محاضرات في فقه الإمامية - كتاب الخمس

- السيد محمد هادي الميلاني المزيد...
278 /
105

للتالف من حيث التلف.

و أما الخسران فله صور:

أ- يخسر في ما يحترفه بيده أو في زراعته، و يربح في تجارته بالشراء و البيع.

ب- يخسر في تجارة الملابس، و يربح في تجارة الطعام.

ج‍- يخسر في زراعة الحنطة، و يربح في زراعة التبن، أو في زراعة الخضروات.

د- يخسر في ما يستغلّه من الأرض، و يربح فيما يستغلّه من الأشجار.

و ضابط ذلك أن الخسارة و الربح قد يكونان في أمرين مختلفين بحسب الزمان كتجارتين في نوع واحد، أو صنف واحد في وقتين، و ثالثة يكونان في أمر واحد بحسب أبعاضه كما إذا اشترى أشياء متعددة صفقة واحدة فباعها متدرجا، فخسر في بعضها و ربح في آخر، أو باع أشياء متعددة صفقة واحدة و قد كان قد اشتراها تدريجا.

أما الأخير فالظاهر عدم الخلاف في جبر الخسارة بالربح إذا كانت بسبب اختلاف السعر، و لو كانت بسبب التلف القهري أو السرقة، كما إذا اشترى صفقة بمائة فسرق بعضها و باع الباقي بمائة، فلا يخلو من تأمل، و إن كان الأقرب الجبر، حيث أنه لم يستفد ما يزيد على رأس ماله و هو المائة في المثال.

و أما الأولان فقد وقع فيهما- لا سيّما في الأول منهما- الخلاف بين الأصحاب، و عن الشهيد في (الدروس) القطع بجبر الخسارة بالربح‌

106

بنحو الإطلاق، و عن (المدارك) أنه يجبر خسران التجارة و نحوها بالربح في الحول الواحد فيلحق بالمئونة.

و قال الشيخ الأنصاري بالجبر في ما حصل الخسران و الربح و كانا في مال واحد في تجارتين متعاقبتين، ثم قال: و لو كانا في مالين ففي الجبر إشكال، أقربه ذلك، كما قطع بالجبران في (الدروس)، و علّله بعض بأن المناط الأرباح الحاصلة في تجارة كل عام، لا في خصوص كل مال.

أقول: لما كان المدار في التخميس على صدق الربح و كونه مما يفضل عن المئونة فلا بدّ في جبر الخسارة بالربح، إمّا من عدم صدق الربح بدونه أو كون ذلك معدودا من المئونة.

و ما حكى عن (المدارك) من اللحوق بالمئونة فيه نظر حكما و موضوعا، ضرورة أن الجبر ليس من مؤنة الرجل و عياله، و لا دليل على كونه في حكمها من حيث الاستثناء.

107

(6- أرض المسلم إذا اشتراها الذّمي)

(قال المحقّق: السادس- إذا اشترى الذمّي أرضا من مسلم وجب فيها الخمس سواء كانت مما فيه الخمس، كالأرض المفتوحة عنوة [1]، أو ليس فيه كالأرض التي أسلم عليها أهلها).

أقول: مال الشهيد الثاني في (فوائد القواعد) إلى عدم الخمس لاستضعاف الرواية في حين أنها موثقة (2). و في (المدارك): أنها في أعلى مراتب الصحة. لكن يشكل في المفتوحة عنوة أنها للمسلمين، و انما حق الاختصاص لهم فيها، إلا إذا باع الحاكم أو اشترى ممّن اشتراها منه.

نعم لو تصورنا الملك الموقت ثبت ذلك، و يحتمل أن الأرض تملك و تزول الملكية بزوال الآثار فيثبت ذلك.

ثم إن هاهنا فروعا تترتب على الحكم المتقدم:- 1- إذا باعها الذمّي لا يسقط الخمس إلا إذا كان المشتري الشيعي و قلنا بالعدم لكن يؤخذ الخمس من الذمي.

____________

[1] حيث أنها من الغنائم.

____________

(2) رواها في الوسائل- باب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

108

2- إذا كان للبائع الخيار و فسخ، هل الفسخ من أصله أو من حينه؟

أو يقال بأن الرواية في الشراء المستقر.

3- إذا ورث المسلم من الذمي الأرض التي اشتراها، فما الحكم؟.

4- إذا كان الانتقال بغير البيع، فالأحوط أن يشترط البائع أداء الذمّي الخمس. و عن (كاشف الغطاء) جريان الحكم في مطلق المعاوضة، و عن ظاهر الشهيدين: مطلق الانتقال، و لذا عنون في (المفاتيح) بالأرض المنتقلة إلى الذمي.

5- استقرار الملك مناط أم لا؟ الظاهر هو الثاني، لأن الفسخ حلّ العقد من حينه لا أصله.

6- هل ينصرف إطلاق الأرض إلى غير الدار و الدكّان أم لا؟ و يشكل شراء الأرض بأن ذلك في كونها مقصودة بالاستقلال في قبال شراء الدار و الحانوت، نعم لو اشترى أرض الدار من واحد و اشترى البناء من آخر يشتركان في ذلك فيثبت الحكم. لكن يدفعه أن الأرض المفتوحة عنوة هي العامرة و قد أطلق الأرض على الدور. و كذا حرمان الزوجة من الأرض يشمل أرض الدار و الحانوت.

و لو باع الذمي الأرض التي اشتراها من مسلم، فالظاهر أن بيع خمسها فضولي سواء قلنا بتعلّق الخمس بالعين- كما هو ظاهر الرواية، لا سيّما رواية المفيد- أو قلنا بأن ذلك في الذمة فعلى المسلم الرجوع الى الحاكم.

و الأرض مطلق فتعم ما كان بالتبع كما في إرث الزوجة، و الشراء‌

109

مطلق يعم ما بالتبع لكن الهيئة التركيبية في شراء الأرض ظهورها في كونها مشتراة بالأصالة.

ثم إنه هل المراد من الخمس في هذا الحديث هو المعنى المعهود الذي يقسّم ستة سهام، أم غير ذلك أي العشر المضعف؟ قال في (منتقى الجمان): «ظاهر أكثر الأصحاب الاتفاق على أن المراد من الخمس في هذا الحديث معناه المعهود، و للنظر في ذلك مجال، و يعزى الى (مالك) القول بمنع الذمي من شراء الأرض العشرية و أنه إن اشتراها ضوعف العشر فيجب عليه الخمس، و هذا المعنى يحتمل إرادته من الحديث إمّا موافقة عليه أو تقية [1]، فإن مدار التقية على الرأي الظاهر لأهل الخلاف وقت صدور الحكم، و معلوم أن رأي مالك كان هو الظاهر في زمن الباقر (عليه السلام)، و مع قيام هذا الاحتمال، بل قربه، لا يتّجه التمسك بالحديث في إثبات ما قالوه، و ليس هو بمظنة بلوغ حدّ الإجماع ليغني عن طلب الدليل، فان جمعا منهم لم يذكروه أصلا، و صرّح بعضهم بالتوقف فيه، لا لما قلناه، بل استضعافا لطريق الخبر، و هو من الغرابة بمكان فان الشيخ أورده في التهذيب مكررا بالطريق الذي ذكرناه، و ليس في رجاله من يحتمل التوقف في شأنه، و جعله جماعة من الموثق، و في هذا و أشباهه شهادة واضحة بزيادة التقصير في الاجتهاد» (2).

تقريب كلامه (قده): أن الخمس هو بمعناه من كونه رابع الكسور،

____________

[1] أي كون المراد هو ضعف العشر واقعا، و بحسب الحكم بذلك في نفس الأمر، أو كون الحكم بذلك من باب التقية.

____________

(2) منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح و الحسان للشيخ حسن ابن الشهيد الثاني ج 2 ص 144.

110

و إنما ينصرف إلى المحكوم بحكم خاص بحسب الإطلاق، و أمر هذا الإطلاق هيّن ربما يختل بأدنى شي‌ء من القرائن، و كون ضعف العشر مذهبا لمالك المشتهر في زمن الباقر (عليه السلام) و عدم تعرض جمع لحكم الخمس في ما نحن فيه، يمنع عن استكشاف ذلك.

لكن يندفع ما ذكره أولا: بأن الشائع في زمنه كان هو مذهب أبي حنيفة، على ما ذكره صاحب (الحدائق)، و إنما اشتهر مذهب مالك و الشافعي و الحنبلي في سنة خمسمائة و خمسين.

و ثانيا: في هامش (الحدائق) حكى ذلك عن أبي يوسف حيث قال: إذا اشترى الذمي أرض عشر يضاعف عليه العشر، على ما حكى عن أبي عبيد في كتاب (الأموال).

111

(7- الحلال المختلط بالحرام)

(قال المحقق‌

السابع: الحلال إذا اختلط بالحرام و لا يتميّز، وجب فيه الخمس).

البحث في المقام تارة في المراد مما فيه الخمس من أنحاء الاختلاط، و في المقصود من الخمس الواجب، أنه هل هو المعهود الذي يقسم ستة أقسام أو غيره؟

و أخرى في أن وجوب التخميس هل هو تكليفي محض أثره إباحة التصرف في الباقي من دون أن يخرج شي‌ء من مال الغير عن ملكه، فلو عرفه بعد حين وجب الخروج عن العهدة، أو تخييره بين قبول ما أعطاه خمسا و بين ردّ ماله إليه- مثلا أو قيمة- نظير مورد التصدّق بمجهول المالك.

هذا على تقدير أن ماله بمقدار الخمس أو أقل، و أما لو كان ماله زائدا عليه وجب دفعه إليه على كل حال، أو أن وجوب الخمس عبارة عن خروج مقدار الحرام عن ملك صاحبه إذا كان بمقدار الخمس بمقدار الخمس أو أقل منه، و أما الزائد عليه فيجب دفعه اليه، أو ان وجوبه عبارة عن خروجه عن ملك صاحبه إذا كان بمقدار الخمس أو أقل منه، و أما الزائد‌

112

عليه فيجب دفعه إليه، أو أن وجوبه عبارة عن خروجه عن ملكه و إن كان زائدا على مقدار الخمس إلا إذا كانت عين الزائد باقية فيجب ردّها إليه، أو خروجه عن ملكه و إن كانت الزيادة بعينها باقية.

فينبغي البحث في المقام عن مسائل:-

المسألة الأولى: ما إذا اختلط الحلال بالحرام، و لم يتميّز بوجه من الوجوه،

لا بمقدار كميته و لا بحسب معرفة صاحبه. و المشهور وجوب التخميس فيه، و ذلك هو المختار لما ورد من الروايات التي منها:- 1- ما رواه الصدوق في (الخصال) بسند مصحّح عن عمار بن مروان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: في ما يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه و الكنز: الخمس» [1].

