فقه المصارف والنقود

- الشيخ محمد السند المزيد...
622 /
57

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

58

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

59

الجواب عن الإشكالات

60

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

61

قبل الإجابة عن تلك الإشكالات نذكر نقاطاً ستّة كمقدّمة تعيننا على الإجابة عن بعض الإشكالات:

النقطة الاولى

إنّ المستفاد من الروايات أنّ الربا ليست مراتبه على وتيرة واحدة، فلدينا نوعان من الربا: ربا خفيّ و ربا جليّ. أمّا الربا الجليّ و الصريح، فورد في صحيحة عليّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)، قال: «و سألته عن رجل أعطى رجلًا مائة درهم يعمل بها على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقلّ أو أكثر، هل يحلّ ذلك؟ قال: لا، هذا الربا محضاً» (1).

«رجل أعطى رجلًا» هو قرض.

«على أن يعطيه» هي الزيادة الربويّة، فهذا هو الربا الجليّ.

و أمّا الربا الخفيّ، فقد ورد في موثّقة إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «الربا رباءان: ربا يؤكل و ربا لا يؤكل، فأمّا الذي يؤكل فهديّتك إلى الرجل تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل، و هو قول اللّٰه عزّ و جلّ: (وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ) (2) و أمّا الذي لا يؤكل فهو الذي نهى‌

____________

(1) ب 7/ أبواب الربا/ 7.

(2) سورة الروم 30: 39.

62

اللّٰه عزّ و جلّ عنه، و أوعد عليه النّار» (1).

النقطة الثانية

إنّ الربا على نحوين:

أحدهما: أن ينشأ المتعاقدان الربا بأن ينصّ العقد بينهما على الزيادة التصاعديّة في مقابل الأجل.

و الآخر: أن يكون الربا غير منشأ صراحة، بل هو أثر لمعاملة اخرى، فتلك المعاملة لا تدخل في قناة الربا، لكن نتيجتها تكون هي نفس نتيجة المعاملة الربويّة، فواقع ماهيّة الربا قد تكون موجودة.

النقطة الثالثة

يعتبر بعض الاقتصاديّين أنّ الظلم كما هو متصوّر في جانب المقترض، كذلك عدم أخذ الربا يكون ظلماً في جانب المقرض.

بيان ذلك: أنّهم بيّنوا أنّه في حالة أخذ الربا سوف يكون ظلماً على المقترض؛ و ذلك لأنّ المقرض يملّك العين الشخصيّة للمقترض و يمتلك ما في ذمّته، فيكون نماء تلك العين الشخصيّة لمالكها- و هو المقترض- فاستيفاء المقرض لنمائها عن طريق الربا يكون ظلماً على المقترض في صورة الربا، و أنّ القرض بدون الربا اصطناع بالمعروف و أخذ الربا يكون ظلماً.

أمّا من الجهة الاخرى: و هي حالة عدم أخذ الربا، فإنّ المقرض يمتلك قدرة ماليّة يخرجها من ملكه و يقوم بتجميدها، و سوف يفقد بذلك فرص الاستثمار، و إذا أضفنا إلى ذلك أنّ القوّة الشرائيّة للنقد في حالة تغيّر و العادة أنّها في معرض النقصان،

____________

(1) ب 3/ أبواب الربا/ 1.

رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني.

63

فإنّ المقرض يقوم بمجازفة اقتصاديّة في صورة القرض، فيقع في الواقع ظلم عليه.

فهذا اصطناع بالمعروف و فيه ظلم على المقرض، و أنّ فرص الاستثمار التي كانت للمقرض بلحاظ ماله تنعدم بينما يعطيها للمقترض، فلو كنّا نحن و الواقع التجريدي الاقتصادي بلحاظ الأغراض الماليّة ليس يحكم على الربا بنحو مطلق أنّه ظلم.

نعم، الربا الفاحش الذي يستأصل المقترض هو ظلم محض، و أمّا الفائدة القائمة على أساس مدروس طبقاً لفرص النجاح و الاستثمار و مقارنة رأس المال مع الأرباح بنحو لا تستأصل أموال المقترض، فهذا أمر معقول، و التعدّي عنه ظلم. و بذلك يجمع بين أنّ الإقراض اصطناع بالمعروف، و بين أنّ أخذ النماء لملك الغير ظلم.

فالمراد من الإقراض المعروف هو الإقراض مع فائدة متناسبة، و المراد من الربا الظالم، هو الربا التصاعدي الفاحش الذي يستأصل أموال المقترض فضلًا عن نمائها.

و فيه: أنّ في تلك الحال أيضاً المقترض في معرض الخطر و الظلم، و أنّ المقرض دائماً في أمان، فإنّ أصل ماله مؤمّن، و كذلك أصل الفائدة مؤمّنة. بينما ذاك المقترض يقدم على عمل استثماري- توليدي أو استهلاكي أو توزيعي- قد تنتفي الفائدة من رأس، بل قد ينتفي رأس ماله، فإذن المقترض دائماً في معرض الخطر و المخاطرة، بينما المقرض دائماً في أمان، و هذا نوع من الظلم على المقترض بلا ريب.

و يلاحظ عليه‌

أوّلًا: إنّ المقترض الكبير- كالشركة العالميّة أو الدول إذا استقرضت- ما يقدم على مشروع إلّا و تكون فرص نجاحه في يده، فهو ضامن للنجاح و ليس المال في معرض الزوال و الفشل.

ثانياً: إنّ المقرض أيضاً في معرض الخطر، فإنّ المقترض قد لا يسدّد و لا يسترجع رأس المال، و هذا ظلم على المقرض.

و ستأتي لذلك تتمّة إن شاء اللّٰه تعالى.

64

النقطة الرابعة

مفارقة مسار الحيل مع الربا، و يتّضح ذلك بالتساؤل: لما ذا رفضت البنوك الربويّة تلك الطرق و الحيل مع أنّها توصل إلى نفس النتائج الربويّة؟

و الجواب: هو أنّ تلك الحيل و القنوات التعامليّة لا توصل إلى نفس النتائج التي يبتغون، فإنّ كلّ معاملة لها آثار و قوانين خاصّة تختلف عن المعاملة الاخرى، مثلًا:

أنّ البيع له قوانين و آثار خاصّة تختلف عن الإجارة و الهبة في آثارها.

و في النتائج لا يقصر نظر الباحث في المذهب الاقتصادي على فرد المعاملة و فرد المتعاقدين، بل ينظر إلى نوع المعاملات مع نوع المتعاملين، و هذا- بلا ريب- لا يقدر أن يؤدّي إلى نفس النتيجة الربوية؛ لأنّ المعاملات من حيث الطبيعة و القوانين و الآثار مختلفة و تتداخل، و هذا حاجز قويّ عن الوصول إلى نفس النتائج المتوخّاة في الربا، بخلاف الربا الصريح.

فهذه القنوات التخلّصيّة ترتطم بسيل من القوانين و العقبات، و يحتاج إلى دراسات اقتصاديّة و ماليّة حتّى نعرف أنّ كلّ عقبة من المعاملات التخلّصية قد يخلق لها واقع سوقي مضادّ. فكلّ معاملة لها دراسة خاصّة، مضافاً إلى أنّ حيويّة و حركة كلّ ماهيّة معامليّة في الوسط المالي و الرغبات تختلف عن حيويّة و حركة الاخرى، و ليست طبيعةً هما متّفقة، و من ثمّ ترى أنّ تلك البنوك أو الشركات التي تميل شيئاً ما إلى أسلمة و أرشدة أنشطتها تحجم عن الإقدام على الحيل التخلّصيّة لافتراق المسار المالي المشار إليه آنفاً، و قد أشار إلى ذلك بعض خبراء المال و المصرف.

النقطة الخامسة

قيل: إنّ الحيل التخلّصيّة لا تتفادى الواقع الاقتصادي الربوي، بل تؤدّي إلى نفس النتائج، و تبقي نفس واقع الاقتصادي الربوي و سلبيّاته الرأسماليّة، و من الواضح أنّ‌

65

القانون الاقتصادي الإسلامي الحيوي ينافيه تشريعاً و غاية.

و الجواب عنه: أنّ الاقتصاد الرأسمالي و آفاته و سلبيّاته ليس سببها الربا وحده، بل أنّه واحد من عوامل خمسة أو ستّة أو عشرة يذكرونها.

ثمّ إنّ نظرة فاحصة و مقارنة بين البنوك الإسلاميّة الموجودة و بين بقيّة البنوك، نلاحظ أنّها لا تخلق نفس الواقع الاقتصادي الربوي، مع أنّهم يقومون في أنشطتهم باستعمال الحيل التخلّصيّة و يستخدمونها، و قد فرض عليهم ذلك استخدام خبرات خاصّة في مجالات الزراعة و الصناعة و التسويق. فاستخدامهم لتلك الحيل لم يحجّم تلك البنوك، بل وسّع في دائرة نشاطاتها، فهم في نفس الوقت الذي ينظرون فيه إلى الربح- و هو هدف رئيسي- يحقّقون أهدافاً أساسيّة اخرى، كسدّ حاجة المستهلك من القروض، و إحياء دور التوزيع و التسويق، و بذل الرساميل في الموارد التنموية.

و العامل الرئيسي في كلّ ذلك أنّهم عند ما يتخلّصون من الربا بحيلة ما، أي بالاستفادة من معاملة و عقد شرعي آخر، فإنّه لا يتمّ تغيير الصورة فحسب، بل نزجّ البنك في قنوات اخرى، كالبيع و الإجارة، أي في واقع و تقلّبات ماليّة مغايرة، و هذا يحتاج إلى خبرات خاصّة فيؤدّي إلى إحيائها و تطويرها، و هذا ممّا يعترفون به في منشوراتهم و إصداراتهم الدوريّة.

النقطة السادسة

إنّ كثيراً من الباحثين تخيّلوا أنّ معنى الربا هو صرف الزيادة، و لا يخفى ما في هذا المعنى من إشكال؛ و ذلك لأنّ في كثير من البيوع ربحاً و زيادة فاحشة مع عدم حرمته، و أيضاً «التجارة» بمعنى «المرابحة»، و لذا قالوا في الفرق بين البيع و التجارة أنّها أخصّ مطلقاً، أو من وجه من البيع، ففي البيع يراد التبادل و التعاوض، و في التجارة الهمّ الأوّل هو تحصيل الربح. و على هذا فتعريف الربا هي الزيادة مقابل الأجل و الإنساء، و هذا هو المعنى الصحيح للربا، فالربا الحقيقي هو الربا القرضي الذي فيه‌

66

الزيادة مقابل الإنساء، و أمّا الربا المعاملي فهو رباً تعبّدي ملحق بالربا الحقيقي سدّاً لباب الوصول إلى الربا القرضي.

و قد عرفت سابقاً أنّ الربا على درجات، منه ربا صريح محض، و منه ربا خفيّ متستّر يقع عبر وسائط خفيّة، فيجب أن نرى أنّ موضوع أدلّة التحريم هل هو الربا بكلّ درجاته أو هو الدرجة الاولى الصريحة منه؟

67

الجواب التفصيلي عن الإشكالات العامّة

الإشكال الأوّل و هو أنّ شدّة التعبير كإعلان الحرب كيف يتناسب مع الوصول إلى نفس النتائج بتغيير صوري؟

فيمكن الجواب عنه:

بأنّا لا ننظر إلى فرد المعاملة و فرد المتعامل، بل في التقنينات ينظر إلى نوع المعاملات و نوع المتعاملين، و في هذا النظر ليس التغيير صوريّاً، بل هذا التغيير يخلق واقعاً اقتصاديّاً آخر بشهادة التجربة الموجودة، و هذا الواقع الاقتصادي لا يخلق سلبيّات الاقتصاد الربوي.

