تنقيح مباني الأحكام - كتاب القصاص

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
338 /
303

قطع الذكر (1) و يتساوى في ذلك ذكر الشاب و الشيخ

____________

سبحانه فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (1) ثبوت القصاص في الصورة الاولى، بل في الثانية إذا أمكن، ففيها أنّ الصدوق روى رواية مسمع بسنده عن السكوني، و لا مناقشة فيها بحسب السند (2).

و أمّا المرسلة فقد رواها الشيخ بإسناده عن محمد بن الحسن الصفّار عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد (3) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ... فلا مجال للمناقشة اللّهمّ إلّا أن يقال دلالة هذه الروايات على تعيّن الدية بالإطلاق حتّى صحيحة هشام حيث انّ ذكر «عليه الدية» لا يقتضي العمد، بل كون الدية على الجاني لكون الجناية شبه العمد، و دلالة الآية المباركة أيضا على حكم الجناية الموجبة لإزالة الشعر بالإطلاق و مع المعارضة لا اعتبار بإطلاق الروايات فالمتعيّن القصاص في الصورتين إمكانه، و اللّه العالم.

(1) أمّا أصل القصاص فمضافا إلى الاطلاق في قوله سبحانه فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (4) يدلّ عليه الاطلاق في موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كان من جراحات الجسد أنّ فيها القصاص أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها» (5).

____________

(1) سورة البقرة: الآية 194.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1: 26.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 37 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2: 261.

(4) سورة البقرة: الآية 194.

(5) الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 3: 132.

304

و الصبي و البالغ (1) و الفحل و الذي سلّت خصيتاه و الأغلف و المختون. نعم لا يقاد الصحيح بذكر العنين (2) و يثبت بقطعه ثلث الدية، و في الخصيتين

____________

(1) هذا هو المشهور بين الأصحاب في قصاص النفس بأن يقتل قاتل الصبي قصاصا، و لكن لا يقتل الصبي بالبالغ و كذا يقتصّ من البالغ اقتصاصا من عضو الصبي، و لكن لا يقتصّ من الصبي اقتصاصا من عضو البالغ لما ورد من أنّ عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة.

و لكن لا يخفى أنّ العموم الوارد في عدم جواز القصاص من العاقل اقتصاصا من جنايته على المجنون كما يدلّ عليه صحيحة أبي بصير يقتضي عدم جواز القصاص من البالغ في جنايته على الصبي أيضا، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلا مجنونا فقال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه (فقتله) فلا شي‌ء عليه من قود و لا دية و يعطى ورثته ديته من بيت مال المسلمين» قال: «و إن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لا يقاد منه، و أرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون و يستغفر اللّه و يتوب إليه» (1).

فإنّ مقتضى قوله (عليه السلام) «لا قود لمن لا يقاد منه» عدم جواز الاقتصاص من البالغ بجنايته عمدا على الصبي سواء كانت الجناية تلف النفس أو تلف العضو.

(2) كما صرّح بذلك العلّامة و الشهيد الثاني و غيرهما و كأنّ العنن من شلل العضو، فقد ورد أنّه لا يقاصّ من صحيح اليد باليد المشلولة، بل يثبت على الجاني ثلث الدية؛ و لذا ذكر الماتن (قدس سره) في المقام لا يقاد الصحيح بذكر العنين و يكون عليه بقطعه ثلث الدية.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 51.

305

القصاص (1)، و كذا في إحداهما إلّا أن يخشى ذهاب منفعة الاخرى فيؤخذ ديتها.

____________

و لكن التعدّي من شلل اليد إلى ذكر العنين وجهه غير ظاهر بل حصر قياس مع أنّ الحكم في اليد المشلولة أيضا مشكل لما تقدّم من ضعف المستند، و مقتضى عموم ما دلّ على ثبوت القصاص في الجراحات ثبوته في المقام، و مجرد العنن لا يخرج عن المماثلة كما إذا قطع الشاب ذكر من بلغ الهرم الذي لا ينتشر ذكره فإنّه يقطع ذكر الشاب كما تقدّم.

و كون الدية أيضا ثلث الدية محلّ إشكال، فإنّ مقتضى معتبرة السكوني ثبوت الدية الكاملة، فإنّ الكليني روى بسنده عنه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذكر الصبي الدّية و في ذكر العنين الدية» (1).

لا يقال: مقتضى إطلاقها تعيّن الدّية حتّى في الجناية على الصبي بقطع ذكره عمدا أو على العنين بقطع ذكره كذلك و نفي القصاص.

فإنّه يقال: مقتضى ما ورد في الجروح قصاص ثبوت القصاص في قطع ذكر العنين عمدا و التعارض بالعموم من وجه و ثبوت القصاص موافق لعموم الكتاب فيؤخذ بما دلّ عليه.

(1) لإطلاق ما دلّ على ثبوت القصاص في الجروح فإن قطع اليمنى اقتصّ بقطعها و إن قطع اليسرى قطعت اليسرى؛ لتحقّق المماثلة.

نعم إذا كان القطع مما يوجب انتفاء منفعة الاخرى بأن يصير الجاني عقيما يسقط القصاص للتغرير المتقدّم بأنّه يوجب الانتقال إلى الدية.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 35 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2: 259.

306

و يثبت في الشفرين (1) كما يثبت في الشفتين، و لو كان الجاني رجلا فلا قصاص و عليه ديتهما، و في رواية عبد الرحمن بن سيابة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إن لم يؤدّ ديتها قطعت لها فرجه و هي متروكة.

____________

و لكن فيه إشكال، فإنّ قطع المماثل يعدّ قصاصا و ما يتلف بالقصاص بالمماثل لا يدخل في الضمان على ما يستفاد مما ورد في أنّ من قتله القصاص أو الحدّ فلا قود و لا دية له، اللّهمّ إلّا إذا كان القصاص مؤدّيا إلى التلف أو الفساد في العضو الآخر فلا بأس بالالتزام بالانتقال إلى الدية لخروج القصاص بذلك عن المماثلة.

(1) إذا قطعت امرأة الشفرين من امرأة اخرى قطعت شفريها قصاصا أخذا بما دلّ على ثبوت القصاص في الجروح.

و المناقشة في القصاص باختلاف الشفرين في النساء كما ترى بعد صدق المماثلة كما في اختلاف الناس في الأعضاء.

نعم، إذا قطع الرجل الشفرين من المرأة عليه دية النفس أي دية المرأة التي هي نصف دية الرجل، و في صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل قطع فرج امرأة (امرأته) قال: إذن اغرمه لها نصف الدية» (1) و المراد نصف دية النفس الظاهرة في دية الرجل كلّما اطلقت، كما لا يخفى.

و قد ذكر في الجواهر (2) في باب دية الشفرين «و في خبر آخر رجل قطع فرج امرأة فقال اغرمه لها نصف ديتها و هو محمول على ما إذا قطع‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 36 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2: 36.

(2) جواهر الكلام: 43/ 274.

307

و لو كان المجني عليه خنثى، فإن تبيّن أنّه ذكر فجنى عليه رجل كان في ذكره و انثييه القصاص (1). و في الشفرين الحكومة. و لو كان الجاني امرأة كان في

____________

أحد الشفرين كما أنّ خبر عبد الرحمن بن سيابة محمول على قطعهما معا حيث ورد فيه ثبوت دية نفسها كما ترى، و أيضا ورد في رواية عبد الرحمن بن سيابة إن لم يؤدّ الرجل ديتها يقطع ذكره قصاصا إذا طلبت المرأة ذلك، فإنه روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن عبد الرحمن بن سيابة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ في كتاب علي (عليه السلام) لو أنّ رجلا قطع فرج امرأته لأغرمته لها ديتها، و إن لم يؤدّ إليها الدية قطعت لها فرجه إن طلبت ذلك» (1).

و قد ذكر الماتن انّ ما ورد فيها متروك، و لعلّ الوجه في ترك العمل خروج ما ذكر عن القصاص و إلّا لم يكن جوازه مترتّبا على عدم أداء الدية لها و إن كان يمكن القول باعتبار سندها؛ لأنّه من غير البعيد كونه من المعاريف الذين لم يرد فيهم القدح بل توكيل الصادق (عليه السلام) له في إيصال المال إلى عوائل من قتل في قضية زيد كاشف عن أمانته، و بذلك يشكل الخروج و طرح الرواية بمجرد الاستبعاد و لكن موردها و المفروض فيها على نسخة الوسائل عن الكافي قطع الرجل فرج امرأته و لا يمكن التعدّي منها لاحتمال الخصوصية بعد كون الحكم على خلاف القاعدة، و اللّه العالم.

ثم انّ دية فرجها نصف الدية الظاهرة في الدية الكاملة للنفس لا دية نفس المرأة فما في صحيحة أبي بصير لا تنافي رواية عبد الرحمن، كما لا يخفى.

(1) فإنّ ذلك مقتضى ثبوت القصاص في الجروح و اعتبار الاقتصاص بالمماثل و إذا جنى الرجل على الخنثى المتبيّن كونه ذكرا في شفريه يرجع في‌

____________

(1) الكافي: 7/ 313؛ الوسائل: ج 19، الباب 36 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 26.

