فقه المصارف والنقود

- الشيخ محمد السند المزيد...
622 /
457

هذا تمام الكلام في تقريب الوجه الثالث، و تماميّة هذا التخريج موقوفة على كون الماهيّة التي تُنشأ في عقد التأمين هي ماهيّة الهبة، و إلّا فهذا التخريج يعدّ حلّاً بديلًا للماهيّة التي تنشأ حالياً في الأسواق في عقد التأمين؛ إذ على تقدير التغاير لا يمكن تفسير عقد التأمين بالهبة المشروطة و هما لا يقصدانها، و من ثمّ هناك مؤاخذة في الحلول التي تبدى بأنّ اللازم فيها تطابقها مع الماهيّة القائمة في السوق المالي أو التجاري؛ إذ على تقدير التغاير مع الماهيّة القائمة لا يكون هناك فائدة في الحلّ، إلّا بأن ينبّه المقلّدون إلى إنشاء الماهيّة البديلة كحلّ مباين للتعامل الجاري، فالأوْلى في التخريجات و الحلول تطابقها مع الماهيّة القائمة الجارية في السوق، و بالتالي فمنهجة البحث في الماهيّات المستحدثة في مقامين:

1- تحرّي و تحليل الماهيّة الموجودة من كونها قديمة أو جديدة حقيقةً.

2- و هو في طول الأوّل بأن لم يتمّ الحلّ فيه فيلتجئ إلى تخريج ماهيّة بديلة مستأنفة مع تنبيه سائر المكلّفين بقصدها بدلًا عمّا هو قائم.

و على ذلك فقول الماتن (رحمه الله): «يجوز تنزيل...» مجمل بين كون العقد القائم في السوق هو هبة أو أنّ الهبة المشروطة استبدال لما هو قائم، فكان على الماتن (رحمه الله) التنبيه على مثل ذلك، فالأحرى أن يكون التعبير هكذا: يجوز استبدال التأمين بالهبة...،

و لا يخفى أنّ هذه المؤاخذة بعينها جارية في الوجه الأوّل و الثاني المتقدّمة، و الظاهر أنّ الحلول الثلاثة بعيدة عن واقع ماهيّة التأمين الجارية حالياً في الأسواق، فهي غير مفيدة في العمل المتبادل في الأسواق من جهة أنّ الممارس خارجاً ليس هو ذلك البديل، و لا يسوّغ الإفتاء بجوازه و صحّته كون عقد الهبة المعوضة أو عقد الصلح ينتج نتيجة الماهيّة الممارسة في الأسواق، و يفيد أثرها لما تقدّم بيانه من أنّ الاشتراك في بعض الآثار لا يعني الاتّحاد في كلّ الآثار، و هذه ملاحظة فنيّة يجب مراعاتها في تحرير جميع المسائل المستحدثة المعامليّة، فكون البديل ينتج نفس الأثر لا يكون دليلًا على انطباقه على المعاملة الحديثة الجارية بين النّاس.

458

الوجه الرابع كونه من الضمان بالعوض

و يعضد هذا الوجه- و لعلّه أقوى الوجوه- أنّ التأمين متضمّن للتعهّد بجبر الخسارة، و هذا التعهّد ممكن الانطباق مع مفهوم الضمان؛ إذ فيه يلتزم الضامن و يجعل عهدته مشغولة بجبر خسارة الشي‌ء بعد تلفه، و جميع أقسام الضمان مشتركة في أنّه جبر خسارة على تقدير التلف. و هو الذي أشاروا إليه من أنّ الضمان معنى تعليقي في نفسه و ذاتي معناه التعليق، كالتعليق في الجملة الشرطيّة المطويّ في مؤدّاها، فالتأمين عقد ضماني، غاية الأمر هو بعوض، و العوضيّة و المقابلة هي بين إنشاء الضمان و العوض، لا بين بعض مفاد الضمان و العوض، أي لا بين جبر الخسارة على تقدير التلف و بين العوض، بل بين إنشاء الالتزام و التعهّد مع ذلك العوض؛ لأنّ الإقدام على الضمان يُرغّب فيه عقلائياً ببذل العوض.

بل لو كانت المعاوضة و المقابلة بين بعض مضمون الضمان و العوض لكان الضمان متضمّناً لمعنى المخاطرة و القماريّة؛ لكونه بذل عوض لجبر الخسارة على تقدير غير معلوم؛ لأنّ المعاوضة مقابلة بين المالين، إلّا أنّه في القمار المال الثاني محتمل غير معلوم التحقّق، لا سيّما أنّ في المقام مقدار الجبر أيضاً غير معلوم، و الحادث الذي سيقع على السيّارة أو على البيت مردّد القدر التلف و الخسارة فيه، فيكون الضمان على التقدير الثاني من قبيل تمليك مال بمال غير معلوم القدر على تقدير غير معلوم التحقّق، و هذه خاصيّة غالب موارد القمار الشائعة، و من ثمّ أشكل بعض العامّة على التأمين بأنّه قماري، و هذا الإشكال كما تبيّن ناشئ من ملاحظة التعاوض بين المالين، و سيأتي مزيد من البحث عنه في الإشكالات العامّة على التأمين.

مشروعيّة ضمان العهدة و الفعل

ثمّ لا بدّ في هذا التخريج من تمييز الضمان- المدّعى انطباقه على التأمين- هل هو من الضمان الاصطلاحي، و هو نقل ذمّة إلى ذمّة اخرى، أو هو ضمان الغرامة بالاتلاف‌

459

و ضمان اليد بأن يستولى الإنسان على مالٍ غير مأذون فيه أو هو ضمان العهدة أو ضمان الفعل؟ و لا يخفى انتفاء الاحتمالين الأوّلين، و لا بدّ في تعيين أحد الاحتمالين الأخيرين من بيان ماهيّة كلّ منهما بعد كونهما مستحدثين ألحقهما متأخّرو الأعصار بباب الضمان، فضمان العهدة ضمان و تعهّد ابتدائي بجبر الخسارة على تقدير التلف، فالضمان فعلي و أثره- أي جبر الخسارة- تعليقي، فيغاير الضمان الاصطلاحي- الذي هو نقل دين من ذمّة إلى ذمّة اخرى- المتوقّف على كون الذمّة مشغولة بدين لينقل إلى اخرى بخلاف ضمان العهدة، فإنّه يكفي فيه احتمال اشتغال الذمّة لاحقاً كما هو الحال في الجعالة فإنّ ماهيّتها بعد الايجاب فعليّة، لكن مضمونها و مؤدّاها و أثرها تعليقي.

نعم، لو عُلّقت الجعالة على تعليق زائد على التعليق الذاتي في ماهيّتها تبطل، و مثاله: لو أقدم المتبايعان على بيع خطير من ناحية كلّ من العوضين، فإنّ كلّاً منهما أو أحدهما إذا أراد أن يطمئنّ على العوض الذي يبذله، أي على سلامة المعوّض له؛ إذ قد يكون المبيع سرقة و كذلك الثمن ممّا يؤدّي إلى ذهاب العوض و تلفه بأكله و تمايل الطرف الآخر فيطالب كلّ منهما أو أحدهما بجلب ضامن يلتزم بعهدة الثمن أو المثمن، فيُنشئ الضامن الضمان للطرف الآخر بقوله: «أنا ضامن لك ثمنك أو مبيعك»، فهاهنا الثمن ليس دَيناً على الضامن؛ إذ قد يكون المبيع حقيقة للبائع، فلا سبب لأداء الضمان حينئذٍ، و مع ذلك فالضمان متحقّق فعلًا.

هذا، و مفاد الأدلّة و العمومات في باب الضمان هو القسم الأوّل، فلا بدّ من إقامة دليل آخر على القسم الثالث.

ثمّ إنّ هذا الضمان لا ينفي الدين عن المضمون عنه، لو كان البائع لا يملك المبيع، و قد اخذ الثمن فإنّه يكون مديناً للمشتري، فهاهنا الضامن و إن كان يضمن الثمن للمشتري و لكنّ ذمّة البائع- الذي قد غصب المبيع و تحايل لبيع المبيع بعنوان أنّه ملكه- لا تفرغ ذمّته من الدين في الواقع شرعاً، و هذا هو الفارق الثاني بين الضمان الثالث، و ما تقدّم من الضمان.

460

و أمّا القسم الرابع من الضمان، فلم يشر إلى تطبيقه الأعلام كحلّ في المقام، و ضمان الفعل ليس تعهّداً بجبر الخسارة، و إنّما هو التزام بدفع مال مقيّداً بتقدير معيّن، نظير شرط الفعل فهو فعل ساذج و ضمان الفعل هو شرط الفعل بخلاف ضمان العهدة، فإنّ التعهّد بجبر الخسارة على تقدير التلف، بعد التلف تكون ذمّة الضامن مشغولة، و أمّا في ضمان الفعل فلا تكون ذمّته مشغولة، و على تقدير التلف يتوجّه إلى الضامن خطاب تكليفي من وجوب الوفاء بالشرط و أداء الفعل، كما هو مقتضى شرط الفعل في الفعل الساذج، فضمان العهدة نظير شرط النتيجة، و غاية ما قرّب في شرط الفعل في بحث الخيارات أنّ الشرط يوجب حقّاً لا ملكاً.

الوجوه التي اقيمت لصحّة ضمان العهدة

الأوّل: إنّه عقلائي مشمول لعمومات الضمان،

و تشمله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).

الثاني: الروايات الواردة في الأبواب المتفرّقة،

و قد أفتى بها مشهور الفقهاء في مواردها و إن لم يعنونوه في باب الضمان.

و مفاد تلك الروايات هو هذا الضمان، و لا خصوصيّة لمواردها، و من ثمّ تكون ماهيّة مستقلّة عن بقيّة أنواع الضمان، و تلك الموارد المنصوصة هي:

1- الضامن الذي يضمن البائع أو المشتري، و يسمّى بضمان الدرك في كتاب البيع.

2- ضمان الدلّال الذي يدلّل وكالة لبضاعة معيّنة، كعامل المضاربة- الذي هو دلّال بأُجرة عقد المضاربة لا بعقد الاجرة- و هي في كتاب المضاربة و البيع.

3- ضمان الأجير، حيث أنّ للمستأجر أن يضمن الأجير مع كونه أميناً مأذوناً، حيث يخاف المستأجر أن يدّعي الأجير تلف المال لكي يسرقه كما يقع حالياً في النقل البحري، و قد بُحث هذا في كتاب الإجارة، فالدلّال و الأجير ليست ذمّتهما مشغولة، و لكن صحّ فيهما هذا الضمان.

461

4- ضمان المستعير، كما في كتاب العارية، حيث وردت روايات تجوّز تضمين المستعير و لا ينطبق ذلك الضمان على ضمان الغرامة لأنّ يده مأذونة، كما تقدّم في الأجير.

5- ضمان الودعي في الوديعة مع كونه مأذوناً في وضع يده.

6- ضمان نفقة الزوجة المستقبليّة.

و مقتضى هذه الروايات في تلك الموارد هو صحّة هذا الضمان لا سيّما و أنّه عقلائي.

الثالث: خصوص الآية الكريمة من قوله تعالى: (نَفْقِدُ صُوٰاعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جٰاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ)

(1). و تقريب دلالتها أنّ الجَعل المُنشأ المذكور في الآية ليس منجّزاً، بل تعليقي، و مع ذلك يصدق عليه الضمان و إنشاء المتكلّم في الآية وكالة عن يوسف (عليه السلام)، و في رواية نبويّة: «كلّ زعيم غارم»، أي كلّ منشئ للضمان يغرم.

الرابع: ضمان الجريرة

، حيث أنّه ليس من نقل الدين من ذمّة إلى ذمّة اخرى، و لا هو من قبيل ضمان الغرامة، و صورته: تعاقد شخصين على دفع الدية بشرائطها على تقدير الاتلاف و جناية الطرف الآخر، فضمان الدية في الجريرة ليس غرامة بالفعل مع كونه ضماناً بالفعل، و لا اختصاص لذلك الضمان بذلك المورد.

و قد يخرّج التأمين بأنّه نحو من شرط الفعل، و لعلّ ضمان العهدة و الفعل أقرب مضموناً إلى ماهيّة التأمين، و كذلك في تخريجه بضمان العهدة؛ و ذلك لأنّ التأمين تعهّد الشركة بجبر الخسارة عند التلف مقابل أقساط شهريّة أو سنويّة يدفعها المؤمّن له.

إلّا أنّ عدّة من الأعلام قالوا: إنّ هذا الضمان بعوض، و إن كان أقوى الوجوه، إلّا أنّ‌

____________

(1) سورة يوسف 12: 72.

462

الأصحّ أنّه عقد جديد يتمسّك له ب‍ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)؛ و ذلك لوجوه:

الأوّل: إنّ التأمين في معناه اللغوي إنشاء الأمان لا إنشاء الضمان، غاية الأمر الأمان يستحصل بالضمان.

بعبارة اخرى: أنّ ماهيّة التأمين هي رفع الخطر، و يتوصّل لرفعه بالتعهّد بجبر الخسارة على تقدير التلف، فليس مفاده بالذات ضمان العهدة، بل إنشاء للأمان و لرفع الخطر، فلا يتمّ التخريج الرابع.

الثاني: إنّ ضمان العهدة لا يمكنه الانطباق على كلّ أنواع التأمين، فلدينا أنواع لا تندرج في ضمان العهدة، كما أنّ الخسارة قد لا تكون في الأعيان مثل تأمين المرض في الإنسان، حيث أنّ المرض لا يتموّل في الإنسان الحرّ، و التأمين في المرض بلحاظ ما قد ينتابه ممّا قد يحتاج إلى عمليّة مكلّفة، فلا يكون جبر خسارة لتلف عين، و كذا الحال في التأمين في موارد الإجارة، فالجامع بين موارد التأمين هو إنشاء الأمان لا ضمان العهدة، و أنّ ماهيّة التأمين مغايرة لماهيّة الضمان بالعوض و مغايرة لماهيّة جبر الخسارة أيضاً.

الثالث: إنّ ضمان العهدة بعوض يقابل فيه الضمان و العقد بمال، فالضمان يقع طرفاً للعوض ضمن معاملة و معاوضة فوقانيّة، و لا بدّ أن تكون المعاملة الفوقانيّة شيئاً آخر غير ضمان العهدة. و التأمين هو تلك المعاملة الفوقانيّة، فهو غير ضمان العهدة، و تصحيح المعاملة الفوقانيّة هو ب‍ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) كما تقدّم في الوجه الأوّل.

الجواب عن الإشكالات الثلاث‌

أمّا الأوّل: فلا مانع من كون ماهيّة العقد في بعض الأبواب هي الماهيّة المسبّبيّة و لو بوسائط عديدة لكن تسمية عقد التأمين بالتأمين ليس من هذا القبيل، فإنّ بعض الماهيّات العقود تسمّى بعناوين تؤخذ من غرض المعاملة أو من الآثار المهمّة لتلك المعاملة، مثلًا: تسمية قِسم من النكاح الجاهلي بالشغار- الباطل في الشريعة- بلحاظ أنّه كلّ يشغر مكان الآخذ، فهذا النكاح لم تنقلب ماهيّته إلى ماهيّة الشغار، و إنّما سمّي‌

463

بذلك لانتهائه إلى ذلك الأثر، و صورته: أنّ الطرفين يتشارطان بقول أحدهما للآخر:

«زوّجني ابنتك أو اختك على أنّ ازوّجك ابنتي أو اختي» من دون فرض مَهر، بل تكون معاوضة كلّ منهما بالآخر، فكلّ نكاح يقع في قبالة الآخر فماهيّته نكاح مع المعاوضة، و من ثمّ سمّي بالشغار.

