فقه المصارف والنقود

- الشيخ محمد السند المزيد...
622 /
157

المقدار و يركب سيّارته مدّة معيّنة.

الثالثة: اشتراط عقد محاباتي أو مجّاني في ضمن القرض، بأن يقرض (100) دينار و يشترط عليه أخذ نفس المقدار مع بيع محاباتي- كأن يبيع المقرض شيئاً بأغلى من قيمته السوقيّة أو يشتري من المقترض شيئاً بأخصّ من ثمن المثل- أو يشترط عليه قرضاً آخر، بلحاظ أنّ الدائن محتاج إلى متاع يكون عند المقترض، فيقرض الدائن بشرط أن يستقرض ذلك المتاع، أو يشترط عليه هبة، فإنّها تمليك مجّاني، أو عارية، و هي منفعة مجّانيّة، فهذه منفعة حكميّة، أي في حكم المنفعة.

الرابعة: اشتراط عقد معاوضي في ضمن القرض لا محاباتي، بأن يقرض (100) دينار و يشترط عليه إرجاع نفس المبلغ و بيعاً معاوضيّاً أو إجارة بالمثل لا محاباتيّاً.

الخامسة: اشتراط عقد غير معاوضي في ضمن القرض، بأن يقرض و يشترط عليه وكالة- بأن أكون وكيلًا لك- أو ضامناً- بأن تكون ضامناً لي- أو كفالة أو رهناً.

السادسة: اشتراط عمل لا ماليّة له، بأن يقرض و يشترط عليه أن يصلّي أوّل الوقت أو يجدّ في دراسته.

فهل يا ترى أنّ الشرط في الربا حرام، يشمل كلّ هذه الصور الستّة؟ ادّعى الإجماع في كتاب القرض أنّ كلّ قرض يجرّ نفعاً بالاشتراط فهو حرام، خرج منه العمل المجرّد (أعني الصورة السادسة) لأنّه ليس بمنفعة ماليّة، و أمّا بقيّة الصور ففيها منفعة فمحرّمة، حتّى أنّ الوحيد البهبهاني (رحمه الله) ألّف رسالة في خصوص هذه المسألة؛ لأنّ الربا عمدته في القرض و بالشرط.

و الشيخ جعفر كاشف الغطاء (رحمه الله) أيضاً ادّعى حرمة كلّ هذه الصور الخمسة، إلّا أنّ السيّد بحر العلوم (رحمه الله) خالف في ذلك، و ذكر بأنّ الزيادة العينيّة حرام، و أمّا الزيادة في المنفعة الحكميّة فلا إشكال فيها، و جملة من الفقهاء- كما حكى صاحب الجواهر (1)

____________

(1) جواهر الكلام 25/ 62.

158

عن الشيخ و ابن إدريس و يحيى بن سعيد و العلّامة الحلّي و المحقّق الكركي- أفتوا بجواز الصورة الرابعة و الخامسة.

الفات إلى نقطتين

1- إنّ الصورة الاولى و الثانية من قبيل القسم الأوّل من الماليّات المتقدّمة، و الثالثة من قبيل القسم الثاني، و الصورة الرابعة إلى السادسة من قبيل القسم الثالث من الماليّات.

2- إنّ الزيادة التي تؤخذ مقابل التأجيل لا تسوّغ- حتّى و لو كانت بشرط ابتدائي- بعد عقد القرض، بمعنى أنّ أخذ الزيادة بالشرط حرام مطلقاً- سواء كان في عقد القرض أو بعده ابتداءً-.

نعم، إذا دفع المدين الزيادة إلى الدائن من دون اشتراط مطلقاً من الدائن، و إنّما دفعها لكي يمهله، أي دفعها بداعي التأخير و التأجيل في الدين من دون أن يشترط الدائن، فهذه جائزة و مكافأة، و إن كان الأوْلى احتسابها من الدين على ما ورد في صحيحة غياث بن إبراهيم (1).

و بالجملة: المشارطة في التأخير و إن لم تكن في ضمن القرض هي كالمشارطة في ضمن القرض، فإنّ كلتيهما محرّمة. و الزيادة إن لم تكن بالمشارطة- و لو كان الداعي هو التأخير- جائزة. هذا بيان فرض المسألة.

و العمدة في البحث هو: الفحص عن الأدلّة و مقدار دلالتها.

يمكن الاستدلال على حرمة مطلق الزيادة- و لو كانت بنحو المنفعة الحكميّة- بامور:

____________

(1) رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ رجلًا أتى عليّاً (عليه السلام) فقال: إنّ لي على رجل ديناً، فأهدى إليَّ هديّة، قال: أحسبه من دينك عليه» (ب 19/ أبواب الدين/ ح 1).

159

الأمر الأوّل: إطلاق حرمة الربا في بعض الآيات القرآنيّة:

1- قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ* يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ كُلَّ كَفّٰارٍ أَثِيمٍ) (1).

2- قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ* وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (2).

3- قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَ اتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ) (3).

4- قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ طَيِّبٰاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ كَثِيراً* وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أَكْلِهِمْ أَمْوٰالَ النّٰاسِ بِالْبٰاطِلِ وَ أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ مِنْهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً) (4).

5- قوله تعالى: (وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (5).

قالوا: إنّ الربا معناه الزيادة، و هذا العنوان- أي عنوان الربا- ورد في الآيات الشريفة‌

____________

(1) البقرة 2: 275 و 276.

(2) البقرة 2: 278- 280.

(3) آل عمران 3: 130 و 131.

(4) النساء 4: 160 و 161.

(5) الروم 30: 39.

160

على نحو الاطلاق، و لم يقيّد بشي‌ء فيشمل اشتراط الزيادة من أي قسم كانت، فالحرمة شاملة للجميع.

