاتبته شيئا» الحديث (1)، فإنّ ظاهرها أنّ المكاتب المشروط كما هو مقتضى الصدر و المكاتب المطلق الذي لم يؤد شيئا من مال الكتابة كما هو مقتضى التقييد (في ثبوت الحكم الآخر بقوله (عليه السلام) و قد أدّى من مكاتبته شيئا) بحكم المملوك القنّ، فيجري عليهما حكم القنّ الذي قتل حرّا عمدا من تخيير أولياء المقتول بين الاقتصاص و بين استرقاقه إلّا أن توافق أولياء المقتول مع مولاه على دفع قيمته على ما تقدّم في فكّه.

و يدلّ على ذلك أيضا ما ورد في صحيحة أبي ولّاد الحنّاط «انّ المكاتب إن لم يكن قد أدّى من مكاتبته شيئا فإنّه يقاصّ العبد به» (2)، فإن قتل العبد القاتل بقتله عبدا من حكم القنّ كما لا يخفى، و على ذلك فلو قتل المشروط أو المكاتب المزبور عمدا فيجري عليه الاقتصاص و الاسترقاق أو فكّ مولاه.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 46 من أبواب ديات النفس، الحديث 2: 78.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 46 من أبواب ديات النفس، الحديث 1: 78.

110

و إن كان مطلقا (1) و قد أدّى من مال الكتابة شيئا تحرّر منه بحسابه، فإذا قتل حرّا عمدا قتل به و إن قتل مملوكا فلا قود و تعلّقت الجناية بما فيه من الرقية مبعّضة فيسعى في نصيب الحرّية و يسترقّ الباقي منه أو يباع في نصيب الرق.

____________

(1) إذا كان المكاتب مطلقا و قد أدّى من مال الكتابة شيئا تحرّر بمقدار الأداء حينئذ إن قتل حرّا فلأولياء المقتول الاقتصاص منه و لهم أن يسترقّوه في مقدار ما بقي من رقّيته و ليس لهم مطالبة العبد أو مولاه بالدية في نصيب حرّيته لأنّ الثابت لوليّ المقتول القصاص أو الاسترقاق، و حيث إنّه لا يمكن استرقاق المكاتب في مقدار حرّيته يتعيّن استرقاقه في نصيب الرقّية.

نعم، إذا رضي المكاتب بدفع الدية في نصيب حريته فيسعى في نصيب الحرية كما هو الحال فيما إذا قتل المكاتب الذي أدّى بعض مال الكتابة عبدا عمدا فإنّه لا يتعلّق بالمكاتب الذي تحرّر منه البعض القصاص بقتله العبد فإنّ تحرّر بعض العبد يوجب كونه كالحرّ في عدم قتله بالعبد، و يكون لمولى العبد المقتول استرقاق بعض المكاتب أي نصيب رقّيته، و معه تبطل عقد الكتابة بالإضافة إلى نصيب رقّيته و يسعى العبد فيما تعلّق بذمّته من قيمة العبد المقتول، مثلا إذا قتل المكاتب الذي تحرّر منه ثلثه عبدا عمدا يساوي قيمته تسعمائة دينار يتعلّق بذمّة المكاتب ثلثه أي ثلاثمائة دينار، و إذا استرقّ مولى العبد المقتول ثلثي المكاتب لكون ثلثيه يساوي ستمائة دينار أو أقلّ تبطل عقد الكتابة في ثلثيه و يسعى المكاتب في ثلاثمائة دينار التي تعلّق بذمّته و إذا كان ثلثا المكاتب أكثر قيمة من ستمائة دينار و قلنا بأنّ مولى المكاتب مخيّر بين فكّه بإعطاء ستمائة دينار إلى مولى العبد المقتول و بين دفعه للاسترقاق على ما تقدّم.

فإن فكّه يبقى عقد الكتابة بحاله، و إن دفعه للاسترقاق ففي بقاء؟؟

111

..........

____________

الكتابة بحاله بالإضافة إلى الجزء الزائد أو لزوم دفع مولى العبد المقتول الزائد من قيمة المكاتب إلى مولاه وجهان لا يبعد الأول؛ لأنّه ليس لولي العبد المقتول الاسترقاق إلّا بمقدار قيمة عبده التي تعلّقت برقبة المكاتب في حصّة رقبته. ثمّ انّ المكاتب الذي تحرّر بعضه و قتل عبدا متعمدا إذا عجز عن السعي فمع عدم المال له يكون الدية على مولاه المكاتب.

و يدلّ على جميع ما ذكرنا صحيحة أبي ولّاد. فإنّه روى في الفقيه بإسناده عن الحسن بن محبوب عن أبي ولّاد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مكاتب جنى على رجل حرّ جناية، فقال: إن كان أدّى من مكاتبته شيئا غرم في جنايته بقدر ما أدّى من مكاتبته للحرّ و إن عجز عن حقّ الجناية أخذ ذلك من المولى الذي كاتبه قلت: فإن كانت الجناية لعبد؟ قال: على مثل ذلك يدفع إلى مولى العبد الذي جرحه المكاتب و لا يقاصّ بين المكاتب و بين العبد إذا كان المكاتب قد أدّى من مكاتبته شيئا فإن لم يكن أدّى من مكاتبته شيئا فإنّه يقاصّ للعبد منه أو يغرم المولى كلّ ما جنى المكاتب لأنّه عبده ما لم يؤدّ من مكاتبته شيئا» (1). و الصحيحة مرويّة في الفقيه كما ذكرنا.

و أما على رواية الكليني و الشيخ (قدس سرهما) ففي صدرها عن مكاتب اشترط عليه مولاه حين كاتبه و لكن الصحيح ما في الفقيه فإنّ المكاتب المشروط بحكم القنّ و لا يناسب ما ذكر من بعده، و قوله (عليه السلام): «على مثل ذلك» مقتضاه أنّ مع عجز المكاتب عمّا يتعلّق بذمّته يكون على مولاه إذا قتل عبدا متعمدا كما هو ظاهر صدرها في الجناية على الحرّ.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 4/ 129.

112

و لو قتل خطأ فعلى الإمام بقدر ما فيه من الحرية و المولى بالخيار بين فكّه بنصيب الرقّية من الجناية و بين تسليم حصّة الرق لتقاصّ بالجناية (1).

____________

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) أنّه إذا قتل المكاتب الذي تحرّر منه البعض حرّا أو عبدا خطأ يتعلّق من دية الحر أو قيمة العبد في نصيب حرّيته على عهدة الإمام و مولاه المكاتب- بالكسر-، مخيّرا بين فكّه في نصيب الرقّية من الجناية بدفع قيمة نصيب رقّيته أو دفعه للاسترقاق.

و يستدلّ على ذلك بمعتبرة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «في مكاتب قتل رجلا خطأ قال: عليه ديته بقدر ما اعتق و على مولاه ما بقي من قيمة المملوك فإن عجز المكاتب فلا عاقلة له إنّما ذلك على إمام المسلمين» (1).

و صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مكاتب قتل رجلا خطأ قال: فقال: إن كان مولاه حين كاتبه اشترط عليه إن عجز فهو ردّ في الرق فهو بمنزلة المملوك، فإن شاءوا قتلوا و إن شاءوا باعوا و إن كان مولاه حيث كاتبه لم يشترط عليه و كان قد أدّى من مكاتبته شيئا فإنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول يعتق من المكاتب بقدر ما أدّى من مكاتبته فإنّ على الإمام أن يؤدّي إلى أولياء المقتول من الدّية بقدر ما أعتق من المكاتب و لا يبطل دم امرئ مسلم و أرى أن يكون ما بقي على المكاتب مما لم يؤدّه رقّا لأولياء المقتول يستخدمونه حياته بقدر ما أدّى و ليس لهم أن يبيعوه» (2).

و لكن تقييد ما يتعلّق بذمّة المكاتب على الإمام بصورة عجزه في المعتبرة المتقدمة يوجب تقييدا لاطلاق في صحيحة محمد بن مسلم و يكون ما عليه على الإمام في صورة عجزه من الأداء كما أنّ ظاهر هذه الصحيحة‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب ديات النفس، الحديث 1: 157.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 46 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 78.

113

و في رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) إذا أدّى نصف ما عليه فهو بمنزلة الحرّ (1) و قد رجّحها في الاستبصار و رفضها في غيره.

____________

بقاء عقد الكتابة و عدم صيرورته رقّا إلّا بمقدار استيفاء الدية الباقية عليه.

و قيل إنّ المراد بالنهي عن بيعه هو النهي عن بيع جميع المكاتب.

و لكن ذلك خلاف ظاهر تقييد استخدامه مدّة حياته بالمقدار الذي بقي عليه من مقدار الدّية.

و الإشكال فيها بأنّ ظاهر صدرها فرض الجناية و وقوع القتل عمدا و في القتل عمدا لا تكون الدية حتى تكون في مقدار حرّية على الإمام.

يمكن دفعه بأنّ المراد من صدرها أيضا القتل خطأ و ما فيه «فإن شاءوا قتلوا» نسخة فإنّ الصدوق (قدس سره) رواها هكذا «و إن شاءوا باعوا و إن شاءوا استرقّوا».

و المتحصّل ممّا ذكرنا أنّ ما في اطلاق عبارة الماتن من كون دية الحر المقتول خطأ أو قيمة العبد المقتول خطأ في مقدار حريّة المكاتب على بيت المال يؤدّيه الإمام لا يمكن المساعدة عليه بل كون مقدارهما على الإمام إنّما هو فيما لم يكن للمكاتب مال و لم يتمكّن من تحصيله، و ما ورد في صحيحة عبد اللّه بن سليمان من أنّ مولى المكاتب ما بقي من قيمة المكاتب المراد منه جواز فكّ المولى على ما تقدّم.

(1) روى علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «سألته عن مكاتب فقأ عين مكاتب أو كسر سنّه ما عليه؟ قال: إن كان أدّى نصف مكاتبته فديته دية حرّ، و إن كان دون النصف فبقدر ما اعتق، و كذا إذا فقأ عين حرّ. و سألته عن حرّ فقأ عين مكاتب أو كسر سنّه قال: «إذا أدّى نصف مكاتبته تفقأ عين الحرّ أو ديته إن كان خطأ هو بمنزلة الحرّ و إن لم يكن أدّى‌

114

و العبد إذا قتل مولاه جاز للولي قتله (1) و كذا لو كان للحرّ عبدان فقتل أحدهما الآخر كان مخيرا بين قتل القاتل و العفو.

____________

النصف قوّم فأدّى بقدر ما اعتق منه و سألته عن المكاتب الذي أدّى نصف ما عليه قال: هو بمنزلة الحر في الحدود و غير ذلك من قتل أو غيره. و سألته عن مكاتب فقأ عين مملوك و قد أدّى نصف مكاتبته قال: يقوّم المملوك و يؤدّي المكاتب إلى مولى المملوك نصف ثمنه» (1). و ظاهرها خلاف ما تقدّم من أنّ المكاتب في مقدار حرّيته يكون الدية عليه و في مقدار رقّيته تتعلق الدية برقبته و للمولى فكّه بلا فرق بين أدائه من مال الكتابة نصف أو أقلّ منه.