فتلك القنوات التخلّصيّة بآثارها و خواصّها تحقّق أغراضاً اقتصاديّة اخرى، ففي الواقع ذلك الإشكال ناشئ من النظرة الجزئيّة إلى معاملة جزئيّة و متعامل واحد، و الحال أنّ التشريع لا ينظر في حِكَمه و مصالحه إلى الجزئيّات، بل ينظر إلى نوع المعاملة، فيصدر حكمه على نحو القضيّة الحقيقيّة لا الخارجيّة الجزئيّة، فإنّ تركيز النظر على فرد المعاملة الجزئيّة يوجب هذا الإشكال. فإنّ تركيز النظر على فرد المعاملة الجزئيّة يوجب هذا الإشكال، فإنّ التغيير في تلك القنوات ليس بصوري، بل هو من باب تبديل الموضوع من قِبل المتخصّصين، فالتشديد و التغليظ الموجود في أدلّة الحرمة يكون بلحاظ الواقع الاقتصادي الناشئ عن الربا، و مع انتفائه يزول التغليظ.

68

الإشكال الثاني و هو وجود علل تحريم الربا في الحيل،

فقد ذكر في الروايات من العلل أو الحِكم:

الظلم، و فناء الأموال، و ترك اصطناع المعروف، و ترك التجارات.

أمّا الظلم فلا يرد في الحيل التخلّصيّة، بل هو منحصر بالربا المحض الصريح؛ لأنّ المقرض المرابي يأخذ نماء العين الشخصيّة التي مالكها و مالك نمائها هو المقترض، و الظلم في القرض الاستهلاكي- الذي يريد المقترض فيه قضاء حاجته لا تحصيل فائدة- واضح، و في القرض الانتاجي أيضاً موجود، فإنّ المقترض في معرض المخاطرة بالنسبة لأصل المال و ربحه، بينما المرابي في أمان.

و كلّ هذا لا يتأتّى في الحيل؛ لأنّ في البيع المحاباتي أو الهبة أو الإجارة لا بدّ أن يقدم عليه بداعٍ جدّي، و ذلك الربح يكون عبر معاوضة و يوطّن نفسه على الالتزام بآثارها القانونيّة الخاصّة.

نعم، هنا بحث آخر، و هو أنّ مقتضى الحكمة في جعل العقود هو التساوي بين المالين. العوض يساوي المعوّض من حيث الماليّة. البديل يساوي بديله الآخر بلحاظ جهد الانتاج أو جهد التوزيع. و زوال هذا التساوي خلاف الانصاف. و في تلك الحيل نرى عدم التوازن و التساوي بين العوضين فهو خلاف الإنصاف.

و لكن مجرّد ذلك لا يجعل المعاملة محرّمة. نعم، هو مكروه و لا بدّ أن يكون المؤمن همّه الأوّل تحصيل الربح، بل قضاء حاجة مؤمن آخر و إنعاش حاجات سوق المسلمين، و بملاحظة هذه النقطة يزول الظلم.

و أمّا فناء الأموال و استئصالها، فغير حاصل أيضاً؛ و ذلك لأنّه عند ما يحدث نقل بدائل و أعواض فلن يحصل فناء للأموال. نعم، قد يحصل في بعض الحالات، و لكنّه غير ناشئ عن المعاملة، بل نتيجة عدم ذكاء المتعامل.

69

و أمّا ترك اصطناع المعروف و ترك التجارات فليس كذلك؛ لأنّها عند ما تتدخّل فيها معاملات اخرى تحدث رغبة تجاريّة أو استقراضيّة أو ربحيّة، و هذا عامل مساعد لتوليد القرض.

و لذلك فإنّ البنوك اللاربويّة يرون أنّ الحاجة ملجئة إلى استخدام خبراء في شتّى المجالات- تسويق المنتجات الزراعيّة، أو الصناعيّة و التجاريّة- فتصير حركة التوزيع و التسويق بمشاركة تلك البنوك أكثر نشاطاً و فعاليّة.

و لعلّ المنتجات لدى كثير من الشركات كانت راكدة خامدة بسبب أنّها تذهب و تتعامل مع البنوك الربويّة، فتزداد عليها الأقساط، بينما نرى أنّهم في المعاملة مع البنوك الإسلاميّة تصير حركتهم الاقتصاديّة أكثر فأكثر.

الإشكال الثالث و هو أنّ الحيل التخلّصيّة تبتني على تغيير صوري لا يؤثّر في الإرادة الجدّية لدى المتعاقدين في شي‌ء،

و بالتالي يكون البيع غير مقصود، فهو مبتنٍ على قاعدة تبعيّة العقود للقصود.

قاعدة العقود تابعة للقصود

بيانه: أنّ القنوات التخلّصيّة- كالهبة بشرط القرض، أو البيع المحاباتي بشرط القرض، أو الإجارة المحاباتيّة- فهي معاملة بيعيّة صورةً، و لكن قرض حقيقة، فإنّ العرف يعترف ارتكازاً أنّ هذه في الواقع قرض، و إن كان بيعاً صورةً، و حينئذٍ الزيادة فيه باطلة؛ لأنّ العقود تابعة للقصود.

فإذا قلت: بعت كذا بكذا بشرط القرض، كان قصدك في الواقع: أقرضت كذا بكذا بشرط الفائدة الربويّة، و لذلك يقدّرون المحاباة في القيمة بقدر الفائدة الربويّة،

70

فواضح أنّ نفس الفائدة الربويّة ملحوظة فيها، فإذن استعمال لفظ البيع مجازي في هذا المقام؛ لأنّهم يريدون و يقصدون منه القرض.

و العرف أيضاً يطبّق على تلك القنوات عنوان القرض، و يقول إنّ لُبّه قرض، و إن كانت صورته شيئاً آخر.

و عنوان العقد و حكمه الشرعي و العقلائي يتبع قصد العاقد لا لفظه، فذلك التغيير اللفظي الصوري مع بقاء قصد القرض لا يغيّر شيئاً و لا ينفع.

و بعبارة اخرى: أنّ المستفاد من قاعدة «العقود تابعة للقصود» أنّ العقد يجب ألّا يكون صوريّاً، بل لا بدّ أن يكون لبّيّاً، بمعنى أنّ المدار في تأثير العقود هو اللبّ و الواقع لا اللفظ بدون القصد الجدّي.

و لذلك نركّز البحث- للجواب عن ذلك الإشكال- على تلك القاعدة، فتلك القاعدة في معناها ذات مراحل:

الاولى: أنّ المدار في إنشاء المعاملات هو تطابق لفظ الإنشاء مع الماهيّة المنشأة المقصودة في قصد المتعامل، فإن اشترطنا وجود الألفاظ الصريحة في العقود، فلا بدّ من الاستعمال الحقيقي في الدلالة، و إن لم نشترط ذلك، فيكفي الدلالة على المقصود و لو مجازاً.

فلُبّ هذه القاعدة هو تطابق الألفاظ مع المعنى المقصود، أي: يجب أن يكون اللفظ مطابقاً للقصد، و إلّا لم يقع العقد؛ لأنّ ما قصد لم يقع، و ما وقع لم يقصد.

و لذا يقال في الإيداعات التي في البنوك أنّها قروض لا ودائع، و إن أصرّت البنوك على أنّها وديعة؛ لأنّ هذا الاستعمال ليس مطابقاً مع المعنى المقصود، فإنّ المعنى المقصود في ذلك الإيداع المزعوم هو تمليك الشخص، المال النقدي المودع، و تملّك شي‌ء في ذمّة البنك، و هذا هو حقيقة القرض، بينما في الوديعة يجب أن تسلّم و لا يتصرّف في رقبتها، و الحال أنّ في الوديعة البنكيّة ليس الأمر كذلك، فالمعنى المقصود هو القرض لا الوديعة.

71

و حينئذٍ فيقال فيما نحن فيه أيضاً أنّ المعنى المقصود الأصلي الحقيقي في بعض القنوات التخلّصيّة هو القرض لا البيع.

الثانية: المطابقة بين قصد المنشئ و بين الماهيّة العرفيّة العقلائيّة، فكثيراً ما يقصد المنشئ ماهيّة معامليّة و يتصوّر أنّها بيع- مثلًا- بينما العقلاء لا يعتبرونها ماهيّة بيعيّة.

و ذكروا في تعريف البيع أنّه مبادلة مال بمال، و قالوا: إنّ البيع متقوّم بأن يكون المبيع مقصوداً بذاته و صفاته الشخصيّة، و الثمن و البدل و العوض مقصوداً بماليّته.

و على هذا، فمبادلة عين بعين ليست بيعاً حقيقة إذا كان المقصود في كلا الطرفين هو شخص العين بصفاتها الخاصّة لا بماليّتها.

ففي تلك المبادلة يمكن أن يتصوّر المنشئ أنّها بيع و يقصدها بيعاً مع أنّ العقلاء لا يعتبرونها ماهيّة بيعيّة، فيجب المطابقة بين الماهيّة المنشأة عند المنشئ و بين الماهيّة المقصودة عند العقلاء، و هذه مرحلة أدقّ و أعمق في تلك القاعدة. الثالثة: من مباحث تلك القاعدة هو أنّ تكون المعاملة مقصودة بقصد جدّي، فلو كان هازلًا فإنّ العقد لا يقع.

و في تلك القاعدة أبحاث و جهات اخرى من البحث، تعرّض الفقهاء إليها في بحث المعاطاة و تخلّف الشروط و الوصف و بحث الشرط الفاسد.

لكن الزاوية التي نريد أن نبحث عنها في بحثنا هذا، هي المرحلة الثانية، فالإشكال نشأ من أنّ الماهيّة المقصودة في الحيل التخلّصيّة هل هي ماهيّة قرضيّة- عند العقلاء- أو ماهيّة بيعيّة؟ فإنّ المنشئ قصد أن ينشئ الماهيّة البيعيّة، لكنّ العقلاء يرتّبون على تلك المعاملة آثار الماهيّة القرضيّة.

و قد ذكر الفقهاء في بحث البيع أنّ الشروط العقلائيّة في العقد أو في المتعاقدين أو في العوضين- سيّما شروط العقد- في الحقيقة أركان لا شروط، فتسميتها بالشروط مسامحة؛ لأنّ معنى أنّ العقلاء اشترطوا في هذه الماهيّة ذاك الشرط يرجع إلى أنّهم لا يعتبرون هذه الماهيّة إذا لم يتحقّق ذاك الشرط، فإذا لم يعتبروا فلم تتحقّق عندهم‌

72

هذه الماهيّة أيضاً، و إذا لم تتحقّق الماهيّة الكذائيّة عند العقلاء فأدلّة الإمضاء- التي موضوعها هو الماهيّة العرفيّة المعامليّة كالبيع العرفي- لا تشملها، ففي الواقع لا يوجد موضوع لدليل الإمضاء، فمآل الشروط العقلائيّة إلى أركان وجود الماهية.

هذا في الشروط العقلائيّة، و أمّا الشروط الشرعيّة في العقد- كعدم الغرر- فتختلف عن الشروط العقلائيّة، فإنّ انخرام الشروط الشرعيّة لا يؤدّي إلى انتفاء الماهيّة و عدم تحقّقها عند العقلاء، بل تتحقّق الماهيّة و لكن غررياً، فالماهيّة متحقّقة لدى العرف حتّى مع الغرر بخلاف الشرط العقلائي، فإذا لم يتحقّق فنفس الماهيّة لا تتحقّق أصلًا.

نعم، تنوجد الماهيّة البيعيّة لدى المتبايعين و المنشئين.

