تنقيح مباني الأحكام - كتاب القصاص

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
338 /
203

و كما (و كذا خ ل) لو وجد متشحّطا بدمه و عنده ذو سلاح عليه الدم أو في دار قوم أو في محلّة منفردة عن البلد لا يدخلها غير أهلها، أو في صفّ مقابل للخصم بعد المراماة.

____________

في اشتراط اعتبار القسامة باللوث و كون المراد باللوث ما ذكروه.

أمّا اشتراط اعتبارها به فهو أمر متسالم عليه كما ذكرنا. و لكن نوقش في استفادة هذا الاشتراط من الأخبار، حيث انّ مقتضى الاطلاق في بعض الأخبار أنّه إذا لم يكن للمدّعى عليه بيّنة على نفي كونه قاتلا، فللمدّعي إثبات دعواه بالحلف، كموثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم، حكم في أموالكم أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه، و حكم في دمائكم أنّ البيّنة على المدّعى عليه و اليمين على من ادّعى لئلا يبطل دم امرئ مسلم» (1). فإنّ مقتضى اطلاقها أنّه تصل النوبة في ثبوت دعوى القتل إلى الحلف إذا لم يكن للمدّعى عليه بيّنة على النفي كان في المورد لوث أم لا؟

نعم، إذا كان للمدّعي بيّنة على ثبوت دعوى القتل لا تصل النوبة إلى ثبوتها بالقسامة، بل تثبت دعواه بالبيّنة، و هذا التقييد مستفاد من بعض الروايات الواردة في المقام، كصحيحة مسعدة بن زياد عن جعفر (عليه السلام) قال:

«كان أبي رضي اللّه عنه إذا لم يقم القوم المدّعون البينة على قتل قتيلهم و لم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه حلف المتّهمين بالقتل خمسين يمينا باللّه ما قتلناه» الحديث (2).

و ما ورد في صحيحة بريد بن معاوية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 4: 115.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 6: 115.

204

..........

____________

«سألته عن القسامة فقال: الحقوق كلّها البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه، إلّا في الدم خاصّة فإنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلا منهم فوجدوه قتيلا، فقالت الأنصار إنّ فلان اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول اللّه للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم اقيده (أقده) برمّته فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلا اقيده برمّته» الحديث (1).

و في الثانية دلالة واضحة على أنّ مع وجود البيّنة للمدعى حتى في مورد اللوث تثبت دعوى القتل بالبيّنة و أنّ الوصول إلى ثبوتها إلى القسامة إنّما هو مع عدم إقامتها. أضف إلى ذلك إطلاق ما دلّ على اعتبار البيّنة.

و على الجملة، موثقة أبي بصير تدلّ على ثبوت دعوى القتل بالقسامة إذا لم يكن للمدّعى عليه بيّنة على النفي، و أمّا ثبوت دعوى المدّعي بالبيّنة و لا تصل معها النوبة إلى القسامة في ثبوتها فلا تنفيه إلّا بالإطلاق اللازم رفع اليد عنه، بما ورد في مثل الصحيحتين من ثبوت دعوى القتل ببيّنة المدّعي، و كذا ثبوتها بالقسامة مع عدم إقامتها، كما أنّ موثقة أبي بصير دالّة على ثبوتها بها إذا لم يكن للمدّعى عليه بيّنة على النفي.

و يبقى الكلام في اطلاق الموثّقة و غيرها بالإضافة إلى عدم اعتبار اللوث، و قد ذكرنا أنّ اعتباره متسالم عليه بين أصحابنا بل عند مخالفينا أيضا إلّا الكوفي على ما قيل.

و كيف كان، فيمكن استفادة ذلك من بعض الروايات، و يرفع اليد بها‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 3: 114.

205

..........

____________

عن إطلاق مثل موثقة أبي بصير، كمعتبرة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«إنّما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشرّ المتّهم فإن شهدوا عليه جازت شهادتهم» (1).

و في صحيحته عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّما جعلت القسامة احتياطا للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلا أو يغتال رجلا حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل» (2).

و صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط يحتاط على الناس لكي إذا رأى الفاجر عدوّه فرّ منه مخافة القصاص» (3). فإنّه يستفاد منها كون المدّعى عليه شخصا فاجرا تكون بينه و بين المقتول عداوة من مصاديق اللوث، و جعل القسامة احتياطا على دماء الناس يقتضي اعتباره و إلّا فيمكن لفاجر أن يقتل مورّثه ثمّ يقيم الدعوى على أحد بأنّه قتل مورّثه و يحلف معه خمسون من الفجّار على دعواه فيذهب دم المدّعى عليه المؤمن هدرا.

و ظهر مما ذكر أنّ ما ذكر الماتن مثالا للّوث في كلامه يختلف باختلاف الموارد، و أنّ المعيار في اللوث أن يكون في البين ما تحسب قرينة على صدق دعوى المدّعي و كون المدّعى عليه متّهما بها و إلّا فمجرّد كون المدّعى عليه في صفّ مقابل للخصم بعد المراماة لا يكون لوثا في جميع موارد القتل و نحوه غيره.

و على الجملة، إذا ثبت في مورد اللوث، فإن كان للمدّعي بينة على‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 7: 116.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 114.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 9: 116.

206

و لو وجد في قرية مطروقة أو في خلة من خلال العرب أو في محلّة منفردة و إن انفردت كما كان هناك عداوة، فهو لوث (1) و إلّا فلا لوث؛ لأنّ الاحتمال متحقّق هنا، و لو وجد بين قريتين فاللوث لأقربهما إليه و مع التساوي في القرب فهما في اللوث سواء.

____________

المدّعى عليه يحكم بثبوت الدعوى بها، و إذا لم يقم المدّعي البيّنة و أقام المدّعى عليه البيّنة على نفي الدعوى تسقط الدعوى، و إذا لم يقم المدّعى عليه أيضا البيّنة تصل النوبة إلى ثبوت الدعوى بالقسامة و إن لم تقم المدّعي القسامة فلا بدّ في سقوط الدعوى من إقامة المدّعى عليه القسامة على نفي الدعوى، فإن أقام القسامة سقطت الدعوى و إلّا الزم بالدعوى.

(1) لا يخفى أنّ القود يترتّب بالقسامة عند اللوث فيما إذا ادّعى أولياء المقتول على شخص معيّن أو أشخاص كذلك القتل عمدا، و أمّا مع عدم التعيين للمدّعى عليهم فلا يؤخذ إلّا الدية، و كذا مع عدم دعواهم فإنّه يحكم بضمان أهلها الدّية إلّا إذا أقاموا بيّنة على أنّهم ما قتلوه أو مع القسامة على عدم قتلهم مع وجود اللوث كما هو الفرض.

و يكفي في ثبوت الدية على أهلها صحيحة محمد بن قيس قال:

«سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قتل في قرية أو قريبا من قرية أن يغرم أهل تلك القرية إن لم توجد بيّنة على أهل تلك القرية أنّهم قتلوه» (1).

و كذلك إذا وجد قتيلا بين قريتين أحدهما أقرب إلى مكان القتيل و إلّا يتقسّط ديته إلى أهل القريتين.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 8 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 5: 112.

207

..........

____________

و في موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يوجد قتيلا في القرية أو بين قريتين قال: يقاس ما بينهما فأيّهما كانت أقرب ضمنت» (1).

و أمّا ما ورد في رواية محمد بن قيس قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لو أنّ رجلا قتل في قرية أو قريبا من قرية و لم يوجد بيّنة على أهل تلك القرية أنه قتل عندهم فليس عليهم شي‌ء» (2) فلضعفها بالإرسال لا يمكن الاعتماد عليها.

و أمّا صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «في رجل كان جالسا مع قوم فمات و هو معهم أو رجل وجد في قبيلة و على باب دار قوم فادّعى عليهم قال: ليس عليهم شي‌ء و لا يبطل دمه» (3).

ففي التهذيب (4) بعد نقله عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن أيوب عن أبان عن محمد بن مسلم قال: و عنه عن النضر بن سويد عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) نحوه قال: «و لا يبطل دمه و لكن يعقل».

و روى بإسناده عن حماد عن ابن المغيرة عن ابن سنان مثله. ثمّ قال:

و لا تنافي بين هذين الخبرين و بين الأخبار المتقدّمة الدالّة على ضمان أهل القرية و القبيلة الدية إذا كانوا متّهمين بقتله و امتنعوا من القسامة، فأمّا إذا لم يكونا متّهمين بقتله أو أجابوا إلى القسامة فلا دية عليهم و يؤدّى دية القتيل‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 4: 112.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 2: 112.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 111.

(4) التهذيب: ج 10، ص 205، باب 4، رواية 14.

208

..........

____________

من بيت المال.

أقول: يمكن أن يقال إنّه لم يفرض في صحيحة محمد بن مسلم اللوث أو يقيّد إطلاقها بما إذا حلفوا أنّهم ما قتلوه، و في هذا الفرض يؤدّى الدّية من بيت المال كما هو كذلك في جميع موارد اللوث إذا حلف المدّعى عليهم بأنّهم ما قتلوه و لا يعرفون له قاتلا، كما يستفاد ذلك من فعل النبي (صلى اللّه عليه و آله) في قتيل خيبر على ما ورد في صحيحة بريد بن معاوية المتقدّمة. و علّق فيها ضمان المدّعى عليهم الدية على حلفهم على عدم قتلهم و عدم علمهم بالقاتل.

و ما في صحيحة مسعدة بن زياد «حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يمينا باللّه ما قتلناه و لا علمنا له قاتلا ثمّ يؤدّى الدّية إلى أولياء القتيل» (1) فالمراد أداء الدية من بيت المال لا أداء المتّهمين مع حلفهم بأنّهم ما قتلوه و لا علموا قاتلا؛ و لذا أتى قوله (عليه السلام) «ثمّ يؤدّى» بصيغة المفرد المجهول لا الجمع المعلوم كما يدلّ على ذلك رواية علي بن الفضيل أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«إذا وجد مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعا ما قتلوه و لا يعلمون له قاتلا فإن أبوا أن يحلفوا اغرموا الدّية فيما بينهم في أموالهم سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين» (2).

و ما في رواية أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه أنّه اتي علي (عليه السلام) بقتيل وجد بالكوفة مقطّعا فقال: «صلّوا عليه ما قدرتم عليه منه ثم‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 6: 115.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 5: 115.

209

أمّا من وجد في زحام على قنطرة أو بئر أو جسر أو مصنع فديته على بيت المال (1)، و كذا لو وجد في جامع عظيم أو شارع، و كذا لو وجد في فلاة و لا يثبت

____________

استحلفهم قسامة باللّه ما قتلناه و لا علمنا له قاتلا و ضمنهم الدية» (1) من استظهار ضمان الدية على المتّهمين بعد حلفهم بأنّهم ما قتلوه و لا علموا له قاتلا لا يمكن الالتزام به لضعفها سندا و منافاتها مع ما تقدّم.

أضف إلى ذلك احتمال أنّه لم يكن مورد اللوث و لو لعدم انحصار المتّهمين؛ و لذا لم يحلفهم بل ضمن (عليه السلام) لأهل القتيل الدية.

(1) و في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان و عبد اللّه بن بكير جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل وجد مقتولا لا يدري من قتله قال: إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته اعطوا ديته من بيت مال المسلمين و لا يبطل دم امرئ مسلم لأنّ ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته على الإمام و يصلّون عليه و يدفنونه، قال: و قضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات أنّ ديته من بيت مال المسلمين» (2).