308

المذاكير الدية و في الشفرين الحكومة؛ لأنّهما ليسا أصلا، و لو تبيّن أنّه امرأة فلا قصاص على الرجل فيهما و عليه في الشفرين ديتهما و في الذكر و الانثيين الحكومة، و لو جنت عليه امرأة كان في الشفرين القصاص و في المذاكير الحكومة، و لو لم يصبر حتّى يستبان حاله فإن طالب بالقصاص لم يكن له لتحقّق الاحتمال (1) و لو طالب بالدية اعطي اليقين و هو دية الشفرين، و لو تبيّن بعد ذلك أنّه رجل أكمل له دية الذكر و الانثيين و الحكومة في الشفرين أو تبيّن أنّه انثى أعطى الحكومة في الباقي، و لو قال: اطالب بدية عضو مع بقاء القصاص في الباقي، لم يكن له، و لو طالب بالحكومة مع بقاء القصاص صحّ و يعطى أقلّ الحكومتين.

____________

جنايته إلى الحكومة؛ لأنّ الشفرين ليسا أصليين بل هما لحم زائد و أمّا لو كان الجاني عليه امرأة فلا مورد للقصاص من المرأة في مذاكير الخنثى فيرجع إلى الدية و في شفريه إلى الحكومة؛ لأنّ الشفرين من الخنثى ليستا أصليين حتّى يقتصّ من المرأة فيهما، هذا كلّه فيما إذا ظهر الخنثى ذكرا.

و أمّا إذا ظهر أنّه امرأة و كان الجاني رجلا لا يقتصّ للخنثى من الرجل لعدم المماثلة في العضو الواقع فيه الجناية، بل يرجع إلى الدية إذا قطع الشفرين و إلى الحكومة إذا قطع الذكر و الانثيين و أمّا إذا جنت عليها المرأة كان في الشفرين القصاص و في المذاكير الحكومة.

(1) يعني إذا طالب الخنثى بالقصاص فلا يسمع طلبه سواء كان الجاني عليه رجلا أو امرأة أو خنثى لاحتمال اختلاف الجاني معه في الذكورية و الانوثية، فإن كان الجاني رجلا احتمل كونه انثى و إن كانت امرأة احتمل كونه ذكرا، و كذا إذا كان الجاني خنثى، و هذا بخلاف ما إذا طالب بالدية، فإنّ ثبوت الدية على الجاني مع رضاه بالدية يقيني، غاية الأمر الشكّ في دية الشفرين لاحتمال كون الخنثى امرأة، فإن تبيّن بعد ذلك أنّه ذكر يأخذ باقي‌

309

و يقطع العضو الصحيح بالمجذوم (1) إذا لم يسقط منه شي‌ء، و كذا يقطع الأنف الشامّ بالعادم له، كما يقطع الاذن الصحيحة بالصماء، و لو قطع بعض الأنف نسبنا المقطوع إلى أصله (2) و أخذنا من الجاني بحسابه لئلّا يستوعب أنف

____________

الدية و يثبت في الشفرين الحكومة، و إن تبيّن كونه امرأة فقد أخذ دية الشفرين و ترجع في الباقي إلى الحكومة، و ظاهر الفرض وقوع الجناية على الخنثى في المذاكير و الشفرين، و لذا لو طالب بالحكومة مع بقاء القصاص له في عضوه الأصلي صحّ، و لكن يؤخذ بأقلّ الحكومتين.

(1) قد تقدّم أنّه يقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء و ما ورد في عدم قطعها به ضعيف سندا، و على تقدير الاغماض لا يتعدّى عن موردها بعد صدق كون اليد باليد و الاذن بالاذن و الأنف بالأنف إلى غير ذلك، و عليه يقطع اليد الصحيحة باليد المجذومة حتى ما إذا سقط منها شي‌ء فإنّ سقوط اصبع أو أزيد منه يكون كسقوطهما من اليد الصحيحة فإنّه يقتصّ له ممن لم يقطع من يده اصبع.

(2) لم يرد في خصوص المفروض رواية، و لكن ما ذكروا فيه من الاقتصاص بالنسبة مقتضى الاطلاق فيما دلّ على ثبوت القصاص في الجروح و في الأنف بعد التقييد بالمماثلة فإنّه إذا كان للمجني عليه أنف صغير قطع نصفه و كان للجاني أنف كبير يكون قطع نصفه في الاقتصاص من القصاص بالجرح المماثل، بخلاف ما إذا قطع ربعه المساوي لنصف أنف المجني عليه بحسب المساحة، فإنّه لا يعدّ هذا اعتداء بالمثل، كما ذكرنا ذلك في مطلق الجرح الذي ذكروا فيه اعتبار المساحة في القصاص منه.

و لذا ذكر الماتن انّ تقدير المساحة في مفروض المقام يوجب ذهاب تمام أنف الجاني إذا كان صغيرا بحيث يساوي تمامه مقدار المقطوع من المجني‌

310

الجاني بتقدير أن يكون صغيرا، و كذا يثبت القصاص في أحد المنخرين، و كذا البحث في الاذن و تؤخذ الصحيحة بالمثقوبة، و هل تؤخذ بالمخرومة قيل لا (1)، و يقتصّ إلى حدّ الخرم و الحكومة فيما بقي، و لو قيل يقتصّ إذا ردّ دية الخرم كان حسنا.

____________

عليه، و ذكر في الجواهر (1) انّ تقدير النسبة في القصاص في المقام ينافي ما يعتبر في القصاص في الشجاج من تقدير المساحة.

و لكن لا يخفى انّ الإشكال ليس في ملاحظة النسبة في المقام، بل فيما ذكروا من اعتبار المساحة في القصاص في الشجاج في العضو.

و مما ذكر يظهر ثبوت القصاص في أحد المنخرين فإنّه إذا جنى بقطع أحدهما يقطع اقتصاصا من الجاني أحدهما أيضا مراعيا المماثلة في اليمنى أو اليسرى و النسبة على ما يأتي بالإضافة إلى المحلّ.

(1) ذكر (قدس سره) ثبوت القصاص في الاذن كما يفصح عن ذلك قوله سبحانه وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ (2) و تؤخذ الصحيحة بالمثقوبة سواء عدّ الثقب زينة أم لا للصدق. نعم لو كان مخرومة من المجني عليه هل يقتص من الجاني مع عدم كون اذنه مخرومة؟ قيل: لا، بل يؤخذ بالقصاص إلى مقدار الخرم و بالحكومة في المقدار الزائد، كما قيل بالانتقال إلى الدية، و ذكر الماتن أنّه لو قيل بالقصاص في كلّ المقدار و على المجني عليه ردّ دية الخرم كان حسنا.

و الظاهر انّ اختيار الأخير لخبر الحسن بن العباس بن الحريش عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال قال: أبو جعفر الأول (عليه السلام) لعبد اللّه بن عباس: يا ابن عباس‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 384.

(2) سورة المائدة: الآية 45.

311

و في السنّ القصاص (1) فإن كانت سنّ مثغر و عادت ناقصة أو متغيّرة كان فيها الحكومة، و إن عادت كما كانت فلا قصاص و لا دية، و لو قيل بالارش كان

____________

انشدك اللّه هل في حكم اللّه اختلاف قال فقال: لا، قال: فما تقول في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتّى سقطت فذهب و أتى رجل آخر فأطار كفّ يده فأتى به إليك و أنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: «أقول لهذا القاطع اعطه دية كفّه و أقول لهذا المقطوع صالحه على ما شئت و أبعث إليهما ذوي عدل، فقال له: قد جاء الاختلاف في حكم اللّه و نقضت القول الأول أبى اللّه أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود و ليس تفسيره في الأرض، اقطع يد قاطع الكف أصلا ثمّ اعطه دية الأصابع هذا حكم اللّه» (1).

و لكن قد تقدّم ضعفها سندا و عدم إمكان استفادة الكبرى الكلّية منها.

و الأظهر ثبوت الاقتصاص بالمخرومة لصدق المماثلة و إطلاق قوله سبحانه وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ (2).

(1) كما هو مقتضى قوله سبحانه: السِّنَّ بِالسِّنِّ 3 و لكن إذا قلع أو أسقط سنّ الطفل الذي سقطت أسنانه التي نبتت من زمان الرضاعة و عادت سنّه المقلوعة ناقصة أو متغيّرة كان فيها الحكومة، أي ملاحظة كونه معيوب السنّ و تداركه بالمال على ما نذكر في معنى الحكومة، و إن عادت كما كانت لم يكن في البين قصاص و لا دية. و ذكر الماتن (قدس سره): و لو قيل بردّ الارش في هذه الصورة كان حسنا بأن يلاحظ كونه لو لا القطع كان ذا سنّ في تلك المدّة فيلاحظ ذلك و يتدارك.

و لكن لا يخفى انّ القصاص و إن لم يثبت في الفرض كما يأتي إلّا أنّه‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 129.

(2) (2) و (3) سورة المائدة: الآية 45.

312

حسنا و أمّا سنّ الصبي فينتظر بها سنة، فإن عادت ففيها الحكومة و إلّا كان فيها القصاص، و قيل في سنّ الصبي بعير مطلقا، و لو مات قبل اليأس من عودها قضى

____________

قد يقال بثبوت الدية أخذا بإطلاق ما دلّ على ثبوتها في السنّ بعد ملاحظة عدم ثبوت القصاص.

و ما في مرسلة جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليه السلام) أنّه قال في سنّ الصبي يضربها الرجل فتسقط ثمّ تنبت قال: «ليس عليه قصاص و عليه الارش» (1)، لا ينافي ثبوت الدية، فإنّ الارش يعمّ الدية و لا ينحصر في الحكومة.

و أمّا رواية مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ عليا قضى في سنّ الصبي قبل أن يثغر بعيرا في كلّ سن (2).

