تنقيح مباني الأحكام - كتاب القصاص

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
338 /
253

و اجرة من يقيم الحدود من بيت المال، فإن لم يكن بيت مال أو كان هناك ما هو أهمّ كانت الاجرة على المجني عليه (1) و لا يضمن المقتصّ سراية القصاص.

نعم لو تعدّى ضمن فإن قال: تعمّدت، اقتصّ منه في الزائد، و إن قال: أخطأت،

____________

و دعوى أنّ الجاني يقتل بما هو المتعارف في كلّ عصر أخذا بالإطلاق في الروايات الواردة في ولاية ولي المقتول بقتل الجاني و التحديد بالضرب بالسيف لكونه هو المتعارف في ذلك الزمان لا لخصوصيّة فيه، لا يمكن المساعدة عليه. فإنّ ظاهر الصحيحة و نحوها تحديد القصاص المشروع بالضرب بالسيف كسائر التحديدات الواردة في ساير الموارد، كما أنّ القول بأنّه يجوز القصاص بمثل ما قتل أخذا ببعض النبوي مع ضعفه سندا و معارضته بما تقدّم و إعراض الأصحاب عنه لا يعبأ به.

و على الجملة، فالقصاص عن الجاني القاتل عمدا في جواز كيفية القصاص تكليفا مقيّد بكونه بالإجهاز عليه بالسيف، فإذا كان القصاص بغير هذه الكيفية يكون محرّما في كيفيّته و يستحقّ الولي المرتكب التعزير عليه.

(1) المراد من المجني عليه من يقام عليه الحدّ أو يجري عليه القصاص، و أمّا الاجرة على إقامة الحد فلا ينبغي التأمّل في أنّها على بيت المال، فإنّ إقامتها وظيفة الحاكم و لو بالتوكيل و التسبيب، و إذا احتاجت إلى الاجرة تكون على بيت المال؛ لأنّ إقامتها من مصالح المسلمين و لا يجب على من يقيم عليه الحدّ إلّا تسليم نفسه لإقامته. و قد تقدّم مورد وجوب التسليم في بحث الحدود، و لو لم يكن بيت مال أو كان في البين أمر آخر أهمّ لصرفه استدان الحاكم على بيت المال، و قد تقدّم انّ من الذين يرتزقون من بيت المال الحدّاد، و أمّا القصاص فيمكن أن يكون الأمر فيه أيضا كذلك.

و يمكن دعوى كون الاجرة على أولياء الدم إذا لم يباشروا القصاص،

254

اخذت منه دية العدوان، و لو خالفه المقتصّ منه في دعوى الخطأ كان القول قول المقتصّ مع يمينه، و كلّ من يجري بينهم القصاص في النفس يجري في الطرف، و من لا يقتصّ له في النفس لا يقتصّ له في الطرف.

____________

فإنّ مجري القصاص هم الأولياء و لو بالتسبيب. نعم إذا وصلت النوبة إلى قصاص الإمام لعدم الولي يكون الاجرة على بيت المال، فإنّ الإمام يكون له القصاص بما هو إمام، و لا يكون في القصاص الاجرة على الجاني، فإنّه ليس له إلّا تسليم نفسه للقصاص. و تنزيله منزلة البائع إذا باع المكيل و الموزون في كون اجرة الكيل و الوزن عليه فيه ما لا يخفى.

و أمّا عدم ضمان المقتصّ سراية القصاص، فقد تقدّم أنّ من قتله القصاص أو الحدّ لا دية لا فضلا عن ثبوت القصاص، كما يشهد لذلك عدّة من الروايات، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أيّما رجل قتله الحدّ أو القصاص فلا دية له» (1).

و صحيحة أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عمّن اقيم عليه الحد أ يقاد منه أو تؤدّى ديته؟ قال: لا، إلّا أن يزاد على القود» (2).

و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) في حديث: «و من قتله القصاص فلا دية له» (3).

و في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من اقتصّ منه فهو قتيل القرآن» (4)، إلى غير ذلك.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 9: 47.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7: 47.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5: 47.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 24 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 46.

255

[و هاهنا مسائل:]

[الاولى: إذا كان له أولياء لا يولّى عليهم]

و هاهنا مسائل:

الاولى: إذا كان له أولياء لا يولّى عليهم (1) كانوا شركاء في القصاص، فإن حضر بعض و غاب الباقون قال الشيخ للحاضر الاستيفاء بشرط أن يضمن حصص الباقين من الدية، و كذا لو كان بعضهم صغارا.

____________

نعم، لو تعدّى المقتصّ في اقتصاصه يضمن التعدّي، فإن كان التعدّي عن عمد يقتصّ منه في مورد القصاص، و إن كان عن غير عمد يؤخذ منه الدية، و كذا في مورد عدم إمكان القصاص.

و أمّا إذا اختلف المقتصّ منه أو أوليائه في التعدّي أو في التعمّد في التعدّي كان القول قول المقتصّ لأصالة عدم التعدّي و عدم تعلّق القصاص أو الدية عليه، فيحلف على عدم التعدّي أو عدم التعدّي عمدا، و لا مورد في الدماء و نحوها لأصالة العمد ليثبت بحلف الخصم على نفي الخطأ.

و أمّا جريان القصاص في الطرف في كلّ ما يجري فيه القصاص في النفس و عدم جريانه في كلّ ما لا يجري فيه القصاص في النفس على ما تقدّم في شرائط القصاص فهو مقتضى الاطلاق في أدلّة الاشتراط بل التصريح في الاطلاق في بعضها كما في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام):

«لا يقاد مسلم بذمّي في القتل و لا في الجراحات» (1)، فراجع.

(1) إذا كان للمقتول أولياء كاملون بحيث لا يولّى عليهم، كانوا شركاء في القصاص عند الماتن و غيره، و مقتضاه على ما تقدّم ان لا يجوز لأحدهم الاقتصاص إلّا بموافقة الآخرين، و على ذلك فلو كان بعض الأولياء غائبين أو قاصرين و قيل بأنّ الولي على وليّ الدم لا يملك الاقتصاص منه يشكل الاقتصاص من الأولياء الحاضرين أو غير القاصرين.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5: 80.

256

و قال: لو كان الولي صغيرا و له أب أو جدّ لم يكن لأحد أن يستوفي حتّى يبلغ، سواء كان القصاص في النفس أو الطرف (1)، و فيه إشكال. و قال: يحبس القاتل حتّى يبلغ الصبي أو يفيق المجنون، و هو أشدّ إشكالا من الأوّل.

____________

و لكن مع ذلك قال الشيخ (قدس سره) أنّه يجوز للحاضر أو الحاضرين أو الكامل و الكاملين الاقتصاص و يضمنون للغائب أو القاصر حصّته من الدية. و ظاهر الماتن قبول هذا القول الذي صحيح على مسلك الشيخ من كون حقّ الاقتصاص انحلاليّا، و أمّا إذا كان حقّا واحدا ثابتا لمجموع الأولياء فيجري الإشكال في الاقتصاص، و لكن علّل ذلك كما في الجواهر (1) بأنّ التأخير في الاقتصاص إلى مجي‌ء الغائب أو بلوغ القاصر أو إفاقته معرض لزوال حقّ الحاضر أو الكامل و إلزامهما القاتل بإعطاء نصيبهما من الدية كحبس القاتل إلى مجي‌ء الحاضر، أو بلوغ القاصر ضرر على القاتل.

أقول: قد تقدّم انّ حقّ الاقتصاص انحلالي، و عليه فلا إشكال في جواز اقتصاص الحاضر أو الكامل، و يضمن الغائب أو القاصر حصّته من الدية. و أمّا إذا لم يكن حقّ الاقتصاص انحلاليّا كما إذا مات ولي الدم قبل الاقتصاص و انتقل حقّ قصاصه إلى ورثته المتعدّدين بعضهم غائب أو قاصر فلا يجوز للحاضر و الكامل الاستقلال في الاقتصاص، كما تقدّم. فمع عدم ثبوت الاقتصاص لوليّ الغائب أو القاصر- كما سيأتي- ينتقل الأمر إلى جواز مطالبة الحاضر أو الكامل نصيبه من الدية إذا كان انتظار مجي‌ء الغائب أو كمال القاصر معرّضا لبطلان دم امرئ مسلم و ذهابه هدرا كما في ساير موارد تعذّر القصاص، و اللّه العالم.

(1) إذا كان ولي الدم صغيرا أو مجنونا كما إذا قتل واحد أم الصغير‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 303.

257

[الثانية: إذا زادوا على الواحد فلهم القصاص]

الثانية: إذا زادوا على الواحد فلهم القصاص، و لو اختار بعضهم الدية و أجاب القاتل جاز، فإذا سلّم سقط القود على رواية (1).

____________

أو المجنون و كان للصغير أب و جدّ للأب فقد ذكر الشيخ (قدس سره) أنّه لا يجوز للأب أو الجد الاقتصاص من الجاني، و ذلك فإنّ ظاهر الأدلّة ثبوت حقّ الاقتصاص لوليّ المقتول، و المفروض أنّه صغير أو مجنون و ولاية الأب أو الجد للأب على الصغير و المجنون لم يثبت في حقّ الاقتصاص منه. و ظاهر الأدلّة- كما ذكر- جعل حقّ الاقتصاص لوليّ المقتول في قصاص النفس و لنفس المجني عليه في قصاص الطرف، و على ذلك فإن كان في أخذ الدية صلاح الطفل أو المجنون فيجوز لوليّهما أخذ الدية له لثبوت الولاية لهما بالإضافة إلى الأموال و لا دلالة في آية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتٰامىٰ (1) و غيره على أزيد من جواز أخذ الدية عند الصلاح، كما لا يخفى.

نعم، إذا لم يبذل الجاني الدية و خيف فراره إلى بلوغ الطفل أو لم يكن رجاء بإفاقة المجنون يجوز في الأول حبسه و في الثاني إلزامه بإعطاء الدية لتوقّف استيفاء الحقّ عليه في الأول؛ و لأنّه لا يذهب دم امرئ مسلم هدرا في الثاني.

(1) قد تعرّضنا لتلك الروايات و أجبنا عنها بأنّها تحمل على التقية، مع أنّ موردها عفو بعض الورثة و عدم مطالبة الجاني بشي‌ء حتّى الدية، و المفروض في المسألة أخذ بعض الورثة نصيبه من الدية أو الفداء زاد عن نصيبه أم نقص. و قد تقدّم أنّ صحيحة أبي ولّاد الحنّاط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الواردة في مقتول له أب و ابن و أم أن أخذ الام الدية لا يوجب سقوط حقّ القصاص للابن كما لا يسقطه عفو الأب للجاني، و على ذلك فإن امتنع‌

____________

(1) سورة الأنعام: الآية 152.

258

و المشهور أنّه لا يسقط و للآخرين القصاص بعد أن يردّوا عليه نصيب من فاداه، و لو امتنع من بذل نصيب من يريد الدية جاز لمن أراد القود أن يقتصّ بعد ردّ نصيب شريكه، و لو عفا البعض لم يسقط القصاص و للباقين أن يقتصّوا بعد ردّ نصيب من عفا على القاتل.

[الثالثة: إذا أقرّ أحد الوليّين أنّ شريكه عفا عن القصاص]

الثالثة: إذا أقرّ أحد الوليّين أنّ شريكه عفا عن القصاص على مال لم يقبل إقراره على الشريك (1) و لا يسقط القود في حقّ أحدهما و للمقرّ أن يقتل لكن بعد أن يرد نصيب شريكه فإن صدّقه فالردّ له و إلّا كان للجاني و الشريك على حاله في شركة القصاص.

____________

الجاني عن بذل نصيب من يريد الدية جاز لمن يريد الاقتصاص أن يقتصّ و يضمن نصيب من أراد الدية.

و ظاهر الماتن أنّ ثبوت حقّ القصاص منوط بدفع نصيب من أراد الدية و لكن الثابت الضمان و الأداء كما هو مدلول الصحيحة. نعم الأداء قبل الاقتصاص أحوط.

و على الجملة، يستفاد من صحيحة أبي الولّاد المزبورة أنّ حقّ القصاص للأولياء لا يسقط بعفو بعض الورثة أو بمطالبته بالدية، بل من يريد الاقتصاص يكون عليه ضمان دية من يريد الدية، كما يكون عليه ضمان من عفى عن القصاص و الدية بأن يدفع حصّته من الدية إلى الجاني.