و لو كانت الرواية معتبرة لأمكن رفع اليد بها عن إطلاق ما تقدّم، و لكن في سندها محمد بن أحمد العلوي و لم يثبت له توثيق فإنّ الشيخ (قدس سره) رواها بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن أحمد العلوي عن العمركي الخراساني عن علي بن جعفر.

(1) إذا قتل العبد مولاه عمدا يكون لولي المولى قتله، و كذا إذا كان له عبدان قتل أحدهما الآخر عمدا فإنّه يكون للمولى قتل الآخر قصاصا أو العفو عنه، و أمّا الاسترقاق فلا مورد له لأنّ القاتل في الأول ملك لأولياء المولى و في الثاني ملك للمولى و المملوك لا يسترقّ مالكه.

و في موثقة إسحاق بن عمّار قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل له مملوكان قتل أحدهما صاحبه أله أن يقيده به دون السلطان إن أحبّ ذلك؟

قال: هو ماله يفعل به ما شاء إن شاء قتل و إن شاء عفا» (2).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب ديات النفس، الحديث 3: 157.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 44 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 76.

115

[مسائل ستّ]

مسائل ستّ

[الأولى: لو قتل حرّ حرّين]

الأولى: لو قتل حرّ حرّين فليس لأوليائهما إلّا قتله و ليس لهما المطالبة بالدية (1).

____________

(1) المراد أنّه ليس لأحدهما أو كلاهما المطالبة بالدية من مال القاتل لما تقدّم من أنّ الثابت لوليّ الدم في القتل عمدا هو القصاص دون مطالبة الدية فإن قتلاه قصاصا ليس لهما المطالبة بنصف الدية لمقتولهما؛ لأنّه لا يجني الجاني أكثر من نفسه.

و أمّا لو اقتصّ أحدهما من القاتل ابتداء فهل لأولياء الآخر طلب الدية من ماله حيث فات مورد القصاص فينتقل الأمر إلى مطالبة الدية أو أنّه ليس لهم المطالبة بها؟

المنسوب إلى المشهور أنّه ليس لهم المطالبة؛ لأنّ الجاني لا يجني أكثر من نفسه، و عن جماعة أنّ لهم المطالبة كما إذا قتل شخص الآخر عمدا فمات القاتل قبل القصاص منه، و يستفاد ذلك من موثقة أبي بصير، قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل رجلا متعمدا ثمّ هرب القاتل فلم يقدر عليه قال: «إن كان له مال اخذت الدية من ماله و إلّا فمن الأقرب فالأقرب، و إن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم» (1)، فإن مقتضى التعليل عدم الخصوصية لهرب القاتل بل كلّما لم يكن القصاص منه لموته و لو بالقصاص منه من أولياء أحد المقتولين ينتقل الأمر إلى الدية من ماله و إن لم يكن له مال فإلى عاقلته و يأتي إن شاء اللّه تعالى أنّ الأظهر ما اختاره جماعة من الأصحاب خلافا للمشهور.

و ما يقال من أنّ الجاني لا يجني أكثر من نفسه يراد أنّه مع القصاص‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 4 من أبواب العاقلة، الحديث 1: 302.

116

و لو قطع يمين رجل و مثلها من الآخر قطعت يمينه بالأول و يساره بالثاني (1)

____________

من النفس في جنايته واحدة لما سيتّضح إن شاء اللّه تعالى و عدم استحقاق الوليين مع القصاص منه بنصف الدية؛ لأنّه مقتضى قوله سبحانه: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ و المطالبة بردّ الزائد يحتاج إلى قيام الدليل عليه كما تقدّم.

(1) ظاهر كلام الماتن (قدس سره) وفاقا للمشهور عدم جواز قطع الثاني بيمين القاطع قصاصا بل اليمنى حقّ للأول. نعم إذا عفى الأول أو صالحه على الدية يجوز للثاني قطع يمناه.

و لعلّ المستند في ذلك رواية حبيب السجستاني قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين قال: فقال: يا حبيب تقطع يمينه للذي قطع يمينه أوّلا و تقطع يساره للرجل الذي قطع يمينه أخيرا لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير و يمينه قصاص للرجل الأول، قال: فقلت: إنّ عليّا (عليه السلام) إنّما كان يقطع اليد اليمنى و الرجل اليسرى فقال: إنّما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق اللّه فأمّا يا حبيب حقوق المسلمين فإنّه تؤخذ لهم حقوقهم في قصاص اليد باليد إذا كانت للقاطع يد و الرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد» الحديث (1).

و لكنّ الرواية بحسب سندها ضعيفة، فإنّ حبيب السجستاني لم يثبت له توثيق و مقتضى ما تقدّم في قتل الحرّ حرّين إنّ أيّا من المجني عليهما سبق إلى القصاص فله يده اليمنى و للآخر القصاص من يده اليسرى؛ لأنّ المماثل للجناية مع وجود اليد اليمنى للجاني يده اليمنى، و إذا فقدت من الأصل أو بالقصاص و نحوه يكون المماثل يده اليسرى.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 2: 131.

117

فلو قطع يد ثالث قيل سقط القصاص إلى الدية (1) و قيل قطعت رجله بالثالث و كذا لو قطع رابعا.

____________

كما يستفاد ذلك من صحيحة محمد بن قيس الواردة في القصاص من الأعور قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أعور فقأ عين صحيح فقال: تفقأ عينه، قلت: يبقى أعمى، قال: الحقّ أعماه» (1)، فإنّ ظاهرها أنّ الأعور يقتصّ منه بالعين الصحيحة و لو كانت الصحيحة خلاف العين المفقوءة من حيث الطرف.

نعم لو تشاحّا في الاقتصاص فلا يبعد رعاية الجناية السابقة لسبق تعلّق حقّه كما لا يبعد أن تكون رواية حبيب ناظرة إلى ذلك و إلّا فلو كان حقّ الثاني متعلّقا بيده اليسرى لم يكن له قطع اليمنى و لو مع عدم قصاص الأوّل.

و لو قطع اليمنى من شخصين دفعة و تشاحّا في الاقتصاص من يمناه فلا يبعد الرجوع إلى القرعة.

(1) المستند في ذلك رواية حبيب السجستاني المتقدّمة، حيث ورد فيها «فإنّه تؤخذ لهم حقوقهم في قصاص اليد باليد إذا كانت للقاطع يد و الرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد» حيث إنّ مقتضاها قطع الرجل ممن لا يد له في اقتصاص من جناية اليد.

و حيث إنّ الرواية في سندها ضعف و يعتبر في القصاص المماثلة و لا يعدّ قطع الرجل مماثلا للجناية بقطع اليد فلفوات مورد القصاص ينتقل الأمر إلى الدية و لكن بناء على العمل بالرواية انتفاء مورد القصاص يكون بعد قطع اليدين و الرجلين من الجاني.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 15 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 134.

118

..........

____________

و قد ادّعى عدم ضعفها سندا فإنّها قد وصفت في كلمات بعض الأصحاب ب‍ «الصحيحة» و إن حمل الوصف بعضهم على كون الرواية صحيحة إلى حبيب التي يعبّر عنها بالصحيح عن فلان، و قد ذكر في الجواهر (1) انّ حمل توصيفهم على اطلاعهم بحال حبيب أولى من حمله على الصحيح إليه، مع أنّه قد ورد في حقّ حبيب مدح فتكون الرواية حسنة و المدح ما ذكر الكشّي عن العياشي من أنّه كان شاديا [يعني من الخوارج] ثمّ دخل في هذا المذهب و كان من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) و كان منقطعا إليهما» (2) أضف إلى ذلك عمل المشهور بالرواية، و لو كان فيها ضعف لكان عملهم جابرا لها. و لكن لا يتمّ شي‌ء من ذلك، فإنّ التوصيف في كلام بعض الأصحاب لا يفيد شيئا مع عدم ثبوت التوثيق بوجه معتبر و لا يستفاد من كلام العيّاشي إلّا كونه صار إماميا و منقطعا إلى الإمامين (عليهما السلام) و عمل المشهور غير محرز كما يظهر ذلك عن تعبير الماتن (قدس سره).

نعم، ذكر الشهيد الثاني (قدس سره) أنّه قد عمل بها الأكثر، و لعلّ بعضهم استظهر ذلك من موثقة اسحاق بن عمار الوارد فيها: قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: تقطع يد الرجل و رجلاه في القصاص» (3)، و لكن ظاهر هذه أنّ قطع اليد و الرجل في القصاص غير قطعهما في حدّ السرقة حيث لا تقطع كلا اليدين و الرجلين في الحدّ، و لكن يقطع كلّ من اليدين و الرجلين في القصاص.

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 121.

(2) راجع المعجم: 5/ 205، رقم 2581.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 130.

119

و أمّا لو قطع و لا يد له و لا رجل كان عليه الدية لفوات محلّ القصاص (1).

و لو قتل العبد حرّين (2) على التعاقب كان لأولياء الأخير، و في رواية أخرى: يشتركان فيه ما لم يحكم به للأول، و هذه أشبه، و يكفي في الاختصاص أن يختار الولي استرقاقه و لو لم يحكم الحاكم، و مع اختيار وليّ الأول لو قتل بعد ذلك كان للثاني.

____________

(1) فإنّه بناء على العمل برواية حبيب المتقدّمة فالأمر ظاهر فإنّه قد ورد فيها إنّما تجب الدّية إذا قطع يد رجل و ليس للقاطع يدان و رجلان فثمّ ستجب عليه الدية؛ لأنّه ليس له جارحة يقاص منها و كذا بناء على ما ذكرنا من أنّه مع عدم اليدين للقاطع ينتقل الأمر إلى الدية في قطع اليمنى أو اليسرى من ثالث؛ لأنّ كلّ مورد لم يمكن القصاص من الجاني ينتقل الأمر إلى الدية، كما يظهر ذلك مما ورد في موت القاتل قبل القصاص منه أو فراره، و ما ورد في موارد تخلّف شرط القصاص، إلى غير ذلك.

(2) إذا قتل العبد حرّين دفعة كان العبد بين أوليائهما فإن شاءوا استرقّوه فيكون عبدا لهم و إن أرادوا القصاص قتلاه و إن أراد أحدهما القصاص كان له ذلك، و إن لم يرض الآخر به فبقصاص أحدهما ينتفي الموضوع لحقّ الثاني؛ لأنّ جناية العبد في رقبته.

و على الجملة، ثبوت حقّ القصاص لكلّ من الوليين على سبيل الاستقلال كما هو مقتضى ما دلّ على أنّ العبد يقتل بالحرّ و بضميمة ما دلّ على أنّ جناية العبد في رقبته ينتفي بقصاص أحد الوليين موضوع الحقّ للثاني و هذا بخلاف ما لو استرقّه أحدهما، فإنّه إذا اختار الآخر أيضا استرقاقه يكون مشتركا بينهما؛ لأنّ حقّ الاسترقاق ثابت للثاني أيضا من ملك مولاه قبل الجناية، كما إذا اختار القصاص جاز له ذلك كما تقدّم.

120

..........