و كذا رواية السكوني (3) فلا يمكن الاعتماد عليهما لضعفهما سندا، فإنّ سند الشيخ إلى النوفلي ضعيف و سنده إلى سهل بن زياد و إن كان معتبرا إلّا انّ في السند ابن شمون و الأصم مضافا إلى ضعف سهل بن زياد.

و تفصيل الكلام في المقام أنّه إذا قلع أو أسقط السنّ من البالغ الذي لا ينبت مكان المقلوع و الساقط سنّ عادة فمع التعمّد يثبت القصاص و في غيره يثبت الدية، و لو عاد في هذا الفرض مكانه سنّ سواء كانت سنّا كما كانت في الأصل أو سنّا ناقصة فظاهر الماتن أنّه يسقط القصاص و الدية.

غاية الأمر إذا كانت متغيّرة أو ناقصة كان فيها الحكومة، و هي على المشهور تفاوت القيمة ما بين كونه بسنّ تامّة و كونه بسنّ ناقصة على تقدير‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 2: 134.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2: 258.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 33 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 3: 258.

313

لوارثه بالأرش و لو اقتصّ البالغ بالسنّ فعادت سنّ الجاني لم يكن للمجني عليه إزالتها؛ لأنّها ليست بجنسه.

____________

كونه عبدا أو مع ملاحظة كونه بسنّ في تلك المدّة و كونه بلا سنّ مع كون سنّه متغيّرة.

و لكنّ الصحيح أنّه يثبت القصاص في الفرض مع التعمّد و الدية بدونه سواء نبتت مكانه سنّ تامّة أو متغيّرة و ناقصة أو كاملة أم لم تنبت فإنّ الجناية الاولى موجبة للقصاص أو الدية و النابت يحسب عضوا جديدا وهبه اللّه إيّاه فلا يرتفع موضوع الاقتصاص أو أخذ الدية.

و أمّا إذا كان المقلوع سنّه أو المسقط عنه صبيّا مثغرا بأن كان المقلوع أو الساقط سنّا أصليّة حيث سقطت من قبل أسنانه التي كانت من زمان الرضاعة تثبت على الجاني الدية دون القصاص سواء نبتت سنّ مكان المقلوع أو الساقط اتفاقا أم لا، و سواء كان جنايته مع التعمّد أو بدونه. و ذلك لما ورد في صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلا مجنونا قال: «... و إن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لا يقاد منه و أرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون و يستغفر اللّه و يتوب إليه» (1).

و وجه الدلالة اطلاق قوله (عليه السلام) «لا قود لمن لا يقاد منه» فإنّ الصبي كالمجنون لا يقاد منه في جنايته على البالغ نفسا أو طرفا، فيكون مقتضاه عدم الاقتصاص من البالغ بسنّ الصبيّ كسنّ المجنون، بل يكون عليه الدّية و الاستغفار، و هذا على رغم انّ المشهور التزموا بالقصاص إذا لم تنبت السنّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 51.

314

..........

____________

في محل المقلوعة.

و لو كان الطفل لم يثغر حيث انّ عدم نبات السنّ في محل المقلوعة يكشف أنّها قد سقطت من أصلها.

و أمّا إذا نبتت مكانها السنّ و عادت صحيحة فلا قصاص و لا دية، و إنّما يكون على الجاني الارش، أي تفاوت القيمة ما بين كون الطفل مقطوعها مدة لو كان رقّا و بين كونه غير مقلوعة كما هو ظاهر الماتن (قدس سره).

و لعلّ وجهه أنّ كونه مقلوع السنّ مدّة نقص دخل على المجني عليه بفعل الجاني فلا يكون هدرا و عود السنّ تامّة كاملة يوجب انتفاء القصاص و الدية لا الارش و مع عدم التفاوت يثبت التعزير فقط.

و على الجملة ما دلّ على القصاص أو الدية منصرف عن صورة العود لكون السنّ سن غير مثغر بحيث يكون عودها أمرا عاديا، و يؤيّده مرسلة جميل المروية في الكافي عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليه السلام) أنّه قال: في سنّ الصبي يضربها الرجل فتسقط ثمّ تنبت قال: «ليس عليه قصاص و عليه الارش» (1). بخلاف كونها سنّ مثغر، فإنّ عودها كما كانت هبة من اللّه سبحانه، فإن كان سنّ الصبي فلا قصاص لما تقدّم، لأنّ الصبي لا يقاد منه فلا قود له، فينتقل إلى الدية، و يؤيّده إطلاق المرسلة.

و أمّا إذا كان بالغا فإنّه لا موجب لسقوط القصاص مع التعمّد و الدية مع الخطأ.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 2: 134.

315

و يشترط في الأسنان التساوي في المحل، فلا يقلع سنّ بضرس (1) و لا بالعكس، و لا أصليّة بزائدة، و كذا لا تقلع زائدة بزائدة مع تغاير المحلّين، و كذا حكم الأصابع الأصليّة و الزائدة، و تقطع الاصبع بالاصبع مع تساويهما، و كلّ

____________

ثمّ ما ذكره العلّامة (قدس سره) و تبعه جماعة من الانتظار سنة لا أعرف له مستندا، و لذا اطلق المصنّف (قدس سره) الانتظار بها إذا كان الطفل غير مثغر و الانتظار يحمل على العادة، فقد يزيد على السنة و قد لا يزيد عنها و المعيار إحراز عدم العود لإحراز تعلّق حقّ الاقتصاص من الجاني عند المشهور و الدية بناء على ما ذكر حيث لو طالب وليّه الدية قبل ذلك لم يجب إجابته؛ لعدم إحراز الاشتغال بالدية. نعم لو قيل بثبوت الدية حتّى مع عودها وجبت الإجابة، و اللّه العالم.

(1) التساوي في الأسنان بمعنى أنّه لا يقلع الناب بالضرس و لا من الثنايا بالضرس مما لا ينبغي التأمّل في اعتباره؛ لأنّ المعتبر في القصاص المماثلة في المعتدى به و أمّا تساويهما في الموضع بأن يكون المقلوع من الأعلى فمع وجوده في الموضع في المقتصّ منه فلا يبعد اعتباره؛ لأنّ قلع مثله في غير مثل موضعه مع وجوده في مثل موضعه لا يعدّ من المماثل، بخلاف ما إذا لم يكن من المقتصّ منه في ذلك الموضع، فإنّه يصدق معه القصاص بالمماثل، نظير ما إذا قطع اليد اليمنى من رجل و لم يكن للجاني إلّا اليد اليسرى، فإنّه قد تقدّم أنّه مع اليد اليمنى للجاني تقطع يمينه و أمّا مع عدمها لا ينتقل الأمر إلى الدية، بل تقطع يسراه.

و مما ذكرنا يظهر أنّ القول بعدم اعتبار التساوي في الموضع مطلقا أو عدم اعتبار التساوي في العنوان الخاص في القصاص بالسنّ مطلقا لا يمكن المساعدة عليه.

316

عضو يؤخذ قودا مع وجوده تؤخذ الدية مع فقده مثل أن يقطع اصبعين و له واحدة أو يقطع كفّا تامّا و ليس للقاطع أصابع (1).

____________

و يجري ما ذكر في القصاص في قطع الاصبع، فلو قطع الاصبع السبّابة من يده اليمنى و لم يكن للجاني في يده اليمنى الاصبع السبّابة تقطع السبّابة من يده اليسرى، و هكذا.

و لكن لا تقطع الابهام بدل السبّابة و لو من يده اليمنى كما يظهر أيضا أنّه لا يقطع العضو الزائد من الجاني بدل العضو الأصلي من المجني عليه، كما لا يجوز ذلك في العكس، كما إذا كانت جنايته بقطع اصبع أصليّة من المجني عليه و لم يكن للجاني إلّا اصبع زائدة، و كذا الأمر بالعكس، كما إذا قطع من المجني عليه اصبع زايدة فلا يقطع اصبعه الأصلية.

نعم، إذا كان لكلّ من المجني عليه و الجاني اصبع زايدة فيجوز الاقتصاص بقطع الزائدة و إن اختلف موضعهما من يدهما، و كذا الحال في السنّ الزائدة منهما، و كلّ ذلك لرعاية المماثلة في القصاص بنظر العرف.

(1) إذا لم يمكن الاقتصاص من الجاني في قصاص الطرف لعدم العضو المماثل للجاني أو أنّ جنايته لا يقتصّ منها لعدم إمكان رعاية المماثلة تصل النوبة إلى أخذ الدية؛ لأنّه لا يمكن الالتزام بذهاب حقّ المجني عليه هدرا فإن لم تكن لجنايته دية تصل النوبة إلى الدية الثابتة بالحكومة.

نعم، ذكرنا فيما تقدّم أنّه في الموارد التي لا تضبط القصاص و انتقل الأمر إلى الدية يجوز الاقتصاص من الجاني بالأقلّ و يعطي دية الجناية بعد وضع الدية من الجناية التي اقتصّ منها و على ذلك فللمجني عليه حقّ الاقتصاص بالأقلّ أو مطالبة الدية لجنايته.

317

[مسائل:]

[الاولى: إذا قطع يدا كاملة و يده ناقصة اصبعا]

مسائل:

الاولى: إذا قطع يدا كاملة و يده ناقصة اصبعا كان للمجني عليه قطع الناقصة، و هل يأخذ دية الاصبع؟ قال في الخلاف: نعم (1)، و في المبسوط: ليس

____________

(1) إذا قطع الجاني الذي يده ناقصة اصبعا يدا كاملة يثبت للمجني عليه الاقتصاص من الجاني بقطع يده الناقصة، و هل له مع ذلك مطالبة الجاني بالدية لاصبعه أو أصابعه؟

قال الشيخ في الخلاف: نعم؛ لأنّه ليس للجاني الاصبع أو الأصابع فينتقل الأمر فيها إلى الدية.