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ازدحم الناس يوم الجمعة في إمرة علي (عليه السلام) بالكوفة فقتلوا رجلا فودى ديته إلى أهله من بيت مال المسلمين» (3).

و في موثقة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس في الهايشات عقل و لا قصاص و الهايشات الفزعة تقع بالليل و النهار‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 8 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 8: 113.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 109.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 2: 109.

210

الملوث بشهادة الصبي و لا الفاسق و لا الكافر، و لو كان مأمونا في نحلته (1). نعم لو أخبر جماعة من الفسّاق أو النساء مع ارتفاع المواطاة أو ظنّ ارتفاعها كان لوثا و لو كان الجماعة صبيانا أو كفّارا لم يثبت اللوث ما لم يبلغوا حدّ التواتر.

____________

فيشجّ الرجل فيها أو يقع قتيل لا يدري من قتله و شجّه» (1).

و في صحيحة مسعدة بن زيادة الواردة في القسامة «ذلك إذا قتل في حيّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال» (2).

و في معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: «من مات في زحام الناس يوم الجمعة أو يوم عرفة أو على جسر لا يعلمون من قتله فديته من بيت المال» (3).

(1) كأنّ الوجه في عدم ثبوت اللوث بذلك عدم اعتبار خبرهم، و لكن خبر الكافر الثقة معتبر و إن لم يثبت به القتل كما لا يثبت القتل بخبر العدل الواحد أيضا مع أنّه ذكر بأنّ خبر العدل يوجب اللوث و كذا الحال في خبر المرأة الواحدة لا يكون لوثا، و لكن إذا أخبر جماعة من النساء أو الفسّاق مع ارتفاع المواطاة أو ظنّ بارتفاعها كان لوثا.

و أعجب من ذلك ما ذكره (قدس سره): «و لو كان الجماعة صبيانا أو كفّارا لم يثبت اللوث إلّا إذا بلغ حدّ التواتر»، مع أنّ بلوغه حدّ التواتر يثبت القتل لا اللوث إلّا أن يكون المراد صورة عدم تعيين القاتل من الجميع فإنّه‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 3: 110.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 6: 115.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 6 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 5: 110.

211

و يشترط في اللوث خلوصه عن الشك (1) فلو وجد بالقرب من القتيل ذو سلاح متلطّخ بالدم مع سبع من شأنه قتل الإنسان بطل اللوث؛ لتحقّق الشك، و لو قال الشاهد: قتله أحد هذين كان لوثا (2)، و لو قال: قتل أحد هذين لم يكن لوثا و في الفرق تردّد.

____________

يثبت اللوث. و قد ذكرنا فيما تقدّم ملاك اللوث. و لو شكّ في مورد صدق اللوث و عدمه يؤخذ بإطلاق ما دلّ على اعتبار القسامة على قرار ما تقدّم سابقا.

(1) كأنّ مراده أن لا يكون في مورد اللوث ما يمنع عن حصول التهمة أي الظن باستناد القتل إلى من يقتضيه اللوث كما إذا وجد في القرب من القتيل ذو سلاح متلطّخ سلاحه بالدم و يوجد في قربه أيضا سبع من عادته قتل الإنسان، فإنّ الدعوى على ذي السلاح لا يكون من موارد اللوث لتثبت بالقسامة.

(2) إذا شهد عدل بأنّ القتيل قتله أحد هذين و ادّعى الوليّ تعيين القاتل في المعيّن منهما، تثبت دعواه بالقسامة؛ لأنّ شهادة العدل المزبور يوجب اللوث.

و أمّا إذا شهد عدل واحد بأنّ فلانا و هو شخص معيّن قد قتل أحد هذين المقتولين و ادّعى وليّ أحد المقتولين بأنّ الشخص المزبور قاتل قتيله لا تثبت دعوى وليّ المقتول بالقسامة؛ لأنّ تعيين الشاهد القاتل و ترديده في مقتوله لا يوجب اللوث في دعوى وليّ أحد المقتولين. و ذكر الماتن (قدس سره) في الفرق تردّد.

و لكن لا يبعد الفرق فإنّ الصورة الاولى لا تقصر عن وجدان القتيل‌

212

و لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل على الأشبه (1) و لا في القسامة حضور المدّعى عليه.

____________

بين قوم يظنّ أنّ فيهم قاتله حيث لا يعتبر في تحقّق اللوث تعيين القاتل بعينه. بخلاف الصورة الثانية، فإنّ الشاهد فيها لم يعيّن القاتل لا في شخص معيّن و لا بين جمع، بالإضافة إلى القتيل الذي ادّعى وليّه على الشخص المعيّن.

و ما عن المسالك من المناقشة في الصورة الاولى في كونها مورد اللوث و التزم بأنّ الثانية مورد اللوث حيث عيّن الشاهد فيها القاتل في شخص معيّن فيكون دعوى الوليّ موافقا لتعيين الشاهد بخلاف الصورة الاولى، ضعيف؛ فإنّه لم يعيّن الشاهد قاتل خصوص القتيل الذي يدّعي وليّه كما هو ظاهر.

(1) يمكن أن يراد بأثر القتل الجراحة كما يظهر من بعض الكلمات، فإن كان المراد ذلك فلا يشترط وجوده في اللوث حيث يمكن القتل بغيرها فلا يلتفت إلى ما حكي عن أبي حنيفة من قوله إن لم يكن جراحة و لا دم فلا قسامة و إن كان جراحة تثبت و إن لم يكن دم و إن كان دم فإن خرج من اذنه تثبت لا أن خرج من أنفه.

و إن كان المراد أن يكون في البين أثر أنّه مات بالقتل لا من حتف أنفه فلا اعتبار به حيث إنّه يكفي في ثبوت اللوث أمارة على القتل و لا يلزم كونها أثرا للقتل.

و دعوى أنّ المفروض في الروايات كون الشخص قتيلا لا يمكن المساعدة عليها مع وجود الاطلاق في بعضها و جريان التعليل الوارد في‌

213

[مسألتان:]

مسألتان:

الاولى: لو وجد قتيلا في دار فيها عبده (1) كان لوثا و للورثة القسامة لفائدة التسلط بالقتل أو افتكاكه (انفكاكه خ ل) بالجناية لو كان رهنا.

الثانية: لو ادّعى الولي أنّ واحدا من أهل الدار قتله (2) جاز إثبات دعواه بالقسامة، فلو أنكر كونه فيها وقت القتل كان القول قوله مع يمينه و لم يثبت اللوث؛ لأنّ اللوث يتطرّق إلى من كان موجودا في تلك الدار و لا يثبت ذلك إلّا بالاقرار أو البيّنة.

____________

اعتبار القسامة في موارد أمارة القتل و إن لم يكن في البين أثر القتل، كما إذا وجد ميت على ساحل الشط و لم يعلم أنّه غرق فيه ثمّ القي في الساحل أو أنّه اغرق في الشط ثم اخرج إلى الساحل.

و كذا لا يعتبر في ثبوت القتل بالقسامة في مورد اللوث حضور المدّعى عليه و لكن إذا حضر المدّعى عليه كان له حجّته كما ذكرنا في القضاء على الغائب.

(1) يعني إذا قتل شخص في دار و كان في تلك الدار عبده و ادّعى ورثته أنّ قاتله عبده فيمكن للورثة إثبات القتل على العبد بالقسامة إذا كان في البين لوث و فائدة القسامة إذا كانت الدعوى القتل عمدا قتل العبد قصاصا أو لافتكاكه عن الرهانة حتى فيما لو كانت الدعوى القتل خطأ بناء على شمول ما دلّ على الافتكاك صورة قتل العبد مولاه، و فيه تأمّل، فإنّ الافتكاك مدلول التزامي لاسترقاقه الذي لا يحصل في الفرض بل يحصل ما إذا قتل العبد غير مولاه، و اللّه العالم.

(2) فإن قتل شخص في داره أمارة على كون قاتله من أهل تلك الدار و على ذلك فإن ادّعى المدّعى عليه أنّه لم يكن وقت القتل في الدار لم يثبت‌

214

[الثاني: كمّيّتها]

الثاني: كمّيّتها و هي في العمد خمسون يمينا (1) فإن كان له قوم حلف كلّ واحد يمينا أن كانوا عدد القسامة، و إن نقصوا عنه كرّرت عليهم الايمان حتى يكملوا القسامة، و في الخطأ المحض و الشبيه بالعمد خمس و عشرون يمينا، و من الأصحاب من سوّى بينهما و هو أوثق في الحكم و التفصيل أظهر في المذهب.

____________

كون الدعوى عليه مورد اللوث و أمّا إذا ثبت ذلك بإقراره أو قيام البيّنة على كونه فيها في ذلك الوقت ثبت اللوث.

(1) لا خلاف في أنّ القسامة مع دعوى القتل عمدا خمسون يمينا، و المشهور أنّها في قتل الخطأ خمسة و عشرون يمينا، و عن بعض الأصحاب كالمفيد و الديلمي و ابن ادريس عدم الفرق بين دعوى العمد و بين دعوى الخطأ و شبيه العمد، و اختاره جماعة.

و يدلّ على التفصيل صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في القسامة خمسون رجلا في العمد و في الخطأ خمسة و عشرون رجلا» (1).

و في صحيحة ابن فضال و محمد بن عيسى عن يونس جميعا عن الرضا (عليه السلام) «و القسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلا و جعل في النفس على الخطأ خمسة و عشرين رجلا» (2).

و ظاهرهما التفصيل بين دعوى القتل عمدا و خطأ و ليس في البين ما ينافي هذا التفصيل حتى الاطلاق فإنّ ما ورد في قضية دعوى الأنصاري على اليهودي كان دعوى العمد، فطلب رسول اللّه خمسين يمينا فلا يدلّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، باب 11 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 119.

(2) الوسائل: ج 19، باب 11 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 2: 120.

215

و لو كان المدعون جماعة قسّمت عليهم الخمسون بالسوية في العمد و الخمس و العشرون في الخطأ (1).

____________

على كون القسامة خمسين يمينا حتّى في دعوى الخطأ.

و إطلاق الصحيحتين يدفع أيضا ما حكي عن ابن حمزة من أنّه يكفي في القسامة دعوى العمد خمسة و عشرون إذا كان في البين شهادة عدل واحد على الدعوى، و كأنّ حكمه بذلك مبنيّ على أنّ القسامة- أي الخمسون- بمنزلة شاهدين عدلين، و إذا كان في البين شهادة عدل واحد يكفي نصف القسامة، و هو كما ترى لا يخرج عن التخمين.

و على الجملة في القتل خطأ بخمسة و عشرين و ما ذكر الماتن من أنّ التساوي أوثق في الحكم يتمّ فيما إذا كان الزائد مع البذل، و أمّا مع الامتناع لا يكون في البين احتياط.

(1) ثم انّه إذا كان للمدعي قوم عالمون بصحة دعواه حلف كلّ واحد منهم يمينا إن كانوا بعدد القسامة، و يحسب المدّعي منهم في انضمام حلفه إلى حلفهم، و المراد بقومه أقربائه سواء كانوا كلّهم أو بعضهم من الوارثين للقصاص أو الدية أم لا.

نعم إذا كان في غير الوارث عدلان يشهدان يكون شهادتهما بيّنة و لا تصل النوبة إلى القسامة، كما أنّه إذا كان خبر قومه مفيدا للعلم فلا حاجة إلى القسامة و كذا الحال في القسامة على القتل خطأ.

و ذكر الأصحاب أنّ المدّعي و قومه الباذلين لليمين إذا كانوا أقلّ من عدد القسامة كرّرت عليهم اليمين حتى يكملوا القسامة- أي خمسين يمينا في العمد و خمسة و عشرين في دعوى الخطأ- حتى قالوا إنّه لو لم يكن‌

216

..........

