فقه المصارف والنقود

- الشيخ محمد السند المزيد...
622 /
107

المقترض الذي له أن يرجع نفس العين أو غيرها، و لذا لا يعتبر هذا الرجوع فسخاً لعقد القرض.

و تظهر ثمرته في ما إذا كان في عقد القرض شروط معيّنة، فإنّه يجب الوفاء بها حتّى بعد تسديد الدين بنفس العين المقترضة؛ لأنّ القرض لم ينفسخ و إرجاع العين ليس من باب فسخ العقد، بل إنّما هو من باب سداد الدين أو الوفاء بغير الجنس من باب المصالحة في مقام الإبراء.

فإذن في القرض التمايز في افق الإنشاء موجود أيضاً، فصرف هذا التغاير لا يوجب بيعيّة العمل المعاملي، فبهذا المقدار لا تنتفي حقيقة القرض في المقام.

إن قلت: إنّ امتياز القرض عند البيع هو أنّ القرض و إن كان الضمان فيه بشي‌ء كلّي- لا بنفس العين المقترضة- إلّا أنّ كلّيّة المال الضماني تكون بنحو تشمل نفس العين المقترضة أيضاً، بخلاف البيع، فإنّ كلّيّة العوض ليست بنحو تشمل نفس العين المبيعة.

قلت: و مع ذلك كلّه، لا يُنفى التغاير في صعيد الذهن في القرض؛ لأنّ الكلّي و إن كان يشمل أحياناً نفس العين المقترضة، إلّا أنّه من البديهي وجود التغاير بين الضمان بالمثل بنحو كلّي و الضمان بنفس الشي‌ء و إلّا لم يعدّ القرض من المعاوضة، بل هو دوران مال و رجوعه، و الحال أنّ البينونة في افق الإنشاء موجودة بين نفس العين المقترضة و بين المال المضمون.

3- ما ذكر من النقض عليه بجواز بيع الدين بأقلّ منه أو بأكثر، حيث يسمّى بيعاً مع عدم وجود التغاير في البين (1)، فإنّه ورد في الروايات جواز بيع فرس بفرسين في الذمّة، أعني بيع القيمي بالقيمي مع الزيادة، و يجوز أن تدفع نفس الفرس الأوّل مع زيادة- أي الفرس الثاني- من دون أن يغيّر عنوان البيع، و أن يغيّر الجواز بالحرمة.

____________

(1) هذا أيضاً للسيّد الصدر (رحمه الله) في البنك اللاربوي/ 175.

108

إذ لو افترض أنّ البيع بالتغاير فلو دفعنا نفس الفرس الأوّل فحينئذٍ لا تغاير في البين، فيصير قرضاً ربويّاً، و لا بدّ أن يحرّم مع أنّه لم يقل به أحد إلّا العامّة القائلون بحرمة التفاضل حتّى في المعدودات و الفرس معدود.

و فيه: أنّ بيع الدين بأقلّ منه على نفس المدين في الحقيقة إبراء عن القرض (1)،

____________

(1) إذا بيع الدين بأقلّ منه فهل يرجع المشتري إلى المدين بأكثر ممّا دفع إلى الدائن أم لم يلزم المدين أن يدفع أكثر ممّا بذله المشتري، ذهب المشهور إلى الأوّل، و ذهب الشيخ و ابن البرّاج و ظاهر الدروس إلى الثاني، و يظهر من الفاضلين في الشرائع و القواعد التوقّف استناداً إلى صحيحة محمّد بن الفضيل، قال: «قلت للرضا (عليه السلام): رجل اشترى ديناً على رجل، ثمّ ذهب إلى صاحب الدين فقال له: ادفع (إليَّ) ما لفلان عليك، فقد اشتريته منه، قال: يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين، و برئ الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه».

(ب 15/ أبواب الدين و القرض/ 3)

و موثّق أبي حمزة، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل كان له على رجل دين، فجاءه رجل فاشتراه منه بعوض، ثمّ انطلق إلى الذي عليه الدين، فقال له: أعطني ما لفلان عليك، فإنّي قد اشتريته منه، كيف يكون القضاء في ذلك؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يردّ الرجل الذي عليه الدين ماله الذي اشترى به من الرجل الذي له الدين». (ب 15/ أبواب الدين و القرض/ 2)

و الاولى الأصرح من الثانية؛ إذ قد يظهر من الثانية عدم صحّة بيع الدين على غير من عليه، كما ذهب إلى ذلك ابن إدريس و المشهور لم يعملوا بهما استضعافاً للطريق أو لمخالفة مضمونهما للُاصول و القواعد المقرّرة، و من ثمّ حملوا مضمونها- كما في المختلف- على الضمان، فلا يرجع الضامن المعبّر عنه بالمشتري إلّا بما غرم و الزائد قد أبرأه الدائن، أو على حوالة الدائن المشتري على المديون لاستعادة الثمن بعد كون البيع فاسداً، و يبرئ المديون ممّا عليه بقدر الحوالة، و يدفع الباقي من الدين للدائن.

هذا و لو اريد الجمود على الظهور الأوّلي للروايتين لم يستقم المفاد؛ و ذلك لأنّ البيع للدين إن كان صحيحاً، فالمشتري قد ملك تمام الدين الذي للدائن على المديون، فعدم استحقاقه لتمامه إمّا لأجل الربا القرضي أو الربا المعاوضي، و أمّا الثاني فغير مطّرد في كلّ الديون و هو الذي أشكل به ابن إدريس على الشيخ، و أمّا الأوّل فلم يفرض في مورد السؤال باستئذان

109

و أمّا بأكثر منه عليه، فالكثير يستشكلون فيه باعتبار أنّه قرض ربوي حقيقة، و إن كان بيعاً صورة.

مضافاً إلى أنّ القيمي لا يشخّص إلّا بالصفات و الخصوصيّات؛ لأنّ كلّ قيمي له‌

____________

المشتري من المديون في أداء الدين كي يكون ذلك إقراضاً للمديون و أداءً عنه نيابة، و إن لم يكن البيع صحيحاً، فلا بدّ من حمل الظاهر على بعض الوجوه كالوجهين المتقدّمين و نحوهما.

هذا مضافاً إلى أنّ لفظ (صاحب الدين) في الرواية الاولى المتكرّر في السؤال و الجواب لا بدّ من حمله على معنيين مختلفين، أي في السؤال على المديون، و في الجواب على الدائن كي يستقيم المعنى الذي ذهب إليه الشيخ و من تابعه، و إلّا فلو حمل على معنى واحد أو العكس لم يستقم ما استظهر.

و مضافاً إلى أنّ ظاهر الرواية الثانية من التعبير في الجواب «يردّ ماله الذي اشترى به» هو انفساخ البيع أو فساده، و هو ينطبق إمّا على بطلان بيع الدين على غير من عليه، كما تفرّد به ابن إدريس، أو على كون الدين من المكيل و الموزون و الشراء بجنسه، فيبطل مع الزيادة أو النقيصة، هذا و العمدة في حمل ظاهر الروايتين على غير بيع الدين هو ما أشار إليه في الكلمات من مخالفة ظاهرهما البدوي للُاصول و القواعد، و ليس المراد هو مخالفتهما للعمومات كي يرتكب التخصيص بهما، بل هو مخالفتهما لما استفاض من الروايات الدالّة على نفوذ البيع للدين بأقلّ أو أكثر، كصحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا اشتريت متاعاً فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتّى تقبضه، إلّا أن تولّيه، فإن لم يكن فيه كيل و لا وزن فبعه».

(ب 16/ أبواب أحكام العقود/ 12).

و غيرها من الروايات الناظرة إلى جواز ابتياع الدين من غير الجنس الربوي مع التفاوت أو المساواة بخلاف الجنس الربوي، فلاحظ بقيّة روايات ذلك الباب (ب 16/ أبواب أحكام العقود) و غيره (ب 10 و 15/ أبواب أحكام العقود و ب 10/ أبواب السلف و ب 7/ أبواب بيع الثمار).

فتحصّل صحّة بيع الدين بأقلّ منه على غير من عليه الدين لدلالة النصوص بالخصوص عليه، فضلًا من العمومات الأوّليّة.

110

قيمة خاصّة، و في القيمي إذا لم يتشخّص فبيعه باطل. فلا بدّ من التعيين في بيع القيميّات.

و تعيين كلّ فرد بصفاته الخاصّة يوجب التغاير بين الأفراد، فصحّة بيع القيميّات متوقّفة على التغاير و التمايز بين الثمن و المثمن و لو على صعيد الإنشاء و إن لم يتغايرا في مقام التقابض من جهة الصلح أو غيره، و حينئذٍ دفع الفرس الأوّل بعنوان الثمن، و إن كان صحيحاً في مقام التقابض، إلّا أنّه غير صحيح في مرحلة الإنشاء، و لا بدّ في الإنشاء أن يتغاير العنوانان.

4- النقض عليه ببطلان الربا المعاوضي نظير بيع كيلو من الحنطة بكيلو منها نسيئة؛ إذ لو كان هو قرضاً حقيقة من جهة إمكان دفع نفس الحنطة الاولى، فلا بدّ أن يكون جائزاً، لا باطلًا لعدم الزيادة في البين، و لا بأس بالنسيئة في القرض.

مع أنّ السيّد الخوئي (رحمه الله)- نفسه- و المشهور أفتوا بالحرمة؛ لأنّه بيع ربوي، و التفاوت الحكمي موجود هاهنا في بيع المكيل بالمكيل.

و أمّا الالتزام بصحّته- لإرجاعه إلى القرض- كما التزم به بعض أعلام العصر من تلامذة السيّد، فمخالف لفتوى الكلّ.

و فيه: أنّ القول بالحرمة ليس نقضاً على السيّد (رحمه الله)، بل هو مؤيّد له، حيث أنّ سرّ تحريم الربا في بيع المكيل أو الموزون هو منع إمكان الوصول إلى ربا النسيئة من هذا الطريق، فإنّهم كانوا يتوصّلون إلى ربا النسيئة بالمكيل و الموزون في صورة البيع، و لكن كانت حقيقته الاستزادة في الدين التي يتوصّل إليها عبر العملة الرائجة- تارة- و عبر المكيل و الموزون- اخرى- فحرّمه الشارع لأنّه في الباطن و الواقع قرض، فعدم التزام السيّد (رحمه الله) بالصحّة في محلّه، و هذا مؤيّد لنظريّته لا مناقض.

و أمّا على القول بأنّ الزيادة الممنوعة في الربا المعاوضي إنّما هي الزيادة العينية و الإنساء من قبيل الزيادة الحكميّة، و حينئذٍ لو لم نُرجع هذه المعاملة إلى القرض، بل نُقرّ بأنّها بيع، فهي مع ذلك صحيحة لعدم حرمة الزيادة الحكميّة في البيع‌

111

و سائر المعاوضات.

5- النقض ببيع العرايا و المزابنة و المحاقلة.

بيع العرايا هو أن يبيع رطب النخلة بتمر معيّن من نفس الرطب، و هو بيع صحيح عند الأكثر (1) مع أنّه لا تمايز فيه بين العوضين، و بيع المزابنة هو بيع ثمرة النخل بتمر-

(1) العريّة- لغةً-: النخلة يعريها صاحبها غيره ليأكل ثمرتها فيعروها- أي يأتيها- أو هي النخلة التي أكل ما عليها. يقال: استعرى النّاس، أي: أكلوا الرطب. (المصباح المنير و القاموس المحيط).

هي في الأصل عطيّة ثمر النخل دون الرقبة. كانت العرب في الجدب تتطوّع بذلك على من لا ثمر له. (نيل الأوطار 5/ 200).

عرّف الشافعيّة بيع العرايا بأنّه: بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض أو العنب في الشجر بزبيب في ما دون خمسة أوسق بتقدير الجفاف بمثله. (شرح المنهاج للمحلّى 2/ 238) و عرّفه الحنابلة بأنّه: بيع الرطب في رءوس النخل خرصاً بما له يابساً بمثله من التمر كيلًا معلوماً لا جزافاً (الشرح الكبير في ذيل المغني 4/ 152).

فهذا البيع جائز في الجملة عند جمهور العامّة: مالك و الشافعي و أحمد و إسحاق و ابن المنذر.

(الشرح الكبير 4/ 152)، و لكنّ الحنفيّة- و كذا مالك في التحقيق- لم يستجيزوا بيع العرايا.

(رسائل ابن عابدين: 4/ 109).

1- «المزابنة» مأخوذ من الزَّبن، و هو في اللغة: «الدفع» لأنّها تؤدّي إلى النزاع و المدافعة بسبب الغبن (الموسوعة الفقهيّة 9/ 39، إصدار وزارة الأوقاف الكويتيّة) و هو بيع الرطب على النخل بتمر (الموسوعة الفقهيّة 22/ 72).

بيع المزابنة: عرّفه الجمهور بأنّه بيع الرطب على النخيل بتمر مجذوذ مثل كيله خرصاً و تقديراً؛ و ذلك بأنّ يقدّر الرطب الذي على النخل بمقدار مائة صاع مثلًا بطريق الظنّ و الخرص، فيبيع بقدره من التمر. (رسائل ابن عابدين 4/ 109).

و عرّفه بعض المالكيّة بأنّه بيع مجهول بمعلوم- ربوي أو غيره- أو بيع مجهول بمجهول من جنسه. (الشرح الكبير 3/ 60)، أو بيع شي‌ء رطب بيابس من جنسه، سواء أ كان ربويّاً أم غير ربوي. (القوانين الفقهيّة: 168) و بيع العرايا من المزابنة. (الموسوعة الفقهيّة 22/ 51)، و اتّفق الفقهاء على أنّ المزابنة فاسدة. (الموسوعة الفقهيّة 9/ 140). ل‌

____________

(1)

112

مجذوذ مثل كيله خرصاً، و بيع المحاقلة هو بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً. و هذان البيعان و إن كانا فاسدين و باطلين شرعاً 1، إلّا أنّه لا كلام في صحّة إطلاق لفظ البيع عليهما 2، و هذا يعني أنّ التمايز بين العوضين غير مأخوذ في حقيقة البيع. (1)

نعم، أجاب بعض مشايخنا عنه بأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المجاز، فهو بيع صورة و مجازاً و نوع معاملة صحّحها الشارع في العرايا دون البواقي.