لا يقال: إذا قطع الجاني ذو اليد الشلّاء اليد الصحيحة من آخر، فقد تقدّم أنّ للمجني عليه قطع اليد الشلّاء من الجاني. فإنّه يقال: ليس الفرض كما في الجاني الأشل؛ لأنّ اليد الشلاء تامّة، و لكن غير صحيحة بخلاف الفرض في المقام فإنّ يد الجاني فاقدة للاصبع الذي قطع بقطع اليد.

و فصّل في المبسوط بين ما كان النقص في يد الجاني بالجناية التي أخذ ديتها فللمجني عليه المطالبة بالدية و إلّا فلا حقّ له إلّا بقطع يده الناقصة.

و يستدلّ على التفصيل بما رواه الكليني و الشيخ (قدس سرهما) بإسنادهما عن سورة بن كليب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل قتل رجلا عمدا و كان المقتول أقطع اليد اليمنى فقال: «إن قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها إن كان أخذ دية يده و يقتلوه، و إن شاءوا طرحوا عنه دية يد و أخذوا الباقي» قال: «و إن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه و لا أخذ لها دية قتلوا قاتله و لا يغرم شيئا، و إن شاءوا أخذوا دية كاملة» قال: «و هكذا وجدناه في‌

318

له ذلك، إلّا أن يكون أخذ ديتها.

____________

كتاب عليّ (عليه السلام)» (1).

أقول: مع الاغماض عن سند الرواية لعدم ثبوت توثيق لسورة بن كليب و لا أقلّ من تردّده بين الأسدي و النهدي مدلولها ما إذا كان المجني عليه بالقتل ناقص العضو دون الجاني، و المفروض في المقام كون المجني عليه بغير القتل تامّ العضو و الجاني ناقصا، فلا يمكن التعدّي من الأوّل إلى الثاني حتّى مع فرض العمل بالرواية.

و ذكر جماعة أنّه لو كان المجني عليه ناقص العضو كما إذا قطع من كانت يده تامّة يدا ناقصة يقتصّ من الجاني بعد دفع دية النقص للجاني. و في استظهاره من رواية سورة بن كليب مع ضعف سندها و ورودها في القتل تأمّل.

نعم، ربّما يستظهر ذلك من رواية الحسن بن العباس بن الحريش عن أبي جعفر الثاني قال: قال أبو جعفر الأول (عليه السلام) لعبد اللّه بن عباس: «يا ابن عباس انشدك اللّه هل في حكم اللّه اختلاف قال فقال: لا، قال: فما تقول في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتّى سقطت، فذهبت و أتى رجل آخر فأطار كفّ يده فأتي به إليك و أنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع اعطه دية كفّه، و أقول لهذا المقطوع صالحه على ما شئت و أبعث إليهما ذوي عدل، فقال له: قد جاء الاختلاف في حكم اللّه و نقضت القول الأول، أبى اللّه أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود و ليس تفسيره في الأرض، اقطع يد قاطع الكفّ أصلا، ثمّ اعطه دية الأصابع هذا حكم اللّه» (2). و لكنّ الرواية ضعيفة سندا، و مقتضى إطلاق ما دلّ على القصاص قطع يد الجاني بلا ردّ شي‌ء عليه.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 50 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 82.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 129.

319

و لو قطع اصبع رجل فسرت إلى كفّه ثمّ اندملت ثبت القصاص فيهما (1) و هل له القصاص في الاصبع و أخذ الدية في الباقي الوجه لا لإمكان القصاص فيهما و لو قطع يده من مفصل الكوع ثبت القصاص و لو قطع معها بعض الذراع اقتصّ في اليد (2) و له الحكومة في الزائد و لو قطعها من المرفق اقتصّ منه و لا يقتصّ في اليد و يأخذ ارش الزائد و الفرق بيّن.

____________

(1) ذكر (قدس سره) أنّه لو قطع عمدا اصبعا من آخر فسرت جراحة الاصبع إلى الكفّ بحيث سقطت كفّه ثمّ انقطعت السراية بحيث اندملت كان للمجني عليه الاقتصاص من اصبع الجاني و كفّه بقطعهما، و لو أراد المجني عليه الاقتصاص بقطع اصبع الجاني و مطالبة الارش لكفّه فليس له ذلك إلّا أن يرضى الجاني فإنّ حقّه منحصر في القصاص.

أقول: فيما ذكره (قدس سره) تأمّل لما تقدّم من أنّ السراية إذا لم تكن عمدية و لا عادية لا تحسب من الجناية العمديّة، فعليه فإن اتّفقت من غير قصد السراية حتّى سقطت كفّه فليس للمجني عليه إلّا القصاص في الاصبع و له مطالبة الدية لكفّه الساقطة.

نعم، إذا كان الجرح بقصد السراية و إسقاط يده أو كان أمرا غالبيا كما إذا كان بآلة مسمومة ثبت للمجني عليه القصاص، كما يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس عند السراية الغالبية و العمديّة.

و لا يقاس ذلك بما إذا كانت الجناية على العضو متعدّدة كما إذا قطع أصابعه أوّلا ثمّ قطع كفّه ثانيا فإنّ على المجني عليه القصاص في كلّ من الأصابع و الكفّ فالسراية فيما إذا كانت موجبة للقصاص يكون كما إذا قطع كفّه من مفصل الكوع فإنّه يوجب القصاص بالمثل بقطع يد الجاني من كوع.

(2) ذكر (قدس سره) أنّه لو قطع عمدا يده من الكوع أي من مفصل‌

320

[الثانية: إذا كان للقاطع اصبع زائدة]

الثانية: إذا كان للقاطع اصبع زائدة (1) و للمقطوع كذلك ثبت القصاص

____________

الكفّ الذي يلي الإبهام ثبت القصاص أخذا بإطلاق ما دلّ على القصاص في الأعضاء و الجروح و لكن لو قطع مع كفّه بعض الذراع أيضا ثبت القصاص في اليد فيقطع من الجاني يده من الكوع و يؤخذ منه في الزائد بالحكومة حيث لا يجري القصاص على الزائد فإنّه يدخل في بعض العضو الداخل قطعه في كسر العظام.

و هذا بخلاف ما إذا قطع يده من المرفق، و ليس له القصاص في اليد بقطعها من الكوع و مطالبة ارش الزائد، أي ديته؛ و ذلك لأنّ القصاص فيما إذا كان القطع من المرفق ثابت فيكون الأخذ بغيره موقوفا على التراضي بل جواز قطع يده من الكوع و الأخذ بالارش على الزائد محلّ إشكال؛ لأنّه ليس له حقّ القطع من الكوع حتّى مع رضا الجاني و لا يقاس بما تقدّم في مثل المأمومة من جواز القصاص في الأقلّ و الأخذ في الزيادة بالارش، حيث انّ الجناية بالأقل كانت واقعة من الجاني بخلاف المقام.

أقول: فيما إذا كانت الجناية بقطع اليد من بعض الذراع فمجرّد ذلك لا يوجب دخولها في عنوان كسر العظام المنفي فيه القصاص فإن أمكن القطع بمثله ثبت القصاص و إلّا ثبتت الدية أي دية اليد و لا موجب لجواز الاقتصاص بقطع يد الجاني من الكوع؛ لعدم وقوعه من الجاني حتّى يقتصّ منه بمثله، و الجناية إذا وقعت على بعض الذراع و لم يمكن القصاص ثبت فيه دية اليد لما يأتي من عدم اختلاف الدية في الجناية على اليد بذلك.

(1) ذكر (قدس سره) أنّه إذا كان للقاطع اصبع زائدة و كذا للمقطوع ثبت‌

321

لتحقّق التساوي، و لو كانت الزائدة للجاني (1) فإن كانت خارجة عن الكفّ اقتصّ منه أيضا؛ لأنّها تسلم للجاني، و إن كانت في سمت الأصابع منفصلة ثبت القصاص في الخمس دون الزائدة و دون الكف و كان في الكفّ الحكومة و لو كانت

____________

القصاص؛ لتحقّق المساواة و المماثلة و قيّده في الجواهر (1) بما إذا كان الاصبع الزائدة من كلّ منهما مماثلة للزائدة للآخر حتّى في المحلّ، و لكن سنذكر أنّه لا يعتبر هذه المماثلة بل المماثلة بين اليدين في اليمنى و اليسرى كافية في جواز الاقتصاص.

(1) حاصله انّه إذا كانت الزيادة في يد أحدهما فقط فإن كانت في يد الجاني و كانت الزائدة خارجة عن كفّه بأن كانت في ساعده مثلا يثبت القصاص عليه في كفّه، يعني يقطع المجني عليه كفّ الجاني؛ لأنّ الزيادة في الفرض تبقى للجاني.

و أمّا إذا لم تكن خارجة عن الكفّ فإن كانت في سمت الأصابع غير ملتصقة باصبع يثبت القصاص في الأصابع الأصلية من الجاني، يعني يقطع المجني عليه الأصابع الأصلية من الجاني و يبقى كفّه و اصبعه الزائدة و يرجع المجني عليه في الكفّ الذي لم يقطعه للتغرير على الجاني إلى الحكومة.