2- ما رواه الصدوق عن السكوني عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام)، قال: «أتى رجل عليا (عليه السلام) فقال: إني اكتسبت مالا أغمضت في مطالبه حلالا و حراما، و قد أردت التوبة و لا أدري الحلال منه و لا الحرام، فقد اختلط عليّ. فقال: أخرج خمس مالك، فإنّ اللّه تعالى رضي من الإنسان بالخمس، و سائر المال لك حلال» (2)

____________

[1] في (المستند) للنراقى انه لم يجد الرواية في كتاب (الخصال)، و الظاهر عدم صحة نسخته، فإن الرواية موجودة فيما لدينا من النسخة، و كذا في نسخة صاحب (الوسائل) و صاحب (الحدائق) فإنهما يرويان عنه. لاحظ الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

____________

(2) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 189، باب الدّين و القرض. و الوسائل باب 5 من أبواب الربا، الحديث 5.

113

و قد روى الكليني هذه الرواية عن السكوني و فيها: «فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تصدّق بخمس مالك فان اللّه تعالى رضى من الأشياء بالخمس ..» (1).

و ربما أوهم ذلك أن المراد بالخمس غير ما هو المعهود بقرينة التصدّق الذي يناسب مجهول المالك و يعطى للفقراء.

و فيه: أن الصدوق رواها عن السكوني، و ليس فيها الأمر بالصدقة بل بالإخراج، مضافا الى التعليل بجملة (فإنّ اللّه تعالى رضي من الأشياء بالخمس) فإنه كما قال به الشيخ الأنصاري (قده): لم يعهد في شي‌ء- فضلا عن الأشياء- أن يرضى الشارع في التطهير بغير الخمس المصطلح.

و أيضا ما ورد في مصححة ابن عمار، صريح في الخمس المصطلح لأنه في سياق المعدن و الغنيمة و الكنوز، فلا بد من أن يكون هو المراد.

3- ما عن المفيد في (المقنعة) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) «عن رجل اكتسب مالا من حلال و حرام، ثم أراد التوبة من ذلك، و لم يتميز له الحلال بعينه من الحرام، فقال: يخرج منه الخمس، و قد طاب، ان اللّه تعالى طهّر الأموال بالخمس».

4- ما في صحيح علي بن مهزيار ذكر الغنائم و الفوائد، و الاستناد إلى آية الخمس قال (عليه السلام): «و مثل مال يؤخذ و لا يعرف له صاحب» (2) فإن إطلاقه يعم ما نحن فيه.

____________

(1) الوسائل- باب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

(2) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

114

لكن الإنصاف أنّ المراد بذلك هو ما كان لقطة، فإنها بعد التعريف سنة يجوز أن يتملكها الملتقط، و حينئذ يكون من الفوائد، و التخميس بلحاظ ثبوته في مطلق الفائدة. و أمّا أخذ مال الغير من دون أن يكون لقطة، فالظاهر أنه لا يرتاب أحد في وجوب التصدق بجميعه دون أن يخمّس، و يطيب الباقي للآخذ، فإنه يشبه أن يأخذ مال الغير عدوانا و يتملكه بعد تخميسه.

5- ما رواه الشيخ في زيادات التهذيب عن الحسن بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن رجلا أتى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين، إني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له أخرج الخمس من ذلك المال، فان اللّه عز و جل قد رضي من المال بالخمس، و اجتنب ما كان صاحبه يعلم» (1).

هذه الروايات تدلّ على لزوم التخميس، و الظاهر أنها لا تعمّ ما إذا كانت الشبهة محصورة بين أشخاص، فإن مورد العلم الإجمالي يصدق عليه أن صاحبه معلوم- و لو بالإجمال- و قد أمر بالاجتناب عنه. ثم الأحوط لزوم الفحص إذا كانت الشبهة غير محصورة و احتمال الظفر بصاحبه، أما مع العلم أو الظن بالظفر به بسبب الفحص فيقوى القول بلزومه لانصراف الرواية عنه، و لا أقل من عدم إطلاقها لمثله.

المسألة الثانية: إذا علم مقدار الحرام تفصيلا، و جهل صاحبه

ففيه أقوال ثلاثة:- أحدها- أنه يتصدق به سواء كان بقدر الخمس أو أقلّ أو أكثر، ذهب الى‌

____________

(1) الوسائل- باب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

115

ذلك الشهيدان و صاحب المدارك و صاحب الجواهر.

ثانيها- ما نقله صاحب المدارك بقوله: و أوجب العلّامة و جماعة في صورة الزيادة إخراج الخمس و التصدّق بالزائد.

ثالثها- ما استظهره صاحب الحدائق من إطلاق الأخبار و حكم بوجوب التخميس [1].

أقول: يتوجه على القول بالتصدق أن الاختلاط يوجب الشركة مشاعا، فلو تصدق بالمقدار الحرام لم يخلص الباقي له، فإنه على إشاعته، و لم يكن له ولاية إفراز حصة شريكه، و ليس في دليل التصدّق بمجهول المالك إطلاق يعم المختلط، فان ما دلّ عليه إنما ورد في ما كان متعينا في الخارج دون ما كان مختلطا، و لو فرض إطلاق في دليله، و استكشف منه- بالدلالة الالتزامية- أن وليّ الأمر قد أذن بالإفراز فيما كان مشاعا، وقع التعارض بينه و بين دليل التخميس، فان كلّا منهما له هذه الدلالة الالتزامية، و بينهما المعارضة بحسب المدلول، فيلزم إمّا القول بالترجيح على تقدير إمكانه و عدم إمكان الجمع الدلالي، أو المصير إلى لتخميس و إعطائه لبني هاشم بقصد الواقع و إن كان صدقة، فإن مثلها تصل إليهم. و لو كان زائدا يتصدق به على مطلق الفقراء، فاللازم حينئذ ذكر روايات التصدق بمجهول المالك ثم البحث عنها.

روايات التصدق بمجهول المالك:

1- ما رواه الكليني بسنده عن على بن أبي حمزة قال: «كان لي‌

____________

[1] حيث إن مصححة عمّار لا ريب في إطلاقها، و كذا مرسلة المفيد، و أمّا ما في الروايات الأخر من عدم دراية الحلال من الحرام أو عدم معرفته كذلك إنما هو في كلام السائل فلا يوجب تقييد المصححة.

116

صديق من كتاب بني أمية، فقال: استأذن لي على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذنت له عليه، فأذن له، فلما دخل سلّم و جلس ثم قال:

جعلت فداك، إني كنت في ديوان هؤلاء القوم، فأصبت من دنياهم مالا كثيرا و أغمضت في مطالبه- إلى أن قال- جعلت فداك، فهل لي مخرج منه؟ قال (عليه السلام): إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل، قال له: فأخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، و من لم تعرف تصدقت به، و أنا أضمن لك على اللّه الجنة ..» (1).

2- ما رواه الكليني عن يونس عن نصر بن حبيب صاحب الخان، قال: «كتبت إلى عبد صالح (عليه السلام): لقد وقعت عندي مائتا درهم و أربعة دراهم، و أنا صاحب فندق و مات صاحبها، و لم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها، و ما أصنع بها، فقد ضقت بها ذرعا، فكتب:

اعمل فيها و أخرج صدقة قليلا حتى يخرج» (2).

3- ما قاله الصدوق بعد أن روى حديث هشام بن سالم ما أجاب به أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الأجير الذي هلك، و كان له مال عند أب السائل قال: «و قد روى في خبر آخر: إن لم تجد له وارثا و عرف اللّه تعالى منك الجهد فتصدّق بها» (3).

4- ما رواه الشيخ و الكليني بسند صحيح عن يونس بن عبد الرحمن: قال: «سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام)، و أنا حاضر- الى‌

____________

(1) الوسائل- كتاب التجارة، باب 47 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(2) الوسائل- كتاب الفرائض و المواريث، باب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه، الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب المتقدم، الحديث 11.

117

أن قال- رفيق كان لنا بمكة فرحل منها إلى منزله، و رحلنا إلى منزلنا، فلما أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأي شي‌ء نصنع به؟

قال: تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة، قال: لسنا نعرفه و لا نعرف بلده و لا نعرف كيف نصنع؟ قال: إذا كان كذا فبعه و تصدّق بثمنه. قال له:

على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية» (1).

5- ما رواه الشيخ، و الصدوق في (المقنع) عن حفص بن غياث قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا، و اللص مسلم، هل يردّ عليه؟ فقال: لا يردّ، فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، و إلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرّفها حولا، فإن أصاب صاحبها ردّها عليه، و إلّا تصدّق بها ..» (2).

و روى الكليني و الصدوق في (الفقيه) هذه الرواية على ما ذكره صاحب (الوسائل).

6- ما رواه الكليني و الشيخ عن علي بن ميمون الصائغ قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ قال (عليه السلام): تصدّق به فإمّا لك و إمّا لأهله ..» (3).

7- و ما رواه الكليني أيضا عن علي الصائغ قال: «سألته عن تراب الصوّاغين و أنّا نبيعه، قال: أما تستطيع أن تستحلّه من صاحبه؟ قال:

قلت: لا، إذا أخبرته اتّهمني. قال: بعه، قلت: بأي شي‌ء نبيعه؟ قال:

____________

(1) الوسائل- باب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2.

(2) الوسائل- باب 18 من أبواب اللقطة، الحديث 1.

(3) الوسائل- باب 16 من أبواب الصرف، الحديث 1.

118

بطعام. قلت: فأي شي‌ء أصنع به؟ قال: تصدّق به، و إمّا لك و إمّا لأهله. قلت: إن كان ذا قرابة محتاجا أصله؟ قال: نعم» (1).

إذا عرفت ذلك و تأملت اتضح لك أن ليس في شي‌ء من الروايات ما يعمّ المختلط بحيث يجوز إفراز مقدار الحرام و التصدق به، فإنه إمّا نص في المتعين- كما في أغلبها- أو لو كان يحتمل الاختلاط كما في الأولى و الأخيرتين كان التصدّق بجميعه لا بشي‌ء منه.