و لكن لا نرى وجداناً أثراً من مئونة المجاز في إطلاق لفظ البيع عليه، فهو استعمال حقيقي.

و تحقيق الكلام في هذا الإشكال النقضي يستدعي الرجوع إلى معرفة حقيقة البيع، فهل هي مبادلة مال بمال، و تمليك بتمليك؟ أو هي مطلق المقابلة بين المالين و أن يكون هذا بإزاء ذلك؟

و الذي يظهر من السيّد اليزدي و المحقّق الأصفهاني رحمهما الله هو أنّ البيع يستعمل في موارد لا يمكن أن يراد منه معنى المبادلة، بل يراد منه مطلق المقابلة، كبيع العين الموقوفة، فإنّ المسجد لا يمتلك الثمن، بل يصبح وقفاً أو تحريراً على المسجد، من دون أن يحتاج إلى صيغة وقف جديدة، فنفس البيع و الشراء موجب لتحرير ذلك الشي‌ء المشترى، و كذلك في بيع الدين على من هو عليه، فهو بيع حقيقة، مع أنّه يفيد فائدة الإبراء، فكيف هو تمليك؟

و إذا كان البيع مطلق المقابلة فيمكن حينئذٍ مقابلة الكلّي بفرده أو بجزئه أو بنفسه،

____________

(1) لا أمّا «المحاقلة» ففي اللغة: بيع الزرع في سنبله بالبرّ أو بحنطة. (المصباح المنير)، و في الاصطلاح: بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية من التبن، مثل كيلها خرصاً. (الموسوعة الفقهيّة 22/ 72).

2- نهي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن بيع المزابنة و المحاقلة.

113

و التمايز بهذا المقدار يكفي في البيع، فاتّضح أنّ هذا الإشكال النقضي وارد على السيّد الخوئي (رحمه الله).

6- و هو المختار، أنّ القرض من المعاوضات، كالبيع و المعاوضة، لا بدّ فيها من التمايز بين العوضين، فهذا التمايز خاصيّة المعاوضات و تلك الخصوصيّة، كما هي موجودة في البيع موجودة في القرض أيضاً، و لكن في القرض يمكن دفع نفس المال المقترض، و هذا لا ينافي المعاوضيّة؛ لأنّه حقّق في محلّه أنّ الاقباض هو معاوضة ساذجة جديدة.

فحين ما أخذ المقترض عشرة دنانير قرضاً، ثبت في ذمّته كلّي عشرة دنانير، مع أنّ الدائن ملّكه عشرة دنانير شخصيّة، فهما متغايران، أحدهما شخصي و الآخر كلّي، و لكن حين ما يسدّد المدين للدائن ربّما يدفع نفس العشرة دنانير التي اقترضها، و هذا المدفوع ليس نفس العوض، و إنّما هو إقباض الكلّي بالشخصي، و هو معاوضة اخرى، لا أنّه عين العوض في المعاوضة الاولى، فظهر أنّه ليست خاصيّة القرض اتّحاد العوضين، بل هو من حيث أنّه معاوضة لا بدّ فيه من التمايز. غاية الأمر في مقام التقابض تجري معاوضة اخرى عكس المعاوضة الاولى.

فتحصّل أنّ إشكال السيّد الخوئي (رحمه الله) على حيلة الضميمة غير صحيح.

الإشكال الثاني الذي طرحه الشهيد الصدر

هو:

إنّ بيع مائة دينار- بضميمة كبريت- بمائة و عشرة دنانير لمدّة شهرين مثلًا، في الحقيقة و بحسب الارتكاز العرفي قرض قد البس ثوب البيع، فيكون من القرض الربوي المحرّم؛ لأنّ المائز بين القرض و البيع هو أنّ في القرض ينظر المتعاقدان إلى ماليّة الشي‌ء؛ لأنّ القرض هو تبديل المال الخارجي بمثله في الذمّة، و أمّا في البيع فالنظر متوجّه إلى الصفات و الخصوصيّات الشخصيّة للشي‌ء، و لذا يقال: البيع مبادلة عين بمال، و حينئذٍ فإذا وقعت معاملة و كان توجّهها إلى ماليّة الشي‌ء فهو قرض‌

114

- و إن كانت صورتها بيعاً- و أمّا إذا توجّهت إلى الصفات الشخصيّة فهو بيع، و حيث أنّ في بيع العملة بالعملة لا ينظر إلى شخص الورقة النقديّة و إنّما المعاملة ركزت على جهة الماليّة من النقود، لا ديناريّة الدينار مثلًا، فالمقصود فيه هو الميزان المالي، فهو قرض عرفاً.

فإنّ لبّ هذا الإشكال توسعة دائرة القرض بحسب الارتكاز العرفي بحيث تشمل تلك المعاملة، و إن اريد بها البيع- عند المتعاملين- جدّاً و ذلك بادّعاء أنّ العرف لا يريد من كلمة «القرض» إلّا المعاملة التي تؤدّي إلى ذلك النحو من التبديل الذي قلناه، و معه فالحيلة حقيقتها القرض العرفي الربوي.

فهذا الإشكال يؤدّي إلى نفس نتيجة إشكال السيّد الخوئي (رحمه الله)- الذي أشرنا إليه تحت عنوان الإشكال الأوّل- إلّا أنّ الشهيد الصدر (رحمه الله) يذهب إليه بادّعاء وجود الارتكاز العقلائي على أنّ في القرض النظر و الاهتمام منصبّ على ماليّة العين، بينما في البيع منصبّ على شخص العين، و لذلك قالوا بوقوع البيع على الأعيان لا المنافع، و في ما نحن فيه مركز النظر ليست العملة الورقيّة بذاتها، بل هي جهة الماليّة المعتبرة فيها.

و هذا الإشكال يصلح أيضاً لمنع بعض الحيل الاخرى.

و فيه: أوّلًا: إنّ بعض الفقهاء عمّم البيع إلى صورة ما إذا كان المقصود هو ماليّة الطرفين، كما في بيع العملات، فحينئذٍ يكون الفرق بين الثمن و المثمّن بأنّ من يبتدئ بطرح ماله هو البائع، و يكون ماله هو المبيع و المقابل هو المشتري.

ثانياً: لو سلّمنا أنّ المعاملة التي يكون النظر فيها إلى ماليّة الطرفين ليست بيعاً، إلّا أنّها غير داخلة تحت عنوان القرض أيضاً، بل هي مبادلة خاصّة داخلة في أوفوا بالعقود- كما ذهب إليه المحقّق الايرواني في حاشيته على المكاسب- و الفارق بينها و بين القرض: أنّ القرض ليس بمبادلة، بل هو تمليك الشي‌ء على وجه الضمان بالقيمة الواقعيّة، فيكون العوض غير معيّن، و لذا اختلفوا في أنّه هل يضمن المقترض‌

115

العين المقترضة في يوم القبض أو يوم الدفع أو يوم التلف أو أعلى القيم؟ بخلاف تلك المبادلة، فإنّ العوض فيها معيّن مسمّى.

ثالثاً: إنّ هذا الإشكال يورد على بيع العملة بعملة اخرى- أي مع اختلاف الجنس- مع أنّ من الواضح أنّ نظر المتعاقدين ليس إلى الماليّة فقط، بل يكون نظرهما إلى نفس العملة و خصوصيّاتها من حيث حفظ العملة الخاصّة للماليّة و القدرة الشرائيّة، فتحصّل الرغبة فيها، حيث يأمن من التضخّم الحاصل في العملات الاخرى، فيأمن بذلك من سقوط قيمتها، فهي مرادة بنفسها؛ لأنّ بعض العملات أحفظ لماليّة المال، فإنّ أحد أهداف العملات النقديّة حفظ الماليّة، و هذه الخصوصيّة في بعض العملات منضبطة، فهي أحفظ و أكثر احتفاظاً في حفظ الماليّة و بعضها الآخر فيه هبوط دائم و انخفاض مفاجئ، فالعملات النقديّة ليست في حفظ الماليّة على استواء. فإذن القصد في المعاوضات كثيراً ما يتوجّه إلى خصوصيّة العملة.

و نظير ذلك: الزارع الذي يحوّل منتجاته الزراعيّة السريعة التلف إلى منتجات اخرى غير قابلة للتلف، فيحفظ بذلك ماليّة منتجاته، و هنا كذلك، فإنّ تحويل العملات السريعة التغيّر و التي تتعرّض لهبوط مفاجئ إلى عملات تتّصف بالاتّزان و الثبات و قلّة التغيّر من هذا الباب.

فتحصّل أنّ هذا الإشكال- أيضاً- غير وارد.

الإشكال الثالث هو بطلان المعاملة بلحاظ غطاء العملة،

و هو إمّا أن يكون الذهب، و إمّا أن يكون غير الذهب من الموارد الطبيعيّة و المنتوجات الوطنيّة، كالنفط و المعادن مثلًا، و هي من المكيل و الموزون، فيكون بيع العملة طريقاً و حاكياً عن الذهب أو المكيل المخزون، فيردّ إشكال الربا.

و يؤيّد الإشكال فتوى السيّد الاصفهاني (رحمه الله) في الوسيلة ببطلان بيع العملة بالعملة‌

116

إذا كان بيعها كنقد لا كورق، فإنّ ماليّة النقود ليست ذاتيّة للنقود، بل بلحاظ الغطاء في البنك المركزي، و هو الذهب و الفضّة الموجودة في خزانة الدولة أو المنتوجات الوطنيّة، فبمقدار ماليّتها تصدر الورقة النقديّة، فتكون حيثيّة الغطاء حيثيّة تقييديّة- أي الماليّة للغطاء- و حينئذٍ تتحقّق مشكلة الربا.

و فيه: أوّلًا: إنّ الإشكال يرد لو كانت العملات تستخدم كوثيقة و لا تكون للأوراق النقديّة ماليّة ذاتيّة، و تكون حيثيّة الغطاء حيثيّة تقييديّة، و لكن قد بيّنا في بداية البحث أنّ الأوراق النقديّة أصبحت لها ماليّة ذاتيّة و ليست كوثيقة، و تكون حيثيّة الغطاء فيها حيثيّة تعليلية- أي الماليّة لنفس العملة، و الغطاء علّة لعروض الماليّة عليها (1)- فلا يرجع إلى بيع الصرف- حتّى يجب فيه التقابض في المجلس، فتبطل النسيئة- و لا إلى بيع المكيل و الموزون- حتّى يجب فيه عدم التفاضل-.

نعم، قد تكون العملة في بعض الأحيان وثيقة، و ذلك في العلاقات الدوليّة، فتملك دولة على دولة اخرى عملتها، و تحتفظ بها كوثيقة لتطالب بما يقابلها من الغطاء من البنوك العالميّة أو نفس الدولة المدينة.

و لكن هذا لا يعني تمحّض العملة في ذلك، بل في عين كونها وثيقة تعتبر لها ماليّة باعتبار آخر، و لا مانع من اجتماعهما كما في الرهن، فهو وثيقة لدَين المرتهن من جهة، في عين وجود الماليّة له.

نعم، الإشكال باقٍ في تمحّض جانب الوثيقة في الورقة، كما في بعض السندات التي يصدرها البنك، و لا يكون لها أي ماليّة، بل يكون وثيقة لأجل استحصال الذهب أو الورق المالي.

و لكن يمكن دفعه بأنّ السندات المزبورة أيضاً، كوثيقة على مقادير من الأوراق‌

____________

(1) قد أوضحنا البحث في ماليّة النقود بنحو أدقّ و مفصّل بحسب معطيات تخصّص علم المال في الجزء الآخر من تكملة المسائل المستحدثة عند البحث عن ضمان الماليّة في التضخّم.

117

النقديّة لا على الغطاء. نعم، هناك سندات اخرى بنكيّة متداولة بين الدول كوثيقة على الغطاء.

ثانياً: إنّ الوضع الاقتصادي- الآن- يختلف عمّا قبله؛ و ذلك لأنّ الغطاء كان في الستّينات و قبلها هو الذهب وحده، فيرد الإشكال، إلّا أنّه مع تطوّر علم النقد و المال صار الغطاء النقدي هو جملة من الموارد الطبيعيّة و المنتوجات الوطنيّة، كالذهب و الفضّة و النفط و الخدمات المشتركة الوطنيّة و غيرها ممّا يبتني عليها اقتصاد الدول، فيكون بيع العملة بالعملة هو بيع جملة- من ذهب و نفط و غيرهما- بجملة اخرى، فينصرف كلّ إلى خلافه، كما في بيع ذهب و فضّة بذهب و فضّة، فيجوز التفاضل على أساس ذلك الانصراف.

نعم، لو فرض أنّ دولتين كان الغطاء فيهما هو النفط وحده و لا غير، فقد يسلّم بالإشكال في بيع عملتيهما، حيث يكون من باب بيع المكيل و الموزون، و لا يجوز التفاضل فيه، و لكنّه فرض نادر في زماننا.

هذا، و لكن يشير بعض الدراسات الاقتصاديّة إلى وجود نوعين من الغطاء، أحدهما مباشر، و الآخر غير مباشر.

فالمباشر ما زال يتكوّن من الذهب- حتّى في عصرنا هذا- و غير المباشر- الذي هو كغطاء للغطاء المباشر- يكون المنتوجات الوطنيّة.