____________

و أمّا إذا قتل الحرّين على التعاقب ثبت أيضا لكلّ من الوليين القصاص منه بنحو الاستقلال، فأيّ منهما بادر إلى القصاص منه انتفى الموضوع لحقّ الآخر، و إذا استرقّه وليّ المقتول أوّلا يجوز لولي المقتول الثاني القصاص منه أو استرقاقه، فإن استرقّه يكون العبد بتمامه للثاني إذا كان قتل الأخير بعد استرقاق الولي الأول، حيث إنّ جنايته يكون في رقبته التي ملك لوليّ المقتول الأوّل.

و يدلّ على ذلك- مضافا إلى كونه على القاعدة- صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في عبد جرح رجلين قال: «هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته» قيل له: فإن جرح رجلا في أوّل النهار و جرح آخر في آخر النهار؟

قال: «هو بينهما ما لم يحكم الوالي في المجروح الأوّل» قال: «فإن جنى بعد ذلك جناية فإنّ جنايته على الأخير» (1).

و المراد من الحكم الأوّل تماميّة استرقاقه من المجني عليه الأوّل؛ و لذا ذكر الماتن (قدس سره) و يكفي في الاختصاص أن يختار الولي استرقاقه و لو لم يحكم الحاكم، بل المعيار أنّه مع اختيار وليّ الأول استرقاقه إذا قتل الثاني يكون العبد للثاني بأن يختار الثاني قتله أو استرقاقه، و هذا بخلاف ما إذا كانت جنايته على الثاني قبل استرقاق الأول، فإنّه يكون الحكم كما إذا قتلهما دفعة على ما ذكرنا، و لكن في رواية علي بن عقبة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن عبد قتل أربعة أحرار واحدا بعد واحد فقال: هو لأهل الأخير من القتلى و إن شاءوا قتلوه و إن شاءوا استرقّوه؛ لأنّه إذا قتل الأوّل استحقّ أولياؤه، فإذا قتل الثاني استحقّ من أولياء الأوّل فصار لأولياء‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 45 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 77.

121

[الثانية: قيمة العبد مقسومة على أعضائه]

الثانية: قيمة العبد مقسومة (1) على أعضائه كما أنّ دية الحر مقسومة على أعضائه فكلّ ما فيه منه واحد ففيه كمال قيمته كاللسان و الذكر و الأنف و ما فيه اثنان ففيهما قيمته و في كلّ واحد منهما نصف قيمته و كذا ما فيه عشر ففي كلّ واحد عشر قيمته. و بالجملة الحرّ أصل للعبد فيما له دية مقدّرة و ما لا تقدير فيه ففيه الحكومة.

____________

الثاني، فإذا قتل الثالث استحقّ من أولياء الثاني فصار لأولياء الثالث، فإذا قتل الرابع استحقّ من أولياء الثالث فصار لأولياء الرابع إن شاءوا قتلوه و إن شاءوا استرقّوه» (1).

و هذه الرواية و إن لم يفرض فيها وقوع الجناية اللاحقة بعد استرقاق الولي السابق إلّا أنّه لا بدّ من حملها عليه للتقييد الوارد في الصحيحة السابقة بقوله (عليه السلام) «فإن جنى بعد ذلك جناية فإنّ جنايته على الأخير»، أضف إلى ذلك ضعف سندها بالحسن بن أحمد بن سلمة الكوفي فإنّه مجهول.

(1) ذكر أصحابنا أنّ قيمة العبد مقسومة على أعضائه بنسبة قسمة دية الحرّ على أعضائه، ففي كلّ عضو من الحرّ تمام ديته كالأنف و اللسان و الذكر، ففي العبد ديته تمام قيمته و كلّ عضو من الحرّ اثنان و في كلّ منهما نصف ديته، ففي العبد نصف قيمته و ما يكون في الحرّ عشر ديته كما في دية أصابعه يكون في العبد عشر قيمته.

نعم هذا إذا لم يتجاوز قيمة العبد دية الحرّ كما تقدّم، و في معتبرة السكوني: «جراحات العبيد على نحو جراحات الأحرار في الثمن» (2).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 45 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 77.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 8 من أبواب ديات الشجاج و الجراح، الحديث 2: 298.

122

فإذا جنى الحرّ على العبد (1) بما فيه ديته فمولاه بالخيار بين إمساكه و لا شي‌ء له و بين دفعه و أخذ قيمته، و لو قطع يده و رجله دفعة ألزمه القيمة، أو أمسكه

____________

و على الجملة، يقال الحرّ أصل للعبد في الجناية على العضو و نحوه التي فيها دية مقدّرة، فيحسب في الجناية على العبد من قيمته بحسب دية الحرّ، و أمّا الموارد التي لا تكون في الجناية على الحرّ تقدير ففيها الحكومة، و معنى الحكومة أنّ العبد فيها أصل لدية الحرّ، حيث يفرض الحرّ عبدا خاليا من ذلك النقص و يقوّم كما يفرض عبدا فيه ذلك النقص فيقوّم و يعيّن نسبة التفاوت بين القيمتين فيؤخذ من دية الحرّ بتلك النسبة، فتكون دية الجناية على الحرّ مقدار تلك النسبة من ديته.

و قد ذكر أنّ الموارد التي لا تكون فيها تفاوت في قيمة العبد بتلك الجناية فيحكم الحاكم فيها بالمقدار الذي رآه صلاحا في الحرّ و العبد من التغريم، و لكن فيما ذكروا في الحكومة كلام يأتي في باب الديات إن شاء اللّه تعالى.

(1) قد تقدّم أنّه لا يقاصّ من الحرّ بالعبد و أنّ دية العبد قيمته و أنّ قيمته تقسّط على أجزائه بحسب تقسيط دية الحر على الأعضاء، و عليه فإن قطع الحر من العبد ما يكون ديته تمام قيمته كالذكر و اللسان يتخيّر مولى العبد بين أخذ تمام قيمة العبد من الحرّ الجاني و دفع العبد المجني عليه إلى الحرّ الجاني و بين إمساك العبد و لا شي‌ء له بأن يطالب الجاني به. و قد ذكروا اتفاق الأصحاب أو عدم الخلاف في ذلك. و يستدلّ عليه بأمرين:

الأوّل: موثّقة أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين في أنف العبد أو ذكره أو شي‌ء يحيط بقيمته أنّه يؤدّي إلى مولاه قيمة العبد و يأخذ العبد» (1)، فإنّ ظاهرها أنّه إذا أعطى قيمة العبد إلى مولاه يؤخذ العبد منه.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 8 من أبواب ديات الشجاج و الجراح، الحديث 3: 298.

123

..........

____________

و الثاني: أنّ قيمة العبد عوضه و إذا أعطى القيمة لمولاه يؤخذ العبد منه لئلا يجتمع المعوّض و العوض في ملك.

و لكن في الاستدلال بالثاني ما لا يخفى، فإنّ القيمة في الفرض دية العضو المقطوع لا تعويض عن العبد، و الرواية كما عبّرنا موثقة يتعيّن الأخذ بمدلولها و هو أن لمولى العبد إمّا أن يعرض عن استحقاقه قيمة العبد و يمسك بعبده أو يدفعه إلى الجاني و يأخذ قيمته.

و قد ذكر في كلماتهم للحكم المزبور قيدان:

أحدهما: أن لا يكون الجاني على العبد غاصبا له و إلّا يأخذ مولاه بقيمته و يمسك بالعبد و علّل ذلك بأنّ الغاصب يؤخذ بأشدّ الأحوال.

و الثاني: أن لا يكون جناية الحرّ على العبد خطأ محضا و إلّا لا يدفع العبد إلى الجاني؛ لأنّ الدّية يعني قيمة العبد في القتل خطأ محضا ليست على الجاني فلا يلزم من إمساكه محذور. نعم بناء على تحمّل عاقلة الجاني دية العبد لا بدّ من دفعه إلى العاقلة.

أقول: و يمكن استفادة الحكم على هذا التقدير من الموثقة أيضا كما لا يخفى، و مقتضى القاعدة أن يمسك مولى العبد المجني عليه بالعبد و يأخذ قيمته؛ لأنّ قيمته دية العضو الذي ذهب بالجناية، و ظاهر موثقة أبي مريم عدم كون الجاني غاصبا حيث ورد في ذيلها و يأخذ العبد فيؤخذ بمقتضى القاعدة في الخارج عن مورد الرواية و إلّا فالغاصب يؤخذ بأشدّ الأحوال لم يرد بهذا المضمون في رواية فيما فحصنا من الروايات المعتبرة.

و أمّا تحمّل العاقلة جناية الحرّ على العبد إذا كان خطأ محضا فيأتي الكلام فيه في باب الديات إن شاء اللّه تعالى.

124

و لا شي‌ء له، و أمّا لو قطع يده فللسيد إلزامه بنصف قيمته (1) و كذا كلّ جناية لا تستوعب قيمته.

و لو قطع يده قاطع و رجله آخر، قال بعض الأصحاب: يدفعه إليهما (2) و يلزمهما الدية أو يمسكه كما لو كانت الجنايتان من واحد و الأولى أن له إلزام كلّ واحد منهما بدية جنايته و لا يجب دفعهما إليه.

____________

(1) لما أشرنا إلى أنّ ذلك مقتضى القاعدة الأوّلية حيث إنّ المدفوع إلى مولى العبد المجني عليه بدل العضو الذاهب من العبد بالجناية عليه؛ و لذا يجري ذلك في كلّ جناية على العبد لا تستوعب قيمة العبد و ليس على المولى إلزام الجاني بأخذ العبد في الفرض و إلزامه بقيمته سالما كما أنّه ليس للجاني إلزام مولاه بدفع العبد إليه و أخذ قيمته سالما.

(2) القائل الشيخ (قدس سره) في المبسوط و كأنّه استفاد ذلك من موثقة أبي مريم (1) المتقدمة و أن مولى العبد أو الأمة إذا استوفى تمام القيمة لزم عليه تسليم العبد أو الأمة إلى من استوفى منه تمام القيمة كان واحدا أو أزيد فيكون كما إذا كانت الجنايتان من واحد.

و لكن لا يخفى أنّ ظاهر الموثقة كون تمام القيمة على الجاني لا على الجنايتين أو أزيد، و الحكم الوارد فيها خلاف مقتضى الأصل كما تقدم.

فلا يمكن التعدّي عن المفروض فيها و عليه يكون لمولى العبد المجني عليه إلزام كلّ من الجانيين بنصف القيمة و الإمساك بعبده أو أمته بل يمكن أن يلتزم بذلك فيما إذا كان الجاني واحدا و لكن كانت الجنايتان منه على التدريج لا دفعة حتّى تحسبا جناية واحدة.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 8 من أبواب ديات الشجاج و الجراح، الحديث 3: 298.

125

[الثالثة: كل موضع نقول بفكّه المولى فإنّما يفكه بأرش الجناية]

الثالثة: كل موضع نقول بفكّه المولى فإنّما يفكه بأرش الجناية (1) زادت عن قيمة المملوك الجاني أو نقصت، و للشيخ قول آخر أنّه يفديه بأقلّ الأمرين و الأول مروي.

[الرابعة: لو قتل عبد واحد عبدين]

الرابعة: لو قتل عبد واحد عبدين كان كلّ واحد لمالك فإن اختار القود قيل يقدم الأول؛ لأنّ حقّه أسبق و يسقط الثاني بعد قتله (2)؛ لفوات محل الاستحقاق.