المال المختلط بين أدلّة التخميس و أدلّة التصدق:

و التحقيق: أن روايات التصدق و إن لم تعمّ ما نحن فيه، لكن روايات الخمس أيضا لا تعمّه، و لا بدّ من تقييدها، و عليه نبحث في الحالات الثلاث:- أ- أما عدم شمولها لما إذا كان الحرام أقل من الخمس، فإن التعليل الوارد في بعض الروايات بأنه قد رضي اللّه تعالى عن الأموال بالخمس مفادها التسهيل و التخفيف، و ذلك لا يناسب لزوم التخميس فيما يكون الحرام أقل منه، فالرواية المتضمنة لهذا التعليل مختصّة بغير هذا المورد، و بها يقيّد إطلاق صحيحة عمار بن مروان و مرسلة المفيد، فإنّ الدليلين إذا كانا مثبتين لحكم واحد، و اقترن أحدهما بعلّة الحكم فلا محالة ينثلم إطلاق الآخر. و لو تنزلنا عن ذلك فشمول التكليف بإعطاء المكلف مال نفسه زيادة على ما اشتغلت به عهدته بمثابة من الخفاء المانع عن ظهور الدليل في شموله له [1] فما كان مطلقا لا يمكن‌

____________

[2] فإن المدار في الأخذ بالدليل مدار الظهور، و ربما يكون للفظ واحد مراتب من النصوصية و الظهور و الأظهرية و الخفاء بالإضافة إلى الموارد، و ذلك الذي يسمّيه صاحب الفصول بالمشكك الأصولي.

____________

(1) الباب المتقدم، الحديث 2.

119

أن يؤخذ به، فكيف بما اتصل بما يصلح للتخصيص (أعني به التعليل) فليتدبر جيدا.

ب- و أما عدم شمولها لما إذا كان الحرام أكثر من الخمس و قد تنجزت عهدته على المكلف بسبب عمله به، فحيث أن تحليل مال الغير بلا عوض- حتى بنحو التصدّق عنه- مما يستقل العقل بعدم ملائمته لمقام التشريع، فذلك مخصص لبّى لإطلاق دليل الخمس. و لو تنزلنا عن ذلك فلا أقل من كونه مانعا عن انعقاد إطلاقه، و خفاء صدقه.

ج- و أما عدم شمولها لما إذا كان الحرام بمقدار الخمس، فلعدم قابلية التفكيك بينه و بين ما إذا كان أقل منه و أكثر، فتنحصر روايات التخميس بما إذا كان قدر الحرام مجهولا يتردّد بين كونه بمقداره أو أقل أكثر، مضافا إلى أن بشمولها لذلك لا ضير فيه، و لا ينافي التصدق، فإن الخمس نصفه يعطى للسادة و مثل هذه الصدقة تباح لهم، فإنها ليست من الصدقات الواجبة بذاتها، و إنما يجب العمل بها نظير وجوب عمل الوصي بالتصدّق الموصي به، الذي لا ريب في جواز إعطائه لبني هاشم، و نصفه الآخر إمّا يعطى لهم أو لغيرهم، و على كل حال يعلم بإصابة الواقع، و نية التخميس لا توجب أثرا بعد أن حصلت القربة.

فتلخص: أن كلتا الطائفتين من روايات الصدقة و التخميس لا تشمل مورد معلومية مقدار الحرام، لكن حيث أن خصوصية كون مال الغير ممتازا في الخارج لإدخاله لها في الحكم بالتصدق عنه، ضرورة أن المناط هو لزوم إيصال مال الغير إليه، و حيث إنه مجهول لا يعرف حتى بعد الفحص، فالتصدّق عنه عبارة عن إيصال المال إليه ببدله، فبهذا المناط القطعي يحكم فيما نحن فيه بالتصدق.

120

نعم لا بدّ من مراجعة الحاكم في إفراز مقدار الحرام لأجل إشاعته في المال الموجود. كما أنه لو أتلف جميع المال المختلط بالحرام لزم مراجعته لأجل تعيين ما في الذمة فيما يدفعه إلى الفقير صدقة عن المالك، اللّهم إلا أن يستفاد من أوامر التصدق في موردها أن وليّ الأمر قد أذن في تبديل مال الغير بعوضه، و يتوسع في تنقيح المناط بحيث يستفاد إذنه في إفراز المشاع و تعيين ما في الذمة، و ذلك في غاية الإشكال، لا سيّما مع النظر إلى أن التبديل بالعوض لو كان مأذونا فيه، كان الظاهر كفايته، و لم يكن للمالك بعد الظفر به حق في أن لا يرضى به، مع أنه من المسلّم أنه لو ظفر به خيّره بين قبول الصدقة و دفع المال إليه. و هو العالم سبحانه.

إذا علم المالك و جهل مقدار الحرام:

إذا علم المالك و جهل مقدار الحرام المختلط تصالحا برضاهما، و لو امتنع المالك عن ذلك، فعن العلّامة «أنه إن أبى دفع إليه خمس المال، لأن هذا القدر جعله اللّه تعالى مطهّرا للمال» (1).

و كأنه (قده) نظر إلى ما ورد من التعليل بأنه تعالى رضي من المال بالخمس، و أنه تعالى طهّر الأموال بالخمس، و نحو ذلك، فإن الإطلاق يعمّ ما نحن فيه، و التعليل يفيد إباحة الباقي بعد الخمس. لكن لا يمكن المصير إليه، فإنّ في صحيحة عمار بن مروان التقييد بجملة (إذا لم يعرف صاحبه) و مفهومه يوجب انثلام الإطلاق في باقي الروايات.

و حكى صاحب (الجواهر) عن (الرياض) «وجوب مصالحته بما‌

____________

(1) تذكرة الفقهاء للعلّامة الحلّي.

121

يرضى به، ما لم يعلم زيادته على ما اشتغلت الذمة به بيقين» ثم قال:

«و هو جيّد، و عنده حينئذ يتّجه إجبار الحاكم له على الصلح» (1).

و عن بعض: أنه لا يبعد الاكتفاء بدفع ما يتيقن انتفاؤه لأصالة براءة الذمة عن الشغل بغيره.

و قال في العروة الوثقى: «إن لم يرض المالك بالصلح، ففي جواز الاكتفاء بالأقل أو وجوب إعطاء الأكثر، وجهان: الأحوط الثاني، و الأقوى الأول» (2).

قلت: يتم القول بذلك لو كان قد أتلف المالك المختلط فيشك في الضمان زائدا على المتيقن، أمّا إذا كان موجودا، فإن لم يكن في يده فلا أمارة له على ملكية الزائد، و إن كان في يده فهي و إن كانت أمارة على ملكيته، لكن لا يمكنه إفراز الأقل في إعطائه للمالك ما لم يرض بذلك، فلا يخلص له الباقي لبقاء الإشاعة على حالها.

و التحقيق أن يقال: إن المال فيما نحن فيه على أنحاء ثلاثة:- أحدها- أن يكون المكلّف قد أتلفه كله.

ثانيها- أن يكون في يدهما، أو لا يكون في يد واحد منهما.

ثالثها- أن يكون في يد المكلف دون الغير.

أما في الأول: فلا يضمن إلا المقدار المتيقن، و تجري أصالة العدم بالإضافة إلى الأزيد.

____________

(1) الجواهر ج 16 ص 75.

(2) العروة الوثقى ص 436 طبعة دار الكتب الإسلامية.

122

و أما في الثاني: فإن تصالحا فهو، و إلا فتارة يبحث عن الحكم بملكية كل منهما، و أخرى عن الإفراز في الخارج.

أ- أما بالإضافة إلى الملكية فيحكم بالمتيقن لكل منهما. و أما الباقي فربما يقال بالتنصيف بينهما، نظرا إلى ما ورد في مثله من رواية الصدوق عن عبد اللّه بن المغيرة عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما:

الدرهمان لي، و قال الآخر: هما بيني و بينك، فقال: أما الذي قال: هما بيني و بينك، فقد أقرّ بأن أحد الدرهمين ليس له و أنه لصاحبه، و يقسم الآخر بينهما» (1).

و رواه الشيخ أيضا إلا أنه قال: «و يقسم الدرهم الثاني بينهما نصفين».

و كذا ما رواه الصدوق و المفيد عن السكوني عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه «في رجل استودع رجلا دينارين فاستودعه آخر دينارا، فضاع دينار منها، قال: يعطى صاحب الدينارين دينارا، و يقسم الآخر بينهما نصفين» (2).

و رواه الشيخ إلا أنه قال: «و يقسمان الدينار الباقي بينهما نصفين».

و قد ورد في كتاب القضاء في حديث: «أن أمير المؤمنين اختصم إليه رجلان في دابّة، أنه قال (عليه السلام): و لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين» (3).

____________

(1) الوسائل- باب 9 من كتاب الصلح، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 12 من كتاب الصلح، الحديث 1.

(3) الوسائل- باب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3 و 2 و 4.

123

و يؤيد ذلك ما رواه المشايخ العظام، و منهم المفيد، عن إسحاق ابن عمار قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهما في ثوب، و آخر عشرين درهما في ثوب فبعث الثوبين، و لم يعرف هذا ثوبه، و لا هذا ثوبه، قال: يباع الثوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن، و الآخر خمسي الثمن. قلت: فإن صاحب العشرين قال لصاحب الثلاثين: اختر أيّهما شئت، قال: قد أنصفه» (1).

أقول: الرواية الأولى واردة في مقام الترافع، و ما نحن فيه أعم من ذلك، و معارضة بما رواه الكليني عن سماعة قال: «إن رجلين اختصما إلى علي (عليه السلام) في دابّة، فزعم كل منهما أنها نتجت على مذوده، و أقام كل واحد منهما بينة سواء في العدد، فأقرع بينهما سهمين، فعلّم السهمين كل واحد منهما بعلامة- إلى أن قال- فخرج سهم أحدهما فقضى له بها» (2).

مضافا إلى أن ما ذكر من الروايات موردها ما يتردد الأمر بين أن يكون تمام المال لهذا و لذلك، و ذلك غير ما نحن فيه حيث يتردد الأمر بين ذلك، و بين اشتراكهما.

لا يقال: إن مورد الودعي أيضا الاشتراك، بلحاظ اختلاط الدينارين مع الدينار، فضياع دينار لدى الودعي بلا ضمانة يوجب الضياع من الكل.

لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك كان الحكم أن يعطى ثلثا الدينارين‌

____________

(1) الوسائل- باب 11 من كتاب الصلح، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 12 من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء، الحديث 12.

124

لأحدهما و ثلثهما للآخر، لا أن يعطى لأحدهما دينار و نصف دينار، و للآخر نصف دينار.

و الحاصل: أن الأقوى فيما نحن فيه الاقتراع، لما ورد من أن كل مجهول فيه القرعة، و تواترت الروايات أن سهم الحق لا يخطئ. نعم، يلزم التفويض إليه سبحانه و تعالى، كما ورد التقييد بذلك في عدة من روايات القرعة. و لو اقترع الحاكم كان أولى.

و كيفية القرعة فيما نحن فيه: أن يؤخذ سهام ثلاثة يكتب على اثنين منها اسم واحد منهما، و يكون الثالث أبيض فإن لم يكن ذلك لأحدهما فلا محالة يخرج الثالث، و حينئذ يقرع بالإضافة إلى أجزاء ذلك المقدار كذلك حتى يخرج ما هو المتعين.