و الشاهد على ذلك: إنّ الدول إذا أرادت أن تخفض قيمة نقدها أو ترفع قيمته، فإنّها تقلّل من كميّة الذهب الموجود في الخزينة أو تزيده، و هذا يعني إنّ الغطاء المباشر للعملة التي تكون العملة حاكية عنه هو الذهب، فيبقى الإشكال على حاله.

و فيه تأمّل؛ لأنّ المشاهد- الآن- عند دراسة ميزانيّة أي دولة أنّ الغطاء المباشر للنقود هو الذهب الموجود في الخزانة، و الأشياء الثمينة الموجودة فيها، و العملات الصعبة، هذا كافٍ في دفع الإشكال في المقام ليكون ما يجري التعامل عليه من الغطاء مختلفاً، فعند التبايع ينصرف كلّ إلى خلافه.

118

بقي في هذا الإشكال نقطة اخرى، و هي أنّه ما هو مقتضى القاعدة عند الشكّ في أنّ العملة وثيقة أو نقد لها ماليّة؟ و عند الشكّ في أنّ الغطاء متمحّض في الذهب أو تنضمّ إليه أشياء اخرى؟

قيل: إنّ مقتضى القاعدة هي الصحّة؛ لأصالة الصحّة و استصحاب عدم المخصّص لعموم (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا) (1) غير الربا البيعي، أي ثبت خروج الربا البيعي من هذا العموم بالدليل فيبقى الباقي.

أقول: و في كلا الدليلين نظر: أمّا أصالة الصحّة، فهي تجري بعد وقوع المعاملة و الشكّ في الخلل، لا حين إجراء العقد.

مضافاً إلى أنّ مجرى أصالة الصحّة هو احتمال وجود خلل في العمل، كعدم الموالاة في الصلاة، و عدم صحّة اللفظ في الإنشاء، و لا تجري عند الشكّ في موضوع المعاملة كالشكّ في ماهيّة نفس المبيع، هل له ماليّة أو لا؟

و لا عند الشكّ في كون العوضين أو المتعاقدين واجدين لشرائط الصحّة؛ لأنّ دليل هذا الأصل هو بناء العقلاء، و ذلك البناء غير موجود في هذه الموارد.

و أمّا استصحاب عدم المخصّص فهو لا بدّ أن يكون من باب استصحاب العدم الأزلي، لا عدم الحالة السابقة؛ لأنّ العملة إمّا أن تكون وثيقة عند إنشائها و اعتبارها، أو نقداً لها ماليّة بالذات، فليست لها حالة سابقة حتّى تستصحب، فلا بدّ من استصحاب العدم الأزلي، و في جريانه خلاف، و إن كان الصحيح عندنا جريانه، و لكن مع ذلك لا يفيد في ما نحن فيه؛ لأنّ الثابت في محلّه أنّ جريانه متوقّف على ما إذا كان المخصّص غير منوّع للعام، و أمّا إذا كان منوّعاً للعام فلا يجري.

توضيحه: إذا ورد دليل مفاده: «يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم كذا»، و جاء دليل مخصّص يُخرج النساء عن العموم، فلا يكون هذا من باب عموم خرج منه النساء؛

____________

(1) سورة البقرة 2: 275.

119

لأنّ هذا المخصّص ينوّع، و مقتضاه: أنّ النساء وظيفتهنّ كذا، و الرجال وظيفتهم هكذا، فيكشف عن أنّ موضوع الدليل العامّ هو عنوان «الرجال» لا «غير النساء»، و «الرجال» و «النساء» موضوعان متباينان و ضدّان، و في الضدّين لا يجري استصحاب العدم الأزلي؛ لأنّ نفي أحد الضدّين لا يثبت وجود الضدّ الآخر.

مثال آخر: إذا ورد دليل مفاده: «تجب في كلّ نكاح النفقة، إلّا في المتعة»، فهذا التخصيص يغيّر عنوان العام، و يضيف له عنواناً وجوديّاً آخر، و هو: «تجب النفقة في النكاح الدائم»، و هذا عنوان وجودي ليس على حذو «كلّ نكاح ليس بمتعة».

و أمّا إذا لم ينوّع المخصِّصُ العام، بل أكسبه قيداً عدميّاً، فيجري ذلك الاستصحاب، كما في تحديد سنّ اليأس للمرأة، خرجت منه «القرشيّة»، فيصبح العام «المرأة غير القرشيّة»، و يبقى موضوع العام على عنوانه مضافاً إلى قيد عدمي.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ المخصّص في ما نحن فيه ينوِّع العامّ؛ لأنّ المبيع إمّا أن يكون مكيلًا و موزوناً، أو معدوداً، أو مثليّاً، أو قيميّاً، فغير المكيل له عنوان وجودي آخر، فلا ينفع استصحاب العدم الأزلي، فتأمّل.

فتحصّل: أنّ مقتضى القاعدة في هذا الشكّ هو أصالة الفساد المقرّرة في المعاملات في الشبهة الحكميّة التي هي عبارة عن استصحاب عدم الانتقال و عدم الأثر.

الإشكال الرابع هو شرطيّة التقابض في المجلس في بيع الصرف،

و محطّ هذا الإشكال هو أنّ أحكام الصرف هل هي مخصوصة بالذهب و الفضّة المسكوكين، أو أنّ موضوعها مطلق العملة؟ غاية الأمر كانت العملة في الزمن السابق الذهب و الفضّة بل إذا تبدّلت العملة من الذهب و الفضّة فالحكم جارٍ عليها أيضاً. فلو قلنا بأنّ أحكام الصرف مختصّة بالذهب و الفضّة المسكوكين فلا توجد شبهة الصرف في بيع العملة بالعملة لأنّ غطاء الأوراق ليس الذهب و الفضّة فقط، بل كلّ ما هو منتوج وطني هو الغطاء،

120

فلا تجري فيه أحكام الصرف.

و أمّا لو قلنا بأنّ موضوع أحكام الصرف- كشرطيّة التقابض في المجلس- هو مطلق العملة، فشبهة الصرف قويّة، فالنسيئة فيه ممنوعة، و هناك شواهد على الاحتمال الثاني، فيشترط التقابض في بيع النقود و العملات بما هو نقد، لا بما هو ذهب.

شواهد التعميم

1- إنّه بلا ريب في الذهب و الفضّة المسكوكين توجد ماليّة ذاتيّة، و هي ماليّة نفس الذهب و الفضّة، و ماليّة عرضيّة، و هي ماليّة السكّة من جهة كونها نقداً، فإذا كان الذهب موضوع الدليل بلحاظ النقد، فكأنّما تلك الصفة العرضيّة هي الموضوع، لا نفس المعروض.

و هذا التعميم جار أيضاً في زكاة النقدين.

2- إنّ اشتراط التقابض في المجلس لم يكن بلحاظ كون النقد مكيلًا و موزوناً، بل لأجل كونه نقداً.

فلذا لو بعت- مثلًا- مائة كيلو حنطة بمثلها كيلًا و جنساً، و لم يكن نسيئة أو ذهب غير مسكوك بذهب غير مسكوك آخر، و لم يحصل التقابض في المجلس، بل حصل بعد يومين، فإنّه لا يبطل العقد بخلافه في بيع النقدين- حتّى في مثل سكّة الذهب بسكّة الفضّة- فإنّه يبطل العقد، فهذا شاهد على أنّ موضوع «اشتراط التقابض» هو «مطلق النقديّة» لا عنوان الذهب.

3- إنّ بعض الروايات في هذا الباب أشارت إلى لفظ «النقدين» (1) و دعوى تقييده بخصوص مورده من الذهب و الفضّة لا دليل عليه، فإنّ الاستعمال في مطلق النقد، فيفهم منه تلك الصفة العارضة لا معروضها، و إلّا لخصّها بالذِّكر فقط، و تعبير الفقهاء‌

____________

(1) ب 15/ أبواب الصرف/ 6 و 7 و 8؛ ب 20/ أبواب الصرف/ 1.

121

ب‍ «النقد» أيضاً في ذيل روايات الدرهم و الدينار يكون مؤيّداً لكون الموضوع هو «النقد» لا غير.

مضافاً إلى ما يمكن أن يقال: من أنّ الدرهم و الدينار اسمان لوزن معدن مضروب بالسكّة بقدر المثقال، فيكونان عنوانين عامّين للنقد المسكوك.

4- التأييد بحرمة الربا الفضل في المعدود نسيئة الشامل للنقد من غير الذهب و الفضّة، و قد ذهب إليه الشيخ الطوسي (رحمه الله)، و بعض آخر وردت به روايات (1) و قد ذهب إليه العامّة (2)؛ إذ قد وردت في روايات العامّة اشتراط التقابض في المجلس في بيع المعدود مع التفاضل و لم يخصّوه بالصرف.

فتلك الشواهد غاية ما تفيد هو استظهار التعميم، و لم أجد من عمّم شرطيّة التقابض إلى غير الذهب و الفضّة، إلّا الشهيد الصدر- من باب الاحتياط- و التزم في باب الزكاة أيضاً.

و فيه: أوّلًا: إنّ النقود النحاسيّة كانت موجودة في عصر صدور الروايات، و لكن ليست في الأخبار إشارة إلى جريان أحكام الصرف فيها، فهذا شاهد على اختصاص الصرف بالذهب و الفضّة دون مطلق العملة.

ثانياً: إنّ العرف يفهم من الأدلّة الجمود على الدينار و الدرهم و موضوعيّتهما، و هذا الفهم موجب للشكّ في تسرية الحكم لغير الذهب و الفضّة، فإنّ أخذ المادة المعيّنة و الهيئة المعيّنة ظاهر في اشتراطهما معاً، و لا يمكن رفع اليد عنه إلّا بقرينة قويّة و صِرف ادّعاء القرينة الحاليّة لا تكون ملزمة للطرف الآخر.

و ثالثاً: إنّ شرطيّة التقابض مختصّة بالدينار و الدرهم عند المشهور، و أمّا متأخّرى هذا العصر فيعمّمون تلك الشرطيّة لمطلق التعاوض البيعي بين الذهب و الفضّة،

____________

(1) ب 17/ أبواب الربا.

(2) المغني لابن قدامة/ كتاب البيع/ باب الربا و الصرف: 4/ 131.

122

و إن لم يكونا نقدين مسكوكين.

فعلى القول الثاني يكون جليّاً أنّ التقابض خاصّ بهاتين المادّتين لا بالهيئة من حيث هي هيئة ماليّة نقديّة.

فتحصّل أنّ الإشكال الرابع أيضاً مندفع.

الإشكال الخامس قد تعرّضنا له سابقاً في الإشكالات العامّة من أنّ فكرة الضميمة وردت في موارد الربا التعبّدي لا الربا الحقيقي.

حيث أنّ بيع الدراهم الغلّة المغشوشة بالدراهم الصافية الوضحة (100 درهم وضح ب‍ 150 درهماً غلولًا) ليس ربا حقيقيّاً؛ لأنّ الفضّة الموجودة في الغلول بقدر الفضّة الموجودة في الوضح، فحينئذٍ هذا الربا تعبّدي، فتجويز هذه الموارد يكون على القاعدة. فالربا تعبّدي و تجويزه أيضاً بالتعبّد، فالحيل مختصّة بالربا التعبّدي لا الحقيقي.

بخلاف موردنا، و هو بيع العملة بالعملة، فإنّه ربا حقيقي لا التعبّدي، نظير معاوضة الوضح بالغلول.

و فيه: قد ذكرنا أنّ الروايات تفيد بوضوح أنّ منشأ الإشكال ليس تعبّديّة الربا، فإنّ الروايات واردة و ناصّة على الموارد التي ليس فيها تعادل مالي كما مرّ، فراجع.

الإشكال السادس هو ما اختاره بعض القدماء،

و تبعهم في ذلك السيّد السيستاني (حفظه اللّٰه تعالى) من ثبوت الربا في بيع المعدود نسيئة، و أمّا نقداً فلا إشكال فيه.

و استند إلى رواياتٍ تقيّد الروايات المطلقة الدالّة على جواز بيع المعدود بأكثر منه مطلقاً، نقداً أو نسيئة.

أمّا الروايات المطلقة فهي كثيرة تنصّ على أنّه لا ربا إلّا في ما يكال أو يوزن.

123

كموثّقة منصور، قال: «سألته عن الشاة بالشاتين، و البيضة بالبيضتين، قال:

لا بأس، ما لم يكن كيلًا أو وزناً» (1).

أمّا الروايات المقيّدة فهي كثيرة:

منها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «البعير بالبعيرين، و الدابّة بالدابّتين يداً بيد ليس به بأس» (2).

فمفهومه أنّه إذا لم يكن يداً بيد (أي نقداً)، ففيه بأس.

و منها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العبد بالعبدين، و العبد بالعبد و الدراهم، قال: لا بأس بالحيوان كلّه يداً بيد» (3).

و منها: مرسلة عليّ بن إبراهيم، قال: «و ما عدّ أو لم يكل و لم يوزن فلا بأس به اثنان بواحد، يداً بيد، و تكره نسيئة» (4).

و هذه الكراهة بمعنى الحرمة، و استعمال الكراهة في الحرمة في أبواب الربا ليس بنادر، نظير ما روي: «إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يكره أن يستبدل وسقاً‌

____________

(1) ب 6/ أبواب الربا/ ح 5؛ ب 16/ ح 1. رواه الكليني، عن محمّد بن يحيى، و غيره، عن محمّد بن أحمد، عن أيّوب بن نوح، عن العبّاس بن عامر، عن داود بن الحصين، عن منصور.

و رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن ابن رباط، عن منصور بن حازم، مثله.

(2) ب 17/ الأبواب المتقدّمة/ ح 1. رواه الصدوق بإسناده عن جميل بن درّاج، عن زرارة.

(3) ب 17/ أبواب الربا/ ح 6. رواه الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان، عن عبد الرحمن.