(1) فإنّ إخباره بأنّ شريكه عفى عن القصاص بمال إقرار على شريكه في القصاص فلا ينفذ بل يبقى الشريك على حقّه في الاقتصاص منه فإن اقتصّ المقرّ من الجاني فعليه أن يردّ نصيب شريكه من الدية، فإن صدّقه في إخباره فالردّ له، فإن قال: عفوت الجاني، يكون نصيبه للجاني، كما تقدّم الوجه في ذلك في المسألة الثانية.

259

[الرابعة: إذا اشترك الأب و الأجنبي في قتل ولده]

الرابعة: إذا اشترك الأب و الأجنبي في قتل ولده أو المسلم و الذمّي في قتل ذمّي فعلى الشريك القود (1) و يقتضي المذهب أن يردّ عليه الآخر نصف ديته و كذا لو كان أحدهما عامدا و الآخر خاطئا كان القصاص على العامد بعد الردّ، و لكنّ هنا (هذا خ ل) الرد من العاقلة، و كذا لو شاركه سبع لم يسقط القصاص لكن يردّ عليه الولي نصف ديته.

____________

(1) إذا قتل شخص و كان قاتله اثنان و القتل بالإضافة إلى أحدهما موجب للقصاص عنه، و بالإضافة إلى الآخر موجب للدية فقط، كما إذا قتل والد مع أجنبي ولده أو قتل مسلم مع ذمّي ذمّيا آخر، فلوليّ المقتول أن يقتصّ ممّن يثبت القصاص في حقّه و على الجاني الآخر أن يعطي الدّية لورثة الجاني المقتصّ منه أو للجاني.

و إذا كان القتل بالإضافة إلى أحد القاتلين قتلا عمديّا موجبا للقصاص و كان من الآخر موجبا للدية على عاقلته كما إذا كان خطأ محضا فللولي أن يقتصّ ممّن يكون قتله موجبا للقصاص و يكون نصف الدية للجاني من عاقلة من يكون قتله خطأ محضا.

و إذا كان القتل بفعل اثنين و كان قتل أحدهما موجبا للاقتصاص منه و الفعل من الآخر غير مضمون عليه كالسبع يكون نصف الدية على وليّ القصاص يدفعه إلى من يريد الاقتصاص منه، و كأنّ ما ذكر متسالم عليه بين أصحابنا و الخلاف من بعض العامّة، حيث ذكروا عدم القصاص و لعلّ نظرهم في سقوط القصاص هو انّ القود يتعلّق على من يكون القتل صادرا عنه و في المفروض القتل لم يصدر عنه بل يكون مستندا إلى مجموع الفعلين من فاعلين.

و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّ القود يتعلّق بالقاتل عمدا، كان مستقلا في فعله أم لا، كما تقدّم في مسائل الشركة في القتل.

260

[الخامسة: للمحجور عليه لفلس أو سفه استيفاء القصاص]

الخامسة: للمحجور عليه لفلس أو سفه استيفاء القصاص لاختصاص الحجر بالمال (1) و لو عفى على مال و رضى القاتل قسّمه على الغرماء، و لو قتل و عليه دين فإن أخذ الورثة الدّية صرفت في ديون المقتول و وصاياه كما له، و هل للورثة استيفاء القصاص من دون ضمان ما عليه من الديون، قيل: نعم، تمسّكا بالآية، و هو أولى، و قيل: لا، و هو مروي (2).

____________

(1) لا يخفى أنّ المحجور عليه بالفلس يكون محجورا عليه بالإضافة إلى الأموال التي حجر عليه فيها، و كذلك السفيه بالإضافة إلى أمواله الموجودة، و عليه فلا موجب لمنع المفلس أو السفيه عن الاقتصاص؛ لأنّ الاقتصاص ليس تصرّفا ماليّا، كما انّ أحدهما إذا عفى عن القصاص على مال كان له ذلك فإن أخذ المال لا يكون تصرّفا في أمواله الموجودة؛ و لذا يجوز للمفلس أن يوجر نفسه للعمل و يستحقّ السفيه اجرة المثل على من استعمله بل الاجرة المسمّى إذا استأجره.

و على الجملة، إذا عفى المحجور عليه عن القصاص على مال كان ذلك المال محسوبا من الدية، فيعامل معها معاملة التركة لما دلّ على حساب دية القتل من تركة الميت، و لو كانت الدية ثبوتها للتراضي بها عن القصاص.

(2) التعبير ب‍ (قيل) إشارة إلى الاختلاف، و هذا القول قائله الشيخ (قدس سره) في النهاية، حيث ذكر انّ الورثة إذا استوفوا القصاص يكون الدين للغرماء عليهم، و يستدلّ على ذلك بما رواه في التهذيب عن الصفّار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن أسلم الجبلي عن يونس ابن عبد الرحمن عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقتل و عليه دين و ليس له مال فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله و عليه دين؟ فقال: إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل فإن وهبوا أوليائه‌

261

..........

____________

دية القاتل فجائز، و إن أرادوا القود فليس لهم ذلك حتّى يضمنوا الدين للغرماء و إلّا فلا» (1).

و لكن لا يخفى أنّ مقتضى ما ورد فيها من أنّ أصحاب الدّين هم الخصماء للقاتل ان تؤخذ الدية من القاتل لا نفوذ هبة الأولياء الدية له مع أنّه قد ذكر بعده فإن وهبوا أوليائه دية القاتل فجائز.

و قد روى الشيخ بإسناده عن يونس عن ابن مسكان عن أبي بصير قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل و عليه دين و ليس له مال فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله و عليه دين؟ فقال: إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل فإن وهب أوليائه دمه للقاتل ضمنوا الدّية للغرماء و إلّا فلا» (2)، و مقتضاها انّ مع عفو القاتل عن الدم بترك القصاص و أخذ الدية من قبل الأولياء يوجب ضمانهم الدية للغرماء، و إلّا أي إن لم يكن عفو كذلك بأن أخذ القصاص أو أخذ و الدية فليس عليهم ضمان، فإنّه مع أخذهم الدية تحسب الدية من تركة الميت، و تصرف في ديونه، و إن أخذوا بالقصاص فقد استوفوا حقّهم.

و مع تعارض النقلين في ضمان الدّين في صورة القصاص و عدم ضمانه يؤخذ بالنقل الثاني؛ لصحّة سنده، بل كونه موافقا للكتاب المجيد من قوله سبحانه: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً (3)، و على هذا فإن عفوا عن القصاص على الدية فهو، و إلّا أي عفوا عن الدم ضمنوا الدية للغرماء.

____________

(1) الوسائل: ج 13، الباب 24 من أبواب الدّين، الحديث 2.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 92.

(3) سورة الاسراء: الآية 33.

262

[السادسة: إذا قتل جماعة على التعاقب ثبت لوليّ كلّ واحد منهم القود]

السادسة: إذا قتل جماعة على التعاقب ثبت لوليّ كلّ واحد منهم القود (1) و لا يتعلّق حقّ واحد بالآخر، فإن استوفى الأول سقط حقّ الباقين لا إلى بدل على تردّد، و لو بادر أحدهم فقتله فقد أساء و سقط حقّ الباقين و فيه إشكال من حيث تساوي الكلّ في سبب الاستحقاق.

____________

و يؤيّد ذلك رواية علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال «قلت له: جعلت فداك، رجل قتل رجلا متعمّدا أو خطأ و عليه دين و ليس له مال، و أراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل؟ قال: «إن وهبوا دمه ضمنوا ديته» فقلت: إن هم أرادوا قتله؟ قال: «إن قتل عمدا قتل قاتله و أدّى عنه الإمام الدّين من سهم الغارمين» قلت: فإنّه قتل عمدا و صالح أولياؤه قاتله على الدّية فعلى من الدّين، على أوليائه من الدّية؟ أو على إمام المسلمين؟

فقال: «بل يؤدّوا دينه من ديته التي صالحوا عليها أولياؤه فإنّه أحقّ بديته من غيره» (1).

(1) فإنّ لكلّ من أولياء المقتولين ولاية بالاقتصاص منه، و لا يكون اشتراك في حقّ القصاص الواحد بأن يكون ثبوته و سقوطه باشتراك الكلّ في القصاص أو العفو عنه أو يضمن المستوفي الدّية على السائرين. و عليه فإن اجتمعوا و رضوا كلّهم بالقصاص عنه فقط فقد استوفوا كلّهم حقّهم.

و ظاهر الماتن انّ وليّ المقتول الأوّل أولى بالقصاص ممّن بعده من ولي المقتول الثاني، حيث قال: لو بادر الأول إلى القصاص سقط حقّ الباقين، و لو بادر أحدهم- أي غير الأول- فقد أساء و سقط حقّ الباقين. و الظاهر هو انّه إن رضوا كلّهم بالقصاص فلا مورد لأخذ الدية، و إن طالب بعضهم الجاني بالدية و رضى الجاني به لا يسقط حقّ الباقين في القصاص، و لكن إن‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 59 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 92.

263

[السابعة: لو و كلّ في استيفاء القصاص فعزله قبل القصاص]

السابعة: لو و كلّ في استيفاء القصاص فعزله قبل القصاص ثمّ استوفى فإن علم فعليه القصاص (1) و إن لم يعلم فلا قصاص و لا دية.

أمّا لو عفا الموكل ثمّ استوفى و لمّا يعلم فلا قصاص أيضا و عليه الدية للمباشرة و يرجع بها على الموكل لأنّه غار.

____________

لم يرض بالدية لا يكون على الجاني إلّا الاقتصاص؛ لأنّ ثبوت الدية للباقين لا موضوع له، حيث ثبوت الدية إمّا يكون بالتراضي مع الجاني أو بالتعبّد و شي‌ء منهما غير مفروض في المقام.

و مما ذكر يظهر أنّه لا فرق بين قتل المتعدّد متعاقبا أو دفعة، بل لا فرق بين اقتصاص واحد من الأولياء أو قتل الأجنبي الجاني، فإنّه في جميع الصور ينتفي مورد حقّ القصاص. نعم يمكن دعوى انّ الدية تثبت على بيت المال لئلا يذهب دم المقتولين هدرا، و لكن هذا أيضا لا يخلو عن الإشكال.

(1) قد تقدّم أنّه لا يجب في الاقتصاص مباشرة الولي بأنّ لولي الدم التوكيل في استيفاء حقّه، فإن و كلّ الآخر في الاستيفاء ثمّ عزله، فإن علم الوكيل بالعزل فلا يجوز له الاستيفاء بل لو استوفى يكون عليه القصاص؛ لأنّ قتله تعمّد في التعدّي- أي القتل-، و لكن لو استوفى قبل أن يبلغه العزل لا يثبت عليه قصاص و لا دية، بل يسقط حقّ الولي؛ لأنّ فعل الوكيل نافذ ما لم يبلغه العزل و لا يسقط وكالته بمجرّد العزل.

و لو عفا الولي القاتل ثمّ استوفى الوكيل القصاص بلا علمه بالعفو يكون على الوكيل الدية لقتله و لاعتقاده جواز القتل يحسب شبه عمد و لكن يرجع في الدية بعد إعطائها لورثة الجاني المعفو عنه إلى وليّ الدم لأمره بقتل الجاني و عدم إبلاغه عفوه المعبّر عن ذلك بالغرور.

264

[الثامنة: لا يقتصّ من الحامل حتّى تضع]

الثامنة: لا يقتصّ من الحامل حتّى تضع، و لو تجدّد حملها بعد الجناية (1)، فإن ادّعت الحمل و شهدت لها القوابل ثبت، و إن تجرّدت دعواها قيل: لا يؤخذ بقولها؛ لأنّ فيه دفعا للولي عن السلطان، و لو قيل يؤخذ كان أحوط و هل يجب على الولي الصبر حتّى يستقلّ الولد بالاغتذاء؟ قيل: نعم، دفعا لمشقّة اختلاف

____________

و لا يبعد أن يكون الحكم كذلك إذا مات الموكّل و لم يعلم به الوكيل و استوفى القصاص، فإنّه يكون عليه الدية و يرجع بها إلى تركة الميت.