هذا كله بالإضافة إلى تعيين كمية ملك كل منهما بالإضافة إلى الباقي.

ب- و أما بالإضافة إلى إفراز ما تعين، فإن تراضيا به فلا إشكال، و إلا أجبر الممتنع منهما، ضرورة أن المشاع لو لم يرض بتقسيمه أحد الشريكين مع مطالبة الآخر تصدّى الحاكم لذلك.

و أما في الثالث: و هو ما إذا كان المال المختلط بيد المكلف، فربما يقال بأن الغير إن لم يرض بالصلح أعطى له المقدار المتيقن، فإن يد المكلف أمارة لمالكيته، فيكون الباقي له، لأن اليد إنما تسقط بمقدار قيام الحجة على خلافها.

قال في (العروة الوثقى): «إن علم المالك و جهل المقدار تراضيا بالصلح و نحوه، و إن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقل‌

125

أو وجوب إعطاء الأكثر وجهان: الأحوط الثاني، و الأقوى الأول إذا كان المال في يده» (1).

لو ورث الصغير مالا مختلطا بالحرام:

لو ورث الصغير مالا مختلطا بحرام ففيما يجب الخمس لا بدّ من تخميسه لوليّه، و كذا فيما يتصدق، و أما في مورد التصالح فيراعى غبطة الصغير، و إلا فيشكل الأمر من حيث إبقاء المال أو صرفه في معاشه، نعم في الصلح الإجباري يراعى الحاكم الجهات.

لو كان المال المختلط في ذمته:

إذا كان المال المختلط في ذمته، فتارة يتلف المختلط فعليه الخمس، و أخرى يختلط في الذمة بمعنى أنه يتلف المال الحلال و الحرام، و لا يدري كمية واحد منهما، و حينئذ لا دليل على التخميس، لكن إن لم يعلم مقدار الحرام أخذ بالمتيقن، و كذا إذا علم مقداره، لكن كان جنسه معلوما، أو كان التالف- أيّا ما كان- قيميا، فله أن يأخذ بالمتيقن، أما إذا لم يعلم جنسه و كان مثليا فيشكل الأمر، فإن كان في عدد غير محصور و يئس بعد الفحص يتصدق عنه كما يستفاد من صحيح معاوية بن وهب المروي في الباب 21 من أبواب الدين و القرض من (الوسائل) قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل كان له على رجل حق ففقد، و لا يدري أحيّ أم ميت، و لا يعرف له وارث و لا نسب و لا بلد، قال: اطلبه. قال: إن ذلك قد طال فأتصدق به؟ قال:

____________

(1) العروة الوثقى ص 436 طبعة دار الكتب الإسلامية.

126

اطلبه» [1] أقول: يستفاد منه بحسب ارتكاز سؤاله أن الحكم هو التصدق بعد الطلب، فإنه سأل عن التصدق قبل الطلب.

و في الباب نفسه قال الصدوق في الهامش: «و قد روى في خبر آخر: إن لم تجد له وارثا و عرف اللّه عز و جل منك الجهد فتصدّق بها».

مضافا إلى ما يستفاد بتنقيح المناط عن رواية التصدّق بالمال المجهول المالك.

ثم إن تعيين ما في الذمة في ما يتصدق به يتوقف على إذن الحاكم، إلا أن يقال بأن الأمر بالتصدق دالّ بالالتزام على إذن ولي الأمر، فليتأمل.

لو علم مقدار الحرام و علم المالك ضمن عدد محصور:

لو علم مقدار الحرام و مالكه، سواء كان واحدا أو متعددا فواضح، و لو علم المالك إجمالا في عدد محصور، فإمّا أن يكون الخلط بتقصير أولا، و على كل حال لا بدّ من إخراج يده عن الضمان بالأداء فكيف يؤدي؟

1- فهل يخمس لعدم المعرفة تفصيلا بالمالك؟

2- أو يتصدّق عنه لتعذر إيصال المال إليه، و إن كان معلوما إجمالا، كما هو مناط المجهول مالكه؟

3- أو يوزّع بينهم استظهارا من تنصيف الدينار في الودعي؟

____________

[1] و روى في باب 6 من أبواب ميراث الخنثى، حكم ميراث المفقود و المال المجهول المالك «ففقده و لا يدري أين يطلبه و لا يدري- إلى أن قال- و لا يعرف له وارثا و لا نسبا و لا ولدا».

127

4- أو يدفع المال إلى الحاكم كما احتمله الشيخ الأعظم الأنصاري [1]. فإنه من الأمور الحسبية، و يرى الحاكم ما يراه.

5- أو يجمعهم و يضع المال بين يديهم حتى يكون مؤديا للمالك الواقعي، و حيث أن ليس له الإفراز يجعل جميع المال المختلط بين يديهم و يقول: إن كذا مقدارا منه لواحد منكم.

6- أو يعينه بالقرعة.

7- أو يعطى لواحد منهم ذلك المقدار، للتنزّل من الموافقة القطعية غير الممكنة إلى الموافقة الاحتمالية.

8- أو لا بدّ من إرضاء الجميع، و لو بإعطاء مثل المقدار المعلوم لكل واحد؟.

قال في (العروة الوثقى): «إذا علم قدر المال و لم يعلم صاحبه بعينه، لكن علم في عدد محصور، ففي وجوب التخلص عن الجميع و لو بإرضائهم بأي وجه كان، أو وجوب إجراء حكم مجهول المالك عليه، أو استخراج المالك بالقرعة، أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسوية، وجوه: أقواها الأخير» (2).

مناقشة هذه الاحتمالات:

1- أما التخميس فلا وجه له، حيث إن قوله (عليه السلام): «و لم يعلم صاحبه» لا يصدق على المعلوم إجمالا.

____________

[1] قال قده: «و يحتمل ان يقال: يدفع إلى الحاكم من المال المذكور ما تيقن معه بخلو ما في يده من الحرام، و يتولّى القسمة بنفسه الحاكم إن امتنعوا عن الاجتماع على هذه القسمة بالمباشرة و التوكيل، فيكون المال في يد الحاكم مترددا بين محصورين».

____________

(2) العروة الوثقى ص 437- 438.

128

2- و أما التصدّق فهو فيما لا يمكن تحصيل العلم بوصوله إلى المالك و هاهنا ممكن، و لو بالإرضاء بأي وجه كان. و على تقدير عدم وجوبه نظرا إلى إجراء قاعدة نفي الضرر فلا تصل النوبة إلى التصدق، إلا إذا لم يكن هناك طريق شرعي من التوزيع أو القرعة أو غيرهما.

3- و أما التوزيع فلا دليل عليه على إطلاقه، و تنصيف الدينار في الودعي إنّما هو مع عدم الضمان، و لا يستفاد منه قاعدة كلية.

4- و أما الدفع إلى الحاكم فلا دليل على ولايته لعدم غيبة المالك، و لا امتناعه عن أمر يجب عليه.

5- و أما وضعه بين أيديهم، فلو صدق الأداء مع عدم تمكن المالك من التصرف- إمّا لعدم علمه بكونه مالكا، أو لتداعى غيره معه- فهو الأقوى.

6- و أما القرعة فلا يؤخذ بها لو كان هناك طريق شرعي، مضافا الى التأمل في ارتفاع الضمان، إلا ان يستفاد من قوله (عليه السلام): «سهم اللّه لا يخطئ» كونها حجّة على براءة الذمة و إصابة الواقع.

7- و أما الإعطاء لواحد فلا مساغ له في الأمور الوضعية و الضمان الشرعي.

8- و أما إرضاء الجميع فيعارضه نفي الضرر بالإضافة إلى المكلف، و إن قال به في (مصباح الفقيه) ان كان قد تعمد في الخلط فبتقصيره لا تجري قاعدة نفي الضرر في حقه، و أما إذا لم يقصر في ذلك فقال بجريانها.

129

قلت: لا مجال لهذه القاعدة فإنها تنفي الأحكام التكليفية دون الوضعية في مقام فراغ الذمة.

المختار:

و الأوجه أن يضع المال كلّه بين أيديهم. و حينئذ فلا يخلو الأمر من الحالات الآتية:

أ- أن يدّعيه واحد منهم و يعترف الآخرون بأنه ليس لهم، فذاك دعوى بلا معارض، فتقبل من غير استحلاف. و الظاهر عدم الخلاف فيه، و قد روى الكليني عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت: عشرة كانوا جلوسا وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضا: أ لكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا، و قال واحد منهم.

هو لي، فلمن هو؟ قال: للذي ادّعاه» (1) و السند صحيح حيث إن الراوي عن منصور هو يونس على ما رواه الشيخ. و يكون ذلك حجة شرعية بلحاظ يد المدعي على براءة الذمة.

إن قلت: فعلى هذا لو ادّعاه قبل أن يضع المال بين أيديهم و نفى الآخرون كونه لهم لا بدّ من المصير إلى ذلك.

قلت: لا يبعد ذلك، لكن لا من حيث الدعوى بلا معارض، فإن الإجماع على حجيّتها لم يثبت مع عدم اليد، بل من حيث انه يعلم أن لا مالك له سوى هؤلاء المحصورين، و يقر الآخرون بأنه ليس لهم، فينفى ملكهم بإقرارهم، فيتعين المالك في هذا المدعي.

لكن يشكل ذلك: بأن إقرارهم ليس من الأمارة حتى يؤخذ بلازمها‌

____________

(1) الوسائل- كتاب القضاء، باب 17 من أبواب كيفية الحكم.

130

- و هو انحصار المالك في المدّعي- فلا بدّ من أن يقيم البينة حتى يدفع المال إليه، أو يكون دفعه إليه برضا الباقين.

ب- أن يدّعيه كلهم، و ذلك على الظاهر مورد الترافع لدى الحاكم، و يستحلفون فيقسّم بينهم إن حلف كلهم، و إن حلف بعضهم دون الآخر يعطى له إن كان واحدا، و يقسّم بين الحالفين لو تعدّدوا.

ج- أن ينفي العلم كلهم، فيتصالحون.

د- أن ينفيه عن نفسه كلّهم، فهو مجهول المالك لدى الحاكم، و برضاه يفرز المال المشاع، و يأخذ بمال الغير و يتصدّق به.

ه‍- أن يدّعيه بعضهم و ينفي العلم غيره، فهو بالإضافة إلى نفسه مدّع، و بالإضافة إلى غيره منكر فإن أقام البينة فهو، و إلا فالظاهر أنه يحلف على نفي الغير.

و الحاصل: أنه يخرج عن عهدة ضمان اليد بوضع المال كلّه بين أيديهم، و إنما يتوقف إفراز ماله عن ثبوت الحق لواحد معين منهم، و ذلك يبتني على القضاء من الحاكم حسب الصور التي تحتمل من ادّعاء كلهم أو بعضهم و اعتراف الآخرين بأنه ليس لهم أو سكوتهم، الى غير ذلك.