____________

للمدعي قوم باذلون يحلف هو خمسين في العمد و خمسة و عشرين في الخطأ.

و قد ناقش في ذلك بعض الأصحاب بأنّ التكرير على المدعى و قومه إذا لم يبلغوا عدد القسامة فضلا عن التكرير على المدّعي إذا لم يكن له قوم باذلون لا يستفاد من شي‌ء من الروايات بل مقتضى صحيحة بريد بن معاوية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عدم الثبوت بالتكرير، حيث ورد فيها: «فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) للطالبين ... فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلا أقيده برمته» (1).

و كذا ورد في صحيحه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فليقسم خمسون رجلا منكم على رجل ندفعه إليكم» (2).

و الحاصل انّ ظاهرهما عدم تحقّق القسامة إلّا بحلف خمسين رجلا، و لكن مع ذلك لا يبعد الالتزام بالتكرير إذا كان المدعون للقتل أقلّ من عدد القسامة؛ لكون الحكم بالتكرير متسالم عليه، و أنّه لو لم يجز التكرير لكان اعتبار القسامة مع ما ورد فيه من أنّ اعتبارها للتحفظ على الدم و اغتيال العدو كاللغو، حيث إنّ وجدان الولي للدم خمسين رجلا من قومه و بذلهم الحلف على مقالته أمر نادر.

و دعوى أنّ الظاهر عدم المناقشة في التكرير فإنّه مقتضى موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه حكم في دمائكم بغير ما حكم في‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، باب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 3: 114.

(2) الوسائل: ج 19، باب 10 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 3: 117.

217

..........

____________

أموالكم، حكم في أموالكم أنّ البيّنة على المدّعى و اليمين على المدّعى عليه، و حكم في دمائكم أنّ البيّنة على المدّعى عليه و اليمين على من ادّعى لئلا يبطل دم امرئ مسلم» (1).

و ظاهرها أنّه إذا لم يكن للمدّعى عليه بيّنة على نفي دعوى القتل عليه يكون على المدّعي اليمين، و ما ورد في صحيحة بريد بن معاوية المتقدمة موردها قضية الأنصار، و كذا في صحيحة زرارة، و في ذلك المورد كان الحلف من خمسين رجلا أمرا ممكنا، حيث ذكروا الرسول (صلى اللّه عليه و آله) «إنّا لنكره أن نقسم على ما لم نره» فلا تمنعان عن الأخذ بظاهر مثل موثقة أبي بصير.

و الحكم بجواز الحلف من المدّعي في مورد اللوث إذا لم يكن في البين باذلون لليمين لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ الوارد في الموثقة و في صدر صحيحة بريد كون الحلف بعنوان القسامة على المدّعي إذا لم يكن للمدّعى عليه بيّنة على نفي الدعوى، و الحلف بعنوان القسامة هو حلف خمسين رجلا كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «في القسامة خمسون رجلا في العمد و في الخطأ خمسة و عشرون رجلا و عليهم أن يحلفوا باللّه» (2).

نعم، ربّما يستدلّ على التكرير بما ورد في صحيحة ابن فضال و محمد بن عيسى عن يونس جميعا عن الرضا (عليه السلام) بعد بيان الدية و بيان القسامة في‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، باب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 4: 115.

(2) الوسائل: ج 19، باب 11 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 119.

218

..........

____________

الجروح قال: «فإن لم يكن للمصاب من يحلف معهم ضوعفت عليه الإيمان» (1).

و لكن ذكرنا أنّ موردها القسامة في الأعضاء و ديتها و في التعدّي منها إلى دية النفس في القتل خطأ فضلا عن القصاص تأمّل.

ثمّ إنّه يبقى الكلام في أمرين:

أحدهما: اعتبار كون خمسين رجلا من أقرباء المدّعي دون الأجانب.

و الثاني: في لزوم التسوية في التكرير أو لزوم التكرير عليهم بحسب سهام الإرث إذا كانوا وارثين.

أمّا الأمر الأوّل، فهو ظاهر كلمات الأصحاب في المقام و ما ورد في الروايات من كون القسامة خمسين رجلا كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدّمة و غيرها، إلّا أنّ الوارد في صحيحة سليمان بن خالد أنّه سأل الإمام (عليه السلام) «فقلت فعلى من القسامة؟ قال على أهل القتيل» (2) و في صحيحة زرارة الواردة في قضية الأنصار «فليقسم خمسون رجلا منكم» (3).

و لكن مع ذلك فاستفادة اعتبار الأقرباء للمدّعي في القسامة لا يخلو عن الإشكال، حيث يحتمل أن يكون المراد بكون القسامة على أهل القتيل، الاتيان بالقسامة عليهم لدعواهم، و التقييد في خمسين رجلا بكلمة «منكم» في صحيحة زرارة لكون الأنصار كانوا مدّعين فكان عليهم الإتيان بالقسامة‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، باب 11 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 2: 120.

(2) الوسائل: ج 19، باب 10 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 7: 119.

(3) الوسائل: ج 19، باب 10 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 3: 117.

219

..........

____________

بحلفهم، أي حلف خمسين رجلا منهم.

و على الجملة، الأمر يدور بين اعتبار كون الحالفين بخمسين مدّعين أو حلف خمسين رجلا و لو لم يكن بعضهم من أقرباء المدّعي، فاعتبار كونهم من أقرباء المدّعي لا يخلو عن التأمّل.

و أمّا الأمر الثاني، أي إذا لم يكن للمدّعي خمسين رجلا يحلفون على دعواه بأن كان عددهم أقلّ، فهل تكرار اليمين عليهم بالسوية كما هو ظاهر عبارة الماتن بلا فرق بين كونهم مدّعين وارثين بالسوية أو مع التفاوت في السهام أو لم يكونوا وارثين، أو يكون الحلف موزّعا على الوارثين على حسب اختلاف سهامهم؟

قد تقدّم انّ تكرير الأيمان عليهم غير مستفاد من الروايات، بل ظاهرها لزوم خمسين رجلا في القسامة، و قد رفعنا اليد عن ذلك بالتسالم على التكرير فيما إذا كان عدد القسامة أقلّ و بالقرينة التي أشرنا إليها و مقتضى ذلك الاقتصار بالقدر المتيقن، و هو ملاحظة التكرير بنحو يجزي مع اعتبار التفاضل و عدمه، كما إذا كان المدّعي ابنا و بنتا، فيحلف الابن أربعا و ثلاثين رعاية لكون سهمه من المال ضعف سهم البنت، و تحلف البنت خمسا و عشرين رعاية لاحتمال التساوي في التكرير.

أقول: لا يبعد عدم ملاحظة التفاضل بناء على عدم اعتبار كون الحالفين في القسامة مدّعيا و لا وارثا، فإنّه بناء على ذلك لا دخل للوارث و لا للدعوى في اعتبار القسامة.

220

و لو كان المدّعى عليهم أكثر من واحد ففيه تردّد أظهره أنّه على كلّ واحد خمسين يمينا (1) كما لو انفرد؛ لأنّ كلّ واحد منهم يتوجّه عليه دعوى بانفراده، و أمّا لو كان المدّعى عليه واحدا فاحضر من قومه خمسين يشهدون ببراءته حلف

____________

(1) المشهور بين الأصحاب بل نفي عنه الخلاف انّ المدّعى عليه إذا كان واحدا حضر من قومه خمسين رجلا يحلف كلّ على براءته، و إن لم يكن له قوم و لو باذلين، حلف هو خمسين مرّة ببراءته و يسقط عنه الدعوى بخلاف ما إذا كان المدّعى عليهم أكثر، ففيه خلاف عندهم فهل على مجموع المدّعى عليهم الحلف خمسين مرّة ببراءتهم أو أن اللازم حلف كلّ منهم خمسين ببراءته اختار الماتن (قدس سره) لزوم اليمين على كلّ منهم بخمسين مرّة كما لو انفرد كلّ منهم في الدعوى عليه و لم يكن له قوم يحلفون فإنّ الدعوى في القرض أيضا متوجّه إلى كلّ منهم.

و على ذلك يقع الكلام في جهتين:

الاولى: إن كان للمدّعى عليه قوم باذلين، حلفوا على براءته عن دعوى القتل عليه، و إن كان عددهم أقلّ أو لم يكن له قوم باذلين أصلا كرّرت عليه عدد القسامة، و لا يكتفى بحلفه خمسين مرّة بنفسه إذا كان له قوم باذلين كما هو الحال في قسامة المدّعى.

و قد يقال: إنّ هذا لا يستفاد من شي‌ء من الروايات، فإنّ ما ورد في رواية أبي بصير من قوله «فإذا ادّعى الرجل على القوم أنّهم قتلوا كانت اليمين لمدّعي الدم قبل المدّعى عليه فعلى المدّعي أن يجي‌ء بخمسين يحلفون أنّ فلانا قتل فلانا فيدفع إليهم الذي حلف عليه، فإن شاءوا عفوا و إن شاءوا قتلوا و إن شاءوا قبلوا الدية و إن لم يقسموا فإن على الذين ادّعى‌

221

كلّ واحد منهم يمينا، و لو كانوا أقلّ من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان حتّى يكملوا العدد.

و لو لم يكن للولي قسامة و لا حلف هو، كان له إحلاف المنكر خمسين

____________

عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا و لا علمنا له قاتلا، فإن فعلوا» الحديث (1).

فإنّ ظاهره كون الحلف على النفي، على الذين ادّعى عليهم لا أنّ المدّعى عليه يحضر من قومه من يحلف معه بخمسين. أضف إلى ذلك انّ في سندها علي بن أبي حمزة.

و لكن هذه المناقشة مورد تأمّل، فإنّ القتل لا يصدر عن خمسين شخص أو أزيد حتّى يكون كلّهم المدّعى عليه في دعوى القتل، فظاهرها دعوى على طائفة أو عشيرة أنّ فلانا منكم قد قتل قتيلنا، و في هذا الفرض يكون حلفهم على النفي، من القوم المدّعى عليهم، و لا يحتمل الفرق بين ذلك و بين أن يدّعى على واحد من غيره و قوم إنّك قتلت قتيلنا و احضر قومه للحف على النفي. نعم سندها ضعيف كما ذكر بل ظاهر صحيحة مسعدة بن زياد أنّ الحلف بخمسين يمينا على المتّهم نفسه حيث ورد فيها «إذا لم يقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم و لم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يمينا باللّه ما قتلناه و لا علمنا له قاتلا ثمّ يؤدّي الدية إلى أولياء القتيل» الحديث (2). و ظاهرها أنّ المباشر للحف بخمسين يمينا هو المتّهم.

و قد يستظهر من صحيحة بريد بن معاوية حيث ورد فيها «و إلّا حلف‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 5: 118.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 6: 115.

222

يمينا إن لم يكن له قسامة من قومه، و إن كان له قوم كان كأحدهم، و لو امتنع عن القسامة، و لم يكن له من يقسم الزم الدعوى و قيل له ردّ اليمين على المدّعي.

____________

المدّعى عليه قسامة خمسين رجلا ما قتلنا و لا علمنا قاتلا و إلّا اغرموا الدية إذا وجدوا قتيلا بين أظهر هم إذا لم يقسم المدّعون» (1)، فإنّه لو كان المباشر بخمسين حلفا نفس المدّعى عليه لكان حلفه بقسامة خمسين رجلا ما قتلت و لا علمت قاتلا، و لكن لا يخفى أنّ المراد من المدّعى عليه المتعدّدون، فمع نكولهم عن هذا الحلف بعدم حلفهم تكون الدية عليهم كما هو ظاهر الصحيحة و هو قوله (عليه السلام) «و إلّا اغرموا الدية» و هذه قرينة على أنّ المراد من المدّعى عليه الجماعة المدّعى عليهم.