____________

(1) كما يدل على ذلك ما ورد في صحيحة أبي ولاد من قوله (عليه السلام):

«فإن لم يكن أدّى من مكاتبته شيئا فإنّه يقاصّ للعبد منه أو يغرم المولى كلّما جنى المكاتب لأنّه عبده ما لم يؤدّ من مكاتبته شيئا» (1).

و لكن قد يقال: إنّ مقتضى كون جناية العبد على رقبته انّ اللازم على مولاه في الفداء عن جناية أقلّ الأمرين من أرش الجناية أو قيمة عبده الجاني.

و فيه أنّ فداء المولى فكّ رقبة العبد عن جنايته و مقتضى ما ورد في صحيحة أبي ولّاد انّ الفكّ يكون بأداء أرش جناية العبد الجاني فلا تنافي بين تعلّق جناية العبد على رقبته و أن يكون لمولاه فكّ رقبته من جنايته بإعطاء أرشها.

(2) لو قتل عبد شخص عبدين يكون كلّ واحد منهما لمالك دون مالك الآخر و أراد كلّ من الموليين القصاص من العبد الجاني.

قيل: يكون القصاص للمولى الذي قتل عبده أوّلا و إذا استوفى حقّه بالقصاص ينتفي الموضوع لحقّ مولى العبد المقتول ثانيا، حيث إنّ جناية العبد على رقبته.

و لكن قد تقدّم سابقا أنّ لكلّ منهما القصاص منه على سبيل الاستقلال فلا يكون قصاص أحدهما بإذن الآخر فأيّهما بادر إلى القصاص منه يسقط عن الآخر حقّه لعدم الموضوع له، كما أنّه لو استرقّه واحد منهما‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب ديات النفس، الحديث 5: 158.

126

و قيل يشتركان فيه ما لم يختر مولى الأول استرقاقه قبل الجناية الثانية (1)، فيكون للثاني و هو أشبه، فإن اختار الأول المال و ضمن المولى تعلّق حق الثاني برقبته و كان له القصاص فإن قتله بقي المال في ذمّة مولى الجاني و لو لم يضمن

____________

يكون للآخر أيضا استرقاقه؛ لأنّ لكلّ منهما حقّ تملك العين فتكون مشتركة بينهما.

نعم لو كانت الجناية الثانية منه بعد أن استرقّه مولى المقتول أوّلا يكون حقّ القصاص و الاسترقاق للثاني فإنّ الاسترقاق تملّك المملوك من مالكه و المفروض في جنايته الثانية صيرورته مملوكا لمولى المجني عليه أوّلا فمولى المجني عليه الثاني يتلقّى الملك بالاسترقاق من مالكه وقت جنايته.

(1) لمّا تقدّم من أنّ ولي المجني عليه أو مولاه بالاسترقاق يتملّك العبد عن ملك مولاه وقت الجناية فيكون مشتركا مع من استرقّه قبله، و بهذا يظهر أنّه يشترك مع الأول أيضا في جواز القصاص و لكن الاشتراك بمعنى أنّ لكلّ منهما القصاص عن الجاني مستقلا، فأيّ منهما بدء بالقصاص ارتفع الموضوع لحقّ الثاني، حيث انّ القصاص ليس كالملكية في التبعيض. نعم لو استرقّه مولى المجني عليه ثم وقعت الجناية الثانية يكون الاسترقاق للثاني.

و إن اختار المولى لأحدهما المال- أي قيمة عبده المقتول و ضمن المال مولى العبد الجاني- يكون اختيار القصاص أو الاسترقاق للثاني لارتفاع تعلّق جناية العبد الجاني عن رقبته بضمان مولاه.

و ما في عبارة الماتن من قوله: «فإن اختار الأول المال و ضمن المولى تعلّق حقّ الثاني برقبته» لعلّه من باب المثال، فإنه كما ذكرنا لو اختار الثاني المال و ضمنه مولى الجاني بقي حقّ الأول على الجاني من غير تزاحم.

127

و رضي الأول باسترقاقه، تعلّق به حقّ الثاني، فإن قتله سقط حقّ الأول و إن استرقّ اشترك الموليان، و لو قتل عبد عبدا لاثنين فطلب أحدهما القيمة ملك منه بقدر قيمة حصّته من المقتول (1) و لم يسقط حقّ الثاني من القود مع ردّ قيمة حصة شريكه.

[الخامسة: لو قتل عشرة أعبد عبدا]

الخامسة: لو قتل عشرة أعبد، فعلى كلّ واحد عشر قيمته، فإن قتل مولاه العشرة، أدّى مولى كلّ واحد ما فضل عن جنايته. و لو لم تزد قيمة كلّ واحد عن جنايته، فلا ردّ. و إن طلب الدية، فمولى كلّ واحد بالخيار، بين فكّه بأرش جنايته، و بين تسليمه ليسترقّ إن استوعبت جنايته قيمته، و إلا كان لمولى المقتول من كلّ واحد بقدر أرش جنايته، أو يردّ على مولاه ما يفضل عن حقّه، و يكون له. و لو قتل المولى بعضا جاز، و يردّ كلّ واحد عشر الجناية، فإن لم ينهض ذلك بقيمة من يقتلن أتمّ مولى المقتول ما يعوز، أو يقتصر على قتل من ينهض بقيمته.

[السادسة: إذا قتل العبد حرا عمدا]

السادسة: إذا قتل العبد حرا عمدا، فأعتقه مولاه، صحّ و لم يسقط القود.

و لو قيل: لا يصحّ، لئلّا يبطل حقّ الوليّ من الاسترقاق، كان حسنا. و كذا البحث في بيعته وهبته. و لو كان خطأ؛ قيل: يصحّ العتق، و يضمن المولى الدية على رواية عمر بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)؛ و في عمرو ضعف.

و قيل: لا يصحّ، إلا أن يتقدّم ضمان الدية أو دفعها.

[فروع في: السراية]

فروع في: السراية

[الأول: إذا جنى الحرّ على المملوك؛ فسرت]

الأول: إذا جنى الحرّ على المملوك؛ فسرت إلى نفسه؛ فللمولى كمال

____________

(1) المراد أنّه إذا قتل عبد شخص عبدا مملوكا لاثنين يكون لكلّ منهما جواز استرقاق العبد الجاني بمقدار حصّته من العبد المقتول، و إذا طلب‌

128

قيمته. و لو تحرّر، و سرت إلى نفسه، كان للمولى أقلّ الأمرين، من قيمة الجناية أو الدية عند السراية، لأنّ القيمة إن كانت أقلّ فهي المستحقة له، و الزيادة حصلت بعد الحرّية، فلا يملكها المولى. و إن نقصت مع السراية، لم يلزم الجاني تلك النقيصة، لأنّ دية الطرف تدخل في دية النفس. مثل أن يقطع واحد يده و هو رقّ، فعليه نصف قيمته، فلو كانت قيمته ألفا، لكان على الجاني خمس مائة. فلو تحرر، و قطع آخر يده، و ثالث رجله، ثم سرى الجميع، سقطت دية الطرف، و ثبتت دية النفس، و هي ألف، فلزم الأول الثّلث، بعد أن كان يلزمه النصف، فيكون للمولى الثّلث، و للورثة الثّلثان من الدية، و قيل: له أقلّ الأمرين هنا من ثلث القيمة و ثلث الدية؛ و الأول أشبه.

[الثاني: لو قطع حرّ يده فاعتق ثم سرت]

الثاني: لو قطع حرّ يده فاعتق ثم سرت، فلا قود، لعدم التساوي، و عليه دية حرّ مسلم، لأنها جناية مضمونة، فكان الاعتبار بها حين الاستقرار، و للسيّد نصف قيمته وقت الجناية، و لورثة المجنيّ عليه ما زاد. و لو قطع حرّ آخر رجله بعد العتق، و سرى الجرحان، فلا قصاص على الأول في الطرف و لا في النفس؛ لأنه لم يجب القصاص في الجناية، فلم يجب في سرايتها، و على الثاني القود بعد ردّ نصف ديته، و لم يسقط القود بمشاركة الآخر في السراية، كما لا تسقط بمشاركة الأب للاجنبي، و [لا] بمشاركة المسلم الذميّ في قتل الذميّ.

[الثالث: لو قطع يده و هو رقّ، ثم قطع [آخر] رجله و هو حرّ]

الثالث: لو قطع يده و هو رقّ، ثم قطع [آخر] رجله و هو حرّ، كان على الجاني نصف قيمته وقت الجناية لمولاه، و عليه القصاص في الجناية حال الحرية.

فإن اقتصّ المعتق جاز، و إن طالب بالدية، كان له نصف الدية، يختصّ به دون المولى. و لو سرتا فلا قصاص في الاولى، لعدم التساوي، و [له] القصاص في الرّجل، لأنه مكافئ. و هل يثبت القود؟ قيل: لا، لأنّ السراية عن قطعين، أحدهما لا يوجب القود؛ و الأشبه ثبوته مع ردّ ما يستحقّه المولى. و لو اقتصر الوليّ على الاقتصاص في الرّجل، أخذ المولى نصف قيمة المجنيّ عليه وقت

129

الجناية، و كان الفاضل للوارث، فيجتمع له الاقتصاص و فاضل دية اليد، إن كانت ديتها زائدة عن نصف قيمة العبد (1).

[الشرط الثاني: التساوي في الدّين]

الشرط الثاني: التساوي في الدّين، فلا يقتل مسلم بكافر ذمّيا كان أو مستأمنا أو حربيا، و لكن يعزّر و يغرّم (2) دية الذمي و قيل ان اعتاد قتل أهل الذمّة

____________

أحدهما قيمة ما كان يملكه من العبد المقتول و لم يدفعها مولى العبد الجاني يسترقّ من العبد الجاني بمقدار حصّته من العبد المقتول و إن اختار شريكه في العبد المقتول القصاص يجوز له القصاص و لكن مع ردّ قيمة الحصّة التي استرقّها شريكه من العبد الجاني، و لكن في وجوب الردّ تأمّل لأنّ القصاص كما ذكرنا لا يتبعّض و ثبوت حقّ القصاص مع الردّ في بعض الموارد ثبت بالدليل و لم يقم في المقام دليل.

(1) إنما لم نذكر هنا ما يتعلّق بأحكام العبيد لأنّا تعرّضنا سابقا لأحكام الإماء و العبيد في أبواب مختلفة، فليراجع في محلّه.

(2) بلا خلاف معروف أو منقول، و يشهد لذلك جملة من الروايات:

منها: صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يقاد مسلم بذمّي في القتل و لا في الجراحات و لكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم» (1).

و في صحيحة اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل قتل رجلا من أهل الذمّة، قال: «لا يقتل به إلّا أن يكون متعوّدا للقتل» (2).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5: 80.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 47 من أبواب ديات النفس، الحديث 7: 80.

130

جاز الاقتصاص (1) بعد ردّ فاضل ديته.

____________

و في موثقته قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة قال: لا، إلّا أن يكون معوّدا لقتلهم فيقتل و هو صاغر» (1). إلى غير ذلك مما ورد في قتل المسلم الذمّي.