131

(فروع)

[الأول] هل يشترط الحرية و البلوغ:

(قال المحقق قده‌

فروع- الأول: الخمس يجب في الكنز، سواء كان الواجد حرّا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، و كذا المعادن و الغوص).

قد كانت الحرية و البلوغ شرطا في وجوب الزكاة وضعا و تكليفا، فهل الأمر كذلك في الخمس أم لا؟ ظاهر المحقق التفصيل بعدم الاشتراط في الكنز و المعدن و الغوص، و الاشتراط فيما عداها من الغنيمة، و أرباح المكاسب، و الحلال المختلط بالحرام، و الأرض المشتراة من المسلم بالنسبة إلى الذمّي.

و قال في (العروة الوثقى): «الظاهر عدم اشتراط التكليف و الحرية في الكنز و الغوص و المعدن و الحلال المختلط بالحرام و الأرض التي يشتريها الذمّي من المسلم، فيتعلق بها الخمس، و يجب على الولي و السيّد إخراجه، و في تعلقه بأرباح مكاسب الطفل إشكال، و الأحوط إخراجه بعد بلوغه» (1).

و قال الشيخ الأنصاري (قده): «الظاهر أنه لا خلاف في عدم‌

____________

(1) العروة الوثقى ص 446.

132

اشتراط البلوغ و العقل في تعلّق الخمس بالمعادن و الكنوز و الغوص .. و أما الغنيمة فالظاهر أنها كذلك .. و أما المكاسب فظاهر إطلاق الفتاوي عدم اشتراط البلوغ فيها .. و الحاصل أنه يفهم من استدلال العلماء لوجوب الخمس في الكنز و المعدن و الغوص بأنها اكتسابات فتدخل تحت الآية، ثم تعميم الوجوب فيها للصبي، و المجنون، ثم دعواهم الإجماع على وجوب الخمس في مطلق الاكتسابات، عدم الفرق في أرباح المكاسب بين البالغ و غيره».

و عن العلّامة و الشهيدين و غيرهم: دعوى الاتفاق في بعض ما ذكره المحقق (قده)، لكن في (المستند) استظهر عدم ثبوت الخمس في مال اليتيم مطلقا، إلا أن يثبت الإجماع كليّا أو في بعض الأنواع.

و الظاهر أنه لا سبيل إلى نفي الخمس في مال الصغير و العبد، إلا التمسّك بالأصل، و استيناس ذلك من عدم الزكاة في مالهما، و الإطلاق في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم فيما رواه الشيخ عنهما عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ليس على مال اليتيم في العين و المال الصامت شي‌ء، فأما الغلّات فعليها الصدقة واجبة» (1) و صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس في مال المملوك شي‌ء، و لو كان له ألف ألف، و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا» (2).

أقول: لا يمكن التمسك بإطلاق (الشي‌ء) فإنّ الذيل في كل منهما يصلح للقرينية، و لا أقل يوجب الإجمال، و المتيقّن من نفي الشي‌ء هو نفي الزكاة.

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 2 و في رواية الكليني: «ليس على مال اليتيم في الدّين».

(2) الوسائل- باب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.

133

و التحقيق: أنه لا بدّ من ملاحظة الروايات:

أ- فكل نوع تمحض في الأمر بإعطاء الخمس، فحيث إن التكليف مشروط بالبلوغ و العقل لا يشمل الصبي و المجنون، و لكنه يشمل العبد.

ب- و كل نوع كان بلسان الوضع مثل قوله (عليه السلام) (فيه الخمس) أو نحو ذلك فيلتزم بشموله للكل حتى الصبي و المجنون.

ج- و ما كان قد ورد فيه بكلا التعبيرين يؤخذ بهما، لعدم المنافاة.

نعم، ربما يقع الإشكال فيما لو تمحض التعبير بأداة (على) و كان مدخولها المال، من حيث إنه هل المراد هو الكناية عن التكليف، كما إذا جعل الفعل مدخولا لكلمة (على هذا) فان المفاد حينئذ كون الفعل في ذمة المكلف، و كان من باب ذكر اللازم و إرادة الملزوم (و هو البعث إلى ذلك الفعل) أو ذلك من استعمال الأداة بمعنى (في) و المراد هو الوضع.

فنقول: قد ورد بعنوان العموم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا» (1) و عن موسى بن جعفر (عليه السلام) في الحديث قال: «و اللّه لقد يسّر اللّه على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم جعلوا لربهم واحدا و أكلوا أربعة أحلّاء ..» (2).

فإن ظاهر الروايتين الحق في المال و الحرمة فيه، و ذلك هو‌

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

(2) الباب المتقدم، الحديث 6.

134

الوضع، فيعمّ الكل.

و أيضا مفاد الآية المباركة هو الوضع، و يعمّ الكل في جميع الأنواع، بناء على تفسيرها بمطلق الاستفادة دون الاختصاص بغنيمة دار الحرب. نعم، لا تعمّ الآية الحلال المختلط بالحرام، و الأرض التي اشتراها الذمّي من المسلم.

ثم إنه ينبغي ملاحظة ما ورد في كل واحد من العناوين:

1- فمنها المعادن: و قد ورد بسند صحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال (عليه السلام): كل ما كان ركازا ففيه الخمس» (1).

و هكذا الغالب من الروايات الواردة في وجوب الخمس في المعدن [2]. و أنت خبير بأن مفاد أداة (في) هو النسبة بين الظرف و المظروف، و ذلك هو الوضع، ضرورة أن المراد من الخمس هو الحق المعهود الذي هو له تعالى و للرسول و لذي القربى .. الى آخر الآية.

و بعبارة أخرى: إن ظاهر جملة (فيه الخمس) أنه الحق المجعول شرعا، و تفسيره بأن اللام إشارة الى ما يعهد وجوب أدائه حتى يكون من باب ما تعلّق به التكليف المختص بالمكلفين، لا قرينة عليه، فلا يصار إليه.

2- و منها الكنز: ففي رواية الحلبي (أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكنز، كم فيه؟ فقال: الخمس» (3).

____________

[2] إنما قلنا: الغالب، لأن في روايتين منها قد استعملت أداة (على).

____________

(1) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(3) الوسائل- باب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

135

و في رواية أخرى تضمنت أن عبد المطلب وجد كنزا، فأخرج منه الخمس، و تصدّق به، فأنزل اللّه تعالى «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ ..» (1)

و ذلك- بمقتضى مفاد اللام- عبارة عن الحق المجعول وضعا، و لا ينافي ذلك ما رواه المفيد قال: «سئل الرضا (عليه السلام) عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس، فقال: ما يجب فيه الزكاة من ذلك بعينه ففيه الخمس (2). فان الوجوب بمعنى الثبوت، و لو فرض أن المراد هو التكليف لم يعارض ما تقدم.

3- و منها الغوص: و قد ورد في جواب السؤال عما يخرج من البحر و غير ذلك قوله «فيه الخمس» (3) و في رواية أخرى أيضا كذلك.

نعم في بعض الروايات (4) قد استعملت كلمة (على) لكن لا وجه لمعارضتها، فإنها مجملة، و لو كان ظاهرة في التكليف لم تناف مفاد غيرها. و قد روى المفيد عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «في العنبر الخمس» (5).

4- و منها ما يفضل من مؤنة السنة: ففي رواية النيسابوري في جواب سؤاله: ما الذي يجب لك من ذلك؟ أنه وقّع: «لي منه الخمس مما يفضل من مؤنته» (6) و في رواية سماعة قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) في الخمس، فقال: في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير» (7) و في رواية ابن سنان: حتى الخياط يخيط قميصا بخمس دوانيق، فلنا منه دانق» (8)، نعم في بعض الروايات (أن عليه الخمس) لا ينافي ذلك على‌

____________

(1) الوسائل- باب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(2) الوسائل- باب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(3) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(4) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7.

(5) الوسائل- باب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(6) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(7) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(8) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8.

136

ما ذكرناه آنفا.

5- و منها الأرض، التي اشتراها الذمّي من المسلم إذا كان المشتري من أطفال أهل الذمة، و فيها يشكل القول بثبوت الحق الوضعي، فإن الروايات الواردة تضمنت وجوب الخمس على الذمي، كما في رواية الحذّاء قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: أيّما ذمي اشترى من مسلم أرضا فإن عليه الخمس» (1) و في رواية المفيد عن الصادق (عليه السلام) قال: «الذمي إذا اشترى من المسلم الأرض فعليه فيها الخمس» (2) و مقتضى الوجوب التكليفي الاختصاص بالمكلّفين، فلا يشمل الصغير، لكن فيما رأيت من كلمات الفقهاء هو ثبوت الخمس في الأرض التي يشتريها المسلم من الذمّي الذي اشتراها من مسلم و لم يؤدّ خمسها، و ذلك يعطي أنهم استفادوا الحكم الوضعي، فعليه يثبت الخمس، و إن كان المشتري من أطفال أهل الذمة.

و يمكن تقريب كلامهم: بأن الحكم التكليفي المتعلق بإعطاء المال إنما لا يدلّ على الوضع إذا كان بنحو الإطلاق، كما في إيجاب الكفارة، أما إذا تعلق بمال مخصوص فيفيد الوضع، كما إذا وجب بالنذر التصدّق بمال مخصوص فلا يجوز له بيعه.

و العجب من صاحب (المستند) حيث انه في مسألة اشتراط الخمس بالبلوغ يستظهر عدم الاشتراط، و يجعل عدم الاشتراط في الأرض التي اشتراها الذمّي من المسلم أظهر لأجل أن ثبوت الخمس فيها بالخطاب التكليفي المختص بالكمّل! لكنه في أصل مسألة ثبوت‌

____________

(1) الوسائل- باب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

137

الخمس في تلك الأرض يقول، «و لو نقل الذمي الأرض إلى غيره قبل أخذ الخمس لم يسقط الخمس، بل لا يصحّ النقل في قدره» فإنه إن كان أمرا وضعيا فلم لا يثبت في حق الطفل، و إن لم يكن كذلك فلم لا يصحّ النقل في قدره؟ إلا أن يؤوّل كلامه بأن الوضع في خصوص ما اشترى الذمي البالغ دون الطفل، و ذلك يشبه التعسّف، فليتدبر جيدا.

6- و منها الحلال المختلط بالحرام: قال في (المستند) بعدم ثبوت الخمس فيه في مال الصغير، مستدلا بما تقدم من أن ثبوته بالخطاب التكليفي المختص بالكمّل.