هذا، و المستشكل إن كان يريد أن يستشهد بانتفاء الشروط الشرعيّة المأخوذة في البيع- مثلًا- في قناة البيع المحاباتي التخلّصيّة فنقول: إنّ الماهية البيعيّة لا تنتفي حينئذٍ في اعتبار العقلاء. نعم، هي تبطل في اعتبار الشارع.

و إن كان يريد أن يستشهد بانتفاء الشروط العقلائيّة المأخوذة في البيع- مثلًا- في تلك القناة التخلّصية، فلا بدّ أن يدّعي انخرامها في شروط العقد أو شروط العوضين، و لا يتصوّر انتفاء شروط المتعاقدين في بحثنا هذا.

و قد قرّر أنّ من شروط العقد البيعي هو أن يكون على وجه المبادلة لا التمليك على وجه الضمان، فلو قصد التمليك على وجه الضمان فهو قرض و إن سمّي بيعاً.

و كذلك أخذ في البيع تساوي القيمة السوقيّة في العوضين، أي يكون الثمن لائقاً بالمبيع و ليس المقصود التساوي الدقّي، بل بحسب مقدار الرغبة و الجهد المبذول و الربح الذي يحصل عليه البائع، و في البيع المحاباتي لا تكون هناك مساواة، بل يبيع المبيع بأكثر من قيمته السوقيّة، أو بأقلّ بكثير، إذن فهذا من الشروط العقلائيّة المنخرمة في الحيلة.

و أيضاً فإنّ من شرائط العقد أن يلتزم المتبايعان بآثار ما قصد، بينما نجد أنّ المتعاملين لا يلتزمان واقعاً بآثار البيع، بل يلتزمان بآثار القرض.

73

إذن الإشكال يدور على أحد محورين: محور عدم تساوي الماليّة و محور عدم الالتزام بالآثار.

و قالوا: إنّ من شروط العوضين في البيع أن يكون المعوّض عيناً لا منفعة، فإن كان المعوّض منفعة فهي إجارة لا بيع؛ و لذا حملوا «بعتك منفعة الدار» على المجاز.

و كذلك من شروط العوضين أن يكون الثمن مقصوداً فيه الماليّة لا الصفات الخاصّة.

أمّا الإشكال في محور عدم تساوي الماليّة

فنقول: إنّ التساوي بين العوضين في القيمة السوقيّة ليس شرطاً عقلائيّاً للعقد بمعنى أنّ مع فقدانه لا تنتفي الماهيّة المعامليّة عند العقلاء.

بيانه: أنّ مسألة «تساوي العوضين في القيمة» غير مختصّة بالبيع، بل تدخل في جميع المعاوضات، بيعاً كانت أم إجارة أم غيرهما، و لكن حيث أنّ الفقهاء ذكروا هذا البحث في خيار الغبن و تناسباً مع أحد الطرف التخلّصيّة نخصّها بالبيع في بحثنا هذا.

فقد ذكروا أنّ الغبن يكون نتيجة تفاوت في القيمة بين المبيع و بين الثمن، و هنا يتبادر سؤال حول صحّة تلك المعاملة و بطلانها، و في حالة البطلان هل هو من جهة العقل أو من جهة الشرع؟

ذهب بعض من الفقهاء إلى البطلان الشرعي من جهة حصول الغرر و الضرر، و قد نهى عن البيع الغرري و عن الضرر، فيثبت بطلان تلك المعاملة.

و ذهب بعض آخر إلى البطلان من جهة العقل؛ و ذلك لأنّ من الشروط العقلائيّة و ارتكازات العقلاء اعتبار تساوي العوضين في الماليّة بحسب العادة، و هذا يعتبر من مقوّمات العقد، فالإقدام على المعاملة التي يكون فيها تفاوت لا يتسامح به موجب لبطلان تلك المعاملة؛ لأنّها في صورة العلم بالغبن و التفاوت الفاحش، أمّا معاملة سفيه أو معاملة سفهيّة، و كلا الشقّين باطل.

74

أمّا الأوّل، فواضح، و يتّفق عليه الجميع، و أمّا الثاني فلانتفاء الشرط العقلائي، و مع انتفائه ينتفي اعتبار العقلاء لوجود تلك الماهيّة المعامليّة، فالماهيّة غير متحقّقة.

أمّا البطلان الشرعي ففيه: أنّ الغرر مفروض مع الجهل و يفترض في مورد البحث علم الطرف المغبون بالتفاوت، فلا غرر في البين.

و أمّا البطلان العقلي، ففيه:

أوّلًا: إنّ المعاملة ليست سفهيّة أو معاملة سفيه، و ذلك لتوفّر غرض عقلائي فيها، فلم يقدم المغبون عليها اعتباطاً.

ثانياً: أنّ العقلاء اعتبروا في ماهيّة البيع أمراً كلّياً، و هو وجود عين يرغب فيها لأجل صفاتها و يبذل بإزائها ثمن، و لم يقيّد ذلك بثمن خاصّ، فحدّدت تلك الماهيّة بأن تكون عيناً، و أن تكون معاوضة، لا ضماناً بالقيمة الواقعيّة، بل بقيمة جعليّة طبقاً لرغبة الطرفين.

نعم، غاية الأمر يكون اعتبار تساوي الماليّة شرطاً ضمنيّاً في العقد، طبقاً لمرتكزات العقلاء، و انتفاء الشرط الضمني و تخلّفه يوجب الخيار، لا بطلان المعاملة من أساسها.

فالحاصل: أنّ التساوي في الماليّة ليس شرطاً عقلائيّاً على نحو ينتفي العقد بانتفائه؛ لأنّ الإجماع قائم على عدم بطلانه و ثبوت الخيار فيه.

و من الشواهد على ذلك:

إنّه إذا ورد سائح أو زائر في بلد و اكترى سيّارة بأكثر من قيمتها الواقعيّة بكثير، فلا يقولون إنّ الإجارة لم تقع، بل يقولون إنّ هذه إجارة و لكنّها غبنيّة، و يقومون بأخذ التفاوت، و له حقّ خيار الفسخ، فما يُرى في المعاملات الغبنيّة أنّ المغبون يلاحق الغابن كأنّما الغابن سارق- لا السرقة بمعناها المعروف، بل هو سرقة خفيّة- معناه أنّ للمغبون حقّاً لفسخ المعاملة، فإذا فسخ تنفسخ المعاملة و ترجع الأموال إليه، و هذا شاهد صدق على أنّ المعاملة في موارد عدم تساوي ماليّة العوضين متحقّقة، فليس‌

75

التساوي شرطاً عقلائيّاً للعقد و لم يقيّدوا خيار الغبن بالتفاوت اليسير، بل هو يجري حتّى في المعاملات الغبنية مع التفاوت الفاحش بين العوضين، فحينئذٍ ما ذكره المستشكل من هذه الجهة و في هذا المحور مردود.

و أمّا الإشكال في محور عدم الالتزام بالآثار فهو:

إنّ المتعامل و سالك طريق الحيل لا يلتزم بآثار البيع واقعاً، بل هو ملتزم بآثار القرض، و هذا ينافي قاعدة أنّ العقود تابعة للقصود، فإنّ المعاملة المقصودة يجب أن يلتزم بآثارها.

و هذه الجهة نحن نسلّم شرطيّتها ككبرى في العقود، لكن نتساءل أنّها هل هي منخرمة في الحيل التخلّصيّة أو لا؟

و الجواب: أنّ الحيل التخلّصيّة مبنيّة على أساس وجود بيع حقيقي يلتزم به المتعاملان بآثار البيع، فيجوز للمشتري بعد البيع الأوّل أن لا يبيعه مرّة اخرى على البائع.

و بعبارة اخرى: لا يوجد ملزم قانوني شرعي يجبره على البيع الثاني، و عليه يحمل ما ورد في رواية يونس الشيباني، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يبيع البيع و البائع يعلم أنّه لا يسوى، و المشتري يعلم أنّه لا يسوى، إلّا أنّه يعلم أنّه سيرجع فيه فيشتريه منه.

قال: فقال: يا يونس، إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لجابر بن عبد اللّه: كيف أنت إذا ظهر الجور و أورثهم الذلّ؟

قال: فقال له جابر: لا بقيت إلى ذلك الزمان، و متى يكون ذلك بأبي أنت و امّي؟

قال: إذا ظهر الربا يا يونس، و هذا الربا، فإن لم تشتره ردّه عليك؟ قال: قلت: نعم.

قال: فلا تقربنّه، فلا تقربنّه» (1).

____________

(1) ب 5/ أبواب أحكام العقود/ 5.

76

فواضح من هذه الرواية أنّه من البدء لا يريد أن يلتزم بآثار البيع، بل هما لم يلتزما بالبيع، و لم يقصداه، و هذه الرواية و أمثالها لا تعارض أخبار العينة (1) و لا تنافيها، و إنّما تحدّد صحّتها بأن يتبانى الأطراف على الالتزام بآثار البيع.

فالحيل التخلّصية حيث أنّ فيها لا توجد حبك قانونيّة تجاه نفس الغرض الربوي، فالمرابون لا يتّخذونها بديلة عن الربا، فإنّ في تلك الطرق تخلّفات و فُرجاً يستطيع أحد المتعاقدين أن يفرّ بها من غرض المرابي أو يفرّ المرابي نفسه.

و عليه فإشكال أنّه ليس هناك قصد جدّي لعدم الالتزام و البناء العملي على ترتّب الآثار، نلتزم به إذا لم يكن في البين بناء جدّي، و لكن الشرط الأساسي هو الالتزام العملي بما عقداه و أنشئاه.

و بعبارة اخرى: الغرض المباشر في إنشاء طريق تخلّصي هو نفس الماهيّة المعامليّة المنشأة، و هي محلّلة، و إن كان الغرض الأعلى هو ماهيّة اخرى محرّمة، فإنّ المناط هو الإنشاء المباشر، و الغرض الأدنى لا الغرض النهائي لقاعدة «إنّما يحلّل الكلام و يحرّم»، و لهذه القاعدة وردت تطبيقات من الشارع، بعضها في الباب الثامن من أبواب المزارعة.

منها: صحيحة الحلبي بإسناد الكليني، قال: «سُئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزرع الأرض فيشترط للبذر ثلثاً و للبقر ثلثاً. قال: لا ينبغي أن يسمّي شيئاً، فإنّما يحرّم‌

____________

رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن يونس الشيباني.

(1) أشهر تفسير للعينة هو أنّ يبيع سلعة بثمن إلى رجل معلوم، ثمّ يشتريها نفسه نقداً بثمن أقلّ، و في نهاية الأجل يدفع المشتري الثمن الأوّل، و الفرق بين الثمنين فضل.

العينة في اللغة: السلف، يقال: اعتان الرجل: إذا اشترى الشي‌ء بالشي‌ء نسيئة أو اشترى بنسية. (المصباح المنير/ عين).

77

الكلام» (1).

و في المزارعة و المساقاة تكون شركة بين العمل و بين العين، عمل العامل من جانب، و الأرض و البذر و الآلات من جانب آخر. فللعامل أن يقول: 40% من الناتج لي و ما سواه للمالك، و أمّا إذا خصّص في نفس الإنشاء المعاملي و يقول: ثلث من الناتج للبذر و ثلث للبقر و ثلث لي، فتبطل المزارعة؛ لأنّ منفعة الآلات تقابل النماء و الناتج، و هذا في الحقيقة إجارة مجهولة الثمن، فبتغيير كلمة مع الالتزام بآثارها تتبدّل ماهيّة بماهيّة اخرى، إنّما يحلّل الكلام و يحرّم.

و منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان: «أنّه قال في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره فيقول: ثلث للبقر و ثلث للبذر و ثلث للأرض.

قال: لا يسمّي شيئاً من الحبّ و البقر، و لكن يقول: ازرع فيها كذا و كذا، إن شئت نصفاً و إن شئت ثلثاً» (2).

و منها: معتبرة سليمان بن خالد، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزارع فيزرع أرض آخر، فيشترط للبذر ثلثاً و للبقر ثلثاً.

قال: لا ينبغي أن يسمّي بذراً و لا بقراً، فإنّما يحرّم الكلام» (3).

و منها: عن أبي الربيع الشامي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أنّه سئل عن الرجل يزرع أرض رجل آخر فيشترط عليه ثلثاً للبذر و ثلثاً للبقر.

____________

(1) ب 8/ أبواب المزارعة/ 4.

(2) ب 8/ أبواب المزارعة/ 5.

رواه الكليني، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد اللّه بن سنان.

(3) الباب المتقدّم/ ح 6.

رواه الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد.

78

فقال: لا ينبغي أن يسمّي بذراً و لا بقراً، و لكن يقول لصاحب الأرض أزرع في أرضك و لك منها كذا و كذا، نصف أو ثلث أو ما كان من شرط، و لا يسمّي بذراً و لا بقراً، فإنّما يحرّم الكلام» (1).

و الحاصل: إذا قصد المتعامل ماهيّة خاصّة يمكن له أن يتوصّل إليها بإنشاء نفس الماهيّة أو بإنشاء ماهيّة اخرى متوسّطة توصله إلى نفس النتائج.

و أثره يظهر في ماهيّات محرّمة يمكن التوصّل إلى النتائج الحاصلة منها عبر عقود متوسّطة اخرى محلّلة، و هذا مفتوح في الشريعة لاستبدال كثير من الماهيّات الباطلة إلى الصحيحة، و ليس معناه تحليل الماهيّات الفاسدة، بل هو تبديل الماهيّات الفاسدة إلى الصحيحة.

هذا بالنسبة إلى الإشكال الثالث من الإشكالات العامّة.

الإشكال الرابع و هو أنّ الربا معنىً عاماً- و هو الزيادة مقابل الأجل، و هذا المعنى بنفسه موجود في الطرق التخلّصيّة

فمعناه أنّ مطلق المقابلة بين الزيادة و بين الإنساء هو ربا محرّم، و إن لم تُنشأ مباشرة، نظير انطباق عناوين محرّمة تجتمع مع عناوين معامليّة فيسبّب النهي، و يقتضي الفساد، مثل عنوان (الإعانة على الإثم).

و الجواب:

- مضافاً إلى ما ذكرنا سابقاً من أنّ الربا على درجات: الربا المحض و الربا المتستّر و مفاسد الربا المحض شديدة و منتشرة بخلاف الربا المتستّر، و الربا في الحيل هو من‌

____________

(1) ب 8/ أبواب المزارعة/ ح 10.

و رواه الشيخ بإسناده، عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع الشامي.

79

الربا المتستّر لا يوجد أرضيّة اقتصاديّة فاسدة-

هو أنّ العنوان المحرّم من الربا هو الربا الإنشائي، أي المعاملة التي تكون فيها زيادة تصاعديّة مقابل الأجل و الإنساء من حين إنشاء العقد، و هذا هو العنوان المحرّم.

فماهيّة الربا يمكن إنشاؤها على نمطين: نمط متعلّق للإنشاء و نمط تنطبق على نتائج و آثار إنشاءات اخرى، فماهيّة الربا تارة تكون منوجدة مباشرة، و اخرى بالوسائط بلحاظ نتيجة المعاملة. و المحرّم منه هو الأوّل، فلا عموم لحرمة الربا في جميع أقسامه.

و الشواهد على ذلك متعدّدة:

1- قوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا) (1)

الحلّية هاهنا إمّا وضعيّة أو أعمّ منها، و من الحلّية التكليفيّة، و على أي حال، ففي المفاد معنى «الوضعيّة» و «إمضاء» للماهيّة البيعيّة، و المراد من البيع هو الإنشاء، أي إنشاء التمليك، و في مقابله يكون الربا الإنشائي حراماً، للانصراف و مقتضى السياق، فمصبّ الحرمة الوضعيّة هو الماهيّة الإنشائيّة، و هذه قرينة على أنّ المحرّم من الربا إنّما هو خصوص الماهيّة الإنشائيّة منه.

2- إنّ الآيات قبل آية تحريم الربا في سورة البقرة كلّها واردة في الحثّ على الصدقة و الإنفاق من المال الطيّب الحلال، ثمّ يورد الحقّ سبحانه و تعالى تحليل البيع و تحريم الربا، فهو مختصّ بربا النسيئة، و قريب منه قوله تعالى في سورة آل عمران:

(لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً) (2)، فالعمليّة الربويّة الإنشائيّة هي عمليّة تصاعديّة، بخلاف الحيل التخلّصيّة.

3- إنّ الفقهاء في تحريم الربا القرضي و المعاملي لا يتمسّكون بعموم الآيات،

____________

(1) سورة البقرة 2: 275.

(2) سورة آل عمران 3: 130.

80

بل يتمسّكون بأدلّة خاصّة واردة في ذلك المورد ممّا يعني أنّه لا يوجد في هذه العمومات عموم واقعي لكلّ أنواع الربا، حتّى إنّ البعض يصرّح أنّه لو لا تلك الأدلّة لما حرّم الربا المعاملي، و قد ورد أنّ ابن عبّاس كان يخصم بذلك حتّى وصل إليه أدلّة تحريم الربا المعاملي.

4- إنّ اللّٰه عزّ و جلّ أخبر عن الكفّار و المشركين أنّهم قاسوا الربا بالبيع، و قالوا:

إنّما البيع مثل الربا، فجعلوا الربا هو الأصل، فزعموا أنّه هو الأصل في الحلّية و شبّهوا البيع به؛ لأنّ الغرض الأصلي في التجارات هو الزيادة و الاستزادة، و هذا هو الغرض الأصلي و الأوّل في الربا، و حيث أنّ البيع متضمّن لربا متستّر فيصير البيع مثل الربا.

و بعبارة اخرى: أنّهم قالوا إنّ البيع الذي فيه ربا خفيّ مثل البيع الذي فيه ربا صريح، أو أنّ البيع الذي لا ربا فيه مثل البيع الذي فيه ربا، فأجاب اللّٰه تعالى عنه بوجود الفرق بينهما في الحلّية و الحرمة، و قال: (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا)، يعني أحلّ اللّٰه البيع الذي لا ربا فيه، و حرّم البيع الذي فيه ربا.

فالآية الشريفة تريد تحريم الربا الجليّ غير المتستّر و تثبت حلّية الربا المتستّر.

و على هذا التفسير يكون الربا من ماهيّة البيع، و حيث أنّ البيع هو الإنشاء، فالمراد من الربا أيضاً هو الربا الإنشائي بمقتضى كونه بيعاً.

و هناك تفسير آخر للآية الكريمة، و هو أنّ الكفّار يقولون: لا فرق بين ماهيّة الربا و بين ماهيّة بيع النسيئة؛ لأنّ الربا هو إنشاء الزيادة مقابل الإنشاء، و في بيع النسيئة أيضاً يتوصّل إلى الربح و الزيادة، فالبيع مثل الربا في تحصيل الفائدة مع الإنساء، فعلى هذا التفسير تكون ماهيّة الربا غير داخلة في ماهيّة البيع، بل هما متشابهتان، فلا بدّ من حلّية كليهما.

فأجاب اللّٰه تعالى عنه أنّ في بيع النسيئة ماهيّة بيعيّة و الربا الحاصل فيه ربا متستّر، و أمّا ربا النسيئة فماهيّته ماهيّة الربا، أي الربا الصريح، و هو حرام، فيكون المحرّم هو الربا الإنشائي لا جميع أنواع الربا.

81

فعلى كلا التفسيرين يظهر أنّ الربا المتستّر حلال، و كأنّما صريح الآية الشريفة يقول: إنّه لا إشكال في الربا المتستّر.

هذا تمام الكلام في الجواب عن الإشكال الرابع.

الإشكال الخامس و هو أنّ تشريع الحيل التخلّصيّة يخالف روح القانون،

فإنّه يؤدّي إلى نفس الآفات التي من أجلها حرّم الربا.

فالجواب عنه:

هو أنّه وجدنا بوضوح أنّ هذا ليس التفافاً على القانون، بل هو في الواقع استفادة من بنود و قنوات اخرى من القانون، و لا تؤدّي إلى نفس النتائج الربويّة.

إن قلت: إنّ الفرق بين القانون البشري و القانون السماوي هو أنّ القانون البشري يعتمد دائماً في تطوّره و تكامله على التجربة، فنشأ القانون غير كامل و يطوّر طبقاً للتجربة، فإذا رأوا زاوية سلبيّة في القانون يصحّحونها و ينسخونها، بخلاف القانون الإلهي، فهو متكامل و صحيح من أساسه، و التجربة لا تؤثّر في تطويره و تكامله، فحينئذٍ كيف يمكن لنا أن نفرض أنّ القانون الإلهي فيه ثغرات يمكن الالتفاف عليها؟

لا سيّما و أنّ الالتفاف هنا في الحكم الكلّي، أي الاستعاضة عن هذا الحكم الكلّي الذي حرّمه الشارع بتقنينات اخرى، و هذا عجز في التقنين.

نعم، تارة يكون الالتفاف على القانون الإلهي في الشبهة المصداقيّة، أي في الموضوع، كما في نصاب الزكاة، فقبل حلول الحلول يعدم النصاب بالهبة إلى زوجته، أو في الاستطاعة، فقيل الموسم يعدمها، و هذا الالتفاف الموضوعي على القانون و إن كان مذموماً عند الشارع و لكن لم يحرّمه، و أمّا الالتفاف التقنيني في التشريعات الكلّية فمشكل.

82

قلت: إنّ الاستفادة من قنوات تعامليّة اخرى ليست التفافاً على القانون الإلهي، بل هو في الواقع انتفاع من بنود اخرى من نفس القانون، و ليس فيه أمر يخالف القانون و روحه، و لذا لا تؤدّي إلى نفس سلبيّات الاقتصاد الربوي، و التجربة الميدانيّة في البنوك الإسلاميّة من الشواهد على ذلك.

و أمّا ما ذكره بعض العامّة من قصّة أصحاب السبت فواضح فساده؛ و ذلك لأنّ أصحاب السبت قاموا بالصيد واقعاً يوم السبت و لكن بواسطة، فإنّ نصب الشباك نوع اصطياد، غاية الأمر ليس صيداً فوريّاً، و هذا انتقال من فرد محرّم إلى فرد محرّم آخر من نفس ذاك الموضوع في هذا الحكم التحريمي.

و كذلك ما ذكروه من الروايات المنسوبة إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من المنع من بيع المعدود الربوي، فإنّنا نقول: إنّ مقدار ما حرّمه الشارع و سدّ الأبواب فيه، فإنّا نعتبره و ما أجازه فَنُجيزه.

فتحصّل أنّ التحايل على صعيد الموضوع لا إشكال فيه، و التحايل على صعيد الحكم لا يمكن، و لكن الاستفادة من الحيل التخلّصية ليست التفافاً و تحايلًا في الصعيد الحكمي، بل هي الانتفاع من البنود القانونيّة في نفس التشريع.

