تنقيح مباني الأحكام - كتاب القصاص

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
338 /
153

و كذا البحث لو قذفها الزوج و لا وارث إلّا ولده منها، و أمّا لو كان لها ولد من غيره فله القصاص بعد ردّ نصيب ولده من الدية و له استيفاء الحدّ كاملا.

[الرابع و لو قتل أحد الولدين أباه ثمّ الآخر أمّه]

و لو قتل أحد الولدين أباه ثمّ الآخر أمّه (1)، فلكلّ منهما على الآخر القود، فإن تشاحّا في الاقتصاص اقرع بينهما و قدّم في الاستيفاء من أخرجته القرعة و لو بدر أحدهما فاقتصّ كان لورثة الآخر الاقتصاص منه.

____________

نعم لو كان للزوجة ولد من غير القاتل فله القصاص من زوجها القاتل، و لو كان لها ولد من القاتل و ولد من شخص آخر يثبت لولدها من غيره حقّ القصاص بعد ردّ نصف الدية على ولدها من القاتل، كما هو الحال فيما أوجب القتل ثبوت القصاص لواحد و الدية للآخر، و أمّا في مسألة القذف فيثبت للولد من الآخر استيفاء الحدّ كاملا كما تقدّم بيانه في إرث حدّ القذف كما ورد ذلك في ذيل الصحيحة من قوله (عليه السلام) «و إن كان لها ولد من غيره فهو وليها يجلد له» الحديث (1).

(1) إذا قتل أحد الأخوين من أب و أمّ أباه و قتل الأخ الآخر أمّه يكون قاتل الامّ وليّا للقصاص من أخيه القاتل أباه، و يكون قاتل الأب وليّا للقصاص من أخيه القاتل لامّه، فأيّهما بدر إلى قتل الآخر قصاصا تكون ورثة المقتول وليّا بالقصاص الذي كان حقّا لمورثهم المقتول قصاصا.

و احتمال التهاتر بالإضافة إلى حقّ القصاص الذي كان لكلّ من الأخوين نظير التهاتر في المتقاذفين بلا موجب بعد اقتضاء كلّ من القتلين كون كلّ منهما وليّا على القصاص من الآخر.

و ذكر الماتن أنّه إذا تشاحّا في البادي في الاقتصاص أنّه يقرع بينهما.

و لكن لا موجب للقرعة بعد معلومية ثبوت حقّ القصاص لكلّ منهما.

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب حدّ القذف، الحديث 1: 447.

154

[الشرط الرابع: كمال العقل]

الشرط الرابع: كمال العقل، فلا يقتل المجنون سواء قتل مجنونا أو عاقلا (1) و تثبت الدية على عاقلته، و كذا الصبي لا يقتل بصبي و لا ببالغ.

____________

نعم لو قيل بأنّ ثبوت حقّ القصاص على وليّ المقتول ظلما يتوقّف على حكم الحاكم، فربّما يقال بأنّه يشكل على الحاكم الحكم لأحدهما أوّلا.

و هذا أيضا غير صحيح؛ لأنّ على الحاكم الحكم بثبوت حقّ الاقتصاص لكلّ منهما لكون لكلّ منهما وليّا على المقتول ظلما.

(1) يعتبر فيمن يتعلّق به القصاص كمال العقل بالفعل و البلوغ، و لو قتل المجنون مجنونا أو عاقلا لا يقتصّ منه، و يتعلق الدية على عاقلته.

و يشهد لذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجعل جناية المعتوه على عاقلته خطأ كان أو عمدا» (1)، و معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): انّ محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يسأله عن رجل مجنون قتل رجلا عمدا فجعل (عليه السلام) الدية على قومه و جعل خطأه و عمده سواء (2).

هذا بالإضافة إلى المجنون، و أمّا بالإضافة إلى الصبي ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «عمد الصبي و خطأه واحد» (3)، و في موثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه «أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول:

عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة» (4). و مقتضى الاطلاق عدم الفرق‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 1: 307.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 5: 307.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2: 307.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3: 307.

155

..........

____________

بين أن يقتل الصبي صبيّا أو بالغا فيحسب قتله خطأ و تكون الدية على عاقلته.

و العبرة في حساب قتل المجنون خطأ محضا ما إذا وقعت الجناية حال جنونه و لو قتل عاقلا ثمّ جنّ لم يسقط عنه القصاص و ذلك مقتضى الاطلاق في مثل قوله سبحانه: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1)، و ظاهر الصحيحة و معتبرة السكوني صدور الجناية حال الجنون و استيفاء القصاص حال الجنون مع صدور الجناية حال العقل لا ينافي رفع قلم التكليف عنه، فإنّ الاستيفاء حقّ مجعول لولي الدم.

و يدلّ على ذلك أيضا رواية معاوية بن بريد العجلي قال: «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلا عمدا فلم يقم عليه الحدّ و لم تصحّ الشهادة عليه حتّى خولط و ذهب عقله ثم انّ قوما آخرين شهدوا عليه بعد ما خولط أنّه قتله فقال: إن شهدوا عليه أنّ قتله حين قتله و هو صحيح ليس به علّة من فساد عقل قتل به، و إن لم يشهدوا عليه بذلك و كان له مال يعرف، دفع إلى ورثة المقتول الدية من مال القاتل و إن لم يكن له مال اعطي الدية من بيت المال و لا يبطل دم امرئ مسلم» (2)، و الرواية لا يخلو سندها من الضعف و لذلك تصلح للتأييد كالتأييد بما ورد من عدم سقوط الحدّ عنه إذا كان ارتكابه الموجب حال العقل، و ما في الرواية من دفع الدية من ماله لا ينافي ما تقدّم، فإنّ المفروض في الرواية عدم إحراز وقوع الجناية حال جنونه لتكون الدية على عاقلته.

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 29 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 52.

156

أمّا لو قتل العاقل ثمّ جنّ لم يسقط عنه القود، و في رواية يقتصّ من الصبي إذا بلغ عشرا (1) و في اخرى: إذا بلغ خمسة أشبار و يقام عليه الحدود و الوجه ان عمد الصبي خطأ محض يلزم ارشه العاقلة حتى يبلغ خمسة عشر سنة.

____________

(1) قال الشيخ (قدس سره) في الاستبصار انّ الصبي إذا بلغ عشر سنين اقتصّ منه و حكي ذلك عن مبسوطه و نهايته و عن غير واحد لم يظفر برواية مسندة تدلّ على ذلك. نعم الرواية المرسلة موجودة في الكتب و احتمل بعضهم أنّه (قدس سره) استند في ذلك إلى الصحيح عن أبي أيوب الخزاز قال: سألت اسماعيل بن جعفر متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: «إذا بلغ عشر سنين، قلت: و يجوز أمره؟ قال فقال: «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) دخل بعائشة و هي بنت عشر سنين، و ليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره و جازت شهادته» (1). و ظاهرها انّ بلوغ الصبي أيضا كالصبية يكون ببلوغ عشر سنين.

و لكنها لا تصح للاعتماد عليها؛ لأنّ قول اسماعيل بن جعفر غير معتبر بل باطل؛ لكونه من القياس.

نعم، ورد في صحيحة سليمان بن حفص المروزي عن الرجل (عليه السلام) قال: «إذا تمّ للغلام ثمان سنين جاز أمره و قد وجبت عليه الفرائض و الحدود» (2). و ظاهرها بلوغه بثمان سنين. و قد روى الشيخ الرواية بسنده عن علي بن الحسن بن فضال عن العبيدي (يعني محمد بن عيسى العبيدي) عن الحسن بن راشد عن العسكري (عليه السلام) قال: «إذا بلغ الصبي ثماني سنين فجائز أمره في ماله و قد وجبت عليه الفرائض و الحدود و إذا تمّ للجارية سبع‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 22 من أبواب الشهادات، الحديث 3: 252.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 28 من أبواب حد السرقة، الحديث 13: 526.

157

..........

____________

سنين فكذلك» (1).

و لكن إذا أمكن حمل ذلك على كونه مخيّرا يجوز أمره باذن وليّه و يثبت في حقّه العبادات و يعزّر على ارتكاب المحرّمات كالسرقة و شرب الخمر و الفحشاء فهو، و إلّا فلا مجال للاعتماد عليها لعدم معهودية العمل بها و معارضتها بغير واحد من الأخبار الدالة على خلافها بل لا يبعد كونها متواترة إجمالا.

و في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل و غلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتصّ منه و إذا لم يكن بلغ خمسة أشبار قضى بالدية» (2)، و قد التزم الشيخ (قدس سره) في الاستبصار بمضمونها و قد حملوا الرواية على كون البلوغ خمسة أشبار أمارة لبلوغه إذا احتمل البلوغ و إلّا فمع العلم بالصغر لا عبرة بالأشبار.

و بتعبير آخر لا يكون لبلوغه خمسة أشبار موضوعية في مقابل بلوغه خمسة عشر سنة أو نبت الشعر الغليظ في عانته أو احتلامه، حيث انّ الالتزام بالموضوعية غير محتمل كما إذا فرض انّ الصبيين قد ولدا في يوم واحد فبلغ أحدهما خمسة أشبار و لم يبلغ الآخر فالالتزام بالقصاص من الأول دون الثاني إذا قتلا شخصا أو قتل كلّ منهما رجلا أو صبيا غير محتمل و إن لم يمكن حملها على الأمارية أيضا كما يدّعى ذلك فلا بدّ من طرحها و إرجاع علمها إلى أهلها لما تقدّم من الروايات الدالّة على أنّ بلوغه‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب وصية الصبي و العجوز، الحديث 1: 11.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 66.

158

[فرع]

فرع لو اختلف الولي و الجاني بعد بلوغه أو بعد إفاقته فقال قتلت و أنت بالغ أو أنت عاقل فأنكر فالقول قول الجاني مع يمينه (1)؛ لأنّ الاحتمال متحقّق فلا يثبت معه القصاص و يثبت الدية على العاقلة (القاتل خ ل) و لو قتل البالغ الصبي قتل به على الأصح (2).

____________

لا يكون بذلك و عليه فالالتزام بالقصاص من الصبي مع ورود انّ عمده و خطأه سيّان تحمّله العاقلة غير ممكن، و اللّه العالم.

(1) فإنّ الاستصحاب في كونه صغيرا زمان قتله أو في بقاء جنونه زمانه ينفي الموضوع للقصاص و يثبت الموضوع لكون الدية على العاقلة فعليه يكون ولي الدم مدّعيا لحقّ القصاص فإن أقام البينة على مدّعاه فهو، و إلّا يحلف الجاني المفروض إحراز بلوغه حين الحلف أو إفاقته حينه.

نعم، إذا كان المجنون قبل جنونه مسبوقا بالعقل و ادّعى وليّ الدم وقوع القتل منه قبل طروّ الجنون و ادّعى الجاني كونه بعد جنونه فالمدّعي هو الجاني فعليه إثبات دعواه و إلّا يحلف الوليّ و يثبت عليه القود.

و ظاهر الماتن و غيره عدم الفرق بين الصورتين بناء على مسلك المشهور من إلحاق القصاص بالحدود التي تدرأ بالشبهة، و قد تقدّم الكلام في أصل الحكم في الحدود و في إلحاق القصاص بها فلا نعيد.

(2) كما نسب ذلك إلى المشهور بل ادّعى عليه الاجماع. نعم المحكي عن الحلبي عدم القتل به، و يستدلّ على ما عليه المشهور بإطلاق ما دلّ على ثبوت حقّ القصاص لولي من قتل مظلوما و عمدا، و يضاف إلى ذلك مرسلة ابن فضال عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّ من قتل شيئا‌

159

و لا يقتل العاقل بالمجنون (1) و يثبت الدية على القاتل إن كان عمدا أو شبيها بالعمد و على العاقلة إن كان خطأ محضا و لو قصد القاتل (العاقل خ ل) دفعه كان هدرا و في رواية ديته على بيت المال.

____________

صغيرا أو كبيرا بعد أن يتعمّد فعليه القود» (1).

و لكنّ المروي في الفقيه بسنده عن ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «كلّ من قتل بشي‌ء صغير أو كبير بعد أن يتعمّد فعليه القود» (2)، و عليه فالمرسلة مضافا إلى ضعف السند- لا تدلّ إلّا على تعلّق القصاص حتّى إذا قتل بشي‌ء صغير؛ لأنّه لو لم يكن الصحيح ما نقله الصدوق فلا أقلّ من عدم ثبوت صحّة ما نقله الشيخ (قدس سره).