(1) لا ينبغي التأمّل في الحكم من لزوم تأخير الاقتصاص إلى وضع الحمل؛ لأنّ الاقتصاص من الحامل إسراف في القتل و إتلاف نفس- أي الحمل- بغير حق.

و أمّا إذا كان قبل ذلك من كون الحمل علقة أو مضغة فمقتضى إطلاق كلمات الأصحاب عدم الفرق في لزوم تأخير القصاص بينه و بين الحمل الذي و لجته الروح، و استدلّ على ذلك بالروايات الدالّة على تأخير إجراء الحدّ على المريض و المجروح و المستحاضة، حيث يكون إجرائه مظنّة تلف النفس، بل يجب تأخير الاقتصاص بعد وضع الحمل أيضا إذا كان الطفل من غير الارتضاع من أمّه في معرض التلف، و كذا إذا لم يوجد كافل له من غير أمّه.

و ما ذكر ظاهر ما لو كان الحمل عند ولوج الروح أو كونه جنينا لحرمته، و أمّا إذا كان قبل ذلك، ففي استفادة الحكم من الروايات المشار إليها تأمّل، و لا يبعد دعوى الاطمينان بعدم الفرق، و لا أقلّ من كون التأخير أحوط على الوليّ.

و قد يقال بأنّه لا يبعد دعوى قبول قولها في كونها حاملا و إن لم تشهد القوابل به إذا احتمل صدقها، فإنّ القبول مقتضى اطلاق قوله سبحانه:

265

اللبن، و الوجه تسليط الولي إن كان للولد ما يعيش به من غير لبن الام و التأخير إن لم يكن، و لو قتلت المرأة حاملا فبانت حاملا فالدية على القاتل، و لو كان المباشر جاهلا به و علم الحاكم ضمن الحاكم.

____________

وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ (1) الملازم لقبول قولهنّ حتّى في الحمل.

و لكن الآية واردة في المطلقات و احتمال الخصوصية متحقّق؛ لأنّ دعوى الحمل عن المطلّقة الاخبار بكون عدّتها وضع حملها، فلا يمكن التعدّي.

نعم، روى الطبرسي في مجمع البيان عن الصادق (عليه السلام) «في قوله تعالى: وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ قال: قد فوّض اللّه إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض و الطهر و الحمل» (2)، و لكنّها مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها.

و إذا اقتصّ الولي من المرأة فبان كونها حاملا، فإن كان و لجته الروح فمع جهله بالحال يكون الدية على عاقلته على المنسوب إلى المشهور، و قيل بأنّه يكون الدية على المباشر؛ لأنّ قتل الام إتلاف للحمل المفروض ولوج الروح فيه، و حيث إنّه كان جاهلا بالحال يكون إتلافه موجبا لضمانه الدية.

و كذا يضمن الدية للتلف إذا كان قبل و لوجه، بل حتّى لو كان علقة أو مضغة. نعم لو كان المباشر غير الولي و كان القتل بأمره يمكن أن يقال بجواز رجوعه إلى الولي لكونه غارّا و لا يعتبر في الرجوع إلى الغارّ علمه بالحال.

____________

(1) سورة البقرة: الآية 228.

(2) مجمع البيان: 2: 326.

266

[التاسعة: لو قطع يد رجل ثمّ قتل آخر قطعناه أوّلا ثمّ قتلناه]

التاسعة: لو قطع يد رجل ثمّ قتل آخر قطعناه أوّلا ثمّ قتلناه (1) و كذا لو بدأ بالقتل توصّلا إلى استيفاء الحقّين، و لو سرى القطع في المجني عليه و الحال هذه كان

____________

نعم لو كان ولي الدم الحاكم و المباشر مأذون منه يكون استقرار الضمان على بيت المال؛ لما دلّ على «أنّ خطأ القضاة في بيت المال»، نعم لو فرض علم الحاكم بكونها حاملا فاستقراره عليه لا على بيت المال، و لكن لا يخفى انّ إتلاف الامّ أمر جائز لولي الدم و المفروض أنّه قصده خاصة و لم يلتفت و لم يقصد فعلا يتعلّق بالحمل فاللازم أن يحسب القتل خطأ محضا و تكون الدية على العاقلة إلّا أن يقال لا دليل في دية الجنين قبل ولوج الروح على العاقلة حتّى في الاتلاف بخطإ محض.

(1) إن كان المراد أنّه يجب على وليّ المقتول أن يصبر إلى أن يستوفى الاقتصاص من قطع اليد، فالظاهر أنّه لا دليل عليه؛ لأنّ وليّ الدم له سلطنة على الجاني بالاقتصاص من النفس.

نعم، يجوز للمجني عليه الاقتصاص من يده المقطوعة، و لا يجوز لولي الدم الممانعة عنه، فإنّ للمجني عليه حقّ الاقتصاص من يده المقطوعة مستقلا كاستقلال ولي الدم في الاقتصاص من النفس.

و بالجملة، ما يظهر من عبارة الماتن من تعيّن الجمع بين الحقّين حتّى فيما إذا قتل واحدا ثمّ قطع يد شخص آخر بمعنى أنّه لا يجوز لولي الدم الاقتصاص من النفس أوّلا لا يمكن المساعدة عليه، و إلّا كان اللازم أن لا يجوز له الاقتصاص إذا كان المجني عليه قاصرا أو غائبا. و على كلّ، فإن اقتصّ الولي من الجاني قصاص النفس ففي رجوع المقطوع يده إلى دية يده المقطوع من تركة الجاني كلام تقدّم في قتل الواحد اثنين و اقتصّ أحد الوليين من غير تراض من الولي الآخر.

267

للولي نصف الدية من تركة الجاني (1) لأنّ قطع اليد بدل عن نصف الدية، و قيل:

لا يجب في تركة الجاني شي‌ء؛ لأنّ الدية لا تثبت في العمد إلّا صلحا، و لو قطع يديه فاقتصّ ثمّ سرت جراحة المجنيّ عليه جاز لوليّه القصاص في النفس.

____________

(1) إذا قطع شخص يد الآخر عمدا و قتل رجلا آخر، قطعت يده اقتصاصا من قطعها و قتله وليّ الآخر قصاصا من النفس.

و لو سرى جراحة المجني عليه بقطع يده و مات، ففي المسألة أقوال:

أحدها: ما اختاره الماتن (قدس سره) من أنّه يأخذ أولياء المقتول بالسراية نصف الدية من تركة الجاني، حيث انّ الاقتصاص من الجاني بقطع يده بدل نصف الدية، فيكون عليه في تركته نصف الدية، و قيل لا يكون على الجاني في تركته شي‌ء؛ لأنّ الثابت في مورد الجناية عمدا القصاص، و الدية تثبت بالتراضي، و حيث انّه فات مورد القصاص بقتل الجاني من وليّ المقتول الآخر، لم يبق على الجاني شي‌ء.

و لكن لا يخفى انّ هذا القول يتمّ إذا قيل بأنّ سراية الجراحة الواردة عمدا يوجب قصاص النفس مطلقا، و لو كانت السراية اتفاقية و لم يقصد الجاني القتل بجنايته، و أمّا بناء على ما تقدّم من أنّ القصاص من النفس على الجاني يثبت في مورد غالبية السراية أو قصده القتل فالثابت في الفرض تمام الدية على الجاني، فيخرج من تركته و قطع يده أوّلا قصاص من جنايته العمدية و ليس بدلا عن نصف الدّية، فيتعيّن في المقام القول الثالث، و هو ثبوت الدية الكاملة على الجاني في تركته كما اختاره العلّامة في القواعد و وجّهه في المسالك بل نسبه في كشف اللّثام إلى المشهور.

و مما ذكر يظهر الحال فيما إذا قطع الجاني يدي آخر و اقتصّ منه بقطع يديه، ثمّ سرت جراحة المجني عليه و مات، فإنّه إذا كان الجاني قاصدا القتل‌

268

و لو قطع يهودي يد مسلم فاقتصّ المسلم ثمّ سرت جراحة المسلم كان للولي قتل الذمّي (1) و لو طالب بالدية كان له دية المسلم إلّا دية يد الذمي و هي أربعمائة درهم، و كذا لو قطعت المرأة يد رجل فاقتصّ ثمّ سرت جراحته كان للولي

____________

أو كان الجراحة سارية عادة، يتعلّق عليه القصاص بالنفس و الاقتصاص بقطع يديه، مع عدم حصوله و ان يدخل في قصاص النفس و لكن مع حصوله أوّلا غير مضمونة، و إن لم تكن سارية في الغالب و لم يقصد بها القتل يتعلّق على الجاني دية النفس، و اللّه العالم.

(1) المحكي عن الشيخ (قدس سره) أنّه لو قطع ذمي يد المسلم فاقتصّ المسلم منه بقطع يد الذمي ثمّ سرت جراحة المسلم و مات، يجوز لوليّ المسلم قتل الذميّ قصاصا من النفس و أنّه يجوز للولي مطالبة الذمّي الجاني بدية النفس، يعني دية نفس المسلم، و لكن يستثنى من دية نفسه مقدار دية يد الذمي التي هي أربعمائة درهم نصف دية نفس الذمي و ديته ثمانمائة درهم على ما تقدّم.

و قال أيضا: بأنّ الحال كذلك لو قطعت امرأة يد رجل مسلم قطع المسلم يدها قصاصا ثمّ سرت جراحة الرجل المسلم فمات، فإنّ لوليّ الرجل المسلم قتل المرأة قصاصا من النفس و يجوز له مطالبتها بديّة نفس الرجل و يكون له ثلاث أرباع دية النفس ينقص دية اليد المرأة الجانية التي نصف دية نفس المرأة و يظهر من ذلك أنّه لو قطعت يدي الرجل و رجليه فاقتصّ المجني عليه منها بقطع يديها و رجليها ثمّ مات الرجل المجني عليه بالسراية كان لوليّه القصاص من المرأة نفسا، و ليس للولي مطالبتها بالدية؛ لأنّه استوفى تمام ما يقوم مقام الدية. و كذا الحال إذا قطع رجل يدي رجل آخر فاقتصّ المجني عليه من الجاني بقطع يديه ثمّ مات المجني عليه بالسراية، فإنّ لوليّه القصاص‌

269

القصاص، و لو طالب بالدية كان له ثلاثة أرباعها، و لو قطعت يديه و رجليه فاقتصّ ثمّ سرت جراحاته كان لوليّه القصاص في النفس، و ليس له الدية؛ لأنّه استوفى ما يقوم مقام الدية، و في هذا كلّه تردّد؛ لأنّ للنفس دية على انفرادها و ما استوفاه وقع قصاصا.

____________

من الجاني نفسا، و لكن ليس له مطالبة الدية؛ لأنّ بدل الدية استوفى بقطع يديه أوّلا.

و قال (قدس سره) في آخر كلامه: أنّه ليس في البين قتل يوجب القصاص و يعفى عنه في مقابل المال إلّا هذه المسألة. و ذكر الماتن (قدس سره) انّ ما ذكره الشيخ كلّه في المقام غير ثابت؛ لأنّ السراية جناية قتل النفس أي جناية اخرى موجبة للقصاص و لها دية النفس، و ما استوفى المجني عليه عن جناية سابقة غير مضمونة على المقتص المجني عليه، فلا يقام ذلك الاقتصاص لا مقام بعض دية النفس و لا في مقام تمامها.

أقول: في كلام الشيخ (قدس سره) موارد للنظر، فإنّه لو قطع الذمي يد المسلم فاقتصّ من الذمي ثمّ مات المسلم بالسراية، فإن قلنا بأنّ السراية في الجروح يحسب قتلا عمديا فاللازم أن يدفع الذمي و أمواله إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه و تملّكوا أمواله، و إن شاءوا استرقّوه، فأخذ دية المسلم منه إلّا مقدار دية يده المقطوعة، أي أربعمائة درهم، لا يناسب الحكم، و إن حسب السراية قتلا شبه عمد كما ذكرنا فيؤخذ تمام دية المسلم و قطع يده من قبل اقتصاصا لا يرتبط بدية النفس الثابتة بالموت، فإنّ الموت جناية اخرى غير عمدية.