نعم، هناك موردان يراعى فيهما عدم التحايل:

الأوّل: أنّ الفقهاء عند استنباطهم الحكم الشرعي و استكشافهم للتقنين الكلّي- كبحث إثباتي على الموقف الحكمي- يراعون قرائن الغرض، فيجعلون التقنين مقيّداً بنكتة الغرض أو المصلحة أو يوسّعون لنفس نكتة الغرض أو المصلحة، و هذا يسمّونه مراعاة الأغراض و المصالح في صعيد الإثبات و الدلالة لا صعيد المدلول الكلّي، و لكنّ ذلك استثناء تخصّصي لا تخصيص.

الثاني: أنّ المعصوم (عليه السلام) قد يرى في بعض الأحيان أنّ هناك تزاحماً بين بعض المصالح التى يرى اهتمام الشارع بها مع بعض الواجبات الاجتماعيّة الكفائيّة الخاصّة، فالتحايل في الناحية الاولى يؤدّي إلى تفويت الملاك الأهمّ في الناحية‌

83

الثانية، فحينئذٍ يكون ممنوعاً.

ثمّ إنّ هذا التزاحم يفترق عن التزاحم الاصطلاحي في الاصول، فإنّ هذا التزاحم يكون بين الواجبات الاجتماعيّة مع واجبات اجتماعيّة اخرى أو فرديّة، بينما التزاحم الاصطلاحي هو تزاحم واجبين فرديّين، أعني الفرد الواحد- كالصلاة- تزاحم فرداً آخر- كإزالة النجاسة-.

أمّا إذا فرضنا التزاحم من قبيل آخر- كدفع العدوّ الهاجم على الثغور- مع مصلحة اخرى، فيصير التزاحم بين الواجب الكفائي المجموعي مع واجب آخر فالتحايل الموضوعي في تلك الموارد يؤدّي إلى تفويت ملاك كفائي أهمّ فينجرّ- مثلًا- إلى تسلّط عدوّ على المسلمين، و هذا ممنوع بلا ريب.

الإشكال السادس و هو أنّه لو كانت هذه الطرق التخلّصيّة جائزة، فما الوجه في عدم بيانها من قِبل الشارع؟

فكان من سهولة الشريعة أن يبيّن قنوات اخرى معامليّة، و هذا أفضل من أن يرتطموا بالحرام، و يقعوا في حرب مع اللّٰه و رسوله، فعدم تبيانه من قِبل الشارع شاهد واضح على أنّ تلك الحيل غير سائغة و إلّا لبيّنها.

فأُجيب عنه:

بوجود الروايات و الأخبار في بيان الحيل التخلّصيّة في الربا المعاملي و القرضي، ففي الربا القرضي لدينا أخبار العيّنة و البيع بشرط القرض، و في الربا المعاملي لدينا أخبار الضميمة، و هذه الروايات مفتى بها من قِبل الفقهاء، و سنوافيك بنصّ بعضها، و قبل ذلك لا بدّ من توضيح فكرة العيّنة و فكرة الضميمة.

أمّا فكرة العيّنة فهي ترتكز على أنّ الربا يتوصّل إليه ببيعين، مثلًا: أراد زيد أن يستقرض من سعيد (100) دينار على أن يربحه كذا، فيتوصّل إلى ذلك بأن يشتري‌

84

زيد من سعيد بضاعة تساوي (100) دينار ب‍ (200) دينار مؤجّلة.

ثمّ يبيع زيد على سعيد ما اشتراه ب‍ (100) دينار نقداً، فتكون النتيجة أنّ زيداً حصل على المال الذي يريد اقتراضه و هو (100) دينار، و البضاعة عادت إلى صاحبها، و المقدار الواجب دفعه على زيد لسعيد هو مقدار القرض (/ 100 دينار) مع فائدة (/ 100 دينار)، فهو توصّل إلى نفس المراد من الربا عن طريق بيعين من دون اشتراط أحدهما بالآخر.

و أمّا فكرة الضميمة فهي تحليل الربا المعاملي بالضميمة؛ إذ من غير السائغ أن يتعامل الدراهم بدراهم أزيد، لا نقداً و لا نسيئة؛ لنكتة التفاضل، و لا يجوز بيع (100) كيلو من الحنطة ب‍ (150) كيلو من نفس الحنطة نسيئة لنكتة التفاضل و التأجيل، بل و لا يجوز بيع (100) كيلو من الرُّزّ الردي‌ء ب‍ (100) كيلو من الرُّزّ الجيّد نسيئة؛ لأنّ نفس الإنساء نوع من الفائدة الربويّة الحكميّة، و قد احتيل على هذا الربا بجعل ضميمة مع الناقص ليقع التفاضل في مقابل تلك الضميمة.

و أمّا فكرة البيع بشرط القرض أو البيع المحاباتي بشرط تأجيل الدين فهي- مثلًا- أنا (/ المقترض) أشتري من الدائن شيئاً- يسوى (100) دينار- ب‍ (500) دينار بشرط أن يؤجّل دينه.

و إليك نصّ بعض الروايات التخلّصيّة في الربا القرضي:

1- عن محمّد بن إسحاق بن عمّار، قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّ سلسبيل طلبت منّي مائة ألف درهم على أن تربحني عشرة آلاف فأقرضها تسعين ألفاً و أبيعها ثوب و شي‌ء [ثوب وشي] تقوّم بألف درهم بعشرة آلاف درهم، قال: لا بأس» (1).

فهو بيع بشرط القرض.

____________

(1) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ 1. رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن حديد، عن محمّد بن إسحاق بن عمّار.

85

2- عن محمّد بن إسحاق بن عمّار، قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): يكون لي على الرجل دراهم فيقول: اخّرني بها و أنا اربحك فأبيعه جبّة تقوم علَيَّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم، أو قال: بعشرين ألفاً، و أؤخرّه بالمال، قال: لا بأس» (1).

3- عن محمّد بن إسحاق بن عمّار، قال: «قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يكون له المال فيدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم، و يؤخّر عنه المال إلى وقت، قال: لا بأس به، قد أمرني أبي ففعلت ذلك.

و زعم أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عنها فقال مثل ذلك» (2).

4- عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سأل عن رجل له مال على رجل من قبل عينة عيّنها إيّاه، فلمّا حلّ عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه، فأراد أن يقلب عليه و يربح، أ يبيعه لؤلؤاً أو غير ذلك ما يسوى مائة درهم بألف درهم و يؤخّره.

قال: لا بأس بذلك، قد فعل ذلك أبي رضى الله عنه و أمرني أن أفعل ذلك في شي‌ء كان عليه» (3).

فالحيلة نفس حيلة العيّنة، فإنّ المدين يشتري من الدائن شيئاً- يسوى مائة درهم- بألف درهم، فقد فوّت تسعمائة درهم بشرط الإنساء و التأجيل.

و لكن الاستشهاد بذيل الرواية، لا بالعينة، حيث أنّ في ذيل الرواية دَيناً يؤخّر بتوسّط بيع محاباتي بشرط تأجيل الدين، فالمدين يشتري محاباة من الدائن شيئاً يسوى مائة درهم بألف درهم بشرط أن يؤجّل دينه، و هذا ربا خفيّ سوّغته الرواية.

____________

(1) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ 4. رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن إسحاق.

(2) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ 6. رواه الشيخ بإسناده عن أبي عليّ الأشعري، عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه، عن عمّه محمّد بن أبي عبد اللّه، عن محمّد بن إسحاق بن عمّار.

(3) الباب المتقدّم/ 3. رواه الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة.

86

و أمّا الروايات التخلّصيّة في الربا المعاملي

(أخبار الضميمة) فهي:

1- عن الحسن بن صدقة، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: «قلت له: جعلت فداك، إنّي أدخل المعادن و أبيع الجوهر بترابه بالدنانير و الدراهم؟ قال: لا بأس به.

قلت له: و أنا أصرف الدراهم بالدراهم، و اصيّر الغلّة وضحاً، و اصيّر الوضح غلّة؟

قال: إذا كان فيها ذهب فلا بأس.

قال: فحكيت ذلك لعمّار بن موسى الساباطي فقال لي: كذا قال لي أبوه، ثمّ قال لي:

الدنانير أين تكون؟ قلت: لا أدري، قال عمّار: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يكون مع الذي ينقص» (1).

2- عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سألته عن الدرهم و عن فضل ما بينهما، فقال: إذا كان بينهما نحاس أو ذهب فلا بأس» (2).

3- عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: «سألته عن الصرف، فقلت له: الرفقة ربّما عجّلت فخرجت فلم نقدر على الدمشقيّة و البصريّة و إنّما يجوز نيسابور الدمشقيّة و البصريّة.

فقال: و ما الرفقة؟ قلت: القوم يترافقون و يجتمعون للخروج، فإذا عجّلوا فربّما لم يقدروا على الدمشقيّة و البصريّة، فبعثنا بالغلّة فصرفوا ألفاً و خمسين منها بألف من الدمشقيّة و البصريّة؟

فقال: لا خير في هذا، أ فلا يجعلون فيها ذهباً لمكان زيادتها. فقلت له: أشتري ألف درهم و دينار بألفي درهم؟

____________

(1) ب 20/ أبواب الربا/ 1. رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن السندي بن الربيع، عن محمّد بن سعيد المدائني، عن الحسن بن صدقة.

(2) الباب المتقدّم/ 2. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ، عن أبي بصير.

87

فقال: لا بأس، إنّ أبي كان أجرأ على أهل المدينة منّي، فكان يقول هذا فيقولون:

إنّما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، و لو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، و كان يقول لهم: نِعْم الشي‌ء الفرار من الحرام إلى الحرام» (1).

4- عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «كان محمّد بن المنكدر يقول لأبي (عليه السلام): يا أبا جعفر- رحمك اللّٰه- و اللّٰه إنّا لنعلم أنّك لو أخذت ديناراً و الصرف بثمانية عشر فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين، ما وجدته، و ما هذا إلّا فرار، فكان أبي يقول: صدقت و اللّٰه، لكنّه فرار من باطل إلى حقّ» (2).

5- عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: «سألته عن الرجل يأتي بالدراهم إلى الصيرفي، فيقول له: آخذ منك المائة بالمائة و عشرين، أو بمائة و خمسة حتّى يراوضه على الذي يريد، فإذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة ديناراً أو ذهباً، ثمّ قال له: قد زاددتك [راددتك] البيع، و إنّما ابايعك على هذا، لأنّ الأوّل لا يصلح، أ وَ لم يقل ذلك و جعل ذهباً مكان الدراهم، فقال: إذا كان آخر البيع على الحلال فلا بأس بذلك.

قلت: فإن جعل مكان الذهب فلوساً؟

قال: ما أدري ما الفلوس» (3).

و كذلك باقي أخبار هذا الباب، فراجع.

هذا كلّه هو الجواب عن الإشكال السادس، و ملخّصه:

____________

(1) ب 6/ أبواب الصرف/ 1. رواه الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان، عن عبد الرحمن ابن الحجّاج.

(2) الباب المتقدّم/ 2. رواه الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

(3) ب 6/ أبواب الصرف/ 3. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

88

وجود الروايات التخلّصيّة في الربا القرضي و الربا المعاملي، كما مرّ مفصّلًا.

و قد أورد عليه في كلتا الناحيتين (1) أعني: ناحية الروايات التخلّصيّة في الربا القرضي و ناحية الروايات في الربا المعاملي.

أمّا الروايات في الربا القرضي فهي مخدوشة سنداً و دلالةً.

أمّا سنداً: فلأنّ ثلاثة منها تنتهي إلى «محمّد بن إسحاق بن عمّار» و هو واقفي ضعيف.

و أيضاً «عليّ بن حديد» في الرواية الاولى لم يوثّق، و قيل: إنّه واقفي أيضاً.