و على الجملة، إذا كانت الدعوى القتل عمدا على شخص في مورد اللوث كما هو ظاهر الفرض في مورد قضية الخبر الواردة في الصحيحة لكان نكول المدّعى عليه موجبا لثبوت الدعوى فيترتّب عليه القصاص أو الدية، بخلاف ما إذا لم يكن المدّعى عليهم شخصا معيّنا كما في القتيل في قوم و طائفة فإنّه في الفرض إذا نكل المدّعى عليهم و المتهمين عن الحلف تكون عليهم الدية فقط بخلاف ما إذا حلفوا بقولهم ما قتلناه و لا علمنا قاتلا فإنّه تسقط الدية عنهم.

و ما ورد في صحيحة مسعدة بن زياد في فرض حلفهم من قوله (عليه السلام) «ثم يؤدى الدية إلى أولياء المقتول» (2)، الأداء من بيت المال؛ و لذا لم يقل (ثمّ يؤدّون الدية) على ما تقدّم.

و على الجملة، المستفاد من الروايات أنّه إذا لم يقم في موارد اللوث‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 3: 114.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 6: 115.

223

القسامة في الجروح و الجناية على الأعضاء (1):

و تثبت القسامة في الأعضاء مع التهمة و كم قدرها؟ قيل: خمسون يمينا احتياطا إن كانت الجناية تبلغ الدية و إلّا فبنسبتها من خمسين يمينا، و قال آخرون

____________

المدّعي القسامة على دعواه بعد أن لم تكن له بيّنة عليها و لا المدّعى عليه على نفيها، يحلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلا- أي خمسين يمينا- على نفي الدعوى، و إن نكل لزمه الدعوى من غير حاجة إلى ردّ اليمين إلى المدّعي و لو مرّة؛ لأنّ الردّ لم يثبت في مورد توجّه اليمين إلى المدّعي أوّلا، بل ظاهر ما ورد في مثل صحيحة بريد بن معاوية المتقدمة «و إلّا اغرموا بالدية» كون الموضوع في ثبوت دعوى المدّعي نكول المدعى عليه.

و أمّا الجهة الثانية فإن كانت الدعوى بحيث يتوجه إلى كلّ من المتعدّدين فعلى كلّ منهم قسامة خمسين رجلا فإنّه يستفاد من الروايات انّ المسقط لدعوى القتل في مورد اللوث عن المدّعى عليه قسامة خمسين رجلا، و أمّا إذا لم يتوجّه الدعوى إلى كلّ منهم بأن ادّعى المدعون أنّ قتيلهم قتل بيد أهل هذه البيت أو القرية و نحوها فلا يبعد كفاية خمسين يمينا من مجموعهم، بناء على أنّ هذا النحو من الدعوى مسموعة في موارد اللوث كما هو غير بعيد بملاحظة بعض روايات الباب حتّى يكون عليهم الحلف كذلك بمجرّد وجدان القتيل فيهم.

(1) لا خلاف بين أصحابنا في ثبوت الدعوى على الجناية في الأعضاء و الجروح بالقسامة و المشهور بينهم اعتبار اللوث في ثبوتها بها كما في اعتباره في ثبوت دعوى القتل و المحكي عن الشيخ في مبسوطه عدم اعتبار اللوث في ثبوت الجناية بها على الأعضاء و الجروح كما هو المحكي عن أكثر العامة.

و لعلّ المنشأ في عدم الاعتبار الأخذ بإطلاق ما ورد في صحيحة أبي بصير‌

224

ست أيمان فيما فيه دية النفس و بحسابه من ستّ فيما فيه دون الدية و هي رواية أصلها ظريف.

____________

من قوله (عليه السلام) «و حكم في دمائكم أنّ البيّنة على المدّعى عليه و اليمين على من ادّعى» (1)، و رفع اليد عن إطلاقه باعتبار اللوث في كون اليمين على من ادّعى بما تقدّم في دعوى القتل و أمّا في غير دعواه يؤخذ بالإطلاق.

و لكن لا يخفى أنّ شمول الاطلاق لغير دعوى القتل غير ظاهر و إنّما التزمنا باعتبار القسامة في دعوى الجناية في الأعضاء و الجروح بصحيحة عبد اللّه بن سنان (2) و معتبرة زرارة (3) الواردين في التعليل على اعتبار القسامة. و ظاهرهما اعتبار اللوث في دعوى القتل أو الجناية على الأطراف.

ثمّ يقع الكلام في مقدار القسامة في دعوى الجناية على الأطراف، فعن المفيد و سلّار و ابن ادريس أنّه خمسون يمينا كالنفس إذا كانت الجناية تبلغ ديتها دية النفس كالأنف و الذكر و إلّا فبمقدار نسبة ديتها إلى دية النفس، و قد أطلق البعض و لم يفرّق بين دعوى الجناية على الأطراف عمدا أو خطأ و بعضهم فرّق بين العمد و الخطأ و قال في دعوى الخطأ بمقدار نسبة ديتها من دية النفس خطأ.

و لكن المعروف عن الشيخ و أتباعه و بين المتأخّرين أنّ القسامة في دعوى الجناية على الأطراف ستّ أيمان في الجناية التي ديتها دية النفس و في ما دونها بحساب ديتها من دية النفس، و المستند لذلك رواية ظريف و ما رواه يونس بن عبد الرحمن في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) حيث ورد فيها: «و على‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 4: 115.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 9: 116.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 7: 116.

225

..........

____________

و ما بلغت ديته من الجروح ألف دينار ستة نفر و ما كان دون ذلك فحسابه من ستة نفر و القسامة في النفس و السمع و البصر و العقل و الصوت من الغنن و البحح و نقص اليدين و الرجلين فهو ستّة أجزاء الرجل. تفسير ذلك: إذا اصيب الرجل من هذه الأجزاء الستة و قيس ذلك فإن كان سدس بصره أو سمعه أو كلامه أو غير ذلك حلف هو وحده» الحديث (1).

و ذكر في الجواهر (2) أنّ تفسير ذلك ليس من تتمّة الحديث بل هو إضافة من كلام الكليني (قدس سره).

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ الشيخ (قدس سره) رواها من كتاب علي بن إبراهيم بتلك الاضافة، و على كلّ، ففي ما ورد فيه قبل التفسير المزبور كفاية في الدلالة على ما ذكر كما ذكر ذلك في الجواهر أيضا.

ثم انّه قد ذكر بعض الأصحاب (قدس سرهم) انّ القسامة على الجناية في الأعضاء و الجروح و ان تثبت وقوعها إلّا أنّه لا يترتّب على ثبوتها القصاص فإنّه ليس في البين الدليل على ترتّب القصاص بثبوت الجناية بها.

و صحيحة يونس لا يستفاد منها أزيد من ثبوت الدية بها.

و لكن لا يخفى انّ اختصاص القسامة بثبوت القتل عمدا في ترتّب القود غير ظاهر بل مقتضى صحيحة عبد اللّه بن سنان (3) الواردة في تشريع القسامة ثبوت القود في الأعضاء و الجروح أيضا. قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط يحتاط على الناس لكي إذا رأى‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 2: 120.

(2) جواهر الكلام: 42/ 255.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 9: 116.

226

و يشترط في القسامة علم المقسم (1) و لا يكفي الظنّ و في قبول قسامة الكافر على المسلم تردّد أظهره المنع (2).

____________

الفاجر عدوه فرّ منه مخافة القصاص (1).

غاية الأمر يمكن أن يقال: بأنّ القسامة في الجروح و الأعضاء في غير مورد ثبوت الدية هي حلف خمسين رجلا أو خمسون حلفا كالقسامة في القتل أخذا بما ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان الاخرى قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) «في القسامة خمسون رجلا في العمد، و في الخطأ خمسة و عشرون رجلا، و عليهم أن يحلفوا باللّه» (2) و اللّه العالم.

(1) يمتاز الشهادة عن اليمين بأنّه يعتبر في الشهادة بواقعة حضورها و الحسّ بها فلا يكفي مطلق اليقين و العلم بها و لو بالحدس بخلاف الحلف فإنّه يعتبر فيه العلم بما يحلف عليه و التعبير عن القسامة بالشهادة في بعض الروايات كمعتبرة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشرّ المتّهم فإن شهدوا عليه جازت شهادتهم» (3) بنوع من العناية و في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«لا يحلف الرجل إلّا على علمه» (4)، و نحوها غيرها، و بهذا يظهر أنّه لا يجوز الحلف على الظن.

(2) كما عليه جماعة من الأصحاب قديما و حديثا و ذلك فإنّ مقتضى ما ورد في الدعوى أنّ البيّنة على المدّعى و اليمين على المدّعي عليه و إنّما‌

____________

(1) الوسائل: ج 29، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 9: 116.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 119.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 7: 116.

(4) الوسائل: ج 16، الباب 22 من أبواب الأيمان، الحديث 3: 180.

227

..........

____________

خرجنا عن الاطلاق في دعوى المسلم في القتل و الجرح بما ورد في أنّ الحكم في الدماء أنّ اليمين على المدّعي في دعوى الدم لئلا يبطل دم امرئ مسلم، كما ورد ذلك في موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).

و ورد في صحيحة بريد بن معاوية إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة (2).

و في صحيحة عبد اللّه بن سنان «إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط يحتاط على الناس لكي إذا رأى الفاجر عدوّه فرّ منه مخافة القصاص» (3).

فإنّ ظاهرها حصر وضع القسامة لإثبات السبيل إلى القصاص، فكلّ مورد لا قصاص فيه كما في قتل المسلم الكافر حيث لا يثبت لوليّه الكافر القصاص من المسلم فلا مورد للقسامة. نعم يرفع اليد عن هذا الاطلاق ما لو ثبت في مورد اعتبار القسامة مع عدم ثبوت القصاص في ذلك المورد، كما في دعوى القتل الخطئي على المسلم فيؤخذ بمقتضى الدليل الخاص و يؤخذ في غيره بالإطلاق.

أقول: الروايات الواردة فيها وجه تشريع القسامة ناظرة إلى قسامة المدّعي، و الوجه الوارد فيها من قبيل الحكمة، و لو كان الوجه من قبيل العلّة بحيث يدور ثبوت القسامة مدار وجود ذلك الوجه لما اعتبر القسامة فيما كان دعوى وليّ القتيل الكافر على كافر آخر، مع أنّ ظاهر الماتن و غيره اختصاص عدم القبول بقسامة الكافر على مسلم، و ما ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان «إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط يحتاط على الناس لكي‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 4: 115.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 3: 114.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 9: 116.

228

..........

____________

إذا رأى الفاجر عدوّه فرّ منه مخافة القصاص» (1)، لا يوجب دخول ما ذكرنا من الفرض في اعتبار القسامة فيه؛ لأنّ مثل صحيحة بريد الوارد فيها «إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوّه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به فكفّ عن قتله» (2) أخصّ، بالإضافة إلى صحيحة عبد اللّه بن سنان حيث إنّ مفاد الاولى أنّ ثبوت القصاص في قتل المسلم بالقسامة هو الموجب لتشريعها.

و الأظهر انّ الوارد في هذه الروايات من قبيل الحكمة فلا يدور مورد مشروعيّة القسامة بما إذا لم يكن المقتول كافرا و المدّعى عليه مسلما، و لا بمورد ثبوت القصاص خاصّة دون الدية كما في المثال المتقدّم.