مثال آخر: تسمية بيع السلَم بالسلَم، فإنّ ماهيّة البيع لم تنقلب فتصير سلماً، بل التسمية هي بلحاظ شرطه بأن يسلَّم، و كذا الحال في المضاربة، فإنّ الضرب في الأرض هو أحد لوازمها، و غيرها من العناوين المعامليّة التي لا تطابق فيها بين مضمون العناوين و ماهيّاتها، بل إطلاق التسمية بها بلحاظ الآثار أو الأغراض.

نعم، مقتضى الطبع في التسمية أن يكون بلحاظ ما هو ماهيّة المعاملة، و لكن لا يمتنع أن تكون بلحاظ الآثار.

و لا يخفى أنّ التأمين من أغراضه الأمان و دفع الخطر لا أنّ ذلك نفس ماهيّته، و كذلك ما ذكروه من أنّ فلسفته التعاون، فإنّ عقد التأمين يعدّ منافساً للبنك في الأنشطة الماليّة و الاقتصاديّة؛ لأنّ في شركات التأمين تجتمع الرساميل، و هذا يزاحم نشاط البنك الذي يعتمد على استثمار الرساميل المتجمّعة لديه و صار عقد التأمين هو ظاهرة صحّية لإنقاذ الطبقات الضعيفة في قبال أعمال البنوك التي تعدّ مخالباً لامتصاص أموال طبقات الدانية، فالتأمين نوع من الحماية و الوقاية أمام العمليات البنكيّة الربويّة.

فمن جهة الداعي في دفع الأقساط هو دفع للخطر، و من جهة جبران التأمين لخسارة المتضرّرين برساميل الآخرين هو إعانة، فللتأمين أغراض تُنافِس أغراض و أنشطة البنك، فالتأمين إنشاء التعهّد بجبر الخسارة، و الغريب أنّ في تحرير الوسيلة عرّفه بهذا التعريف، و مع ذلك قال: «الأظهر أنّه مستقلّ ليس من باب ضمان العهدة»، فإنّ حقيقة التعهّد بجبر الخسارة هو الضمان، و ليس ضمان العهدة إلّا ذلك.

أمّا الثاني- و هو شمول التأمين لموارد ليس فيها ضمان العهدة، مثل التأمين على‌

464

الأمراض أو على الحياة- فهو لا يخلو من قوّة.

و الجواب عنه: أن نلتزم بالتفصيل، ففي موارد التأمين التي هي إجارة نلتزم بذلك فيها، و في موارد التأمين الضمانيّة نلتزم بذلك فيها. و أمّا التفصيل في تلك الموارد في الضمان بأنّ هناك ضمان عهدة و ضمان غير عهدة فهو غفلة عن معنى ضمان العهدة، فإنّه شامل لكلّ هذه الموارد، فكما يشمل التعهّد بجبر الخسارة في التجارة كذلك يشمل التعهّد بجبر الخسارة في التداوي. نعم، ضمان شخص الحرّ في عمره ليس من ضمان العهدة، و سيأتي الكلام عنه في تنبيه مستقلّ، فإنّ في ماهيّته اختلافاً.

فالقول بأنّ مطلق التأمين هي ضمان العهدة مطلقاً ليس في محلّه، بل بعض الموارد هي عين الإجارة و ليس شيئاً آخر.

نعم، إذا أمكن تصوّر معنى ماهوي جامع للتأمين غير ضمان العهدة بحيث يتصادق مع ضمان العهدة في بعض الموارد و يتخالف معه في موارد اخرى فهو وجه وجيه و لا مَحيد عن الالتزام به، و أمّا هذا المقدار من تصوير الإشكال الثاني فهو قابل للتأمّل، و لو قيل في تعريف التأمين بأنّه تعهّد بجبر الخسارة أو بعمل لكان جيّداً و هو نحو من التصحيح للوجه الرابع.

و أمّا الإشكال الثالث: فصورته الصناعيّة متينة، و لكنّه في عين متانته لا يدفع أنّ عقد التأمين ضمان أو إجارة.

و لا ينافي هذا الإشكال تماميّة الدعوى، و الوجه في ذلك أنّ المعاملة الفوقانيّة نقرّ بأنّها معاملة اخرى غير الضمان، إلّا أنّه لا ينفي أنّ أحد طرفي المعاملة الفوقانيّة هو الضمان، فيجب ترتيب الآثار عليه بلحاظ ذلك الطرف، فيرتّب عليه آثار الضمان، و يرتّب على المعاملة الفوقانيّة آثار مطلق العقود.

و تصوير المعاملة الفوقانيّة غير منقّح في الكلمات مع أنّ (الباء) في (الضمان بعوض) ظاهرة في المعاوضة الفوقانيّة، إلّا أنّ في الكلمات يجعل مفادها (بشرط العوض) و لم يصوّروا المعاملة الفوقانيّة. و قد تقدّم أنّ مطلق الشرط الضمني يرجع‌

465

إلى المعاملة الفوقانيّة و التعاوض بين طرفين- المعوّض هو المشروط فيه، و العوض هو ذات الشرط- مع ذكر تفاصيل و شقوق في ذلك، فلاحظ. و ذكرنا أنّ أحد الفذلكات المهمّة لتصوير المعاملة الجديدة هو بتصوير المعاملة الفوقانيّة.

فالإشكال الثالث و إن كان وجيهاً في نفسه، إلّا أنّه لا يدفع الوجه الرابع، بل يتمّمه، و يكون التأمين معاوضة ضمان العهدة بعوض.

الوجه الخامس في تصحيح التأمين و هو في الحقيقة دليل على الوجه الرابع،

لكن لمّا كانت دلالته بالخصوص افرز وجهاً خامساً، و بيانه: أنّ التأمين ليس عقداً جديداً، بل معاملة بشريّة قائمة لديهم منذ العهود الماضيّة، غاية الأمر أنّها استوسعت حاليّاً- كما هو الحال في البيع و الإجارة و غيرهما- حيث استوسع إلى الحمل البري و البحري، و كون المتعاملين شركات و دول، فإذا احرز إمضاء الشرع لعقد التأمين في صيغته البدائيّة، فهو إمضاء لعقد التأمين المتّسع حالياً.

ذكر بعض الأفاضل أنّ ضمان دية العاقلة و ضمان ولاء العتق و ضمان الجريرة هي نحو من التأمين الطولي، ففي المرتبة الاولى جعل الشارع التأمين بضمان العاقلة للدية إذا جنى الشخص خطأ، و حيث أنّ العاقلة هي التي ترث ذلك الشخص فكأنّما الشارع جعل معاوضة قهريّة بين إرثهم للشخص و ضمانهم للخسارة الواقعة له، و هذه معاوضة قهريّة لا تعاقديّة.

و إذا قدّر عدم العاقلة في البين فتصل النوبة إلى ضمان مولى العتاق، فهو كما يرثه يضمن ديته، فيقرّر ذلك بالمعاوضة القهريّة من قِبل الشارع لا التعاقديّة الاختياريّة، ثمّ إذا قدّر عدم المولى العتق أيضاً فتصل النوبة إلى ضامن الجريرة و ضمانه بعوض الإرث، و الضمان هاهنا تعاقدي بالاختيار بأن يتعاقد شخص مع شخص آخر على أن يضمنه مقابل أن يرثه.

466

و هناك مرتبة رابعة إذا قدّر عدم ضامن الجريرة، و هو تأمين قهري و معاوضة قهريّة بين إرث الإمام (عليه السلام) لهذا الشخص الذي لا وارث له مقابل ضمان لديته، و قد نصّ على هذه المقابلة في روايات الإرث.

تتميم: قد ورد النصّ على ضمان الدرك (1) و هو نوع من التأمين، كما هو الحال في ضمان العهدة المنصوص عليه في عدّة موارد، فإنّه نحو من التأمين مثل ضمان المبيع للبائع، غاية الأمر لا ينحصر المبيع المضمّن بالعين الجزئيّة الخاصّة، بل يشمل المبيعات الحديثة ذات الكميّات الهائلة الكبيرة المحمولة في البرّ و البحر و الجوّ، و كذا الحال في ضمان الوديعة، فإنّ الغرض منه هو دفع الخطر، و كذا الحال في ضمان العارية، فإنّ الشارع قد حكم على المستعير في بعض الموارد بالضمان إذا تلفت و لو من غير تقصير، و في البعض الآخر بالشرط.

الإشكالات الواردة على عقد التأمين

و غالب تلك الإشكالات أبداها جملة من فقهاء المذاهب الاخرى المعاصرين:

الأوّل: اشتماله على الجهالة و الغرر، حيث أنّ المؤمِّن (/ شركة البيمة) لا يعلم بوقوع الحادثة التي يأخذ في قبالها أقساطاً شهريّة من المؤمَّن له أو لا وقوعها. فلربّما لا تقع الحادثة مدّة التأمين سنين مديدة، فتذهب أموال الزبون هباءً منثوراً، فالمعاوضة في التأمين منطوية على الجهالة و الغرر، لا سيّما و أنّ حاصد أموال التأمين المدفوع شهرياً قدر خطير من الأموال.

و الثاني: كونه بمثابة المَيْسر و القمار، و هذا الإشكال فحوى الإشكال المتقدّم، و بيانه: أنّ المؤمَّن له يدفع الأموال تدريجيّاً برجاء أن يحصل على أموال أكثر فيما لو تلفت السيّارة المؤمَّنة- مثلًا- حيث ستدفع شركة البيمة قيمة السيّارة بكاملها أو بالقدر‌

____________

(1) ب 19/ أبواب أحكام العقود؛ ب 29- 30/ أبواب الإجارة.

467

المتّفق عليه، بينما قدر المال المدفوع شهرياً على التناوب لا يبلغ قيمة السيّارة التي تدفعها شركة التأمين عند الحادثة، فحقيقة التأمين هو الإقدام على دفع الأموال في قبالة احتمال و رجاء الحصول على غنيمة ماليّة أكبر، و الإقدام و التعاوض الاحتمالي هو من خاصيّة القمار.

الثالث: إنّه نوع من الربا؛ لأنّ المؤمَّن له يدفع قسطاً شهريّاً على التناوب، و بعد ذلك تدفع شركة التأمين له عند الحادثة كلّ المبلغ، و هي زيادة ربويّة.

لا سيّما بالنظر إلى النظام الداخلي المالي لشركات التأمين، فإنّ دفعها و جبرها للخسائر تقتطعه من المال المتجمّع لديها من الأقساط الشهريّة من المشتركين، و حيث أنّ الفائض منها يزيد على مقدار العهدة الماليّة التي يقع تكفّلها من الشركة في حوادث المشتركين فتقوم الشركة باستثمار هذا الفائض تجاريّاً، فيكون ما تعطيه من جبر الخسائر إنّما هو من رَيع ذلك الفائض، و على ذلك فيكون واقع حال تلك الشركات أنّها تجمع رساميل لأجل التجارة بتوسّط القروض من المشتركين في قبال وفائها بذلك الدين مع زيادة ربويّة عند الحوادث، فالتعامل الجاري فيها بمثابة القرض الربوي، و خير مثال صريح في ذلك تأمين الحياة و تأمين الممات، فتؤمّن الشركة- مثلًا- على عشر سنوات من حياة المشترك، و عند انتهاء المدّة تقوم شركة التأمين بدفع الأموال التي دفعها المؤمّن له طيلة عشر سنوات و زيادة.

تقييم الإشكالات السابقة

و العمدة منها الإشكال الأوّل.

قاعدة في عموم مانعيّة الغرر

و هو مبني على عموم مانعيّة الغرر في العقود و عدم اختصاصه بالبيع، أي على تماميّة تلك الكبرى، فقد وقع الكلام عن الدليل على ذلك؛ إذ النصّ الوارد المعتبر‌

468

إنّما هو «نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن بيع الغرر». و ليس «نهي النبيّ عن الغرر» كي يعمّ. و لم يعثر على رواية و لو مرسلة فيها التعميم و إن ادّعى البعض العثور عليها، فغاية ما ثبت «نهي النبيّ عن بيع الغرر». نعم، استظهر البعض عدم خصوصيّة البيع، و أنّ النهي أعمّ و إن ورد فيه.

و الصحيح أنّ الغرر مانع في كلّ العقود لا في خصوص البيع، و الوجه في ذلك هو البناء العقلائي على مانعيّة الغرر في بقيّة العقود، خلافاً لما قيل من: أنّ الغرر ليس من الشرائط العامّة في صحّة كلّ العقود، فلا نسلّم بمانعيّته في عقد التأمين.

و لا يخفى أنّ أدلّة الصحّة في العقود موضوعها المعاملة العقلائيّة العرفيّة، مثلًا:

(وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) كدليل للصحّة أخذ في موضوعه البيع العرفي لا الشرعي، و إلّا لكان تحصيلًا للحاصل.

و هذا البيع العرفي الذي يصحّحه الشارع يجب أن يكون في الرتبة السابقة واجداً للشرائط العقلائيّة العرفيّة؛ إذ بدونها لا يكون البيع في نظرهم موجوداً، فلا يكفي في البيع توفّر الشرائط الشرعيّة التأسيسيّة فقط.

نعم، العرف هاهنا بمعنى لغة القانون البشري الوضعي، و هذا باب ينفتح منه اعتبار الشروط في المعاوضات و إن لم يرد فيه نصّ خاصّ. نعم، قد يفرض أن يضيف الشارع بعض الشرائط أو يلغي بعضها، و هذا تقدير آخر.

و مانعيّة الغرر عند العقلاء غير مخصوصة بالبيع، بل في مطلق ماهيّة المعاوضة؛ إذ التعاوض نوع مساواة ماليّة بين الطرفين و لا تتمّ المعاوضة و المساواة بين المالين إلّا بالعلم بذات و قدر الطرف الآخر و تقرّره، فلا بدّ من الإحاطة بكلّ من الطرفين كي يتمكّن من عمليّة المعاوضة بينهما، و إلّا لم تكن معاوضة، بل هبة مبتدأ أو شبهها أو صلحاً لا يبتني على التعاوض، بل على التقابل بالرضا.

و لذلك قيل بجواز هدية المجهول، مثل: «وهبتك ما في الكيس»، و كذا في الوقف، و في المضاربة، و غيرها من العقود الإذنيّة، و هذا بخلاف المعاوضات.

469

و لا نقصر الكلام في الإحاطة و العلم بالعوضين على خصوصيّتهما أو ماليّتهما، بل الكلام في مطلق جعل التقابل بينهما، فمثلًا: في البيع عند ما يقابل بعوض مالي، معيار هذه المقابلة هي الموازنة و المساواة الماليّة، و لو بحسب اختيار المتعاقدين، و من ثمّ فلو لم تكن مساواة بحسب الواقع لا يبطل البيع، بل غاية الأمر يثبت خيار الغبن، فالمقابلة قائمة على التوزين المالي، و هو متوقّف على معرفة العوض كي تجري فيه المعاوضة و المساومة و المساواة، فثبوت خيار الغبن لا ينافي اعتبار مانعيّة الغرر، بل يتوقّف عليها؛ إذ لا يمكن فرض الغبن و خياره إلّا مع عدم الغرر.