و أمّا الاطلاق فيما دلّ على ثبوت حقّ القصاص لولي المقتول متعمّدا أو ظلما فيرفع اليد عن الاطلاق المزبور بالتعليل الوارد في عدم تعلّق القود على قاتل المجنون من قوله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير «فلا قود لمن لا يقاد منه» (3) فإنّ مقتضى ذلك عدم تعلّق القصاص بقاتل الصبي حيث انّ الصبي لا يقاد منه.

(1) ذكروا عدم الخلاف في ذلك، و يستدلّ على ذلك بصحيحة أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلا مجنونا فقال: إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شي‌ء عليه من قود و لا دية و يعطى ورثته ديته من بيت مال المسلمين. قال: و إن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لا يقاد منه و أرى انّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 31 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4: 56.

(2) من لا يحضره الفقيه: ج 4، رقم الحديث 5221: 112.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 52.

160

و في ثبوت القود على السكران تردّد و الثبوت أشبه (1) لأنّه كالصاحي في تعلّق الأحكام.

____________

ورثة المجنون و يستغفر اللّه و يتوب إليه» (1). و رواية أبي الورد قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أو لأبي جعفر (عليه السلام): أصلحك اللّه، رجل حمل عليه رجل مجنون فضربه المجنون ضربة فتناول الرجل السيف من المجنون فضربه فقتله، فقال: أرى أن لا يقتل به و لا يغرم ديته و تكون ديته على الإمام و لا يبطل دمه» (2). و مع ضعفها بأبي الورد صالحة للتأييد و ظاهرهما ثبوت ديته في صورة قتله دفاعا، على بيت المال.

و لكن استشكل في ذلك بأنّ المقتول المهاجم دمه هدر فلا موجب لضمان الدية.

و لكن الإشكال ضعيف، فإنّ دمه هدر بالإضافة إلى قاتله فلا يضمنه قاتله، و أمّا كون الدية على بيت المال فلا وجه لرفع اليد عمّا دلّ عليه لاحتمال كون الحكمة في ثبوتها تأمين معاش عياله أو غير ذلك.

(1) المنسوب إلى المشهور تعلّق القصاص على السكران فإنّه و إن كان حين الجناية بلا قصد لسكره إلّا أنّه بسوء الاختيار فيتعلّق به أحكام الصاحي.

و ربّما يستدلّ على ذلك بمعتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون بسكاكين كانت معهم فرفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فسجنهم فمات منهم رجلان و بقي رجلان فقال أهل‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 52.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 52.

161

..........

____________

المقتولين يا أمير المؤمنين أقدهما بصاحبينا فقال للقوم: ما ترون؟ فقالوا: ترى أن تقيدهما فقال علي (عليه السلام) للقوم: فلعلّ ذينك اللذين ماتا قتل كلّ واحد منهما صاحبه، قالوا: لا ندري، فقال علي (عليه السلام): بل أجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة و آخذ دية جراحة الباقين من دية المقتولين» (1) فإنّ قوله (عليه السلام) فلعلّ ذينك ... إلخ، في أنّه إذا أحرز انّ الباقيين قتلا الذين ماتا لتعلّق بهما القود، فالسكر المحرم كما هو ظاهر الفرض لا يوجب خروج جناية السكران عن حكم التعمد، و لكن جعله (عليه السلام) دية المقتولين على قبائل الأربعة ينافي جعل جناية السكران عمدية حيث انّ اللازم أن تكون ديتهما على أنفسهم بأن يكون دية كلّ من المقتولين على الثلاثة أحدهم المقتول الآخر و المجروحين بل ظاهر صحيحة محمد بن قيس أنّه لا يحسب جناية السكران عمديّا فإنّه روي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في أربعة شربوا مسكرا فأخذ بعضهم على بعض السلاح فاقتتلوا فقتل اثنان و جرح اثنان فأمر المجروحين فضرب كلّ واحد منهما ثمانين جلدة و قضى بدية المقتولين على المجروحين و أمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية فإن مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شي‌ء» (2).

و وجه الظهور أنّ الأمر بجلد كلّ من المجروحين ثمانين هو حدّا لشرب المسكر فيكون الإسكار على وجه المحرم و حكمه (عليه السلام) بديّة المقتولين على المجروحين مقتضاه معلومية إسناد القتل إليهما و إلّا كانت الدية على الثلاثة كما تقدّم. و لو كانت جناية السكران من التعمد لكان على المجروحين القود.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 28 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2: 173.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1: 173.

162

و أمّا من بنّج نفسه أو شرب مرقدا لا لعذر فقد ألحقه الشيخ (رحمه اللّه) بالسكران و فيه تردّد (1).

و لا قود على النائم لعدم القصد و كونه معذورا في سببه و عليه الدية (2).

____________

و حمل هذه على ما إذا لم يكن وقوع الاقتتال معلوما لهم عند الشرب بأن كان أمرا اتفاقيا و حمل معتبرة السكوني على ما إذا كان وقوعه أمرا عاديّا لعلمهم حين الشرب بأن هذا يؤدّي إلى الاقتتال نوعا نوع جمع تبرّعيّ. نعم هذا التفصيل مقتضى القاعدة التي ذكرنا في تمييز الجناية- يعني القتل عمدا- عن القتل خطأ، و المتعين في المقام الأخذ بها، و اللّه العالم.

(1) ينبغي أن يكون الكلام فيما إذا كان البنج مزيلا للقصد و الاختيار من غير أن يكون مسكرا، و كذلك المراد من شرب المرقد، و مع عدم العذر له في ارتكابه فقد يقال كما عن الشيخ (قدس سره) إلحاقه بالسكران في ثبوت القصاص عليه لاشتراك ذلك مع السكران في زوال القصد بفعله الاختياري. و قد تردّد الماتن (قدس سره) في هذا اللحوق، و لكن الصحيح الالحاق إذا كان ذلك من غير ضرورة مع علمه بأنّ ارتكابه القتل معه أمر عادي بخلاف ما إذا كان أمرا اتفاقيا على ما تقدّم من التفصيل في السكران، و اللّه العالم.

(2) لا ينبغي التأمّل في أنّه إذا قتل النائم بحركته في النوم و انقلابه شخصا طفلا كان أو غيره لا قود عليه؛ لعدم قصده القتل و لا الفعل و كونه معذورا في نومه و حركته. و إنّما الكلام في الدّية في ماله أو أنّ الدية على عاقلته، و ظاهر الماتن في المقام أنّ الدية على النائم، و صرّح في الديات أنّ الأشبه باصول المذهب كونها على عاقلته.

163

..........

____________

و يستدلّ على كون الدية على النائم بما روي «من نام فانقلب على غيره فقتله كان ذلك شبيه العمد» و بأنّ انقلاب النائم لعدم قصد النائم من أسباب القتل التي يكون ضمانها على الفاعل دون العاقلة.

و لكن قد يقال: شي‌ء من ذلك لا يوجب كون الدية عليه؛ لعدم كون السبب موجبا لكون الدية على الشخص ما لم يكن القتل مستندا إليه بقصده الفعل القاتل و المفروض أنّ النائم غير قاصد للفعل أصلا؛ و لذا قد يشكل كون الدية على عاقلته أيضا، فإنّ الملاك في ضمان العاقلة في موارد الخطأ أن يكون الفاعل قاصدا قتل شي‌ء فيصيب غيره أو يريد الفعل القاتل لشي‌ء فيصيب غيره أي يقع على غيره، و هذا غير محقّق في المورد؛ و لذا احتمل أن يكون ديته على بيت المال؛ لأنّ دم المسلم لا يذهب هدرا و هذا أيضا غير ثابت فيما كان الموت مستندا إلى القضاء و القدر كما إذا دفع الريح شخصا من السطح فوقع على غيره فمات الغير.

و لكن الظاهر الفرق بين مسألة إطارة الريح شخصا فيقع على غيره و بين انقلاب النائم فإنّ إتلاف النفس يستند إلى النائم حيث إنّ الفعل صدر عنه و لو بلا قصده بخلاف دفع الريح فإنّ وقوعه على الغير مستند إلى الريح العاصفة كاستناد سقوط الحجارة إليها، و كما أنّه إذا انقلب النائم على مال الغير فأتلفه يكون ذلك موجبا لضمانه المال المتلف كذلك انقلابه على شخص آخر.

نعم الرواية المرسلة لإرسالها لا يمكن الاعتماد عليها و العمدة ما ذكرنا، و يأتي التعرّض لذلك في مسألة انقلاب الظئر النائم على الطفل و نلتزم فيها بالتفصيل بين ما إذا كانت الظئر ظائرة طلبا للعزّ و الفخر فتكون‌

164

و في الأعمى تردّد أظهره أنّه كالمبصر في توجّه القصاص بعمده (1)، و في رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ جنايته خطأ تلزم العاقلة.

____________

الدية في مالها و بين ما ظائرت لفقرها تكون الدية على عاقلتها لبعض الروايات الواردة فيها.

(1) فإنّه إذا قصد القتل أو قصد الفعل القاتل يكون قتله عمديّا فيعمّه ما دلّ على ثبوت حقّ القصاص عنه لأولياء المقتول و أنّ النفس بالنفس (1).

و لكن قد ورد في صحيحة العلاء عن محمد الحلبي أنّ قتله يحسب خطأ فيكون دية المقتول على عاقلته قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خدّيه فوثب المضروب على ضاربه فقتله قال فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هذان متعدّيان جميعا فلا أرى على الذي قتل الرجل قودا؛ لأنّه قتله حين قتله و هو أعمى، و الأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين في كلّ سنة نجما فإن لم يكن للأعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله يؤخذ بها في ثلاث سنين و يرجع الأعمى على ورثة ضاربه بديّة عينيه» (2)، و الرواية صحيحة بحسب نقل الصدوق، حيث رواه بإسناده عن العلاء عن الحلبي.

و في موثقة عمّار عن أبي عبيدة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمى فقأ عين صحيح فقال: إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ هذا فيه الدّية في ماله فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام و لا يبطل حقّ امرئ مسلم» (3).

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب العاقلة، الحديث 1: 306.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 35 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 65.

165

[الشرط الخامس: أن يكون المقتول محقون الدم]

الشرط الخامس: أن يكون المقتول محقون الدم احترازا من المرتدّ بالنظر إلى المسلم (1) فإنّ المسلم لو قتله لم يثبت القود و كذا كلّ من أباح الشرع قتله و مثله من هلك بسراية القصاص أو الحدّ.

____________

و قد يشكل على الروايتين بتعارضهما حيث ذكر في الثانية ما يقتضي كون عمده شبه العمد، و في الاولى كون عمده خطأ محضا مع أنّ الوراد فيهما كون الدية مع فقد العاقلة على الأعمى.

و لكن لا يخفى ما فيه فإنّ مقتضى الجمع بينهما رفع اليد عن إطلاق الصدر في الثانية بما ورد في الاولى من كون الدية في مال الأعمى مع فقد العاقلة، كما يرفع عن إطلاق ذيل الاولى بما ورد في ذيل الثانية من أنّه إذا لم يكن للأعمى عاقلة تكون الدية في بيت المال أو تحمل على التفصيل بين قتل الأعمى و جنايته على الأطراف فيؤخذ في الاولى بخطإ المحض و في الثانية بشبه الخطأ.

(1) لا ينبغي التأمّل في أنّه إذا ثبت جواز قتل مسلم لمسلم فلا يترتّب على قتله قود فإنّ مع جواز القتل له لا يكون قتله عدوانا و ظلما و على هذا فإن قتل مسلم مرتدّا سواء كان المرتدّ فطريّا أو ملّيا و كان القتل حال ارتداده فلا قود على المسلم القاتل، و عدم ثبوت القود على المسلم القاتل، مضافا إلى جوازه في المرتد الفطري، حيث ورد في مثل موثقة عمار الساباطي قال «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) كلّ مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام و جحد محمدا (صلى اللّه عليه و آله) نبوّته و كذّبه فإنّ دمه مباح لمن سمع ذلك منه» (1) لكون شرط القصاص التساوي في الدّين و أنّه لا يقتل المسلم بكافر، و أمّا إذا رجع المرتد‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب حدّ المرتد، الحديث 3: 545.

166

..........

____________

إلى الإسلام فإنّ المقتول إذا كان ارتداده فطريا فلا قود؛ لبقاء جواز قتله بخلاف ما إذا كان ارتداده ملّيا فإنّه يتعلّق على القاتل القود؛ لكونه بعد التوبة مسلم و دمه محترم كسائر المسلمين.