و أمّا إذا كانت الزيادة ملتصقة باصبع الجاني يثبت للمجنيّ عليه الاقتصاص في غير تلك الاصبع و يرجع في اصبعه التي لم يتمكّن من الاقتصاص منه إلى ديتها كما يرجع في الكفّ إلى الحكومة.

أقول: قد تقدّم انّ القصاص يثبت بالجناية و إذا كانت الجناية واحدة‌

____________

(1) جواهر الكلام: 24/ 403.

322

متصلة ببعض الأصابع جاز الاقتصاص فيما عدا الملتصقة و له دية اصبع و الحكومة في الكفّ، و أمّا لو كانت الزائدة للمجني عليه فله القصاص و دية الزائدة و هو ثلث دية الأصلية.

____________

و الاقتصاص منها ممكن ثبت القصاص و إلّا يرجع إلى الدية، فالجناية التي صدرت من الجاني قطع يد المجني عليه لا قطع أصابعه، و إذا كانت اليد المشتملة على اصبع زائدة من الجاني مماثلة مع يد المجني عليه كما هو كذلك و لو لم يكن في يد المجني عليه اصبع زائدة تقطع يد الجاني فإنّ اصبعه الزائدة لا حرمة له بعد ثبوت القصاص من يده و إن لم تكن مماثلة فرضا ينتقل الأمر إلى الدية و لا وجه لثبوت القصاص في الاصابع؛ لأنّ الجناية الصادرة من الجاني وقعت على اليد لا على الأصابع.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو كانت الزيادة للمجني عليه ثبت له القصاص من يد الجاني.

و المشهور كما التزم به الماتن أيضا انّ المجني عليه حيث لا يمكن له القصاص باصبعه الزائدة يأخذ من الجاني ديتها و هو ثلث دية الأصليّة، بل في كلمات بعضهم دعوى الاجماع عليه، و لكن لم يثبت الدية في الاصبع الزائدة في الفرض؛ لأنّه لم يقع الجناية عليها، بل وقعت على اليد و كون اليد باليد في القصاص مقتضاه عدم استحقاق المجني عليه أزيد منها و قد تقدّم الكلام في ذلك فيمن يده ناقصة اصبعا أو أزيد و قد قطع اليد الكاملة من الآخر، حيث ذكرنا أنّه ليس للمجني عليه إلّا قطع يده الناقصة اصبعا أو أزيد.

نعم، إذا قطعت الاصبع الزائدة من المجني عليه أوّلا ثمّ قطع يده استحقّ المجني عليه المطالبة بارش الاصبع الزائدة و قطع يده بيده.

323

و لو كانت له أربع أصابع أصلية و خامسة غير أصلية لم تقطع يد الجاني إذا كانت أصابعه كاملة أصلية و كان للمجني عليه القصاص في أربع و ارش الخامسة (1).

و أمّا لو كانت الأصابع (الاصبع خ ل) التي ليست أصلية للجاني ثبت القصاص؛ لأنّ الناقص يؤخذ بالكامل، فلو اختلف محل الزائدة لم يتحقّق القصاص كما لا يقطع إبهام بخنصر، و لو كان لانملة طرفان فقطعهما فإن كان

____________

(1) قد يفرض الكلام فيما إذا قطع الجاني الأصابع من المجني عليه خاصّة و كانت الأصابع الأربع من المجني عليه أصلية و الاخرى غير أصلية يتمّ ما ذكره (قدس سره) من أنّ المجني عليه يقتصّ من أصابعه الأصلية و يرجع في الزائدة إلى الدية حيث لا مورد للقصاص منه.

و أمّا إذا انعكس الأمر بأن يكون الأصابع الأربع من الجاني أصليّة و الاخرى زائدة ثبت القصاص للمجني عليه في جميع أصابعه؛ لأنّ الناقص يؤخذ بالكلّ على ما تقدّم من الاقتصاص من اليد الشلّاء باليد الصحيحة، و لكن هذا خلاف فرض الماتن و ظاهره وقوع الجناية على اليد و عدم تساوي اليدين في الأصابع، ففي الفرض قد تقدّم أنّ القصاص يقع على اليد لا على الأصابع، فلا فرق في ذلك بين كون اليد التي بعض أصابعها غير أصلية من الجاني أو المجني عليه فيثبت القصاص في نفس اليد و لا اعتبار بالأصابع.

و مما ذكر يظهر الحال فيما كان الاختلاف بين اليدين في الانملة أو في الاصبع الزائدة التي نبتت على الاصبع الأصلية فإنّه إن وقعت الجناية في الفرض على اليد فالأمر كما تقدّم، و إن وقعت على الأصابع من أصلها فهو أيضا كما تقدّم بالإضافة إلى اختلاف الانملة و الاصبع الزائدة النابتة على الاصبع، و أمّا إذا نبتت على الكفّ فلا يقطع أصلية بتلك الزائدة.

324

للجاني مساويه ثبت القصاص لتحقّق التساوي (1) و إلّا اقتصّ و أخذ الأرش للطرف الآخر، و لو كان الطرفان للجاني لم يقتصّ منه و كان للمجني دية أنملة و هو ثلث دية الاصبع.

و لو قطع من واحد الانملة العليا و من آخر الوسطى (2) فإن سبق صاحب

____________

(1) ذكر (قدس سره) أنّه لو كان لأنملة طرفان فقطعهما الجاني، فإن كان الجاني متساويا مع المجني عليه بأن كان له أيضا انملة لها طرفان قطعهما المجني عليه قصاصا، و إلّا قطع المجني عليه انملته و أخذ الارش لأنملته الاخرى التي لا يمكن القصاص منها.

و أمّا إذا انعكس الأمر بأن كان لأنملة الجاني طرفان و لم يكن أنملة المجني عليه كذلك لم يقتصّ من الجاني بل يأخذ دية أنملته لعدم إمكان القصاص بالعقد المماثل أو للتغرير بالجاني بزيادة القصاص عن جنايته، و دية الأنملة ثلث دية الاصبع في غير الإبهام و نصفها في الإبهام على ما يأتي.

أقول: كان على المصنّف أن يلتزم بأنّه يجوز في الفرض قطع طرفي الانملة من الجاني و ردّ دية الزائدة و أيضا يمكن الالتزام بأنّه إذا تميّز الطرف الأصلي من غير الأصلي و أمكن قطع الأصلي منفردا جاز القصاص، و إذا لم يمكن إلّا بقطعهما قطعهما و يعطى دية الزائدة لو كان المستند في بعض المسائل السابقة رواية الحسن بن العباس بن الحريش المتقدّمة (1)، فإنّ هذا أيضا داخل في مقتضاها و إلّا فلا ردّ أصلا.

(2) ذكر (قدس سره) إذا جنى على أحد بقطع انملته العليا و على شخص آخر بقطع انملته الوسطى بأن لم يكن لهذا الآخر الانملة الاولى كان للمجني‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 10 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 1: 129.

325

العليا اقتصّ له و كان للآخر الوسطى و إن سبق صاحب الوسطى أخّر فإن اقتصّ صاحب العليا اقتصّ لصاحب الوسطى بعده و إن عفا كان لصاحب الوسطى القصاص إذا ردّ دية العليا و لو بادر صاحب الوسطى فقطع فقد استوفى حقّه و زيادة فعليه دية الزيادة (الزائدة خ ل) و لصاحب العليا على الجاني دية انملته.

____________

عليه الأول قطع الانملة العليا من الجاني، و لو سبق إلى الاقتصاص من الجاني لم يمنع و يكون للمجني عليه الثاني بعده قطع انملته الوسطى، فإن أراد المجني عليه بقطع انملته الوسطى القصاص منع حتّى يقتصّ الأول من انملته العليا.

نعم، لو عفا الأول عن القصاص مجّانا أو على مال ثبت للثاني الاقتصاص من انملته الوسطى مع ردّ الدية على الجاني كما هو مقتضى خبر الحسن بن العباس بن الحريش المتقدّم.

و لو بادر في الفرض المجني عليه بقطع انملته الوسطى فقطع الأنملة الوسطى من الجاني فقد استوفى حقّه مع زيادة، فعليه ردّ دية الانملة الاولى للجاني، لما تقدّم من أنّه إذا لم يمكن القصاص ينتقل الأمر إلى الدية.

أقول: قد تقدّم في مسألة ما إذا قطع الجاني يد أحد و قتل آخر يجوز لأولياء الثاني الاقتصاص من الجاني بقتله و للمجني عليه قطع يده فلو بادر المجني عليه بالاقتصاص من الجاني بقطع يده فهو و لو بادر أولياء المقتول بقصاص النفس كان لهم ذلك لكونهم أولياء القصاص من غير ردّ الدية و بعده يرجع المجني عليه بالدية لعدم إمكان الاقتصاص بيده المقطوعة.

و يجري ذلك في الجناية على الأطراف فلو قطع الجاني الاصبع من شخص و اليد من شخص آخر فللمجني عليه الثاني قطع يده من غير ردّ الدية فإن بادر المجني عليه الأوّل بقطع اصبعه فهو و إلّا يكون حق مطالبة‌

326

[الثالثة: إذا قطع يمينا فبذل شمالا]

الثالثة: إذا قطع يمينا فبذل شمالا فقطعها المجني عليه من غير علم، قال في المبسوط: يقتضي مذهبنا سقوط القود (1)، و فيه تردّد؛ لأنّ المتعيّن قطع اليمين فلا تجزي اليسرى مع وجودها و على هذا يكون القصاص في اليمنى باقيا و يؤخّر حتّى يندمل اليسار توقّيا من السراية بتوارد القطعين.