نعم، دلالتها على اعتبار اللوث في مورد اعتبار القسامة و أنّها لا تعتبر مع عدم اللوث تامة. و قد ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ثمّ قال: «سألته عن القسامة كيف كانت فقال: هي حقّ و هي مكتوبة عندنا و لو لا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضا ثمّ لم يكن شي‌ء و إنّما القسامة نجاة للناس» (3).

و في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إنّما جعلت القسامة احتياطا للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلا أو يغتال رجلا حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل» (4)، حيث إنّ ثبوت الدية في ثبوت القتل عمدا‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 9: 116.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 3: 115.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 2: 114.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 114.

229

و لمولى العبد مع اللوث إثبات دعواه بالقسامة (1) و لو كان المدّعى عليه حرّا تمسّكا بعموم الأحاديث.

و يقسم المكاتب في عبده كالحرّ (2).

____________

بالقسامة أيضا يمنع الفاجر عن القتل كما إذا أراد قتل طفل مسلم أو مجنون من المسلمين إلى غير ذلك.

و أمّا ما ورد في صحيحة زرارة من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) للأنصار بعد إبائهم عن الحلف «فيقسم اليهود» (1) فهي قسامة المدّعى عليهم إذا لم يقيمها المدّعون فلا يرتبط بمحلّ الكلام، و اللّه العالم.

(1) قد ظهر الوجه في ذلك و أنّ القسامة تثبت مع اللوث، و حيث إنّ المولى ولي الدم لعبده يكون له إقامة القسامة حتّى فيما إذا كان المدّعى عليه حرّا؛ لما تقدّم من عدم اختصاص القسامة بصورة كون المورد، مورد القصاص.

الثالث في أحكامها:

لو ادّعى على اثنين و له على أحدهما لوث، حلف خمسين يمينا، و يثبت دعواه على ذي اللوث و كان على الآخر يمين واحدة كالدعوى في غير الدم، ثمّ إن أراد قتل ذي اللوث ردّ عليه نصف ديته.

(2) و الوجه في ذلك انّ المكاتب سواء كان مكاتبا مطلقا أو مشروطا كالحرّ بالإضافة إلى كسب المال و تملّكه فيكون بالإضافة إلى عبده كالحرّ بالإضافة إلى عبده، و يثبت له في مورد اللوث في قتل عبده القسامة و لو كان المدّعى عليه حرا.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 3: 117.

230

و لو ارتدّ الولي منع القسامة (1) و لو حالف وقعت موقعها؛ لأنّه لا يمنع الاكتساب و يشكل هذا بما أنّ الارتداد يمنع الارث فيخرج عن الولاية فلا قسامة.

و يشترط في اليمين ذكر القاتل المقتول و الرفع في نسبهما بما يزيل الاحتمال و ذكر الانفراد أو الشركة (2) و نوع القتل. امّا الاعراب فإن كان من أهله كلّف و إلّا قنع بما يعرف معه القصد، و هل يذكر في اليمين أنّ النيّة نية المدّعي قيل نعم دفعا لتوهّم الحالف، و الأشبه أنّه لا يجب.

____________

(1) ظاهر عبارته أنّ الحاكم يمنع الولي المرتد عن إقامة القسامة على دعواه في مورد اللوث، و لكن إذا أقامها ثبتت بها دعواه و بين الحكمين تهافت فإنّ القسامة لو كانت معتبرة من الولي المرتد فلا وجه لمنعه عن إثبات دعواه بها فإنّ المرتدّ الملّي لا يمنع عن اكتساب المال في زمان الإمهال لتوبته و لا تنتقل أمواله إلى ورثته. نعم إذا كان المقتول مسلما و كان زمان القتل مرتدّا فلا حقّ له في إقامة القسامة؛ لأنّ المرتدّ كافر و الكافر لا يرث المسلم فلا دعوى له على الجاني القاتل، و منه يظهر الحال في المرتد الفطري حيث إنّه لو كان ارتداده بعد زمان القتل أيضا فلا دعوى له على الجاني القاتل لانتقال أمواله و حقوقه بالارتداد.

(2) الثابت أن يكون الحلف من الحالف مطابقا لدعوى المدّعي بأن يحلف على وقوع ما يدّعيه المدّعي و إن لم يكن الحلف مطابقا لها فلا أثر للحلف المزبور بأن يدّعي المدّعي وقوع القتل عمدا و يحلف الحالف على القتل خطأ، فإنّ الحلف المزبور لا أثر له بل إن لم يذكر في حلفه القتل عمدا أو ما يفيد معناه فلا أثر له أيضا. و أمّا غير ذلك من الامور فغير معتبر مع صدق أنّه حلف على دعوى المدّعي و إن رفع لفظ الجلالة بواو القسم أو نصبه كما هو ديدن غير المتمكّنين من رعاية الإعراب في كلامهم.

231

[الثالث في أحكامها]

المقصد الثالث في أحكامها لو ادّعى على اثنين و له على أحدهما لوث (1) حلف خمسين يمينا و يثبت دعواه على ذي اللوث و كان على الآخر يمين واحدة كالدعوى في غير الدم ثمّ إن أراد قتل ذي اللوث ردّ عليه نصف ديته.

و لو كان أحد الوليين غائبا و هناك لوث حلف الحاضر (2) خمسين يمينا و يثبت حقّه و لم يجب الارتقاب و لو حضر الغائب حلف بقدر نصيبه و هو خمس و عشرون يمينا و كذا لو كان أحدهما صغيرا.

____________

(1) و ذلك فإنّ ثبوت اللوث بالإضافة إلى دعواه إلى أحدهما دون الآخر يوجب الاختلاف في مثبت دعواه بالإضافة إلى كلّ منهما.

و على الجملة، غير مورد اللوث باق تحت قولهم (عليهم السلام) «البينة على المدّعي و اليمين على من ادّعى عليه» ثم انّ الولي إذا أراد قتل ذي اللوث دفع إليه نصف الدية لاعترافه بأنّه أحد القاتلين و كذا إذا أراد قتل الآخر إذا ثبت عليه القتل عمدا باليمين المردودة.

(2) و لو كان للقتيل وليّان أحدهما حاضر و الآخر غائب، و ادّعى الحاضر على شخص أنّه القاتل في مورد اللوث كما هو الفرض، و كان دعواه القتل عمدا، فإن جاء بالقسامة مع عدم البيّنة للمدّعى عليه ثبت له حقّ القود. و لو حضر الغائب و كان حضوره بعد القصاص من المدّعى عليه و رضائه بالقصاص فلا شي‌ء له، و إن لم يرض بالقصاص و طالب بالدية فعلى الولي الحاضر دفع نصف الدية إليه لاعترافه باستحقاقه عليه نصف الدية.

و أمّا إذا كان حضوره قبل أخذ الحاضر بالقصاص بأن أخذ من المدّعى عليه نصف الدّية فإن أراد الغائب القصاص منه أو أخذ الدية أيضا فهل‌

232

..........

____________

يحتاج إلى إقامة القسامة، و على تقدير إقامتها فهل قسامته خمسون أو خمسة و عشرون؟

الظاهر عدم الحاجة إلى القسامة إذا كانت قسامة الحاضر خمسين رجلا و حلف كلّ منهما على دعواه فإنّ القسامة بمنزلة إقامة أحد الوليين البيّنة على المدّعى عليه في كفايته بالإضافة إلى الولي الآخر أيضا. و أمّا إذا كانت قسامة الحاضر خمسين حلفا، فعلى الغائب بعد حضوره الحلف بخمسة و عشرين حلفا؛ لأنّ القسامة بخمسين حلفا لم يثبت كونها قسامة معتبرة إلّا بالإجماع و التسالم، و المتيقّن من التسالم كفايتها في حقّ المباشر بالحلف فقط، فيكون على الغائب الحلف بخمس و عشرين حلفا كما هو مقتضى تقسيط الحلف على المدّعين مع عدم الحالف لهم.

و مما ذكر يظهر الحال فيما كان دعوى الحاضر على الجاني القتل خطأ حيث إنّه يحلف بخمسة و عشرين و يأخذ نصف الدية فيكون الغائب على حجته على نحو ما ذكر.

و ما في عبارة الماتن من أنّ الغائب إذا حضر يحلف بقدر نصيبه. ففي اطلاقه منع كما بيّنا من الصور المفروضة في المسألة.

و يجي‌ء فرض الصور فيما إذا كان أحد الوليين كبيرا و الآخر صغيرا و ادّعى الكبير على شخص أنّه القاتل إن لم يقم وليّ الصغير بالدعوى، أو قلنا بعدم نفوذ إقامته الدعوى التي يثبتها الحلف؛ لأنّه من الحلف في حقّ الغير.

و يمكن أن يقال بأنّ على الغائب إذا حضر بعد القصاص أو قبله و طالب بالدية يكون عليه الحلف بخمسة و عشرين، حيث انّ المطالب منه‌

233

و لو أكذب أحد الوليين صاحبه لم يقدح ذلك في اللوث (1) و حلف لإثبات حقّه خمسين يمينا و إذا مات الولي قام و إرثه مقامه (2) و لو ماث أثناء الأيمان قال الشيخ يستأنف الإيمان؛ لأنّه لو أتمّ لا يثبت حقّه بيمين غيره.

____________

نصف الدية هو ورثة الجاني إذا كان حضوره بعد القصاص و اعتراف الحاضر باستحقاقه نصف الدية لا يعدّ إقرارا على النفس، حيث إنّ اللازم على الحاضر دفع نصف الدية عند قصاصه إلى الجاني أو ورثته لا إلى الولي الآخر. فالولي الآخر يستحقّ نصف الدية عند مطالبتها على ورثة الجاني لا على الولي الذي أخذ بالقصاص، كما لا يخفى.

(1) المراد أنّه إذا ادّعى أحد الوليين في مورد اللوث القتل على أحد و قال الولي الآخر أنّه ليس قاتلا سواء ادّعى أنّ القاتل غيره أو قال أنّه ليس بقاتل فإنّ تكذيبه صاحبه في دعواه لا يبطل اللوث بالإضافة إلى المدّعى عليه فيكون للمدّعي إثبات كون القاتل هو بالقسامة، غاية الأمر يكون تكذيب الولي الآخر من قبيل عدم دعواه على المدّعى عليه، فيكون إثبات الولي المدّعى دعواه بخمسين رجلا أو خمسين حلفا؛ لأنّ دعوى القتل عمدا في مورد اللوث يثبت بذلك.

(2) و ذلك لانتقال حقّ الدعوى إليهم كما في ساير الحقوق التي ينتقل إلى الوارث و لكونهم أولياء الدم بعد موت مورّثهم و على ذلك ففي مورد اللوث كما هو الفرض يقيمون القسامة على دعواهم على المدعى عليه و كذا إذا مات مورّثهم أثناء الأيمان من القسامة، حيث يتعيّن على القسامة استيناف الأيمان؛ لأنّ على المدّعى إثبات دعواه بالقسامة و المدّعي بعد موت المورّث هم الورثة و يكون عليهم الإتيان بالقسامة بعد دعواهم على المدّعى عليه حيث إنّ الإتيان بالقسامة وظيفة المدّعي و ما نقل عن الشيخ من التعليل‌

234

[مسائل]

مسائل الاولى: لو حلف مع اللوث و استوفى الدية ثمّ شهد اثنان انّه كان غائبا في حال القتل غيبة لا يقدر معها القتل بطلت القسامة و استعيدت الدية (1).

____________

بأنّه لا يثبت حقّ الوارث بيمين غيره لا يخلو عن المناقشة، فإنّه يمكن أن لا يكون بعض القسامة أو جلّها مدّعيا، و مع ذلك يثبت دعوى المدّعي بيمينهم.