بيان ذلك: أنّ كلّاً من المتعاقدين يوازن و يقابل العوضين عالماً بالمقابلة، و إن لم يعلم القيمة الواقعيّة، فالمقابلة معلومة في البين، و من ثمّ تُقايَس مع القيمة الواقعيّة كي يُتبيّن وجود الغبن أو عدمه، فتصوير الغبن و عدمه مبتن على معلوميّة أصل المقابلة، و ظهور الغبن لا ينافي كون البيع الواقع خالياً من الغرر؛ إذ ليس انتفاء الغرر و الجهالة هو بحسب الإحاطة و العلم بذات العوض على ما هو عليه في الواقع بجميع صفاته و خصوصيّاته، بل هو بحسب أحد صفات العوض المهمّة التي يمكن ضبط بقيّة صفاته الاخرى- و إن كانت مجهولة- بها، فيكفي في تحقّق المقابلة في المعاوضات العلم بالمقابلة بحسب أحد الصفات المهمّة، فمدار انتفاء الغرر و عدمه لا ينافي وقوع الجهل بصفة الماليّة الواقعيّة، فلا ينافي تصوير خيار الغبن؛ و لذلك اشترطوا في البيع عدم الغرر مع قولهم بخيار الغبن فيه، و لم يعدّ ذلك تهافتاً لإمكان تصوّر وقوع البيع الصحيح الخالي عن الغرر الموجب مع ذلك لخيار الغبن، و أنّ الغرر ينتفي بالعلم بالماليّة الجعليّة المسمّاة بحسب المقابلة لا بخصوص العلم بالماليّة الواقعيّة و تسمية الماليّة هي عين المقابلة بخلاف الماليّة الواقعيّة، فالغبن قائم على حيثيّة تختلف عن الحيثيّة التي تقوم عليها المقابلة.

470

تذييل بنكتة

إنّ طبيعة المعاوضات من المعاني التشكيكيّة، كما هو الحال في الغرر، و الجهالة أيضاً، فالمعاوضة في البيع قائمة على المقابلة بنمط دقيق لوقوع نقل رقبة العين فيه، و حيث أنّ العين بتمامها تُنقل فيتشدّدون في إبعاده عن الغرر، فالغرر بحسب البيع يتفاوت مع الغرر بحسب الشركة أو القرض مثلًا، و كذا الحال في الإجارة؛ لأنّ المنقول فيها المنفعة فقط، و إن اشتهر أنّ الإجارة صنو البيع، و هذا التفاوت لا ينافي اعتبار عدم الغرر في مطلق المعاوضات، إلّا أنّه في كلّ عقد بحسبه لاختلاف درجات المعاوضات.

فتحصّل تماميّة كبرى مانعية الغرر في العقود، و عليه فالتأمين إمّا ضمان أو ماهيّة مستقلّة، و على كلا التقديرين فهي معاوضة، فيشترط فيه عدم الغرر.

لكن يبقى الكلام صغروياً بحسب الخارج في كون عقد التأمين يستلزم الغرر- كي يتأتّى الإشكال الأوّل- أو لا؟

و الجواب: أنّ علم التأمين بحسب أدواته الحديثة قد أوجب انخفاض نسبة الجهالة و تصاعد النسبة الاحتماليّة إلى درجة متّفقة عند العقلاء؛ إذ بات علماً يدرس في الجامعات، فيعيّن فيه درجة الخطورة و درجة الثمن الذي يقابل الخطر، و مدّة التأمين، و البلد الذي يجري فيه عقد التأمين، و الحرَف التي يجري عليها البيمة، و هلم جرّاً.

فهناك آلات الإحصاء بدرجة تخمينيّة تقارب الواقع، فتُدرس كلّ هذه الزوايا و يحدّد جميعها في عقد التأمين، و مع كلّ هذه الدراسات و البرامج لا مجال لدعوى الغرر في عقد التأمين، بل المتداول منه حالياً يجري مع نسبة كبيرة من إبصار الواقع بالأدوات و الدراسات الحديثة. نعم، إشكال الغرر كان متأتّياً في الأزمان السابقة لعدم إمكان الاحصائيّات الدقيقة.

و من هذا القبيل المسألة الواقعة في البيع في العصر الحاضر بدائرة وسيعة، لا سيّما‌

471

في البيوعات الخطيرة و ذات الكمّيات الكبيرة، حيث يتمّ التصافق على بيع الأشياء بوجودها الشخصي بقيمة يوم التخليص من الجمرك أو بقيمة يوم القبض، فقد أفتى جملة من أعلام العصر ببطلان هذا البيع لعدم تحديد الثمن فيه، و هذا النمط من البيع هو الرائج حالياً في بيع النفط و الغاز و غيرها من المنتوجات الطبيعيّة لكلّ بلد من بقيّة المعادن أو الزراعات أو المنتوجات المصنّعة.

و تنقيح الحال فيها: أنّ الجهالة و الغرر بحسب سوق المال و التجارة العصريّة يقرّرونه في تعيين الثمن في مثل هذه الموارد حيث أنّ تعيينه لا يُعلم فيه مدى اجور الكلفة التي سوف تقع على عاتق البائع، كما أنّ في تعيينه بحسب وقت التعاقد لا يحصل العلم بنسبة الربح و الخسارة؛ و ذلك لأنّ الأسعار في مثل هذه الموارد تُعيّنها أسواق البورصة، و بياناتها في القيمة إنّما هو بلحاظ السعر الحاضر الفعلي لا القيمة المستقبليّة، و بالتالي فيعدّ تعيين البائع الثمن في عدد معيّن هو بمثابة اللاتعيين و اللاتحديد، بخلاف ما لو حدّد الثمن بقيمة البورصة أو السوق يوم التقابض، فإنّ هذا القيد الزمني أضبط تحديداً و أدقّ تعييناً للقيمة من العدد و الحساب الكمّي، و كذلك الحال في جانب المشتري، و هذا التبدّل في ضوابط التعيين و التحديد، و في نحو تقرّر وجود الغرر و الجهالة هو بسبب تغيّر عالم الأسواق الماليّة وبيئة التعامل التجاري، فهو من التغيير في المصاديق لا في المفاهيم و المعاني، و لا ريب أنّ تقرّر وجود المصاديق إنّما هو بحسب الأنظار العقلائيّة و العرفيّة الجارية.

و على كلّ تقدير، فيمكن الإجابة عن الإشكال الأوّل أيضاً بما سيأتي في الجواب عن الإشكال الثاني.

امّا الجواب عن الإشكال الثاني

فبأنّ الذي يُجعل عوضاً ليس هو المال الذي يتملّكه عند حدوث الحادثة، بل العوض هو نفس الضمان لا متعلّقه، و نفس الضمان كالتزام و تعهّد بجبر الخسارة على‌

472

تقدير وجودها ليس عوضاً تقديريّاً أو غير متيقّن الحصول، بل هو ذو ماليّة بنفسه، فلا يقدم عليه النّاس ابتداءً بل يرغبون فيه إذا بذل بإزائه المال؛ إذ لا يكلّف الشخص نفسه بالتعهّد على جبر خسارة آخر ابتداءً، و بالتالي فالماليّة مخصّصة لنفس التعهّد و الضمان بالجبر لا لمتعلّقه، و هذه الماليّة مقرّرة و ثابتة، سواء وقع المتعلّق أم لم يقع؛ لأنّ الغرض من المعاوضة و بذل المال منصبّ و قائم بنفس التعهّد لما يوجبه من استقرار و راحة بالٍ للمضمون له، و لو على تقدير عدم وقوع الحادثة، فمنشأ الإشكال الخلط بين متعلّق الضمان و نفس الضمان لعدم تصوّر المعاملة الفوقانيّة التي أحد طرفيها معاملة اخرى خاصّة مستقلّة (ضمان العهدة)، و العوض مقابل لها، فالمعاملة الفوقانيّة هي مبادلة ضمان بعوض نظير مبادلة طلاق بعوض، و هو الخلع.

هذا مع أنّ مجرّد احتماليّة المتعلّق لا يجعله معاملة قماريّة؛ إذ عدّة من المعاملات متقوّمة بالاحتماليّة بلحاظ النتيجة كالمضاربة، حيث أنّ عامل المضاربة أعماله محتملة للتعويض و لعدمه، مع أنّ المضاربة- على قول- عقد إجارة خاصّة، فصاحب المال يوجر العامل بربح كسري من أرباح المال مقابل عمله، فقد يتاجر العامل مدّة مديدة بالأموال و لا يربح شيئاً، فالاحتماليّة متقرّرة في المضاربة.

و كذا الحال في المزارعة و المساقاة، فقد لا يبقى الزرع إلى أوان الحصاد، أو قد لا تثمر الشجرة، ففيهما الاحتماليّة أيضاً متقرّرة، و مع كلّ ذلك فلم تكن الاحتماليّة موجبة لصدق الميسر على تلك العقود، فلا محالة من تميّز الميسر و القمار بخاصيّة اخرى غير وجود الاحتمال، و كذا الحال في ضمان الجريرة، فإنّه نوع تأمين عقدي و هو احتمالي من كلا طرفيه؛ لأنّ هذا الضمان بدفع الدية مقابل الإرث مع احتمال أن يموت الضامن قبل المضمون فلا يتحقّق الإرث، و كذا الحال في ضمان العاقلة الذي هو ضمان بعوض قهري غير عقدي، فتحصّل أنّ طرف الضمان في التأمين هو الضمان لا متعلّقه، فلا يرد محذور الغرر و الجهالة، كما لا يرد محذور القمار و الميسر، و نفس الضمان الذي هو طرف المعاوضة هو شي‌ء معلوم ذو قيمة ماليّة متعيّنة بخلاف متعلّقه.

473

و أمّا الجواب عن الإشكال الثالث

فإنّ الربا غير مفروض في المقام؛ إذ وجود الربا بتبع الدين- سواء الدين الحاصل من القرض أم غيره- بينما في التأمين دفع المال في مقابل الضمان و كلّ من العوضين قد تمّ حصوله للطرف الآخر؛ إذ لم يكن بذل العوض في مقابل متعلّق الضمان كما هو الحال في القرض؛ إذ قد لا تحدث أي خسارة و لا يرجع أيّ مال للمؤمّن له، و مجرّد جبر الخسارة على تقدير لا يوجب كون الجبر طرفاً للمعاوضة، و لا يوجب صدق رجوع المال المبذول عوضاً مع الزيادة، كما هو الحال في القرض الربوي.

نعم، بعض موارد التأمين المستجدّة، كالتأمين على الحياة مدى العمر أو مدّة معيّنة، أو التأمين على الممات، سيأتي في تنبيه مستقلّ أنّهما من أنواع الربا، و يختلف عن بقيّة أنواع التأمين.

فتلخّص أنّ الأصحّ كون عقد التأمين الدارج هو الضمان بالعوض، إلّا في بعض موارده، فإنّها من قبيل الإجارة و نحوها.

و لو تنزّلنا عن ذلك الصحيح أنّه عقد جديد لا هبة معوضة و لا صلح، و قد تقدّم أنّ الهبة المعوضة و الصلح هما من قبيل البديل الموصل لنتيجة عقد التأمين و ليسا تحليلًا ماهويّاً و لا بياناً لعقد التأمين الموجود المتداول، فلا تصل النوبة إليهما إلّا بعد تعيين ماهيّة عقد التأمين الدارج و بيان حكمها.

تنبيهات في التأمين

التنبيه الأوّل: في التأمين على الحياة و على الممات و أنّه رباً.

الضمان على الحياة هو أن يدفع أقساطاً معيّنة، و بعد انتهاء مدّة التأمين يسترجع كلّ المبالغ التي دُفِعَت و زيادة، فليس إرجاع و دفع شركة التأمين معلّقاً على الخسارة، بل بمجرّد انتهاء المدّة.

474

نعم، لو مات المؤمّن له خلال تلك المدّة فإنّ شركة التأمين ملزمة بدفع مقدار ديته لورثته، و لكنّ الجهة السابقة في هذا التأمين ملحوظة أيضاً.

و التأمين على الممات هو أن يدفع المؤمَّن له أقساطاً فتدفع شركة التأمين بعد موته كلّ الأقساط و زيادة إلى الورثة.

و إذا كان حقيقة هذين التأمينين كما تقدّم، فهما أقرب بالقرض الربوي؛ لأنّ ما يدفع من أقساط يسترجع مع الزيادة، فلا تكون الأقساط في مقابل الضمان؛ إذ لا يقرّر فيهما ضمان لجبر الخسارة و استرجاع ما دفع و زيادة بعد انتهاء المدّة مفروض فيهما على كلّ تقدير، و بالتالي فتنطبق ماهيّة القرض الربوي من ضمان نفس المدفوع مع الزيادة.

و كذلك الحال في التأمين على التقاعد، فإنّ الموظّفين يقتطع من اجرتهم كلّ شهر مقداراً يدفع لشركة التأمين، و بعد تقاعدهم يسترجعون ما دفعوه و زيادة بنحو نجومي كلّ شهر بنحو اجرتهم في زمن التوظيف السابق، فعلى تقدير كون هذا التأمين بهذه الصياغة فالزيادة ربويّة لا محالة.

و لو اريد استبدال هذه الموارد من التأمين بالهبة المعوضة فلا يخلو من إشكال أيضاً، و إن كان قد تقدّم صحّة الهبة المعوضة كبديل، و وجه الفرض بين ما تقدّم و هذه الموارد أنّ التعويض في ما تقدّم لم يكن منجّزاً، بل هو معلّق على تقدير الخسارة بخلافه في المقام، فإنّه منجّز بانتهاء المدّة، فلا يكون هناك افتراق ماهوي بين الهبة المعوضة و القرض الربوي، و الاختلاف يكون بمجرّد الألفاظ.

هذا إذا كان شرط التعويض في الهبة المعوضة بنحو شرط النتيجة، و أمّا إذا كان بنحو شرط الفعل فهو و إن كان دافعاً للإشكال المزبور على القول بأنّ أثر شرط الفعل تكليفي محض، إلّا أنّ الأصحّ- كما تقدّم- إيجاب الشرط مطلقاً للاستحقاق الوضعي.

هذا، و قد ذكر البعض أنّ تأمين التقاعد لا يشتمل على الزيادة، بل هو مجرّد استرجاع ما اقتطع و اخذ منه، و على تقدير كونه كذلك فيندفع محذور الربا، و ذكر‌

475

بعض آخر حلّاً لدفع محذور الربا فيهما بأنّ ماهيّة القرض لم تقصد، و أنّ قصد المتعاقدين هو ماهيّة التأمين، و قد ذكرنا سابقاً أنّ الضابط في الحيل الشرعيّة هو اختلاف الماهيّات المنشأة- و إن اتّحدت نتائجها- لا اختلاف مجرّد الألفاظ.

و المفروض في المقام هو الوحدة بحسب التحليل الماهوي.

التنبيه الثاني: في التأمين التبادلي أو تأمين المشترك

و حقيقته أنّ يشترك جماعة في وضع رأس مال بينهم على أن يستثمر رأس المال و يكون جبر خسارة كلّ من الأعضاء المتشاركين من رأس المال المزبور، الخسارة التي تحدث له في الأموال الاخرى الخاصّة به، دون الخسارة التي تحدث في المال المشترك بسبب التجارة.

و هذا التعاقد صحيح؛ لأنّ حقيقته شركة و مضاربة من الأطراف، و تسمّى الشركة في المضاربة أو الشركة على نحو المضاربة، و لا إشكال في اشتراط الضمانين المزبورين.

أمّا الأوّل: فإنّه نحو من التأمين، و أمّا الثاني: فبناءً على أنّ ضمان رأس مال المضاربة إذا كان من ضمان الفعل فإنّه لا يوجب قلب الماهيّة إلى القرض، لكن تقدّم الإشكال في ذلك للنصّ و لمقتضى القاعدة، فلاحظ.