____________

الدية مطلقا أو إذا لم يكن للجاني اصبع مماثل في يده الاخرى باقيا و الالتزام بردّ الدية إذا قطع الانملة الوسطى على ما ذكره الماتن لا يمكن المساعدة عليها لما ذكر من ضعف الخبر و أنّ الجناية الصادرة من الجاني كانت قطع الانملة الوسطى.

(1) قد تقدّم أنّ الجناية عمدا على شخص بقطع يده اليمنى يوجب القصاص من الجاني بقطع يده اليمنى، نعم إذا لم يكن له إلّا اليسرى تقطع يسراه، و في مفروض المسألة مع وجود اليمنى للجاني قطع المجني عليه يسراه فذكر الماتن أنّ مع جهل المجني عليه بأنّ ما يقطعه يسراه بل حتّى مع جهله بأنّ اليسرى لا تقطع باليمنى لا يسقط حقّ الاقتصاص من الجاني بقطع يده اليمنى.

نعم، قال في المبسوط يقتضي مذهبنا سقوط القود، و لكنّه لا وجه له فإنّ مورد القصاص و هو اليد اليمنى من الجاني و قطع يده اليسرى كقطع عضو آخر منه عالما فضلا عن الجهل لا يوجب سقوط القصاص و على ذلك يقطع المجني عليه يمناه، و لكن بعد اندمال اليسرى توقّيا من تغرير نفس الجاني من سراية الجرحين، و حيث انّ المجني عليه كان جاهلا في قطعه يسراه فلا يكون للجاني القصاص من تلك اليد بل يأخذ دية يده اليسرى من المجني عليه مع جهله أيضا بالحال، حيث يحسب جناية المجني عليه شبه الخطأ بخلاف ما إذا كان عالما بالحال و إخراج يسراه عمدا فإنّه لا يكون على المجني‌

327

و أمّا الدية فإن كان الجاني سمع الأمر بإخراج اليمنى فأخرج اليسار مع العلم بأنّها لا تجزي و قصده إلى إخراجها فلا دية أيضا.

و لو قطعها مع العلم، قال في المبسوط: سقط القود إلى الدية؛ لأنّه بذلها للقطع فكانت شبهة في سقوط القود و فيه إشكال؛ لأنّه أقدم على قطع ما لا يملكه فيكون كما لو قطع عضوا غير اليد و كلّ موضع لزمه دية اليسار يضمن السراية و لا يضمنها لو لم يضمن الجناية و لو اختلفا فقال: بذلتها مع العلم لا بدلا فأنكر الباذل فالقول قول الباذل (1) لأنّه أبصر بنيّته و لو اتّفقا على بذلها بدلا لم تقع بدلا.

____________

عليه الدية مع جهله بالحال لكونه مغرورا و الجاني غارّا كما هو الحال في تقديم طعام الغير إلى شخص سأل الطعام مجانا.

نعم، إذا كان المجني عليه عالما بالحال و قطع يسراه عمدا تعلّق عليه القصاص بلا فرق بين كون الجاني عالما بالحال و عدمه؛ لأنّ القطع جناية عمدا و علم الجاني أيضا بالحال لا يخرجها عن العمد بل قد يقال بتعلّق الدية على المجني عليه حتّى في فرض جهله و علم الجاني بالحال بدعوى الفرق بينه و بين تقديم طعام الغير بأنّ في الثاني ظاهر تقديم الطعام أنّه ملك للذي يقدّم فيجوز تناوله للمتقدّم إليه و هذا بخلاف الفرض الأوّل فإنّ تقديم اليد اليسرى من قبل صاحبها للقطع بدلا عن اليمنى لا يؤثّر في جواز قطعها للمجني عليه مطلقا سواء كان عالما بالحرمة أم جاهلا.

(1) المفروض في هذه الصورة أيضا جهل المجني عليه بأنّ المبذول اليد اليسرى أو أنّها لا تكون بدلا عن اليمنى في القطع و اختلافهما في علم الجاني فالمجني عليه بعد قطعه اليسرى يدعى على الجاني الباذل انّك بذلت يسراك مع علمك بأنّها اليسرى و مع علمك بأنّها لا تقطع باليمنى و الجاني ينكر علمه فقال أخطأت في بذل اليسرى أو بذلتها بدلا عن اليمنى مع‌

328

و كان على القاطع ديتها و له القصاص في اليمنى لأنّها موجودة. و في هذا تردّد (1).

____________

جهلي بأنها لا تقطع باليمنى ففي النتيجة المجني عليه يدّعي براءة ذمّته عن الدية و الجاني يدّعي استحقاقه الدية، و حيث انّ دعوى العلم على الجاني مخالف للأصل فإنّ الأصل عدم علمه بالحال فيحلف على نفي علمه فيأخذ دية يسراه من المجني عليه.

و يمكن أن يقال: لا بدّ من التفرقة بين دعوى عدم الغفلة في تقديم اليسرى و بين دعوى العلم على الجاني بعلمه بأنّه لا يقطع اليسرى باليمنى، ففي الفرض الثاني مقتضى الأصل عدم علم الجاني بالحكم فيضمن المجني عليه الدية و أمّا مع اعتراف الجاني بأنّه يعلم بأنّه لا يقطع اليسرى باليمنى و لكن يدّعي خطأه في بذل يسراه للدهشة و نحوها، فالأصل عدم غفلته في تقديمه فعليه إثبات غفلته، و حيث لا يمكن إقامة البيّنة على غفلته إمّا أن يحلف المجني عليه على عدم غفلة الجاني فلا يثبت الدية عليه أو يردّ اليمين على الجاني فيحلف على غفلته فيأخذ دية يسراه.

(1) إذا كان المجني عليه جاهلا بأنّ اليسرى لا تقطع باليمنى و كذا الجاني الباذل يتعلّق على المجني عليه دية اليد اليسرى و له الاقتصاص في يمناه؛ لأنّ مورد القصاص من الجاني أي يمناه موجودة، و ما في المتن من قوله «في هذا تردّد» لا وجه له.

لا يقال: إذا كان قطع المجني عليه من جهة عفوه عن قصاص يمناه في مقابل قطع يسرى الجاني يكون عفوه نافذا من غير عوض، فإنّ العفو بالعوض إنّما يصحّ إذا كان بالمال لا في مقابل بذل العضو الآخر.

فإنّه يقال: مقتضى ذلك بطلان العفو لا بطلان العوض أو وقوع العفو‌

329

و لو كان المقتصّ مجنونا فبذل له الجاني غير العضو فقطعه ذهب هدرا (1) إذ ليس للمجنون ولاية الاستيفاء فيكون الباذل مبطلا حقّ نفسه و لو قطع يمين مجنون فوثب المجنون فقطع يمينه قيل وقع الاستيفاء موقعه و قيل: لا يكون قصاصا؛ لأنّ المجنون ليس له أهليّة الاستيفاء و هو أشبه، و يكون قصاص المجنون باقيا على الجاني و دية جناية المجنون على عاقلته.

____________

بإزاء الدية حتّى يتساقط الديتان بالتهاتر.

(1) و في الجواهر (1) هذا فيما إذا كان عالما بأنّ المقتصّ مجنون، و أمّا إذا كان جاهلا بالحال يثبت له الدية على عاقلة المجنون نظير ما يقال فيما إذا وثب المجنون فقطع يمين الجاني.

أقول: قد تقدّم أنّ الجناية على المجنون لا يوجب الاقتصاص من الجاني، كما أنّ المجنون لا يقتصّ منه بجنايته على الغير، فإنّه لا قود لمن لا يقاد منه كما تقدّم ذلك في صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) (2).

و عليه، فإن بذل الجاني الذي قطع يد المجنون يده فقطعه المجنون فإن كان عالما بأنّه مجنون تذهب يده هدرا، و يكون عليه دية يد المجنون، و كذا إذا كان جاهلا بأنّه مجنون أو جاهلا بأنّه ليس بمجنون فإنّ الاتلاف يستند إلى نفسه بعد كون المبذول له مجنونا بناء على أنّ ما دلّ على تحمّل العاقلة الدية لا يعمّ مثل الفرض. و أمّا إذا وثب المجنون فقطع يده يثبت على عاقلة المجنون الدية و على الجاني أيضا الدية للمجنون يدفعها إلى وليّه، بل لو قيل بأنّه إذا جنى عاقل على مجنون جناية تستدعي ثبوت القصاص على الجاني فإن كانت إفاقة المجنون مرجو فهو، و إلّا ينتقل الأمر إلى الدية فيأخذ وليّه الدية من‌

____________

(1) جواهر الكلام: 42/ 415.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 52.

330

[الرابعة: لو قطع يدي رجل و رجليه خطأ]

الرابعة: لو قطع يدي رجل و رجليه خطأ و اختلفا فقال الولي: مات بعد الاندمال، و قال الجاني: مات بالسراية، فإن كان الزمان قصيرا لا يحتمل الاندمال فالقول قول الجاني مع يمينه (1)، فإن أمكن الاندمال فالقول قول الولي؛ لأنّ الاحتمالين متكافئان و الأصل وجوب الديتين، و لو اختلفا في المدة فالقول قول

____________

الجاني سواء كان وليّه الأب أو الجد أو الحاكم مع فقدهما لأنّ حقّ الاستيفاء في القصاص غير ثابت للولي فينتقل الأمر إلى الدية.