و كذا إذا قتل المسلم من سبّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو أحد الأئمة أو فاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فإنّ حدّ السبّ جواز قتله لكلّ من سمع منه.

و قد لا يكون الشخص محقون الدم بالإضافة إلى شخص و لكن يكون محقون الدم بالإضافة إلى الآخر، كما في القاتل عمدا فإنّه غير محقون الدم بالإضافة إلى وليّ الدم، و يكون محقون الدم بالإضافة إلى السائرين، فلو قتله غير وليّ الدم يثبت على قاتله القود و بخلاف ما إذا قتله وليّ الدم.

و يلحق بذلك من أجرى عليه قصاص الطرف أو الحدّ من غير تعدّ عن الحداد و المجني عليه و لكن ترتب على إجراء الحدّ و القصاص موته فإنّه لا قود في الفرض و لا دية لما تقدّم من الروايات من أنّ من قتله الحدّ أو القصاص فدمه هدر، بخلاف ما إذا مات بتعدّ من الحداد و المجني عليه فإنّه يوجب الضمان كما تقدّم في باب الحدود.

و يقع الكلام في المقام في امور ثلاثة:

الأول: ما إذا كان الشخص- لارتكابه أمرا محرّما- محكوما بالقتل حدّا، كالزاني المحصن و اللائط فإن قتلهما المستند إلى الحاكم يكون من جهة إجراء الحدّ عليهما و هذا لا إشكال فيه و إنّما وقع الإشكال فيما إذا قتله الغير مع إحرازه و علمه بارتكاب الموجب فإنّه و إن يظهر من بعض كلمات الأصحاب بكونهما مهدوري الدم فلا يوجب قتلهما قصاصا على المسلم و إن‌

167

..........

____________

فعل حراما؛ لكون إجراء الحد على الزاني و الزانية و اللائط و الملوط كسائر الحدود من وظيفة الحاكم.

نعم إذا لم يتمكّن القاتل من إثبات الارتكاب يجري عليه القصاص على ما هو موازين القضاء، و لكن استشكل في الحكم المزبور جماعة و ذكروا أنّ المرتكب مهدور الدم بالإضافة إلى الحاكم فيتعلّق على القاتل القود نظير قتل من عليه القصاص إذا لم يكن القاتل من أولياء الدم و هذا الإشكال في محلّه فإنّ مقتضى ما دلّ على أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ بعد عدم ثبوت الترخيص للقاتل في قتله تعلّق القود عليه.

الثاني: ما إذا قتل الزوج زوجته إذا رأى أنّها تزني أو قتل الزاني بها فإنّه يستدلّ على جوازه و عدم تعلّق القود على الزوج بقتلهما بروايات. نعم لو لم يتمكّن من إثبات الزنا يتعلّق عليه القود بحسب الحكم الظاهري.

منها رواية سعيد بن المسيب «أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري انّ ابن أبي الجسرين وجد رجلا مع امرأته فقتله، فاسأل عليّا عن هذا، قال أبو موسى: فلقيت عليّا فسألته ... إلى أن قال: فقال أبو الحسن: «إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد و إلّا دفع برمّته» (1).

و رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (عليه السلام) «في رجل دخل دار آخر للتلصّص أو الفجور فقتله صاحب الدار، أ يقتل به أم لا؟ فقال:

اعلم انّ من دخل دار غيره فقد أهدر دمه و لا يجب عليه شي‌ء» (2).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 69 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 102.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 27 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 51.

168

..........

____________

و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «أيّما رجل اطّلع على قوم في دارهم لينظر إلى عوراتهم ففقئوا عينه أو جرحوه فلا دية عليهم» (1).

و لكنّ الروايتين الأخيرتين ظاهرهما الدفاع عن المال و العرض لا قتل مرتكب الحد بعد ارتكابه، و الرواية الاولى و إن كانت ظاهرة فيما ذكر و لا يحتمل الفرق بين قتل الزاني و الزانية إلّا أنّه من حيث السند ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها.

مع أنّه تعارضها صحيحة داود بن فرقد، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قالوا لسعد بن عبادة: أ رأيت لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت صانعا به؟ قال: كنت أضربه بالسيف، قال: فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: ما ذا يا سعد؟ فقال سعد:

قالوا لو وجدت على بطن امرأتك رجلا ما كنت صانعا به، فقلت: أضربه بالسيف، فقال: يا سعد، فكيف بالأربعة الشهود؟ فقال: يا رسول اللّه بعد رأي عيني و علم اللّه أن قد فعل، قال: اي و اللّه، بعد رأي عينك و علم اللّه أن قد فعل، إنّ اللّه جعل لكلّ شي‌ء حدّا و جعل لمن تعدّى ذلك الحدّ حدّا» (2).

و ما أرسل الشهيد في الدروس أنّ من رأى زوجته تزني فله قتلهما أيضا لإرسالها لا يمكن الاعتماد عليه، مع أنها لم توجد في كلام من تقدّم على الشهيد.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 25 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7: 50.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 2 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1: 310.

169

[الفصل الثالث في دعوى القتل و ما يثبت به]

[أما دعوى القتل]

الفصل الثالث في دعوى القتل و ما يثبت به و يشترط في المدّعي البلوغ و الرشد حالة الدعوى دون وقت الجناية؛ إذ قد يتحقّق صحّة الدعوى بالسماع المتواتر (1)، و أن يدّعي على من يصحّ منه مباشرة الجناية، فلو ادّعى على غائب لم يقبل، و كذا لو ادّعى على جماعة يتعذّر اجتماعهم على قتل الواحد كأهل البلد، و تقبل دعواه لو رجع إلى الممكن.

____________

الثالث: قد ورد الروايات في جواز الدفاع عن النفس و العرض و المال و تقدّم أنّ القتل دفاعا لا يوجب القود و لا الدية، و الكلام في أنّ مهدورية دم المهاجم بالإضافة إلى من يهاجم عليه أو أنّه يجوز قتل المهاجم للغير عند الدفاع عن أخيه المؤمن إذا استدعى نصرته و إعانته. و قد تقدّم أنّه لا يبعد أن يكون المهاجم مهدور الدم حتى بالإضافة إلى من يدافع عمّن يهاجم عليه في مباحث الدفاع.

(1) يقع الكلام في المقام في شرائط سماع الدعوى و ما يترتب عليها، و فيما يثبت به دعوى القتل و ما يتفرّع عليها.

أمّا في شرائط سماعها فقد ذكر الماتن (قدس سره) أنّه يشترط في سماعها كون المدّعي بالغا رشيدا عند الدعوى، و أمّا الواقعة التي يدّعيها فلا يعتبر بلوغه و رشده عند وقوعها حيث يمكن للصبي بعد بلوغه و لغير الرشيد بعد رشده العلم بالواقعة المزبورة بالسماع المتواتر و نحوه فيرفع دعواه إلى المرافعة.

و كذا يعتبر في سماع الدعوى كونها بحيث يحتمل صحتها و كون ما يدّعيه ممكن الوقوع، فلو ادّعى على غائب لا يمكن وقوع الجناية منه لغيابه‌

170

..........

____________

أو على جماعة لا يمكن اجتماعهم على الجناية كما إذا ادّعى اجتماع أهل البلد على قتل والده لا تسمع.

أقول: قد ذكر (قدس سره) في كتاب القضاء في شرائط سماع الدعوى كون المدّعي بالغا عاقلا و لم يذكر الرشد المقابل للسفاهة، و ذكر في المقام اعتبار البلوغ و الرشد، فإن كان مراده في المقام من الرشد: العقل، فالاشتراط كما ذكرنا في القضاء صحيح؛ لأنّ المتصدّي للدعوى عن الصغير و المجنون وليّهما.

و أمّا إذا كان المراد من الرشد مقابل السفاهة كما هو ظاهره فاعتباره في المدّعي يختصّ بالدعاوى المالية الراجعة إلى التصرّف في أمواله على تفصيل تعرّضنا له في بحث القضاء. و أمّا في المقام- أي دعوى القتل الموجب للقصاص عن الجاني بل الموجب لأخذ الدية منه أو من عاقلته- فلا موجب لاعتباره، فإنّ السفيه غير محجور عليه عن القصاص من الجاني و لا من تملّك الدية عليه أو على عاقلته، غاية الأمر لا يدفع الدية إليه بل إلى وليّه و لا يتحقّق منه المصالحة على الدية بل لوليّه ذلك.

و على الجملة، الحجر عليه في أمواله لا يقتضي أزيد من منع دفع أمواله إليه و عدم نفوذ تصرّفاته فيها.

نعم، قد يقال بعدم سماع دعوى السفيه إذا اقتضى القصاص من الجاني ردّ فاضل الدية عليه.

و لكن لا يخفى أنّ ردّ فاضل الدية حكم شرعي يترتّب على القصاص من الجاني و القصاص ليس من التصرّف في المال؛ و لذا تسمع دعوى الجناية‌

171

و لو حرّر الدعوى بتعيين القاتل و صفة القتل (1) و نوعه، سمعت دعواه، و هل تسمع منه مقتصرا على مطلق القتل فيه تردّد أشبهه القبول، و لو قال: قتله أحد

____________

على السفيه حتّى في موارد ترتّب أخذ الدية منه على ثبوت الجناية، و غاية الأمر يكون المتصدّي لردّ فاضل الدية على الجاني أو إعطاء الدية لجناية السفيه وليّه لكون أمواله بيده.

و يعتبر أيضا في سماع دعواه إمكان وقوع الجناية عن المدّعي عليه وقتها أو مطلقا فلو ادّعى الجناية على غائب وقتها لا تسمع الدعوى و كذا إذا ادّعى على من لا يمكن وقوع الجناية عنه مطلقا كما إذا ادّعى أنّ أهل البلد أجمع قتلوا أباه.

نعم، إن فسّره بشي‌ء ممكن أو احتمل الإمكان كما إذا بعث الغائب بسمّ في طعام إليه فقتله أو أمر أهل البلد فلانا بقتل أباه تسمع لإمكان الدعوى.

(1) المراد من صفة القتل اتصاف القتل بالمباشرة أو التسبيب، و من النوع كونه عمدا أو شبه عمد أو خطأ و لو عيّن المدّعي في دعواه القاتل و صفة قتله و نوعه فهذا هو المتيقّن من سماع الدعوى، و المراد من سماعه توجّه اليمين على المدّعى عليه.

و أمّا إذا عيّن في دعواه القاتل و لكن أطلق القتل، فقد اختار الماتن (قدس سره) السماع بعد إبرازه التردّد فيه.

أقول: لا ينبغي التردّد في سماعها في الفرض غاية الأمر إذا لم يكن للمدعي بيّنة فيحلف المدعى عليه على عدم وقوع القتل و صدوره عنه، و إن أقام بيّنة و شهدت البينة أيضا على مطلق القتل من غير تعيين أنّه كان عمدا أو‌

172

هذين، سمع إذ لا ضرر في احلافهما (1) و لو أقاما بينة سمعت لإثبات اللوث ان لو خصّ الوارث أحدهما.

____________

شبه عمد أو خطأ فيحكم القاضي بالدية على عاقلة المدّعى عليه؛ لأنّ الأصل عدم وقوع الفعل منه بقصد قتله و لا بقصد عنوان الفعل فيحرز الموضوع لكون الدية على العاقلة.

و إن شهدت البيّنة أنّه قد صدر عنه الفعل بالقصد و لكن لم يشهد بقصده القتل فإن كان الفعل قاتلا نوعا ترتّب عليه القصاص و إلّا يترتّب الدّية على الجاني؛ لأنّ الأصل عدم قصده القتل و لم يكن الفعل قاتلا نوعا على الفرض، فيحرز شبه العمد الموضوع؛ لكون الدية على الجاني.

و هكذا الحال إذا كان المدعي ادّعى على شخص القتل و أطلق و اعترف المدّعى عليه بالقتل، فإن كان اعترافه بالقتل عمدا اقتصّ منه، و إن اعترف بالقتل و لكن قال لا أدري أنّه كان عمدا أو غيره فإنّه يحكم عليه بالدية في ماله لأصالة عدم تعمّده القتل، فإنّه إذا لم يكن الفعل قاتلة نوعا يثبت الموضوع للدية عليه؛ لأنّ الدية في موارد ثبوت القتل بالاعتراف إذا لم يكن القتل عمديّا يكون على المقرّ لا عاقلته كما يأتي؛ و لذا لو اعترف بالقتل بالخطإ المحض يكون أيضا الدية عليه بخلاف البيّنة فإنّه إذا لم يشهد بقصده الفعل يحكم بثبوت الدّية على عاقلته؛ لأنّ الأصل عدم صدوره عنه بالقصد.