و أمّا قتله المستأمن و الحربي فلا ينبغي التأمّل في أنّ المسلم لا يقتل بهما، أمّا الحربي فظاهر لعدم حرمة قتله، و أمّا المستأمن فإنّه لا يزيد على الذمّي حيث إنّ الذمي مستأمن مع زيادة على استيمانه كما هو ظاهر.

و أمّا ما ذكره (قدس سره) من التعزير فهو يجري في قتل الذمي و المستأمن دون الحربي، حيث انّ التعزير يجري في موارد المعصية و المعصية مختصّة بقتل الذمّي و المستأمن إلّا أن يكون في قتل الحربي مفسدة اخرى يحرم على المسلم إدخال نفسه أو غيره في تلك المفسدة.

(1) و ينسب جواز قتل المسلم بالذمي إذا كان المسلم متعوّدا لقتل الذمّي، نظير ما تقدّم من جواز قتل الحرّ بالعبد إذا كان متعودا بقتل العبيد.

و في صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إذا قتل المسلم يهوديّا أو نصرانيّا أو مجوسيّا فأرادوا أن يقيدوا ردّوا فضل دية المسلم و أقادوه» (2).

و لكن نوقش في هذه الرواية و مثلها بأنّه لم يفرض فيها تعوّد المسلم لقتل الذمّي، كما هو الحال في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه قتلوه و أدّوا فضل ما بين الديتين» (3)، فلا بد من حملهما على التقية؛ لأنّ جواز‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 47 من أبواب ديات النفس، الحديث 6: 80.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 47 من أبواب ديات النفس، الحديث 2: 79.

(3) الوسائل: ج 29 الباب 47، ص 108، رواية 35273.

131

..........

____________

القصاص من المسلم بقتله الذمّي مذهب بعض العامّة، منهم أبو يوسف الذي قال الشاعر فيه ما قال.

و أمّا ما ورد في صحيحة اسماعيل الهاشمي و موثّقته من قتله إذا كان متعوّدا فهو من أجزاء الحدّ عليه لا من القصاص للمسلم للكافر، و مع القتل حدّا لا مورد لردّ فضل الدّية كما عن العلامة (قدس سره).

و لكن لا يخفى أنّ ظاهر الاستثناء في الصحيحة و الموثّقة الاستثناء عن عدم القصاص من المسلم بقتله الكافر، و في صورة التعوّد يثبت القصاص، و بهذا يحمل اطلاق صحيحة عبد اللّه بن مسكان و صحيحة أبي بصير على صورة التعوّد، فيثبت القصاص مع ردّ فاضل الدّية كما عليه المشهور.

و مثل صحيحتي عبد اللّه بن مسكان و أبي بصير موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه «في رجل قتل رجلا من أهل الذمّة فقال: هذا حديث شديد لا يحتمله الناس و لكن يعطى الذمي دية المسلم ثم يقتل به المسلم» (1)، و المراد الفضل بين الديتين كما في صحيحة أبي بصير الاخرى أيضا، قال: «سألته عن ذمّي قطع يد مسلم قال: تقطع يده إن شاء أولياؤه و يأخذون فضل ما بين الديتين و إن قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد فإن شاءوا أخذوا دية يده و إن شاءوا قطعوا يد المسلم و أعطوا إليه فضل ما بين الديتين و إذا قتله المسلم صنع كذلك» (2).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 79.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 22 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 138.

132

..........

____________

ثم انّ دية اليهودي و النصراني و المجوسي ثمانمائة درهم كما ورد ذلك في صحيحة ابن مسكان المتقدّمة و في صحيحة ليث المرادي و عبد الأعلى بن أعين جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دية اليهودي و النصراني ثمانمائة درهم» (1) و نحوهما غيرهما.

و لكن ورد في بعض الروايات أنّ دية هؤلاء أربعة آلاف درهم، و هذا في روايتين أحدهما مرسلة الصدوق (قدس سره)، حيث قال في الفقيه: «و روي أنّ دية اليهودي و النصراني و المجوسي أربعة آلاف درهم لأنّهم أهل الكتاب» (2).

و لكن في الاخرى و هي رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«دية اليهودي و النصراني أربعة آلاف درهم و دية المجوسي ثمانمائة درهم، و قال أيضا: انّ للمجوس كتابا يقال له جاماس» (3).

و ورد في بعض الروايات انّ دية هؤلاء دية المسلم و هذا أيضا في روايتين احدهما صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دية اليهودي و النصراني و المجوسي دية المسلم» (4).

و الاخرى صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أعطاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ذمة فديته كاملة قال زرارة: فهؤلاء؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 10: 162.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 12: 162.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 4: 163.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 2: 163.

133

..........

____________

«و هؤلاء من أعطاهم ذمّة» (1).

و قد جمع الشيخ (قدس سره) بين الطائفتين الأخيرتين و بين ما دلّ على أنّ ديتهم ثمانمائة درهم بأنّ ما دلّ على ثمانمائة درهم ناظر إلى قتل غير المتعوّد و الطائفتين على قتل المتعوّد و انّ الإمام مخيّر بين تغريم المتعوّد بديّة كاملة أو بأربعة آلاف درهم، و ذكر انّ موثقة سماعة تشهد لهذا الجمع. قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسلم قتل ذمّيا، قال: هذا شي‌ء شديد لا يحتمله الناس، فليعط أهله دية المسلم حتى يتكل عن قتل أهل السواد و عن قتل الذمي، قال: لو أنّ مسلما غضب على ذمّي فأراد أن يقتله و يأخذ أرضه و يؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذا يكثر القتل في الذمّيين و من قتل ذمّيا ظلما فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذمّيا حراما ما آمن بالجزية و لم يجحدها» (2).

و لكن لا يخفى انّ ما عيّن ديتهم في أربعة آلاف درهم ضعيف سندا بالإرسال و وقوع البطائني في سند الثاني.

و أمّا الروايتان الدالتان على أنّ ديتهم دية المسلم، فتحملان على التقيّة، فإنّها مذهب جماعة من العامّة و لا دلالة في موثقة سماعة على أنّ مقدار دية المسلم محمولة على صورة التعوّد، بل ظاهرها أيضا إنكار كون الدية ثمانمائة درهم، بل على القاتل إعطاء دية المسلم لئلا يكثر قتل الذمي و أهل السواد.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 3: 163.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 1: 163.

134

و يقتل الذمي بالذمّي و بالذمّية بعد ردّ فاضل الدية (1) و الذمّية بالذمّية و بالذمّي من غير رجوع عليها بالفضل، و لو قتل الذمّي مسلما عمدا دفع هو و ماله إلى أولياء المقتول و هم مخيّرون بين قتله و استرقاقه (2).

____________

(1) إذا قتل الذمي ذمّيا سواء كان كلاهما على دين واحد أم كانا مختلفين يقتل أحدهما قصاصا لقتله الآخر عمدا كما هو مقتضى قوله سبحانه: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1)، و في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: يقتصّ اليهودي و النصراني و المجوسي بعضهم من بعض و يقتل بعضهم بعضا إذا قتلوا عمدا» (2).

و إذا قتل الذمّي الذمّية يجوز لأولياء الذمّية القصاص من الذمّي القاتل إذا أدّوا إليه فضل ديته و إلّا قبلوا دية الذمّية التي هي نصف دية الذمّي.

و يشهد لذلك الاطلاق في مثل صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا قتلت المرأة رجلا قتلت به، و إذا قتل الرجل المرأة فأرادوا القود أدّوا فضل دية الرجل على دية المرأة و أقادوه بها و إن لم يفعلوا قبلوا الدية دية المرأة كاملة» (3)، فإنّها تعمّ ما إذا قتل الذمّي الذمّية و نحوها غيرها.

و مما ذكر يظهر أنّه لو قتل الذمّي الكافر المحقون الدم عمدا كالمستأمن و المعاهد يقتل به كما هو مقتضى إطلاق الآية و المعتبرة.

(2) بلا خلاف ظاهر أو منقول، و يشهد لذلك صحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) «في نصراني قتل مسلما فلما اخذ أسلم، قال:

أقتله به قيل: و إن لم يسلم قال: يدفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا‌

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 48 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 81.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 59.

135

و في استرقاق ولده الصغار تردّد، أشبهه بقائهم على الحرّية (1) و لو أسلم

____________

و إن شاءوا عفوا و إن شاءوا استرقّوا قيل: و إن كان معه عين (مال)؟ قال:

دفع إلى أولياء المقتول هو و ماله» (1).

و في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في نصراني قتل مسلما فلما اخذ أسلم، قال: اقتله به، قيل: و إن لم يسلم قال: يدفع إلى أولياء المقتول هو و ماله» (2).

و قد يقال إنّ قتله و استرقاقه و أخذ أمواله لخروجه عن أهل الذمّة و دخوله في الحربي، و لكن لا يخفى أنّه لو كان الأمر كذلك لكان استرقاقه و أخذ ماله جائزا لكلّ أحد لا لخصوص أولياء المقتول كما هو ظاهر الصحيحتين، كما لا يخفى.

(1) و الوجه في ذلك أنّ ما دلّ على دفع الذمي و ماله إلى أولياء المسلم المقتول لم يذكر فيها استرقاق ولده الصغار، و مقتضى عقد الذمّة مع الذمّي القاتل كونهم أحرارا.

و ما عن المفيد و سلار و ابن حمزة من استرقاق أطفاله الصغار أيضا للتبعيّة بعد خروجه عن أهل الذمّة و دخوله في أهل الحرب، و من أحكام أهل الحرب استرقاق أطفالهم.

لا يخفى ما فيه، فإنّ مجرّد القتل لا يوجب خروجه عن أهل الذمة؛ و لذا لا يجوز أن يسترقّ الذمّي القاتل غير أولياء المسلم المقتول و جواز استرقاقه لأوليائه حكم شرعي كما ذكرنا. و على الجملة المخرج عن الذمّة عصيانه‌

____________

(1) الوسائل: ج 49، الباب 48 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 81.

(2) التهذيب: ج 10، الرقم 50/ ص 190.

136

قبل الاسترقاق لم يكن لهم إلّا قتله (1) كما لو قتل و هو مسلم، و لو قتل الكافر كافرا و أسلم القاتل لم يقتل به (2) و الزم الدية إن كان المقتول ذا دية.

و يقتل ولد الرشيدة بولد الزنية (3) لتساويهما في الإسلام.

____________

بامتناعه عن إعطاء الجزية و جحودها كما ورد ذلك في موثقة سماعة المتقدمة.

(1) كما يدلّ على ذلك صحيحة ضريس الكناسي المتقدمة عن أبي جعفر (عليه السلام) حيث ورد فيها في نصراني قتل مسلما فلما اخذ أسلم، قال:

اقتله به، و نحوها صحيحة عبد اللّه بن سنان.

(2) لإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا يقاد مسلم بذمّي في القتل و لا في الجراحات، و لكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّي ثمانمائة درهم» (1)، و ظاهرها كما سيأتي أنّه لا يقاد المسلم عند القود بذمّي.