و سائر الروايات ضعيفة أيضاً.

و أمّا دلالةً: فلأنّ «ابن إسحاق» صرّاف يحاول دائماً تصحيح و تحليل العمل الذي يقوم به، فكان في موضع التهمة. هذا أوّلًا.

و ثانياً: إنّ في تلك الأخبار ما يدلّ على عدم صدورها من المعصوم (عليه السلام) و ذلك فإنّ «ابن إسحاق» يروي أنّه سأل الرضا (عليه السلام) فقال: «قد أمرني بذلك أبي ففعلت»، و قد سئل تارة اخرى الكاظم (عليه السلام) عين ذلك، و في رواية مسعدة عن الصادق (عليه السلام) أنّ الباقر (عليه السلام) علّمه ذلك، فهذا يعني أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يقومون بمثل تلك الحيل، و من غير المعقول أنّ الإمام المعصوم العارف بآفات الربا أن يقوم هو بنفسه بحيلة توصله إلى نفس الغرض، فهذه الحيلة خلاف اصطناع المعروف قطعاً، فكيف يأمر بها و يفعلها؟

و غير بعيد أن تكون تلك الروايات من دسّ المخالفين لتشويه سمعة الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) كما لا يستبعد ذلك في الروايات الواردة في باب بيع العنب أو التمر ممّن يعلم أنّه يصنعه خمراً، حيث ورد فيها عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شراباً خبيثاً» (2).

____________

(1) و هو يعدّ إشكالًا عاشراً للتسعة المتقدّمة.

(2) ب 59/ أبواب ما يكتسب به/ 8.

89

و في رواية اخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً» (1) مع ما ورد من التشديد في أمر الخمر و اللعن على أصنافه، حتّى غارس العنب، و الحارس، و الحامل؛ لكونهم أعواناً على هذا الحرام الخبيث، أ فلا يكون البيع ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً إعانة على ذلك؟!

إنّ هذا لا يعقل صدوره من المعصومين (عليهم السلام)، و لو فرضنا أنّ هذه هي حيلة للفرار عن الربا، فلا أقلّ من أنّها خلاف فرض العلوّ الأخلاقي فيهم (عليهم السلام) كيف يمكن ممارستها من قِبل الإمام (عليه السلام)؟ باعتبار أنّ الإمام (عليه السلام) يمهل في الأجل مقابل البيع المحاباتي؟ كما في رواية مسعدة.

هذا كلّه في الربا القرضي.

و أمّا الروايات في التخلّص عن الربا المعاملي، فهي و إن كان يوجد فيها صحاح، إلّا أنّ الخدشة فيها دلاليّة.

أوّلًا: إنّها واردة في بيع الصرف فقط، لا في مطلق البيوع، و إنّما خصّت بالصرف؛ لأنّ النقود كانت- قديماً- من المكيل و الموزون.

ثانياً: إنّها لم ترد في مطلق بيع الصرف، بل في نوع خاصّ منه، و هو البيع الذي لا يكون فيه ربا حقيقي من الناحية الاقتصاديّة، بل الشارع جعله رباً فهو رباً تعبّدي، و هذا الربا التعبّدي يتحايل عليه بأخبار الضميمة، فتلك الأخبار ليست حيلة لجميع الربا المعاملي.

فإنّ الروايات وردت في بيع دراهم وضحيّة- و هي الصحيحة- بدراهم مغلولة- أي مغشوشة- فيبيع- مثلًا- عشرة دراهم وضحيّة بعشرين درهماً غلّة، و هذا في الواقع ليس رباً حقيقياً؛ لأنّ قيمتها الاقتصاديّة هي كذلك، للفرق بين الصحيح و المغشوش، لكنّ الشارع جعل هذا النوع من البيع رباً أيضاً، و جعل أيضاً بجانبه حيلة للتخلّص‌

____________

(1) ب 59/ أبواب ما يكتسب به/ 6.

90

منه، و ذلك بجعل الضميمة.

و بعبارة اخرى: أنّ هذه الحيلة ليست- في الواقع- تخلّصيّة؛ لأنّها واردة في مورد ليس هو في الواقع رباً حقيقيّاً، فإنّ الدراهم الدمشقيّة و الشامية كانت دراهم خالصة غيرها كانت مغشوشة، و هذا ليس رباً حقيقياً؛ لأنّ المغشوش خمسة عشر منها يقابل عشرة خالصة، فالشارع تعبّدنا بأنّ التفاضل في المكيل و الموزون- مطلقاً- رباً أيضاً، كالمعاوضة بين الحنطة الخالصة و الحنطة الممزوجة بالتراب، فهو رباً تعبّدي و يمكن أن يخصّصه الشارع.

أقول: و في الجميع نظر.

1- أنّه ليس كلّ الروايات تنتهي إلى محمّد بن إسحاق بن عمّار، بل توجد في نفس الباب رواية عبد الملك بن عتبة و رواية مسعدة بن صدقة و رواية سليمان الديلمي (1).

و رواية «سليمان» و إن كان مرسلة، و لكن رواية مسعدة موثّقة، و رواية عبد الملك أيضاً موثّقة؛ لأنّ الظاهر أنّ عبد الملك هذا هو النخعي الصرّاف الموثّق، لا الهاشمي غير الموثّق- و إن كان حاله على أيّة حال حسناً- بمناسبة أنّ الرواية في مورد الصرف، و هذا هو مهنة النخعي.

مضافاً إلى أنّ الإطلاق ينصرف إلى النخعي الصرّاف الثقة، الذي هو صاحب كتاب.

2- أنّ الرجاليّين لم يذكروا أنّ «محمّد بن إسحاق» واقفي، بل وثّقه النجاشي و ذكر أنّ له كتاباً، في الرواية مشهور، و عدّه من أصحاب الإجماع كصفوان و ابن أبي عمير يروون عنه.

و أمّا شبهة الوقف في حقّه فنشأت من كلام الصدوق (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، فإنّ أبا جعفر بن بابويه روى عن عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران‌

____________

(1) الأحاديث 5 و 3 و 7.

91

الدقّاق، عن محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي، عن جرير بن حازم، عن أبي مسروق، قال: «دخل على الرضا (عليه السلام) جماعة من الواقفة فيهم عليّ بن أبي حمزة البطائني و محمّد ابن إسحاق بن عمّار، و الحسين بن مهران، و الحسن بن أبي سعيد المكاري...» الحديث (1).

و فيه: أوّلًا: إنّ الرواية ضعيفة لا يمكن الاستدلال بها على شي‌ء، فإنّ في سندها «جرير بن حازم»، و هو مجهول.

ثانياً: أنّ الصدوق لم يرمه بالوقف، و احتُمل أنّ لسان (فيهم) غير لسان (منهم).

فإنّ الثاني يدلّ على أنّه من الواقفيّة، و لكن الأوّل- و هو المذكور في متن الرواية- قد يكون بمعنى الثاني، و قد يكون بمعنى «أنّه دخل معهم»، فيكون من جملة الداخلين على الإمام (عليه السلام).

ثالثاً: إنّ «محمّد بن إسحاق» روى عن الإمام الكاظم و الإمام الرضا (عليهما السلام)، و روى عنه محمّد بن أبي عمير كثيراً.

و عدّه المفيد ممّن روى النصّ على الإمام الرضا (عليه السلام)، و أنّه من خاصّة الإمام الكاظم (عليه السلام) و ثقاته و أهل الورع و العلم و الفقه من شيعته (2).

و كذا عدّه ابن شهرآشوب من رواة النصّ على الإمام الرضا (عليه السلام) (3).

3- كيف يمكن أن يكون «عليّ بن حديد» واقفيّاً، مع أنّه روى عن الإمام الرضا (عليه السلام) (4)، و عن الإمام أبي جعفر الثاني (عليه السلام)؟ (5)

____________

(1) العيون 2/ ب 47/ دلالات الرضا (عليه السلام)/ ح 20.

(2) الإرشاد/ باب ذكر الإمام القائم بعد أبي الحسن الثالث (عليهما السلام)/ فصل في من روى النصّ عن الرضا (عليه السلام).

(3) المناقب 4/ باب إمامة أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في فصل «في المفردات».

(4) التهذيب 5/ ح 1483 و الاستبصار 2/ ح 1179.

(5) الكافي 4/ ك‍ 3/ ب 208/ ح 2.

92

و روى عنه «ابن أبي عمير» أيضاً (1).

4- إنّ أخبار العينة لا تنحصر بما ورد في الباب (9) من أبواب أحكام العقود، بل هي موجودة في الباب (5) إلى (8) من تلك الأبواب و هي مستفيضة، نذكر بعضها فيما يلي: فإنّ فكرة العيّنة هي عمليّة اقتصاديّة رائجة أقرّها الأئمّة (عليهم السلام)، و ليست هي نفس الربا القرضي.

و إليك نصّ بعض تلك الأخبار:

منها: ما رواه عبد اللّه بن جعفر في قرب الإسناد عن عبد اللّه بن الحسن، عن جدّه عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام): قال: «سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم، ثمّ اشتراه بخمسة دراهم، أ يحلّ؟ قال: إذا لم يشترط و رضيا فلا بأس.

و رواه عليّ بن جعفر في كتابه، إلّا أنّه قال: «بعشرة دراهم إلى أجل ثمّ اشتراه بخمسة دراهم بنقد» (2).

و منها: ما رواه بكار بن أبي بكر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل يكون له على الرجل المال، فإذا جاء الأجل قال له: بعني متاعاً حتّى أبيعه فأقضي الذي لك علَيَّ، قال: لا بأس» (3).

و منها: ما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «الرجل يجيئني يطلب المتاع فاقاوله على الربح، ثمّ أشتريه فأبيعه منه، فقال: أ ليس إن شاء أخذ و إن شاء ترك؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس به»، الحديث (4).

____________

(1) التهذيب 7/ ح 1171 و الاستبصار 3/ ح 575.

(2) ب 5/ أبواب أحكام العقود/ 6.

(3) ب 6/ الأبواب المتقدّمة/ 6. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن بكّار بن أبي بكر.

(4) ب 7/ الأبواب المتقدّمة/ 3. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

93

و أخبار العيّنة موجودة لدى العامّة، فبعضهم يقرّ بها و بعضهم يبطلها (1).

في فكرة العيّنة و توسّط البيعين، ذهب المشهور إلى أنّه في البيع الأوّل لا يصحّ اشتراط البيع الثاني؛ للنصّ الصحيح- و هي صحيحة عليّ بن جعفر (2)- و لوجوه اعتباريّة عقليّة معامليّة، كالدور و عدم القصد، و لكنّ المتأخّرين لم يرتضوا بتلك الوجوه و استندوا في ذلك إلى النصّ فقط.

____________

(1) اختلف العامّة في حكمها، فقد ذهب أبو حنيفة و مالك و أحمد إلى عدم جواز هذا البيع (القوانين الفقهيّة/ 171)، و نقل الشافعي جواز ذلك (المغني: 4/ 256).

العيّنة بيع السلعة بثمن إلى أجل ثمّ شراؤها من المشتري بأقلّ من ذلك الثمن. (الموسوعة الفقهية 22/ 72، إصدار وزارة الأوقاف و الشئون الإسلاميّة/ الكويت).

العيّنة في اللغة: السلف، يقال: اعتان الرجل: إذا اشترى الشي‌ء بالشي‌ء نسيئة أو اشترى بنسيئة، و قيل لهذا البيع «عينة»؛ لأنّ مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها (من البائع) عيناً، أي نقداً حاضراً. و قيل: سمّي بيع العيّنة؛ لأنّه من العين المسترجعة أو لإعانة أهلها للمضطرّ على تحصيل مطلوبه على وجه التحيّل بدفع قليل في كثير (الموسوعة الفقهيّة 9/ 95).