و الصحيح ما ذكرنا من أنّ الوارث لم يكن مدّعيا حال حياة المورّث و بعد موته و دعواه على المدّعى عليه فعليه إقامة القسامة على دعواه.

(1) لأنّ اعتبار القسامة معلّق على عدم البيّنة للمدّعى عليه على نفي الدعوى، و إذا قامت البيّنة بذلك تبطل القسامة التي كانت مستند الاثبات، و عليه فإن أخذ المدّعي الدّية فعليه ردّها على المدّعى عليه.

و كذا إذا كان ذلك بعد الاقتصاص بالقسامة ما لم يعترف أنّه كذب في دعواه، حيث يحسب اقتصاصه من القتل من غير تعمّد، و إذا اعترف بأنّه كاذب في دعواه يؤخذ بالقصاص.

و ما ورد في عدم سماع البيّنة بعد الحلف هو بيّنة المدّعي، فإن أقامها بعد رضاه بيمين المنكر فلا تسمع و لا يفيد إقامتها بعد يمينه و لا يجري ذلك في المقام كما لا يخفى.

نعم لو لم يقم المدّعي في المقام البيّنة أو القسامة بدعواه و رضي بيمين المدّعى عليه و قسامته فلا يسمع منه البيّنة أو القسامة على دعواه أخذا بإطلاق قوله (عليه السلام): «ذهبت اليمين بدعوى المدّعي و لا دعوى له».

235

الثانية: لو حلف و استوفى الدية ثمّ قال هذه حرام فإن فسّره بكذبه في اليمين استعيدت منه (1) و إن فسّره بأنّه لا يرى القسامة لم يعترضه و إن فسّر بأنّ الدية ليست ملكا للباذل فإن عيّن المالك الزم دفعها إليه، و لا يرجع على القاتل بمجرّد قوله، و إن لم يعيّنه اقرّت في يده.

الثالثة: لو استوفى بالقسامة و قال آخر أنا قتلته منفردا قال في الخلاف: كان الولي بالخيار (2). و في المبسوط ليس له ذلك؛ لأنّه لا يقسم إلّا مع العلم فهو مكذوب للمقر.

____________

(1) أخذا عليه بإقراره بخلاف ما إذا فسّره بأنّه لا يرى القسامة مثبتة لدعواه على مذهبه فإن الحاكم حيث يرى استحقاقه بها لا يستردّها منه.

و لكن يمكن أن يقال فيمن لا يرى على مذهبه الدية بالقسامة بأنّ على المدّعى عليه إلزامه بالاسترداد إلزاما له بما التزموا به على مذهبهم.

نعم لو لم يكن في البين مورد لقاعدة الإلزام كما إذا فسّر بأنّ الدية ليست ملكا لباذلها يؤخذ بإقراره فيما إذا عيّن مالكها و يلزم بردّها عليه، و لا يكون له الرجوع إلى القاتل بمطالبة الدية منه لنفوذ إقراره على نفسه لا على على القاتل و لو لم يعيّن المالك فللحاكم إبقائها في يده إذا كان هو أو معطيها من أهل الصدقة في المال المجهول مالكه.

(2) إذا ادّعى على الغير في مورد اللوث و أقام القسامة على كونه القاتل سواء أخذ منه الدية أو لم يأخذها ثمّ أقرّ شخص بأنّه القاتل منفردا لا يجوز للمدّعي الأخذ على المقرّ بإقراره بأن يأخذ الدية منه لأنّ دعواه على المدّعى عليه إقرار بأنّه لا يستحقّ على المقرّ.

و ما ذكر الشيخ (قدس سره) من كونه مخيّرا في أخذ الدية من أيّ منهما‌

236

الرابعة: إذا اتّهم و التمس الولي حبسه حتّى يحضر بيّنة ففي إجابته تردّد، و مستند الجواز ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).

____________

لا يمكن المساعدة عليه، و لو صدّق المقرّ في إقراره لا يجوز له أخذ الدية من المدّعى عليه أيضا و إن استوفاها منه قبل ذلك تستردّ منه؛ لأنّ تصديقه يعتبر إقرارا بأنّه لا يستحقّ الدية من المدّعى عليه و تكذيب لقسامته التي أقامها.

(1) روى الشيخ بأسانيده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يحبس في تهمة الدم ستة أيام فإن جاء أولياء الدم بثبت و إلّا خلّي سبيله» (1).

و ناقش الماتن في الرواية بالسكوني مع أنّ الشيخ (قدس سره) وثّقه في العدّة، و يظهر من كلامه أنّه لا ضعف في الرواية بالنوفلي مع أنّه لم يوثّق، و قد ذكر أنّه لا يبعد كونه من المعاريف الذين لم يرد فيهم قدح و مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين التماس المدّعي و عدمه و يمكن دعوى عدم اختصاصها بدعوى لقتل بل يجري في دعوى الجراح أيضا و لكن ما ورد فيها من قوله (عليه السلام) حاكيا عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) فإن جاء أولياء الدم بثبت ظاهره دعوى القتل دون الجراح.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 9 من أبواب دعوى القتل و ما يثبت به، الحديث 1: 121.

237

[الفصل الرابع في كيفية الاستيفاء]

الفصل الرابع في كيفية الاستيفاء قتل العمد يوجب القصاص (1) لا الدية فلو عفى الولي على مال لم يسقط القود و لم تثبت الدية إلّا مع رضاء الجاني، و لو عفى و لم يشترط المال سقط القود و لم تثبت الدية و لو بذل الجاني القود لم يكن للولي غيره.

____________

(1) لا خلاف في ثبوت القصاص في القتل متعمّدا و المشهور بين الأصحاب بل المنفي عنه الخلاف ثبوته لولي الدم على نحو التعيين لا على نحو التخيير بينه و بين الدية فلا تثبت الدية إلّا مع رضاء الجاني إذا عفى الولي على شرط المال سواء كان بمقدار الدية أو الأقل أو الأكثر و إذا لم يرض الجاني لم يسقط حقّ القصاص و لم يثبت لوليّ الدم المال حتّى ما لو كان بمقدار الدية.

و يدلّ على ذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: من قتل مؤمنا متعمدا قيد منه إلّا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية فإن رضوا بالدية و أحبّ ذلك القاتل فالدية» (1).

فإنّ مقتضى تقييد نفوذ رضاء أولياء المقتول في أخذ الدية بحبّ الجاني اعتبار رضاه في الانتقال إلى الدية.

و المنسوب إلى العماني و الاسكافي تخيير الولي بين القصاص و أخذ الدية مع عدم عفوه.

و يستظهر ذلك من روايات:

و هي صحيحة عبد اللّه بن سنان و ابن بكير جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب ديات النفس، الحديث 9: 144.

238

..........

____________

قال: «سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّدا ... إلى أن قال، فقال: إن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبه فإن عفو عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستين مسكينا توبة إلى اللّه عز و جل» (1).

و صحيحته الاخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه سئل عن رجل قتل مؤمنا متعمدا و هو يعلم أنّه مؤمن غير أنّه حمله الغضب على أنّه قتله هل له من توبة إن أراد ذلك أو لا توبة له قال توبته إن لم يعلم انطلق إلى أوليائه فأعلمهم أنّه قتله فإن عفى عنه أعطاهم الدية و اعتق رقبة و صام شهرين متتابعين و تصدّق على ستين مسكينا» (2).

و وجه الاستظهار أنّه إذا وجب على الجاني إعطاء الدية مع عفو الولي أو الأولياء عن القصاص فلا محالة يكون مطالبتهم الجاني بالدية و إغماضهم عن القصاص حقّا لهم عليه و نحوهما رواية أبي بكر الحضرمي قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل قتل رجلا متعمّدا، قال: جزاءه جهنّم، قال قلت له: هل له من توبة؟ قال: نعم، يصوم شهرين متتابعين و يطعم ستين مسكينا و يعتق رقبة و يؤدّي ديته، قال قلت: لا يقبلون منه الدية، قال: يتزوّج إليهم ثم يجعلها صلة يصلهم بها، قال قلت: لا يقبلون منه و لا يزوّجونه، قال: يصرّه صررا يرمي بها في دارهم» (3)، و وجه‌

____________

(1) الوسائل: ج 15، الباب 28 من أبواب الكفارات، الحديث 1.

(2) الوسائل: ج 15، الباب 28 من أبواب الكفارات، الحديث 3.

(3) الوسائل: ج 15، الباب 28 من أبواب الكفارات، الحديث 4.

239

..........

____________

الاستظهار ما تقدّم.

و في النبوي: «من قتل له قتيلا فهو مخيّر بين النظرين إمّا أن يفدي أو يقتل» (1).

و في النبوي الآخر: «من اصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث إمّا أن يقتصّ أو يأخذ العقل أو يعفو» (2).

و لكن لا يخفى أنّ النبويين لا يمكن الاعتماد عليهما، و كذلك رواية أبي بكر الحضرمي مع أنّ مدلولها وجوب إعطاء الدية حتّى مع امتناع ولي الدم عن أخذها، فضلا عن عدم مطالبته بها.

و يمكن أن يقال: إنّ صحيحة عبد اللّه بن سنان الاولى المذكورة دليلا على القول المشهور تعدّ قرينة على أنّ إعطاء الجاني مع العفو عن القصاص مقيّد في الصحيحتين الأخيرتين بصورة التراضي، و مع عدم إمكان هذا التقييد تقدّم الصحيحة الاخرى؛ لموافقتها لظاهر الكتاب المجيد (3).

حيث إنّ ظاهرها أنّ المجعول للولي في مورد القتل متعمّدا الولاية على القصاص الذي هو النفس بِالنَّفْسِ؛ و لذا لو عفى الولي عن القصاص على شرط المال لم يسقط القصاص و لم تثبت الدية، كما أنّه لو عفى عن القصاص و لم يشترط المال سقط حقّ القصاص و لم يكن له المطالبة بالدية.

____________

(1) سنن البيهقي: 8/ 52.

(2) سنن البيهقي: 8/ 53.

(3) سورة المائدة الآية 45.

240

و لو طلب الدية فبذلها الجاني صحّ و لو امتنع لم يجبر (1)، و لو لم يرض الولي بالدية جاز المفاداة بالزيادة.

____________

(1) و لكن قد يقال إذا اختار الولي الدية يجب على الجاني دفعها و ليس له الامتناع إلّا من بذل نفسه للقصاص، حيث يجب عليه حفظ نفسه الموقوف على بذل الدية أو حتى فيما إذا طلب الولي بالزائد عليها. هذا مع تمكّنه على بذلها أو بذل الزائد عليها.

و فيه: انّ وجوب حفظ النفس إذا كان متعلّقا لحقّ الغير غير ثابت؛ و لذا يجب تسليم نفسه إلى الولي إذا أراد التوبة حتّى مع علمه بأنّه يأخذ القصاص منه.

و على تقدير القول بوجوب حفظ نفسه مع تمكّنه على أداء الدية أو حتى الزائد عليها لا يكون هذا الوجوب معيّنا لحقّ الولي و تخييره بين القصاص أو أخذ الدية بحيث لو امتنع الجاني عن إعطاء المال مع مطالبة الوليّ يجوز للولي المقاصّة من مال الجاني أو يتصدّى الحاكم لإعطائها من أمواله. نعم إذا لم يمكن للوليّ الاقتصاص أو توقّف الاقتصاص على ردّ الدّية يكون للولي المطالبة بالدية.

و يدلّ على الانتقال إلى الدية في الأوّل صحيحة ابن أبي نصر عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل قتل رجلا عمدا ثمّ فرّ فلم يقدر عليه حتّى مات قال:

إن كان له مال اخذ و إلّا اخذ من الأقرب فالأقرب» (1).