و أيضا ما ذكره و لو طالب بالدية يكون له دية المسلم إلّا دية الذمي، لو كان نقص الدية لضمان المجني عليه قطع يده لوقوعه في غير محلّه مع السراية‌

270

[العاشرة: إذا هلك قاتل العمد سقط القصاص]

العاشرة: إذا هلك قاتل العمد سقط القصاص، و هل تسقط الدية (1) قال في المبسوط: نعم، و تردّد في الخلاف، و في رواية أبي بصير: إذا هرب و لم يقدر عليه حتّى مات اخذت من ماله و إلّا فمن الأقرب فالأقرب.

____________

فاللازم دفع دية يده إذا أراد وليّ المسلم الاقتصاص من النفس.

و كذا فيما ظاهر كلامه انّ الولي مخيّر في هذه الموارد بين القصاص و مطالبة الدية، فإنّه في موارد ثبوت القصاص للولي تكون مطالبة الدية بالتراضي لا بالقهر، و مع التراضي على الدية يكون المقدار الناقص عن الدية أو الزائد عنه تابعا للتراضي لا بالقهر، و على كلّ حال فقد ظهر مما ذكرنا سابقا انّ مجرّد السراية لا تحسب قتلا عمديّا بل يكون الموت معها من قتل شبه العمد و تثبت دية النفس.

(1) يستدلّ على ثبوت الدية بما دل من قولهم (عليهم السلام) «لا يبطل دم امرئ مسلم». و بما دل على ثبوت الدية فيمن قطع يد الآخر و ليس له يد، و برواية أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل رجلا متعمّدا ثمّ هرب القاتل فلم يقدر عليه، قال: إن كان له مال اخذت الدية من ماله و إلّا فمن الأقرب و الأقرب، و إن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام (عليه السلام) فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم» (1).

و صحيحة ابن أبي نصر عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل قتل رجلا عمدا ثمّ فرّ فلم يقدر عليه حتّى مات قال: إن كان له مال اخذ منه و إلّا اخذ من الأقرب فالأقرب» (2).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 4 من أبواب العاقلة، الحديث 1: 302.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 4 من أبواب العاقلة، الحديث 3: 303.

271

[الحادية عشرة: لو اقتصّ من قاطع اليد ثمّ مات المجني عليه بالسراية]

الحادية عشرة: لو اقتصّ من قاطع اليد ثمّ مات المجني عليه بالسراية ثمّ الجاني وقع القصاص بالسراية موقعه (1)، و كذا لو قطع يده ثمّ قتله فقطع الولي يد الجاني ثمّ سرت إلى نفسه، أمّا لو سرى القطع إلى الجاني أوّلا ثمّ سرى قطع المجني عليه لم يقع سراية الجاني قصاصا لأنّها حاصلة قبل سراية المجني عليه فكانت هدرا.

____________

و قد يناقش بأنّ ما ورد في عدم بطلان دم امرئ مسلم لا يدلّ على ثبوت الدية في تركة الجاني، و رواية أبي بصير واردة في هرب الجاني حيث يحتمل أنّ أخذه من ماله عقوبة على فراره و ما في ذيلها من التعليل ناظر إلى أداء الإمام لا على كونها في مال الجاني، و الأخذ من العاقلة و رواية البزنطي خالية عن التعليل.

(1) ذكر جماعة أنّه لو اقتصّ المجني عليه من قاطع يده ثمّ مات المجني عليه بالسراية ثمّ مات الجاني أيضا بسراية جراحة قطع يده وقع موته بالسراية موضع القصاص في النفس فلا يكون في تركته دية لأولياء المجني عليه حتّى بناء على الانتقال إلى الدية من تركة الجاني مع عدم إمكان الاقتصاص لموته، بل ذكر عدم الخلاف في ذلك.

و أمّا إذا مات الجاني أوّلا ثمّ مات المجني عليه بالسراية يكون المورد من موارد انتفاء موضع القصاص و يجي‌ء فيه احتمال رجوع أولياء المجني عليه في ديته من تركة الجاني؛ لأنّه في الفرض لا يكون موت الجاني قصاصا بل يكون هدرا، فإنّه يتعلّق حقّ القصاص لأولياء المجني عليه بعد موته.

أقول: الظاهر عدم الفرق بين الصورتين، فإنّ موت الجاني بالسراية بعد موت المجني عليه لا يعدّ قصاصا من نفس المجني عليه، فإنّ القصاص من نفس المجني عليه يثبت لأولياء المجني عليه لا للمجني عليه، و سراية جراحة‌

272

[الثانية عشرة: لو قطع يد إنسان فعفى المقطوع]

الثانية عشرة: لو قطع يد إنسان فعفى المقطوع (1)، ثمّ قتله القاطع، فللولي القصاص في النفس بعد ردّ دية اليد، و كذا لو قتل مقطوع اليد قتل بعد أن يرد عليه دية يده إن كان المجني عليه أخذ ديتها أو قطعت في قصاص و لو كانت قطعت

____________

الجاني غير مضمونة على المجني عليه ليكون في البين تهاتر.

و المتعيّن في المقام أن يقال: إن كان قصد كلّ من الجاني و المجني من القطع القتل أو كانت الجراحتان مما يقتل عادة لا يبقى مع موتهما مورد الاقتصاص و يقع التهاتر في مطالبة الدية بناء على وصول النوبة إلى الدية مع فوت مورد القصاص، و أمّا إذا لم يكن قصدهما القتل و لم تكن الجراحة مما تقتل عادة تثبت في مال الجاني الدية بلا فرق بين موته أوّلا بالسراية أو موت المجني عليه كذلك؛ لأنّ سراية جراحته غير مضمونة على المجني عليه، بخلاف موت المجني عليه بسراية جراحته فإنّها مضمونة على الجاني، فإنّ السراية في الحدود و القصاص هدر.

و دعوى أنّ أولياء المجني عليه يرجعون إلى نصف الدية؛ لأنّ النصف الآخر استوفى ببدله بقطع المجني عليه يد الجاني، لا يمكن المساعدة عليها؛ لأنّ القطع لا يكون استيفاء من دية النفس. نعم بناء على أنّ الدية لا تثبت بفوت مورد القصاص، فلا يكون لأولياء المجني عليه أيضا دية في مال الجاني إذا كان قصد الجاني القتل أو كانت جراحته قاتلة.

(1) ظاهره كون المراد ما إذا قطع الجاني يد الآخر عمدا فعفى المجني عليه الجاني عن جنايته التي هي قطع اليد، ثمّ قتل الجاني المجني عليه عمدا، يثبت لأولياء المجني عليه الاقتصاص من الجاني في النفس بعد ردّ دية اليد عليه، و قد تقدّم أنّ الجناية على المجني عليه بقتله جناية اخرى غير الجناية التي بقطع يده أوّلا، و مقتضى القاعدة أن يكون للأولياء القصاص في النفس من‌

273

..........

____________

الجاني من غير ردّ دية اليد، حيث انّ القصاص من اليد لا يدخل في القصاص من النفس إذا كان كلّ منهما بجناية مستقلّة، و لكن المحكي عن المشهور على ما قيل الالتزام بما ذكره الماتن (قدس سره) مستندا إلى رواية سورة ابن كليب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل قتل رجلا عمدا و كان المقتول أقطع اليد اليمنى فقال: إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها إن كان أخذ دية يده و يقتلوه، و إن شاءوا طرحوا عنه دية يد و أخذوا الباقي، قال: و إن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه و لا أخذ لها دية قتلوا قاتله، و لا يغرم شيئا، و إن شاءوا أخذوا دية كاملة، قال: و هكذا وجدنا في كتاب علي (عليه السلام)» (1).

و هذه الرواية و إن تشمل ما إذا كان قاطع يد المقتول قاتله، و لكنها لا تقتضي ردّ الدية في صورة عفو المقطوع عن جنايته مطلقا، فإنّ ظاهر أخذ الدية استيفائها، ففي فرض كون قطع اليد اقتصاصا من الجناية أو أخذ الدية على يده المقطوعة يتعلّق على قاتله الاقتصاص في النفس بعد ردّ دية اليد عليه، و لكن سورة بن كليب لم يثبت له توثيق و المدح المنقول في حقّه ضعيف سندا، فرفع اليد عن القاعدة بها لا يخلو عن التأمّل و الإشكال.

و مما ذكر يظهر الحال فيما ذكر الماتن (قدس سره) و كذا لو قتل مقطوع اليد قتل بعد أن يرد عليه دية اليد إن كان المجني عليه أخذ ديتها أو قطعت في قصاص و لو كانت قطعت في غير جناية و لا أخذ لها دية قتل.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 50 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 82.

274

من غير جنابة و لا أخذ لها دية قتل القاتل من غير ردّ و هي رواية سورة بن كليب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و كذا لو قطع كفّا بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع (1).

____________

و مما ذكر يظهر الحال فيما إذا قطع الكفّ ممّن قطع أصابعه في جناية أو أخذ الدية عليها.

(1) و المستند في ذلك رواية الحسن بن العباس عن الجريش عن أبي جعفر الثاني قال: «قال أبو جعفر الأول لعبد اللّه بن عباس: يا ابن عباس انشدك اللّه هل في حكم اللّه اختلاف؟ قال فقال: لا، قال: فما تقول في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتّى سقطت فذهبت، و أتى رجل آخر فأطار كفّ يده فأتى به إليك و أنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفّه، و أقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت، و ابعث إليهما ذوي عدل. فقال له: قد جاء الاختلاف في حكم اللّه و نقضت القول الأول، أبى اللّه أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود و ليس تفسيره في الأرض، اقطع يد قاطع الكفّ أصلا ثمّ اعطه دية الأصابع هذا حكم اللّه» (1).

و في السند ضعف بسهل بن زياد و الحسن بن العباس و مقتضى القاعدة ثبوت القصاص في قطع الكفّ من غير ردّ الدية بلا فرق بين أخذ المقطوع دية أصابعه أو اقتصّ منها أم لا؛ و لذا لو كان قاطع الكفّ قاطعا للأصابع أوّلا ثمّ قطع كفّه كان للمجني عليه العفو عن الجناية على الأصابع و الاقتصاص من الجناية بقطع كفّه من غير ردّ الدية.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب القصاص في الطرف، الحديث 1: 129.

275

و لو ضرب (1) ولي الدم الجاني قصاص و تركه ظنّا أنّه قتله و كان به رمق فعالج نفسه و برأ لم يكن للولي القصاص في النفس حتّى يقتصّ منه بالجراحة أوّلا و هذه رواية أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أحدهما (عليه السلام) و في أبان ضعف مع

____________

(1) ذكر (قدس سره) أنّه إذا ضرب وليّ المقتول ظلما القاتل حتّى تركه اعتقادا أنّه قتل و لكن كان في الجاني رمق فعالج نفسه و برأ لم يكن للوليّ المزبور قتله ثانيا حتّى يقتصّ الجاني منه بالجراحة التي أوقعها عليه أوّلا.

و يدلّ على ذلك مرسلة أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «اتي عمر بن الخطاب برجل قد قتل أخا رجل فدفعه إليه و أمره بقتله، فضربه الرجل حتى رأى أنّه قد قتله، فحمل إلى منزله فوجدوا به رمقا فعالجوه فبرأ فلما خرج أخذه أخو المقتول الأول فقال أنت قاتل أخي، ولي أن أقتلك، فقال: فقد قتلتني مرّة، فانطلق به إلى عمر فأمر بقتله، فخرج و هو يقول: و اللّه قتلتني مرّة، فمرّوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبره خبره فقال: لا تعجل حتّى أخرج إليك، فدخل على عمر فقال: ليس الحكم فيه هكذا! فقال: ما هو يا أبا الحسن؟ فقال: يقتصّ هذا من أخي المقتول الأول ما صنع به أولا ثمّ يقتله بأخيه، فنظر الرجل انّه إن اقتصّ منه أتى على نفسه فعفا عنه و تتاركا» (1).

و هذه الرواية مع إرسالها لم يقيّد بصورة ما ليس الاقتصاص به، بل إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين الصورتين مع أنّ أخذ القصاص من الولي المفروض أنّه قصد القتل كان استيفاء لحقّه لا ينطبق على القواعد.