التنبيه الثالث: ترامي التأمين

قد يقوم الضامن لجبر الخسارة بعوض- و هو شركة التأمين- بتأمين نفسه عند ضامن آخر أكثر قدرة في المال، و ذلك إذا كانت شركة التأمين الاولى تتوقّع الإفلاس، فتضطرّ إلى تأمين نفسها عند شركة تأمين أكبر، و هذا من قبيل ترامي العقود الصحيحة، غاية الأمر تكون شركة التأمين الثانية ضامنة على تقدير إفلاس شركة التأمين الاولى لا على تقدير إفلاس و خسارة المتعاملين مع شركة التأمين الاولى، فالمعلّق عليه مختلف.

476

ضميمة: قد تقوم شركة التأمين الثانية بجبر الخسارة عند خسارة المتعاملين مع الشركة الاولى، و هذا ليس من الترامي الطولي، بل من تكثّر التأمين العرضي على مورد واحد، و هو ممكن، غاية الأمر يقوم المتعامل مع شركة التأمين الاولى بأخذ الضمان منها لجبر خسارته مقابل العوض و تأخذ الشركة الاولى الضمان من الشركة الاخرى بجبر الخسارة التي تنتابها بسبب جبرها للخسارة على المتعامل، و ذلك مقابل العوض، و لا تخفى الصحّة في هذه الصورة أيضاً، و أنّ المضمون له يختلف في الضمانين.

التنبيه الرابع قد يشترط في عقد التأمين دفع أرباح من شركة التأمين إلى المؤمَّن لهم

في ما لو ربحت شركة التأمين من رأس مالهم.

و أشكل عليه بأنّه رباً؛ لأنّ عوض التأمين مضمون مع الزيادة، و الصحيح أنّه لا يمكن إطلاق القول بصدق الربا؛ و ذلك لأنّ الربح المشروط ليس ربحاً محرزاً، بل معلّق على ربح شركة التأمين في تجارتها، فهو أشبه بالمضاربة بشرط الضمان على القول بصحّة ضمان رأس المال في المضاربة، فلا إشكال في صحّته.

غاية الأمر قد اشترط في المضاربة المزبورة جبر خسارة مالك المال التي تحدث له في أموال اخرى جبرها من رأس مال المضاربة، فلا ينافي أحكام عقد المضاربة؛ لأنّ العامل لا يضمن خصوص مال المضاربة بخلاف الأموال الاخرى، فهي مضاربة بشرط ضمان العامل- شركة التأمين- لأموال اخرى، و هذه صورة رائجة في أسواق المال حاليّاً.

نعم، لو اشترط في عقد التأمين أرباح منجّزة بأن تدفع شركة التأمين الزيادة على تقدير الربح و عدمه لكان نوعاً من الربا.

مسألة 29: إذا تخلّف المؤمن عن القيام بالشرط

ثبت الخيار للمؤمّن له، و له- عندئذٍ-

477

فسخ العقد و استرجاع قسط التأمين.

مسألة 30: إذا لم يقم المؤمّن له بتسديد

(قسط التأمين كمّاً و كيفاً، فلا يجب على المؤمن القيام بتدارك الخسارات الناجمة له، كما لا يحقّ للمؤمّن له استرجاع ما سدّده من أقساط التأمين.

مسألة 31: لا تعتبر في صحّة عقد التأمين مدّة خاصّة،

بل هي تابعة لما أنفق عليه الطرفان (المؤمِّن و المؤمَّن له).

مسألة 32: إذا اتّفق جماعة على تأسيس شركة يتكوّن رأس مالها من أموالهم على نحو الاشتراك

و اشترط كلّ منهم على الآخر في ضمن عقد الشركة أنّه على تقدير حدوث حادثة (حدّد نوعها)- في ضمن الشرط- على ماله أو حياته أو داره أو سيّارته أو نحو ذلك أنّ الشركة بتدارك خسارته في تلك الحادثة من أرباحها وجب على الشركة القيام بذلك.

قوله (رحمه الله) في المسألة 29: «ثبت الخيار» لتخلّف الشرط الضمني و الارتكازي؛ لأنّ التزام كلّ من المتعاملين هو بازاء التزام الآخر، فإذا تخلّف الآخر عن التزامه فللأوّل أن يرجع عن التزامه أيضاً، و لك أن تقول: إنّه لا حاجة إلى تصوير خيار الشرط؛ لأنّ الالتزام في العقد ليس بمطلق، بل معلّق على الالتزام الآخر، فلا حاجة إلى تصوير شرط خيار تخلّف الشرط بنحو الشرط الضمني، و حيث أنّ المعلّق عليه- هو التزام الآخر- لم يقع، فللأوّل أن لا يلتزم؛ لأنّ الواجب عليه ليس إلّا حصّة من الالتزام لم يتحقّق موضوعها.

قوله (رحمه الله) في المسألة 30: «الناجمة له» بمقتضى تقابل الالتزامين كما مرّ.

و أمّا قوله في ما بعد: «كما لا يحقّ...»، فهو مبنيّ على كون التأمين هبة معوّضة، فلا يحقّ أن يسترجع؛ لأنّ الهبة المعوضة لازمة، لكن بناءً على كونه ضماناً بعوض أو أنّه عقد جديد معاوضي أو صلح أو إجارة، ففيه تأمّل؛ إذ يجوز للآخر الامتناع عن‌

الدفع مع امتناع الطرف الأوّل عن دفع عوضه كاملًا، إلّا أنّ الكلام يقع في أنّ الطرف‌

478

الآخر الذي قبض من الأوّل نصف العوض- مثلًا- هل يسوغ له إبقاء ما قد قبضه أو أنّه يجب عليه إرجاعه إلى الأوّل؟ الصحيح هو التفصيل، فإن كان الطرف الآخر القابض لنصف العوض من الأوّل يريد أن يمضي المعاملة و يبني عليها، فله إبقاء ما استلمه و إلزام الطرف الأوّل بإتمام المعاملة، و بالتالي فلا يحقّ للطرف الأوّل استرجاع نصف العوض الذي أعطاه، بل الواجب عليه النصف الباقي، و أمّا إذا بنى الطرف الآخر القابض على فسخ المعاملة و عدم إعطاء العوض الذي عليه- أي الذي من جانبه- فلا يجوز له إبقاء النصف الذي استلمه، و هذا الذي ذكرناه هو من خواصّ و أحكام القبض و التقابض في كلّية المعاوضات، فلا يشذّ عنه الهبة المعوضة أيضاً، بل الصحيح في الهبة المعوضة عدم اللزوم ما لم يتحقّق التقابض، فللواهب أن يرجع في هبته قبل إتيان الموهوب له بالشرط، و قد بنى الماتن (رحمه الله) على ذلك في باب الهبة، فما أطلقه في المقام غير تامّ، إلّا أن يفرض أنّ العين (/ الأقساط الشهريّة) غير قائمة على حالها.

479

السرقفليّة- الخلو

من المعاملات الشائعة بين التجّار و الكسبة ما يسمّى السرقفليّة، و هي إنّما تكون في محلات الكسب و التجارة، و الضابط في جواز أخذها و عدمه هو أنّه في كلّ مورد كان للمؤجّر حقّ الزيادة في بدل الايجار أو تخلية المحل بعد انتهاء مدّة الايجار، و لم يكن للمستأجر الامتناع عن دفع الزيادة أو التخلية لم يجز أخذها، و التصرّف في المحلّ بدون رضا مالكه حرام. و أمّا إذا لم يكن للمالك حقّ زيادة بدل الايجار و تخلية المحل، و كان للمستأجر حقّ تخليته لغيره بدون إذن المالك جاز له- عندئذٍ- أخذ السرقفليّة شرعاً، و يتّضح الحال في المسائل الآتية:

مسألة 33: قبل صدور قانون منع المالك عن إجبار المستأجر على التخلية أو عن الزيادة في بدل الايجار، كان للمالك الحقّ في ذلك،

فإن كانت الإجارة قد وقعت قبل صدور القانون المذكور و لم يكن هناك شرط متّفق عليه بين الطرفين بخصوص الزيادة أو التخلية، إلّا أنّ المستأجر استغلّ صدور القانون فامتنع عن دفع الزيادة أو التخلية، و قد زاد بدل إيجار أمثال المحل إلى حدّ كبير، بحيث أنّ المحلّ تدفع السرقفليّة على تخليته، فإنّه لا يجوز للمستأجر- حينئذٍ- أخذ السرقفليّة، و يكون تصرّفه في المحلّ بدون رضا المالك غصباً و حراماً.

مسألة 34: المحلات المستأجرة بعد صدور القانون المذكور قد يكون بدل إيجارها السنوي مائة دينار مثلًا،

إلّا أنّ المالك- لغرض ما- يؤجّرها برضًا منه و رغبة بأقلّ من ذلك، و لكنّه يقبض من المستأجر مبلغاً كخمسمائة دينار- مثلًا-

480

و يشترط على نفسه في ضمن العقد أن يجدّد الإيجار لهذا المستأجر أو لمن يتنازل له المستأجر سنوياً بدون زيادة و نقيصة، و إذا أراد المستأجر التنازل عن المحلّ لثالث أن يعامله نفس معاملة المستأجر، فحينئذٍ يجوز للمستأجر أن يأخذ لقاء تنازله عن حقّه مبلغاً يساوي ما دفعه إلى المالك نقداً أو أكثر أو أقلّ، و ليس للمالك مخالفته حسب الشرط المقرّر.

السرقفليّة من الحقوق الجديدة المتداولة، و الماتن (رحمه الله) فصّل بين وقوع الإجارة قبل صدور القانون- قانون منع المالك عن إجبار المستأجر على التخلية أو الزيادة- من الدولة، و بين وقوعها بعد الصدور.

ففي الصورة الثانية أجاز أخذ المال بازاء الحقّ المزبور، سواء من مالك العين أو من المستأجر الأوّل أو الثاني بعد فرض شرائه لذلك الحقّ من مالك العين، بخلاف الصورة الاولى، فليس من حقّ المستأجر أن يأخذ مالًا من المستأجر الثاني قبال حقّ الخلو؛ لأنّه لا يستطيع أن يُجبر و يلزم المالك الأوّل على تجديد الإجارة، و لا على إبقاء ثمنها بعقود لاحقة، فأخذه المال بإزاء حقّ السرقفليّة أكل للمال بالباطل.

و تخريج هذا التفصيل هو: أنّه مع عدم صدور القانون المزبور لا يوجد بناء ارتكازي عقلائي على اشتراط الشرط المزبور، فلا يتولّد للمستأجر حقّ يسمّى بالخلو، و من ثمّ لا يجوز له إلزام المالك بالمكث في العين المستأجرة و تجديد الإجارة، أو عدم زيادة ثمن الإجارة في العقود اللاحقة، بخلاف ما إذا صدر القانون من الدولة، فإنّه يوجب تولّد نحوٍ من البناء الارتكازي و الشرط الضمني. و الظاهر من الماتن (رحمه الله) تخريجه من جهة الشرط، و يمكن تخريج حقّ السرقفليّة بوجوه اخرى.

481

تخريج الحقوق المستجدّة

الوجوه التي استدلّ بها على مشروعيّة هذا الحقّ:

الوجه الأوّل و هو مطّرد في حقّ التأليف و الامتياز و الطبع و غيرها من الحقوق المستجدّة، هو اعتبار العرف

و جعله لها، فهي موجودة في عالم اعتبار العرف العقلائي و إن لم تكن موجودة في اعتبارات الشرع أصالة و ابتداء، و بالتالي فتتولّد لها ماليّة لديهم، فيتّصف ذلك الحقّ بأنّه مال من الأموال، و يقع التعارض عليه؛ لأنّ موضوع المعاوضات هو المال، و على ذلك فيصحّ بيعها، فكلّ حقّ جديد إذا اعتبره العرف في عالم أنظاره يقع صغرى للمعاوضات الشرعيّة.

و العرف هاهنا لم يتصرّف في أحكام الشرع، و إنّما أوجد موضوعات للأحكام و القضايا الشرعيّة، فالمحمول الشرعي ثابت، إلّا أنّ العرف يخلق لذلك المحمول مصاديق جديدة. و الحقوق الجديدة في الحقيقة إيجاد لمنافع جديدة، فهي إيجاد لمال من الأموال العرفيّة، و المال العرفي موضوع لماهيّات المعاملات و الأحكام الشرعيّة، فهو- مثلًا- موضوع للبيع، و البيع موضوع للحكم الشرعي.

و هذا البيان من جهة متين، و لكنّه لا يخلو من خلل في جهات كثيرة، أمّا ما هو متين فيه فهو أنّ وصف الماليّة ليس باختراع من الشرع، و إنّما صفة الماليّة هي بإيجاد و استحداث من العرف العقلائي؛ لأنّ الماليّة تتبع رغبات العقلاء (المال من الميل، بمعنى الرغبة، أي: يُمال إليه).

482

نعم، قد يسلبها الشرع، كما في الميتة و العذرة و الخمر، و كذلك حال ما مرّ في الوجه من أنّ إيجاد صفات جديدة في العين هو بيدهم لا بتوسّط الحكم المتعلّق بالعين.

أمّا الخلل في الوجه المزبور فهو أنّ بعض الاعتبار و الإنشاء و إنّ فوّض إلى العرف كإيجاد العين أو منافعها تكويناً، و كصفة الماليّة سواء كانت تكوينيّة أم اعتباريّة ممزوجة بالتكوين- أي منشؤها التكوين، و هو الحاجة- إلّا أنّ الحقّ ليس أمراً اعتبارياً، كصفة الماليّة أوكَلَها الشارع إلى العرف، بل هو من سنخ الحكم أو الملكيّة، و اللازم فيه اعتبار الشرع أو إمضاؤه، و لا أقلّ من عدم ردعه، و الفرض أنّ هذه الحقوق المستجدّة لم تكن معاصرة للشارع كي يعلم عدم ردعه عنها، فهي من سنخ الحكم أو الملكيّة، و من أنحاء اعتبار الحكم الشرعي و ماهيّة الحقّ ملكيّة ضعيفة على الأصحّ في الأقوال، و القول الآخر أنّه من سنخ الحكم و الاعتبار، كما ذهب إليه الماتن (رحمه الله)، و يختلف عن الحكم بأنّه قابل للاسقاط و النقل و الانتقال.

فالأقوال في ماهيّة الحقّ مختلفة، و ليس وزانها وزان صفة الماليّة، بل من نمط الأحكام، و الصفة الماليّة لو سلّم أنّها كذلك فلا محذور من ناحيتها في المقام؛ لأنّها معاصرة للشارع و لم يردع عنها.

و قد يشكل بأنّ الملكيّة اعتبار من العرف أيضاً، غاية الأمر أنّ الشارع يُمضيها أو يردع عنها، فليس اعتبارها من الشرع فقط. و الصفة الماليّة في الأموال التي كانت معاصرة لدى الشارع ممضاة، و أمّا التي في الأموال المستجدّة فهي لم تُعاصِر الشارع، فلا تكون ممضاة، إلّا أن يقال: إنّ عدم ردع الشارع ليس بلحاظ تلك الأموال الخاصّة، بل لنوع صفة الماليّة، و لو المستجدّة في أنواع أموال اخرى، فضلًا عن المستجدة في أفرادٍ من نفس النوع، فاللازم هو تحديد مصبّ عدم ردع الشارع و إمضاءه للماليّة من أنّها النوعيّة في تلك الأموال و لنوع تلك الأموال أم هي الفرديّة في أفراد الأموال؟

هذا و الإشكال المزبور يمهّد لوجه ثانٍ لمشروعيّة هذا الحقّ، و يشترك مع الوجه‌

483

الأوّل في كثير من مقدّماته، فالأحرى الخوض في الوجه الثاني.