(1) قد تقدّم أنّ سماع الدعوى مقتضاه توجّه اليمين على المدّعى عليه مع عدم البيّنة و السماع بهذا المعنى لا محذور فيه؛ لعموم قوله (عليه السلام): «البيّنة على المدّعي و اليمين على من ادّعي عليه» و المدّعى عليه في الفرض و إن كان أحدهما الجامع بينهما إلّا أنّ الدعوى عليه لا تدفع إلّا بالحلف من كلّ منهما‌

173

..........

____________

و ليس في إحلافهما ضرر عليهما حيث لا محذور في الحلف صادقا كما في فرض عدم صدور القتل منهما، بخلاف عدم سماع الدعوى، حيث أنّه يمكن من سماعها بإحلافهما التوصل إلى معرفة القاتل بنكول أحدهما عن الحلف و إقراره بأنّه القاتل فيكون السماع طريقا إلى معرفة القاتل و استيفاء الحقّ منه.

و ما في الجواهر (1) من الإشكال في السماع بأنّ الدعوى لم تتوجّه إلى واحد منهما لا يمكن المساعدة عليه فإنّ الدعوى على الجامع بينهما لا تسقط إلّا باليمين من كلّ منهما، و ذكر (قدس سره) أنّه لو بنى على حصول اللوث بنكولهما عن اليمين أمكن القول بسماع الدعوى، نظير ما ذكر المصنّف و غيره من أنّ المدّعي بكون أحدهما القاتل لو أقامت بيّنة على أنّ أحدهما القاتل سمعت؛ لأنّ البيّنة المزبورة تثبت اللوث إذا اختصّ الوارث المدّعي بالقتل أحدهما المعيّن فيكون على ذلك المعيّن إقامة البيّنة على أنّه ليس بقاتل و إن لم تقم بيّنة كذلك أثبت الوارث المدّعي القتل عليه بالقسامة، و مقتضى التقييد في سماعها بما إذا اختص الوارث أحدهما المعيّن بعد إقامة البيّنة المزبورة أنّه لا فائدة للبيّنة المزبورة مع عدم هذا التعيين.

أقول: إذا بنى على أنّ نكولهما عن اليمين يثبت اللوث أو أنّ قيام البينة على أنّ أحدهما هو القاتل يثبته فلا يضرّ عدم تعيين الوارث أحدهما المعيّن فإنّه يثبت في الفرض حكم الدعوى في مورد اللّوث و حكمه على ما يستفاد من بعض الروايات على ما يأتي في بحث القسامة انّ مع عدم قيام المدّعى عليهم البينة على نفي التهمة يكون على المدّعي القسامة و إذا أقامها‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 195.

174

[مسائل]

[الاولى: لو ادّعى أنّه قتل مع جماعة لا يعرف عددهم سمعت دعواه]

مسائل الاولى: لو ادّعى أنّه قتل مع جماعة لا يعرف عددهم سمعت دعواه (1) و لا يقضي بالقود و لا بالدية؛ لعدم العلم بصحّة المدّعي عليه من الجناية و يقضي بالصلح حقنا للدم.

____________

قسّط الدية على المتّهمين و لا يقتصّ منهم و لا من بعضهم لعدم تعيّن القاتل.

و كذا إذا لم تقم المدّعي القسامة و لكن المدّعى عليهم أيضا نكلوا من إقامة القسامة على نفي التهمة عنهم، و أمّا إذا أقاموها تسقط دعوى التهمة منهم و يعطى الدية من بيت المال مطلقا أو إذا كان الإعطاء صلاحا بنظر الحاكم لئلا يذهب الدم المسلم هدرا نظير القتيل في الزحام كما يأتي.

بل إذا عيّن الوارث المدّعي القاتل بعد نكولهما أو بعد قيام البيّنة على أنّ أحدهما قاتل ففي سماع تعيينه تأمّل حيث إنّه ينافي دعواه السابق بأنّ القاتل أحدهما و لا يدري تعيينه و أن لا يبعد سماعه إذا ادّعى ظهور التعيين له بعد ذلك. و لو شكّ في أنّ نكولهما أو قيام البينة المزبورة يعدّ من اللّوث أم لا؟ لا يبعد الحكم بترتّب حكم اللوث كما هو مقتضى الاطلاق في مثل موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم حكم في أموالكم أنّ البينة على المدّعي و اليمين على من ادّعي عليه، و حكم في دمائكم أنّ البيّنة على المدّعى عليه و اليمين على من ادّعى لئلا يبطل دم امرئ مسلم» (1).

(1) قد يذكر في المسألة الاولى صورتان:

الاولى: ما إذا ادّعى وليّ المقتول أنّ زيدا قتل أباه مع جماعة مشتركين‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 4: 115.

175

..........

____________

في قتله عمدا لا أعلم عددهم، و ظاهر الماتن أنّ في هذه الصورة لا يجوز لولي المقتول القود حتّى من زيد كما لا يجوز أخذ الدية منه، و لكن يسمع دعواه فيقضي بالصلح مع زيد قهرا حقنا للدم.

و كلامه هذا ناظر إلى صورة إثبات القتل على طبق دعواه، و علّل عدم تعلّق القود بزيد بأنّ من شرط القصاص من أحد الشركاء في القتل ردّ المشتركين الفاضل من الدية إلى أوليائه و هذا غير ممكن في الفرض لعدم العلم بعدد الشركاء.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّه لم يثبت في الاشتراك في القتل أنّ جواز قصاص الولي من بعضهم مشروط بدفع ساير الشركاء الفاضل من الدية إلى أوليائه، بل يجوز له القصاص و وجوب إعطاء فاضل الدية وظيفة المشتركين مع الجاني المقتول قصاصا، فإذا لم يمكن ردّهم لعدم العلم بعدد الشركاء يقتصر المعلومون منهم على المقدار المتيقّن أو يجبر على المصالحة مع أولياء الجاني المقتول فالصحيح جواز الاقتصاص من زيد في الفرض.

الصورة الثانية: ما إذا ادّعى ولي المقتول أنّ زيدا مع شركائه لا يعلم عددهم قتلوا أباه خطأ و في هذا الفرض يحكم الحاكم بالمصالحة بين وليّ المقتول و زيد و ساير المعلومين من الشركاء؛ لأنّ أخذ تمام الدية من زيد و شركائه موقوف على العلم بعدد الشركاء، و كذا الحال إذا كانت دعوى الولي القتل بالخطإ المحض فإنّه يحكم بالمصالحة بين وليّ الدم و عاقلة زيد و المعلومين من الشركاء على ما تقدّم، و ذلك لما علم من اهتمام الشارع بالتحفّظ على الدم حتّى بناء على أنّ مثل هذه الدعوى لا تسمع في المال.

176

[الثانية: لو ادّعى القتل و لم يبيّن عمدا أو خطأ]

الثانية: لو ادّعى القتل و لم يبيّن عمدا أو خطأ الأقرب أنّه تسمع (1) و يستفصله القاضي و ليس ذلك تلقينا بل تحقيقا للدعوى، و لو لم يبيّن قيل طرحت دعواه و سقطت البينة بذلك؛ إذ لا يمكن الحكم بها، و فيه تردّد.

____________

(1) إذا ادّعى القتل على أحد و لم يعيّن نوعه من العمد الموجب للقصاص أو الخطأ الموجب للدية على الجاني أو عاقلته، تسمع دعواه، فإن احتمل القاضي أنّه لم يبيّن نوعه لمصلحة له في الاخفاء يستفصله و الاستفصال ليس تلقينا بناء على ما تقدّم من أنّه إن لم يفصّل و أثبت دعواه بالبيّنة التي شهدت بمطلق القتل تثبت الدية على عاقلته لأصالة عدم التعمّد و عدم قصده الفعل الذي ترتّب عليه القتل اتفاقا، و لو ادّعى وقوع الفعل منه قصدا و لكن ذكر عدم علمه بقصده القتل أم لا، يترتّب الدّية على الجاني لأصالة عدم قصده القتل. و بتعبير آخر يحكم بضمّ الوجدان المحرز بالبيّنة إلى الأصل بمقتضاها.

لا يقال: إذا ثبت الفعل بالبيّنة أو بالإقرار يحكم بكونه عمديا؛ لكون الأصل وقوع الفعل عن الفاعل بالقصد.

فإنّه يقال: الأصل الثابت بسيرة العقلاء على حمل الفعل الصادر عن فاعل بصورة القصد و التعمّد غير جار في أمثال المقام ممّا كان التعمّد و الخطأ كلّ منهما موضوع لحكم خاص، فإنّه ليس بنائهم فيها على التعمّد و القصد.

نعم لو كان المثبت لدعوى مطلق القتل ثابتا بإقرار المدّعى عليه يتعلّق الدّية على الجاني لما يأتي من عدم ثبوت الدّية بإقرار الجاني على عاقلته بل الاستفصال إذا كان بقصد أن يعيّن المدّعي نوع القتل لاحتمال صدقه و غفلته‌

177

[المسألة الثالثة: لو ادّعى على شخص القتل منفردا]

المسألة الثالثة: لو ادّعى على شخص القتل منفردا، ثمّ ادّعى على آخر لم تسمع الثانية برّأ الأوّل أو شرّكه لإكذابه نفسه (1) بالدعوى الاولى، و فيه للشيخ قول آخر.

____________

عن التعيين و أن لا يبطل دم امرئ مسلم فلا بأس، و إن قيل بأنّ مع عدم التعيين بعد ذلك لا تسمع الدعوى و لا تفيد البيّنة القائمة بمطلق القتل، و لكن القول بعدم السماع ضعيف كما تقدّم.

بل يمكن أن يقال: إنّ الدعوى إذا كانت مطلق القتل و شهدت البيّنة بالتعمّد أو بالخطإ شبيه العمد أو بالخطإ المحض فتعتبر البيّنة من غير حاجة إلى ضمّ الأصل و لا يكون عدم التعيين في الدعوى موجبا لسقوطها عن الاعتبار أخذا بما دلّ على ثبوت القود أو الدية بشهادة رجلين.

(1) علّل عدم سماع الدعوى الثانية بأنّ الدعوى الاولى تكذيب لها، و مقتضى ذلك عدم سماع الدعوى الاولى أيضا، فإنّ الثانية تكذيب للاولى أيضا و مع احتمال الصدق في الثانية، نعم مع إبداء العذر عن الدعوى الاولى لا تبعد سماع الثانية حفظا على الدم من الضياع.

و حكي عن الشيخ (قدس سره) أنّه لو أقرّ المدّعى عليه في الدعوى الثانية بها تسمع و مقتضاه عدم سماع الدعوى الاولى سواء كانت الدعوى في الثانية القتل بالانفراد أو بالاشتراك، و لا تكون هي مكذّبة للدعوى الثانية مع تصديق المدّعى عليه و لا يبعد أن يستفاد ذلك من صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و يأتي نقلها في ثبوت القتل بالاقرار، فإنّ الاقرار إذا كان بلا دعوى على المقرّ و مع الشهود على خلافه نافذ فمع عدمهم على الخلاف و الدعوى عليه نافذ بالأولوية.

178

[المسألة الرابعة: لو ادّعى قتل العمد ففسّره بالخطإ]

المسألة الرابعة: لو ادّعى قتل العمد ففسّره بالخطإ لم تبطل أصل الدعوى (1) و كذا لو ادّعى الخطأ ففسّره بما ليس خطأ.

[و تثبت الدعوى بالاقرار أو البيّنة أو القسامة]

[أمّا الإقرار]

و تثبت الدعوى بالاقرار أو البيّنة أو القسامة، أمّا الإقرار فيكفي المرّة (2) و بعض الأصحاب يشترط الإقرار مرّتين، و يعتبر

____________

(1) بل تكون دعواه القتل خطأ إذا كان ممن يحتمل عدم معرفته بمعنى العمد الخطأ، كما قيل انّ الغالب على الناس عدم المعرفة، و كذلك الحال إذا ادّعى القتل خطأ ثمّ فسّره بالعمد، و إلّا فلا تسمع الدعوى الاولى و لا الثانية؛ لأنّ كلّ منهما مكذّبة للاخرى كما تقدّم، و لم يظهر وجه صحيح للتفرقة بين هذه المسألة و السابقة في الصورة التي أشرنا إليها في السابقة من إمكان كون الدعوى الاولى ناشئة عن الاشتباه و إبدائه العذر المحتمل في حقّه.