(3) و الوجه في ذلك أنّ الولد تابع للأبوين أو أشرفهما في الإسلام سواء كان الولد بالوطي الحلال أو بالزنا؛ و لذا يترتب على ولد الزنا جميع أحكام الولد، غاية الأمر لا توارث في الزنا، و عليه لو قتل ولد الرشيدة و هو بالغ رشيد ولد الزنا يكون على القاتل القود كما في قتله ولد الحلال.

و القول بكفر ولد الزنا كما هو المنسوب إلى بعض الأصحاب ضعيف كما أنّ الاعتبار في الحكم بإسلامه بتوصيفه الإسلام بعد بلوغه أو حال تمييزه أيضا بلا موجب و ما ورد في أنّ ديته ثمانمائة درهم الظاهر في إلحاقه بالكافر الذمّي لضعف سنده لا يمكن الاعتماد عليه مع أنّ إلحاقه في الخطأ بالكافر لا يلائم إلحاقه به في قتله عمدا‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5: 80.

137

[مسائل من لواحق الباب]

[الاولى: لو قطع مسلم يد ذمّي عمدا]

مسائل من لواحق الباب الاولى: لو قطع مسلم يد ذمّي عمدا فأسلم و سرت إلى نفسه فلا قصاص و لا قود (1)، و كذا لو قطع يد عبد ثم اعتق و سرت؛ لأنّ التكافؤ ليس بحاصل وقت الجناية و كذا الصبي لو قطع يد بالغ ثم بلغ و سرت جنايته لم يقطع؛ لأنّ الجناية لم تكن موجبة للقصاص حال حصولها، و يثبت دية النفس؛ لأنّ الجناية وقعت مضمونة فكان الاعتبار بأرشها حين الاستقرار.

____________

(1) لا يخفى أنّ في اشتراط التساوي في الدين و أنّ المسلم لا يقتل بذمّي لعبرة بحال الاقتصاص؛ و لذا تقدّم أنّ الذمّي إذا قتل ذمّيا ثمّ أسلم القاتل لا يجوز قتله قصاصا، بل يكون عليه دية الذمّي فإنّ ظاهر قولهم (عليه السلام) «لا يقتل المسلم بذمّي» هو اعتبار زمان الاقتصاص إلّا أنّ مع ذلك إذا قطع مسلم يد ذمي عمدا و أسلم الذمّي و سرت جنايته إلى نفسه لا يقتل المسلم قودا على النفس كما لا يقطع يده قصاصا عن الطرف بل يكون عليه دية نفس المسلم؛ و ذلك لما تقدّم من أنّ القصاص إنّما يترتّب إذا تعمّد قطع يد المسلم أو قتل نفسه و في الفرض لم يقصد القاطع لا قطع يد المسلم و لا قتل نفسه فيكون عليه دية النفس.

و من هنا يظهر الحال إذا قطع الصبي يد بالغ ثمّ بلغ و سرت جنايته إلى النفس حيث يكون دية النفس على عاقلته فإنّ عمد الصبي يحسب من الخطأ المحض.

و مما ذكرنا يظهر انّ ما علّل الماتن (قدس سره) عدم القصاص بأنّ التكافؤ ليس بحاصل وقت الجناية غير صحيح، بل الصحيح ما ذكرنا من أنّ القصد للجناية الموجبة للقصاص لم يحصل وقت الجناية و إلّا فالتكافؤ معتبر وقت الاقتصاص.

138

[الثانية: لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم]

الثانية: لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم ثم سرت فلا قود و لا دية؛ لأنّ الجناية لم تكن مضمونة (1) فلم تضمن سرايتها، و لو رمى ذمّيا بسهم فأسلم ثمّ

____________

و يدلّ على أنّ عمد الصبي يحسب خطأ محضا صحيحة محمد بن مسلم، قال: «عمد الصبي و خطأه واحد» (1)، و موثقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: «عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة» (2).

و مما ذكرنا ظهر أيضا ما إذا قطع المسلم يد العبد ثم اعتق و سرت الجناية إلى نفسه حيث يكون على القاطع الحر الدية حيث انّه لم يقصد قطع يد الحرّ كما لا يخفى.

(1) ذكر (قدس سره) أنّه لو قطع المسلم يد حربي عمدا أو يد مرتدّ ملّي عمدا فأسلم الحربي أو المرتد ثم مات بالسراية فلا يكون في البين قصاص لا من يد المسلم و لا من نفسه بل لا دية على المسلم القاطع لأنّ جنايته على الحربي أو المرتد لم تكن مضمونة حال حدوثها لا بالقود و لا بالدية، فلا يضمن أيضا سرايتها، نظير ما إذا قطع يد السارق حدّا أو يد شخص قصاصا فسرت فمات السارق أو المقتص منه.

أقول: أما عدم القصاص من قطع يد الحربي أو المرتد و كذا عدم القصاص من سراية القطع و لو بعد إسلامهما ظاهر، فإنّه لم يقصد عند القطع قطع يد المسلم و لا قتله و إنّما قصد قطع يد الحربي أو المرتد.

و أمّا عدم ثبوت دية النفس فلا يمكن المساعدة عليه، فإنّه بقطع يد‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2: 307.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3: 307.

139

أصابه فمات فلا قود و فيه الدّية (1). و كذا لو رمى عبدا فاعتق و أصابه فمات أو حربيا أو مرتدا فأصابه بعد إسلامه فلا قود و تثبت الدية؛ لأنّ الاصابة صادفت مسلما محقون الدم.

____________

أحدهما و سراية الجراحة كما هو الفرض يستند قتله إلى قاطع اليد، فقاطعها قد قتل مسلما من غير تعمّد إلى قتله فيكون عليه ديته و عدم الضمان في سراية الجراحة الحاصلة بالحدّ أو بالقصاص للدليل الدالّ على نفي القود و الدية في سراية جراحتهما، و أمّا السراية في الفرض غير منفي فيها الضمان فيدخل فيما دلّ على أنّ من قتل نفسا فعليه ديتها.

(1) ذكر (قدس سره) أنّه لو رمى بسهم ذمّيا و لكن الذمّي أسلم قبل إصابة السهم إيّاه فأصابه مسلما و مات فلا قود، و لكن تثبت دية النفس، و كذلك إذا رمى بسهم عبدا فاعتق قبل إصابته ثم أصابه حرّا فلا يكون في البين قود، و لكن تثبت أيضا دية النفس.

أقول: أمّا عدم القود فقد ظهر الوجه فيه مما تقدم؛ لأنّ الرامي لم يقصد قتل المسلم أو قتل الحر، و أمّا ثبوت الدية فإنّ الرامي هو القاتل في الفرض، فيكون عليه دية المسلم الحر، حيث إنّه قتل المسلم الحرّ من غير تعمّد إلى قتله.

و مما ذكرنا يظهر أنّه لو رمى كافرا حربيا أو مرتدا فأصابه السهم القاتل بعد إسلامهما لا تثبت القود حيث إنّه لم يقصد برميه قتل المسلم و لكن تثبت الدية المسلم حيث إنّه قتل المسلم من غير تعمد إلى قتل المسلم فتثبت الدية.

و نظير ذلك ما إذا حفر بئرا في طريق حربي أو مرتد ليقع فيه فيموت‌

140

[الثالثة: إذا قطع المسلم يد مثله فسرت مرتدّا سقط القصاص في النفس]

الثالثة: إذا قطع المسلم يد مثله فسرت مرتدّا سقط القصاص في النفس (1) و لم يسقط القصاص في اليد؛ لأنّ الجناية به حصلت موجبة للقصاص فلم تسقط باعتراض الارتداد و يستوفي القصاص فيها وليّه المسلم فإن لم يكن استوفاه الإمام.

____________

و أسلم قبل وقوعه فيه فإنّه يثبت الدية لا القود و ربما يخطر بالبال عدم الفرق بين الرمي حال كفره أو ارتداده و إصابة السهم بعد إسلامه. و بيّن ما تقدّم في كلام الماتن من أنّه لو قطع يد الحربي أو المرتد ثم أسلما قبل السراية، و لكن بينهما فرق و إن لم يكن فارقا على ما ذكرنا و هو الرمي مع إصابته يحسب جناية، و عدم ضمان الجناية في السابق أوجب عدم ضمان سرايته بخلاف المقام فإنّ الجناية في الفرض مضمونة عند وقوعها أي إصابة السهم.

(1) ذكر (قدس سره) أنّه لو قطع مسلم يد مسلم آخر عمدا فسرت جناية اليد حال ارتداد المقطوع فمات مرتدا ففي هذا الفرض لم يتعلّق على القاطع لا قصاص النفس و لا ديتها؛ لأنّه لا يقتل المسلم بالكافر و لا دية للمرتد كالكافر الحربي، و لكن التزم (قدس سره) انّ قصاص الطرف يتعلّق على الجاني المسلم حيث إنّه قطع يد المسلم عمدا.

و حكي عن المبسوط أنّه لا يتعلق بالمسلم القاطع قصاص الطرف و لا دية الطرف أيضا؛ لأنّ قصاص الطرف و ديته مع السراية يدخل في قصاص النفس و ديتها.

و بتعبير آخر مع سراية الجناية ليس في البين إلّا قصاص النفس و ديتها، و المفروض أنّه لا يقتل المسلم بالمرتد و أنّه لا دية للمرتد و ناقش الماتن (قدس سره) في هذا الاستدلال بأنّ سقوط قصاص الطرف مع الجناية عمدا و ديته مع‌

141

..........

____________

الجناية خطأ في صورة إمكان استيفاء الجناية على النفس بالقصاص عن الجاني أو أخذ دية النفس و مع عدم إمكان استيفائها كما هو المفروض في المقام لمانع طريان الارتداد على المجني عليه لا موجب لسقوط قصاص الطرف الثابت قبل ارتداده.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ دخول قصاص الطرف و ديته في قصاص النفس و ديتها لاتّصاف الجناية بكونها قتلا عمدا أو خطأ و لا يختلف هذا الاتصاف بين صورة إمكان قصاص النفس أو أخذ ديتها و عدم إمكانهما.

بل لو اغمض عن ذلك فأيضا لا مورد في المفروض لقصاص الطرف فإنّ المستفاد من صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه لا قود على المسلم من جنايته على غيره لا في القتل و لا في الجراحات، حيث قال: (عليه السلام) «لا يقاد مسلم بذمّي في القتل و لا في الجراحات» (1)، و ظاهرها كما تقدّم سابقا أنّ المجني عليه إذا كان عند القصاص له كافرا لا يقاد المسلم به.

و المفروض أنّ المجني عليه في ظرف قصاص وليّه المسلم مرتد.

أضاف إلى ذلك أنّ قصاص الطرف يثبت للمجني عليه و المجني عليه الكافر ليس له حقّ قصاص الطرف عن المسلم لينتقل هذا الحقّ إلى وارثه المسلم مع موته مرتدا.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5: 80.