الوجه الثاني يتضمّن نفس مقدّمات الوجه الأوّل

من أنّ الحقوق الجديدة بِيد العرف و اعتباره، و الصفة الماليّة من العرف، و يضاف إلى ذلك: توسعة حجّية الارتكازات العقلائيّة و اعتباراتهم- التي هي في الحقيقة تقنيناتهم- لما هو متجدّد منها غير معاصر للشارع، و على ذلك فيكون اعتبار و تقنين الحقوق المستجدّة ممضى من قِبل الشارع.

أمّا بيان تلك التوسعة فهو أنّ التقنين العقلائي غير مردوع عنه و ممضى، سواء هو عاصر الشارع أم لا، إلّا ما ثبت عن الشارع أنّه ردعه، و ذلك نظير ما قد قيل في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، فإنّ العقود التي أمضاها الشارع شاملة للسابقة و لما يستجدّ منها، غاية الأمر أنّ الشارع جعل شروطاً عامّة لصحّتها و موانع عنها، فبحسب ما ضيّق الشارع من ماهيّة العقود يؤخذ به، و ما عدا ذلك فيتمسّك بإرسال الطبيعة الشامل لاعتبار العقلاء لماهيّات جديدة، و إن كان اعتباراً مستقلّاً مبتدأً منهم بحسب المصالح و الظروف المعامليّة المتغيّرة لديهم، فكما يقرّر ذلك في اعتبار العقود يقرّر نظيره في بقيّة الاعتبارات العقلائيّة، كباب اعتبار الحقوق؛ و ذلك بتقريب أنّ النواهي العامّة، سواء الوضعيّة أم التكليفيّة، و الشروط العامّة في باب الأموال و الأعيان المملوكة هي بمثابة حدود عامّة و تضييقات للاعتبار العقلائي و تقنينهم، فيؤخذ به و يبقى الباقي من اعتباراتهم و لو المستجدّة غير مردوع عنه، فالضابطة أن لا يتصادم تقنينهم مع الحدود الشرعيّة من النواهي و الشروط العامّة، فيكون الاعتبار العقلائي بمثابة العنوان و القالب الممضى بقيود و شروط نظير ما هو الحال في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، و هذا من باب تغطية الشريعة و إحاطتها بمختلف الأعراف العقلائيّة على مرّ العصور ممّا يقتضي أبديّة الشريعة و إبقائها، و تفصيل هذا البحث موكول إلى بحث الاعتبار في علم الاصول.

484

و يترتّب على ذلك في المقام أنّه حيث لم يمنع الشارع عن الاعتبار المستجدّ في الحقوق فيجوز الأخذ به كما هو الحال في الملكيّة العقلائيّة، مثلًا: الاحياء في المباحات الأوّلية، و إن لم تكن أرضاً، حيث لم يمنع عنه الشارع، فيستفاد الإمضاء لكونه سبباً للملكيّة.

و كذا الحال في الاستيلاء و الحيازة في المباحات الأوّليّة الذي هو سبب عرفي لم يردع عنه، و كذلك شمول الإرث للأموال و الحقوق المستجدّة بعموم «كلّ ما كان للميّت فهو للوارث».

و يعضد هذا الوجه أنّ أسباب الملكيّة الاولى غالبها إمضائي لا تأسيسي، مثل: «من أحيا أرضاً فهي له» و «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه أحد فهو له»، فالحال في الحقوق كذلك، لا سيّما و أنّها أخفّ وطأة من الملكيّة.

تقييم هذا الوجه

و يثار على هذا الوجه إشكال عويص و هو: أنّ غاية ما قرّب في هذا الوجه هو عدم نهي الشارع عن هذه المعاملة لا الالزام بها، و لا يكفي في ذلك إلزام العرف العقلائي وحده ما لم يعتبر الشارع ما قرّروه وضعاً و تكليفاً.

و بعبارة اخرى: إنّ ما يقال من أنّ الشارع حدّد حدوداً عامّة و الباقي جعلها مرسلة و مباحة وضعاً أو تكليفاً، فمن أين للعرف أن يُلزِم ما جعله الشارع مباحاً وضعاً أو تكليفاً؟ إذ معنى الحقّ أن يُلزم الشي‌ء لذي الحقّ على مَن عليه الحقّ و الالتزام لما هو مباح مخالف للشرع.

و بعبارة ثالثة: هذه الكبرى في الاعتبار مشكلة من قصر المخالفة في ما إذا خالف الاعتبار العقلائي ما قد وضعه الشارع، أي المخالفة للشرع في إباحة الالزاميّات الوضعيّة أو التكليفيّة دون مخالفته في الإلزام بالمباحات الشرعيّة، و هذا بحث قد اضطربت فيه كلماتهم عند البحث في الشرط المخالف للكتاب و السنّة، لا سيّما في المقام، حيث أنّ في الوجه المزبور يراد تقرير ذلك لا بالشرط و الالتزام، بل بجعل‌

485

العقلاء و تقنينهم، و الشيخ (رحمه الله) بعد كلام طويل له ثمّة ذهب إلى أنّه موكول إلى نظر الفقيه، بحسب الموارد. و تحرير هذا البحث إمّا في الشروط المعامليّة أو في مبحث الاعتبار في الاصول. فبهذا المقدار الوجه المزبور غير تامّ، و لا بدّ من مزيد تنقيح في الموضع المناسب له.

نعم، هذه الكبرى مهمّة جدّاً، و يستفاد منها في كثير من أبواب الفقه، منها بحث الفقه السياسي في باب الجهاد و القضاء و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و غيرها من الأبواب التي تتعلّق بالحكم و سياسة المجتمع، حيث قيل بأنّ ما حدّده الشارع من حدود تكليفيّة أو وضعيّة سياسيّة يؤخذ بها، و الباقي يتّبع فيه الاعتبار العقلائي كتطبيق صغروي لتلك الكلّيات الشرعية، كصيانة نظام الدولة بشكل الملكية و الجمهوريّة و المجالس النيابيّة و الأداة القضائيّة و سائر تدبيرات و شئون النظام السياسي و الاجتماعي، فكلّ ما كان من تدبيرات المجتمع العقلائيّة ممّا لم ينه عنها الشارع فهي مرسلة عند الشارع تكليفاً و وضعاً.

و تكون الإلزاميّات التكليفيّة أو الوضعيّة في باب الأحكام السياسيّة و الحكوميّة كضوابط عامّة كبرويّة، و ما بقي يكون مطلق العنان، أي في مقام تطبيق تلك الكبريات، و قد نسب هذا القول إلى بعض الأعاظم من أساطين الفقه، فيكون الاعتبار العقلائي نحو تعيين صغروي لكبريات الاعتبار الشرعي، هذا هو التأمّل الأوّل على الوجه الثاني.

التأمّل الثاني على الوجه المزبور

التفرقة بين الاعتبارات العقلائيّة (السيرة العقلائيّة) المعاصرة لعصر النصّ و بين الاعتبارات المستجدّة بأنّ الاولى يكفي فيها عدم الردع بخلاف الثانية، فلا بدّ فيها من الإمضاء الإثباتي، ففي الاولى يكفي فيها عدم المخالفة و الثانية لا بدّ فيها من الموافقة.

و الوجه في ذلك: إنّ الثانية و لو كانت عقلائيّة لكن حيث لم يلزم بها الشارع فلا مؤاخذة على المكلّف في عدم الالتزام بها، و عدم الردع ليس بكافٍ في إحراز‌

486

اعتبار الشرع للحقّ المستجدّ، بخلاف ما لو كان الحقّ العقلائي معاصراً لعصر النصّ، فإنّه يُحرَز بذلك تعاطي الشارع به، و يكون عدم الردع ثمّة دالّا على الإمضاء و إلزام الشرع بما ألزم به العقلاء، فبعد عهد حضور المعصوم (عليه السلام)- كما في زمن الغيبة- لا يحرز إلزام الشرع بالحقوق المستحدثة التي يلزم العقلاء بها؛ إذ لا يخفى الفرق بين الأحكام العقليّة المستقلّة و الاعتبارات العقلائيّة، حيث إنّ الحقوق المستجدّة من قبيل الثاني و الاعتبارات العقلائيّة لا بدّ من إدراجها تحت عموم فوقاني مُلزِم يكون إمضاءً لها، نظير (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و «المؤمنون عند شروطهم»، و غيرهما من العمومات الفوقانيّة التي غير المقيّدة بمفاد معيّن من الشرط أو العقد.

الوجه الثالث و هو شامل لكلّ العقود و الحقوق المستجدّة إذا توفّرت فيه الشرائط العامّة،

و ذلك بالتمسّك بعموم «المؤمنون عند شروطهم»، و يكون مصدراً لتولّد الحقوق العديدة المستجدّة، حيث أنّه نُقّح في بحث الشروط أنّ مؤدّى الشرط ليس تكليفاً محضاً، بل هو متضمّن للحقّ الوضعي، حيث أنّ الشرط إلزام لأحد الطرفين على الآخر، و التعبير ب‍ (اللام) لبيان الاختصاص الحقّي، و من ثمّ كان للمشروط له أن يُسقط الشرط، بل يتمّ هذا الوجه، و لو بنينا على القول الآخر في الشرط من أن مؤدّاه حكم تكليفي محض؛ إذ يصبح للمشروط له- كما في مثال المقام و هو المستأجر- بسبب الشرط إمّا حقّاً على صاحب العين أو وجوباً تكليفيّاً لنفعه يَسقط بالإسقاط، و هي خصيصة من خصائص الحقّ، حيث أنّ غالب الحقوق بلحاظ اختصاص المنافع أو نقلها- كما هو الحال في السرقفليّة على تصوير الماتن (رحمه الله)- فيشترط المستأجر على المؤجّر و مالك العين أن يجدّد الايجار (كشرط الفعل) للمستأجر أو لمن يتنازل له المستأجر سنوياً بدون زيادة و نقيصة أو بزيادة تحت ضابطة معيّنة بحيث لا تساوي تلك الزيادة قدر ماليّة منافع الأملاك غير السرقفليّة، فبتوسّط هذا الشرط يمكن للمشروط له إلزام‌

487

الطرف الآخر بالوفاء، فيكون الاشتراط موجباً لتولّد الحقّ للمشروط له الوضعي أو التكليفي القابل للاسقاط، و أن يبذل بازاء إسقاطه المال.

نعم، لا بدّ في المشروط أن لا يكون مخالفاً للشرع بعموم (كلّ شرط جائز إلّا شرط خالف كتاب اللّٰه و سنّة نبيّه)، و المفروض في المقام أنّ تجديد الايجار ليس مخالفاً للكتاب و السنّة؛ لأنّه مندرج تحت سلطنة مالك العين، فيكون واجداً لقيود الصحّة العامّة في الشرط و نافذاً، و بالتالي موجباً لتولّد حقّ للمشروط له.

و نظير ذلك يقرّر و يقرّب في حقّ التأليف، و الغريب أنّ الماتن يصحّح حقّ السرقفليّة بهذا الوجه و يعدّها من الحقوق المستجدّة التي تصحّح بعموم «المؤمنون عند شروطهم»، مع أنّ هذا الوجه بنفسه يتأتّى في حقّ التأليف و حقّ الامتياز و حقّ الطبع، إلّا أنّه لم يصحّحها، و تقريبه في حقّ الامتياز و حقّ الطبع أن يشترط البائع على المشتري أن لا يطبع على هذه النسخة؛ إذ الطبع و الاقتباس منها من منافعها، و يكون هذا الشرط بمنزلة قوله: «بعتك هذه النسخة مسلوبة المنفعة الخاصّة»، أي استثناء حصّة خاصّة من منافعها، و لا ريب أنّ الاقتباس و الطباعة على النسخة من المنافع الهامّة لكلّ نسخة.

فيتأتّى الوجه المزبور في حقّ التأليف و حقّ الامتياز و حقّ الطبع بنحو أوضح؛ لأنّ متعلّق الشرط هو استثناء منفعة و إبقاؤها على ملك البائع بخلاف السرقفليّة، فإنّها نقل سلطنة على العين و منافعها من مجموع الملكيّة.

و قد يشكل على جريان الوجه المزبور في الحقوق المزبورة بأنّ المشتري عند ما يبيع هذه النسخة لشخص آخر لا يشترط عليه ذلك الشرط، فحينئذٍ يسوغ للمشتري الثاني الاقتباس من هذه النسخة.

و فيه: إنّ المفروض أنّ البائع الأوّل باشتراطه على المشتري الأوّل استثناء حقّ الاقتباس عن منافع هذه النسخة و إبقائها في ملكيّته، فتكون النسخة مسلوبة منفعة الاقتباس منها عند نقلها للمشتري الثاني، كما في بيع الدار مسلوبة المنفعة لمدّة‌

488

أشهر، و من ثمّ لا يستطيع المشتري الجديد التصرّف في الدار المبيعة في الأشهر الاولى؛ لأنّ المنفعة باقية على ملك مالك الدار السابق، و كذلك الحال عند ما يتصدّى المشتري الأوّل لبيع هذه الدار لثانٍ، فإنّه ينقلها إليه مسلوبة المنفعة أيضاً؛ لأنّ الأوّل لم يملكها فلم ينقلها إلى الثاني.

و الحال في الكتاب و حقّ الامتياز أيضاً كذلك، فإنّ الأوّل لا يملك منفعة الاقتباس من هذا الكتاب، و كذلك من يتعاقب من المشترين على ملكيّة الكتاب؛ إذ هم يبيعون إلى الطبقة اللاحقة الكتاب مسلوبة منفعته الخاصّة، فحقّ الامتياز و الطبع و التأليف هو استثناء المنفعة المزبورة و اشتراط إبقائها خاصّة- من عين الكتاب و منافعه أو من عينٍ مصنّعة معيّنة- على ملك المالك الأوّل، و على ذلك فالحقّ يتولّد من عموم «المؤمنون عند شروطهم» و ماليّة هذا الحقّ في كثير من الأوقات أعلى من قيمة نفس نسخة الكتاب، و لا مجال للإشكال بأنّ حقّ الاقتباس منفعة اعتباريّة وهميّة لا ماليّة لها، و أنّه لا بدّ من تعلّق جعل الشارع لها؛ و ذلك لأنّ هذه المنافع تكوينيّة و ليست جعليّة اعتباريّة من الشارع كي تتوقّف على جعل الشارع أو معاصرتها له، كما لا غرابة في تفوّق ماليّة المنفعة التكوينيّة للعين على ماليّة نفس العين مسلوبة المنفعة، و إلّا فماليّة المنفعة جزء و شعبة من ماليّة العين بلحاظ مجموع منافعها، و بهذا الوجه ينفتح الباب لشرعيّة سائر أنواع الحقوق المستجدّة.

و يبقى الكلام في أنّ نمط هذا الحقّ هو مقتضى شرط الفعل أو أنّه مقتضى شرط النتيجة؟ و على كلا التقديرين فللمشروط له أن يُجبر المشروط عليه بالشرط، لا سيّما على القول بثبوت الحقّ على الأوّل أيضاً.

فتلخّص أنّ في إجراء قاعدة «المؤمنون عند شروطهم» لا بدّ من ملاحظة أمرين:

الأوّل: أن يكون ذات الشرط لقيود الصحّة العامّة.

الثاني: تعيين مفاد الشرط المزبور أنّه بنحو شرط النتيجة أو شرط الفعل؟

و هنا نضيف نكتة ثالثة و هي: أنّ صياغة هذا الحقّ المستجدّ يمكن تصويرها بعدّة‌

489

تصويرات، فيجب التفطّن إلى الصياغة الأنسب كي يكون واجداً لامتيازات ذلك الحقّ بتمامه الجاري عند العرف.