و الأظهر أنّه إذا كان ضرب الولي بما ليس له الاقتصاص به فليس له القصاص من الجاني إلّا بعد اقتصاص الجاني من الجراحة التي أوردها عليه‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 61 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 94.

276

إرساله السند، و الأقرب أنّه إن ضربه الولي بما ليس له الاقتصاص به اقتصّ منه و إلّا كان له قتله، كما لو ظنّ أنّه أبان عنقه ثمّ تبين خلاف ظنّه بعد انصلاحه فهذا له قتله و لا يقتصّ من الولي؛ لأنّه فعل سائغ.

____________

أوّلا، فإنّ الجراحة المزبورة لم تكن قتلا ليقال إنّه تعدّى في كيفية استيفاء حقّه فيستحقّ التعزير، كما تقدّم في تعدّي الولي في كيفية الاقتصاص من الجاني. و أمّا إذا كان ضربه بما له الاقتصاص به فله الاقتصاص من الجاني ثانيا بقتله، غاية الأمر جنايته على الجاني أوّلا جناية خطأ يكون عليه الدية أو الارش.

***

277

[القسم الثاني في قصاص الطرف]

القسم الثاني في قصاص الطرف و موجبه الجناية بما يتلف العضو غالبا أو الاتلاف بما قد يتلف لا غالبا مع قصد الاتلاف (1)، و يشترط في جواز الاقتصاص التساوي في الإسلام و الحرّية، أو يكون المجني عليه أكمل فيقتصّ للرجل من المرأة و لا يأخذ الفضل، و يقتصّ لها منه بعد ردّ التفاوت في النفس أو الطرف، و يقتصّ للذمي من الذمي و لا يقتصّ له من مسلم، و للحرّ من العبد، و لا يقتصّ للعبد من الحرّ، كما لا يقتصّ له في النفس.

____________

(1) المراد من الطرف: العضو، سواء كان العضو من الأعضاء المعروفة من أجزاء الجسد، كاليد و الرجل و الأنف و نحوها، أم لا، كالجرح في الظهر و البطن. و قد تقدّم انّ الموجب للقصاص هي الجناية عمدا، و يكون الجناية العمدي في الطرف بما يتلف العضو غالبا، أو يتلف العضو اتفاقا، و لكن كان بقصد اتلافه، و قد ذكر سبحانه في قوله وَ كَتَبْنٰا عَلَيْهِمْ فِيهٰا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ الآية (1).

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

278

..........

____________

و قد وردت الروايات في القصاص من الطرف و الجروح، و يأتي التعرّض لها في المباحث الآتية.

و قد ورد في صحيحة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كان من جراحات الجسد أنّ فيها القصاص أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها» (1)، و مثلها صحيحته الثانية (2).

و بالجملة القصاص في الطرف يثبت مع الجناية عليه عمدا، و أمّا إذا كان من شبه العمد أو الخطأ المحض فيثبت الدية على ما مرّ في الجناية على النفس.

و كما يعتبر بعض الامور في القصاص في النفس من التساوي في الإسلام و الحرّية أو كان المجني عليه مسلما أو حرّا و هو المراد بقول الماتن «أو يكون المجني عليه أكمل» فكذلك يثبت ذلك في القصاص في الطرف.

و أمّا اشتراط التساوي في الدّين بمعنى أنّه إن جنى الذمّي و نحوه على المسلم يقتصّ منه، و أمّا إذا جرح المسلم الذمّي و نحوه لا يقتصّ من المسلم فيدلّ عليه في الجناية على الأطراف صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يقاد مسلم بذمّي في القتل و لا في الجراحات، و لكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمي ثمانمائة درهم» (3).

و لكن في صحيحة أبي بصير قال: «سألته عن ذمّي قطع يد مسلم، قال: تقطع يده إن شاء أوليائه و يأخذون فضل ما بين الديتين، و إن قطع المسلم يد المعاهد خيّر أولياء المعاهد فإن شاءوا أخذوا دية يده و إن شاءوا‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 3: 132.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 5: 133.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 8 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 127.

279

..........

____________

قطعوا يد المسلم و أدّوا إليه فضل ما بين الديتين، و إذا قتله المسلم صنع كذلك» (1). و لكنّ الرواية مضمرة و مضمونها مما لا يمكن الأخذ به، فإنّ أمر القصاص في الطرف بيد المجني عليه لا أوليائه سواء كانت على مسلم أو على ذمّي، مع أنّ المسلم إذا اقتصّ من الذمي بقطع يده لا يكون له فضل ما بين الديتين، كما هو الحال في الاقتصاص من الذمّي في النفس.

و عن بعض الأصحاب حملها على صورة الاعتياد.

و فيه مع أنّه لا شاهد للحمل المزبور، ففي تلك الصورة أيضا لا يكون الأمر بيد الأولياء.

و أمّا التساوي في الحرّية بمعنى أنّه يقتصّ من العبد بالحرّ في الجناية على الطرف و لا يقتصّ من الحرّ بجنايته على العبد في الطرف كما في الجناية على النفس فيدلّ عليه صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «في عبد جرح حرّا فقال: إن شاء الحر اقتصّ منه، و إن شاء أخذه إن كانت الجناية تحيط برقبته، و إن كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه، فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحرّ المجروح من العبد بقدر دية جراحه و الباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقّه و يردّ الباقي على المولى» (2).

نعم، و ان يتعيّن القصاص في مورد الجناية عمدا و مطالبة غيره يتوقّف على التراضي إلّا أنّه يرفع اليد عن اطلاق ما دلّ على تعيّن القصاص في مورد جناية العبد على الحرّ كما هو ظاهر الصحيحة.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 22 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 138.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 3 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 124.

280

..........

____________

و لا يقتصّ من الحرّ بالعبد بلا خلاف من غير فرق بين القصاص في النفس و الطرف، كما يدلّ على ذلك ما في صحيحة أبي ولّاد الحنّاط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ... «و لا تقاص بين المكاتب و بين العبد إذا كان المكاتب قد أدّى من مكاتبته شيئا، فإن لم يكن أدّى من مكاتبته شيئا فإنّه يقاص العبد به أو يغرّم المولى كلّ ما جنى المكاتب؛ لأنّه عبده ما لم يؤدّ من مكاتبته شيئا» (1)، فإنّه إذا تحرّر بعض العبد لم يجز الاقتصاص منه للعبد، ففي الحرّ المطلق يكون بالأولوية.

و يمكن الاستدلال على ذلك بما ورد في معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: «ليس بين العبيد و الأحرار قصاص فيما دون النفس» (2)، و في رواية مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه «يقاص من أمّ الولد للمماليك و لا قصاص بين الحرّ و العبد» (3).

ثمّ انّه كما يكون لأولياء المرأة المقتولة الاقتصاص لها في النفس من الرجل القاتل و لكن بعد ردّ نصف الدية و لأولياء الرجل المقتول القصاص له من المرأة القاتلة من غير أخذ الفضل كذلك الحال في القصاص في الطرف، فيقتصّ الرجل المجني عليه من المرأة الجانية في الطرف من غير أخذ الفضل، و تقتصّ المرأة المجني عليها من الرجل الجاني في الطرف، و لكن بعد ردّ نصف الدية عليه.

و يشهد لذلك- مع أنّ الحكم متسالم عليه عن الأصحاب- صحيحة‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 46 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 78.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 22 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 3: 139.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 43 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 76.

281

..........

____________

الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل فقأ عين امرأة فقال: إن شاءوا أن يفقئوا عينه و يؤدّوا إليه ربع الدية و إن شاءت أن تأخذ ربع الدية، و قال في امرأة فقأت عين رجل انّه إن شاء فقأ عينها و إلّا أخذ دية عينه» (1)، مضافا إلى ما تقدّم من الروايات الدالّة على انّ الجاني لا يجني أكثر من نفسه.

نعم بما أنّ المرأة تعادل الرجل في الدية إلى أن يبلغ الثلث أو جاوز الثلث لا يكون في اقتصاص المرأة المجني عليها عن الرجل الجاني ردّ الدية ما لم يبلغ دية الجراحة الثلث أو ما لم يتجاوز الثلث.

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «جراحات الرجال و النساء سواء، سنّ المرأة بسنّ الرجل، و موضحة المرأة بموضحة الرجل، و اصبع المرأة باصبع الرجل، حتّى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية ضعّفت دية الرجل على دية المرأة» (2).

و نحوها صحيحة جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة بينها و بين الرجل قصاص، قال: «نعم في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل و سفلت المرأة» (3).

و في صحيحة الحلبي قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن جراحات الرجال و النساء في الديات و القصاص السنّ بالسن و الشجّة بالشجّة و الاصبع بالاصبع سواء حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية فإذا جازت الثلث‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 2 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 124.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 122.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 3: 122.

282

..........

____________

صيّرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية و دية النساء ثلث الدية» (1).

و في مقابل كلّ ذلك موثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال:

«ليس بين الرجال و النساء قصاص إلّا في النفس» (2)، و قد حمل هذه الموثقة على عدم التساوي في القصاص و عدم ثبوت القصاص من غير ردّ.

و لكن هذا الحمل لا يناسب الاستثناء، فإنّ في الاقتصاص في النفس أيضا لا يجوز الاقتصاص لأولياء المرأة من الرجل من غير ردّ.

و الظاهر أنّ الرواية شاذّة لا عامل بها، و مع الاغماض يؤخذ بالروايات المتقدّمة لموافقتها لظاهر الكتاب أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ (3).

ثمّ انّ الوارد في الروايات المساواة في القصاص حتّى يبلغ ثلث الدية، يعني دية النفس، و لكن في معتبرة ابن أبي يعفور قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قطع اصبع امرأة قال: تقطع اصبعه حتّى تنتهي إلى ثلث المرأة فإذا جاز الثلث اضعف الرجل» (4)، و ظاهرها اختصاص القصاص من غير ردّ بصورة تجاوز الثلث، و لكن لا بدّ مع اختلاف بين الطائفتين في هذه الجهة الرجوع إلى ما دلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل، فيتعيّن الرد فيما إذا بلغ الثلث، و إن لم يتجاوز.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 6: 123.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 7: 124.

(3) سورة المائدة: الآية 45.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 4: 123.

283

و التساوي في السلامة، فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلاء و لو بذلها الجاني، و تقطع الشلاء بالصحيحة (1).

____________

(1) المراد أنّه يعتبر في ثبوت قصاص العضو أن يكون العضو من المجني عليه مساويا للعضو من الجاني إذا أراد المجني عليه القصاص دون العكس، فيلزم على ذلك أنّه لو قطع الجاني اليد الشلاء من الآخر عمدا لا يجوز للمجني عليه أن يقتصّ من الجاني بقطع يده الصحيحة، بل ينتقل الأمر إلى أخذ الدية بخلاف ما إذا قطع الشلاء اليد الصحيحة من الآخر، فإنّه يجوز للآخر قطع اليد الشلاء من الجاني.

و قد ذكر في الجواهر (1) اعتبار المماثلة كذلك في الشلل و المحلّ و الاصالة و الزيادة و نفى عنه الخلاف و قال عدم جواز قطع اليد الصحيحة باليد الشلاء مفروغ منه عندهم.

و يستدلّ على ذلك برواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل قطع يد رجل شلاء قال: عليه ثلث الدية» (2) بدعوى انّ اطلاقها يعمّ ما إذا كان قطعها عمديّا أم لا، و مقتضى ثبوت ثلث الدية في الصورتين عدم مشروعيّة القصاص، و عليه فلو بذل الجاني اليد الصحيحة للاقتصاص لم يجز للمجني عليه الاقتصاص، بل له أخذ دية يده الشلّاء.

و يضاف إلى ذلك قوله سبحانه فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ. وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ (3) بناء على كون المراد المماثلة في المتعدى به.

و لكن قد يناقش في الحكم بضعف الرواية سندا، فإنّ من رجال السند‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 348.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 28 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1: 253.

(3) سورة البقرة: الآية 194.

284

..........