و في الاصطلاح الفقهي عرّفت بتعاريف:

1- هي بيع العين بثمن زائد نسيئة ليبيعها المستقرض بثمن حاضر أقلّ ليقضي دينه. (ردّ المحتار 4/ 279).

2- أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجّل و يسلّمه إلى المشتري، ثمّ يشتريه بائعه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقلّ من ذلك القدر. (نيل الأوطار 5/ 207)، و قريب منه تعريف الحنابلة.

3- عرّفها المالكيّة بأنّها بيع من طلبت منه سلعة قبل ملكه إيّاها لطلبها بعد أن يشتريها.

4- و يمكن تعريفها بأنّها قرض في صورة بيع لاستحلال الفضل.

و أشهر تفسير للعينة هي أن يبيع سلعة بثمن إلى أجل معلوم ثمّ يشتريها نفسه نقداً بثمن أقلّ، و في نهاية الأجل يدفع المشتري الثمن الأوّل و الفرق بين الثمنين فضل هو ربا للبائع الأوّل و تؤول العمليّة إلى قرض عشرة لردّة خمسة عشر و البيع وسيلة صوريّة إلى الربا. (الموسوعة الفقهية: 9/ 96).

(2) ب 5/ أبواب أحكام العقود/ 6.

94

و فائدة هذا القيد أنّه لا يكون البيع صورياً، بل هو أقرب إلى البيع الحقيقي، فهو بعيد عن الربا.

و أمّا غير المشهور، فيجوز عنده اشتراط ذلك في البيع الأوّل، و على هذا تكون صورة البيع هزليّة واضحة، و على هذا القول تكون الصورة حيلةً تخلّصيّة صريحة، و أمّا على مبنى المشهور فلا تكون حيلة صريحة، حيث أنّ إيقاع البيع الثاني متزلزل، فلا اطمئنان في هذا الطريق للوصول إلى الفائدة، فهو أبعد عن الربا.

5- و أمّا الخدشة في الأخبار التخلّصيّة عن الربا القرضي- بأنّه كيف يمكن ارتكاب تلك الحيلة من الإمام العارف بآفات الربا؟ فهو خلاف اصطناع المعروف و علوّه الأخلاقي-. فمدفوعة: بأنّ الإشكال يأتي لو كان الإمام (عليه السلام) هو المقرض و المستفيد من الإنساء، و لا يحكي المعصوم (عليه السلام) عن والده المعصوم (عليه السلام) أنّه هو أنسى المقترض مقابل البيع المحاباتي لنفه المعصوم (عليه السلام)، بل إنّما هو طلب النسيئة من الدائن مقابل أن يبيع بيعاً محاباتيّاً، فالدائن يأخذ الفائدة لا الإمام المدين، و إرجاع الفائدة إلى الطرف الآخر أمر مستحبّ، و هاهنا شبيه به.

و الشاهد على أنّ الإمام (عليه السلام) في مفروض الرواية هو المدين أمران:

أ- مورد سؤال السائل هكذا: «فلما حلّ عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه أن يقلب عليه و يربح» (1).

و جواب الإمام (عليه السلام) كان في قبال هذا السؤال: «قال: لا بأس بذلك».

ب- قوله (عليه السلام) في ذيل نفس الرواية: «قد فعل ذلك أبي و أمرني أن أفعل ذلك في شي‌ء كان عليه».

فإنّ كلمة «عليه» قرينة واضحة على أنّ الإمام (عليه السلام) هو المدين لا الدائن.

نعم، يمكن إثارة الخدشة في الهبة بشرط الإنساء، فإنّ البيع المحاباتي و تأجيل‌

____________

(1) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ 3.

95

الدين- الثابت بواسطة بيع محاباتي يشترط فيه الإنساء- لا إشكال فيه، و لكن لا يمكن تصوّر ذلك في الهبة بشرط الإنساء بمعنى أن يهب عيناً بشرط الإنساء.

و منشأ الإشكال أنّ مورد ربا النسيئة هو دفع الزيادة مقابل الإنساء بحيث يصير التعاوض بين الزيادة و نفس الإنساء، و هذا هو مورد نزول الآية أيضاً، فإنّ الإنساء في الجاهليّة كان إمّا بنحو أن يؤخّر مباشرة بفائدة، بقوله: أ تربي أم تقضي؟ و إمّا أن يعطيه هدية في مقابل الإنساء، فإنّ الهبة هي إعطاء مجّاني، فإذا كانت بشرط الإنساء فكأنّما تقع المعاوضة بينها و بين الإنساء، و حيث أنّ الإيهاب و الهبة لا ماليّة له إلّا بلحاظ الموهوب، فالمعاوضة في الحقيقة وقعت بين المال الموهوب و بين الإنساء، و هو مورد ربا النسيئة.

و أمّا في البيع بشرط الإنساء، فلا يرد الإشكال؛ لأنّه يوجد مبيع و ثمن و إنساء معهما، و كذلك في الإجارة المحاباتيّة بشرط الإنساء، فإنّ طرف الإنساء هو نفس عقد الإجارة لا مال الإجارة، و كذلك في الهبة بشرط القرض، فإنّ فيه يقع التعاوض بين عقدين كمعاملة فوقانيّة.

6- و أمّا ما ذكره في أخبار الضميمة- من أنّها مختصّة بموارد الربا التعبّدي لا الحقيقي- فمدفوع بما ورد في ذيل صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج المتقدّمة:

«إنّ أبي كان أجرأ على أهل المدينة منّي، فكان يقول هذا فيقولون: إنّما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، و لو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، و كان يقول لهم: نِعْم الشي‌ء الفرار من الحرام إلى الحرام» (1).

و بما ورد في صحيحته الاخرى- المتقدّمة- أيضاً: «و اللّٰه إنّا لنعلم أنّك لو أخذت ديناراً و الصرف بثمانية عشر فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين، ما وجدته، و ما هذا إلّا فرار، فكان أبي يقول: صدقت و اللّٰه، لكنّه فرار من باطل‌

____________

(1) ب 6/ أبواب الصرف/ 1.

96

إلى حقّ» (1).

فإنّه واضح أنّ موردهما ليس الربا التعبّدي فقط، أي ليس بين الدراهم الصحيحة و المغشوشة، بل يعمّ الربا الحقيقي أيضاً. و من الواضح أنّ الدينار لا يقابل ألف درهم غلّة حتّى يصير من موارد الربا التعبّدي، فهو حيلة و ليس بمعاوضة مبتدئة، و لذا قال (عليه السلام): «هذا فرار».

تنبيه: لا شكّ أنّ بيع العيّنة أو البيع بشرط القرض ليس ربويّاً صريحاً؛ لأنّ المعاملة المزبورة تكون جدّية لا هزليّة، فتلك المعاملة حيث أنّها تؤدّي إلى الفائدة المتوخّاة في الربا، فالربا فيها متستّر و خفيّ، و هذا شاهد على أنّ المحرّم هو الربا الصريح لا المتستّر.

ثمّ إنّه وقع البحث في أنّ تلك الحيلة هل هي على مقتضى القاعدة أم هي تعبّديّة؟

فالقائل بأنّها تكون على القاعدة يقول: في بيع «ألفين» من الدرهم ب‍ «ألف» درهم و «دينار واحد» يقابل «ألف» درهم ب‍ «ألف» درهم، و كذا يقابل «ألف» درهم آخر ب‍ «دينار واحد» فكأنّما بيعان في بيع واحد.

فكلّ عوض يذهب إلى عوض مقابل وفقاً لمقتضى القاعدة.

و فيه: أوّلًا: إنّه في التناسب المالي كيف يقابل دينار واحد بألف درهم؟ غاية الأمر يقابل بعشرين درهماً لا بألف درهم، فإذن تصير المعاملة سفهيّة.

و يلاحظ عليه: أنّ المعاملة من تلك الجهة تكون سفهيّة و لكن فيها أغراض اخر عقلائيّة، مضافاً إلى أنّ معاملة السفيه باطلة لا المعاملة السفهائيّة.

ثانياً: لازم تلك الدعوى أنّ المشتري يقصد تلك المقابلة: «الألف» ب‍ «الألف» و «الدينار» ب‍ «الألف» مع أنّ القصد ليس بموجود و لا في الروايات منه أثر.

ثالثاً: في البيوع المنحلّة إلى بيعين- مثلًا- كلّ طرف مشروط بطرفه المقابل،

____________

(1) ب 6/ أبواب الصرف/ 2.

97

و هذا الاشتراط بالقياس إلى بيع «الألف» ب‍ «الدينار»- بحيث يكون هذا هو البيع الأوّل اشترط فيه البيع الثاني، و هو بيع «الألف» ب‍ «الألف»- ليس فيه إشكال، و أمّا بالقياس إلى بيع «الألف» ب‍ «الألف»- بحيث يكون هذا البيع اشترط فيه بيع آخر، و هو بيع «الألف» ب‍ «الدينار»- ففيه إشكال الربا؛ لأنّ هذا شرط زائد على البيع الأوّل، فيصير منفعة حكميّة ربويّة، فتتبعّض الصفقة فيجي‌ء خيار الشرط.

و قد يقال: إنّ التقابل ليس انحلاليّاً، بل يقابل المجموع بالمجموع. «الدينار مع الألف» بمجموعه يقابل «الألف مع الألف» بمجموعه، و في تلك الإشاعة المجموعيّة ليست هناك زيادة متصوّرة.

و فيه: أنّه مع ذلك إشكال عدم التناسب المالي، و إشكال الربا باقٍ على حاله؛ لأنّ كلّ جزء درهمي- لا محالة- يقابل بجزء درهمي آخر و جزء ديناري، و الربا يتصوّر إمّا في الجزء الدرهمي أو في الجزء الديناري أو في كليهما.

و هذا هو محطّ إشكال العامّة على تلك الحيلة.

فحينئذٍ لا يمكن القول بأنّ هذه الحيلة تكون على وفق القاعدة، بل هي- على فرض صحّتها- تعبّديّة محضة.

الإشكال السابع و هو وجود روايتين على عدم جواز الحيل التخلّصيّة

فالجواب عنه:

أنّ الرواية الاولى، مضافاً إلى ضعف السند، أنّ دلالتها صريحة في غير طريقة العيّنة؛ إذ هي في مورد اشتراط البيع الثاني في الأوّل؛ و ذلك لقوله (عليه السلام): «و هذا الربا، فإن لم تشتره ردّه عليك»، و أقرّه السائل على ذلك، و قد تقدّم أنّ العيّنة إنّما تصحّ مع عدم الاشتراط، فلا تعارض أخبار العيّنة كما أنّ دلالتها- أيضاً- تخصّص الإشكال‌

98

في الحيلة في صورة الاشتراط لا مطلقاً.

و أمّا ما في نهج البلاغة فدلالتها مجملة، فكيف يعارض بها مدلول الروايات المستفيضة المفصّلة، و سيأتي أنّ قسماً من البيوع محرّمة، المصطلح عليها بالبيع الربوي، و عليه يحمل مفاد الرواية الثانية.

الإشكال الثامن و هو أنّ الشارع حرّم الربا في موارد مع أنّه ليس بربا حقيقي،

و لكنّ الشارع سدّ هذا الباب من أساسه كي لا يحتال منه إلى الربا الحقيقي (أي ربا القرض)، و هذا شاهد قويّ على اهتمام الشارع في التجنّب عن تلك المفسدة، فكيف نتوصّل إليها بواسطة الحيل؟

ففيه أوّلًا: إنّ تلك الموارد قد جعلها الشارع ممنوعة للنصّ الخاصّ، و أمّا بقيّة الموارد، فما المانع فيها؟

ثانياً: سيأتي في ربا المعدود أنّ الأصحّ عندنا- تبعاً للمشهور- عدم جريان الربا فيه، و كذلك في مختلف الجنسين.