و رواه الصدوق بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، و رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن أبان، مثله.

(4) ب 17/ أبواب الربا/ ح 12. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن رجاله، عمّن ذكره.

124

من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر؛ لأنّ تمر المدينة أدونهما، و لم يكن عليّ (عليه السلام) يكره الحلال» (1).

فهذه الروايات صالحة لتقييد المطلقات، فتكون المحصّلة النهائيّة أنّ بيع المعدود مع الزيادة نقداً لا إشكال فيه، و أمّا نسيئة فلا يجوز.

أمّا المشهور، فإنّه قام بالإجابة عن هذا الاستدلال بوجود أدلّة تعارض تلك المقيّدات، فيتساقطان، و تبقى الروايات المطلقة سالمة عن المعارض، و هي:

1- ما رواه الصدوق في ذيل صحيحة زرارة (2)- المتقدّمة (3)-: و قال: «لا بأس بالثوب بالثوبين، يداً بيد، و نسيئة إذا وصفتهما» (4).

فإنّه سوّغ صريحاً بيع المعدود مع التفاضل نسيئة.

2- صحيحة سعيد بن يسار، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البعير بالبعيرين، يداً بيد، و نسيئة، فقال: نعم، لا بأس إذا سمّيت الأسنان جذعين أو ثنيّين، ثمّ أمرني فخططت على النسيئة».

و رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن سعيد بن يسار.

و رواه الصدوق بإسناده عن سعيد بن يسار، مثله، و زاد: «لأنّ النّاس يقولون: لا، فإنّما فعل ذلك للتقيّة» (5).

و تقريب الاستدلال بها: أنّ ذكره للنسيئة كان طبقاً للمذهب، ثمّ أمره بالخطّ على‌

____________

(1) ب 15/ أبواب الربا/ الأحاديث 4 و 3 و 2 و 1.

(2) ب 17/ أبواب الربا/ ح 1.

(3) تقدّمت بعنوان الرواية الاولى من الروايات المقيّدة.

(4) ب 17/ أبواب الربا/ ح 1، صحيحة زرارة.

(5) ب 17/ أبواب الربا/ ح 7 و 8. رواه الكليني، عن أبي عليّ الأشعري، عن الحسن بن عليّ الكوفي، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد بن يسار.

125

النسيئة؛ لأنّ العامّة يرونه ربا ممنوعاً، فالشطب عليه هو للتقيّة، و الشاهد على التقيّة قوله في ذيله في نقل الصدوق: «لأنّ النّاس يقولون: لا».

و ما ذكر من الخدشة سنداً من أنّ «عثمان بن عيسى» واقفي لم يوثّق، مردود بأمرين:

الأوّل: إنّه توجد شواهد على أنّه أرجع المال المسروق في أيّام وكالته عن الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، كما أنّه ثبتت روايته عن الإمام الرضا (عليه السلام) في باب الطهارة (1) و لو لم تثبت توبته و ردّ الأموال إليه (عليه السلام)، و لكن لا شكّ في وثاقته بشهادة ابن قولويه و الشيخ و عليّ بن إبراهيم و ابن شهرآشوب المؤيّدة بدعوى بعضهم من أصحاب الإجماع.

الثاني: إنّ طريق الشيخ إلى «سعيد» صحيح، فتصحّ الرواية بهذا الطريق.

3- صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه- المتقدّمة (2)- لكن برواية الشيخ في الاستبصار، حيث أنّ الموجود فيها: «لا بأس بالحيوان كلّه يداً بيد و نسيئة» (3).

فتكون ناصّة في جواز البيع نسيئة.

فهذه الروايات تعارض الروايات المقيّدة، و يبقى الإطلاق سالماً عن التقييد.

و لكنّ السيّد (حفظه اللّٰه تعالى) أورد عليها بما يلي:

أمّا رواية «زرارة» بطريق الصدوق ففيها: إنّ دأبه في نقل الروايات أن لا يذكر السند و يصدّرها بقوله: «قال»، فمن القريب أن يكون هذا الذيل هي رواية اخرى مرسلة ذكرها الصدوق، و لا يدلّ ذلك على أنّ السند و الطريق واحد، و الشاهد عليه أنّ الذيل غير موجود في الكافي و لا في التهذيب.

____________

(1) الكافي 4/ ك‍ 3/ ب 63/ ح 2؛ التهذيب 5/ ح 1449.

(2) ب 17/ أبواب الربا/ ح 6.

(3) الاستبصار 3/ 100/ ح 348.

126

مع أنّه من المستبعد أن يقول المعصوم (عليه السلام) في صدر الرواية بكلام له معنى و مفهوم و يخالفه في ذيلها. فإذن فهذه لا تصلح لمعارضة الصحاح.

و أمّا صحيحة «سعيد بن يسار»، فالظاهر أنّ الزيادة في نقل الصدوق ليست من متن الرواية، بل هي من كلام الصدوق، و لذا لا توجد في نقل الكافي و لا التهذيب.

و إذا لم تكن من متن الرواية و كلام الإمام (عليه السلام) فليست بحجّة.

مضافاً إلى أنّه لو كانت من كلام الإمام (عليه السلام) فلعلّ معناها أنّ النّاس يقولون: لا ربا في النسيئة، فجواز الربا مطلقاً صدر عن تقيّة، و إنّما الخطّ هو بناءً على مذهب الخاصّة.

و أمّا صحيحة «عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه»، فالاستدلال بها مبنيّ على ثبوت نسخة الاستبصار، مضافاً إلى أنّه- حسب تحقيق بعض المعاصرين- ليست بموجودة في النسخ القديمة المعتبرة من الاستبصار.

و لأجل هذا تتمّ عند السيّد (حفظه اللّٰه تعالى) الروايات الدالّة على منع الربا في المعدود نسيئة، و لذلك يحتاط لزوماً في الفتوى، و يستشكل في بيع العملة بالعملة من هذه الجهة.

أقول: أمّا ما ذكره في ذيل رواية زرارة من أنّ ذيلها يمكن أن يكون رواية اخرى مرسلة، فلا دليل على أنّ الطريق واحد، فمخدوش:

أوّلًا: بأنّ مجرّد الاحتمال لا يصلح لرفع اليد عن ظاهر صورة المتن في نقل الفقيه (1) من عطفها على متن الرواية السابقة، حيث أنّه في هذا الباب ميّز بين موارد الرواية المرسلة المبتدأة عن الرواية المسندة بمثل هذا التعبير: «و قال الصادق (عليه السلام)»، أو «و سأل رجل عن الصادق» أو بإرداف «قال (عليه السلام)» مكرّراً تلو بعضها البعض، بينما الرواية التي في المقام قبلها «و روى أبان»- و ذكر الرواية- ثمّ ذكر «و روى جميل بن درّاج عن زرارة»، و هي الرواية التي نحن فيها مع الذيل، ثمّ ذكر رواية اخرى «و سأل‌

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 3/ 279/ ح 4007، ط. قم.

127

سماعة أبا عبد اللّه (عليه السلام)»، و لا يصلح عدم وجود الذيل في التهذيب و الكافي قرينة على تغاير الذيل مع الصدر في الفقيه؛ و ذلك لأنّنا من خلال التتبّع في أبواب الكافي و التهذيب و الفقيه رأينا أنّ المحدّثين الثلاثة (قدّس اللّٰه أسرارهم) دأبوا على تقطيع الروايات إلى أجزاء مختلفة، و يستدلّون بكلّ جزء لمورد ما في أبواب الفقه، و قد وقفنا على كثير من ذلك في باب الطهارة، و بالخصوص في باب انفعال الماء القليل، و في قاعدة الطهارة و شمولها للشبهات الحكميّة، غير أنّ ميزة التهذيب أنّه في كثير من الموارد يورد الرواية كاملة غير مقطّعة، و من دون الإشارة إلى تقطيعها من قبل، و مقامنا من هذا النحو كما سيتبيّن.

ثانياً: إنّ هذا الذيل نقل في التهذيب بنفس السند و الطريق، ممّا يدلّ على أنّه بنفس الرواية، فقد روى الشيخ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن ابن رباط، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لا بأس بالثوب بالثوبين»، و قال الشيخ بعده: الحسين بن سعيد، عن ابن أبي نجران، عن حمزة بن حمران عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مثل ذلك، و قال: «إذا وصفت الطول فيه و العرض» (1).

ثالثاً: على فرض كون الذيل رواية ثانية، فإنّها في التهذيب مسندة و صحيحة، و مؤدّاها جواز بيع المعدود بتفاوت مع النسيئة.

و ما ذكره في ذيل الرواية الثانية في غير محلّه، حيث إنّ الثابت عن العامّة هو عدم جواز ربا المعدود نسيئة. و لكن ما ذكره في ذيل الرواية الثالثة متين.

و يمكن أن نضيف إلى الروايات الدالّة على الجواز رواية عليّ بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن الحيوان بالحيوان بنسيئة و زيادة دراهم ينقد الدراهم و يؤخّر الحيوان، قال: إذا تراضيا فلا بأس» (2).

____________

(1) التهذيب 7/ 119/ ح 518 و 519/ ط. طهران.

(2) ب 7/ أبواب الربا/ ح 17.

128

تحقيق في فقه تلك الروايات

يمكن أن يقال: إنّه ليس في تلك الروايات- سواء المانعة أم المجوّزة- عنوان المعدود حتّى ندّعي أنّها واردة في مقام بيان حكم ربا المعدود، بل الموجود فيها موارد بعنوان الأمثلة ك‍ «الشاة بالشاتين» و «البيضة بالبيضتين» و «الثوب بالثوبين» و «الفرس بالفرسين» و «الحلّة بالحلّتين» و «البعير بالبعيرين» و «الدابة بالدابتين» و «العبد بالعبدين» و «الحيوان بالحيوان بنسيئة و زيادة دراهم».

و هذه الموارد كلّها من القيميّات (1) و «العدّ» وحدة قياسيّة في المثليات، كالكيل و الوزن و نكتتها واضحة، و هو أنّ الحاجة إلى الوحدة القياسيّة تكون في الأشياء المتماثلة باعتبار أنّه مكرّر، و يراد جعلها منضبطة تحت معيار ثابت.

فالجزم بأنّ هذه الروايات واردة في المعدود مشكل، فتخرج عن موضوع بحثنا.

و منه يظهر إشكال آخر، و هو أنّ هذه الموارد و الأمثلة من القيميّات تقابل الروايات الدالّة على حرمة الربا في المكيل و الموزون. فبقرينة المقابلة نستظهر أنّ الربا حرام في مطلق المثليات بخلاف القيميّات، و إنّما الكيل و الوزن وحدات قياسيّة لها كالعدّ، و لا خصوصيّة فيهما. هذا خلاصة الإشكال، و تنبّه إليه الشيخ الطوسي (رحمه الله) و أشار إليه صاحب الجواهر أيضاً (2).

قال في النهاية: «و أمّا ما لا يكال و لا يوزن، فلا بأس بالتفاضل فيه و الجنس واحد نقداً، و لا يجوز ذلك نسيئة، مثل ثوب بثوبين، و دابة بدابتين و دار بدارين و عبد بعبدين، و ما أشبه ذلك ممّا لا يدخل تحت الكميل و الموزون، و الأحوط في ذلك أن يقوّم ما يبتاعه بالدراهم أو الدنانير أو غيرهما من السلع، و يقوّم ما يبيعه بمثل ذلك و ان‌

____________

(1) حتّى «الثوب» حيث أنّه في الزمن الأوّل لم تكن الأثواب عمل المصانع كي تكون مثليّة. نعم القول بأنّ البيضة مثليّة و من الموزونات غير بعيد.

(2) الجواهر 23/ 361.

129

لم يفعل لم يكن به بأس» (1).

و ظاهر قوله: «و الأحوط في ذلك...» راجع إلى التفاضل يداً بيد الذي حكم بعدم البأس فيه، من ثمّ ذكرنا أنّ الشيخ تنبّه إلى تعميم الحرمة لمطلق المثلي.

و قال أيضاً: «و ما يباع بالعدد فلا بأس بالتفاضل فيه يداً بيد و الجنس واحد، و لا يجوز ذلك نسيئة مثل البيضة بالبيضتين، و الجوزة بالجوزتين، و الحلّة بالحلّتين، و ما أشبه ذلك» (2).

و قال أيضاً: «لا يكون ربا إلّا في ما يكال أو يوزن، فأمّا ما عداهما فلا ربا فيه.» (3)

و ظاهر ما نقلناه أوّلًا مع تعبيره اللاحق متدافع، فكيف يجمع بينهما؟

و قد جمع المحقّق (رحمه الله) بينهما، تارة بحمل «لا يجوز نسيئة» على الكراهة، و اخرى بحمل الحرمة على باب غير باب الربا، كعدم التقابض في الصرف (4).

و عبارة الشيخ (رحمه الله) الاولى قرينة على أنّ الالتزام بعدم الجواز هو من باب الاحتياط لا الفتوى، حيث قال: «و الأحوط في ذلك أن يقوّم...» بناءً على رجوع قوله هذا إلى:

«لا يجوز النسيئة».

و قوله: «و إن لم يفعل لم يكن به بأس» صريح في الجواز، فيحمل كلامه على الكراهة.

و هناك جمع ثالث، و هو الأظهر، و هو أنّ عبارة الشيخ الأخيرة النافية للربا في غير المكيل و الموزون موردها التعارض يداً بيد مع التفاضل.

هذا و يمكن الاستدلال على تعميم حرمة الربا في المكيل و الموزون إلى مطلق‌

____________

(1) النهاية و نكتها 2/ 120- 121.

(2) النهاية و نكتها 2/ 125.

(3) النهاية و نكتها 2/ 118.

(4) النهاية و نكتها 2/ 118- 119.