(2) على المشهور بين المتأخرين، و قد اعتبر جماعة من المتقدّمين كالشيخ و ابني ادريس و البراج و الطبرسي- المرّتين، و كأنّ الوجه في الاعتبار الاحتياط في الدماء و كون كلّ إقرار شهادة واحدة، و قد تقدّم في بحث الحدود أنّه لا مورد للاحتياط إذا قام الدليل على النفوذ بالمرّة الواحدة، و كون الإقرار مرّة بمنزلة شهادة واحدة وارد في ثبوت الزنا و نحوه، فيؤخذ في المقام بما دلّ على نفوذه و لو كان بمرّة واحدة، و قد يقال: إنّ دعوى القتل ليس بأدون من ثبوت السرقة فإنّه يعتبر في ثبوت القتل بالإقرار كونه بمرّتين كالسرقة.

و فيه أنّه: إن قلنا باعتبار التعدّد في ثبوت السرقة فلا يتعدّى إلى غيرها و إلّا فيمكن أن يقال: إنّ القتل عمدا ليس أدون من الزنا فيعتبر في ثبوته كالزنا الإقرار بأربع مرّات.

و على الجملة، مقتضى الاطلاق نفوذ الاقرار بالقتل، و لو كان بمرّة‌

179

..........

____________

واحدة كقوله (عليه السلام) في صحيحة الفضيل بعد بيان نفوذ الاقرار مرّة واحدة في الحدود التي من حقوق اللّه بمعنى أنّ الحاكم يجري الحدّ على المقرّ بخلاف حقّ الناس، فإنّه لا يجري عليه الحدّ بالاقرار إلّا بعد مطالبة ذوي الحقّ:

«و أمّا حقوق المسلمين، فإذا أقرّ على نفسه عند الإمام بفرية لم يحدّه حتّى يحضر صاحب الفرية أو وليّه و إذا أقرّ بقتل رجل لم يقتله حتّى يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم» (1). بل دعوى أنّ ظاهر الصحيحة نفوذ الإقرار بمرّة غاية الأمر ما كان من حقوق الناس يحتاج إلى مطالبة ذي الحقّ أو وليّه في الاستيفاء بخلاف ما لم يكن في حقوق الناس.

و ربّما يستدلّ على ذلك أيضا بصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي و جاءه قوم فشهد عليه الشهود أنّه قتل عمدا فدفع الوالي القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به، فلم يريموا حتّى أتاهم رجل فأقرّ عند الوالي أنّه قتل صاحبهم عمدا و أنّ هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود برئ من قتل صاحبه فلا تقتلوه به و خذوني بدمه، قال فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه و لا سبيل لهم إلى الآخر» الحديث (2).

فإنّها واردة في بيان تعيين شهود القاتل في شخص و إقرار الآخر بكونه القاتل، و لو كان إقراره بمرّة واحدة.

و نظيرها مرسلة علي بن إبراهيم عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «اتي أمير المؤمنين برجل وجد في خربة و بيده سكّين‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 32 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1: 344.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 5 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 108.

180

في المقرّ: البلوغ و كمال العقل و الاختيار و الحرّية (1).

____________

ملطّخ بالدم و إذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ما تقول؟ قال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فأقيدوه به» الحديث (1). و رواها في الوسائل عن الصدوق (قدس سره) بإسناده إلى قضايا أمير المؤمنين و لكنّها في الفقيه رواية مرسلة فراجع.

(1) اعتبار كون المقرّ بالغا عاقلا و كونه غير مكره ظاهر تقدّم الكلام فيه في ثبوت موجب الحدّ و يقتضيه رفع القلم عن الصبي و المجنون و المكره عليه.

و أمّا اعتبار الحريّة ففيه تفصيل و هو أنّه إذا اعترف العبد بشي‌ء من مال أو جناية فإن كان بتصديق مولاه نفذ فإنّ الحقّ لا يعدوهما و عدم سماع اعترافه لحقّ مولاه و المفروض أنّه معترف، و أمّا إذا لم يصدّقه مولاه فإن كان إقراره بمال فلا يبعد نفوذ إقراره به، فيؤخذ بالمال على تقدير عتقه، و إن كان جناية موجبة للقصاص فإن أمكن القصاص بعد انعتاقه يقتصّ منه و إلّا أخذ منه الدية.

لا يقال: يحتمل أن لا يكون لإقرار العبد أثر إلّا إذا بقي على اعترافه بعد انعتاقه لاحتمال دخالة رقّيته في إقدامه على اعترافه السابق و لو كان اعترافه السابق مقارنا لتصديق مولاه ينفذ اعتراف مولاه بالإضافة إليه لا إلى العبد، فيجوز لأولياء المقتول استرقاقه لا القصاص و لا يبعد أن يستظهر عدم السماع من صحيحة الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

«إذا أقرّ المملوك على نفسه بالسرقة لم يقطع و إن شهد عليه شاهدان قطع» (2)، فإنّها مطلقة من حيث تصديق مولاه و عدم تصديقه.

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 107.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 35 من أبواب حد السرقة، الحديث 1: 532.

181

..........

____________

نعم، يظهر من رواية الوابشي أنّ عدم سماع إقرار العبد لكونه إقرارا على مولاه و إذا اعترف مولاه بجنايته الموجبة للقصاص أو ضمان المال نفذ، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم ادّعوا على عبد جناية تحيط برقبته فأقرّ العبد بها قال: «لا يجوز إقرار العبد على سيده فإن أقاموا البيّنة على ما ادّعوا على العبد اخذ بها العبد أو يفتديه مولاه» (1).

فإنّه يقال: لا وجه للاحتمال المزبور، فإنّ الظاهر من عدم سماع إقرار العبد بمناسبة الحكم و الموضوع رعاية حقّ مولاه، فإذا اعترف مولاه به نفذ كما هو ظاهر رواية أبي محمد الوابشي، و العمدة ما ذكرنا. و الرواية و إن كانت كالصريحة فيه إلّا أنّ لضعفها لا تصلح إلّا للتأييد.

لا يقال: مقتضى صحيحة الفضيل الاخرى سماع إقرار العبد و لو كان مع إنكار سيّده فضلا عن عدم تصديقه فإنّه قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ من حدود اللّه مرّة واحدة حرّا كان أو عبدا أو حرّة كانت أم أمة، فعلى الإمام أن يقيم الحدّ عليه للذي أقرّ به على نفسه كائنا من كان، إلّا الزاني المحصن فإنّه لا يرجمه حتّى يشهد عليه أربعة شهداء، فإذا شهدوا ضربه الحدّ مائة جلدة ثمّ يرجمه» (2).

فإنّه يقال: هذه الصحيحة معرض عنها في كلا الحكمين في نفوذ إقرار العبد و الأمة و عدم سماع الإقرار الزاني المحصن و أنّ اللازم في ثبوت الزنا من شهدة أربعة شهود فلا تصلح لرفع اليد بها عمّا تقدّم.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 121.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 32 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1: 342.

182

و أمّا المحجور عليه لسفه أو فلس فيقبل إقراره بالعمد (1) و يستوفى منه القصاص، و أمّا الخطأ فيثبت (و أمّا بالخطإ فتثبت ديته خ ل) و لكن لا يشارك الغرماء، و لو أقرّ واحد بقتله عمدا و الآخر بقتله خطأ تخيّر الولي تصديق أحدهما و ليس له على الآخر سبيل (2).

____________

و الظاهر أنّ العبد إذا كان رهنا فلا يسمع إقراره بالجناية على الغير سواء كان إقراره بما يوجب القصاص أو الدّية، إلّا إذا صدّقه المرتهن أيضا و لا يكفي تصديق مولاه، حيث إنّ جناية العبد تكون في رقبته، فيكون إقراره إقرارا على المرتهن. نعم لا بأس بإقرار العبد إذا كان أجيرا خاصّا فإنّ المستأجر لا يملك إلّا العمل الذي يكون بذمة العبد فمع ثبوت جنايته بإقراره و الاقتصاص منه تبطل اجارته.

(1) و ذلك فإنّ المحجور عليه لسفه أو فلس يكون حجره بالإضافة إلى أمواله و الإقرار بالجناية الموجبة للقصاص ليس تصرّفا فيها، هذا بالإضافة إلى المحجور عليه لسفاهته، و أمّا إذا كان للفلس فيسمع إقراره بالجناية خطأ أيضا، و إذا صدّقه الغرماء يشاركهم مع تصديقهم. و أمّا مع عدم تصديقهم يثبت المال على ذمّته و لا يشاركهم أولياء المقتول في أمواله لما ذكرنا من أنّ الحجر عليه بالإضافة إلى تلك الأموال بلا فرق بين أن يسند الموجب للدية إلى ما قبل الحجر عليه أم إلى ما بعده و لا يقاس بإقراره بالدين على الغير قبل الحجر عليه و لا بالبيّنة على الموجب السابق قبل الحجر عليه.

(2) و الوجه في ذلك نفوذ إقرار كلّ منهما على نفسه، فللوليّ أن يأخذ أيّا منهما على إقراره حيث إنّ إقرار كلّ منهما بالقتل بانفراده و لا يجوز له الأخذ بكليهما، فإنّه من الأخذ بما يعلم بعدم الحقّ كذلك، و يدلّ على‌

183

و لو أقرّ بقتله عمدا فأقرّ آخر أنّه هو الذي قتله و رجع الأول، درئ عنهما القصاص و الدية (1) و ودي المقتول من بيت المال و هو قضية الحسن (عليه السلام).

____________

ذلك رواية الحسن بن صالح قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وجد مقتولا فجاء رجلان إلى وليّه فقال أحدهما: أنا قتلته عمدا، و قال الآخر:

أنا قتلته خطأ، فقال: إن هو أخذ صاحب العمد فليس له على صاحب الخطأ سبيل، و إن أخذ بقول صاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل» (1). و الرواية ضعيفة سندا بحسن بن صالح الثوري فإنّه زيدي بتريّ متروك العمل بما يختصّ بروايته صالحة للتأييد.

و دعوى أنّ الراوي عنه الحسن بن محبوب و هو من أصحاب الإجماع أو انّ ابن الوليد لم يستثن الحسن بن صالح من رجال نوادر الحكمة و عدم استثنائه دليل على وثاقته لا يمكن المساعدة عليها؛ لأنّ دعوى كون الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع، ككون غيره منهم لا يكون توثيقا للرواة في السند من قبله، و حسن بن صالح الذي لم يستثنه القمّيون من رجال نوادر الحكمة غير هذا الحسن فإنّ هذا من رجال الصادق و الباقر (عليهما السلام)، و هو ممّن روي عنه في نوادر الحكمة، يعني الحسن بن صالح بن محمد الهمداني و اختلط أحدهما بالآخر في كلام بعضهم، فراجع.

(1) المشهور بين أصحابنا قديما و حديثا أنّه لو أقرّ شخص بقتل الآخر عمدا و أقرّ شخص آخر أنّه هو الذي قتله دون المقرّ أوّلا، و رجع المقرّ الأول أيضا عن إقراره سقط القصاص و الدية عن كلّ من المقرّين و ودي المقتول من بيت المال.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 3 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 106.

184

..........

____________

و مقتضى ما تقدّم في السابق على ذلك أنّه لا اعتبار برجوع الأوّل عن إقراره و أنّ أولياء الدم يتخيّرون في القصاص من أيّ المقرّين مع احتمال صدور القتل من كلّ منهما أخذا بأيّ من الاقرارين.

و لكن ذكروا أنّه يرفع اليد عن ذلك برواية علي بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «اتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل وجد في خربة و بيده سكّين ملطّخ بالدم، و إذا برجل مذبوح يتشحّط في دمه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ما تقول؟ قال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فأقيدوه به، فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرع ... إلى أن قال: فقال أنا قتلته، فقال أمير المؤمنين للأول: ما حملك على إقرارك على نفسك؟ فقال: و ما كنت أستطيع أن أقول و قد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال و أخذوني و بيدي سكّين ملطّخ بالدم، و الرجل يتشحّط في دمه و أنا قائم عليه خفت الضرب فأقررت و أنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة و أخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل متشحّطا في دمه فقمت متعجّبا فدخل عليّ هؤلاء فأخذوني، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن و قولوا له ما الحكم فيهما، قال: فذهبوا إلى الحسن و قصّوا عليه قصّتهما، فقال الحسن (عليه السلام): قولوا لأمير المؤمنين (عليه السلام) إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيى هذا، و قد قال اللّه عز و جل: وَ مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً يخلّا عنهما و تخرج دية المذبوح من بيت المال» (1).