____________

حماد بن زيد (زياد) و لم يثبت له توثيق، و لا أنّه من المعاريف الذين لم يرد فيهم قدح، و رواية ابن محبوب لا يفيد شيئا، مضافا إلى إطلاق قوله سبحانه وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ (1)، و النسبة بين الآية و الرواية و إن كانت العموم من وجه لشمول الجروح في الآية إلى غير قطع اليد و شمول الرواية لصورة قطع اليد الشلّاء خطأ، إلّا أنّه لا اعتبار لاطلاق الرواية عند المعارضة مع اطلاق الآية و قوله سبحانه فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (2) و قوله وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ (3) ظاهرهما المماثلة في أصل الاعتداء و العقاب، بحيث يصدق عليه القصاص لا الاعتداء و الظلم.

و قد يستدلّ على الحكم برواية الحسن بن صالح، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن عبد قطع يد رجل حرّ و له ثلاث أصابع من يده شلل، فقال: و ما قيمة العبد؟ قلت: اجعلها ما شئت، قال: إن كان قيمة العبد أكثر من دية الاصبعين الصحيحتين و الثلاث الاصابع الشلل ردّ الذي قطعت يده على مولى العبد ما فضل من القيمة و أخذ العبد، و إن شاء أخذ قيمة الاصبعين الصحيحتين و الثلاث الأصابع الشلل، قلت: و كم قيمة الاصبعين الصحيحتين مع الكفّ و الثلاث الأصابع الشلل؟ قال: قيمة الاصبعين الصحيحتين مع الكفّ ألفا درهم، و قيمة الثلاث أصابع الشلل مع الكفّ ألف درهم لأنّها على الثلث من دية الصحاح» قال: «و إن كانت قيمة العبد أقلّ من دية الاصبعين الصحيحتين و الثلاث الأصابع الشلل دفع العبد‌

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

(2) سورة البقرة: الآية 194.

(3) سورة النحل: الآية 126.

285

..........

____________

إلى الذي قطعت يده أو يفتديه مولاه و يأخذ العبد» (1). و وجه الاستدلال أنّ مقتضاها عدم جواز قطع يد العبد قصاصا و يتعيّن أخذ العبد أو دية جنايته.

و لكن مضافا إلى ضعف سنده يجري فيه ما تقدّم في رواية سليمان بن خالد من كونها ناظرة إلى بيان الدية إذا كان يد المجني عليه شلّاء أو بعض أصابعه كذلك، و ليست في مقام نفي القصاص إذا أراد المجني عليه الاقتصاص من الجاني الذي يده شلّاء، و بالجملة الروايتان نظير صحيحة الحلبي الواردة في بيان كميّة الدية في قطع اليد الشلّاء لا نفي القصاص في موردها إذا كان للجاني اليد الصحيحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل يكسر ظهره قال: فيه الدية كاملة، و في العينين الدية، و في أحدهما نصف الدية، و في الاذنين الدية، و في إحداهما نصف الدية، و في الذكر إذا قطعت الحشفة و ما فوق الدية، و في الأنف إذا قطع المارن الدية، و في الشفتين الدية» (2)، فإنّ بيان الدية في الصحيحة مع ثبوت القصاص في مثل قلع العين و فقأها لا ينافي ما ورد فيها من بيان كمية ديتها.

ثمّ انّ المراد بالشلل يبس اليد بحيث لا تعمل، و أن يكون لها حسّ أو حركة ضعيفة، و أمّا عدم سلامة اليد من ناحية غير الشلل لا يوجب سقوط الاقتصاص كما هو مقتضى الاطلاق في قوله تعالى: وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ (3)، فيقطع اليد القويّة اقتصاصا من قطع صاحبها اليد الضعيفة من الآخر عمدا، و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 28 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2: 253.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 1 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 4: 215.

(3) سورة المائدة: الآية 45.

286

إلّا أن يحكم أهل الخبرة أنها لا تنحسم (1) فيعدل إلى الدية تفصّيا من خطر السراية.

و تقطع اليمين باليمين (2) فإن لم يكن يمين قطعت بها يسراه، و لو لم يكن له يمين و لا يسار قطعت رجله استنادا إلى الرواية، و كذا لو قطع أيدي جماعة على التعاقب قطعت يداه و رجلاه بالأول فالأول و كان لمن يبقى الدية.

____________

(1) المراد إحراز انّ القصاص من الجاني بقطع يده الشلاء يوجب هلاكه لسرايته إلى نفسه، و حيث لا يجوز إتلاف نفس الجاني ينتقل الأمر إلى الدية على ما يستفاد مما ورد في موارد متعدّدة من أنّه مع المحذور في القصاص ينتقل الأمر إلى الدية.

(2) لأنّ مع وجود اليد المماثلة من جهة الطرف يكون الجزاء بالمثل، الاقتصاص بالعضو المماثل في الطرف، و هذا بخلاف ما لم يكن للجاني المماثل في الطرف، فإنّ الاقتصاص بغير المماثل في الطرف يعدّ جزاء بالمثل.

و يدلّ على ذلك ما ورد في صحيحة محمد بن قيس قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أعور فقأ عين صحيح فقال: تفقأ عينه، قال: قلت: يبقى أعمى، قال: الحقّ أعماه» (1). فإنّ الاطلاق في الجواب يقتضي عدم الفرق بين أن يكون عينه الصحيحة التي تفقأ مماثلا مع جنايته في المحلّ و عدمه.

و يدلّ على ذلك أيضا الصحيح عن حبيب السجستاني قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين، قال: «يا حبيب تقطع يمينه للذي قطع يمينه أوّلا، و تقطع يساره للذي قطع يمينه أخيرا؛ لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير و يمينه قصاص للرجل الأول، قال: فقلت: إنّ عليا كان يقطع اليد اليمنى و الرجل اليسرى؟ فقال: إنّما كان يفعل ذلك في ما‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 15 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 134.

287

..........

____________

يجب من حقوق اللّه، فأمّا يا حبيب حقوق المسلمين فإنّه يؤخذ لهم حقوقهم في القصاص اليد باليد إذا كانت للقاطع يد (يدان) و الرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد، فقلت له: أو ما تجب عليه الدية و تترك له رجله؟

فقال: إنّما تجب عليه الدية إذا قطع يد رجل و ليس للقاطع يد و لا رجلان فثمّ تجب عليه الدية؛ لأنّه له جارحة يقاس منها» (1).

و لكن في سند الرواية ضعف حيث لم يثبت لحبيب توثيق و لا مدح و لا أنّه من المعاريف الذين لم يرد فيهم قدح، بل في مدلولها أيضا كلام، فإنّ مقتضى ذيلها أنّه إذا لم يكن له رجل يقتصّ من ساير أعضائه التي لها نصف الدية، مع أنّه ذكر فيها مع عدم الرجل الانتقال إلى الدية و لو كان المراد بالمماثل المماثل عضوا فلا يكون الرجل عضوا مماثلا لليد، و مقتضى ما تقدّم أنّه مع عدم اليد ينتقل الأمر إلى الدية.

و مما ورد في صدر الرواية يظهر الحال فيما ذكر الماتن (قدس سره): و كذا إذا قطع أيدي جماعة على التعاقب قطعت يداه و رجلاه على التعاقب بالأول فالأول و كان لمن يبقى الدية.

و حيث ذكرنا ضعف الرواية فمقتضى القاعدة انّ لكلّ من قطع يمينه فله الاقتصاص من يمينه إذا لم يقتصّ غيره قبله بقطع يمينه نظير ما تقدّم في قتل شخص عدّة أشخاص عمدا، و إذا اقتصّ غيره قبله من الجاني بقطع يمينه يقطع هو شماله و إذا لم يبق له يمين و شمال ينتقل الأمر إلى الدية بالإضافة إلى الباقين، و اللّه العالم.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 12 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 2: 131.

288

و يعتبر التساوي بالمساحة في الشجاج طولا و عرضا (1)، و لا يعتبر نزولا بل يراعى حصول اسم الشجّة لتفاوت الرءوس في السّمن، و لا يثبت القصاص فيما

____________

(1) هذا معروف بحسب كلمات الأصحاب و نفى عنه الخلاف بل يدّعى عليه التسالم بينهم فلا يقنع من الجراحة الواسطة طولا بالضيّقة و لا يقتصّ من الضيّقة بالواسعة. و صرّح غير واحد منهم عدم اعتبار التساوي في العمق بل المعتبر أن يصدق على الجرح الذي يقع من المجني عليه اقتصاصا عنوان الجراحة التي اقتصّ منها بأن يصدق عليها عنوان الباضعة مثلا فيما كانت جراحة الجاني باضعة.

و ذكروا في وجه ما ذكر بعد ثبوت القصاص في الجروح كما دلّ عليه الكتاب المجيد و الروايات اعتبار المماثلة و العدل و عدم جواز الجور في القصاص و مقتضاها اعتبار المساحة في الجراحتين، و أمّا عدم اعتبارها في العمق لاختلاف الرءوس في السمن و عدمه فلا بدّ من رعاية الاسم و العنوان الخاص المنطبق على جراحة المجني عليه في الجراحة التي تقع قصاصا.

و على الجملة، الاختلاف في الرءوس من حيث السمن كالاختلاف في الأطراف من حيث الصغر و الكبر، و كما لا يعتبر المساحة في الأطراف فيقطع اليد الكبير باليد الصغير كذلك يقع الجراحة التي أكثر عمقا قصاصا من الجراحة التي أقلّ منها عمقا بحسب المساحة مع رعاية صدق الاسم و الاختلاف كذلك لا يوجب عدم صدق الاقتصاص المماثل و عدم التعدي فيه.

أقول: لازم اعتبار التساوي بين الجراحتين في المساحة فيما كان رأس المجني عليه كبيرا و رأس الجاني صغيرا أن يجرح مثلا تمام رأس الجاني طولا أو عرضا فيما كانت مساحة رأسه طولا أو عرضا بمقدار طول الجراحة التي‌

289

فيه تعزير (1) كالجائفة و المأمومة، و يثبت في الحارصة و الباضعة و السمحاق و الموضحة و في كلّ جرح لا تعزير في أخذه و سلامة النفس معه غالبة، فلا يثبت في الهاشمة و لا المنقّلة و لا كسر شي‌ء من العظام لتحقّق التقرير.

____________

حصلت في رأس المجني عليه طولا أو عرضا و لو كانت مساحتها بالإضافة إلى رأسه الكبير بالنصف حتّى صرّح بعضهم لو كانت مساحتها أكثر من مساحة طول رأس الجاني أو عرضه لا ينزل في الاقتصاص في وجه الجاني أو قفاه بل يقتصر على مساحة رأسه و يؤخذ في الزائد الدية، مثلا في الباضعة إذا كانت الجراحة المقتصّ بها ثلثي مساحة جراحة المجني عليه يأخذ المجني عليه ثلث الدية.

و لكن لا يمكن المساعدة على ما ذكروه، فإنّه كما يلاحظ الجراحة في العمق بحسب كلّ رأس لاختلاف الرءوس و صدق المماثلة مع صدق الاسم كذلك في الجراحة بحسب المساحة، فإنّه إذا كانت جراحة المجني عليه بحسبها ثلثي رأسه طولا يتعيّن أن يكون جراحة الجاني أيضا ثلثي مساحة رأسه.

(1) قد ذكروا أنّه لا يثبت القصاص في الجراحة و نحوها، مما يكون تلف النفس أو تلف العضو فيه غالبيا، و عدم التعدّي في الاقتصاص أمر نادر كما في الهاشمة التي تهشم العظم أي تكسره، و إن لم يشتق حيث كون القصاص بحيث لا يتعدّى عن مقدار الجناية أمر نادر، و كذا في الجائفة.

و المأمومة و المنقّلة بل في مطلق كسر العظام، و يدلّ على ذلك رواية غياث بن كلوب عن اسحاق بن عمار عن جعفر أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: «ليس في عظم قصاص» (1).

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 24 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 140.

290

..........

____________

و مقطوعة أبان انّ في روايته: «الجائفة ما وقعت في الجوف ليس لصاحبها قصاص إلّا الحكومة و المنقّلة تنقل منها العظام و ليس فيها قصاص إلّا الحكومة و في المأمومة ثلث الدية ليس فيها قصاص إلّا الحكومة» (1)، و نحوها رواية أبي حمزة (2).

و على الجملة، إنّما جعلت القصاص حفظا لسلامة الناس و المحافظة على أمنهم بالتعدّي و الجور عليهم و إذا استلزم القصاص التعدّي نوعا فلا يثبت.