130

المثلي بوجوه:

الأوّل: إنّ روايات الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) حيث أنّها بمنزلة المتن القانوني و القواعد الكلّية (جوامع الكلم) و روايات الأئمّة كشرح قانوني عليها، فهي ناظرة إلى ذلك المتن، فيكون هو (المنظور إليه) قرينة لفهم الروايات.

و نشاهد في الروايات النبويّة الواردة عن طرق العامّة المقابلة بين المثلي و القيمي، فإنّ رواياتهم ليست بصيغة و تعبير «المكيل و الموزون»، بل ورد فيها النهي عن الربا المعاوضي في موارد ستّة: الشعير و التمر و البرّ و الملح و الذهب و الفضّة (1).

و لذلك اختلفت العامّة في أنّه هل يقتصر في الحرمة على هذه الستّة أم يلتزم بالحرمة في كلّ مكيل أو موزون أم في كلّ مثلي؟

و جعل أبو حنيفة الموضوع مطلق المثلي، و رفع اليد عن خصوصيّة المكيل و الموزون.

الثاني: المقابلة في جملة من الروايات بين أمثلة القيميّات و بين المكيل و الموزون، فيفهم بقرينة المقابلة أنّ المراد من «المكيل و الموزون» هو مطلق المثلي.

1- موثّقة منصور، قال: «سألته عن الشاة بالشاتين، و البيضة بالبيضتين، قال:

لا بأس، ما لم يكن كيلًا أو موزوناً» (2).

____________

(1) الأصناف الستّة التي حرّم فيها الربا بما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: «الذهب بالذهب، و الفضّة بالفضّة، و البرّ بالبرّ، و الشعير بالشعير، و التمر بالتمر، و الملح بالملح مثلًا بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ و المعطي فيه سواء». صحيح مسلم 3/ 1211.

(2) ب 6/ أبواب الربا/ ح 5؛ ب 16/ ح 1. رواه الكليني، عن محمّد بن يحيى، و غيره، عن محمّد بن أحمد، عن أيّوب بن نوح، عن العبّاس بن عامر، عن داود بن الحصين، عن منصور. و رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن ابن رباط، عن منصور بن حازم، مثله.

131

2- موثّقة منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سألته عن البيضة بالبيضتين؟ قال: لا بأس به.

و الثوب بالثوبين؟ قال: لا بأس به.

و الفرس بالفرسين؟ قال: لا بأس به.

ثمّ قال: كلّ شي‌ء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال و لا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد» (1).

فالتعبير ب‍ «مثلين بمثل» في ما يكال أو يوزن، و التعبير ب‍ «اثنين بواحد» في غيرهما، ممّا يشعر بإرادة مطلق المثلي من المكيل و الموزون.

الثالث: التعبير ب‍ «مثلين بمثل» بدل «المكيل و الموزون» في بعض الروايات الواردة:

1- صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شي‌ء من الأشياء يتفاضل، فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد، فأمّا نظرة فلا يصلح» (2).

2- موثّقة زياد بن أبي غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سمعته يقول: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شي‌ء من الأشياء متفاضلًا فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد، فأمّا نسية فلا يصلح» (3).

____________

(1) ب 16/ أبواب الربا/ ح 3. رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن ابن رباط، عن ابن مسكان، عن منصور.

(2) ب 13/ أبواب الربا/ ح 2؛ ب 17/ ح 9. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي و فضالة، عن أبان، عن محمّد الحلبي و ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي جميعاً.

(3) ب 17/ أبواب الربا/ ح 14. رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن صالح بن خالد و عبيس بن هشام، عن ثابت بن شريح، عن زياد بن أبي غياث.

132

3- موثّقة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، مثله (1). و المراد من «شي‌ء من الأشياء متفاضلًا» المثلى، فإنّ التفاضل في عين الشي‌ء لا يكون إلّا في المثليات، و أمّا في القيميّات فلا معنى للتفاضل إلّا بلحاظ الماليّة.

4- صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد» (2).

5- موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «المختلف مثلان بمثل، يداً بيد، لا بأس» (3).

و تعبير (المختلف) ناظر إلى المكيل و الموزون، فيصير خاصّة في المكيل و الموزون مختلفي الجنس.

هذا غاية ما يقال في تقريب هذه الدعوى، و لكنّ المشهور استظهر خصوص المكيل و الموزون لا مطلق المثليّة، و مقتضى الجمود في الصناعة الاصوليّة على ظاهر عنوان المكيل و الموزون هو أنّه يجب أن يقتصر على العنوان المأخوذ.

نعم، هو بمقدار الإشعار لا يخلو من وجه، و لكن ليس وجهه بمقدار يعدّ من الظهور؛ و ذلك لأنّ الوجه الأوّل المتقدّم- و هو أنّه ليس في الروايات الواردة في المعدود، سواء المانعة أم المجوّزة، عنوان المعدود حتّى ندّعي أنّها واردة في مقام بيان حكم ربا المعدود، بل الموجود فيها موارد بعنوان المثال، و تلك الموارد من القيميّات لا من المعدودات- فيمكن المناقشة فيه بأنّ كلّ الموارد التي ذكرت في‌

____________

(1) ب 13/ أبواب الربا/ ح 2. رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن جعفر و عليّ بن خالد، عن عبد الكريم، عن ابن مسكان، عن الحلبي.

(2) ب 13/ أبواب الربا/ ح 1. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان و فضالة، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم.

(3) ب 13/ أبواب الربا/ ح 9. رواه الكليني، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و أحمد بن محمّد جميعاً، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن سماعة.

133

الروايات ليس من القيميّات، بل أكثرها من المعدودات- و إن لم يعنون بذلك العنوان- كالخبز و الجوز و البيضة و الثوب و الحلّة و حتّى الشاة و البعير و الدابة.

فإنّ في الخبز و الجوز وردت روايات ظاهرها أنّها من المعدودات.

مثل: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أنّه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعدّه فيكال بمكيال ثمّ يعدّ ما فيه ثمّ يكال ما بقي على حساب ذلك العدد، قال: لا بأس به» (1).

و مثل: حسنة الصباح بن سيّابة، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ عبد اللّه بن أبي يعفور أمرني أن أسألك، قال: إنّا نستقرض الخبز من الجيران فنردّ أصغر منه أو أكبر؟

فقال (عليه السلام): نحن نستقرض الجوز الستّين و السبعين عدداً فيكون فيه الكبيرة و الصغيرة، فلا بأس» (2).

و مثل موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): استقرض الرغيف من الجيران و نأخذ كبيراً و نعطي صغيراً، و نأخذ صغيراً و نعطي كبيراً. قال: لا بأس» (3).

و ما ورد في الثوب و الحلّة أيضاً شاهد على أنّهما من المعدودات (4).

و الدواب و الشاة و البعير عند بيعها جمعاً بكمّيات كبيرة تقيّم بنحو العدّ، تحسب بعدد الرءوس. نعم، في بيع المفرد منها تحسب قيميّاً.

و أمّا الوجه الثاني- و هو تعميم حرمة ربا النسيئة لمطلق المثلى مختلف الجنس، حتّى تشمل المعدود مضافاً إلى المكيل و الموزون- فالجواب عنه:

إنّ تلك الأخبار محمولة على الكراهة أو التقيّة؛ لأنّ «لا يصلح» يحمل على الحرمة‌

____________

(1) ب 7/ أبواب عقد البيع/ ح 1. رواه الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي.

(2) ب 21/ أبواب الدين و القرض/ ح 1. رواه الصدوق بإسناده عن الصباح بن سيّابة.

(3) ب 21/ أبواب الدين و القرض/ 2. رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحكم بن مسكين، عن إسحاق بن عمّار.

(4) كما تقدّم ذكره في سياق المعدودات، كالبيضة و الدواب.

134

إذا لم يثبت الترخيص في مورده، و حيث أنّ بعض الروايات تسوّغ ربا النسيئة في المعدود- كما مرّ (1)- فهي شاهد على الكراهية أو نقول بالتقيّة؛ لأنّ العامّة ذهبوا إلى الحرمة و أنّ الربا لا يكون إلّا في النسيئة.

مضافاً إلى وجود الحصر في روايات كثيرة معتبرة من أنّه «لا ربا إلّا في المكيل و الموزون» (2)، و هذا الحصر مطلق يشمل النقد و النسيئة، و هذه الروايات و إن كانت في خصوص النسيئة إلّا أنّ الحصر آبٍ عن التخصيص.

و أمّا مصحّحة ابن سنان (3) فلحنها لحن الكراهة.

عن عبد اللّه بن سنان، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا ينبغي إسلاف السمن بالزيت، و لا الزيت بالسمن» (4).

فإنّ «لا ينبغي» تستعمل بمعنى «لا يستحسن».

و رواية وهب- و إن كانت ضعيفة- تؤيّد القول بالجواز.

____________

(1) صحيحة زرارة و ابن يسار و عبد الرحمن، ب 17/ أبواب الربا/ ح 1 و 7 و 6.

(2) راجع ب 6/ أبواب الربا.

(3) رواه الكليني، عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن عبد اللّه بن سنان.

معلّى بن محمّد البصري مطعون من قِبل النجاشي بأنّه مضطرب الحديث و المذهب، و لكن قول النجاشي لا يكون مانعاً عن وثاقته؛ لأنّ اضطرابه في المذهب لم يثبت في الروايات المودعة في كتبنا. و على تقدير ثبوته لا ينافي الوثاقة؛ لأنّ اضطرابه في الحديث معناه أنّه قد يروي ما يعرف و قد يروي ما ينكر، و هذا أيضاً لا ينافي الوثاقة.

و يستفاد توثيقه من كثرة الرواة الراوين عنه، و من الأجلّاء، و هو أيضاً يروي عن كثير، و له كتب.

و أمّا الوشاء فقيل إنّه لم يوثّق مع أنّه وجه من وجوه الطائفة، و كيف لا يكون ذلك دليلًا على توثيقه؟!

(4) ب 13/ أبواب الربا/ ح 10.

135

عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام)، قال: «لا بأس بالسلف ما يوزن في ما يكال، و ما يكال في ما يوزن» (1).

لأنّ العامّة يذهبون إلى المنع، و الراوي هنا عامّي، فهو شاهد على ضعف داعي الكذب، فنستفيد منها كتأييد.

و إلى هنا تمّ البحث عن الحيلة الثانية، و هي حيلة الضميمة، و لم يوقفنا فيها إشكال إلّا من باب الاحتياط ندباً لأجل إشكال تعميم الحرمة لمطلق المثلى.

____________

(1) ب 7/ أبواب السلف/ ح 1.

رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن وهب.

136

الحيلة الثالثة: أخذ الزيادة على عملية الإقراض

ذكر الشهيد الصدر في الملحق الأوّل من كتابه البنك اللاربوي أنّه في القرض يتمثّل عنصران:

أحدهما: المال المقترض من الدائن للمدين.

و الآخر: نفس الإقراض بما هو عمل يصدر من المقرض.

و الربا هو وضع زيادة بإزاء المال المقترض، فالفائدة حيث توضع في مقابل المال المقترض تصبح رباً محرّماً، و لكنّها إذا فرضت بازاء نفس الإقراض بما هو عمل يصدر من الدائن على أساس الجعالة تخرج بذلك عن كونها رباً. فالشخص الذي يحاول أن يحصل على قرض يقوم بإنشاء جعالة يعيّن فيها جعلًا معيّناً على الإقراض فيقول: «من أقرضني ديناراً فله درهم».

و هذه الجعالة تغري مالك الدينار، فيتقدّم إليه و يقرضه ديناراً، و حينئذٍ يستحقّ عليه الدرهم، و هذا الاستحقاق لا يجعل القرض ربويّاً؛ لأنّه ليس بموجب عقد القرض، بل هو استحقاق بموجب الجعالة، و لهذا لو فرض أنّ الجعالة انكشف بطلانها بوجه من الوجوه ينتفي بذلك استحقاق المقرض للدرهم، و إن كان عقد القرض ثابتاً؛ لأنّ استحقاق الدرهم نتج عن الجعالة لا عن عقد القرض، و الدرهم في الجعالة موضوع بإزاء الإقراض بما هو عمل، لا بإزاء المبلغ المقترض بما هو مال.

فهذا نظير من يجعل جعالة لمن يبيعه بيته، فلو قال شخص: «مَن باعني داره كان له‌

137

درهم» كان البائع مستحقّاً للدرهم لا بموجب عقد البيع، بل بموجب الجعالة، و هو بازاء نفس البيع و التمليك بعوض بما هو عمل، لا بازاء الدار المبيعة، و لهذا لا يسري على الدرهم حكم العوضين.

ثمّ ذكر (رحمه الله) إشكال هذا التقريب في جهتين: الأُولى: من جهة الصغرى.

الثانية: من جهة الكبرى.

أمّا من جهة الصغرى: فقد فرض في هذا التقريب أنّ الدرهم موضوع بازاء نفس عمليّة الإقراض لا على المال المقترض، و لكن يمكن أن يقال بهذا الصدد أنّ الارتكاز العقلائي قائم على كون الدرهم في مقابل المال المقترض لا في مقابل نفس الإقراض، و جعله بازاء عمليّة الإقراض مجرّد لفظ.

و عليه فلا نتصوّر الجعالة في ذلك؛ لأنّ الجعالة فرض شي‌ء على عمل لا على مال، و يعدّ إرجاع الدرهم في محلّ الكلام بالارتكاز العقلائي إلى كونه مجعولًا في مقابل المال، لا تكون هناك جعالة، بل يكون الدرهم ربويّاً؛ لأنّه زيادة على المال المقترض.