في المنهاج ذكر أنّ حقّ الخلو هو حقُّ شرط أن يجدّد مالك العين للمستأجر الأوّل أو لمن يتنازل له كعنوان كلّي شامل للمصاديق المتعاقبة من المستأجرين، و على ذلك فهو من شرط الفعل، بينما ذهب جماعة من الأعلام منهم الشيخ الحلّي إلى تصوير حقّ الخلو بنحو شرط النتيجة بأن يشترط المستأجر على مالك العين أن يكون وكيلًا عنه في عقد الإجارة لنفسه أو لمن يتنازل له، أي يكون وكيلًا في تجديد الإيجار أو وكيلًا في توكيل من يتنازل له ليوقع الإجارة لنفسه. فمن يتنازل له يكون وكيلًا في عقد الإيجار، و تكون الوكالة الاولى لازمة، و بالتالي لا يمكن فسخ الوكالات المترامية؛ لأنّ الوكالة الاولى من قبيل شرط النتيجة، أي اشتراط أن يكون وكيلًا لا أن يوكّله.

فالشرط هو المعنى المسبّب الوضعي، و هو الوكالة في إيقاع عقد الإجارة، فيفترق عن تصوير الماتن بكونه شرط نتيجة يترتّب عليه الأثر الوضعي بمجرّد العقد بخلاف تصوير شرط الفعل، فإنّه لا بدّ من الإلزام بإيقاع الايجار، و إذا لم يفِ المشروط عليه بذلك فغاية الأمر يكون عاصياً تكليفاً لا غاصباً لملك الغير، بخلافه على تصوير شرط النتيجة، فإنّ منفعة العين لا تكون باقية لمالك العين بعد إيقاع عقد الإجارة من الوكيل، فلو وضع مالك العين يده عليها يكون ضامناً لمنافعها للمستأجر أو لمن يتنازل له.

نعم، بناءً على الصحيح في شرط الفعل من تقرّر نحو حقّ فيه يكون لشرط الفعل ماليّة يضمنها المشروط له للمشروط عليه لو فوّت الشرط. و لا يخفى أنّ بعد تقرّر حقّ الخلو فاتّصافه بالماليّة هو بجعل من العرف لا من الشارع، لا سيّما و أنّ مقتضى هذا الشرط هو جواز نقل المستأجر حقّه إلى مستأجر آخر، فيصحّ التعاوض عليه بالمال.

فرع: لو تبدّل مالك العين بنقلها إلى مالكٍ ثانٍ فهل يبقى الشرط و يبقى حقّ الخلو للمستأجر أو لا؟

490

قد يشكل البقاء على تصويره بشرط الفعل؛ لأنّ شرط أن يجدّد الإيجار للمستأجر الأوّل أو لمن يتنازل له كان على عهدة مالك الأوّل للعين لا على رقبة العين كي يبقى على عهدة المالك الجديد لها، و المفروض أنّ المالك الجديد لم يشترط على نفسه الشرط المزبور، فيستلزم ذلك زوال حقّ الخلو، و الحال أنّ حقّ الخلو الجاري كما هو متّسع بلحاظ المستأجرين ترامياً، فهو متّسع دائرةً بلحاظ الملّاك أيضاً.

نعم، يتمّ في تصوير الماتن (رحمه الله) الجهتان السابقتان، و هي الماليّة و التعاوض على الشرط؛ لأنّ للشرط ماليّة، و يمكن نقله لآخر ثمّ إنّه لا بدّ من الإلفات إلى أنّ ورثة المستأجر يمكن شمول الشرط لهم بجعل العنوان «من يخلف عنه».

و أمّا على تصويره بالوكالة بنحو شرط النتيجة، فيرد الإشكال من زوايا متعدّدة، فإنّ الحقوق الجديدة المرتبطة بالمنافع كحقّ الطبع قابلة بسهولة لتصوير الصغرى فيها بعموم «المؤمنون عند شروطهم»، كما مرّ، و إنّما الكلام في الحقوق الجديدة التي لا ترجع إلى تملّك المنافع، هل يشملها عموم «المؤمنون عند شروطهم»؟ إذ هي شعب الولاية على العين و السلطنة عليها، مثل حقّ الخلو، فهو نوع من الولاية على تجديد الايجار و صالح للنقل إلى آخر بنحو الترامي، حيث أنّ في ذلك التصوير المستأجر يشترط على مالك العين أن يكون وكيلًا في تجديد الايجار و من يخلفه، سواء بسبب قهري كالوارث للمستأجر أو بسبب اختياري كالمستأجر الثاني، و يدّعى في هذه الوكالة أنّها لازمة بعروض عنوان ثانوي عليها، و هو «المؤمنون عند شروطهم»، فلا يستطيع مالك العين أن يعزل المستأجر الأوّل الوكيل، و لا من يترامى في الوكالة، و تلك الإشكالات هي:

الأوّل: إنّ لزوم الوكالة بالشرط محلّ كلام بينهم، بدعوى كون شرط النتيجة في الوكالة خلاف الكتاب و السنّة، بحيث لا يستطيع الموكّل فسخ الوكالة؛ لأنّ الوكالة عقد جائز.

و هذا الإشكال مبنائي، و قد أجاب عنه المحقّق الهمداني (رحمه الله) في كتاب الرهن في‌

491

مسألة (أنّ المرتهن لو شرط لنفسه الوكالة عن الراهن مالك العين في بيع العين المرهونة عند حلول الأجل)، و كذا قبله صاحب الجواهر، و بعده الشيخ الحلّي.

الثاني: بطلان الوكالة بموت الموكّل مالك العين و انتقالها إلى ورثته، و كذا بموت الوكيل؛ لأنّ الوكالة نيابة أو إذن، و يتقوّم بشخص الآذن المنوب عنه و المأذون النائب، فمع انعدام أحدهما تبطل النيابة و ينعدم الإذن، فلا يبقى بتبدّل أحد الطرفين، و بالتالي سيبطل حقّ الخلو. و نظير هذا الإشكال مرّ على تصوير شرط الفعل، و كذا الحال لو انتقلت العين إلى مالك جديد بنقل اختياري، فإنّ المستأجر لم يتوكّل عن المالك الجديد.

الثالث: عدم انتقال الوكالة إلى ورثة المستأجر و لا إلى المستأجر الجديد، لا بالسبب القهري و لا بالسبب الاختياري، و نظير هذا الإشكال يرد على التصوير السابق- و هو شرط الفعل- و دعوى أنّ الشرط وكالة المستأجر و من يتنازل له غير دافعة للإشكال، فإنّ الوكالة تعليقيّة، و هذا الإشكال موجود بعينه في وكالة المرتهن بيع العين، فإنّه إذا مات الراهن و انتقلت العين إلى ورثته فيستشكل في بقاء ذلك الحقّ للمرتهن، و كذلك في بقائه لو مات المرتهن أيضاً.

الجواب عن الإشكالات

أمّا الإشكال الأوّل

فقد تقدّم أنّه مبنائي، و قد أجابوا عن عدم منافاة لزوم الشرط لجواز الوكالة الذاتي بأنّ دليل الجواز في الوكالة ناظر للوكالة بما هي، فحكمها الأوّلي الجواز، أمّا لزومها الآتي من «المؤمنون عند شروطهم» هو لزوم الوكالة لا بما هي، بل بعنوان أنّها شرط من الشروط، فلا تنافي بين الحُكمين؛ إذ قد يكون الشي‌ء بلحاظ العنوان الأوّلي (كصلاة الليل) نافلة، و لكن بطروّ النذر يكون واجباً بالعنوان الثانوي، و لا يخالف الحكم الثانوي الحكم الأوّلي كي يكون الاشتراط و النذر خلاف الكتاب و السنّة‌

492

و العناوين الثانويّة (كالشرط و النذر و الصلح و طاعة الوالدين)، و إن كانت مقيّدة بأن لا تكون خلاف الكتاب و السنّة، إلّا أنّ اللزوم الآتي من طروّها لا يخالف الطبيعة الأوّليّة للأشياء.

و اجيب عنه ثانياً: بأنّه لو سلّمت المعارضة بين عموم ما دلّ على الجواز في الوكالة، و عموم ما دلّ على اللزوم في «المؤمنون عند شروطهم» فيقدّم «المؤمنون»؛ لأنّه دليل حاكم.

و ثالثاً: بأنّ اللزوم في الوكالة بالشرط ليس بمعنى كون الوكالة لازمة كي يكون منافياً لجوازها، بل اللزوم بمعنى الثبات و الاستمرار وصف للاشتراط لا لذات المشروط، و مؤدّاه أنّه قد اشترط على المشروط عليه أن يوجد الوكالة بنحو مستمرّ، أي الايجاد لها مستمرّاً، فلو رجع و عزل الوكيل يُجبَر على الاستمرار في التوكيل، فالاشتراط المزبور إيجاد للوكالة في القطعات الزمانيّة الاولى و الثانية و اللاحقة ففي قطعات الزمان اشترطت إيجاد الوكالة، إمّا بنحو شرط النتيجة أو بشرط الفعل فاللزوم و الثبات و الاستمرار هو في الاشتراط لا في ذات المشروط، فلا يكون الشرط مخالفاً للكتاب و السنّة. و هذا جواب أدقّ ممّا تقدّم كما لا يخفى.

و قد اثير نظير هذا الإشكال في توكيل الزوجة في الطلاق بكونه مخالفاً لعموم:

«الطلاق بيد من أخذ بالساق». هذا و قد يصاغ الإشكال المزبور بنحو آخر، و هو أنّ لزوم الوكالة مبدّل لماهيّة الوكالة الإذنيّة إلى ماهيّة ولاية للوكيل في مورد الوكالة، و بالتالي فيكون اشتراط الوكالة بنحو شرط النتيجة نقل ولاية من الموكّل إلى الوكيل، فتسميته بالوكالة مسامحة؛ إذ الوكالة حقيقتها بالإذن، و الإذن قوامه ولاية الآذن دون المأذون، فإن دلّ الدليل على جواز نقل تلك الولاية و السلطنة على التصرّف في السلطنة فهو، و إلّا فلا يكفي في الصحّة عموم أدلّة الوكالة.

و أمّا الإشكال الثاني و الثالث:

فقد أجابوا عنهما في بحث الرهن، و أفاد صاحب الجواهر: أنّه بالنسبة إلى ورثة‌

493

الموكّل فيشترط الموكّل على نفسه التوكيل للمستأجر في الايجار، و أنّ هذه الوكالة باقية بعد موته. غاية الأمر هذا القيد- و هو بعد موته- يكون وصيّة، أي من الوصيّة العهديّة على الوارث أن يوكّلوا الوكيلَ السابق له في أن يؤجّر لنفسه في العين و هي نافذة.

و يرد على جوابه (رحمه الله):

أوّلًا: إنّ في نفوذ الوصيّة العهديّة خارج الثلث في ما كانت العين أكثر من الثلث وجهان.

ثانياً: إنّ الجواب المزبور مختصّ بتبدّل مالك العين لو كان وارثاً، أمّا لو كان مالكاً بالشراء و المعاوضة فلا يعمّه الجواب المزبور، إلّا أن يتمّم بصياغة الشرط بالنحو التالي، بأن يشترط على المالك الأوّل أن يوكّل و أن يشترط على المالك الجديد فيما إذا نقلها أن يوكّل المستأجر.

لكن هذا من باب شرط الفعل، فلو خالف المالك السابق و لم يشترط على الجديد فلا يُلزم المالك الجديد بالشرط و لا بحقّ الخلوّ. بينما حقّ الخلوّ الدارج حالياً لا يتخلّف وضعاً في مثل ذلك، فهذا التصوير لا يتمّ مع تبدّل مالك العين الموكّل، فهو تصوير لحقّ الخلوّ ما دام الموكّل و الوكيل باقيين.

فملخّص الإشكال عدم تطابق هذا التصوير مع حقّ الخلوّ بالدقّة، و كذا الحال في الوصيّة العهديّة فإنّها تكليفيّة قد لا يلتزم بها الورثة، و لو لم نَقُل بكونها محدودة في الثلث.

هذا كلّه من ناحية تبدّل الموكّل، أمّا من ناحية الوكيل فانتقال الوكالة لمن يتنازل له إمّا بنحو التعليق أو بنحو انطباق طبيعي عنوان «من يتنازل له» على المصاديق المتعاقبة أو طبيعي عنوان «الوارث»، و على كلّ تقدير، فلا يندفع الإشكال من هذه الناحية، أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني فلأنّ في باب الوكالة لا بدّ من تشخيص الوكيل- إذا بنى على أنّها عقد لا إذن محض- و أمّا الثالث، فمضافاً إلى ما تقدّم في الثاني، فالوارث‌

494

غير معيّن أيضاً؛ إذ قد يكون من الطبقة الاولى أو الثانية أو غيرهما.

و قد أجاب الشيخ الحلّي عن الإشكال الثالث في ناحية الوكيل بأنّ الوكالة صارت لازمة بسبب الشرط، و هذا الحقّ قابل للانتقال إلى الوارث أو إلى المشتري أو إلى المستأجر الجديد، و يشمله عموم «كلّ ما ترك المورِّث من مال أو حقّ فهو لوارثه»، فمقتضى القاعدة في باب الإرث جواز انتقاله إلى الوارث، أمّا بالنسبة إلى المستأجرين الآخرين فحيث أنّه قابل للانتقال فيصحّ نقله إليهم، و هذا الجواب محلّ تأمّل.

أوّلًا: لعدم التسالم على كون القاعدة الأوّلية في الحقوق قابليّتها للانتقال، فهناك من يرى أنّ الأصل عدم الانتقال و آخر فصّل بين الناقل القهري كالإرث فينتقل لعموم دليله و بين الناقل الاختياري، و ثالث ذهب إلى أنّ طبيعة الحقّ كونه قابل الانتقال، فما ذكره من الجواب مبنائي.

و ثانياً: لو سلّم أنّ الأصل في الحقوق هو الانتقال، إلّا أنّ ما نحن فيه هو من الموارد التي تستثنى من هذا الأصل؛ و ذلك لأنّ بعض الحقوق بلحاظ متعلّقها غير قابلة للنقل و الانتقال، بل البعض منها غير قابل للإسقاط أيضاً، نظير حقّ المضاجعة مع الزوجة، فإنّ متعلّق الحقّ فعل خاصّ بالزوج، و سبب ذلك الحقّ خاصّ أيضاً، و هو الزوجيّة، فلا يكون سببه هو السبب الناقل، و كذلك الحال في ما نحن فيه، فإنّ الوكالة معنى متقوّم بالوكيل و الموكّل، و لا يسري إلى غيرهما إلّا بإنشاء وكالة جديدة لا بانتقال تلك الإضافة الخاصّة إلى ثالث و رابع.

ثمّ إنّه (رحمه الله) قد اعتمد على هذه الإجابة في دفع الإشكال الثاني أيضاً، أي في ما إذا مات الموكّل أو انتقلت العين إلى آخر بتقريب أنّ العين على كلا التقديرين تنتقل محفوفة، أي مرتهنة بحقّ المستأجر أن يكون وكيلًا في تجديد الايجار كما هو الحال في العين المتعلّقة لحقّ الخمس أو الزكاة، فلا تكون رقبة العين و لا ملكيّتها طلقة.

و قد ظهر ممّا تقدّم التأمّل فيه؛ و ذلك لأنّ هذا الحقّ متقوّم بطرفين شخصيّين، كما قد عرفت، فمع تبدّل أحد الطرفين لا يبقى ذلك المعنى و الإضافة بينهما. فتبيّن أنّ‌

495

الوجه الثالث في مشروعيّة حقّ الخلوّ تامّ كبرويّاً لعموم «المؤمنون عند شروطهم» إلّا أنّه محلّ تأمّل صغرويّاً، أي بلحاظ تصوير صغرى الشرط.