نعم، للمجني عليه القصاص في هذه الموارد بالأقل، حيث لا يكون في الاقتصاص بالأقل تعزير و مطالبة الجاني بالارش في جنايته الزائدة بالدية، و بتعبير آخر: إذا وقعت الجراحة عمدا- كما هو المفروض- فللمجني عليه إذا كانت جراحته أكثر أن يقتصّ من الجاني بالأقل و يطالبه في الأكثر الذي لا يقتصّ منه بالدية بحذف دية الأقل، كما ذكر ذلك جملة من الأصحاب أخذا بقوله سبحانه: وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ (3)، مع رعاية عدم جواز الاقتصاص من الأكثر.

بقي أمر و هو أنّه قد ورد في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن السنّ و الذراع يكسران عمدا لهما ارش أو قود؟ فقال:

قود، قال قلت: فإن اضعفوا الدية؟ قال: إن أرضوه بما شاء فهو له» (4)،

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 16 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 135.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 16 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 2: 135.

(3) سورة المائدة: الآية 45.

(4) الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 4: 133.

291

و هل يجوز الاقتصاص قبل الاندمال، قال في المبسوط: لا، لما لا يؤمن من السراية الموجبة لدخول الطرف فيها (1)، و قال في الخلاف بالجواز مع استحباب الصبر، و هو أشبه.

____________

و هذه الصحيحة و إن تكن أخصّ بالإضافة إلى ما ورد «ليس في كسر العظام قصاص» إلّا أنّ إعراض الأصحاب عن العمل بها مع ملاحظة ما ذكرنا يوجب حملها على ما إذا كان الكسر بحيث تكون السنّ أو الذراع تالفا بحيث لا يرجى سلامتهما و إلّا فلا يمكن الأخذ بها.

(1) إذا جرح الآخر عمدا و أراد المجني عليه القصاص من الجاني مع احتمال سراية الجراحة إلى نفس المجني عليه فهل يجوز له الاقتصاص من جرحه أو يلزم الصبر فإن برء- أي لم تسر جراحته- ثبت له قصاص من جراحته، و إن سرت ثبت لوليّه القصاص بالنفس مطلقا كما عليه المشهور، أو فيما إذا كان قصد الجاني القتل أو كانت جراحته قاتلة نوعا و المشهور أنّه يجوز للمجني عليه الاقتصاص قبل الاندمال بل يقال لم يعلم الخلاف إلّا عن الشيخ في المبسوط و ربما يقال عدم الخلاف في المسألة؛ لأنّه قال في المبسوط: و التأخير أحوط، و لعلّه أراد الاستحباب نظير ما ذكر في الخلاف.

و كيف كان، فيستدلّ على ذلك بأنّ مقتضى قوله سبحانه وَ الْجُرُوحَ قِصٰاصٌ (1) ثبوت حق القصاص بمجرّد تحقّق الجناية الجرحية و احتمال السراية و تبدّله بالقصاص من النفس منفي بالأصل.

أقول: إذا كان قصد الجاني بجرحه قتله فسرت جراحته فمات فموته كاشف عن عدم ثبوت حقّ الاقتصاص من الجراحة للمجني عليه، فإنّ قوله‌

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

292

..........

____________

سبحانه وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً (1) حصر القصاص في الاقتصاص بالنفس و ثبوته لولي المقتول، و لا ينحصر مدلول الآية بما إذا كان القتل آنيّا مترتّبا على الجراحة فورا، كما هو ظاهر.

و على ذلك، فإن أراد الولي الاقتصاص من الجاني فاللازم دفع دية الجراحة التي أوردها المجني عليه حيث أنّه لم يكن جنايته إلّا لقيام الحجّة عنده بأنّ قصاص الجراحة حقّ له كما هو مقتضى الاستصحاب في عدم السراية.

و هذا بخلاف ما إذا لم يكن جراحته قاتلة غالبا و لم يكن من قصد الجاني قتله، و لكن اتفقت السراية فإنّه ليس في الفرض حقّ الاقتصاص للولي بل له أخذ دية النفس من غير أن يرد على الجاني شيئا من الدية؛ لأنّه كان في الفرض حقّ القصاص للمجني عليه عند حدوث الجناية واقعا و قد استوفاه.

و لكن ربّما يقال ينافي القصاص قبل الاندمال ما ورد في رواية إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام) أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: «لا يقضى في شي‌ء من الجراحات حتّى تبرأ» (2).

و فيه انّ مدلولها عدم القضاء فيما كان لبرء الجراحة أثر، و أمّا إذا لم يكن كذلك بأن لم يكن لبرئها أثر فلا يعمّه.

و قد ذكرنا أنّ الأثر يختلف إذا كان الجراحة بحيث تكون قاتلة أو كان قصد الجاني القتل فإنّه إذا حصل البرء يثبت القصاص للمجني عليه و إذا‌

____________

(1) سورة الاسراء: الآية 33.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 42 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2: 211.

293

و لو قطع عدّة من أعضائه خطأ جاز أخذ دياتها و لو كانت أضعاف الدية (1)، و قيل يقتصر على دية النفس حتى يندمل ثم يستوفي الباقي أو يسري فيكون له ما أخذه و هو أولى؛ لأنّ دية الطرف تدخل في دية النفس وفاقا.

____________

لم يحصل بأن سرت و مات المجني عليه ثبت القصاص لوليّه، ففي مثل ذلك يمكن أن يقال مقتضى الرواية وجوب الصبر و عدم اعتبار الاستصحاب و أمّا إذا لم يكن قصد الجاني القتل و لم تكن الجناية قاتلة فالاقتصاص من الجراحة حقّ ثابت للمجني عليه سواء حصل البرء أم لا، و ما ذكر في الجواهر (1) ظاهره أنّ حقّ الاقتصاص من الجراحة ثابت للمجني عليه حتّى في صورة علمه بالسراية أخذا بالعموم، غاية الأمر إذا لم يستوف المجني عليه حتّى مات دخل في القصاص من نفس الجاني لم يعلم له وجه صحيح، بل مقتضى ما تقدّم انحصار الحقّ في الولي.

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) أنّه إذا وقعت الجناية في عدّة أعضاء المجني عليه خطأ بحيث يكون مجموع دياتها أكثر من دية النفس جاز للمجني عليه المطالبة بجميع دياتها و إن احتمل السراية فإنّ جوازها مبني على ما تقدّم من أنّ وقوع الجنايات موجبة لجواز المطالبة حيث انّ الأصل عدم السراية حيث إنّ السراية إلى النفس موجبة لدخولها في دية النفس، و لكن قد تقدّم أنّ مقتضى رواية إسحاق بن عمار عدم جواز المطالبة بها حيث لا يقضى في شي‌ء من الجراحات حتّى يبرأ و أنّ مقتضاها إلغاء اعتبار الاستصحاب في بقاء الجناية.

نعم، قد يقال هذا بالإضافة إلى ما للبرء دخل في الحكم و هو بالإضافة إلى الزائد من دية النفس و أمّا بالإضافة إلى مقدار ديتها فهو مما‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 358.

294

و كيفية القصاص في الجراح أن يقاس بخيط أو شبهه (1) و يعلم طرفاه في موضع الاقتصاص ثمّ يشقّ من إحدى العلامتين إلى الاخرى، فإن شقّ على الجاني جاز أن يستوفى منه في أكثر من دفعة و يؤخّر القصاص في الأطراف في شدّة الحرّ

____________

يستحقّ على الجاني على كلّ تقدير، فإنّ مدلولها عدم كون الحكم فصلا و إنهاء في الجراحات قبل البرء فلا بدّ في القضاء- أي انهاء الحكم في الجراحة- من انتظار البرء، و عليه فإذا كان استحقاق مقدار دية النفس قطعيّا يؤخذ بها.

و فيه انّ دية الأعضاء على تقدير عدم السراية تدخل في ملك المجني عليه من حين الجناية و دية النفس و إن يكن في حكم التركة إلّا أنّها تدخل في ملكه حين موته فتملك المجني عليه مقدار دية النفس حين الجناية عليه ليس أمرا قطعيّا بناء على ما ذكرنا من كون موته كاشفا عن كون الدية دية النفس، و على ذلك فمطالبته مقدار دية النفس بعد وقوع الجناية ليس أمرا متيقّنا حتّى يقال لا أثر للبرء بالإضافة إليه و لو كان أمر السند في الرواية تامّا فالمتعيّن الصبر إلى أن تظهر السراية أو عدمها، فالالتزام بما ذكر الماتن أوّلا و ما جعله أولى أخيرا، و هو المحكي عن الشيخ في المبسوط و العلّامة في التحرير و الارشاد و الشهيد و الأردبيلي، محلّ تأمّل، و اللّه العالم.

(1) المعتبر في القصاص هو المماثلة بين الجناية و الاقتصاص منها و قياس الجراح بخيط أو شبهه و ضبط الجاني حين الاقتصاص و لو اضطرب الجاني عند القصاص بحيث استندت الزيادة إليه فلا يضمن المقتص و إلّا فالضمان على المقتص لتوقّف إحراز المماثلة عليه و لو شقّ على الجاني الاقتصاص منه دفعة جاز الاقتصاص بمقدار جنايته في أكثر من دفعة؛ لأنّ حقّ الاستيفاء للمجني عليه فله اختيار الطريق الأسهل.

295

و البرد إلى اعتدال النهار، و لا يقتصّ إلّا بحديدة (1). و لو قلع عين إنسان، فهل له قلع عين الجاني بيده؟ الأولى انتزاعها بحديدة معوجّة فإنّه أسهل.

و لو كانت الجراحة تستوعب عضو الجاني و تزيد عنه لم يخرج في القصاص إلى العضو الآخر (2) و اقتصر على ما يحتمله العضو و في الزائد بنسبة المتخلّف إلى

____________

و أمّا ما ذكر (قدس سره) من وجوب تأخير القصاص في شدّة الحرّ أو البرد إلى اعتدال النهار فلا بأس بالالتزام به إذا كان الاقتصاص في شدّتهما موجبا لتعريض نفس الجاني للتلف لوجوب حفظ النفس المحترمة عن الهلاك و سراية الجراح، و أمّا إذا كان ذلك موجبا للمشقّة على الجاني فقد تقدّم ان استيفاء القصاص حقّ للمجني عليه فله اختيار الأسهل لا أنّ عليه أن يؤخّر الاستيفاء.

(1) ذكروا ذلك في كلماتهم، و لكن لم يرد في شي‌ء من الروايات اعتبار الحديدة في قصاص الأطراف، اللهم إلّا أن يقال انصراف القصاص بالجرح إليها فإنّ ظاهره الآلة المناسبة له و الآلة المناسبة ما كان من الحديد حتّى في مثل قلع العين اقتصاصا من العين، فإنّه يتعيّن كونه بحديدة معوجّة لا يوجب الجرح في غير موضع العين فإن أمكن للمجني عليه الاقتصاص من الجاني كذلك و إلّا يعيّن من ينوب عنه في ذلك. و يؤيّد ذلك ما ورد في القصاص من النفس من أنّه لا يترك وليّ القصاص يعبث بالجاني أو يمثّل بالقاتل (1).

(2) ذكروا أنّه لو كان العضو الذي وقعت جناية الجراح فيه من المجني عليه كبيرا و من الجاني صغيرا بحيث لو أراد المجني عليه الاقتصاص بالمساوي‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 62 من أبواب قصاص النفس، الحديث 1 و 2: 95.

296

أصل الجرح من الدية، و لو كان المجني عليه صغير العضو فاستوعبته الجناية لم يستوعب في المقتصّ منه و اقتصر على قدر مساحة الجناية.

و لو قطعت إذن إنسان فاقتصّ ثمّ ألصقها المجني عليه كان للجاني إزالتها لتحقّق المماثلة (1) و قيل: لا، لأنّها ميتة و كذا الحكم لو قطع بعضها. و لو قطعها

____________

في المساحة تعدّى الجرح إلى العضو الآخر من الجاني فلا يجوز في الاقتصاص هذا التعدّي بل يقتصر بالمقدار الذي يتحمّله عضو الجاني و يؤخذ بالدية في المقدار الباقي من الاقتصاص، فلو كان القصاص من الجاني بثلثي جنايته من حيث المساحة يقتصّ منه بالثلثين و يؤخذ منه ثلث دية جنايته و لا يجوز للمجني عليه الاقتصاص بجرح آخر بمقدار المتخلّف و لو في جانب آخر من ذلك العضو و كذا في العكس، فإن كان المجني عليه صغير العضو فاستوعب الجناية ذلك العضو من حيث المساحة لا يجوز له الاقتصاص من الجاني إذا كان كبير العضو إلّا بمقدار الجناية من حيث المساحة، كلّ ذلك لاعتبار المماثلة في الاقتصاص و أنّه إذا لم يمكن القصاص من الجاني و لو لفقد العضو المحلّ ينتقل الأمر إلى الدّية و مع عدمها الحكومة.