و موثقة أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل رجلا متعمّدا ثمّ هرب القاتل فلم يقدر عليه قال: إن كان له مال اخذت الدية من‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 4 من أبواب العاقلة، الحديث 3: 303.

241

و لا يقضى بالقصاص ما لم يتقين التلف بالجناية و مع الاشتباه يقتصر على القصاص في الجناية (1) لا في النفس. و يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج و الزوجة (2)

____________

ماله و إلّا فمن الأقرب فالأقرب و إن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم» (1)، و مقتضاه أنّه مع عدم المال تؤخذ الدية من عاقلته و مع عدمها يتحمل الإمام و يؤدّي من بيت المال.

و الروايتان و إن كانتا واردتين في موت الجاني و هربه من القصاص إلّا أنّ الانتقال إلى الدية حكم لعدم إمكان القصاص، و لو كان من غير جهتي الفرار و الموت كما هو مقتضى تفريع عدم التمكّن من القصاص على فراره.

أضف إلى ذلك مقتضى التعليل الجاري في جميع موارد عدم التمكّن، و لو كان عدمه شرعا كما في قتل الوالد ولده متعمدا فإنّه يتعيّن حقّ وليّ الدم في الدّية، و أمّا كون وليّ الدم مخيّرا بين القصاص مع ردّ الدية أو أخذ الدية فيدلّ عليه ما ورد في قتل الرجل المرأة متعمّدا على ما تقدّم تفصيله، و فيما إذا عفى بعض الأولياء عن الجاني و فيما إذا اشترك اثنان في قتل واحد و فيما إذا كان الجاني قد أخذ على الجناية على عضوه دية أو ذهب عضوه قصاصا ثمّ قتل آخر عمدا.

(1) فإنّ استناد قتل النفس إلى الجارح إنّما يكون بسراية الجرح و استناد تلف النفس إليه، و إذا لم يحرز ذلك بالبيّنة العادلة و إقرار الجاني يكون مقتضى الاستصحاب عدم كون التلف مستندا إلى الجرح فيؤخذ القصاص في الجناية أو يؤخذ فيها بالأرش على ما يأتي.

(2) الظاهر أنّ عدم إرث الزوج أو الزوجة حقّ القصاص مجمع عليه‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 4 من أبواب العاقلة، الحديث 1: 302.

242

فإنّ لهما نصيبهما من الدية في عمد أو خطأ، و قيل: لا يرث القصاص إلّا العصبة دون الاخوة و الأخوات من الام و من يتقرّب بها و هو الأظهر. و قيل: ليس للنساء

____________

بين الأصحاب. نعم، إذا ثبت الدية أصلا أو صلحا يكونان كبقية الوارث بحسب سهامهما ثمنا أو ربعا.

و عن جماعة من أصحابنا قديما و حديثا أنّه يرث القصاص من يرث المال غير ما قلنا من استثناء الزوج و الزوجة كما نقل ذلك عن الشيخ في المبسوط و ابن ادريس في السرائر في موضع منها.

و عن العلّامة و الشهيد و عن الأصحاب من استثنى ممن يرث المال الاخوة و الأخوات و غيرهما ممن يتقرّب إلى المقتول من طرف الام، و إلى ذلك أشار الماتن (قدس سره) بقوله: و قيل لا يرث القصاص إلّا العصبة دون الاخوة و الأخوات من الام و ممن يتقرّب بها و هو الأظهر.

و عن بعض الأصحاب قول آخر و هو انّ النساء لا يرثن من حقّ القصاص أصلا و إلى ذلك أيضا أشار الماتن بقوله و قيل ليس للنساء عفو و لا قود.

و مستند هذا موثقة أبي العباس البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«قلت للنساء قود أو عفو قال: لا، ذلك للعصبة» (1).

قال الشيخ (قدس سره) يعد روايتها بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال قال علي بن الحسن: هذا خلاف ما عليه أصحابنا، و ذكر في الوسائل بعد نقلها: هذا محمول على التقيّة.

و قد يقال: إنّما تحمل الرواية على التقيّة في مورد المعارضة و ليس في البين ما يدلّ على ثبوت القود للام أو النساء من العصبة حتّى تحمل الموثقة‌

____________

(1) الوسائل: ج 17، الباب 8 من أبواب موجبات الارث، الحديث 6: 432.

243

عفو و لا قود (على الأشبه خ ل).

____________

على التقيّة، و إنّما الموجود في مقابلها الاطلاق كما في الآية المباركة وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً (1) المقتضي لثبوت حقّ القصاص للنساء أيضا، و يرفع اليد عنه بالموثقة الدالّة على كون المراد بالولي ذكور الورّاث من النسب و عدم ثبوته للنساء.

و دعوى انّ الموثقة معرض عنها لقول علي بن الحسن بن فضال: هذا خلاف ما عليه أصحابنا، لا يمكن المساعدة عليها؛ فإنّه لم يثبت الاعراض الموهن، خصوصا بملاحظة ما ذكره البعض من أنّ النساء لا يرثن من الدية، فإنّه إذا لم يكن لهنّ الارث من الدية فمن القصاص بالأولوية.

و قد يقال: ما ثبت بالروايات كما يأتي أنّ المتقرّب بالام لا يرث من الدية سواء كان ذكرا أم انثى و يتعدّى منه إلى القصاص أيضا، فإنّ المتقرب بها إذا لم ترث من الدية فمن القصاص أولى، و أمّا الاناث من المتقرّبات إليه بالأب أو نفس الام فيمكن استظهار أنّهنّ يرثن بقدر سهامهنّ من حقّ القصاص مضافا إلى إطلاق مثل الآية من صحيحة أبي ولّاد الحنّاط، قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل و له أم و أب و ابن، فقال الابن: أنا اريد أن أقتل قاتل أبي، و قال الأب: أنا اريد أن أعفو، و قالت الام: أنا اريد أن آخذ الدية، قال فقال: فليعط الابن أمّ المقتول السدس من الدية و يعطي ورثة القاتل السدس من الدية حقّ الأب الذي عفا و ليقتله» (2).

و وجه الاستظهار انّ ثلث الدية الذي يعطيه الابن دية الجاني لا دية أبيه حتّى يرثها بمقدار حصّته من دية ابنها المقتول فحكمه (عليه السلام) بأنّها تأخذ سدس‌

____________

(1) سورة الاسراء: الآية 33.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 52 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 83.

244

و كذا يرث الدية من يرث المال و البحث فيه كالأول غير انّ الزوج و الزوجة يرثان من الدية على التقديرات (1).

____________

الدية عفو عن حقّ قصاصها على الدية، و لو لم يكن لها حقّ القصاص لم يكن يستحقّ الأخذ من دية الجاني سدس الدية لأنّها لا تستحقّ من دية ابنها المقتول إلّا إذا صولح القصاص بالدية إذا لم يكن للام حقّ القصاص، و المفروض أنّ أب المقتول و ابنه لم يصالحا حقّ القصاص بالدية بل أسقط أحدهما حقّه قصاصا و دية، و الثاني استوفى حقّ القصاص. و بتعبير آخر:

لم يثبت في الفرض الدية للمقتول على الجاني أصالة، و إلّا لم يكن مورد القصاص من الابن كما أنها لم يثبت على الجاني صلحا لأنّ أب الميت عفى القاتل من القصاص و الدية، و الابن أراد القصاص فما تعطى لام الميّت عوض عن حقّ قصاصها الذي عفته و طالبته بالدية، فيكون الابن ضامنا لها كما يضمن لورثة الجاني عفو الأب قصاصا و دية. فهذه الصحيحة- على تقدير دلالة معتبرة أبي العباس- معارضة لها في جهة الام و لا مجال للجواب عن المعارضة بأنّ عدم ثبوت حقّ القصاص للام لا ينافي حقّها في الدية. نعم يمكن دعوى اختصاصها بالام و يؤخذ في غيرها بدلالة المعتبرة.

(1) لا ينبغي التأمّل في أنّ المتقرّب بالامّ إلى المقتول لا يرث الدية من غير فرق بين الذكور و الاناث كالاخوة و الأخوات للمقتول من أمّه، و يدلّ على ذلك صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قضى عليّ (عليه السلام) في دية المقتول أنّه يرثها الورثة على كتاب اللّه و سهامهم إذا لم يكن على المقتول دين إلّا الاخوة و الأخوات من الامّ، فإنّهم لا يرثون من ديته شيئا» (1).

____________

(1) الوسائل: ج 17، الباب 10 من أبواب موانع الارث، الحديث 1: 393.

245

..........

____________

و صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الدّية يرثها الورثة إلّا الاخوة و الأخوات من الام فإنّهم لا يرثون من الدّية شيئا» (1).

و صحيحة محمد بن قيس على الأظهر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال:

«الدية يرثها الورثة على فرائض الميراث إلّا الاخوة من الام فإنّهم لا يرثون من الدية شيئا» (2).

و معتبرة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يرث الاخوة من الام من الدية شيئا» (3).

و الروايات و إن ذكرت فيها الاخوة و الأخوات إلّا أنّه يلحق بهما ساير الأقرباء من طرف الام؛ لعدم احتمال الفرق إن لم يكن الإلحاق بالفحوى.

نعم، نفس الام ترث من دية ولدها المقتول؛ لأنّ إرثها الدية- مضافا إلى أنّه مقتضى الاطلاق في حساب الدية من تركته- مستفاد من موثقة سماعة، قال: «سألته عن رجل ضرب ابنته و هي حبلى فأسقطت سقطا ميتا فاستعدى زوج المرأة عليه فقالت المرأة لزوجها: إن كان لهذا السقط دية ولي فيه ميراث فإنّ ميراثي فيه لأبي، قال: لا يجوز لأبيها ما وهبت له» (4).

و على الجملة، تستحقّ الام الدية و إن بنى على عدم حقّ القصاص للنساء و منهن الام على ما تقدّم في معتبرة أبي العباس البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال‌

____________

(1) الوسائل: ج 17، الباب 10 من أبواب موانع الارث، الحديث 2: 393.

(2) الوسائل: ج 17، الباب 10 من أبواب موانع الارث، الحديث 4: 393.

(3) الوسائل: ج 17، الباب 10 من أبواب موانع الارث، الحديث 5: 394.

(4) الوسائل: ج 17، الباب 10 من أبواب موانع الارث، الحديث 7: 395.

246

..........

____________

«قلت: هل للنساء قود أو عفو قال: لا و ذلك للعصبة» (1)، و المراد من العصبة الذكور المتقرّب إلى الميت من ولده أو من طرف أبيه.

و كذا الحال في الزوج و الزوجة، فإنّه لا يرث القصاص أحدهما إذا قتل الآخر، و لكن يرث أحدهما من دية الآخر كما يشهد لذلك موثقة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أيّما امرأة طلّقت فمات عنها زوجها قبل أن تنقضي عدّتها فإنّها ترثه ثمّ تعتدّ عدّة المتوفى عنها زوجها، و إن توفيت في عدّتها ورثها، و إن قتلت ورث من ديتها، و إن قتل ورثت من ديته ما لم يقتل أحدهما الآخر» (2).

و مثلها موثقة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طلّق امرأته واحدة ثمّ توفّى عنها و هي في عدّتها قال: ترثه ثمّ تعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها، و إن ماتت ورثها، فإن قتل أو قتلت و هي في عدّتها ورث كلّ واحد منهما من دية صاحبه» (3).