142

و قال في المبسوط: الذي يقتضيه مذهبنا أنّه لا قود و لا دية؛ لأنّ قصاص الطرف و ديته يتداخلان في قصاص النفس و ديتها، و النفس هنا ليست مضمونة و هو يشكل بما أنّه لا يلزم من دخول الطرف في قصاص النفس سقوط ما يثبت من قصاص الطرف لمانع يمنع من القصاص في النفس، و أمّا لو عاد إلى الإسلام فإن كان قبل أن يحصل سراية ثبت القصاص في النفس (1) و إن حصلت سراية و هو مرتدّ ثمّ عاد و تمّت السراية حتى صارت نفسا ففي القصاص تردّد أشبهه ثبوت القصاص؛ لأنّ الاعتبار في الجناية المضمونة بحال الاستقرار و قيل لا قصاص؛ لأنّ وجوبه مستند إلى الجناية و كلّ السراية، و هذه بعضها هدر؛ لأنّه حصل حال الردّة و لو كانت الجناية خطأ يثبت الدية لأنّ الجناية صادفت محقون الدم و كانت مضمونة في الأصل.

____________

(1) لا فرق بين عوده إلى الإسلام قبل السراية أو أثناء السراية في أنّه في كلّ منهما إذا كانت الجناية على الآخر بقصد قتله أو كانت مسرية إلى النفس في العادة تعلّق القصاص بالجاني؛ لأنّه عند تحقّق القتل كان المجني عليه مسلما فيكون القود تعلّقه بالمسلم في مقابل نفس المسلم، فإنّ ظاهر الصحيحة كما تقدّم أنّ المسلم لا يقاد بالكافر، و هذا غير صادق في الفرض فيؤخذ بالإطلاق في قوله سبحانه: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1).

نعم إذا لم يكن قصده القتل و لم تكن الجراحة مسرية إلّا اتفاقا يتعلّق بالجاني الدّية على ما تقدّم، و تقدّم أيضا أنّ ضمان الجناية يكون باستقرارها و العبرة في القصاص و الدية بزمان الاستقرار.

و مما ذكرنا يظهر أنّه لو كان عند قطع يده مرتدّا ثم عاد إلى الإسلام عند السراية يثبت على القاطع دية النفس بلا فرق بين كون جراحته مسرية عادة أم لا، و سواء قصد القتل به أم لا لما تقدّم من أنّه عند الجناية لم يقصد قتل المسلم بل غاية قصده قتل الكافر.

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

143

[الرابعة: إذا قتل مرتد ذمّيا ففي قتله تردّد]

الرابعة: إذا قتل مرتد ذمّيا ففي قتله تردّد (1) منشأه تحرّم المرتدّ بالإسلام و يقوى أنّه يقتل للتساوي في الكفر كما قيل في النصراني باليهودي؛ لأنّ الكفر كالملّة الواحدة، و أمّا لو رجع إلى الإسلام فلا قود و عليه دية الذمي.

[الخامسة: لو جرح مسلم نصرانيا]

الخامسة: لو جرح مسلم نصرانيا ثم ارتدّ الجارح و سرت الجراحة فلا قود؛ لعدم التساوي حال الجناية (2)، و عليه دية النصراني (الذمي خ ل).

____________

(1) لا يخفى أنّه و إن قيل بعدم القود على المرتد و تثبت عليه دية الذمّي كقتل المسلم الذمي؛ لأنّ للمرتد تحرّما بالإسلام، و لكن لا يخفى ضعفه و انّ الأظهر تعلّق القود عليه؛ و ذلك فإنّ الثابت هو انّ عند القصاص إذا كان المسلم هو الجاني و الكافر هو المجني عليه فلا يقتل المسلم، كما هو ظاهر صحيحة محمد بن قيس المتقدمة، و في غيره يؤخذ بإطلاق قول اللّه سبحانه النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1).

و على ذلك فإن عاد المرتد إلى الإسلام بعد قتله الذمّي فلا يقتل به، بل يكون عليه دية الذمّي، يعني ثمانمائة درهم و لا يفرق في ذلك بين كون ارتداده عن ملّة أو فطرة لما تقدّم من أنّ عدم قبول توبة الفطري بالإضافة إلى حدّ الارتداد لا بالإضافة إلى ساير أحكام الإسلام، و المرتد الفطري بعد إسلامه أيضا و إن كان غير محقون الدم إلّا أنّه بالإضافة إلى المسلمين لا الكفار.

(2) قد تقدّم انّ التساوي المعتبر في القصاص هو حال القصاص، و في المثال قتل المرتد يكون بإزاء نفس الكافر كما هو مقتضى «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».

نعم، لا يثبت على المسلم بعد ارتداده إلّا دية النصراني و لا يتعلّق به القود إذا لم يقصد عند جنايته قتله و لم تكن الآلة قاتلة بأن اتفق السراية.

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

144

[السادسة: لو قتل ذمّي مرتدا قتل به]

السادسة: لو قتل ذمّي مرتدا قتل به؛ لأنّه محقون الدم بالنسبة إلى الذمّي، و لو قتله مسلم فلا قود قطعا (1) و في الدية تردّد، و الأقرب أنّه لا دية، و لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الولي كان عليه القود، و لو وجب قتله بزنا أو لواط فقتله غير الإمام لم يكن عليه قود و لا دية؛ لأنّ عليا (عليه السلام) قال لرجل قتل رجلا و ادّعى أنّه وجده مع امرأته: «عليك القود إلّا أن تأتي ببيّنة».

____________

(1) لما يظهر مما تقدّم من أنّ المسلم لا يقتل بالكافر و المرتدّ حين القتل محكوم بالكفر بل هو- يعني المرتد- إذا كان ارتداده فطريا يكون غير محقون الدم بالإضافة إلى المسلم قطعا؛ لجواز قتله لكلّ من سمع منه الارتداد. و ما في كلمات جماعة من أنّ المرتد غير محقون الدم بالإضافة إلى الإمام إنّما يتمّ في المرتد الملّي مع عدم توبته بعد الاستتابة، هذا بالإضافة إلى القصاص.

و أمّا عدم الدّية، فقد يستدلّ بذلك بأنّ الدية تثبت في قتل اليهودي و النصراني و المجوسي، و في قتل غيرهم لم يثبت قصاص و لا موجب للدية.

و أمّا إذا قتل المسلم من وجب قتله حدّا بالزنا أو اللواط فقد يقال إنّه لا قود على المسلم و لا دية، كما اختاره في المتن.

و يستدلّ على ذلك برواية سعيد بن المسيب «انّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري انّ ابن أبي الجسرين وجد رجلا مع امرأته فقتله، فاسأل لي عليّا عن هذا، قال أبو موسى: فلقيت عليّا (عليه السلام) فسألته ... إلى أن قال:

فقال: «إنا أبو الحسن إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد و إلّا دفع برمّته» (1)، فإنّها ظاهرة في أنّه إذا أثبت موجب الحدّ الذي قتل لا شي‌ء على القاتل.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 69 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 102.

145

[الشرط الثالث: أن لا يكون القاتل أبا]

الشرط الثالث: أن لا يكون القاتل أبا (1) فلو قتل ولده لم يقتل به و عليه الكفارة و الدية و التعزير، و كذا لو قتله أب الأب و إن علا، و يقتل الولد بأبيه.

____________

نعم، إنّها واردة في الزنا بزوجته فغايتها التعدّي إلى مرتكب الفجور بأهله كابنته و أمّه مع أنّ السند ضعيف و لا يمكن الاعتماد عليها؛ و لذا قد يقال بثبوت القود على القاتل فإنّ المرتكب محقون الدم بالإضافة إلى غير الإمام، نظير ما قتل غير الولي من يكون عليه القصاص.

نعم، إذا كان القتل مع انطباق عنوان الدفاع عليه فهو خارج عن مفروض الكلام، كما تقدّم ذلك في بحث الدفاع.

و يمكن استظهار ذلك من صحيحة داود بن فرقد (1) التي أوردها في الوسائل بعد حديث سعيد بن المسيب. و على الجملة من التزم بعدم القود في قتل شخص يكون عليه حدّ القتل بالزنا و اللواط و نحوهما فعليه إثبات الانصراف فيما دلّ على القصاص على القاتل عن المورد نظير قوله سبحانه:

وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً (2).

(1) لا يقتل الأب بولده بلا خلاف معروف أو منقول، و يدلّ عليه عدّة من الروايات كموثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه «أنّ عليا (عليه السلام) كان يقول: لا يقتل والد بولده إذا قتله و يقتل الولد بالوالد إذا قتله، و لا يحدّ الوالد للولد إذا قذفه و يحدّ الولد للوالد إذا قذفه» (3).

و حسنة حمران عن أحدهما (عليه السلام) قال: «لا يقاد والد بولده و يقتل‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 69 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 102.

(2) سورة الاسراء: الآية 33.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 8: 58.

146

و كذا تقتل الام به (1)، و يقتل بها و كذا الأقارب كالأجداد و الجدات من قبلها و الاخوة من الطرفين و الأعمام و العمات و الأخوال و الخالات.

____________

الولد إذا قتل والده عمدا» (1). و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سألته عن الرجل يقتل ابنه أ يقتل به؟ قال: لا» (2). إلى غير ذلك.

و عنوان الوالد بل الأب الوارد فيها يعمّ الأب و أب الأب.

بل يجري عدم القصاص على الأب في جنايته على ابنه في الأطراف أيضا، و في صحيحة ظريف بن ناصح عن أمير المؤمنين (عليه السلام): و قضى أنّه لا قود لرجل أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع أو غيره و يكون له الدية و لا يقاد (3). و ظاهر هذه الصحيحة- مضافا إلى عدم ذهاب دم امرئ هدرا- انتقال الأمر إلى الدية، و أمّا ثبوت الكفّارة فلإطلاق ثبوتها على القاتل عمدا.

و كذا لا ينبغي التأمّل في ثبوت التعزير، فإنّ الموجب له ارتكاب الحرام الذي يعدّ معصية كبيرة، و يدلّ عليه أيضا رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) «في الرجل يقتل ابنه أو عبده قال: لا يقتل به و لكن يضرب ضربا شديدا و ينفى عن مسقط رأسه» (4)، و لكنّها لضعف سندها تصلح للتأييد.

(1) كما عليه المشهور بل لم يحك الخلاف إلّا عن الاسكافي فإنّه وافق العامّة في عدم قتل الام بولدها إلحاقا لها بالأب، و لكنّه ضعيف؛ لأنّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 56.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 56.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 10: 58.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 9: 58.

147

[فروع]

[الفرع الأول: لو ادّعى اثنان ولدا مجهولا]

فروع الفرع الأول: لو ادّعى اثنان ولدا مجهولا فإن قتله أحدهما قبل القرعة (1) فلا قود لتحقق الاحتمال في طرف القاتل، و لو قتلاه فالاحتمال بالنسبة إلى كل

____________

القصاص منها مقتضى عموم قوله سبحانه: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1)، و قد خرج عنه في الأب إذا قتل ولده لما تقدم من التسالم و الروايات، و أمّا الام فيؤخذ فيها بمقتضى العموم كما يؤخذ بمقتضاه ما إذا قتل الولد أمّه.

أضف إلى ذلك فيما قتل الولد أمّه صحيحة أبي عبيدة، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل أمّه قال: يقتل بها صاغرا و لا اظنّ قتله بها كفارة له و لا يرثها» (2).

و مما ذكرنا يظهر الحال في قتل الأخ أخاه أو اخته أو قتل الاخت أخاه سواء أ كان الأخ أو الاخت من الطرفين أو من طرف الأب الخاصة أو من الام كما يظهر الحال في قتل بعض الأقرباء البعض الآخر، فإنّ كلّ ذلك داخل في العموم المشار إليه.