أقول: ما ذكره من الخطاب التكليفي و إن كان صحيحا، حيث إن الوارد في الروايات قوله (عليه السلام) (أخرج الخمس) أو (فليبعث بخمسه) و نحو ذلك، إلا أن التعليل بأنّ اللّه عز و جل قد رضى من ذلك المال بالخمس، و قوله (عليه السلام) بعد ذلك في رواية أخرى: «و سائر المال لك حلال» يعطي أن الشارع إمّا حدّد الحرام تعبّدا في مقدار الخمس، أو جعل ذلك بدلا من مقدار الحرام في الواقع، فالحكم الوضعي و هو ملكية مال الغير لصاحبه و كونه محرما ثابت و غير ساقط، فكيف القول بعدم ثبوت الخمس و كون جميع المال حلالا له [1].

____________

[1] إن قلت: قد وردت روايات تدل على حليّة المال المختلط من الحلال و الحرام غير المتميز عينه و لا المعروف صاحبه، فمنها صحيحة ابن سنان «كل شي‌ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» و نحوها صحيحة الحذّاء إلا أنه قال: «لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه» و منها موثقة سماعة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب مالا من عمل بني أمية، و هو يتصدق منه، و يصل منه قرابته، و يحج ليغفر له ما اكتسب، و هو يقول: إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إن الخطيئة لا تكفّر الخطيئة، و لكن الحسنة تحطّ الخطيئة. ثم قال: و إن خلط الحرام حلالا فاختلطا جميعا فلا يعرف الحلال من الحرام فلا بأس» و منها صحيحة أبي بصير عن شرى السرقة و الخيانة فقال: «لا إلا أن يكون قد اختلط معه غيره، و أما السرقة بعينها فلا» و منها-

138

الا أن يقال بكون الصغير أسوأ حالا من الكبير، بأن لا يكتفى بالخمس في حقه، و يكتفى في الحليّة بالمقدار المتيقن أنه له، و ذلك مما يقطع بخلافه.

[الثاني] عدم اعتبار الحول:

(قال المحقق قده‌

الثاني- لا يعتبر الحول في شي‌ء من الخمس، و لكن يؤخر ما يجب في أرباح التجارات احتياطا للمكتسب).

أمّا عدم الحول فيما عدا الأرباح و الفوائد فواضح، بمقتضى إطلاق الأدلّة، لا سيما بالنظر الى كونه حقا وضعيا لا وجه في تأخيره إلى مضى الحول. و قد نقل الإجماع و أنه قول العلماء كافة، و نحو ذلك في عدم اشتراط الحول، و ظاهر صاحب الجواهر إمكان الإجماع المحصّل على ذلك، و على الفورية حيث قال: «يمكن دعوى تحصيل الإجماع‌

____________

- صحيحة الحلبي: «لو أن رجلا ورث من أبيه مالا و قد عرف أن في ذلك المال ربا و لكن اختلط في التجارة بغيره حلالا كان حلالا طيبا فليأكله، و ان عرف منه شيئا معزولا أنه ربا فليأخذ رأس ماله و ليردّ الربا» و منها صحيحة الحلبي أيضا قال: «اني ورثت مالا و قد علمت أن صاحبه الذي ورثت منه قد كان يربي، و قد عرفت أن فيه ربا، و استيقن ذلك و ليس يطيب حلاله لحال علمي فيه الى إن قال- فقال أبو جعفر (عليه السلام): ان كنت تعلم بأن فيه مالا معروفا و تعرف أهله فخذ رأس مالك، و ردّ ما سوى ذلك، و ان كان مختلطا فكله هنيئا، فإن المال مالك» إلى غير ذلك من الروايات. فلا عجب في أن ترد الحليّة في مورد تعبدا من الشارع.

قلت: أولا- هذه الروايات معارضة بما دلّ على الحرمة كما في صحيحة ضريس قال (عليه السلام) «أمّا ما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا تأكل» و رواية إسحاق بن عمار: «يشتري منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه أحدا» و رواية عبد اللّه بن سليمان «كل شي‌ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان بأن فيه الميتة» و ما كان فيه العمل لبني أمية معارض بما رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل- إلى أن قال (عليه السلام)- فان فعل فصار في يده شي‌ء فليبعث بخمسه الى أهل البيت».

و ثانيا- الروايات الواردة في الربا تختص بموردها على ما ذكر في بابه.

و ثالثا- إذا اشترى شي‌ء ممن كان مخلوطا و لم تكن جميع أمواله محلا للابتلاء، أو يحتمل أن ذلك الشي‌ء كان ممتازا يؤخذ بأماريّة اليد و يجوز شراءه.

139

عليه، بل و على وجوبه فورا زيادة على ذلك أيضا، لأنه حق للغير المطالب به حالا، إن لم يكن قولا، مع أنه يكفي في عدم جواز إبقائه عدم الإذن من مستحقه، إذ هو من قبيل الأمانة الشرعية عنده» (1).

و أما عدم الحول في الأرباح فالمشهور المعروف ذلك، إلا ما يحكى عن ابن إدريس من اعتبار مضيّ الحول حيث قال: «أمّا ما عدا الكنوز و المعادن من سائر الاستفادات و الأرباح و المكاسب و الزراعات فلا يجب فيها الخمس بعد أخذها و حصولها، بل بعد مؤنة المستفيد و مؤنة من تجب عليه مؤنته سنة هلالية على جهة الاقتصاد، فإذا فضل بعد نفقته طول سنته شي‌ء أخرج منه الخمس قليلا كان الفاضل أو كثيرا.

و لا يجب عليه أن يخرج منه الخمس بعد حصوله له و إخراج ما يكون بقدر نفقته، لأن الأصل براءة الذمة، و إخراجه على الفور، أو وجوبه ذلك الوقت يحتاج إلى دليل شرعي و الشرع خال منه، بل إجماعنا منعقد بغير خلاف أنه لا يجب إلا بعد مؤنة الرجل طول سنته، فإذا فضل بعد ذلك شي‌ء أخرج الخمس من قليله و كثيره.

و أيضا فالمئونة لا يعلم كميّتها إلا بعد مضي سنة، لأنه ربما ولد الأولاد، و تزوّج الزوجات، و انهدم داره و مسكنه، و ماتت دابّته التي يحتاج إليها، أو اشترى خادما يحتاج إليها الى غير ذلك مما يطول تعداده و ذكره، و القديم تعالى ما كلّفه إلا بعد هذا جميعه، و لا أوجب إلا فيما يفضل عن هذا جميعه طول سنته ..»‌

أقول: يدل على ما ذكره في بادئ النظر ما ورد من قوله عليه‌

____________

(1) الجواهر ج 16 ص 79.

140

السلام: (الخمس بعد المئونة) و قوله (عليه السلام): (الخمس مما يفضل من مؤنته) و قوله (عليه السلام): (عليه الخمس بعد مؤنته و مؤنة عياله، و بعد خراج السلطان ..» إلى غير ذلك.

و التقريب: أن كلمة (بعد) ظرف زمان، و المئونة عبارة عن مؤنة السنة، فتعلّق الخمس- وضعا و تكليفا- يتوقف على مضي الحول، فيشكل على ما هو المشهور بأنه خلاف ما يستفاد من الروايات، كما يشكل عليه بما ذكره ابن إدريس من أن إحراز أن ما يؤديه من الخمس فاضل المئونة يتوقف على مضي الحول، و يزيد على ذلك إشكالا أنه بناء على ما يذهب إليه المشهور من تعلّق الخمس بالعين لو كان غير مشروط بمضي الحول فكل ربح في أثناء السنة يكون فيه الخمس، و لا يجوز أن يكتسب به، مع أن السيرة قائمة بالاكتساب بمجموع رأس المال و الأرباح المتجدّدة في طول السنة.

و التحقيق: أن المشهور هو المنصور، فان كلمة (بعد) لا تتعين في الاستعمال في الزمان بالدلالة المطابقية، فإنها كما تستعمل في ذلك، كما في قوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا (1) و قولك: آتيك بعد الظهر مثلا، تستعمل كذلك في النوبة المتأخرة فيما يبتني أمره على التناوب، فيقال: ليركب السفينة مثلا زيد بعد عمرو، و خالد بعد زيد، و هكذا. و تستعمل في الرتبة المتأخرة، و يقال: زيد بعد عمرو في الفضيلة، و منه قولهم: الأفضل فالأفضل. و تستعمل فيما لا مساس له بالزمان كما في قوله تعالى وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ (2) و قوله تعالى‌

____________

(1) سورة التوبة- 28.

(2) سورة آل عمران- 160.

141

وَ لَئِنْ زٰالَتٰا إِنْ أَمْسَكَهُمٰا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (1) و قوله تعالى فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (2) و تستعمل في التحديد كما في قوله تعالى فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهٰا .. فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا ..

فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ .. (3) و نحو ذلك فان كلمة (بعد) في هذه الآيات الشريفة لتحديد دائرة الإرث.

فما ورد من أن (الخمس بعد المئونة) لا بدّ من كونه مخصصا لعموم ما ورد من (أن الخمس في كل ما أفاده الناس من قليل أو كثير) و ما ورد من قوله (عليه السلام) (على كل امرء غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب ..) و نحو ذلك. و التخصيص إمّا أنه أفرادي يخرج به الفائدة التي تصرف في المئونة عن ثبوت الخمس فيها، أو أنه أزماني يقيّد به إطلاق تعلق الخمس و وجوب أدائه، بمعنى أن تعلّق الخمس بكل ما أفاد الناس إنما هو بعد مضي الحول. و من المعلوم أنه لا يمكن أن يصار إلى الثاني فإن لازمه إيجاب الخمس في جميع الأرباح حتى المصروف منها في المئونة، و ذلك خلاف المنصوص عليه، و خلاف الضرورة، فيتعين التخصيص في الأفرادي. و لا يمكن الجمع بين التخصيصين فإنه من قبيل استعمال اللفظ في المعنيين.

و على هذا فلا دليل على تقييد إيجاب الخمس بمضي الحول، و الإطلاق المقتضي لثبوته بالفعل محكّم [1].

____________

[4] و بعبارة أخرى: إن ما ورد من قوله (عليه السلام) (على كل امرء غنم أو اكتسب الخمس مما

____________

(1) سورة فاطر- 41.

(2) سورة الأعراف- 185.

(3) سورة النساء- 11 و 12.

142

إن قلت: إن ما ورد من الخمس مما يفضل من مؤنته لا يصدق إلا بعد مضي الحول فان المئونة هي مؤنة السنة.

قلت: ما يربحه في أثناء السنة إذا كان زائدا على نفقة سنته التي يمون بها نفسه و عياله يصدق عليه أنه يفضل من مؤنته. [1] نعم لا بدّ من إحرازه حتى ينجز التكليف و لذا قال المحقق (قده): «و لكن يؤخر ما يجب في أرباح التجارات احتياطا للمكتسب».