و لكن الرواية واردة في مورد خاص و في سندها إرسال و رفع و عمل الأصحاب بها لا يدفع احتمال اختصاص الحكم بصورة معلومية صدق المقرّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، باب 4 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 107.

185

[و أمّا البينة]

و أمّا البينة فلا يثبت ما يجب به القصاص إلّا بشاهدين و لا يثبت بشاهد و امرأتين (1)، و قيل يثبت به الدية و هو شاذ، و لا بشاهد و يمين، و يثبت بكلّ منهما

____________

الثاني كما يقتضيه الجواب «إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيى هذا» فسراية الحكم إلى صورة احتمال الاقرار من كلّ منهما غير ممكن لو لم يكن العمل بأصل الرواية مشكلا.

هذا مع رجوع الأوّل عن إقراره على ما ذكروا، و مع معلومية الكذب في إقراره على ما ذكرنا و إلّا يتخيّر أولياء المقتول كما يقتضيه ما تقدّم في المسألة السابقة.

(1) قد ذكرنا في بحث الشهادات أنّ الأخبار الواردة في ثبوت القتل بشهادة النساء على طوائف ثلاث:

منها: ما يدلّ على قبول شهادتهن في القتل، كصحيحة جميل بن دراج و محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلنا: أ تجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: في القتل وحده انّ عليّا (عليه السلام) كان يقول لا يبطل دم امرئ مسلم» (1).

و منها: ما تدلّ على عدم ثبوت القتل بشهادتهنّ كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا شهد ثلاثة رجال و امرأتان لم يجز في الرجم و لا تجوز شهادة النساء في القتل» (2).

و طائفة ثالثة: تدلّ على عدم ثبوت القود بشهادتهنّ كمعتبرة غياث بن ابراهيم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: «لا تجوز شهادة‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 1: 258.

(2) الوسائل: ج 18، باب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 28: 264.

186

ما موجبه الدية (و يثبت بذلك ما يوجب الدية خ ل) كقتل الخطأ و الهاشمة و المنقّلة و كسر العظام و الجائفة.

____________

النساء في الحدود و لا في القود» (1).

و قلنا بأنّ مقتضى الجمع بين الأخبار الالتزام بعدم ثبوت القصاص بشهادة النساء منفردات أو منضمّات كشهادة رجل و امرأتين، فيحمل الدالّة على عدم قبول شهادتهنّ على عدم ثبوت القصاص بشهادتهنّ و أنّه لو شهدن منفردات أو منضمّات بموجب القصاص يثبت الدية خاصة كما يقتضيه التعليل في صحيحة جميل و محمد بن حمران فإنّ مقتضى عدم ذهاب دم المسلم هدرا أنّه لم يثبت القصاص بل انتقل إلى الدية بل قلنا إنّه إذا شهدت امرأة واحدة بالقتل و لو عمدا ثبت ربع الدية على المشهود عليه كما يدل على ذلك صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في غلام شهدت عليه امرأة أنّه دفع غلاما في بئر فقتله فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة» (2).

و يدلّ على ذلك أيضا رواية عبد اللّه بن الحكم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن امرأة شهدت على رجل أنّه دفع صبيّا في بئر فمات قال: على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة» (3).

و قد ظهر مما ذكرنا أنّ ما ذكر الماتن (قدس سره) من نسبة القول الذي ذكره الشيخ و جماعة إلى الشذوذ و عدم الرضا به ضعيف.

لا يقال: على ذلك لو شهد رجل واحد على القتل عمدا يثبت به‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، باب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 29: 264.

(2) الوسائل: ج 18، باب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 26: 263.

(3) الوسائل: ج 18، باب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 33: 265.

187

..........

____________

نصف الدّية أخذا بما دلّ على عدم ذهاب دم امرئ مسلم هدرا، و لفحوى صحيحة محمد بن قيس.

فإنّه يقال: التعليل المزبور وارد في قبول شهادة النساء في القتل مع ورود أنّه لا يثبت القود بشهادتهنّ و لم يثبت قبول شهادة رجل واحد على القتل عمدا من غير ضمّ شهادة رجل آخر أو شهادة النساء ليحمل عليه ثبوت الدية و ما ورد في صحيحة محمد بن قيس مورده شهادة المرأة الواحدة و قبول شهادتها في ربع الدية حكم على خلاف القاعدة لا يمكن التعدّي عن موردها و ما هو المفروض فيها.

ثمّ انّه ذكر الماتن (قدس سره) أنّه يثبت بشهادة رجل و امرأتين و كذا بشهادة رجل و يمين المدّعي، ما يكون موضوعا لثبوت الدية على الجاني أو عاقلته كالشهادة بالقتل خطأ أو بالجرح الذي لا يثبت فيه إلّا الدية، و كذا الشهادة بكسر العظام، و تدخل فيه الهاشمة و المنقّلة أيضا. و يعلّل ذلك كما في الجواهر (1) و غيره بأنّه يثبت بكلّ منهما المال الذي منه الدية.

أقول: قد ذكرنا في بحث القضاء و الشهادات أنّه يثبت بشهادة رجل و يمين المدّعي الدّين، و هو المال الثابت على الذمة و غيره من العين و ساير حقوق الناس و القصاص أيضا من حقوق الناس إلّا أنّه ذكرنا في ذلك البحث أنّه يرفع اليد عن الاطلاق في مورد قيام الدليل على خلافه، و هو كذلك بالإضافة إلى القصاص مطلقا لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه في دعوى القتل و لو كان القتل خطأ على ما يأتي.

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 209.

188

و لا تقبل الشهادة إلّا صافية عن الاحتمال (1) كقوله: ضربه بالسيف فمات، أو فقتله أو فأنهر دمه فمات في الحال، أو فلم يزل مريضا منها حتى مات و إن طالت المدة، و لو أنكر المدّعى عليه ما شهدت به البيّنة لم يلتفت إلى إنكاره (2)، و إن صدّقها و ادّعى الموت بغير الجناية كان القول قوله مع يمينه.

____________

(1) و قد يقال: يعتبر في الشهادة على القتل أن يكون كلام الشاهد صريحا في استناد القتل إلى الجاني، كقوله: ضربه بالسيف فمات بالضربة، أو أنهر دمه فمات في الحال، أو ضربه بالسيف فلم يزل مريضا حتّى مات من ذلك.

و لكن لا يخفى أنّه إذا كان لكلام الشاهد ظهور في إسناد القتل إلى الجاني يكفي ذلك الظهور في سماع الشهادة؛ لاعتبار الظواهر؛ و لذا لو اعترف الجاني بالقتل بمثل ذلك الكلام يؤخذ بإقراره كما لو قال ضربته فمات، و إذا كان ذلك إقرارا بالقتل يكون الأمر في الشاهد أيضا كذلك.

(2) إذا شهدت البيّنة أنّ فلانا قتل زيدا و أنكر المشهود عليه أنّه قتله لم يلتفت إلى إنكاره، فإنّ البيّنة حجّة على المدّعى عليه منكرا كان أم لا.

و إذا شهدت بالفعل القاتل عادة دون القتل و صدّقه المدّعى عليه و لكن ادّعى أنّه لم يقتل و القتل وقع بغير ذلك الفعل، كان القول قوله إذا احتمل صدقه، و لا يبعد أن يكون الشهادة على الفعل غير القاتل أيضا كذلك حتّى إذا لم يعترف المشهود عليه بقتله فإنّ المفروض انّ الشهادة لم تقع على القتل و إنّما وقعت على الفعل، و قد تقدّم أنّه يعتبر في سماع الشهادة من الشاهد إسناد القتل إلى المشهود عليه، و يمكن دعوى أنّ المورد مع البيّنة المزبورة يكون من موارد اللوث فيترتّب عليه الحكم في موارده.

189

و كذا الحكم في الجراح، فإنّه لو قال الشاهد: ضربه فأوضحه، قبل (1)، و لو قال: اختصما ثم افترقا و هو مجروح فوجدناه مشجوجا، لم يقبل؛ لاحتمال أن يكون من غيره، و كذا لو قال: فجرى دمه. و أمّا لو قال: فاجري دمه قبلت، و لو قال: أسأل دمه فمات، قبلت في الدامية دون ما زاد، و لو قال: أوضحه و وجدنا فيه موضحتين سقط القصاص (2)؛ لتعذّر المساواة في الاستيفاء و يرجع إلى الدية، و ربما

____________

(1) و ذكر الماتن (قدس سره) انّ السماع و عدمه في الشهادة على الجروح أيضا، كذلك فيثبت الجرح الموجب للقصاص إذا كانت الشهادة صافية خالية عن الاحتمال، فإن قال الشاهد: ضربه فأوضحه، يثبت الشهادة على الموضحة، و أمّا لو قال: اختصما ثم افترقا و هو مجروح أو ضربه فوجدناه مشجوجا لم يقبل؛ لاحتمال أن يكون سبب الجرح و الشجاج أمرا آخر.

و من هذا القبيل لو قال: ضربه فجرى دمه، حيث إنّ الشهادة خالية عن إسناد سيلان الدم إلى الضارب بخلاف ما لو قال: ضربه فأجرى دمه، فإنّه تقبل و تثبت الدامية، و لو قال: أسأل دمه فمات، تثبت الدامية و لا يثبت القتل.

أقول: قد تقدّم منه (قدس سره) أنّه إذا شهدت البيّنة على أنّه ضربه بالسيف فمات يثبت القتل، فالفرق بينه و بين الشهادة على أنّه أسأل دمه فمات فيه تأمّل ظاهر.

و أمّا أصل الحكم، فقد ذكرنا المتّبع في الشهادة ظهور الكلام و لا يعتبر الصراحة بالمعنى المتقدّم بلا فرق بين الشهادة بالقتل أو الشهادة بالجرح.

(2) و هذا أيضا متفرّع على اعتبار كون الشهادة صافية فإنّه لو قال:

ضربه فأوضحه و وجدنا فيه موضحتين لعدم تعيين الموضحة التي بفعل المشهود عليه سقط القصاص؛ لأنّه يعتبر في القصاص في الجرح المماثلة من‌

190

خطر الاقتصاص بأقلّهما، و فيه ضعف؛ لأنّه استيفاء في محل لا يتحقق توجّه القصاص فيه. و كذا لو قال قطع يده و وجد مقطوع اليدين (1). و لا يكفي قوله:

فأوضحه أو شجّه، حتّى يقول: هذه الموضحة أو هذه الشجّة؛ لاحتمال غيرها أكبر أو أصغر، و يشترط فيها التوارد على الوصف الواحد.

____________

حيث المساحة و المحلّ، و يتعذّر ذلك مع تعدّد الموضحتين، مع العلم أو الاحتمال بكون أحدهما بفعل المشهود عليه و ينتقل الأمر إلى الدية؛ لعدم اختلاف الدية في الموضحة و احتمال أن يكون القصاص بأقلّهما ضعيف؛ لأنّ الاستيفاء يعتبر فيه المماثلة من حيث موضع الجناية مع موضع القصاص.

و كذا فيما إذا شهدت البيّنة على الجناية في عضوه بأن قال: قطع يده فوجدناه مقطوع اليدين، فإنّه مع عدم اليقين لا يمكن القصاص المعتبر فيه المماثلة، لمثل قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ.

و كلّ موضع امتنع فيه القصاص من الجاني ينتقل فيه الأمر إلى الدية.

و على الجملة، البيّنة لا تثبت القصاص إلّا أن تشهد على عين الجناية مع وجدان المتعدّد بأن يقول هذه الموضحة أو هذه الشجّة أو هذه اليد قطعها فلان، و هكذا.

(1) ذكر (قدس سره) أنّه يعتبر في سماع الشهادة أن لا تختلف في شهادتهما في وصف الجناية، كأن شهد أحدهما بالقتل بالسيف، و الآخر بالقتل بالسكّين، أو شهد أحدهما بالقتل ليلا و الآخر بالقتل نهارا، أو شهد أحدهما أنّه قتله في مكان كذا، و شهد الآخر أنّه قتله في مكان آخر، فلا يثبت القتل بمثل هذه الشهادة؛ لأنّ المعتبر في الشهادة أن يكون المخبر به‌

191

..........