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) أنّه إذا ادّعى شخص أنّه أب لولد مجهول أبوه يقبل قوله و يلحق به مع احتمال الصدق، و أمّا إذا ادّعى كلّ من الاثنين الابوّة له يقرع بينهما فأيّ منهما أخرجته القرعة يلحق الولد به، و على ذلك فإن قتله الشخص المدّعي الابوة له في الفرض الأول ينتفي عنه القود كما هو مقتضى لحوق الولد به.

و أمّا إذا قتله أحد المدّعيين، فإن كان قتله قبل الاقراع بين المدّعيين‌

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 32 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 9: 58.

148

واحد منهما باق و ربما خطر الاستناد إلى القرعة و هو تهجّم على الدم فالأقرب الأول.

____________

لا يقتل القاتل؛ لاحتمال كونه أب المقتول فينتقل الأمر إلى أخذ الدية منه، و لو اشتركا في قتله قبل الاقراع فكذلك ينتفي القصاص عن كلّ منهما لاحتمال الابوة بالإضافة إلى خصوص كلّ منهما فيشتركان في أخذ الدية منهما.

و لكن ذكر (قدس سره) ربما يحتمل الاقراع بعد القتل، فإن أخرج القرعة الأب فإن كان هو القاتل لا يقتص منه و إن كان غيره فيقتصّ منه سواء استقلّ أحدهما في قتله أو اشتركا فيه، غاية الأمر في فرض الاشتراك يؤخذ ممّن حكم بابوّته نصف الدية و يعطى لمن يقتصّ منه نظير ما وقع القتل بعد إخراج الأب بالقرعة، و الماتن (قدس سره) و إن دفع هذا الاحتمال بأنّه تهجّم على الدماء و انّ الأقرب سقوط القصاص عن القاتل في صورة وقوعه عن أحدهما و عنهما في صورة اشتراكهما في القتل إلّا أنّه قد يختار الرجوع إلى القرعة أخذا بما دلّ على أنّها لكلّ أمر مشكل و عدم طلّ دم امرئ مسلم و لأنّ الابوة مانعة عن القصاص فلا يعتنى باحتمال المانع مع إحراز المقتضي و ليس انتفاء الابوة شرطا في القصاص لئلا يحرز المقتضي مع احتمال الابوة.

أقول: لو بنى على سماع دعوى شخص أنّ فلانا ولده من غير إحراز وطئه أمّه فلا دليل على السماع مع معارضة دعواه بدعوى غيره ليحكم عند المعارضة بالاقراع كما يظهر الوجه من ملاحظة ما ورد في الحمل.

و عليه، فلا مورد للاقراع ليقال بالفرق بين القتل قبل الاقراع أو بعده، بل لو قتله أحد المدعيين يقتص منه و لو اشترك المدّعيان في قتله يقتصّ منهما؛ لأنّ عموم ما دلّ على أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ يقتضي القصاص من القاتل‌

149

و لو ادّعياه ثم رجع أحدهما و قتلاه توجّه القصاص على الراجع (1) بعد ردّ ما يفضل عن جنايته و كان على الأب نصف الدية و على كلّ منهما كفارة القتل بانفراده.

____________

عمدا و الخارج عن ذلك ما إذا كان القاتل أب المقتول، و مقتضى الاستصحاب في ناحية عدم الابوة جارية بالإضافة إلى كلّ من المدعيين فيتمّ الموضوع للقصاص من غير فرق بين كون الابوة مانعة عن القصاص أو كون عدمها شرطا. مع أنّ الفرق بين كون الابوة مانعة أو عدمها شرطها لا يرجع إلى محصّل في الاحكام بالإضافة إلى موضوعاتها.

و مما ذكرنا يظهر أنّه إذا لم يثبت سماع مجرّد دعوى الابوة و لو مع عدم المعارضة ثبت على المدّعي القاتل القصاص أخذا بالعموم المزبور بضمّ الاستصحاب في ناحية عدم الابوة.

و دعوى أنّ الاعتماد على أنّ الاستصحاب من إراقة الدم بالشبهة كما ترى، فإنّ مع إحراز الموضوع و لو بالأصل لا مورد للشبهة، حتّى بناء على درء الحدود في مثل ذلك فإنّ القصاص غير الحدّ.

(1) ما ذكره (قدس سره) مبني على نفوذ رجوعه و أن نفوذه ليس من جهة نفوذ الاقرار على النفس و إلّا فلا يسمع الرجوع بالإضافة إلى انتفاء القصاص؛ لأنّه من قبيل الاقرار للنفس، بل من جهة انّ الدعوى بالابوة غير مسموعة إذا تعقّبها الانكار، و عليه فيثبت القصاص على الراجع و يكون على الآخر المشترك في قتله نصف الدية؛ لانتفاء القصاص عنه، و يجب على كلّ واحد من الراجع و غيره كفارة القتل لانفراده، كما هو الحال في ساير موارد القتل عمدا بالاشتراك لصدق القتل على فعل كلّ منهما.

150

[الثاني و لو ولد مولود على فراش مدعيين له]

و لو ولد مولود على فراش مدعيين له كالأمة أو الموطوءة بالشبهة في الطهر الواحد فقتلاه قبل القرعة لم يقتلا به (1)؛ لتحقّق الاحتمال بالنسبة إلى كلّ منهما،

____________

هذا كلّه في ولد التداعي عند الماتن و غيره بأن لا يكون مثبت للابوة و الولدية غير الدعوى من شخصين، و بناء على ما ذكرنا يقتصّ من كلّ من المدعي و الراجع عن دعواه، أمّا من المدعي فلما تقدّم، و أمّا من الراجع لنفوذ إقراره عليه و كون رجوعه إقرارا على نفسه بتعلّق القصاص به، فلا حاجة في القصاص عنه إلى ضمّ الاستصحاب في عدم كونه أبا للمقتول.

و مما ذكرنا يظهر ثبوت الكفارة- يعني كفارة قتل العمد- على كلّ منهما؛ لصدق أنّه قتل عمدا، و كذا بناء على ما ذكروه من نفي القصاص للشبهة، فإنّ المنتفي بالشبهة القصاص لا الكفّارة.

و على الجملة فإن أراد وارث المقتول قتل كلّ من المدعيين قصاصا فعليه ردّ نصف الدية على كلّ منهما على ما تقدّم من القصاص من المشتركين في القتل.

نعم إذا علم بأنّ الولد لأحدهما فيجري عليه ما يأتي في المتولد على فراش مدعيين له.

(1) إذا أتت المرأة بولد عند ما كانت على فراش مدّعيين كالأمة المشتركة بين اثنين وقعا عليها، و ادّعى كلّ منهما أنّ الولد له، فإنّه مع إمكان لحوق الولد بكلّ منهما يقرع بينهما فإن أخرج السهم أحدهما يلحق الولد به و يضمن للآخر نصيبه من الأمة و نصيب تقويم الولد.

و يشهد لذلك صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «بعث رسول اللّه عليّا إلى اليمن فقال له حين قدم: حدّثني بأعجب ما ورد‌

151

و لو رجع أحدهما ثم قتلاه لم يقتل الراجع، و الفرق انّ البنوّة هنا تثبت بالفراش لا بمجرد الدعوى، و في الفرق تردد.

____________

عليك، فقال: يا رسول اللّه أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطأها جميعهم في طهر واحد فولدت غلاما فاحتجّوا فيه كلّهم يدّعيه، فأسهمت بينهم فجعلته للذي خرج سهمه و ضمنته نصيبهم، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى اللّه إلّا خرج سهم المحقّ» (1).

و كذا إذا وقع المتعدّدون على امرأة في طهر واحد بالشبهة فولدت ولدا يمكن إلحاقه بكلّ منهم، كما يشهد بذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا وقع الحرّ و العبد و المشرك على امرأة في طهر واحد و ادّعوا الولد اقرع بينهم و كان الولد للذي يقرع» (2).

و مقتضى الصحيحتين- خصوصا ما ورد من بيان الكبرى في الاولى- عدم الفرق في الرجوع إلى القرعة بين ما وقع القتل قبل القرعة أو بعدها.

نعم مع رجوع أحدهما عن دعواه قبل القرعة يمكن دعوى أنّ الرجوع إذا كان بعد القتل بل إذا كان قبله يكون قتل الراجع للأخذ بإقراره على نفسه، فإنّ القرعة في المقام لم يعين الأب و يسمع دعوى الآخر بكون الولد له مع فرض الفراش، كما هو المفروض في المقام.

نعم، إذا كانت الراجع زوجا للموطوءة و فرض دخوله بها فلا ينتفي الولد عنه بمجرّد الرجوع بل يحتاج نفيه إلى اللّعان، و كذا في رجوع ولي الأمة التي وطأها، كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6: 188.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 187.

152

[الثالث و لو قتل الرجل زوجته هل يثبت القصاص لولدها منه]

و لو قتل الرجل زوجته هل يثبت القصاص لولدها منه، قيل لا؛ لأنّه لا يملك أن يقتصّ من والده، و لو قيل يملك هنا أمكن اقتصارا بالمنع على مورد النص (1).

____________

(1) و لو قتل الرجل زوجته ففي جواز قصاص ولدها من أبيه كلام.

فقد يقال بعدم الجواز؛ لأنّ الولد لا يجوز له القصاص من أبيه، كما إذا قطع الأب يد ابنه عمدا، حيث ليس للولد إلّا أخذ دية يده من أبيه. ففي الفرض أيضا لا يثبت له حقّ القصاص من أبيه.

و قد يقال إنّه لا يقتل الأب بقتله الولد كما أنّه ليس للولد القصاص من أبيه من الجناية على طرفه، و أمّا أنّه لا يثبت له القصاص من أبيه إذا قتل مورّثه كالامّ في الفرض، فلا يدخل ذلك في شي‌ء من الموردين.

و لكن مع ذلك، الأظهر عدم جواز القصاص له من أبيه حتى في الفرض، لما ورد في قذف الرجل زوجته الميتة بأنّه ليس لولده حقّ القذف على أبيه، و بتعبير آخر كما ورد في أنّ الأب لا يقذف بقذفه الابن و مع ذلك قد طبق الإمام (عليه السلام) تلك الكبرى على ما انتقل حقّ القذف إلى الابن لموت زوجته المقذوفة كذلك ينطبق قوله لا يقتل الأب بالابن و لا يثبت للابن القصاص من أبيه في المفروض. و في صحيحة محمد بن مسلم: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قذف ابنه بالزنا، قال: لو قتله ما قتل به، و إن قذفه لم يجلد له ...- إلى أن قال-: و إن كان قال لابنه يا ابن الزانية و أمّه ميّتة و لم يكن لها من يأخذ بحقّها منه إلّا ولدها منه فإنّه لا يقام عليه الحد؛ لأنّ حقّ الحدّ صار لولده منها» (1)، حيث انّ المتفاهم منه انّه كلّما لزم قصاص للابن من أبيه فلا حقّ للابن في القصاص من أبيه.

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب حدّ القذف، الحديث 1: 447.