و أمّا ما ورد في موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه: «أنّ عليّا (عليه السلام) كان لا يورّث المرأة من دية زوجها شيئا و لا يورّث الرجل من دية امرأته شيئا و لا الاخوة من الام من الدية شيئا» (4) فتحمل على التقية في مقام المعارضة لو لم يمكن حملها على صورة قتل أحدهما صاحبه، و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل: ج 17، الباب 8 من أبواب موجبات الارث، الحديث 6: 432.

(2) الوسائل: ج 17، الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 8: 531.

(3) الوسائل: ج 17، الباب 13 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 9: 532.

(4) الوسائل: ج 17، الباب 11 من أبواب موانع الارث، الحديث 4: 396.

247

و إذا كان الولي واحدا جاز له المبادرة (1) و الأولى توقّفه على إذن الإمام، و قيل: تحرم المبادرة و يعزّر لو بادر، و تتأكّد الكراهة في قصاص الطرف، و إن كانوا جماعة لم يجز الاستيفاء إلّا بعد الاجتماع، أمّا بالوكالة أو بالاذن لواحد (2). و قال الشيخ (رحمه اللّه) يجوز لكلّ منهم المبادرة و لا يتوقّف على إذن الآخر، و لكن يضمن حصص من لم يأذن.

____________

(1) و ذلك فإنّ جواز المبادرة بعد ثبوت حقّ القصاص مقتضى سلطنة ولي المقتول، و القصاص لا يدخل في الحدود التي تكون بيد الإمام (عليه السلام) أو من نصبه خاصّا أو عاما، على ما تقدّم في بحث الحدود، و نسب جواز المبادرة إلى أكثر الأصحاب أو أكثر المتأخرين.

و عن جماعة اعتبار الاستيذان فلا تجوز المبادرة إليه، فإن بادر فعل حراما؛ و لذلك يعزّر و ربما قيل يشير إلى عدم الجواز رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل و لا جراحة» (1).

و لكن لا يخفى مع أنّ في سندها محمد بن عبد اللّه بن هلال مقتضى التقييد فيها أنّه لو لا أمر الإمام يثبت علي ولي الدم الدية، و لم يلتزم و لا يمكن الالتزام به، و المراد بأمر الإمام أن يثبت حقّ الاقتصاص للمستوفى عند الإمام. نعم لا بأس بالالتزام بأنّ الاحتياط استحبابا الاستيذان خروجا عن الخلاف في مقام الاستيفاء.

(2) يقع الكلام في المقام في أنّ مع تعدّد أولياء الدم يثبت لمجموعهم حقّ واحد قائم بالمجموع بما هو مجموع، بحيث لو عفى واحد منهم سقط‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 8: 47.

248

..........

____________

حقّ القصاص عن الجميع، نظير إرث الخيار في البيع و نحوه، حيث يسقط بإسقاط البعض أو أنّ حقّ القصاص ثابت لعنوان وليّ الميت بنحو صرف الوجود أو بنحو الانحلال فإن كان بنحو صرف الوجود يكون كالأوّل في سقوطه و لو بإسقاط واحد منهم أو بنحو الانحلال فلا يسقط عن الآخرين بإسقاط البعض؟

الأظهر في المقام كونه بنحو الانحلال، و لا يقاس بحقّ الخيار، فإنّ الخيار المنتقل إلى الورثة هو الخيار الثابت لمورثهم، و هو حقّ واحد لا يتبعّض، فإن اجتمعوا على الفسخ انفسخت المعاملة و إلّا تنفذ بخلاف حقّ القصاص فإنّه ثابت لولي الدم ابتداء، غاية الأمر يحتمل ابتداء لحاظه بنحو صرف الوجود، و لكن المستفاد من صحيحة أبي ولّاد الحنّاط كونه بنحو الانحلال، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل و له أم و أب و ابن فقال الابن: أنا اريد أن أقتل قاتل أبي، و قال الأب: أنا اريد أن أعفو، و قالت الام: أنا اريد أن آخذ الدّية، قال: فقال: فليعط الابن أمّ المقتول السدس من الدية، و يعطي ورثة القاتل السدس من الدية حقّ الأب الذي عفى و ليقتله» (1)، و يستفاد منها أيضا ضمان المستوفي حصّة الآخر من الدية إذا لم يعفو حتّى عن الدية، و مع العفو عنها يضمن لورثة الجاني.

أضف إلى ذلك أنّه لو كان حقّ القصاص ثابتا للمجموع أو بصرف وجود الوارث أنّه لو قتل الجاني أحد الورثة مستقلا فاللازم أن يتعلّق عليه القصاص على الأول و أن يسقط حقّ القصاص بعفو واحد من الورثة ابتداء عليهما.

____________

(1) (3) الوسائل: ج 19، الباب 52 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 83.

249

..........

____________

لا يقال: لا بأس بالالتزام بسقوط القصاص عن الجاني بعفو أحد الورّاث و لو مع عدم رضاء الباقين، كيف؟ و قد يدلّ عليه صحيحة عبد الرحمن في حديث قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجلان قتلا رجلا عمدا و له وليّان فعفا أحد الوليين قال فقال: إذا عفا بعض الأولياء درئ عنهما القتل و طرح منهما من الدية بقدر حصّة من عفا و أدّى الباقي من أموالهما إلى الذين لم يعفوا» (1).

و صحيحة أبي مريم الأنصاري، أو حسنته، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن عفا من ذي سهم فإنّ عفوه جائز و قضى في أربعة اخوة عفا أحدهم قال: يعطى بقيّتهم الدية، و يرفع عنهم بحصّة الذي عفا» (2).

و في رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجلين قتلا رجلا عمدا و له وليّان فعفا أحد الوليّين فقال: إذا عفا عنهما بعض الأولياء درئ عنهما القتل و طرح عنهما من الدية بقدر حصّة من عفا و أدّى الباقي من أموالهما إلى الذي لم يعف» (3).

و في رواية غياث بن كلوب عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه «أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول من عفا عن الدم من ذي سهم له فيه فعفوه جائز و سقط الدم و تصير دية و يرفع عنه حصّة الذي عفا» (4).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 54 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 85.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 54 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 85.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 54 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 86.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 54 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4: 85.

250

..........

____________

و هذه الأخبار و إن كانت ظاهرة في سقوط حقّ القصاص عن الباقين بعفو بعض الورثة عن القصاص، و لكن لا دلالة لها على عدم جواز القصاص مستقلا قبل عفو بعض الورثة بأن يعتبر في جواز القصاص اجتماع الورثة عليه كما هو ظاهر الماتن و المحكي عن العلّامة و الشهيدين و الفاضل المقداد و الأردبيلي و الكاشاني، و مع ذلك لا بدّ من رفع اليد عن هذه الأخبار و الأخذ بصحيحة أبي ولّاد الحنّاط المتقدّمة الظاهر في انحلال حقّ القصاص و أنّه يتعلّق على من أخذ بالقصاص إعطاء حصّة ساير الورثة من الدية إذا عفوا عن القصاص خاصة، و ذلك فإنّه موافقة لظاهر الآية المباركة الدالّة على جعل السلطان لولي المقتول ظلما حتّى و إن عفى بعض الولي عنه.

أضف إلى ذلك أنّ السقوط مذهب معظم العامّة كما أنّ المشهور عند أصحابنا أو مذهب الأكثر من أصحابنا كون حقّ القصاص انحلاليّا، و ظاهر المبسوط الإجماع عليه كما قيل.

و لكن لا يخفى انّ هذا في حقّ قصاص النفس الذي يثبت لأولياء المقتول ابتداء.

و أمّا إذا كان حقّ القصاص بالارث من واحد كما إذا مات وليّ المقتول قبل الأخذ بالقصاص أو كان القصاص في الطرف لا في النفس و مات المجني عليه قبل استيفاء القصاص و العفو يكون الأمر فيه كما في إرث الخيار من ثبوته لمجموع الورثة، حيث انّ الحقّ الموروث واحد كما في إرث الخيار.

251

القصاص مع تعدّد الأولياء:

و ينبغي للإمام أن يحضر عند الاستيفاء شاهدين فطنين احتياطا (1) و لاقامة الشهادة إن حصلت مجاحدة. و يعتبر الآلة لئلا تكون مسمومة خصوصا في قصاص الطرف (2) و لو كانت مسمومة فحصلت منها جناية بسبب السمّ ضمنه،

____________

(1) لم يرد بذلك نصّ في المقام و لكن الاحتياط في محلّه، بل لازم إذا احتمل الحاكم انّ أولياء المقتول يجعلون حقّ القصاص ذريعة في قتلهم شخصا آخر ظلما أو خيف من وقوع الفتنة أو الاتهام و لو بعد حين بدعوى ورثة الجاني، انّ القتل بالقصاص لم يحصل و إنّما قتلوه ظلما.

(2) إن كان المراد انّ الآلة إذا كانت مسمومة لا يحصل القصاص فلا سبيل لنا إلى ذلك حتّى في قصاص الطرف، و إن كان المراد عدم جواز ذلك تكليفا فإنّ كونها مسمومة يؤثّر في جسد المقتول من تفرّق الأعضاء بحيث يشكل تجهيزه، فهذا لا يجري فيمن اغتسل و لبس الكفن قبل القصاص، و على كلّ فلا بأس بالالتزام بعدم الجواز إن أوجبت هتكا في المقتول في جسده قبل الدفن، و هذا في قصاص النفس.

و أمّا في قصاص الطرف، فإن كان السمّ معرضا لسراية الجرح فلا يجوز فإنّه تعدّي على الجاني؛ و لذا يحكم بضمان المقتصّ إذا تعدّى و كذا إذا سرى السمّ، و إذا كانت السراية أمرا قاتلا غالبا أو كان قصده ذلك يتعلّق القصاص على المقتصّ و إلّا يؤخذ منه الدية.

نعم، إذا استند موت الجاني إلى القصاص و السمّ، يدفع إلى أولياء المقتصّ الدية في القصاص منه، كما في صورة كون السراية إلى النفس غير مقصود، و لا أمرا غالبيا لكون الجناية مستندة إلى أمرين أحدهما مضمون و الآخر غير مضمون أو يؤخذ منه الدية.

252

و يمنع من الاستيفاء بالآلة الكالّة تجنّبا للتعذيب، و لو فعل أساء و لا شي‌ء عليه، و لا يقتصّ إلّا بالسيف و لا يجوز التمثيل به (1) بل يقتصر على ضرب عنقه، و لو كانت الجناية بالتغريق أو بالتحريق أو بالمثقل أو بالرضخ.

____________

(1) حيث انّ المثلة حرام و قد ورد النهي عنه حتّى بالإضافة إلى البغاة على الإمام (عليه السلام).

و يدلّ عليه أيضا جملة من الروايات:

منها صحيحة الحلبي و رواية أبي الصباح الكناني، جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قالا: «سألناه عن رجل ضرب رجلا بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات، أ يدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: نعم، و لكن لا يترك يعبث به و لكن يجيز عليه بالسيف» (1).

و رواية اسحاق بن عمّار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ اللّه يقول في كتابه وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ما هذا الإسراف الذي نهى عنه؟ قال: نهى أن يقتل غير قاتله أو يمثّل بالقاتل» (2).

و لا يخفى انّ مقتضاهما عدم جواز القصاص بالآلة الكالّة أيضا. فإن القصاص به نوع عبث بالجاني و إسراف في قتله.

و ظاهر الصحيحة و الرواية التي لا تبعد اعتبارها تعيّن القصاص بالسيف و كونه بالضرب في عنقه خاصّة، فيمكن استفادته ممّا ورد في تجهيز المقتول قصاصا و لكن سندها ضعيف كدلالتها.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 62 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 95.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 62 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 95.