و أمّا من جهة الكبرى: فلو افترضنا أنّ المتعاملَين (الدائن و المدين) تحرّرا من ذلك الارتكاز العقلائي، و ابتعدا من الارتكازات العرفيّة، و لم يمشيا عليه و قصدا بجدّ الجعالة في مقابل الإقراض، و ركّزا في قصدهما ارتكازاً آخر غير الارتكاز العقلائي، فيبدو إشكال آخر في تلك الجعالة، و هو يحتاج إلى مقدّمة، و هي في ماهيّة الجعالة و حقيقتها.

و في ملاك استحقاق الجعل المحدّد في الجعالة.

فهناك قول بأنّ استحقاق الجعل المحدّد فيها ليس في الحقيقة إلّا بملاك ضمان عمل الغير بأمره به لا على وجه التبرّع.

فأنت حين تأمر الخيّاط الخاصّ بأن يخيط لك الثوب فيمتثل لأمرك تضمن قيمة‌

138

عمله، و تشتغل ذمّتك بأُجرة المثل.

و هذا نحو من ضمان الغرامة في الأعمال على حدّ ضمان الغرامة في الأموال، و بإمكانك في هذه الحالة أن تحوّل اجرة المثل منذ البدء إلى مقدار محدّد، فتقول:

«من خاط الثوب فله درهم»، أو: «إذا خطت الثوب فلك درهم».

فيكون الضمان بمقدار ما حدّد في هذا الجعل، و يسمّى هذا جعالة. فالجعالة بحسب الارتكاز العقلائي تنحلّ إلى جزءين:

أحدهما: الأمر الخاصّ أو العامّ بالعمل، أي بالخياطة مثلًا.

الآخر: تعيين مبلغ معيّن بازاء ذلك.

و الجزء الأوّل من الجعالة هو ملاك الضمان (1)، و الضمان هنا من قبيل ضمان الغرامة لا الضمان المعاوضي.

و الجزء الثاني يحدّد قيمة العمل المضمونة بضمان الغرامة، حيث إنّ اجرة المثل هي الأصل في الضمان ما لم يحصل الاتّفاق على الضمان بغيرها.

و إذا عرفت هذه المقدّمة فيترتّب عليها أنّ الجعالة لا تتصوّر إلّا على عمل تكون له اجرة المثل في نفسه و قابل للضمان بالأمر به، كالخياطة و الحلاقة.

و أمّا ما لا ضمان له في نفسه و لا تشمله أدلّة ضمان الغرامة فلا تصحّ الجعالة بشأنه؛

____________

(1) وجه تسميته بالأمر الضماني امور:

الأوّل- الإتلاف: فإنّ الآمر أتلف بسبب أمره على المأمور به عملًا عمل الحرّ ذو ماليّة، و من أتلف مال الغير فهو له ضامن.

الثاني- الاستيفاء: فإنّ الأمر لا يتلف عمل الغير و ماله، بل يستوفي منفعة الغير، و ذلك الاستيفاء من دون إذن مجّاني موجب الضمان.

الثالث- الإجارة: إنّ الأمر الضماني في الحقيقة إجارة، و لكن بصيغة الأمر، و في الإجارة لا بدّ من اجرة.

139

لأنّ فرض الجعل في الجعالة ليس هو الذي ينشئ أصل الضمان، و إنّما يحدّد مقداره.

و على هذا الأساس لا تصحّ الجعالة على الإقراض بما هو عمل؛ لأنّ ماليّة الإقراض في نظر العقلاء إنّما هي ماليّة المال المقترض، و ليس لنفس العمل بما هو ماليّة زائدة، و مع فرض كون ماليّة المال المقترض مضمونة بالقرض، فلا يتصوّر عقلائيّاً ضمان آخر لماليّة نفس عمليّة الإقراض.

و بتعبير واضح: ليس عندنا في نظر العقلاء إلّا ماليّة واحدة و هي ماليّة المال المقترض، و تضاف إلى نفس عمليّة الإقراض باعتبار ذلك المال، فليس هناك إلّا ضمان غرامة واحد، و لا يتصوّر في الارتكاز العقلائي ضمانان من ضمانات الغرامة: أحدهما للعمل، و الآخر للمال المقترض.

و المفروض أنّ المال المقترض مضمون بعقد القرض، و الضمان الحاصل بعقد القرض هو من نوع ضمان الغرامة، و ليس ضماناً معاوضيّاً، و معه فلا مجال لفرض ضمان غرامة آخر لنفس عمليّة الإقراض.

و بناءً على ذلك لا تصحّ الجعالة على الإقراض؛ لأنّ الجعالة دائماً تقع في طول شمول أدلّة ضمان الغرامة للعمل المفروض له الجعل. ففي مورد لا تشمله أدلّة ضمان الغرامة، و لا يكون العمل فيه مضموناً بالأمر على الآمر لا تصحّ فيه الجعالة (1).

و هنا إشكال ثالث و هو:

أنّ هذا الوجه نظير ما ذكره الفقهاء في بحث الميتة و العذرة؛ للتخلّص من سحتيّة ثمن الميتة أو العذرة، بأنّ العوض لا يبذل بازاء الميتة أو العذرة؛ لأنّه سحت، بل يبذل بازاء حقّ الاختصاص و رفع اليد عنها.

و لكن الماليّة المبذولة بازاء حقّ الاختصاص هي عين الماليّة المبذولة بازاء الميتة‌

____________

(1) البنك اللاربوي/ 164- 168، ط. بيروت.

140

أو العذرة، فكيف يتحايل و يلتفّ على القانون مع أنّه في الواقع فيه نفس محذور سحتيّة الثمن باعتبار أنّ الماليّة أتت من المنافع، و الفرض أنّ ماليّة العين أيضاً تأتي بلحاظ منافعها، فإذا كانت الماليّة الآتية من المنافع بازاء العين هي أيضاً ماليّة حقّ الاختصاص، ففي الواقع هو تغيير اسم و ألفاظ و ليس تغييراً واقعيّاً في نفس ماليّة الشي‌ء.

و التحقيق: أنّ تلك الإشكالات قابلة للدفع، و إن كان بعضها سليماً في نفسه، إلّا أنّه غير مرتبط بالمقام.

أمّا الإشكال الصغروي: فيمكن أن يمنع أشدّ المنع في الإقراض.

و الوجه في ذلك أنّه يشاهد لدى العرف أنّ كثيراً ما لأجل أن يرغّب شخص شخصاً آخر في الإقدام على معاملة، يبذل له هدية مشروطة، و ذلك الشرط هو إقدامه على تلك المعاملة المقصودة، فلأجل ترغيب الطرف المقابل في الإقدام على إنشاء معاملة خاصّة يبذل له مالًا.

فإنّ العرف يبذلون أموالًا لأجل أن ينشئ الطرف الآخر شيئاً أو يقدم على إنشاء شي‌ء.

و لذلك نرى أنّ بعض الأحكام التكليفيّة في المعاملات وردت لتحريم أو تحليل نفس الإنشاء لا المُنشأ.

و الشيخ الأنصاري (رحمه الله) ذكر في تنبيهات المعاطاة أنّ طبيعة المعاملات هي جعل عوض قبال شي‌ء آخر، و هناك معاملات تسمّى معاملة فوقانيّة، و فيها يكوّن الطرفان أو أحدهما معاملة، كالمصالحة على هبة مقابل هبة اخرى.

و ما نحن فيه أيضاً من هذا القبيل، هي جعالة فيها عوض مقابل إنشاء القرض و لا ضير فيه.

أمّا الإشكال الكبروي، ففيه: أنّه لا شاهد على أنّ الضمان في الجعالة غراميّ‌

141

و بسبب الإتلاف، بل يحتمل أن يكون من باب المعاوضة.

و عمدة المناقشة في هذا الإشكال هي: أنّ ماليّة الأشياء على نمطين: طبعيّة و قانونيّة؛ لأنّ بعض الأشياء يبذل بازائه المال لاحتوائه على صفات ذاتيّة و منافع تكوينيّة، كالدار، فإنّها بطبيعتها يرغب فيها العقلاء، فماليّتها طبعيّة، و كذا ماليّة أكثر الأشياء.

و بعض الأشياء يتّصف بالماليّة بسبب القانون، كالوثائق و السجلّات، فإنّ منافعها ليست تكوينيّة طبعيّة، بل لا يُرغب فيها لو لا القانون و الجعل.

و كذلك الحقوق الشرعيّة، فماليّة بعضها طبيعيّة و اخرى قانونيّة، بمعنى أنّ ماليّتها قد جاءت من ناحية طبيعة العين أو الشي‌ء الذي تعلّق به الحقّ و المنافع التي تعلّق الحقّ بها، و بعض الحقوق ماليّته ليست بطبيعيّة و إنّما هي بسبب القانون.

و هذه الماليّة القانونيّة أيضاً على قسمين:

قسم منها ماليّته تنجيزيّة، فإذا أتلفه متلف يكون ضامناً لماليّته، و قسم منها تعليقيّة، فلا يكون ضامناً لماليّته إذا أتلف قبل التعاقد عليه.

فإنّ بعض الوثائق الموجودة إذا أتلفها متلف لا يكون ضامناً لماليّتها، و إن كان حرم صاحبها من فوائد قانونيّة، مثل (الصكّ)، فإنّ ماليّته قانونيّة تقديريّة، و لا يكون الضمان لنفس الشي‌ء، و إنّما الضمان لأمر آخر، و هو تلف أصل المال بسبب إتلاف الصكّ، و أمّا إذا لم يسبّب إتلاف الصكّ تلف المال الأصلي، فلا ضمان في البين بسبب إتلاف نفس الصكّ.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ الجعالة ماهيّتها تقع على هذه الأقسام العديدة من الأموال كلّها، و هذا من خصائص الجعالة.

أمّا البيع و الإجارة فلا يقعان على القسم الأخير من الأموال التي ماليّتها تقديريّة، بخلاف الجعالة و الصلح.

142

و السرّ في ذلك أنّ الإجارة هي تمليك منفعة بعوض، و المنفعة اشترطت فيها الماليّة الطبعيّة أو القانونيّة الفعليّة، و البيع أيضاً تمليك العين بعوض، و اشترط في العين أن تكون لها الماليّة الفعليّة.

و الجعالة تقع على كلّ واحد من تلك الأقسام، و الإقراض عمل ذو ماليّة من القسم الأخير، فتقع عليه الجعالة، و يندفع به الإشكال الكبروي.

و بعبارة اخرى: أنّ العمل الذي تقع عليه الجعالة هل يجب أن يكون مالًا من القسم الأوّل أو الثاني فقط، بحيث لو كان من القسم الثالث لا تقع عليه الجعالة، أم لا؟

الظاهر أنّه ليس يجب أن يكون منهما، بل يجوز أن يكون من الثالث.

مثلًا: لو أراد شخص أن يتحوّل و ينتقل شخص آخر من داره التي استأجرها و ينتقل إلى مكان آخر، لكي ينتفع هو نفسه بتلك الدار يجوز له أن يجعل جُعلًا للمستأجر، بأن يتحوّل من البيت إلى مكان آخر مع أنّ التخلية و التحوّل ماليّتها من قبيل القسم الثالث نشأت من القانون و ليست تضمن بدون التعاقد (1).

و يدلّ على الجواز صحيحة محمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحوّل من منزله فيسكنه؟ قال: لا بأس به» (2).

____________

(1) إنّ كثيراً من المعاملات الواقعة في هذا العصر ليست ماليّتها من قبيل القسم الأوّل و لا الثاني، و لذا توقّف كثير من الفقهاء في الفتوى بصحّتها؛ لأنّهم لا يرون لها ماليّة من القسم الأوّل و الثاني.

و لكن بالالتفات إلى أنّ الماليّة على ثلاثة أقسام تظهر ثمرة مهمّة، و هي العثور على حلّ لطيف شرعي لتصحيح كثير من المعاملات العصريّة.

و لا نحتاج في ذلك- أي في وجود قسم ثالث للماليّة- إلى دليل شرعي؛ لأنّ الماليّة- كما حرّر في البيع- ليست من مخترعات الشارع، بل هي من الموضوعات المخترعة عقلائيّاً. غاية الأمر تكون موضوعاً لأحكام شرعيّة، و ليست بنفسها مجعولة شرعاً حتّى بجعل إمضائي، و إنّما هي موضوعة من الموضوعات العقلائيّة التي تكون موضوعة للآثار الشرعيّة.

نعم، يجب أن لا يكون الشي‌ء منهيّاً عنه في الشرع؛ لأنّ النهي يكون إعداماً لماليّته.

(2) ب 85/ أبواب ما يكتسب به/ ح 2. رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد،

143

و أصل الرشوة هو بذل المال مقابل العمل.

و في القاموس: الرشوة؛ الجُعل.

فهي في الواقع نوع من الجعالة، لا سيّما في المقام لوجود شرط (على أن يتحوّل)، و ليس التمليك مطلقاً، بل معلّق على شرط و هو مقتضى ماهيّة الجعالة من تعليق الجعل على إتيانها.

و الفرض أنّ المستأجر لم ينشأ صيغة القبول، و إنّما إذا أتى بعمل فيستحقّ المال فهي جعالة، سواء قلنا بأنّ الرشوة حقيقة في الجعالة الخاصّة، أم أنّها في هذا المقام استعملت في الجعالة، و هذا واضح.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ الإقراض عمل نشأت ماليّته من ناحية القانون، فهذا الإنشاء مملّك ببناء العقلاء، و الشارع أيضاً أمضى تلك الماليّة، فإذن يصحّ جعل الجعالة على الإقراض فيقول: «من يقرضني فله كذا».

فهذا الحلّ الثالث صحيح كبروياً و لا غبار عليه صغرويّاً. غاية ما في الباب أنّ هذا الحلّ غير نافع للبنوك الربويّة؛ لأنّ قانون الربا عند الربويّين هو ازدياد نسبة الربح إذا ازدادت المدّة الزمنيّة لتسديد الدين من جانب المدين.