و ربّما يرمّم بأنّ المستأجر وكيل في عقد الإيجار و وكيل في أن يوكّل، فله وكالة مطلقة فينحلّ شطر من الإشكال من ناحية الوكيل باعتبار أنّ المستأجر له أن يوكّل ورثته أو يوكّل من يجدّد لهم الإيجار بوكالة مطلقة، و يعبّر عن هذه الوكالة المطلقة بالتفويض. و هذا الترميم مع اقتصاره على حلّ الإشكال من ناحية الوكيل لا الموكّل، لا يخلو عن تأمّل أيضاً؛ لأنّ هذا التفويض المطلق هو نوع من التولية لا الوكالة المصطلحة، فلا تشملها أدلّة الوكالة.

هذا، و للمحقّق الهمداني تقريب آخر لدفع الإشكال عن هذا الوجه بأن: يشترط تولية المالك للمستأجر و حقّ السرقفليّة في الواقع عبارة عن اشتراط تولية المالكِ المستأجرَ، أي جعل الولاية له.

[الوجه الرابع] ملازمة التجديد في الحقوق للتجديد في ماهيّة المعاملات

الوجه الرابع:

تخريج هذه الحقوق الجديدة بنقل مالك العين بعض ملكيّة و شعبة من سلطنته المطلقة لآخر، فيكون للآخر حقّ في العين، حيث أنّ للمالك سلطنة على العين، فينقل شعبة من شعب سلطنة العين إلى المستأجر؛ إذ كما يمكن نقل الملكيّة برمّتها كما في البيع أو في الهدية، فله أن ينقل شعبة من شعب السلطنة على رقبة العين إلى المستأجر، فيجعل ولاية تأجير العين للمستأجر الذي يأخذ حقّ السرقفليّة، فهو يؤجّر إمّا لنفسه أو لغيره، و هذه الولاية هي الاخرى قابلة للانتقال.

و توضيح ذلك كالتالي: أنّ أحد الأقوال في باب الإجارة، و هو الذي اختاره الآخوند: أنّ الإجارة نقل العين، لكن على وجه خاصّ «تمليك العين على وجه خاصّ» فليس مؤدّى الإجارة السلطنة التامّة على العين، بل سلطنة ناقصة على العين‌

496

لأجل الانتفاع، ففي الواقع السلطنة على المنافع سلطنة على العين لأجل المنافع، فكما في الإجارة تنقل شعبة من شعب السلطنة- كما هو الصحيح ثمّة- فكذلك الحال هاهنا، و نظير ذلك أيضاً حبس المنفعة في السكنى و الرقبى و العمرى (ثلاث أقسام وقف المنفعة) هي في الواقع نقل و إعطاء شعبة من شعب السلطنة على العين إلى طرف آخر، و فيما نحن فيه أيضاً لا نقل ملكيّة العين برمّتها، و إنّما ينقل شعبة من شعبها، و هناك أنحاء عديدة لنقل السلطنة و شعبها، و حيث تكون السلطنة قابلة للنقل برمّتها أو لشعبة خاصّة من شعبها، كنقل السلطنة على العين لأجل منافعها في الإجارة، فلا المانع من القول بتقرّر سلطنة جديدة بلحاظ منافع مستجدّة، و تكون تلك السلطنة قابلة للنقل، و هذا النقل الجديد ماهيةً- بتبع تجدّد السلطة بسبب تجدّد المنفعة- و إن لم تصدق عليه الإجارة و لا سائر الماهيّات المعامليّة المعهودة، يصحّ بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و بعموم المعاوضات، ك‍ (تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ) (1).

و هذا التقريب يفتح باباً واسعاً في أنحاء نقل السلطنة على العين، و لا يرد عليه الإشكالات المتقدّمة و لا المتوهّمة الاخرى، نظير ما يقال: من أنّ أدلّة الشروط ليست أدلّة دالّة على جعل النتيجة، فلا يقتضي الشرط النتيجة، و هذا الإشكال إمّا بلحاظ كلّي شرط النتيجة، فالكلام فيه مبنائي، أو في خصوص هذه النتيجة لمنع صلاحيّة المالك لجعل السلطنة المستجدّة لنفسه؛ إذ جعل السلطنة من صلاحية المعتبر و الشارع لا المالك. نعم، له نقل السلطنة لا جعلها.

و هو مندفع أيضاً؛ لأنّ المالك لا يجعل الملكيّة لنفسه و لا لحدود سعتها، بل هو ينقل شعبة منها من دون أن يكون جاعلًا لها ابتداءً، بل انوجادها هو بتبع تجدّد المنافع الخاصّة بحسب الأزمان و الظروف المختلفة، نظير تجدّد نماءات العين، فإنّه بسبب تجدّد وجودها تتجدّد أنحاء من السلطنة، و بالتالي تتّسع دائرة‌

____________

(1) سورة النساء 4: 29.

497

الملكيّة باتّساع المملوك.

و بعبارة اخرى: كما في الإجارة «له أن يؤجّر» بلحاظ السلطنة الموجودة المتقرّرة هو ناقل لها لا جاعل، فكذلك في المقام و التعبير ب‍ «جعل الولاية» في كلام المحقّق الهمداني (رحمه الله) مسامحة، و الصحيح التعبير ب‍ «اشتراط نقل الولاية».

كما لا يرد على التقريب المزبور ما يقال من أنّ شرط النتيجة له أسباب خاصّة ليس النقل في المقام منها؛ و ذلك لأنّ نقل الملكيّة و شعبها لا يقتصر فيه على أسباب خاصّة، بل يمكن بنفس الاشتراط بعد ما عرفت من صحّة الماهيّات الجديدة في نقل المستجد من شعب السلطنة.

كما لا يرد الإشكال بأنّ المعهود هو نقل السلطنة برمّتها أو نقل المنافع لا نقل السلطنة المستجدّة لعدم تقريرها من قِبل الشارع و لا دليل على إمضائها.

و بعبارة اخرى: النقل نحو جعل للولاية، و غاية الأمر ثبت جعل الولاية من المالك لآخر إذا كانت مطلقة أو لخصوص ملكيّة المنافع، و أمّا جعل شعبة جديدة من السلطنة فلا دليل عليه، فالنقل بإنشاء الملكيّة للغير لا يثبت إلّا في الموارد المعهودة من قِبل الشارع.

و هذا الإشكال مندفع أيضاً؛ لأنّ مجموع السلطنة قابلة للنقل، و كذا أيّ شعبة منها نظير المنافع المختلفة، لا سيّما و أنّ المنافع في الإجارات مختلفة جدّاً، فتارة المنفعة هي السكونة، و اخرى كونها تحت يده، كما في إجارة الذهب و الفضّة لا للاستعمال و الزينة، بل لأن تكون عنده لازدياد الاعتبار المالي، فالنقل في المقام يمكن رجوعه إلى نوع إجارة ليست لها مدّة محدودة، و إن كان الصحيح عدم رجوعها إلى الإجارة لتقوّمها بالمدّة، و لكنّها نظير الإجارة من جهة أنّ النقل فيها لشعبة من السلطنة التامّة على منفعة خاصّة، و المنافع بحسب الأغراض و الحاجات مختلفة تتجدّد و تتعدّد بحسب تطوّر المعيشة البشريّة، فتعدّ السلطنة على المنفعة الجديدة سلطنة جديدة، و في الحقيقة التجدّد هو للمنفعة لا للسلطنة، و غاية الأمر حينئذٍ أنّ هذه المنفعة إن‌

498

نقلت إلى مدّة معلومة فيكون إجارة، و إن لم تلحظ فيه المدّة المعلومة فليس بإجارة، بل يكون نظير الرقبى أو البيع لحصّة مشاعة في العين، و الإشاعة ليست في الأجزاء بما هي هي، بل بلحاظ المنافع المعيّنة، فالإشكال بكون النقل ماهيّة جديدة غير وارد لكونه نقلًا للسلطنة على المنافع المتجدّدة، و لا فرق بين المنافع في نقل السلطنة عليها، فمتعلّق السلطنة جديد لا نفس السلطنة.

و نقل شعبة من شعب السلطنة و إن لم يكن شركة في أصل رقبة العين بحيث يكونا شريكين على استواء في كلّ المنافع، لكنّها شركة بينهما في المنافع في الجملة، فالأوّل يختصّ ببعض المنافع و الآخر بمنافع اخرى.

و إذا أمعنا النظر و التحليل في الحقوق الجديدة، فإنّ جلّها- إن لم تكن كلّها- متولّدة من الملكيّة بلحاظ أطوار المنافع المتجدّدة، و الملكية هي جامعة لحُزم سلطنات عديدة على العين، فهي مجموعة شعب السلطنة على العين تجمعها رباط الملكيّة، لا سيّما على تعريف السيّد اليزدي (رحمه الله) في الحقّ من أنّه ملكيّة ضعيفة، و هو أمتن التعاريف.

و هذا الوجه أسدّ من تصوير المحقّق الهمداني (رحمه الله) فلا حاجة إلى التشبّث بذل كبرى «المؤمنون عند شروطهم» و هذا الوجه الرابع ليس تصويراً صغروياً للكبرى المزبورة، بل هو في نفسه كبرى مستقلّة، و هي أنّ الحقوق كلّها في الواقع عبارة عن نقل سلطنة من سلطنات العين، فكلّ ما لم يرد نهي عام عن نقل مثل ذلك الحقّ كردع من الشارع يكون نقل ذلك الحقّ المستجدّ بمقتضى القاعدة- بعد كون نقل الملكيّة برمّتها هو الأصل في باب الأملاك- فضلًا عن تقرير أصل ذلك الحقّ، فإنّه يتمّ بتقرير أصل الملكيّة على العين بلحاظ منافعها المختلفة.

مثلًا: الأجير يوجر نفسه لأنّه متسلّط على منافع نفسه، فينقل السلطنة الاعتباريّة مع وجود السلطنة التكوينيّة. نعم، الأجير الحرّ لا يستطيع أن يُرِقّ نفسه لكن يمكنه نقل بعض حقوقه مثل منافعه، و على ذلك لو اتّسع حقّ السرقفليّة إلى حقّ سرقفليّة‌

499

الأشخاص فلا مانع منه، و الظاهر وجوده في الأعراف و الامم حالياً، و القوانين الوضعيّة كما في النوابغ ذوي التخصّص في العلوم، و كما في بعض مهرة المِهَن الفنيّة كشراء امتياز اللاعب الرياضي المعيّن، كما هو الحال في مِنَح التعليم، حيث تشترط الدول على رعاياها من طلبة العلوم الجامعيّة الخدمة في مجال معيّن لمدّة معيّنة بعد فراغ الطالب الجامعي من تخصّصه، و إلّا فعليه شراء حقّ سرقفليّته، و إن كان يطلق عليه تسمية اخرى، ففي الحقيقة نقل الحقوق تفكيك لحزمة سلطنة الملكيّة.

بقي إشكال على الوجه الرابع، بناءً على أنّ السلطنة على العين يقتطع منها بعض الأبعاض فينقله إلى الآخر، و مجموع السلطنة أو الملكيّة التي لدى الشخص على العين هي التي تقتطع منها الحقوق شيئاً فشيئاً، فينقله إلى الآخرين و يكون الحقّ المتولّد للآخر منقول من مالك العين، و هذا موجب ظهور الحقوق الجديدة، إلّا أنّ لازم هذا التصوير هو سلطنة النّاس على أحكام أموالهم، أي على أحكام تصرّفاتهم في أموالهم، و لا تقتصر سلطنتهم على الأموال، أي على التصرّف في الأموال، و هذه التوسعة في السلطنة لا دليل عليها، و هذا هو الذي ذكره الأعلام في بحث «النّاس مسلّطون على أموالهم» كالسيّد اليزدي و المحقّق الاصفهاني و الآخوند رحمهم الله عند التعرّض إلى عموم «النّاس مسلّطون على أموالهم» و سائر المحقّقين من المحشّين على مكاسب الشيخ الأنصاري (رحمه الله).

و لبيان الإشكال ذكروا مقدّمة و هي أنّ في الأعيان المملوكة عدّة جهات منها العين المملوكة، و منها المنفعة المملوكة، و منها الملكية، و منها السلطنة على الملكية، فمثلًا: ما في الرواية النبويّة: «النّاس مسلّطون» هو اعتبار للسلطنة «على أموالهم» لا على مطلق الأموال، أي الأموال المضافة إليهم، و هذه الإضافة إضافة الملكيّة أو الحقّية.

فالنّاس لهم اعتبار السلطنة على أموالهم أي على ملكيّتهم، و من ثمّ فتكون السلطنة أمراً وراء الملكيّة، فلربّما تكون الملكيّة موجودة و السلطنة معدومة، كالمحجور‌

500

لسفه أو فلس؛ لأنّه لا يستطيع التصرّف في أمواله، فتكون السلطنة هي ولاية التصرّف نظير ما بين الأب و المولّى عليه الصغير، فالأب له سلطنة التصرّف في ملكيّة الصبي، فولاية التصرّف هي السلطنة و الحجر يقابل ولاية التصرّف من دون منافاة مع الملكيّة، و من ثمّ اشترطوا في صحّة المعاملات كالبيع و غيره أن لا يكون المتعاقد محجوراً عليه، أي له ولاية التصرّف، فهي معنى وضعي وراء الملكيّة و فوقها بمعنى أنّ الملكيّة متعلّقة للسلطنة، و هذا هو الذي ذهب إليه المشهور و أعلام المحشّين على المكاسب، إلّا أنّ المحقّق الاصفهاني خالف في ذلك و منع عن وجود مثل هذا الاعتبار و الحكم الوضعي، و ذهب إلى أنّه منتزع من الجواز التكليفي للتصرّفات، و من نفوذ تلك التصرّفات أو عدمه، فينتزع من نفوذ التصرّفات الولاية و ينتزع من عدمه الحجر، فلا يكون الحجر و الولاية أمراً سابقاً على التصرّفات و نفوذها.

و استدلّ على ذلك بأنّ اعتبار السلطنة و الولاية مع اعتبار النفوذ، و كذا اعتبار الحجر السابق على التصرّفات مع عدم نفوذها لغو.

فمحصّل ما ذهب إليه أنّ السلطنة على الأموال ليست بمعنى الملكيّة، بل بمعنى نفوذ التصرّفات، و مفاد الحديث: «النّاس مسلّطون»، أي الناس نافذة تصرّفاتهم الاعتباريّة على أموالهم أو جائزة تكليفاً.

فتحصّل ممّا ذكروا أنّ الملكيّة هي التسلّط على العين، أمّا القدرة على هذه السلطنة بأن ينقلها أو يبقيها فسلطنة على السلطنة، كما تقرّر ذلك في كلماتهم، فالسلطة على العين سلطنة متعلّقة مباشرة بالعين، فيستطيع أن ينتفع منها، و يقلّبها تقلّبات تكوينيّة، و أمّا القدرة على نقل هذه القدرة و السلطنة إلى الغير فهي سلطنة وراء السلطنة التي على العين. و لا ريب أنّ التصرّف في الملكيّة تصرّف في العين، إلّا أنّه ليس تصرّفاً مجرّداً في العين مباشرة.