____________

في إخبار أحدهما هي الواقعة المخبر بها في شهادة الآخر و لم يتحقّق ذلك في الفرض.

و هل يكون المورد مع عدم توارد الشاهدين على وصف واحد من موارد اللوث كما عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط لاتّفاقهما على حصول القتل و اتّفاقهما على صدور الجناية من المشهود عليه أم لا؟

الأظهر عدم ثبوت اللوث؛ لأنّ الشهادة من عدل واحد تعدّ لوثا إذا لم تتعارض مع شهادة الآخر، نظير ما إذا شهد أحدهما بصدور القتل من المدّعى عليه و الآخر بأنّه أقرّ بجنايته و أنّه قاتله؛ لأنّ هذا المفروض خال عن التكاذب بين الشهادتين.

أقول: قد ذكرنا في بحث الشهادات أنّه إذا اتّفق الشاهدان في الشهادة و الحضور في واقعة واحدة بأن قال أحدهما: أنا و صاحبي رأينا أنّ فلانا قتل المقتول في مكان كذا، و قال الآخر أيضا هذا الكلام، و لكن قال أحدهما أنّه كان يوم الجمعة، و قال الآخر: أنت مشتبه كان يوم السبت، أو قال أحدهما: أنا و صاحبي كنّا حاضرين عند ما قتل هذا فلانا، و قال الآخر أيضا كذلك، و لكن وصف أحدهما مكان القتل بأنّه كان القتل بإزاء بيت فلان، و قال الآخر: أنت مشتبه كان بإزاء بيت شخص آخر، و نحو ذلك مما يرجع إلى تخطئة كلّ منهما الآخر في خصوصيات الواقعة و نسيانها مع اتفاقهما في الشهادة بواقعة خارجية واحدة، فهذا المقدار يكفي في الشهادة و لو لم يكن هذا كافيا في الدم، فلا أقلّ من أنّه من موارد اللوث.

192

فلو شهد أحدهما أنّه قتله غدوة، و الآخر عشية، أو بالسكّين، و الآخر بالسيف، أو القتل في مكان معيّن و الآخر في غيره، لم يقبل، و هل يكون ذلك لوثا؟

قال في المبسوط: نعم، و فيه إشكال؛ لتكاذبهما. أمّا لو شهد أحدهما بالإقرار و الآخر بالمشاهدة لم يثبت و كان لوثا؛ لعدم التكاذب.

[و هنا مسائل:]

و هنا مسائل:

الاولى: لو شهد أحدهما بالإقرار بالقتل مطلقا، و شهد الآخر بالإقرار عمدا ثبت القتل (1). و كلّف المدّعى عليه البيان، فإن أنكر القتل لم يقبل منه؛ لأنّه إكذاب

____________

(1) و ذلك لأنّ شهادة الشاهدين ليست بنفس القتل بل على الإقرار بصدور القتل، فيمكن أن يقرّ عند أحدهما بالقتل من غير توصيف، و عند الآخر بالقتل عمدا أو سمع أحدهما التوصيف و لم يسمع الآخر.

و عليه فإنّ بيّن المدّعى عليه بعد تكليفه بالبيان أنّه كان عمدا و صدّقه الولي، أو قال: كان خطأ مع تصديق الولي فلا خفاء في الحكم.

و أمّا إذا أنكر القتل، فلا يسمع منه الإنكار؛ لأنّه تكذيب للبيّنة، و إن نفى العمد، فإن ادّعى الولي خلافه فعليه الإثبات. و ظاهر كلام الماتن و غيره أنّ شهادة الشاهد الواحد بإقرار الجاني بالقتل عمدا لا يوجب اللوث الموجب لثبوت القتل عمدا مع إنكار المشهود عليه العمد و إقراره بالخطإ فلا يثبت دعواه العمد بالقسامة؛ و لذا لو أقام المدّعي في الفرض البيّنة على عمده فهو، و إلّا يحلف الجاني على عدم العمد و يثبت القتل خطأ، و لكن يتحمّلها الجاني لما تقدّم من أنّ إقرار الجاني بالقتل خطأ لا يوجب الدية على العاقلة، بل تكون الدية عليه كما أنّ ظاهره أنّه لو لم يحلف الجاني على عدم القتل عمدا و ردّ اليمين على الولي بردّه أو بنكوله و حلف الولي على تعمّده ثبت القصاص، و هذا بخلاف ما إذا شهد أحدهما بالقتل عمدا و الآخر بالقتل‌

193

للبيّنة، و إن قال: عمدا قتل، و إن قال: خطأ و صدّقه الولي فلا بحث و إلّا فالقول قول الجاني مع يمينه، و لو شهد أحدهما بالقتل عمدا و الآخر بالقتل المطلق و أنكر القاتل العمد و ادّعاه الولي كانت شهادة الواحد لوثا و يثبت المولى دعواه بالقسامة إن شاء.

____________

المطلق، و أنكر الجاني القتل عمدا و كان الولي مدّعيا التعمّد فإنّه تحسب شهادة الواحد حيث لا ينكرها الآخر لوثا، فعلى الولي المدّعي للتعمّد إثباته بالقسامة إن شاء.

أقول: قد تقدّم أنّه لا تتحقّق البيّنة على أمر معيّن خارجي إلّا بإخبار كلّ من الشاهدين بذلك الأمر بعينه، و إذا أخبر أحدهما بأمر معيّن و الآخر بأمر معيّن آخر و كان الأمران مشتركين في العنوان الموضوع لا يثبت ذلك الموضوع بالبيّنة.

و عليه، فإذا أخبر أحد الشاهدين أنّ فلانا أقرّ عندي أنّه قتل زيدا عمدا و أخبر الآخر أنّه أقرّ عندي بقتل زيد من غير توصيف بالعمد، فلا يثبت شي‌ء من الإقرارين بالبيّنة.

و إطلاق كلام الماتن كغيره من ثبوت القتل بذلك، فإن أنكر قتله فلا يقبل؛ لأنّه تكذيب بالبيّنة لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ البيّنة لم تقم على القتل و لا على إقرار معيّن.

نعم لو أخبرا بإقرار معيّن واحد، و قال أحدهما أنّه وصف قتله زيدا بالعمد، و قال الآخر ما وصفه فيه بالعمد أو ما سمعت التوصيف بالعمد ثبت الإقرار بالقتل بالبيّنة.

و أيضا ما ذكروا من انحصار حصول اللوث على ما إذا أخبر أحدهما‌

194

الثانية: لو شهدا بقتل على اثنين فشهد المشهود عليهما على الشاهدين أنّهما هما القاتلان على وجه لا يتحقّق معه التبرّع، أو إن تحقّق لا يقتضي إسقاط الشهادة، فإن صدّق الولي الأوّلين حكم له (1) و طرحت شهادة الآخرين، و إن صدّق الجميع أو صدّق الآخرين سقط الجميع.

____________

بالقتل عمدا و الآخر بمطلق القتل و لا يحصل بإخبار أحدهما بإقراره بالقتل عمدا و إخبار الآخر بإقراره بمطلق القتل لا يمكن المساعدة عليه سواء قلنا بعدم ثبوت الاقرار بالقتل بالاخبار بالإقرارين من الشاهدين كما في إخبار أحدهما بإقرار و إخبار الآخر بإقرار آخر، أو قلنا بالثبوت كما تقدّم فذلك المورد أيضا من موارد اللوث، إلّا أن يثبت تسالم على خلاف ذلك و انّ موارد الإخبار بالإقرار لا يدخل في اللوث، و سيأتي التكلّم فيه إن شاء اللّه تعالى.

(1) للمسألة فرضان:

الأوّل: أن يدّعي أولياء المقتول على اثنين أنّهما قتلا مورّثهم و أقاموا البيّنة على دعواهم، و بعد ما شهدت البيّنة على دعواهم أو قبل شهادتهما، شهد الاثنان على أنّ البيّنة هما اللذان قتلا مورّثهم، و في مثل ذلك لا يسمع شهادة المدّعى عليهما؛ لأنّهما متّهمان بدعوى المدّعي بدفع الضرر عنهما، و تسمع البيّنة التي شهدت على الدعوى.

نعم، لو صدّقهما المدّعي بعد شهادتهما أو صدّق الجميع، تسقط الدعوى؛ لأنّ دعواه أوّلا تكذيب لتصديقه و تصديقه تكذيب لدعواه.

و الثاني: إذا شهدت البيّنة حسبة على اثنين أنّهما قتلا فلانا و قلنا بسماع الشهادة حسبة في المقام و شهد الاثنان على أنّ الشاهدين هما قتلاه.

195

الثالثة: لو شهدا لمن يرثانه (1) أنّ زيدا جرحه بعد الاندمال قبلت و لا تقبل قبله؛ لتحقّقه التهمة على تردّد، و لو اندمل بعد الاقامة فأعاد الشهادة قبلت؛ لانتفاء التهمة، و لو شهدا لمن يرثانه و هو مريض قبلت، و الفرق أنّ الدّية يستحقّانها ابتداءً و في الثانية يستحقّانها من ملك الميّت.

____________

فظاهر الماتن (قدس سره) انّ الحكم في هذا الفرض أيضا كما في فرض سبق دعوى الولي.

و فيه تأمّل ظاهر، فإنّ مجرّد السبق في الشهادة لا يوجب التهمة في البيّنة الأخيرة؛ و لذا يقال إنّه إن صدّق الولي إحدى البيّنتين تعلّق بالاخرى القصاص، و إلّا يكون مخيرا في القصاص من أيّ منهما.

ففيه أيضا انّ الفرض غير منصوص و قياسه بالشهادة و بالإقرار من غير المشهود عليه ليس من مذهبنا، و لا يبعد أن ينتقل الأمر بأخذ الدية؛ لعدم إمكان القود من الجميع و لا من أيّ من البيّنتين، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) ذكر (قدس سره) أنّه إذا شهد الشاهدان لمن يرثانه أنّ فلانا جرحه بجراحة و كانت شهادتهما بعد اندمال جرحه و عدم سرايته إلى نفسه قبلت شهادتهما بخلاف ما إذا كان قبل الاندمال مع احتمال السراية، فإنّه لا تقبل شهادتهما حيث تتحقّق في شهادتهما التهمه. نعم إذا اندمل الجرح و لم يسر إلى النفس فأعاد الشهادة قبلت؛ لانتفاء التهمة.

و لا يبعد أن يقال: إذا شهدا لمن يرثانه قبل اندمال الجرح تبقى شهادتهما معلّقة على سراية الجرح و اندماله، فإن اندمل تقبل لإحراز عدم كون شهادتهما لنفسهما بخلاف ما إذا مات بالسراية، فإنّه يجب شهادتهما من الدعوى على الجارح. و ما في كلام الماتن من التردّد في عدم سماع‌

196

..........

____________

شهادتهما قبل اندمال الجرح بإطلاقه لا يمكن المساعدة عليه.

و على الجملة، عدم سماع شهادتهما قبل ظهور الاندمال الموجب لانتفاء السراية لاحتمال كون شهادتهما من دعواهما على الجارح، و لا يقاس ذلك بما إذا شهدا لمن يرثانه بالمال على الغير أو عند الغير و كان المشهود له مريضا مرض الموت، فإنّه تقبل شهادتهما؛ لعدم كون شهادتهما من دعواهما على الغير، حيث انّ المال ينتقل بشهادتهما إلى ملك المريض، حتى مع موته فيما بعد؛ و لذا يحكم بنفوذ تصرّفاته قبل موته، و يؤدّى منه ديونه و ينفذ فيه وصاياه.

و أمّا الدية فإنّه على تقدير السراية للوارث ابتداء و لا مجال لتوهّم دخولها في ملك الميت بموته بدعوى أنّه يؤدّى منها أيضا ديونه و ينفذ وصيته من الدية أيضا و عدم جواز تصرّفه فيها قبل موته بتمليكها للغير مجانا أو معارضة أو مصالحة أو إسقاط إنّما هو لعدم صحّة التمليك قبل التملّك و عدم صحة الإسقاط قبل الثبوت.