و لكن قد تقدّم أنّ اعتبار المماثلة في الجناية في العمق يقتضي ملاحظة عضو الجاني و عضو المجني عليه بلحاظ أنفسهما كذلك الحال في مقدار المساحة أيضا، و إذا كانت الجراحة الجرحية ثلثا من مساحة عضو المجني عليه فلا بدّ من كون رعاية الثلث بحسب مساحة رأس الجاني و كذا العكس و لم يقم في المقام ما يرفع اليد عن ذلك، فالتفكيك بين العمق و المساحة في تحقّق المماثلة غير تامّ.

(1) في المقام مسألتان:

إحداهما: أنّه لو قطعت اذن إنسان فألصقها المجني عليه بعد الجناية و قبل القصاص فالتحم فهل للمجني عليه القصاص من الجاني بقطع اذنه أم لا؟

297

و تعلّقت بجلدة (جلده خ ل) ثبت القصاص؛ لأنّ المماثلة ممكنة.

____________

و ربما يتفرّع جواز الاقتصاص على إزالتها و عدمها فما دام لم تزل فليس للمجني عليه حقّا للاقتصاص و هو كما ترى، فإنّ الجناية بوقوعها توجب القصاص فجواز الإزالة للجاني و عدمها غير دخيل في ترتّب القصاص و عدمها.

و لكن يمكن أن يقال: إذا كان الالتحام قبل القصاص، لم يثبت القصاص؛ لأنّ حقّ القصاص من الجاني لحصول الشّين للمجني عليه و إذا لم يحصل لم يثبت القصاص، بل ينتقل الأمر إلى الارش، كما في سائر الموارد التي لم يمكن الاقتصاص و لا يخلو عن تأمّل.

و الثانية: أنّه إذا قطعت اذنه أو بعضها فاقتص من الجاني في جنايته ثمّ ألصقها المجني عليه فالتحم فهل للجاني الإزالة؟ قد يقال: نعم، لتحقّق المماثلة و ربّما يقال: لا، لأنّ الملصوق بحكم الميتة، فإزالته للحاكم من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و لا يخفى ما فيه، فإنّ بعد الالتحام لا يكون ميتة.

و لكن يكون للجاني حقّ الازالة لرواية اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) «أنّ رجلا قطع من بعض اذن رجل شيئا، فرفع ذلك إلى عليّ (عليه السلام) فقاده فأخذ الآخر ما قطع من اذنه فردّه على اذنه بدمه فالتحمت و برئت فعاد الآخر إلى عليّ (عليه السلام) فاستقاده فأمر بها فقطعت ثانية و أمر بها فدفنت و قال (عليه السلام): إنّما يكون القصاص من أجل الشّين» (1)، و مقتضى التعليل عدم الشّين بالالتحام.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 23 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 140.

298

و يثبت القصاص في العين و لو كان الجاني أعور خلقة (1) و إن عمى فإنّ الحق أعماه، و لا ردّ، و أمّا لو قلع عينه الصحيحة ذو عينين اقتصّ له بعين واحدة

____________

(1) يثبت القصاص في العين لقوله سبحانه: الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (1)، و لو كان الجاني أعور و جنى على صحيح العين يؤخذ القصاص منه و إن عمى الأعور بالاقتصاص حيث إنّ حقّ القصاص أعماه، كما ورد ذلك في صحيحة محمد بن قيس قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أعور فقأ عين صحيح، فقال: «تفقأ عينه» قال قلت: يبقى أعمى، قال: «الحقّ أعماه» (2)، و نحوها مرسلة أبان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3)، و الاولى صحيحة فإنّ في سندها عاصم بن حميد، و هو قرينة على أنّ المراد بمحمد بن قيس هو الثقة الذي يروي قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام).

مضافا إلى أنّ القصاص منه مقتضى اطلاق قوله سبحانه: الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (4) و كذا الروايات التي بمفادها و مقتضاهما عدم لزوم ردّ شي‌ء على الجاني من الدية أو غيرها.

نعم، إذا جنى ذو العينين على الأعور فقلع عينه الصحيحة فالأكثر تخيير الأعور المجني عليه بين الاقتصاص من مثل عينه و على الجاني نصف الدية أيضا، و بين أن يأخذ من الجاني دية النفس يعني دية العينين و المستند لذلك صحيحة محمد بن قيس قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعور اصيبت عينه الصحيحة ففقئت أن تفقأ إحدى‌

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 15 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 134.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 15 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 134.

(4) سورة المائدة: الآية 45.

299

إن شاء، و هل له مع ذلك نصف الدية؟ قيل: لا؛ لقوله تعالى: وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ و قيل: نعم، تمسّكا بالأحاديث، و الأوّل أولى.

____________

عيني صاحبه و يعقل له نصف الدية، و إن شاء أخذ دية كاملة و يعفا عن عين صاحبه» (1).

و نحوها رواية عبد اللّه بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل صحيح فقأ عين رجل أعور، فقال: عليه الدية كاملة، فإن شاء الذي فقئت عينه أن يقتصّ من صاحبه و يأخذ منه خمسة آلاف درهم فعل؛ لأنّ له الدية كاملة، و قد أخذ نصفها بالقصاص» (2).

و عن جماعة كالمفيد و ابن ادريس أنّه ليس للأعور المجني عليه إلّا الاقتصاص من ذي العينين بإحدى عينيه من غير أن يرد عليه نصف الدية استنادا إلى ظاهر الآية الدالّة على أنّ العين بالعين، و ما هو ظاهر من الروايات بمفادها.

و فيه أنّ مقتضى الآية و الروايات و إن كان ما ذكر إلّا أنّ دلالتهما بالإطلاق حيث يعمّان عين الأعور فيرفع اليد عن الاطلاق بالدليل الخاصّ على خلافه.

ثمّ انّ المصرّح به في كلمات بعض الأصحاب أنّ ردّ نصف الدية على الأعور من ذي العينين الجاني ما إذا ذهبت إحدى عينيه خلقة أو كان ذلك بآفة، و أمّا إذا ذهبت بجناية جان عليه من قبل فلا يستحقّ ردّ النصف عليه.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2: 252.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 4: 253.

300

..........

____________

و قد ذكر في وجه ذلك تارة بالإجماع و اخرى بأنّ الثابت في العين الواحدة نصف الدية و أنّ الأعور قد استوفاه من قبل بالعفو الداخل في الاستيفاء كالأخذ، و ثالثة بأنّ صحيحة محمد بن قيس لا إطلاق لها، فإنّها واردة في قضية شخصية و لا يمكن التعدّي منها، مع احتمال الخصوصية.

و أمّا رواية عبد اللّه بن الحكم فلضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها؛ لأنّ أبي عمران كعبد اللّه بن حكم، ضعيف و ما ورد في عين الأعور من أنّ فيها الدية كاملة كما في صحيحة الحلبي (1) و غيره مطلق و حملها على ما إذا كان أعور بغير الجناية عليه لا قرينة عليه.

و على ذلك فمع ثبوت القصاص كما هو المفروض في المقام لا دليل على الردّ عليه بنصف الدية إذا كان أعوريته بالجناية عليه، و أمّا إذا لم يثبت القصاص كما إذا كان قلع عينه خطأ فالثابت على الجاني خطأ تمام الدية أخذا بالإطلاق.

و دعوى الاجماع على الخلاف لاحتمال الاستناد على الوجوه المتقدّمة لا يمكن إثبات كونه على تقديره تعبّديا، و يتعيّن ما ذكرنا فيما إذا كان الجاني على الأعور أعور مثله، فإنّه يثبت للأعور المجني عليه القصاص بعين الأعور الجاني من غير ردّ لخروجه عن فرض الصحيحة و رواية عبد اللّه بن الحكم، و لو كان خطأ يكون على الجاني الأعور الدية كاملة أخذا بإطلاق صحيحة الحلبي و غيرها.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 27 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1: 252.

301

و لو أذهب ضوء العين دون الحدقة توصل في المماثلة (1) و قيل يطرح على الأجفان قطن مبلول و يقابل بمرآة محماة مواجهة للشمس حتى يذوب الناظر (تذهب الباصرة خ ل) و تبقى الحدقة.

____________

(1) أمّا ثبوت القصاص فالظاهر عدم الخلاف فيه و يقتضيه قوله سبحانه: الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (1) و لكن اللازم اعتبار المماثلة في ذهاب ضوء العين من غير جناية زايدة كما يقتضيه ذلك قوله سبحانه: فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (2)، و أنّ الجناية الزائدة داخل في عنوان الظلم و التعدّي.

و قد يقال في كيفية القصاص ما ذكر الماتن (قدس سره) و المستند فيه رواية رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «انّ عثمان (عمر) أتاه رجل من قيس بمولى له قد لطم عينه فأنزل الماء فيها و هي قائمة ليس يبصر بها شيئا، فقال له:

اعطيك الدية، فأبى قال: فأرسل بهما إلى عليّ (عليه السلام) و قال: احكم بين هذين، فأعطاه الدية فأبى، قال: فلم يزالوا يعطونه حتّى أعطوه ديتين قال فقال: ليس اريد إلّا القصاص، قال: فدعا عليّ (عليه السلام) بمرآة فحماها ثمّ دعا بكرسف فبلّه ثمّ جعله على أشفار عينيه و على حواليها ثمّ استقبل بعينه عين الشمس قال: و جاء بالمرآة فقال انظر فنظر فذاب الشحم و بقيت عينه قائمة و ذهب البصر» (3).

و لكن الرواية ضعيفة بسليمان الدهّان و لا دلالة لها على انحصار كيفية الاقتصاص بالوارد فيها، و لعلّه إحدى الطرق إليه.

____________

(1) سورة المائدة: الآية 45.

(2) سورة البقرة: الآية 194.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 129.

302

و يثبت في الحاجبين و شعر الرأس و اللحية، فإن نبت فلا قصاص (1) و في

____________

(1) ذكروا القصاص في إذهاب شعر الرأس و اللحية و الحاجبين مع فساد المحل إذا أمكن الاقتصاص من غير تعدّ، و المراد بفساد المحلّ عدم نبات الشعر ثانيا، و أمّا إذا نبت ثانيا فلا قصاص كما هو ظاهر الماتن، حيث ذكر أنّه فإن نبت فلا قصاص حيث إنّه مع النبات ينتقل الأمر إلى الدية أو الارش.

و عن بعض الأصحاب ثبوت القصاص مطلقا بمعنى أنّه يثبت القصاص مع عدم فساد المحل، و مع فساده إذا أمكن القصاص في الثاني.

و يظهر من بعض الروايات عدم ثبوت القصاص في شي‌ء من الصورتين، و في رواية مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية كاملة فإن نبتت فثلث الدية» (1)، و ظاهرها إن لم يكن مختصّا بالعمد، لكون الحلق فعلا عمديا فلا أقلّ من إطلاقها.

و في رواية سلمة بن تمام قال: أهرق رجل قدرا فيها مرق على رأس رجل، فذهب شعره، فاختصموا في ذلك إلى عليّ (عليه السلام)، فأجّله سنة فلم ينبت شعره فقضى عليه بالدية» (2)، و ظاهرها أيضا ثبوت الدية حتّى مع العمد.

و قريب منهما مرسلة علي بن خالد (حديد) عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت: الرجل يدخل الحمام فيصبّ عليه صاحب الحمام ماء حارّا فيمتعط شعر رأسه فلا ينبت فقال: «عليه الدية كاملة» (3).

و المناقشة في الروايات بضعف أسنادها و أنّ مقتضى إطلاق قوله‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1: 26.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 3: 261.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2: 261.