و أما ما أشكله ابن إدريس بقوله: «و أيضا فالمئونة لا يعلم كميّتها إلا بعد مضي سنة» فهو أجنبي عن مقالة المشهور، فإنهم في مقام ثبوت الخمس في الربح بمجرّد ظهوره في أثناء السنة، و هذا الاشكال مرتبط بعدم تنجز التكليف بأداء الخمس في الأثناء لعدم العلم بالكمّية. و قد التزم المشهور بذلك، و ربما ادّعى الإجماع بجواز التأخير للاحتياط و الإرفاق بالمكتسب.

و أما الذي أشكلناه زيادة على ما ذكره ابن إدريس فيندفع على ما هو التحقيق من كون الخمس حقا ماليا في الربح، و يجب أداؤه، لا كونه كسرا مشاعا مملوكا لأربابه، فتبديله بمال آخر ليس إتلافا له. بل يندفع‌

____________

- صاب ..) و قوله (عليه السلام) (يجب عليك فيه الخمس) و نحو ذلك، ظاهره كون الوجوب مطلقا غير مشروط، و كون العام مستغرقا لافراده، و ما ورد من أن (الخمس بعد المئونة) إمّا أنه يقيد إطلاق الوجوب و يفيد كونه مشروطا بما بعد الحول، أو أنه يخصص العام بإخراج الربح المصروف في المئونة. و لا يمكن الجمع بينهما، و حيث إن التخصيص الأفرادي متعيّن فلا يصار إلى كون الواجب مشروطا.

ثم لا يتوهم: أن التخصيص بفاضل المئونة يسدّ مسدّ الجمع بين الأمرين، لاندفاعه بأن: إحراز كون الربح زائدا على المئونة يتوقف على مضي الحول، و أما في نفس الأمر فالربح الذي لا يصرف في المئونة و يبقى الى آخر السنة فقد تعلّق به الخمس و المكلف لا يدري أنه كذلك، و لذا لو فرض العلم في أثناء السنة تنجز عليه التكليف المطلق.

[1] خصوصا إذا كان المضارع بمعنى الاستقبال.

143

الإشكال أيضا على القول بالإشاعة و تعلقه بالعين، بقيام السيرة، و الاستفادة من مجموع الروايات بضمّ بعضها الى بعض، فان قوله (عليه السلام) في صحيحة على بن مهزيار: «و أما الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام» و قوله (عليه السلام): «الخمس مما يفضل من مؤنته» إلى غير ذلك إذا انضمّ إليه جواز التأخير الثابت بالضرورة و الإجماع، يستفاد منه جواز الاتّجار برأس المال مع ما ربحه أوّلا و ثانيا و هكذا.

تنبيه:

إذا ربح و علم بزيادته على مؤنة سنته التي يحتاج إليها فيها، كان اللازم إيجاب أداء الخمس فورا لمطالبة ذي الحق بلسان الحال أو المقال، و ما ذكره المحقق و غيره من الاحتياط إنما هو فيما لا يعلم بزيادته على مؤنة السنة، و حيث لا يتمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و لا يتنجز الحكم ما لم يحرز موضوعه يقال بالاحتياط في حق المالك و تجويز تأخيره. و أما مع العلم بذلك فلا مجال له، فاللازم المصير إلى الفور و لا محيص عنه، إلا أن يدّعى الإجماع على جواز التأخير مطلقا. و فيه عدم ثبوت ذلك، و إطلاق كلامهم منصرف إلى الغالب، و هو عدم العلم بزيادته على ما يحتاج إليه في سنته، فليتدبر جيدا.

ثم إنه لو أعطى شيئا من الخمس حيث يعتقد أو يظن زيادة الربح على مؤنة السنة، ثم ظهر عدم زيادة الربح، و أنه لم يكن عليه الخمس فإن كانت العين باقية استردّها، و أما إن كانت تالفة فإن كان لم يسمّ حين الدفع أنه خمس لم يكن له المطالبة لأنه سلّط الغير على ماله بلا عوض، و إن كان سمّاه خمسا فإن كان في ذلك دلالة التزامية بأن التسليط بلا عوض إنما على تقدير كونه خمسا في الواقع، فهو ضامن لعوضه، و إن‌

144

لم يكن كذلك و كان اعتقاده بتعلّقه في حقه داعيا للتسليط المجاني، فتخلّف الداعي لا يوجب الضمان.

[الثالث] اختلاف المالك و المستأجر في الكنز:

(قال المحقق‌

الثالث- إذا اختلف المالك و المستأجر في الكنز، فإن اختلفا في ملكه فالقول قول المؤجر مع يمينه، و إن اختلفا في قدره فالقول قول المستأجر).

هذا الكلام يشتمل على مسألتين:- المسألة الأولى: اختلاف المالك و المستأجر، و نحوه اختلاف المعير و المستعير، في ملكية الكنز بنحو الشبهة الموضوعية، بأن يدّعي كلّ منهما أنه دفنه، و أنه مالكه. و اختار المحقق تقديم قول المالك، و عن المحقق الثاني أنه المشهور. لكن عن الشيخ الطوسي في (الخلاف) و العلّامة في (المختلف) و الشهيد الثاني و غيرهم أنه يقدّم قول المستأجر.

و احتجّ للأول بأمور:

1- إن الملك للموجر، فهو ذو اليد، و متى كان الاختلاف بينه و بين غيره قدّم قوله بيمينه إذا لم يكن للغير البينة.

2- إن يد المالك أصلية و المستأجر إنما يملك المنفعة، و يده على العين من أجل المقدّمية لاستيفاء ما يملكه، فتقدّم يد المالك لأصالتها.

3- ما عن (المعتبر) من أن دار المالك كيده.

أقول: يتوجه على الأول بأن مجرّد الملكية لا يوجب كون المالك ذا اليد، فإنها عبارة عن الاستيلاء، و ليس بينهما التلازم. و من الواضح أن‌

145

المستأجر هو المستولي بالفعل.

و يتوجه على الثاني بأن الإجارة ليست هي تمليك المنفعة، و لذا تتعدّى إلى العين، و يقال: آجرت الدار، و كريت الدار، بل هي التسليط على العين لأجل استيفاء المنفعة. مضافا إلى أنها لو كانت تمليكا للمنفعة كان لازمها التسليط على العين، و لذلك يجب تسليمها إلى المستأجر فعليه السلطنة و الاستيلاء له. و لو قيل بأن الإجارة تمليك مؤقت محدود بالمدة كان الأمر أوضح.

و يتوجه على الثالث: بأنه إن أريد أن إضافة الدار إلى المالك توجب ترتّب آثار اليد فلا نسلّمه، فإن اليد هي الاستيلاء، و مجرد تلك الإضافة أجنبية عنه. و إن أريد أن ما في الدار من توابع الدار و ملكية الدار دليل على ملكية توابعها، كما أن اليد دليل على ملكية ما فيها، ففيه: أن الكنز لا دليل على كونه من التوابع، مضافا إلى أن ما في الدار إنما يحكم بأنه في يد المالك إذا كانت الدار فعلا في يده، لا ما إذا كانت في يد المستأجر.

و احتجّ للثاني كما في (المسالك) حيث قال: «الأصحّ تقديم قول المستأجر لأنه صاحب اليد حقيقة» و هو الأقوى.

و ربما يضاف على ذلك بأن المالك لا يؤجر دارا فيها كنز، و كان المقصود أنه لو كان قد دفنه المالك فيها لما كان آجرها، فظاهر الحال يكشف عن عدم كونه ملكا له.

و فيه: أنه من الظواهر التي لا يعتمد عليها. نعم يورث شيئا من الظن، و لا أثر له.

146

تنبيه:

لو وجد المستأجر كنزا له قدمة في العين المستأجرة، فهل له أن يتملكه بعد تخميسه أو أنه للمالك؟ مقتضى عموم (لليد ما أخذت) [1] و قوله (عليه السلام): «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» أن يكون الكنز له، لكن يقال: إن يد المالك على الدار يد على ما فيها من المباحات الأصلية.

و ربما يجاب عنه: بأنه على ذلك يلزم أن يراجع الملّاك المتقدمين على المالك المؤجر.

و فيه: إن المالك المتقدم حينما باع الدار للمالك الآخر فقد ملك جميع ما هو مملوك له بالأصالة و بالتبع.

و التحقيق: أن ما حلّ في اليد لو كان فيه شي‌ء يكون قد حلّ فيها بالتبع، كما لو اصطاد سمكة و كان في جوفها درّة، لكن اليد أمارة أو شبه أمارة على الملكية [2]، و لا دليل على كونها من الأسباب المملّكة قهرا، و بدون قصد التملك أو التناول. و ربما يستظهر لزوم القصد من كلمة السبق و الأخذ، و لو فرض السببية القهرية لما عمّت اليد التبعية التي يكون ما فيها غير ملتفت إليه، و تكون اليد بالنسبة إليه شبه يد النائم.

و على هذا فلا مساغ للحكم بأن الكنز الموجود في ملك الغير على إطلاقه ملك للمالك، فهو لواجده بمقتضى عموم دليل الحيازة،

____________

[1] و يعبّر عنه في الفقه بأن (من حاز ملك).

[2] ناقش سيّدنا الجدّ (قدس سره) أدلة أمارية اليد بالتفصيل، و رجّح أن تكون اليد برزخا بين الأمارة و الأصل، أي اختار حجيّتها و لكن لا على كشفها عن الملاكات الواقعية. و قد طبعنا ما كتبه في هذه القاعدة و قاعدة أصالة الصحة مع الجزء الثالث من هذه المحاضرات.

147

و خصوص المدلول الالتزامي لأدلّة وجوب التخميس لواجد الكنز.

نعم قد ورد في بعض النصوص الحكم بأن ما وجده للمالك، أو لزوم تعريف المالك كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الدار يوجد فيها الورق، فقال (عليه السلام):

إن كانت معمورة فيها أهلها فهو لهم، و إن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به» (1).

و صحيحته الأخرى عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «و سألته عن الورق يوجد في دار فقال: إن كانت الدار معمورة فهي لأهلها، و إن كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت (2)».

و موثقة محمد بن قيس أو صحيحته عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«قضى عليّ (عليه السلام) في رجل وجد ورقا في خربة أن يعرّفها، فإن وجد من يعرفها و إلا تمتع بها» (3).

و موثقة إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيها نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه و لم يذكرها، حتى قدم الكوفة كيف يصنع قال: يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها. قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال: يتصدق بها» (4).

و صحيحة عبد اللّه بن جعفر قال: «كتبت إلى الرجل أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي، فلما ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكن ذلك؟ فوقّع (عليه السلام): عرّفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشي‌ء لك رزقك اللّه تعالى إياه» (5).

____________

(1) الوسائل- باب 5 من كتاب اللقطة.