و أمّا مورد البيع بثمنين، فهو محمول عند المشهور على أنّه قصد بالبيع الثمن الأوّل، و قصد الزيادة للتأجيل، و إلّا لو لم يكن يقصد بالبيع الثمن الأوّل، بل كان مردّداً فالمشهور لا يفتون بالصحّة لأجل عدم تعيين الثمن.

الإشكال التاسع و هو أنّ الآيات التحريميّة ناظرة إلى الحيل التخلّصيّة،

حيث أنّ أهل الكتاب كانوا في بدء أمرهم يحتالون حيلًا غير صريحة في الالتفاف على الربا، ثمّ شيئاً فشيئاً أعلنوا مشروعيّة الربا الصريح، و هذا أمر تاريخي تذكره التواريخ الاقتصادي.

99

فجوابه:

أنّ هذا كتأييد لا بدرجة الاستدلال، فإنّه لا إشكال في أنّ أهل الكتاب قد تدرّجوا في تحليل الربا بدءاً من الحيل الضيّقة و المحدودة و وصولًا إلى تحليله مطلقاً.

و لكن الكلام في أنّ الذمّ الوارد في الآيات ما هو محوره و محطّه؟ فهل هو مطلق لجوئهم إلى الحيل أو هو تحليل الربا الصريح؟ الظاهر أنّ محور الذمّ هو الثاني، و أمّا اللجوء إلى الحيل فَذَمُّه أوّل الكلام.

و ما ورد في رواياتنا من مذمّة الربا الخفيّ فهو باعتبار أنّه نوع من عدم التخلّق بالآداب و السماحة و الإحسان و العطاء (ربح المؤمن على المؤمن حرام).

فهذه التعبيرات ليست دالّة على مذمة تحريميّة و غايتها المذمّة الأخلاقيّة.

و إلى هنا تمّ الكلام في الإشكالات العامّة.

و خلاصة القول فيها: أنّها مردودة و لا تؤدّي إلى نتائج الربا الصريح و سلبيّاته، بل قد تؤدّي إلى نشاط اقتصادي و منافسة شريفة بين المتعاملين.

و العجيب أنّ بعض الأعلام المعاصرين مع استشكاله في مطلق الحيل التخلّصيّة يصرّح بأنّها لا توفّي بأغراض البنوك الربويّة، و ليست لها نفس مؤدّى الربا على الصعيد الاقتصادي، فكيف يستشكل بأنّها و لو كانت صورتها صورة المعاملات الاخرى و لكن حقيقتها هي الربا؟

و نقول: إنّ هذه المفسدة بإطلاقها ليست موجودة في البين، و على فرض وجود إطلاقها ليست ملاك الشارع، و إنّما الصريح منه هو مقصود الشارع و حِكَمُ الشارع في الأحكام ليست بلحاظ كلّ فرد من المعاملات، بل بلحاظ نوع المعاملة، و نوع المتعاملين، و نوع لحاظ الاقتصاد الاجتماعي ككلّ مجموعي.

ثمّ بعد ذكر الإشكالات العامّة نشرع في ذكر أصل الحيل التخلّصيّة و إشكالاتها الخاصّة.

100

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

101

الحيل التخلّصيّة من الربا

102

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

103

[أما عند الخاصة]

الحيلة الاولى البيع أو الشراء أو الهبة بشرط القرض

قال السيّد الخوئي (رحمه الله) في المنهاج:

و للتخلّص من ذلك (أعني: الربا المحرّم في الاقتراض من البنك الأهلي الإسلامي بشرط الزيادة) الطريق الآتي و هو: أن يشتري المقترض من صاحب البنك أو من وكيله المفوَّض بضاعة بأكثر من قيمتها الواقعيّة 10% أو 20%- مثلًا- على أن يقرضه مبلغاً معيّناً من النقد.

أو بيعه متاعاً بأقلّ من قيمته السوقيّة و يشترط عليه في ضمن المعاملة أن يقرضه مبلغاً معيّناً لمدّة معلومة يتّفقان عليها. و عندئذٍ يجوز الاقتراض، و لا ربا فيه، و مثل البيع، الهبة بشرط القرض.

ذكر السيّد (رحمه الله)- أوّلًا- الشراء بشرط القرض، ثمّ البيع بشرط القرض، ثمّ الهبة بشرط القرض.

و الأوّلان مناطهما واحد، و هو عقد بيع بشرط الاقتراض، و يكون المقترض في كليهما هو العميل (/ الزبون)، و المقرض هو البنك و الفائدة التي تؤخذ على القرض تكون نفس مقدار الزيادة على القيمة الواقعيّة في الأوّل، و مقدار النقصان من قيمته السوقيّة في الثاني.

و الثالث صورته: أن يهب المقترض إلى البنك شيئاً معيّناً بشرط أن يقوم البنك بإقراضه مبلغاً معيّناً لمدّة معلومة، يتّفقان عليها، و يكون الشي‌ء الموهوب بمقدار الفائدة التي يريد البنك أن يأخذ منه.

104

الحيلة الثانية: الضميمة

قال السيّد الخوئي (رحمه الله) في المنهاج:

و لا يمكن التخلّص من الربا ببيع مبلغ معيّن مع الضميمة بمبلغ أكثر، كأن يبيع مائة دينار بضميمة كبريت بمائة و عشرة دنانير لمدّة شهرين مثلًا، فإنّه قرض ربوي حقيقة، و إن كان بيعاً صورة.

أصل الفكرة هي فكرة الضميمة التي قد أشرنا إليها سابقاً عند التعرّض لأخبار الضميمة.

و في هذه الحيلة خصوصيّات ثلاث:

1- وجود الضميمة.

2- اتّحاد العوضين و العملتين في الجنس.

و ينبّه بعض تلامذة السيّد أنّ أقلّ اختلاف في العملتين يؤدّي إلى اختلاف الحكم، و لو على نحو أن يكون المبيع (100) دينار بوحدة عملة العشرة، و يكون العوض (110) دنانير بوحدة عملة الخمسة.

3- كون البيع نسيئة لا حالًا.

و السيّد (رحمه الله) لا يرتضي هذه الفكرة لما سيأتي.

و اعلم أنّ تلك الحيلة اعترض عليها بإشكالات عديدة من قِبل الأعلام.

105

الإشكال الأوّل الذي ذكره السيّد الخوئي (رحمه الله)

هو‌

إنّ هذا العمل صورته صورة البيع، و لكن حقيقته هو القرض، فيرجع إلى القرض بشرط الزيادة- حقيقة- فيحرم.

لأنّ قوام كلّ معاوضة- و منها: البيع- بتغاير العوضين و تمايزهما، بخلاف القرض، فإنّك تستطيع أن تقرض شيئاً ثمّ تعيد و تسدّد الدين بنفس الذي اقترضته، و أمّا في البيع فلا بدّ أن يكون المثمن غير الثمن، و إلّا لما كان بيعاً، و في ما نحن فيه لا مغايرة بينهما، فإنّ باستطاعة المشتري أن يسدّد للبائع الثمن بعين المثمن (أي نفس المائة التي أخذها مثلًا) فيصير قرضاً حقيقة، و يعود المحذور.

هذا و قد تصدّى لدفع هذا الإشكال عدّة من تلاميذ السيّد، بوجوه:

1- إنّا نشترط أن يكون الدينار المدفوع بعنوان الثمن غير الدينار المأخوذ بعنوان المثمن، لكي يحصل التغاير، فيصدق البيع.

و فيه: أنّ مراد السيّد الخوئي (رحمه الله) من أنّ الثمن ينطبق على نفس المثمن مع زيادة، هو أنّه يجوز لك أن ترجع نفس المثمن مع زيادة، لا أن يقع رجوعه بالفعل لكي يدفع بالشرط، بل صرف أنّه يجوز لك أن ترجعه- بمقتضى ماهيّة هذا التعاقد- فهذا الجواز من خاصيّة القرض و ليست من خاصيّة البيع، و الشرط لا يغيّر ماهيّة المعاملة.

فمراده أنّ حقيقة القرض- لو خلّي و طبعه- هكذا فلا ينافيه الاشتراط الكذائي، مثل ما لو اشترطنا في القرض بأنّك لا تسدّد لي بهذه الدنانير التي أقرضت لك بل بدنانير اخرى.

فهذا الشرط لا يغيّر حقيقة القرضيّة، فالمراد أنّه لو لا هذا الشرط لكان بالإمكان- في ما نحن فيه- أن تدفع نفس الشي‌ء، و هذه خاصيّة القرض.

2- أنّه يكفي في التمايز بين العوضين- في البيع و سائر المعاوضات- التمايز في افق الإنشاء، و إن لم يكن تغاير و تمايز في افق الدفع و التقابض، فإنّ الصور الذهنيّة‌

106

في افق الذهن- حين الإنشاء- تتعدّد بتعدّد اللحاظ، فيمكن فرض صورتين من ماهيّة واحدة بواسطة لحاظين. و هاهنا مع افتراض أنّ الماهيّة التي يجري عليها التعامل واحدة- و هي المائة دينار مثلًا- فهي تلحظ بلحاظين، أحدهما من طرف البائع، فيسمّى بالتمليك، و الآخر من طرف المشتري، و يسمّى بالتملّك، فبلحاظ الإضافة يحصل التعدّد و التمايز بين العوضين في صعيد الإنشاء.

و فيه: أنّ هذا المقدار من التمايز موجود في القرض أيضاً؛ لأنّ القرض هو تمليك مال على وجه ضمان مثله، و من البديهي أنّ ضمان الشي‌ء بمثله متغاير عن ضمان الشي‌ء نفسه، فإذن يوجد التغاير في القرض أيضاً على صعيد الذهن، و لذا يعدّون القرض من المعاوضات أيضاً، فخاصيّة المعاوضات- و هي التمايز بين العوضين- موجودة في القرض لنفس هذه النقطة، أي التغاير في افق الإنشاء.

و الشاهد على وجود ذلك التمايز في القرض هو أنّهم ذكروا أنّ المقرض يستطيع المطالبة بالعوض في أي وقت شاء، و يستطيع المقترض أن يسدّد الدين بغير العين المقترضة، فإذا ملّك المقرِض المقترض الدنانير العشرة، فلا يستطيع المقرض مطالبة نفس العشرة التي أعطاها و دفعها للمقترض، بل غاية حقّه أن يطالب بتسديد العشرة- كلّيّاً- في ضمن أي مصداق يريد، فلو لم يكن الضمان بشي‌ء كلّي لما صدق التسديد على استيفاء الدين بغير العين المقترضة. فالعوض في القرض ليس نفس العين المقترضة، بل يشمل مثله أيضاً، و هذا معنى تمايز الطرفين في باب القرض.

و هذا المعنى لا ينافي لزوم عقد القرض، فإنّ استطاعة المقرض المطالبة بالعوض في أي وقت شاء ليس معناه جواز عقد القرض. فإنّ اللزوم في القرض فسّر بأنّ نفس العين المقترضة ليس من حقّ الدائن أن يطالب بها.

نعم، له أن يطالب بالعوض، و هو سداد الدين في أي مصداق، فجواز المطالبة من طرف المقرض لا يعني الرجوع في العقد على نحو الرجوع في العقود الجائزة التي تستوجب إرجاع نفس العين- كما في الوديعة- بل يفيد المطالبة بالعوض و تبرأ ذمّة‌