(1) ذكر (قدس سره) إذا قطع شخص يدي شخص آخر و رجليه خطأ ثمّ مات المجني عليه فقال الولي: إنّ المجني عليه مات بعد الاندمال، فعلى الجاني دفع دية اليدين و الرجلين، و قال الجاني: مات بالسراية فعليه دية النفس، فإن لم يكن بين الجناية و موت المجني عليه فصل زماني، بحيث يحتمل فيه الاندمال يقدّم قول الجاني فيحلف على عدم موته بعد الاندمال، فيعطى دية النفس.

بخلاف ما إذا كان بينهما فصل زماني معتدّ به بحيث يمكن موته بعد الاندمال، ففي هذه الصورة لا يكون قول الجاني مطابقا للظاهر، بل الاحتمالان متكافئان و الجنايتان واقعتان و الأصل عدم استناد موته إلى سرايتهما فيثبت على الجاني دية اليدين و الرجلين.

أقول: يمكن المناقشة بأنّه مع قصر الزمان لا يكون ظهور في موته بالسراية إذا احتمل موته بسبب آخر كالدهشة من جرحه فالأصل في عدم السراية جار حتّى فيما إذا كان الزمان قصيرا لا يحتمل فيه الاندمال عادة و عليه يكون الوليّ منكرا للسراية فيحلف على عدمها فيأخذ الدّيتين من غير فرق بين القول بأنّ السراية مسقطة للديتين إلى دية النفس أو كاشفة عن ثبوت دية النفس من الأول، فإنّ على الثاني أيضا يكون ثبوت الجناية على اليدين و الرجلين وجدانا مع ثبوت عدم السراية بالحلف محرزا لموضوع‌

331

الجاني، و أمّا لو قطع يده فمات و ادّعى الجاني الاندمال و ادّعى الولي السراية فالقول قول الجاني إن مضت مدة يمكن الاندمال (1) و لو اختلفا فالقول قول الولي، و فيه تردّد.

____________

الديتين فلا تصل النوبة إلى عدم ثبوت الديتين على عهدة الجاني.

و ممّا ذكر يظهر الحال فيما إذا كان الفصل بين الجناية و موته طويلا بحيث يحتمل الاندمال، و أنّه يقدّم قول الولي و لا يجري فيه أنّ قول الجاني موافق لظاهر الحال كما في الفرض السابق، فيحلف على عدم السراية فيأخذ الديتين كما تقدّم.

و ممّا ذكر يظهر أنّ ما ذكر الماتن (قدس سره) من أنّه لو اختلف الجاني و الولي بأن قال الجاني: المدّة بين الجناية و الموت كانت قليلة لا يندمل الجرح فيها، و قال الولي: كانت كثيرة بحيث يندمل فيها، فإنّه يقدّم قول الجاني، و كأنّه لأصالة بقاء الجرح إلى زمان موته.

و لكن فيه ما ذكرنا، فإنّ الاستصحاب في بقاء الجرح لا يثبت سرايته إلى النفس الموجبة لتعيّن دية النفس بل مقتضى الاستصحاب في عدم السراية تقديم قول الولي فيحلف على عدم السراية فيثبت على الجاني الديتان.

(1) مراده (قدس سره) أنّه إذا كانت الجناية موجبة لنصف الدية كقطع إحدى يديه ثمّ مات و قال الولي: مات بالسراية، فعلى الجاني دية النفس، و قال الجاني: مات بعد الاندمال، فليس عليه إلّا دية اليد، فالقول قول الجاني لما تقدّم من أنّ الأصل عدم السراية.

و لكن قيّد الماتن تقديم قول الجاني بما إذا كان الفصل بين الجناية و الموت بحيث يمكن اندماله فيه، و مقتضى التقييد أنّه في فرض خلاف ذلك يقدّم قول الولي و لكن قد تقدّم عدم اعتبار الظهور حيث يحتمل استناد موته‌

332

و لو ادّعى الجاني أنّه شرب سمّا فمات، و ادّعى الولي موته بالسراية فالاحتمال فيهما سواء (1)، و مثله الملفوف في الكساء إذا قدّه نصفين و ادّعى الولي أنّه كان حيّا و ادّعى الجاني انّه كان ميّتا إذا الاحتمالان متساويان فيرجّح قول الجاني بما أنّ الاصل عدم الضمان، و فيه احتمال آخر ضعيف.

الخامسة: لو قطع اصبع رجل و يد آخر اقتصّ للأوّل ثمّ للثاني (2) و رجع بدية اصبع، و لو قطع اليد أوّلا ثمّ الاصبع من آخر اقتصّ للأول و الزم للثاني دية الاصبع.

____________

إلى سبب آخر كالدهشة و الخوف لا إلى السراية، و ما ذكره (قدس سره) من أنّه في صورة اختلافهما في المدّة يقدّم قول الولي و كأنّه لأصالة عدم مضي المدّة بين الجناية و الموت، قد تقدّم أنّ مثل هذا الأصل لا يثبت السراية التي موضوع لثبوت دية النفس، و لعلّه لذلك ذكر التردّد في تقديم قول الولي.

(1) لا يخفى أنّ الموضوع لثبوت دية النفس هو قتل الآخر خطأ و لو كان القتل بالسراية و الاستصحاب في عدم شربه سمّا لا يثبت أنّ موته يستند إلى قطع إحدى يديه بل الأصل في عدم السراية جار بلا معارض، فيثبت على الجاني نصف دية النفس.

و مما ذكر يظهر الحال في الملفوف في الكساء، فإنّ الاستصحاب في حياته لا يثبت أنّ قدّه نصفين كان قتله حتّى يثبت مع التعمّد القصاص و مع الخطأ دية النفس.

و على الجملة، الحكم في الفرضين تقديم قول الجاني مع يمينه حتّى فيما إذا قدّ الملفوف في الكساء و ادّعى الولي أنّه كان حيّا و قال الجاني كان ميّتا، فإنّه يجري الاستصحاب في عدم استناد الموت إلى الجاني و عدم كونه قاتلا، و الاستصحاب في حياته لا يثبت استناد الموت إلى الجاني و أنّه قتله.

(2) ذكر (قدس سره) أنّه إذا جنى على أحد بقطع اصبعه ثمّ جنى على‌

333

[السادسة: إذا قطع اصبعه فعفى المجني عليه قبل الاندمال]

السادسة: إذا قطع اصبعه فعفى المجني عليه قبل الاندمال، فإن اندملت فلا قصاص و لا دية؛ لأنّه إسقاط حقّ ثابت عند الابراء (1).

____________

آخر بقطع يده يتعيّن للأوّل الاقتصاص من الجاني بقطع الاصبع ثمّ يقتصّ الآخر منه من قطع يده و يأخذ هذا الثاني من الجاني دية الاصبع أيضا لمكان اصبعه الذي لم يقتصّ منه، و أمّا إذا قطع يد شخص أوّلا ثمّ قطع من آخر اصبعه يقتصّ الأوّل بقطع يد الجاني و الثاني يرجع إلى دية اصبعه لعدم بقاء مورد القصاص منه، و كأنّ كلّ ذلك لثبوت حقّ الأولوية لمن جنى عليه أوّلا و أنّه إذا اقتصّ المجني عليه من يده الناقصة بالاصبع يأخذ دية مكان النقص.

و قد تقدّم منع كلا الأمرين؛ لأنّ الثابت لكلّ من المجني عليهما حقّ الاقتصاص من الجاني بلا فرق بين كون الجنايتين بالإضافة إلى شخصين تدريجية أو دفعية و كلّ منهما إذا سبق فإن كان للاقتصاص مورد يقتصّ من غير استحقاقه الرجوع إلى دية النقص، و إن لم يبق للاقتصاص مورد يأخذ الدية؛ لعدم إمكان الاقتصاص لما دلّ على أنّ مع عدم إمكان القصاص لا يذهب الدم هدرا.

(1) المراد أنّه إذا قطع اصبعه عمدا فإن عفا المجني عليه قبل الاندمال و كذا إذا عفا فيما يوجب الدية على الجاني كما لو قطع اصبعه خطأ فاندملت، يكون عفوه في الأول موجبا لسقوط القصاص، و في الثاني لسقوط الدية، حيث انّ المجنيّ عليه يستحقّ الاقتصاص في الأوّل و الدية في الثاني بمجرّد حدوث الجناية، كما هو ظاهر خطابات القصاص و الدية.

و دعوى توقّف استحقاقه أحدهما يكون بالاندمال لما ورد في موثقة اسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام) أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: «لا يقضى في شي‌ء‌

334

..........

____________

من الجراحات حتّى تبرأ» (1)، و مقتضاها توقّف الحكم في الجراحات على الاندمال، مدفوعة بأنّ هذا يكون في الموارد التي يكون للاندمال أثر في تغيير الحكم، و أمّا في ما لم يكن الحكم متغيّرا بالاندمال فلا معنى لإيقاف الحكم فيه على الاندمال، كما إذا قطع اصبعه عمدا و سرى اتفاقا إلى الكف فإنّ هذه السراية لا توجب سقوط القصاص من اصبع الجاني، غاية الأمر أنّه إذا اندملت يكتفى بالقصاص من اصبعه و إذا سرت يأخذ المجني عليه دية كفّه أيضا.

نعم في ما إذا قطع اصبعه بقصد أن ينقطع كفّه أو كانت الجراحة مسرية عادة فإنّه إذا اندملت يقتصر فيه على القصاص بالاصبع و إذا سرت إلى الكف يؤخذ القصاص من الكفّ ففي هذه الصورة و ان كان يتوقّف ما يستحقّه المجني عليه من القصاص بأنّه من الاصبع أو من الكفّ على الاندمال و عدمه إلّا أنّه لا مانع من عفوه عن الجناية سواء كان موجبها القصاص من الجاني باصبعه أو كفّه.