و يتلخّص في مفاد الحديث و قاعدة «النّاس مسلّطون» أنّهم متمكّنون من كلّ من التقلّبات التكوينيّة و التصرّفات الاعتباريّة في ملكيّتهم من البيع و الشراء و الهبة و غير‌

501

ذلك، و السلطة على الملكيّة تغاير السلطة على العين في الفعل الذي هو متعلّق لهما، فالفعل في الاولى كالتمليك فعل متعلّق بالملكيّة، و نقل العين ليس نقلًا خارجياً لها، بل لملكيّتها و تعريف البيع ب‍ «تبديل عين بمال» هو في دقيق النظر ليس تبديل عين بل تبديل إضافة العين أوّلًا، و بالذات و بالتبع تبديل للعين، و كالحجر فإنّه ليس منعاً عن كلّ التقلّبات حتّى الخارجيّة لافتراض ملكيّة المحجور، بل عن خصوص التصرّفات في الملكيّة، و هذا شاهد لكون الحجر أمراً وراء الملكيّة و لتغاير متعلّقهما.

و لا يتوهّم انعدام الثمرة لهذه الملكيّة التي قد منع الشارع عن التصرّفات في متعلّقها و هي العين، للاكتفاء في تصوير الثمرة بدخول مالية العين و نماءاتها في حوزة المحجور دون غيره، و نلاحظ هذه التفرقة بين السلطنتين في القوانين الوضعيّة المتداولة أيضاً.

و على كلّ تقدير، فهناك قولان في السلطنة على الملكيّة:

الأوّل- و هو مذهب المشهور- اعتبار هذه السلطنة، و الآخر- و هو قول المحقّق الاصفهاني (رحمه الله)- أنّه اعتبار غير أصيل منتزع من اعتبار آخر، و هو صحّة التصرّفات الاعتباريّة و نفوذها، فبتبع التصرّف في العين بنقلها اعتباراً تنعدم الملكيّة و بإبقائها تبقى الملكيّة.

و هذا كلّه مقدّمة لصياغة الإشكال على الوجه الرابع في تخريج حقّ السرقفليّة و نحوه من الحقوق.

أمّا بيان الإشكال على كلا القولين السابقين أنّه إن كان الحقّ الجديد المتولّد من منفعة جديدة عبارة عن نقل المنفعة و نقل ملكيّتها فلا بأس في ذلك، مثل حقّ الامتياز و الطبع.

و أمّا إذا كان الحقّ الجديد ليس عبارة عن الملكيّة و السلطنة على المنفعة الجديدة في العين، بل هو عبارة عن شعب السلطنة على الملكيّة في العين، مثل أن يشترط المستأجر على الموجر أن يؤجّر العين، أي القدرة على الإيجار أو عدمه، فالمشروط‌

502

ليس منفعة جديدة، بل سلطة على التصرّفات الاعتباريّة في العين، أي سلطة على ملكيّة المنافع، فعلى القول الأوّل يكون هذا الاشتراط سلطنة للغير على ملكيّة المالك للمنافع، فيكون مخالفاً لعموم «النّاس مسلّطون على أموالهم»؛ إذ السلطنة على ملكه قد جعلها الشارع له و لم يجعل له إيجاد السلطنة للغير على ملكه. هذا إذا قلنا بأنّ السلطنة في طول الملكيّة و هو القول الأوّل، و أمّا إذا قلنا بالثاني الذي ذهب إليه المحقّق الاصفهاني (رحمه الله) فالإشكال أوضح؛ لأنّ إنفاذ التصرّفات و عدمه بيد الشارع لا بيد المالك، فليس له أن يجعل نفوذ التصرّفات للغير.

و على ذلك فلا بدّ من القول بالتفصيل بين الحقوق المتعلّقة بالمنافع، أي ملكيّة المنفعة- و هذا هو القسم الأوّل من الحقوق- و بين الحقوق التي هي من السلطنة على التصرّف في ملكيّة العين و ملكيّة المنافع- و هو القسم الثاني من الحقوق- فالقسم الأوّل من نمط الملكيّة المتعلّقة بالعين أو المنافع، و القسم الثاني من قبيل السلطنة الطوليّة المتعلّقة بالعين، أو المنافع، و القسم الثاني من قبيل السلطنة الطوليّة المتعلّقة بالعين، أي التصرّف في الملكيّة بالنقل و الإعدام.

فعلى كلا القولين المتقدّمين في قاعدة «النّاس مسلّطون على أموالهم» لا محيص من هذا التفصيل؛ و ذلك لأنّ للمالك حقّ التصرّف في الملكيّة و في العين بنقلها و نحوه، و ليس له مع إبقاء العين و ملكيّته لها أن يوجد سلطنة اخرى للغير في عرض سلطنته على الملكيّة، بل ذلك بيد الشارع و المعتبر و المقنّن، و لأجل ذلك فليس لأحد أن يجعل الغير وليّاً على نفسه؛ لأنّ ذلك تشريع ثابت للشارع، فالسلطنة على ولاية نفسه ليست بيده، بل بيد الشارع، فهو الذي يجعل الوليّ على الصبي- مثلًا- كما أنّ الشارع ألغى ولاية الصبي على ملكه نظير المحجور، فما تقدّم من المحقّق الهمداني (رحمه الله)- تبعاً لصاحب الجواهر (رحمه الله) في بحث التوكيل في بيع العين المرهونة- هو من جعل الولاية للمرتهن في بيع العين، أي الولاية في ملكيّة العين، و الجعل المزبور من مالك العين الراهن عبارة عن السلطنة على السلطنة على ملكيّة العين، و تلك‌

503

السلطنة في الرتبة الثالثة مختصّة بالشارع و المقنّن.

فالنّاس مسلّطون على أموالهم يتناول السلطة على العين و السلطة على ملكيّة العين، و ليس مفاده على السلطة على الملكيّة، و هو ما يعبّر عنه في الكلمات بأنّ النّاس مسلّطون على أموالهم لا على أحكام التصرّفات في أموالهم، فلا بدّ من التمييز بين النمطين من الحقوق، أي التمييز بين النمطين من التصرّفات.

و يتّضح ذلك بأمثلة النمط الأوّل، مثل أن يوجر المالك العين المملوكة، فإنّ ذلك سلطنة على ملكيّة المنفعة بنقلها إلى الغير، و يسمّى تمليك المنفعة- سواء بنينا على أنّه تصرّف في العين أو المنفعة ابتداءً، و بتبعه يكون تصرّفاً في ملكيّة العين و ملكيّة المنفعة أم بنينا على العكس من أنّه تصرّف في ملكيّة العين و المنفعة، و بتبعه التصرّف في ذات المنفعة-.

و مثل أن يعير المالك الغير، فإنّ العارية تسليط على المنافع لا على ملكيّة العين و المنافع، و نظير الهدية فإنّها تسليط على ملكيّة العين بنقلها إلى الطرف الآخر فيتصرّف في الملكيّة بنقلها و إعدامها.

و الحقوق المستجدّة المتولّدة من هذا النمط من التصرّفات لا غبار على صحّتها و تقريرها.

أمّا النمط الثاني من التصرّفات فهو نظير أن يجعل للغير السلطنة و الولاية على ملكيّة المنفعة أو العين بأن للغير أن يوجرها أو يبيعها، فهذا الجعل عبارة عن نقل سلطنته على الملكيّة إلى الغير مع بقاء ملكيّة مالك العين، و هو ما يعبّر عنه بتسلّط الغير على الاستيجار، فهذا الجعل من السلطنة على السلطنة على الملك و حقّ السرقفليّة و نحوه من بعض الحقوق المستجدّة من هذا القبيل لا من القبيل السابق.

و نظير ذلك أيضاً اشتراط وكالة الزوجة في الطلاق، بل اشتراط مطلق الوكالة- سواء بنحو شرط النتيجة أم بنحو شرط الفعل- بحيث لا يستطيع الموكّل أن يرجع في الوكالة، فاستشكل فيها لا من حيث أنّ طبع الوكالة جواز الرجوع بعد كون اللزوم آتٍ‌

504

من الشرط، بل من جهة أنّ اللزوم مقتضاه جعل الولاية لاستلزامه جواز تصرّف الوكيل من دون إرادة الموكّل.

و هذا بخلاف حقيقة الوكالة، فإنّها استنابة في التصرّف، فالغرض المتوخّى من اشتراط الوكالة هو إنفاذ تصرّفات الوكيل و لو لم يُرِدْها الموكّل، و هي من خواصّ الولاية دون الوكالة، فضلًا عن الخاصيّة السابقة، و هي جواز رجوع الموكّل عن وكالته، و لا يخفى التغاير بين الخاصيّتين؛ إذ خاصيّة تحكّم الموكّل في تصرّفات الوكيل لا يستلزم إبطال الوكالة، و إنّما تحديد موردها، فشرط الوكالة في كثير من الأبواب المعامليّة مثل وكالة المرتهن في بيع العين المرهونة عن الراهن، و وكالة الزوجة في الطلاق، الغرض منه هو إنفاذ تصرّفات الوكيل رغماً على كراهة الموكّل، و هو من لوازم الولاية دون الوكالة، و من ثمّ استشكل في شرط الوكالة في الموردين السابقين؛ لأنّ الوكيل فعله منزّل منزلة فعل الموكّل، و الاستنابة هي تطابق إرادتهما، و لم يتعرّض المحقّق الهمداني (رحمه الله) في تصويره شرط الوكالة في المثال الثاني إلى هذا الإشكال، و هو أشكل من الاعتراض بتبدّل الوكالة الجائزة إلى اللازمة بالشرط، فجعل الوكالة للوكيل بنحوٍ يتصرّف دون إرادة الموكّل هو في الحقيقة جعل ولاية.

و قد صرّح البعض بمثل هذا الإشكال في اشتراط وكالة الزوجة عن الزوج في الطلاق، و هو سيّال في سائر الأبواب، فيقرّب حينئذٍ الإشكال الأصلي الذي تقدّم في مفاد «النّاس مسلّطون على أموالهم» من أنّ الزوج له ولاية في الطلاق و ليس له السلطنة على ولاية الطلاق كي يُنقِل شعبةً منها للزوجة، أي أنّ له ولاية الطلاق لا الولاية في جعل ولاية الطلاق. و كذا في مثال الرهن، فإنّ مالك العين- و هو الراهن- له سلطنة على ملكيّة العين و ليس له سلطنة على السلطنة المزبورة؛ لأنّ النّاس مسلّطون على أموالهم لا على سلطانهم على أموالهم، فلا يستطيع جعل الولاية لغيره.

فملخّص هذا البحث: هو أنّ الحقوق المستحدثة على قسمين، فإن كانت مرتبطة بمنافع العين فلا بأس بها؛ لأنّ مرجع هذه الحقوق إلى الملكيّة و شعب من نفس الملكية‌

505

للمنافع، و النّاس مسلّطون على ملكيّتهم في العين، فيستطيع المالك أن يشرّح الملكيّة، مثلًا: حقّ الطبع أو الامتياز في الواقع منفعة على هذا الكتاب، و مالك المنفعة يستطيع أن ينقلها إلى غيره من دون مانع، فالحقوق إن كانت متعلّقة بمنافع العين المملوكة للمالك فهو مسلّط على ملكيّتها، و يستطيع أن يقسّمها أو ينقلها.

و أمّا القسم الآخر من الحقوق التي ترجع في الواقع إلى تجزئة سلطنته على ملكيّة العين فهذه لا دليل على أنّ المالك مسلّط على ذلك. نعم، هو مسلّط على ملكيّة عينه لا على سلطان ملكيّته للعين، و كذا حقّ أن يوجر العين، فإنّ الايجار يعني فصل و تجزئة ملكيّته على المنافع و سلطانه على تجزئة ملكيّته للمنافع هو أن يملّك منفعة العين، و لكن هذا السلطان ليس له سلطان على كي ينقله إلى غيره، و الذي هو مفاد و حقيقة حقّ السرقفليّة. فحقّ الخلوّ ليس متعلّقاً بالعين مباشرة، بل سلطان على ملكيّة المنافع، لكنّ هذه التجزئة لا دليل عليها، و مفاد «النّاس مسلّطون على أموالهم» أنّهم مسلّطون على ملكيّة أموالهم لا على سلطان ملكيّتهم على أموالهم.

و هذا الإشكال لا يندفع بما ذكرناه سابقاً في تصوير مشروعيّة الحقوق المستجدة المنبثق من ملكيّة المالك للعين بأنّ له أن يجزّئ ملكيّة عينه و ينقلها إلى غيره، فيكون للغير حقّ في تلك العين بنحو من الأنحاء؛ لأنّ مؤدّى الحقوق من النمط الثاني- كما عرفت- هو تجزئة في السلطنة على ملكيّة العين.

و للجواب عن الإشكال المزبور نبدأ بذكر بعض الأمثلة المسلّمة الصحيحة التي ثبوتها لا غبار عليه، مع أنّ ظاهرها تجزئة للسلطنة على الملكيّة لا التجزئة في ملكيّة العين.

المثال الأوّل: نفس إنشاء الرهن، فإنّ معنى الرهن هو أنّ المالك للعين لا يستطيع أن يبيع العين عند ما يرهن عينه لدى الدائن و المرتهن فمعناه حجر تصرّفاته، مع أنّ ملكيّة العين لا زالت باقية من دون أن ينتقل شيئاً و شعبة من ملكيّة العين إلى المرتهن، فملكيّة العين بتمامها على ملكيّة الراهن، إلّا أنّه بإنشاء الرهن يضيق سلطانه على‌

506

ملكيّته على العين.

ففي الإجارة نقل ملكيّة المنفعة و عدم بقائها، و في الرهن الملكيّة باقية، و من ثمّ فالإجارة تجزئة في ملكيّة العين لا في السلطنة على ملكيّة العين أوّلًا، و بالذات، بل بالتبع؛ إذ المستأجر الذي ملك شيئاً من المنافع بالتالي يملك سلطانه، و إذا انتقلت ملكيّة المنفعة لشخص آخر فالسلطنة على ملكيّة تلك الحصّة من المنفعة لم تبق للمالك.

لكن في الرهن و العين المرهونة لا ينقل شي‌ء من ملكيّة العين أو منافعها، لكن يجزّئ سلطان المالك، و يجعل رهن إشارة المرتهن، فهذا نوع من إعطاء السلطنة للمرتهن.

المثال الثاني: حقّ الزكاة و الخمس، فإنّ جماعة كثيرة ذهبوا إلى أنّ كيفيّة تعلّق الزكاة و الخمس بالأموال ليست بنحو الملك، بل بنمط الحقّ في ماليّة العين، فأصحاب الزكاة و الخمس ليسوا شركاء في الملك، بل يستحقّون حقّاً في ماليّة تلك العين التي هي متعلّقة للزكاة أو الخمس، فعلى هذا القول- على اختلافٍ في تصوير الحقّ- ملكيّة العين و المنافع باقية على ملك المالك، إلّا أنّ سلطانه ضُيّق، فلا يستطيع أن يبيع مقدار الخمس من العين، و لا يستطيع أن يتصرّف في كلّ المال مع بقاء العين على ملكيّته، فهاهنا لم يُنقل من ملكيّة المالك أي شعبة منها، و لم تقع تجزئة في ملكيّة العين، بل التجزئة في سلطان و سلطنة المالك، فهذا مثال للتجزئة في السلطان على الملك لا في نفس الملك العين. و هو تضييق اعتبره الشارع خارجاً عن ذات الملكيّة لنفع الغير و إن لم يكن من قبيل الولاية.

المثال الثالث: ما يظهر منهم من التسالم على صحّة شرط الوكالة اللازمة، و قد عرفت أنّه يرجع إلى جعل الولاية، لا سيّما في الوكالة المطلقة المفوّضة التي هي نوع من التولية. فالملكيّة باقية لكن هناك تجزئة في السلطنة على الملك و ليست تجزئة في نفس الملك.