و الجعالة لا تؤدّي ذلك، ففي الجعالة مقدار معيّن من المال لا يزيد و لو ازداد التأخير، فزيادة المدّة الزمنيّة للتسديد لا تؤثّر في زيادة المنفعة، و البنوك الربويّة تريد حلولًا بديلة عن الربا بحيث توصلهم إلى نتائج الربا من حيث الربح، و هذا الحلّ ليس كذلك.

بقي الإشكال الثالث، و هو الذي أورد على القائلين بعدم صحّة بيع الميتة و الأعيان النجسة، بل بصحّة بيع حقّ الاختصاص فيهما، من أنّ مؤدّى البيعين متّحد. و تنقيح الحال في ذلك يقع في مقامين:

____________

عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم.

144

الأوّل: في بيان المقيس عليه.

الثاني: في بيان أصل القياس.

أمّا المقيس عليه- و هو بيع حقّ الاختصاص تحايلًا عن بيع الميتة و الأعيان النجسة- فالإشكال عليه متين و صحيح؛ لأنّ الشارع لمّا يحرّم البيع- على فرض تسليم التحريم مطلقاً، لا أنّه يحرّم بلحاظ المنافع المحرّمة كالأكل- فمعناه إسقاط الشارع ماليّة العين بلحاظ إسقاط ماليّة منافعها، و حينئذٍ فلا يعقل أن يكون الشارع أسقط ماليّة تلك المنافع، و أسقط منشئيّة تلك المنافع للماليّة، و مع هذا تفرض أن تلك المنافع هي سبب لماليّة حقّ الاختصاص، و هذا تدافع.

لا سيّما أنّ ماليّة حقّ الاختصاص التي تنشئها تلك المنافع المحلّلة- التي أسقط الشارع على مبنى مَن يمنع عن بيع الميتة مطلقاً- ماليّتها بقدر ماليّة العين، فيستلزم لغويّة تحريم الشارع.

و القول بأنّ عدم الماليّة ثابت للعين و المنافع فقط و لم يثبت للحقّ، مجازفة و لغو؛ لأنّه إذا كانت تلك المنافع تنشأ ماليّة بقدر الماليّة التي تنشئها للعين، فما الفرق بين أن نقول بأنّ البيع وقع على الحقّ أو على العين؟

و ما الفرق بين سنخ هذا الحقّ المتعلّق بالعين و ملكيّة العين؟

إذ أنّ حقّ الاختصاص إنّما يعتبره العقلاء في الموارد التي تكون فيها ماليّة الأعيان ضعيفة جدّاً- كالإناء المكسور أو السيّارة المصدومة شديداً- فحقّ الاختصاص في تلك الموارد في الواقع ملكيّة ضعيفة، و تعلّق ضعيف بالعين.

أمّا إذا كانت الماليّة بقدر ماليّة العين، و التعلّق بالعين المعدومة المنفعة كالتعلّق بالعين ذات المنفعة الكثيرة، فلا يقال حينئذٍ لهذا الحقّ: حقّ الاختصاص، بل يقال:

الملكية، و لذا مثّلوا لمورد حقّ الاختصاص بالإناء المكسور.

فالإشكال في المقيس عليه بتلك الوجوه متين.

و أمّا المقام الثاني- و هو أصل القياس بأنّ الجعالة نوع تحايل على الربا كما في‌

145

التحايل على بيع الميتة- فليس في محلّه؛ لأنّا ذكرنا في الإشكالات العامّة أنّ هذه الجعالة ليست حقيقتها حقيقة الربا، و لا تؤدّي إلى كلّ آثار الربا.

إذ الربح في الربا يتصاعد بازدياد المدّة، و هذا ليس في الجعالة مع أنّه من أهمّ أغراض الربا، فهذا الحلّ في نفسه صحيح قد اعتمد عليه كثيراً السيّد الخوئي (رحمه الله) في مسائل البنوك.

146

الحيلة الرابعة: تحويل العمليّة من قرض إلى أمر آخر

ذكر السيّد الشهيد الصدر (رحمه الله): «أنّ الفائدة إنّما تحرّم بوصفها تؤدّي إلى ربويّة القرض، و القرض الربوي حرام، و أمّا إذا حوّلنا العمليّة من قرض إلى شي‌ء آخر، فلا تكون الفائدة رباً قرضيّاً و تصبح بالتالي جائزة.

و أمّا تحويل العملة من قرض إلى شي‌ء آخر فيتمّ إذا استطعنا أن نميّز بين الحالتين التاليتين:

الاولى: إذا افترضنا أنّ زيداً مدين لخالد بعشرة دنانير و مطالب بوفائها، فيأتي إلى البنك و يقترض عشرة دنانير و يسدّد بها دينه.

الثانية: أنّ زيداً- في الفرض السابق- يتّصل بالبنك و يأمره بتسديد دينه و دفع عشرة دنانير إلى خالد وفاءً لماله في ذمّته.

و النتيجة واحدة في الحالتين، و هي أنّ زيداً سوف تبرأ ذمّته من دين خالد عليه، و سوف يصبح مديناً للبنك بعشرة دنانير.

و لكن الفارق الفقهي بين الحالتين أنّ زيداً في الحالة الاولى يمتلك من البنك عشرة دنانير معيّنة على أن يصبح مديناً بقيمتها، و هذا هو معنى القرض، فإنّه تمليك على وجه الضمان.

و أمّا في الحالة الثانية فزيد لا يمتلك شيئاً، و إنّما تشتغل ذمّته ابتداء بعشرة دنانير البنك من حين قيام البنك بتسديد دينه. و اشتغال ذمّته بذلك قائم على أساس أنّ البنك‌

147

بوفائه من ماله الخاصّ لدين زيد قد أتلف على نفسه هذا العمال، و لمّا كان هذا الاتلاف بأمر من زيد فيضمن زيد قيمة التالف. فالعشرة التي دفعها البنك إلى دائن زيد لم تدخل في ملكيّة زيد، و إنّما هي ملك البنك و دخلت في ملكيّة دائن زيد رأساً؛ لأنّ وفاء دين شخص بمال شخص آخر أمر معقول (1).

و هذا معناه أنّه لم يقع قرض في الحالة الثانية، و إنّما وقع أمر بإتلاف على وجه الضمان، فلو التزم زيد للبنك حين إصدار الأمر له بالوفاء بأن يعطيه أكثر من قيمة الدين إذا امتثل الأمر لم تكن هذه الزيادة الملتزم بها موجبة لوقوع قرض ربوي؛ لأنّ الضمان ليس ضماناً قرضيّاً، و إنّما هو ضمان بسبب الأمر بالاتلاف.

و بتعبير آخر: أنّ الربا المحرّم إنّما يكون في المعاملة كعقد القرض أو البيع أو الصلح و نحو ذلك، و أمّا ضمان الغرامة بقانون الأمر بالاتلاف فهو لا يستبطن تمليكاً معاملياً، فلا يجري فيه الربا المحرّم، فلا يكون في هذه الحالة فائدة البنك من الفائدة القرضيّة المحرّمة» (2)، انتهى.

ثمّ أورد على هذا الحلّ بإشكالين و سيأتي.

و قبل طرح الإشكال لنا كلام حول المقدّمة التي يتوقّف عليها هذا الحلّ،

____________

(1) هاهنا خلاف بين الفقهاء- نذكره في ذيل كلامه (قدس سره)- في أنّه هل يمكن تسديد الدين بمال الغير أو لا؟ باعتبار أنّ الدين حقيقةً مبلغ كلّي في ذمّة المدين مملوكاً للدائن و تسديده أي إيجاده في ضمن مصداق، فهل يصدق التسديد على إيجاد ذلك الكلّي في ضمن مال الغير...؟ فبعض قالوا: لا بأس به. و بعض قالوا: لا يمكن؛ لأنّ هذا الكلّي لا ينطبق على هذا المصداق، فمن ثمّ ذهبوا إلى أنّ المتبرّع أو الثالث- كالبنك- إذا أراد تسديد دين الغير، فلا بدّ من تقدير آنٍ قبل التسديد يملك الغير هذا المال للمدين، ثمّ بعد ما يكون هذا المال ملكاً للمدين يدفعه الدائن فسيكون التسديد بمال المدين لا بمال الغير. فهذا الحلّ يتوقّف على ذلك، أي صحّة تسديد الدين بمال الغير لا أنّه قبل التسديد آناً ما يملك المدين ثمّ يملكه الدائن.

(2) البنك اللاربوي/ 168- 169.

148

و هي حقيقة التسديد و واقعه.

هل تكون حقيقة التسديد تطبيق الكلّي في ذمّة المدين على مصداق أو هي معاوضة؟

و بعبارة اخرى: هل التسديد انطباق الكلّي على جزئي خاصّ أو هو من باب استبدال الكلّي بجزئي؟

الظاهر أنّه لا معنى في هذا الباب للتطبيق، بل التسديد في الواقع معاوضة سهلة المئونة يجرونها العقلاء؛ لأنّه لو أراد المدين تسديد دينه بمال نفسه فلا معنى لأن نقول: هذا المصداق الخارجي هو مصداق الكلّي الذي يكون في ذمّة المدين ملكاً للدائن؛ لأنّه لو كان هذا إيجاد المصداق للكلّي في الذمّة فلا بدّ أن تبرأ ذمّة المدين و لو لم يقبض الدائن، مع أنّه لو لم يقبض لم يكن هذا تسديداً، فالصحيح حينئذٍ أنّ التسديد هو معاوضة، يعني يقوم البنك بدفع مال شخصي يملّكه للدائن (/ خالد) في مقابل أنّ الدائن يملّك الكلّي- الذي يكون في ذمّة المدين- للمدين (/ زيد)، و بمقتضى قانون المعاوضة يخرج كلّ من العوضين حيث يدخل الآخر، فلا يمكن لنا أن نقول:

يخرج المال من البنك إلى الدائن (/ خالد) و العوض- و هو ملكيّة الكلّي- يدخل في كيس المدين (/ زيد)، بل لا بدّ من تقدير أنّ البنك يملّك المدين أوّلًا ثمّ يسدّد بملك المدين دينه ثانياً. و في هذا الأمر لا فرق بين أن يكون التسديد بالتبرّع أو بأمر من المدين، فيعود المحذور و هو وقوع القرض الربوي و الضمان القرضي، و حينئذٍ فلا جدوى في هذا الوجه.

و ناقش السيّد الصدر (رحمه الله) في هذا الحلّ بأمرين:

الأوّل:

إنّ الدليل الدالّ على حرمة إلزام الدائن مدينه بزيادة على الدين الذي حصل بالقرض يدلّ- عرفاً و بإلغاء الخصوصيّة بالارتكاز العرفي- على حرمة إلزام الدائن مدينه بالزيادة فيما إذا كان الدين حاصلًا لا بسبب القرض، بل بسبب الأمر‌

149

بالاتلاف- كما في المقام بحسب الفرض- لأنّ التفرقة بين الحالتين تعني أنّ المدين إذا أصبح مديناً في مقابل تملّك شي‌ء بالقرض، فلا يجوز إلزامه بالزيادة، و إذا أصبح مديناً لا في مقابل تملّك شي‌ء فيجوز إلزامه بالزيادة فكأنّ تملّك شي‌ء له دخل في الارفاق به و تحريم إلزامه بالزيادة، و هذا على خلاف الارتكاز العرفي، و عليه فتثبت حرمة الإلزام بالزيادة في الحالة الثانية أيضاً» (1).

و الحاصل: أنّ العرف لا يرى المال الزائد- الذي يأخذه البنك- مقابلًا لإنشاء تملّك البنك المال براءة لذمّة المدين، بل إنّما الإنشاء يوجب حدوث الدين الجديد بين البنك و المدين باعتبار أنّ البنك سدّد دينه، فالزيادة تؤخذ على ذلك الدين الثاني فيصير قرضاً ربويّاً.

و مرجع هذا الإشكال إلى عدم الفرق في الحرمة بين أخذ الزيادة الربويّة في الديون الابتدائيّة.

الثاني:

أنّا إذا سلّمنا عدم حرمة الإلزام بالزيادة في الحالة الثانية لعدم كونها زيادة في عقد القرض، فلا بدّ من سبب معاملي يجعل المدين ملزماً بدفع الزيادة، و المفروض عدم وجود عقد القرض لكي يشترط على المدين في ضمن ذلك العقد دفع الزيادة.

و قد يراد تصوير هذا السبب عن طريق جعالة يجعلها زيد فيقول للبنك: إذا سدّدت ديني البالغ عشرة دنانير فلك دينار، فيستحقّ البنك حينئذٍ عشرة دنانير بقانون ضمان الغرامة و ديناراً بقانون الجعالة بازاء عمله و هو تسديد الدين.

و هذه الجعالة تختلف عن الجعالة التي مرّت بنا في الوجه السابق؛ لأنّ تلك جعالة على عمليّة الاقراض، أي بازاء التمليك على وجه الضمان. و أمّا هذه فليست جعالة على التمليك؛ لأنّه لا يوجد تمليك من البنك لزيد في الحالة الثانية التي ندرسها الآن،

____________

(1) البنك اللاربوي/ 169- 170.

150

و إنّما هي جعالة على تسديد البنك لدين زيد على أساس أنّ هذا التسديد عمل محترم يمكن فرض جعالة له.

و لكن بالرغم من هذا، فإنّ هذه الجعالة تواجه نفس الاعتراض الذي أثرناه على الجعالة المتقدّمة في التقريب السابق؛ لأنّ تسديد البنك لدين زيد ليس له ماليّة إضافيّة وراء ماليّة نفس المال الذي يسدّده لخالد بعنوان الوفاء، و المفروض أنّ هذا المال المسدّد مضمون فلا يتحمّل المورد ضماناً آخر لنفس عمليّة التسديد.

و إذا لم يتصوّر الضمان لم تصحّ الجعالة لما تقدّم من أنّها لا تنشئ الضمان، و إنّما تحدّده في الجعل المعيّن.