و هكذا لو قيّد عفوه بما إذا كان موجبها القصاص من الاصبع سقط القصاص إذا اندملت دون دية الكفّ إذا سرت، فنفوذ العفو عن الاقتصاص باصبعه مع فرض الاندمال و لو فيما بعد، لا يتوقّف إلّا على إحراز الحقّ الفعلي و ما دام لم تسر الجناية فحقّ المجني عليه القصاص في الاصبع فقط.

نعم إذا سرت إلى الكفّ يكون له الحقّ في أخذ دية الكفّ أيضا إذا لم تكن السراية موجبة للقصاص و مع كونها موجبة له، يتبدّل إلى القصاص في الكفّ.

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 42 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2: 211.

335

..........

____________

و على ذلك، فلو قطع اصبع الجاني قصاصا ثمّ سرت جراحة المجنيّ عليه إلى الكفّ يكون له القصاص من كفّ الجاني إذا كانت السراية موجبة للقصاص. فإن كان المجني عليه عالما بتلك السراية، يكون للجاني أيضا حقّ الاقتصاص من اصبعه التي قطعها المجني عليه أو أخذ ديتها كما هو الحال في صورة جهل المجنيّ عليه بالسراية. كما أنّ عفو المجني عليه في هذه الصورة قبل السراية عن الجناية عليه في اصبعه لا أثر له في سقوط دية الكف أو القصاص فيه حيث انّه إسقاط لما لا يجب، حيث انّ الدية تثبت بعد سقوط الكفّ بالسراية الاتفاقية و القصاص فيها أيضا يثبت بعد سقوط الكفّ بالسراية الموجبة للقصاص.

و نفوذ العفو في بعض الموارد كأخذ الطبيب البراءة عن وليّ المريض، لا يوجب تسريته إلى غيره مما لم يتمّ فيه دليل خاص على نفوذ البراءة.

و لو كانت جناية الجاني عمديّة فعفا المجني عليه الجناية للجاني سقط عنه القصاص منه كما لا يكون عليه دية؛ لأنّ ثبوت الدية في الجناية العمدية يكون بالصلح أي عفو حقّ القصاص بالدية برضا الجاني، و المفروض عفو المجني عليه الجناية بلا عوض.

ثمّ ذكر (قدس سره) أنّ لو عفا المجني عليه عن الجناية العمدية على اصبعه ثمّ سرت الجراحة إلى كفّه سقط القصاص في اصبعه حيث عفا عنه و لكن يكون على الجاني دية الكفّ و علّل بعضهم أنّه يلزم من عفو الجناية العمدية على اصبعه عفو ما يحدث منها بمعنى أنّ السراية في الجناية على العضو لا يوجب القصاص و ان كان يثبت القصاص في النفس بالسراية و لكن لا قصاص في الأطراف بالسراية.

336

و لو قال: عفوت عن الجناية، سقط القصاص و الدية؛ لأنّها لا تثبت إلّا صلحا، و لو قال: عفوت عن الجناية، ثمّ سرت إلى الكف سقط القصاص في الاصبع و له دية الكف، و لو سرت إلى نفسه كان للولي القصاص في النفس بعد ردّ دية ما عفا عنه (1)، و لو صرّح بالعفو صحّ ممّا (فيما خ ل) كان ثابتا وقت

____________

و لا يخفى ما فيه، فإنّه إذا كانت السراية اتفاقية فلا توجب القصاص لا في الأطراف و لا في النفس، و إنّما توجب الدية، و إن كانت الجناية بقصد السراية أو كونها بآلة تسري عادة يثبت القصاص بالسراية في الأطراف و في النفس؛ لصدق كونها جناية عمدية.

و ما ذكر الماتن (قدس سره) من أنّ في الجراحة بقطع الاصبع فيما لو سرت إلى النفس يثبت القصاص على إطلاقه، غير صحيح، فإنّه إنّما يكون كذلك إذا كانت السراية مقصودة للجاني أو كانت السراية إلى النفس أمرا عاديا غالبيا، و إلّا فعلى الجاني الدية كما أنّه فيما كانت السراية إلى الكفّ اتفاقية يثبت ديتها و إلّا ثبت القصاص في الكفّ، غاية الأمر يكون على المجني عليه مع الاقتصاص بالاصبع أوّلا مع جهله بسراية جرحه دية اصبع الجاني بل مع علمه بها أيضا إذا قلنا بعدم مورد القصاص مع سقوط كفّه و انّ الاصبع من كفّه الآخر لا يقوم مقامه.

(1) قد ظهر مما تقدّم أنّه لا أثر لعفو المجني عليه في صورة السراية إلى النفس بل إذا كانت السراية موجبة للقصاص يكون للولي القصاص من غير ردّ شي‌ء و لو مع عفو المجني عليه عن جنايته فإنّ الجناية موجبة للقصاص في النفس، و هذا حقّ الولي دون المجني عليه، و أمّا إذا كانت موجبة للدية فالدية و إن كانت ملكا للميت و يعمل معها معاملة التركة إلّا أنّها تثبت بموت المجني عليه، فإسقاط المجني عليه دية النفس إسقاط لما لا يجب، كما لا يخفى.

337

الابراء و هو دية الجرح، و أمّا القصاص في النفس أو الدية ففيه تردّد؛ لأنّه إبراء مما لم يجب، و في الخلاف: يصحّ العفو عنها و عمّا يحدث عنها فلو سرت كان عفوه ماضيا من الثلث؛ لأنّه بمنزلة الوصية.

[السابعة: لو جنى عبد على حرّ جناية تتعلّق برقبته]

السابعة: لو جنى عبد على حرّ جناية تتعلّق برقبته فإن قال: أبرأتك، لم يصح، و إن أبرأ السيد صحّ؛ لأنّ الجناية و إن تعلّقت برقبة العبد فإنّه ملك للسيد، و فيه إشكال من حيث انّ الابراء إسقاط لما في الذمّة، و لو قال: عفوت عن أرش هذه الجناية صح (1).

____________

و على الجملة فيما إذا لم تعدّ السراية إلى النفس قتلا عمديا تكون الجراحة المفروضة مما يقتصّ بها، فإن اقتصّ المجني عليه بها فالاقتصاص حقّه و إذا سرت إلى النفس يكون على الجاني دية نفسه بموته فلا يكون أثر لعفوه عن دية النفس فإنّ العفو في الحقيقة إبراء و إسقاط لما لم يجب عند العفو.

نعم إذا عفا عن القصاص في الجراحة مع سرايتها إلى نفسه و لو فيما بعد نفذ العفو في القصاص من الجراحة و لا ينفذ في إسقاط الدية.

و دعوى أنّ العفو عن الدية وصيّة لحسابها من ثلثه كما ترى.

و أمّا إذا كانت السراية موجبة للقصاص في النفس فلا ينفذ عفوه أصلا، فإنّ القصاص ولاية ثابتة لأوليائه بموته بل لو اقتصّ قبل موته في الجراحة يكون عليه دية الجراحة تؤخذ من تركته؛ لأنّ القصاص مع عدم علمه بالسراية يعدّ جناية خطئية على الجاني فيكون له على المجني عليه ديتها.

(1) ما ذكر (قدس سره) مبنيّ على التفرقة بين الإبراء و العفو بأنّ الأول إسقاط لما في الذمّة قبل الإسقاط، و إذا لم يكن في الذمّة شيئا قبله بل يتحقّق في الذمّة فيما بعد يكون إسقاطا لما لا يجب فلا يصحّ بخلاف الثاني، يعني العفو، فإنّ المعفو عنه يعمّ ما لم يثبت في الذمّة بأن يكون شيئا‌

338

و لو أبرأ قاتل الخطأ المحض لم يبرأ (1)، و لو أبرأ العاقلة أو قال: عفوت عن أرش هذه الجناية صحّ، و لو كان القتل شبيه العمد فإن أبرأ القاتل أو قال: عفوت عن ارش هذه الجناية صحّ، و لو أبرأ العاقلة لم يبرأ القاتل.

____________

إذا دفعه الغير يستحقّه كما إذا كانت جناية العبد على الحرّ بما ينقص أرشها عن قيمة العبد فإنّه لو أدّى المولى الأرش فهو و إلّا يكون للمجني عليه استرقاقه بالحصّة، فيباع العبد فيأخذ أرش الجناية و يدفع الباقي إلى مولاه ففي مثل الفرض إذا عفا المجني عليه عن الأرش صحّ و نفذ.

(1) هذا مبني على ما هو المشهور من أنّ معنى تحمّل العاقلة الدية في الخطأ المحض اشتغال ذممهم، و على ذلك يكون إبراء القاتل بالخطإ المحض لغوا و لم تبرأ ذمّة العاقلة. و أمّا بناء على اشتغال ذمّة الجاني بالدية بلا فرق بين الخطأ المحض و العمد لخطأ و إنّما العاقلة في الخطأ المحض مكلّفون بإفراغ ذمّته صحّ الإبراء و لم يجب على العاقلة دفع الدية و لو أبرأ العاقلة في العمد لخطأ لكان الإبراء لغوا؛ لأنّ العاقلة لا شأن لهم في الجناية التي من شبيه العمد.

نعم إذا عفا الجاني أو أبرأه في هذا الفرض نفذ.

و الحمد للّه أولا و آخرا‌