(2) الوسائل- باب 5 من كتاب اللقطة.

(3) الوسائل- باب 5 من كتاب اللقطة.

(4) الوسائل- باب 5 من كتاب اللقطة.

(5) الوسائل- باب 5 من كتاب اللقطة.

148

الظاهر من هذه الروايات أن ما وجده لقطة، و يظن أو يحتمل معرفة صاحبه، فلا تشمل الكنز الذي له قدمة و يعلم أنه ليس للمالك فإن التعريف الذي في الرواية إنما هو طريقي، فلا مجال له فيما لا أثر له.

بل نستدل بهذه الروايات على أن الكنز في ملك الغير لواجده، فإنها تضمنت قوله (عليه السلام) (فإن لم يكن يعرفها فالشي‌ء لك) و قوله (عليه السلام) (تمتّع بها) و لو فرض عموم الروايات لغير اللقطة أعني الكنز، فبين الدليلين عموم من وجه، و أدلّة الكنز و الحيازة أظهر شمولا لمادة الاجتماع. فليتدبر جيدا.

المسألة الثانية: اختلاف المؤجر و المستأجر في قدر الكنز بعد الحكم على ما اختاره المحقق (قده) من أنه للمؤجر، فالقول قول المستأجر مع يمينه، فإنه إذا ادّعى المؤجر الزيادة في الكنز و لم تكن له بيّنة، و أنكرها المستأجر كان الحكم كما ذكره (قدس سره).

[الرابع] استثناء مؤنة التحصيل:

(قال المحقق‌

الرابع- الخمس يجب بعد المئونة التي يفتقر إليها إخراج الكنز و المعدن من حفر و سبك و غيره).

لا إشكال في أن مؤنة السنة لا تلاحظ فيما عدا الأرباح، و إنما الكلام هاهنا في مؤنة التحصيل أي الخسارة المالية التي يتحمّلها واجد الكنز و مستخرج المعدن و كذلك الغوص. و الظاهر عدم الخلاف في أن الخمس إنما يجب بعدها و في (المدارك): أنه مقطوع به في كلام الأصحاب.

و عن العلّامة الاستدلال عليه بأن المئونة وصلة إلى تحصيل المال‌

149

و طريق إلى تناوله، فكانت من الجميع كالشريكين.

و هذا الكلام يشبه تنقيح المناط، لكنه ليس بمقطوع به، و لا يتمّ على مبنى كون الخمس حقا ماليا لا كسرا مشاعا، و الأولى أن يستدل عليه بنحو التخصّص أي خروج ما يعادل المئونة عن موضوع الخمس في المعدن و الكنز، فإن ثبوت الخمس فيهما بلحاظ مصداقيّته للغنيمة، حيث إنه ورد في صحيحة ابن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة» (1).

و نحوه موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام) قال: سألت أحدهما عن الخمس، فقال: ليس الخمس إلا في الغنائم» (2).

و ورد أيضا: «الخمس من خمسة أشياء من الكنوز و المعادن و الغوص ..» (3) و نحوه سائر الروايات الدالة على الخمس في هذه الأصناف. و الجمع بين الروايات بأن ثبوت الخمس في ذلك باعتبار مصداقيته للموضوع الوارد في آية اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ و من الواضح أن الغنيمة لا تصدق إلا بعد المئونة التي هي خسارة مالية.

و يمكن الاستشهاد على ذلك بما رواه الكليني عن يزيد في حديث سؤاله عن الفائدة في مكاتبته أجاب (عليه السلام): «الفائدة مما يفيد إليك في تجارة من ربحها، و حرث بعد الغرام» (4).

و يمكن الاستدلال على ذلك بنحو التخصيص، أي تخصيص ما‌

____________

(1) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 15.

(3) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 11.

(4) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7.

150

ورد من إيجاب الخمس في الكنز و المعدن بما ورد من أن الخمس بعد المئونة كما في الصحيح عن ابن أبي نصر قال: «كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام): الخمس أخرجه قبل المئونة أو بعد المئونة فكتب (عليه السلام): بعد المئونة» (1) و عن الهمداني: أن في توقيعات الرضا (عليه السلام) إليه: «أن الخمس بعد المئونة» (2) إلى غير ذلك من الروايات.

لا يقال: إن المئونة في هذه الروايات هي مؤنة نفسه و عياله لا مؤنة ما وجده أو استخرجه، حيث أنه جاء في رواية الهمداني:

«فاختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المئونة، مؤنة الضيعة و خراجها، لا مؤنة الرجل و عياله، فكتب (عليه السلام)، و قرأه على بن مهزيار: عليه الخمس بعد مؤنته و مؤنة عياله و بعد خراج السلطان» (3) لأنّا نقول: إن الرواية مختصة بما أوجبه (عليه السلام) على أصحاب الضياع نصف السدس بعد المئونة فلا ربط لها بعموم ما ورد من أن الخمس بعد المئونة، مضافا إلى ما يستفاد من رواية النيسابوري من استثناء ما يصرف في عمارة الضيعة في الخمس، حيث إنه سأل أبا الحسن الثالث «عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يزكى، فأخذ منه العشر عشرة أكرار، و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا و بقي في يده ستون كرا، ما الذي يجب لك من ذلك؟ و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شي‌ء؟ فوقّع (عليه السلام): لي منه الخمس مما يفضل من مؤنته» (4).

____________

(1) الوسائل- باب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(3) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

(4) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

151

أقول: تقريره (عليه السلام) لما صرفه في عمارة الضيعة يفيد استثناءه كما تستثنى مؤنة النفس و العيال، التي صرح بها بقوله (عليه السلام): مما يفضل من مؤنته.

فتلخص: أنه لا إشكال في أن الخمس فيما يحتاج تحصيله إلى المئونة يكون بعدها.

تذييل و تكميل:

الأقوى أن النصاب إنما يلاحظ بعد المئونة، فإن بلغ الكنز و المعدن و الغوص النصاب بعدها ففيها الخمس، و إلا فلا. كما هو المشهور المعروف بين الفقهاء إلى زمن صاحب (المدارك) حيث اختار اعتبار النصاب قبل المئونة.

و تقريب كلامه: أن عموم الخمس في المعدن مثلا قد خصّص بأمرين: أحدهما المئونة، و الآخر النصاب، و هما في عرض واحد لا يتقدم أحدهما على الآخر. و على هذا فلو نقص عن النصاب بعد إخراج المئونة لم يسقط الخمس.

و فيه: أولا- إن الكنز و المعدن و الغوص إنما يتعلق بها الخمس بعنوان مصداقيتها للغنيمة على ما قدمناه و ذكرنا أن خروج المئونة بالتخصّص فكان العام هو ثبوت الخمس فيما أخرج منه المئونة فينحصر تخصيصه بالنصاب، فلا محالة يكون اعتباره بعد المئونة.

و ثانيا- إن صحيحة البزنطي [1] و غيرها مما دل على اعتبار النصاب‌

____________

[1] هي ما رواه عن مولانا الرضا (عليه السلام) قال «سألته عما يخرج من المعدن من قليل و كثير، هل فيه شي‌ء؟ قال: ليس فيه شي‌ء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرون دينارا».

152

ظاهرها ثبوت الخمس حتى في مقدار النصاب بتمامه، فلو اعتبر النصاب قبل المئونة لزم ثبوت الخمس في بعض مقداره.

قال الشيخ الأنصاري: «الأقوى أن النصاب بعد المئونة لأن الظاهر من قوله (عليه السلام): ليس فيه شي‌ء حتى يبلغ عشرين، هو وجوب الخمس فيه إذا بلغ عشرين، بأن يكون الخمس في نفس العشرين و لا يتأتى ذلك إلا إذا اعتبر العشرون بعد المئونة»‌

153

المبحث الثالث في قسمة الخمس

(قال المحقق: الفصل الثاني في قسمته: يقسم ستة أقسام، ثلاثة للنبي (صلى اللّه عليه و آله)، و هي سهم اللّه و سهم رسوله و سهم ذي القربى، و هو الإمام و بعده للإمام القائم مقامه، و ما كان قبضه النبي (ص) أو الإمام ينتقل إلى وارثه، و ثلاثة للأيتام و المساكين و أبناء السبيل.

و قيل: بل يقسّم خمسة أقسام، و الأول أشهر).

هاهنا مسائل:-

المسألة الأولى: في تقسيم الخمس و أن سهامه ستة.

و ذلك هو المشهور المعروف، بل قال بعضهم: إنه من دين الإمامية، و بعضهم: إنه مذهب أصحابنا، و بعضهم نقل الإجماع عليه صريحا. و استدلّوا عليه بالآية المباركة، و بالروايات. أمّا الآية فهي آية الغنيمة (1) فإن الأمر الواحد إذا جعل لمتعدّد، فظاهره التقسيم فيهم.

نعم، ربما يقال: إن اللّه تعالى لم يقل إنّ خمسة للّٰه و للرسول و لذي القربى كما قال في آية الفي‌ء:

____________

(1) سورة الأنفال- 41.

154

مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» (1) بل اسم أنّ و قال عز من قائل «فإنّ للّه خمسه ..» و هذا يفيد إن الخمس بأجمعه له تعالى، و أن عطف جملة و لرسوله، و لذي القربى لإفادة أن لهما حق التصرف فيه، كما يقال: إن البستان لزيد و لوكيله و لمن يتولى أمره و نحو ذلك.

لكن ذلك خلاف ظاهر العطف، و لعل تأخير اسم أنّ و تقديم لفظ الجلالة لأجل التعظيم أو بيان شرافة الخمس.

و أما السر في عدم ذكر اللام في اليتامى و صاحبيه فلا يحضرني ما اعتمد عليه بكلام قاطع، و العلم لديه تعالى. نعم على ما تضمنه بعض الأحاديث من أن الخمس يصل كلّه إلى الإمام، و بيده الأمر، و أن الأصناف الثلاثة من بني هاشم عائلته، و هو يتولى أمرهم، فليس لهم جهة استقلال، فمقتضى ذكر اللام أي إن هؤلاء الأصناف و إن كانوا يستحقون الخمس و لهم سهامهم، لكن ذلك بإعطاء الإمام لهم، و إن أعوزت تمّمها من نصيبه، و إن فضلت أخذ ما يفضل، يمكن أن يكون ذلك بعض السر في ذلك.

و كيف كان فإن الآية بظاهرها تدلّ على تقسيم الخمس ستة أسهم.

إن قلت: كيف يستدلّ بالآية على تقسيم مطلق الخمس ستة أقسام، مع أنها تختص بغنيمة الجهاد، لأنها بعد قوله تعالى وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّٰهِ ..

قلت: إن الآية لها العموم، حيث إنها بمثابة (أن كل شي‌ء‌

____________

(1) سورة الحشر- 7.