نعم، إذا افترضنا أنّ تسديد البنك لدين زيد كانت له قيمة ماليّة زيادة على القيمة الماليّة للمال المسدّد جاء فيه ضمان الغرامة، و بالتالي صحّت الجعالة فيه. و ذلك كما إذا كان تسديد البنك لدين زيد يتمثّل في جهد زائد على مجرّد دفع المال إلى دائن زيد، و ذلك حين يكون دائن زيد في بلد آخر- مثلًا- و يأمر زيد البنك بإرسال مبلغ من المال إلى ذلك البلد و دفعه إلى الدائن، فإنّ ممارسة البنك لهذه العمليّة لها قيمة ماليّة زائدة على القيمة الماليّة لنفس المال المدفوع، و هذه القيمة الماليّة الزائدة مضمونة على زيد بسبب أمره للبنك بتسديد دينه و تحويله إلى دائنه، و في مثل هذه الحالة يمكن لزيد أن يقوم بجعالة معيّنة فيجعل البنك جعلًا خاصّاً على علميّة التحويل و التسديد» (1).

تقييم الإشكالين

أمّا الإشكال الأوّل فهو في الحقيقة إشكال صغروي نظير ما مرّ في الإشكال على الحلّ الثالث، كأنّه يراه أنّ الزيادة تؤخذ فيه على المنشأ لا على الإنشاء.

____________

(1) البنك اللاربوي/ 170- 171.

151

و ذكرنا في الجواب أنّ المدار على الإرادة الجديّة و هي الالتزام بالآثار القانونيّة أو الشرعيّة لصورة المعاملة، و ليست الإرادة الجدّية بمعنى الدواعي الأصليّة.

و الإشكال الثاني أيضاً قد مرّ جوابه، و هو متوقّف على فرض قسم ثالث للماليّة و صحّة الجعالة عليه، و هذا لا بحث فيه.

و المهمّ بسط الكلام حول نقطتين يمكن طرحهما في الإشكال الأوّل، و هما:

تمثيل المقام بالديون الابتدائيّة.

و المستند في تعميم الحرمة إلى الديون الابتدائيّة.

أمّا النقطة الاولى فهناك بحث لدى الأعلام بأنّه هل الضمان غرامة و درك- ليكون درك الشي‌ء إذا تلف في عهدة الضامن- أو المعاوضة- ليكون تلف المال المضمون من مال الضامن-؟

مثلًا: إذا اتلفت سيّارة قيمتها تعادل أربعة ملايين، و لمّا اتلفت ساوت و تنزّلت قيمتها إلى مائة ألف.

فإن قلنا بأنّ الضمان هو غرامة و درك، فتبقى هذه الباقية (/ مائة ألف) في ملكيّة المضمون له، و الباقي في عهدة الضامن.

و أمّا إذا قلنا بأنّ الضمان معاوضة، فالضامن يملك العين و القيمة الباقية (/ مائة ألف) و يدفع أربعة ملايين إلى صاحب السيّارة، كأنّه آناً ما قبل التلف يدخل في ملكيّة الضامن و يتلف من ماله، لا من مال المضمون له، و هذا التملّك ليس مجازاً، بل في مقابل ثبوت المثل في عهدته، فالمال المضمون يتلف من مال الضامن في مقابل ثبوت المثل، فيكون نوع معاوضة، فتلك الأجزاء المتبقّية تكون من ملك الضامن و يدفع المال كلّه للمضمون له، و ذهب جماعة إلى هذا الرأي.

نعم، هناك قول ثالث- و هو الصحيح لدينا- من كون الضمان معاوضة بعد دفع الضامن لما ضمن، فبالدفع تتحقّق المعاوضة المزبورة.

152

فالضمان الحاصل بسبب الإتلاف ليس من الديون الابتدائيّة، بل هو دين مقابل العوض. غاية الأمر هذه المعاوضات قهريّة فتختلف عن المعاوضات الاختياريّة.

نعم، في مثل الديات و ما شابه ذلك قد يقال بأنّها ديون ابتدائيّة؛ لأنّه لا معنى للمعاوضة في تلك الموارد.

و أمّا النقطة الثانية ففي مستند تعميم حرمة أخذ الزيادة إلى الديون الابتدائيّة.

و قد ذكر السيّد الشهيد الصدر (رحمه الله) أنّ أخذ الزيادة في هذا الحلّ ليس مقابل الإقدام و التسديد، و إنّما الزيادة على الدين الثاني- و هو دين ابتدائي ينشأ من تسديد البنك دين المدين، و ليس ديناً معاوضياً، بل دين بسبب الاتلاف- فهاهنا يقع البحث في أنّ حرمة أخذ الزيادة هل تشمل الديون الابتدائيّة كما تشمل الديون العوضيّة أم لا؟

قيل: بالشمول؛ لأنّ في الديون غير الابتدائيّة لم يجوّز الشارع أخذ الزيادة على المدين، مع أنّه استلم عوضاً، فكيف في الديون الابتدائيّة التي لم يستلم فيها عوضاً؟! فالشارع يرأف بهذا المدين بطريق أوْلى.

و لكن هذه النكتة صحيحة في الجملة، و ليست تامّة دائمة. مثلًا: المدين بدين ابتدائي كالغاصب أو المتلف عمداً، كيف يقال يرأف به؟! و المعروف أنّه يؤخذ بأشدّ الأحوال، و الذي تثبت عليه الدية في باب شبه العمد لا يرأف به لأنّه مقصّر، فنكتة الرأفة غير عامّة في كلّ الموارد. نعم، في الموارد التي ليس فيها تقصير- من الديون الغرامية- الرأفة مناسبة.

فإذن الصحيح في وجه التعميم هو: ما ورد في الروايات في ذيل قوله تعالى:

(وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا) (1) من تفسيره بتأجيل الدين في مقابل الزيادة، و ليس فيها تقييد بالدين الناتج من القرض أو البيع، و إن كان سبب نزول الآية الردّ على اليهود، حيث أنّهم يقولون: ما الفرق بين أن نبيع المبيع الآن إلى السنة بثمن عالٍ أعلى‌

____________

(1) سورة البقرة 2: 275.

153

من الثمن النقدي، و بين أن نبيع بثمن نقدي فأمهله و آخذ الزيادة عليه، فالربا مثل البيع لا فرق بينهما.

و لكن في تفسيرها الروائي ليست فيها نكتة الدين الحاصل من القرض أو من غيره، هذا وجه التعميم.

و هذا تمام الكلام حول النقطتين الجديدتين في هذا الحلّ.

ثمّ إنّه استدرك مطلباً- و هو في محلّه تامّ- يقول:

إنّ ما أشكلنا في ما إذا لم يقم البنك بجهد و عمل زائد على دفع المال، أمّا إذا افترضنا أنّ دائن زيد يكون في بلد آخر، و يأمر زيد البنك بعمليّة الإرسال- و هو عمل مالي غير التسديد- فلا مانع من أخذ الزيادة مقابل تلك الأعمال التي ليست مرتبطة بنفس الدين الأوّل، و إنّما هي أعمال محترمة؛ لأنّ تلك الأعمال لها ماليّة و ليست هي أخذ الزيادة على نفس الدين.

و بعبارة اخرى: الذي ثبتت حرمته هو الزيادة على الدين مقابل التأجيل، و أمّا الزيادة الاخرى بأسباب ماليّة اخرى، فلا مانع فيه.

154

الحيلة الخامسة: أخذ الزيادة مقابل إسقاط حقّ الوفاء في مكان خاصّ

ذكرها الشهيد الصدر (رحمه الله) أيضاً و هي: «تختصّ ببعض القروض، و هو ما إذا كان من قبيل القروض التي تُدفع إلى المدين خارج البلاد... فمثلًا:

قد يتقدّم شخص إلى البنك في بغداد طالباً منه أن يزوّده بخطاب إلى وكيله في الهند يأمره فيه بإقراضه مبلغاً معيّناً من المال، فيزوّده البنك، بهذا الخطاب، ثمّ يقدّمه الشخص إلى الوكيل في الهند و يقترض بموجبه المبلغ المحدّد.

و عقد القرض هذا وقع في هذا المثال في الهند، و من حقّ المقترض- بمقتضى إطلاق عقد القرض- إلزام المقترض بالوفاء في نفس مكان القرض؛ لأنّ مكان وقوع القرض هو الأصل في مكان الوفاء بمقتضى الإطلاق، و عليه فيكون من حقّ البنك أن يطالب مدينه بالوفاء في نفس المكان الذي تمّ فيه إقراضه عن طريق وكيله في الهند، غير أنّ المدين غير مستعدّ لذلك، فإنّه يريد الوفاء في العراق حالة رجوعه من سفره لا في الهند، فيمكن للبنك في هذه الحالة أن يطالب بمقدار الفائدة لا بازاء المال المقترض، بل بازاء تنازله عن الوفاء في ذلك المكان المعيّن، و ليس هذا رباً؛ لأنّ البنك في الواقع قد أقدم على الاقراض مستعدّاً لقبول نفس المبلغ إذا دفع له في نفس المكان، و إنّما يطالب بالزيادة لقاء تنزّله عن المكان، فيكون المقترض بين أمرين:

فأمّا أن يقتصر على دفع نفس المبلغ على أن يدفعه في نفس المكان الذي وقع فيه القرض.

و أمّا أن يدفع زيادة عليه لقاء إسقاط الدائن حقّه في الوفاء في المكان المعيّن،

155

و سوف يختار المقترض الأمر الثاني.

و في الواقع أنّ هذا الوجه هو الذي جوّزنا للبنك على أساسه أن يأخذ عمولة على التحويل» (1).

و بالجملة لا مانع من أن نقول: إنّ الزيادة إنّما تؤخذ في مقابل إسقاط حقّ المكان- الثابت للمقرض- و كلّ زيادة لا تؤخذ مقابل الدين أو التأجيل، و إنّما هي مقابل شي‌ء آخر له ماليّة، لا مانع منه.

و قبل الدخول في البحث عن دليل تلك القاعدة الكلّية، نلفت إلى أنّ السيّد الشهيد (رحمه الله) اعترف بأنّ لهذا الحقّ- و هو حقّ تقاضى أخذ الدين في بلد الإقراض- ماليّة، و من المعلوم أنّ ماليّته من القسم الثالث من الماليّات التي تقدّمت. فهذا اعتراف منه بهذا القسم مع أنّه أنكر وجود تلك الماليّة في ما سبق في الجعالة.

قاعدة في أنواع الزيادة المحرّمة في الربا

هل تكون حرمة أخذ الزيادة في الديون مطلقة أو مشروطة بأخذها على التأجيل؟

بمعنى أنّ الزيادة المأخوذة على الأجل حرام فقط أو مطلق أخذ الزيادة في الديون؟

قد يقال: على مقتضى القاعدة إنّ أخذ الزيادة بسبب الشرط جائز، لو لا أدلّة تحريم الربا؛ لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2)، و لكن وردت الأدلّة الاخرى و حرّمت الربا.

و الربا و إن كان في اللغة هو مطلق الزيادة، إلّا أنّه في الاصطلاح الشرعي يستعمل في خصوص الزيادة المأخوذة على الأجل، فحينئذٍ لا تشمل أدلّة الحرمة مطلق الزيادة.

و المعروف في الفتاوى أنّ كلّ قرض يجرّ نفعاً بالاشتراط فهو حرام، و لا يصحّ‌

____________

(1) البنك اللاربوي/ 171- 172.

(2) سورة المائدة 5: 1.

156

اشتراط الزيادة في القرض مطلقاً حتّى الزيادة الحكميّة، و لذلك ذكروا أنّه إذا كان القرض يشترط في ضمنه بيع و نحوه لا يجوز، فإنّ الثمن و إن وقع مقابل المبيع إلّا أنّ إيقاع تلك المعاملة البيعيّة منفعة حكميّة في القرض، فلا يجوز اشتراطها في القرض.

فهاهنا يقال: الدائن حين ما يشترط على المدين أن تسديدك لي الدين في بلد غير بلد التحويل و الإقراض ينافي الحقّ الثابت في شأن الدائن، و هو مطالبة دينه في بلد الإقراض، فيأخذ الزيادة مقابل إسقاط ذلك الحقّ، فهذا اشتراط منفعة حكميّة في الحقيقة، و هي غير جائزة.

و إذا كان البنك يشترط على المدين أنّي سوف اسدّد دينك لكن مقابل الخدمات آخذ الزيادة، فهو قرض يشترط فيه إجارة باعتبار أنّ البنك يقرض المدين و يشترط عليه أن يدفع ثمن الأعمال، و هو إجارة أو شبه إجارة، و هذا منفعة حكميّة للدائن، و هذا هو الإشكال في الحيلة الخامسة.

و على أيّ حال، لا بدّ من تحرير هذا الأمر المهمّ فنقول:

إنّ الزيادة في القرض إذا لم تشترط فلا ريب في جواز أخذها من باب الضمان بسبب الأمر بقيامه بخدمات اخرى؛ لأنّ تلك الزيادة غير مشترطة في القرض، و يجي‌ء الفساد من ناحية الشرط كما نصّ عليه جمع من الروايات، كقوله (عليه السلام) في رواية خالد بن الحجّاج: «جاء الربا من قبل الشروط، إما يفسده الشروط» (1).

و أمّا إذا جاءت الزيادة بسبب الشرط، فالمسألة ذات صور و احتمالات:

الصورة الاولى: اشتراط زيادة عينيّة، مجانسة أو غير مجانسة، مثلًا: يُقرض (100) دينار بشرط أن يأخذ (120) ديناراً على رأس الشهر مثلًا، أو يأخذ (100) دينار و كتاب.

الثانية: اشتراط منفعة عينٍ، مثلًا: يقرض (100) دينار بشرط أن يأخذ نفس‌

____________

(1) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 1.