و الوجه في عدم المجال أنّ ما ذكر من أداء دينه منها و نفوذ وصيّته منها حكم تعبّدي يثبت حتى مع ثبوت الدية صلحا على القصاص من وليّ الدم، و أيضا لا دليل على ردّ الشهادة بمجرّد تحقّق عنوان التهمة حتّى يفرق بين الأمرين بما ذكر، بل الثابت ردّ الشهادة بامور انتزع منها عنوان التهمة في كلماتهم، و ليس احتمال وصول الدية أو تعلّقها بالشاهد من تلك الامور إذا كان المشهود به مجرّد الجرح قبل السراية و لا يدخل الشاهدان وقت الشهادة في عنوان المدّعي كما هو ظاهر.

197

الرابعة: لو شهد شاهدان من العاقلة بفسق شاهدي القتل (1)، فإن كان القتل عمدا أو شبيها به أو كانا ممن لا يصل إليهما العقل حكم بهما و طرحت شهادة القتل، و إن كانا ممن يعقل عنه لم تقبل؛ لأنّهما يدفعان عنها الغرم.

الخامسة: لو شهد اثنان أنّه قتل، و آخران على غيره أنّه قتله، سقط القصاص وجبت الدية عليهما نصفين (2). و لو كان خطأ كانت الدية على عاقلتهما، و لعلّه

____________

(1) ذكر (قدس سره) أنّه تقبل الشهادة من أفراد العاقلة بفسق الشاهدين على القتل إذا كان المشهود به القتل عمدا أو شبه العمد، فإنّ شهادتهما تحسب جرحا في شاهدي القتل، فتطرح شهادتهما. بخلاف ما إذا كان المشهود به القتل خطأ محضا، فإنّهما يدخلان فيمن يدفعان الغرم عن نفسهما بشهادتهما، فتحقّق التهمة الموجبة لردّ شهادتهما بفسق شهود القتل، و قد عمّم (قدس سره) سماع شهادتهما بفسق الشهود ما إذا كان المشهود به القتل خطأ محضا، و لكن كانا ممن لا يصل إليهما العقل كما إذا كان في عصبة القاتل من هو أقرب إليه منهما، بأن كانا متقرّبين للقاتل بأبيهما خاصة، و كان في العصبة من المتقربين إلى القاتل من طرف أبيه المتقرّب بأبويه، و كذا ما إذا كان المتقرّب بأبويه من أقرباء الأب للقاتل فقيرا بناء على اعتبار الغنى فيمن يتحمّل الدية من عصبة الميت، و لكن في تقديم المتقرّب بالأبوين على المتقرّب بالأب و كذا في اعتبار الغنى في من يتحمّلها تأمّل و إشكال يأتي الكلام في باب العاقلة إن شاء اللّه تعالى.

(2) و كأنّه لدلالة البيّنتين على أنّ غير المشهود عليهما غير قاتل و لتردّد القاتل بينهما و عدم إمكان القصاص يكون دية المقتول عليهما، هذا فيما إذا كان القتل عمدا. و أمّا إذا كان خطأ محضا تكون الدية على عاقلتهما نصفين.

198

احتياط في عصمة الدم لما عرض من الشبهة بتصادم البيّنتين و يحتمل هذا وجها آخر و هو تخيّر الولي في تصديق أيّهما شاء، كما لو أقرّ اثنان كلّ واحد منهما بقتله منفردا و الأوّل أولى.

السادسة: لو شهدا أنّه قتل زيدا عمدا فأقرّ آخر أنّه هو القاتل و برء المشهود عليه (1)، فللولي قتل المشهود عليه و يردّ المقرّ نصف ديته، و له قتل المقرّ و لا ردّ لإقراره بالانفراد، و لو قتلهما بعد أن يردّ على المشهود عليه نصف ديته دون المقر، و لو أراد الدّية كانت عليهما نصفين، و هذه رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام).

____________

و لكن لا يخفى أنّ ثبوت الدلالة على أنّ غيرهما غير قاتل على تقدير كون المشهود عليه في كلّ من البيّنتين قاتلا، و هذا غير ثابت مع تعارضهما كما أوضحنا ذلك في بحث تعارض الخبرين، و عليه لا مقتضي للقصاص منهما، و لا لأخذ الدية منهما، و لا أخذها من عاقلتهما، إذا كان القتل خطأ.

و ما ذكر الماتن (قدس سره) من تخيير الولي في تصديق أيّهما شاء نظير ما أقرّ اثنان كلّ منها بقتله بانفراده، فإنّه قياس مع الفارق بين المسألتين على ما تقدّم.

و الظاهر أنّ مع تعارض البيّنتين لا قصاص و لا دية و لا اعتبار لتصديق وليّ الدم لما ذكرنا في بحث القضاء أنّ على المدّعي إثبات دعواه بالبيّنة التي تحسب حجّة و البيّنة المعارضة بمثلها لا تكون حجّة.

(1) في المسألة صور:

الاولى: أن يعلم أولياء المقتول بكذب المقرّ خاصة أو بكذب البيّنة خاصة، و في مثل ذلك لا يجوز لهم القصاص ممن يعلمون أنّه ليس بقاتل،

199

و في قتلهما إشكال؛ لانتفاء الشركة، و كذا في إلزامهما بالدية نصفين، و القول بتخيّر الولي في أحدهما وجه قوي، غير أنّ الرواية من المشاهير.

____________

و صحيحة زرارة المشار إليها في المتن منصرفة عن هذه الصورة.

الثانية: ما إذا احتمل اشتراك المشهود عليه و المقرّ في القتل، و قول المقرّ بأنّه قاتل و إن كان نافذا فإنّه اعتراف على نفسه، إلّا أن تبرئته المشهود عليه غير معتبر في نفي القصاص عن المشهود عليه؛ لأنه ليس من الاعتراف على نفسه.

و على ذلك، فإن كانت شهادة البيّنة بكون المشهود عليه قاتلا للمقتول من غير أن تنفي اشتراك الآخر، فمقتضى مدلولها و ما هو معتبر من قول المقرّ كونهما مشتركين في القتل.

و كذلك ما إذا شهدت البيّنة بأنّ المشهود عليه قاتل، و ليس غيره قاتلا فإنّ شهادتهما بأنّ غيره ليس قاتلا يسقط بإقرار المقرّ بأنّه قاتل و يجري في المقام حكم الاشتراك أيضا بمعنى أنّه لو أخذ أولياء الميت القصاص من المشهود عليه فقط يجب على المقرّ ردّ نصف الدية إلى أولياء المشهود عليه، فإن قتلوا المقرّ فلا يردّ المشهود عليه نصف الدية أخذا بالمقرّ على إقراره بأنّه هو القاتل دون المشهود عليه و إن قتل أولياء المقتول كلا من المشهود عليه و المقرّ يجب عليهم ردّ نصف الدية على أولياء المشهود عليه و لا يردون شيئا على أولياء المقرّ أخذا بإقراره.

و روى زرارة في صحيحته عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي و جاءه قوم فشهد عليه الشهود أنّه قتل عمدا، فدفع الوالي القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به، فلم يريموا حتّى أتاهم رجل فأقرّ‌

200

..........

____________

عند الوالي أنّه قتل صاحبهم عمدا و أنّ هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود برئ من قتل صاحبه فلا تقتلوه به، و خذوني بدمه، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام):

إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه و لا سبيل لهم على الآخر، ثمّ لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شهد عليه، و إن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوا و لا سبيل لهم على الذي أقرّ، ثمّ ليؤدّ الدية الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية قلت: أ رأيت إن أرادوا أن يقتلوهما جميعا، قال: ذاك لهم و عليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصّا دون صاحبه، ثمّ يقتلونهما، قلت: إن أرادوا أن يأخذوا الدية؟ قال فقال: الدية بينهما نصفان؛ لأنّ أحدهما أقرّ و الآخر شهد عليه، قلت: كيف جعلت لأولياء الذي شهد عليه على الذي أقرّ نصف الدية، حيث قتل و لم تجعل لأولياء الذي أقرّ على أولياء الذي شهد عليه و لم يقرّ؟ قال فقال: لأنّ الذي شهد عليه ليس مثل الذي أقرّ، الذي شهد عليه لم يقرّ و لم يبرّأ صاحبه، و الآخر أقرّ و برّأ صاحبه فلزم الذي أقرّ و برّأ صاحبه ما لم يلزم الذي شهد عليه و لم يقرّ و لم يبرّأ صاحبه» (1).

أقول: يمكن أن يقال بأنّ مقتضى ذيل الرواية و إن يمكن جواز قتل المشهود عليه قصاصا مع قتل المقرّ حتّى في الصورة الثالثة التي يعلم بعدم اشتراك في القتل بينهما، إلّا أنّه لا يمكن الالتزام بذلك؛ لعلم أولياء المقتول أنّ قتل واحد منهما عدوان و بغير نفس، فيكون مخالفا للمنع الوارد في الكتاب العزيز.

____________

(1) الوسائل: ج 19، باب 5 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 108.

201

..........

____________

و لذا يقال: إنّه يجوز لأولياء المقتول القصاص من المقرّ لنفوذ إقراره حتّى مع المعارضة للبيّنة و لا اعتبار للبيّنة مع الإقرار، و لا يردّ إلى أولياء المقرّ نصف الدية لا من قبل أولياء المقتول و لا من المشهود عليه؛ لعدم ثبوت كونه قاتلا.

و على الجملة، الصحيحة محمولة على صورة احتمال الشركة.

و ربّما يخطر بالبال ظهور صدر الصحيحة في صورة العلم بعدم الاشتراك حيث ذكر (عليه السلام) فيه «إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه و لا سبيل لهم على الآخر».

فإنّ قوله (عليه السلام) «و لا سبيل لهم على الآخر» لا يجتمع مع جواز قتلهم المشهود عليه، و كذا في قوله (عليه السلام) «إن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه و لا سبيل لهم على الذي أقرّ».

و على ذلك، فلا بأس بالالتزام بالتخيير مع عدم احتمال الشركة أخذا بالرواية.

و لكنّه توهّم و لا يمكن حمل الصدر على صورة عدم احتمال الاشتراك؛ لأنّه ذكر في الصدر ردّ المقرّ نصف الدية على ورثة المشهود عليه، و لا بدّ من حمل الصحيحة صدرا و ذيلا على صورة احتمال الاشتراك، و في غيرها يؤخذ المقرّ بإقراره؛ لنفوذ الإقرار و لو مع المعارضة مع البيّنة، و تطرح البيّنة لسقوطها عن الاعتبار بالتعارض مع الإقرار، و اللّه سبحانه هو العالم.

202

السابعة: قال في المبسوط: لو ادّعى قتل العمد و أقام شاهدا و امرأتين ثمّ عفى، لم يصحّ؛ لأنّه عفى عمّا لم يثبت (1)، و فيه إشكال؛ إذ العفو لا يتوقّف على ثبوت الحقّ عند الحاكم.

[و أمّا القسامة]

[الأول في اللوث]

و أمّا القسامة، فيستدعى البحث فيها مقاصد الأول في اللوث (2) و لا قسامة مع ارتفاع التهمة و للولي إحلاف المنكر يمينا واحدة و لا يجب التغليظ و لو نكل فعلى ما مضى من القولين و اللوث أمارة يغلب معها الظن بصدق المدّعي كالشاهد و لو واحدا.

____________

(1) لا يخفى أنّه لا يصحّ العفو قبل تمام الموضوع لحقّ القصاص، و أمّا إسقاطه قبل إحراز وجوده الواقعي بأن يسقطه على تقدير تحقّقه واقعا فلا إشكال فيه؛ لأنّه على التقدير حقّ قابل للإسقاط.

(2) ذكر أصحابنا أنّه لا يثبت دعوى القتل بالقسامة إلّا في مورد اللوث و في غير مورده لا يثبت دعوى القتل عمدا أو خطأ بها، بل يكون على المدّعي إثبات دعواه بالبيّنة و مع عدمها و عدم إقرار المدّعى عليه فللوليّ إحلاف المدّعى عليه على نفي دعواه كما في ساير الدعاوى، و إذا حلف المدعى عليه سقطت الدعوى.

و مع نكوله إمّا يحكم الحاكم بثبوت الدعوى بمجرّد نكوله أو بردّ اليمين على المدعي ليحلف على دعواه، و إذا حلف المنكر على نفى دعواه لا يجب عليه التغليظ في حلفه على النفي حتى مع مطالبته الحاكم، كما هو الحال في ساير الدعاوى.

و المراد باللوث على ما يظهر من كلماتهم أن يكون في البين ما يوجب للحاكم الظن بصدق المدّعي في دعواه غالبا كالشاهد الواحد أو كما وجد المدعى عليه عند المقتول و معه سلاح عليه الدم إلى غير ذلك. فيقع الكلام‌