و يلاحظ عليه: أنّ لفظ الربا و إن كان يستعمل في اللغة في مطلق النموّ و الزيادة، إلّا أنّ الربا في تلك الآيات الكريمة مع ملاحظة شأن نزولها، ما استعمل في ذلك؛ لأنّ الربا المتعارف في الجاهليّة و عند اليهود كان في الزيادة العينيّة، لا سيّما مع القرائن الموجودة في نفس الآيات، و هي:

1- تقابل البيع و الربا (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا)؛ لأنّ الزيادة في البيع كانت من قبيل الزيادة العينيّة.

2- إرباء الصدقات من حيث الثواب من قبيل الزيادة العينيّة، إنّ من تصدّق بالدرهم كأنّه تصدّق بمائة درهم.

3- ظهور (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ) في الزيادة العينيّة.

4- و كذلك (أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً).

5- و كذلك (لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ) و هو الاستنماء في نفس الأموال.

و بالجملة لا يمكن التمسّك بإطلاق الآيات لإثبات حرمة مطلق الزيادة و لو سُلّم- مع غضّ النظر عمّا قلنا- سُلّم شمول الآيات للصورة الثانية، مضافاً إلى الصورة الاولى دون البواقي.

الأمر الثاني: عدّة من الروايات في أبواب مختلفة.

و قبل الورود في هذا الأمر يجب أن ننبّه أنّ موضوع البحث ليس هو اشتراط الزيادة في أثناء عقد القرض، بل و لو اشترط الزيادة بعد وقوع القرض في مقابل التأجيل، يعني بعد أن تنتهي مدّة القرض فيأتي المقرض و يطالب بدينه، فالمقترض يستمهله أو المقرض يمهله مقابل الزيادة. و الحال فيه كالحال في اشتراط الزيادة في نفس عقد القرض.

1- عن خالد بن الحجّاج، قال: «سألته عن الرجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً‌

161

قضانيها مائة وزناً؟

قال: لا بأس ما لم يشترط.

قال: و قال (عليه السلام): جاء الربا من قبل الشروط، إنّما يفسده الشروط» (1).

بتقريب: أنّ الدرهم الصحيح وزنه مثقال من الفضّة، غاية الأمر الدراهم المتداولة- لعدم الدقّة في ضربها- تزيد أو تنقص. و الغالب نقصانه عن الوزن المعهود و هو المثقال. و عليه فلو أعطى مائة درهم- عدداً- فهذه المائة غالباً تنقص عن مائة مثقال.

فلو أخذ مائة مثقال من الفضّة كانت هذه زيادة على ما أعطاه، و هذه الزيادة محرّمة لو اشترطت.

و قوله (عليه السلام): «لا بأس» و إن كان أعمّ من الحرمة و الكراهة، إلّا أنّ قوله (عليه السلام): «إنّما يفسده الشروط» يدلّ على الحرمة‌

و فيه: أوّلًا: أنّها ضعيفة السند لجهالة خالد.

ثانياً: لا يبعد إرادة الزيادة العينيّة من الزيادة في جوابه (عليه السلام)؛ لأنّه دفع أقلّ من مائة مثقال، و يأخذ أكثر منها، و هذه هي الزيادة العينيّة.

2- صحيحة الحلبي: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عدداً ثمّ يعطي سوداً وزناً، و قد عرف أنّها أثقل ممّا أخذ و تطيب بها نفسه أن يجعل له فضلها؟

فقال: لا بأس به إذا لم يكن فيه شرط، و لو وهبها له كلّها صلح» (2).

و تدلّ بمفهومها على أنّه إذا كان فيه شرط ففيه بأس، و هي أيضاً مختصّة بالزيادة‌

____________

(1) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 1. رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن يحيى بن الحجّاج، عن خالد بن الحجّاج (خالد مجهول).

(2) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 2. رواه محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي.

162

العينيّة بقرينة قوله: «أثقل ممّا أخذ».

3- صحيحة الحلبي: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا أقرضت الدراهم ثمّ أتاك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط» (1).

و فيه: أنّها و إن كانت في الزيادة الحكميّة بقرينة قوله (عليه السلام): «بخير منها» إلّا أنّ «البأس» الثابت بالمفهوم أعمّ من الكراهة و الحرمة، فليست نصّاً في الحرمة. مضافاً إلى احتمالها الزيادة العينيّة بقرينة ما في سائر الروايات من كون (الخيريّة) في النقود هو بلحاظ عدم الغشّ فيها أو كون وزنها وافياً.

و ربّما يستظهر من الرواية أنّها في مقام تحديد الربا، فتستفاد منها الحرمة.

4- صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقترض من الرجل الدرهم فيردّ عليه المثقال، و يستقرض المثقال فيردّ عليه الدرهم؟

فقال: إذا لم يكن شرط فلا بأس، و ذلك هو الفضل، إنّ أبي (عليه السلام) كان يستقرض الدراهم الفسولة فيدخل عليه الدراهم الجياد فيقول: يا بنيّ، ردّها على الذي استقرضتها منه، فأقول: يا أبة، إنّ دراهمه كانت فسولة و هذه خير منها، فيقول:

يا بنيّ، إنّ هذا هو الفضل، فأعطه إيّاها» (2).

و فيه: أنّ مفهومها ثبوت البأس في الزيادة الحكميّة، و هو ظاهر في الحرمة لا نصّ فيها، على أنّ الزيادة يمكن أن تكون من قبيل العينيّة، كما تقدّم. 5- موثّقة عبد الملك بن عتبة: عن عبد صالح (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يأتيني يستقرض منّي الدراهم فاوطّن نفسي على أنّ اؤخّره بها شهراً للذي يتجاوز به عنّي،

____________

(1) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 3. رواه محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي.

(2) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 7. رواه الكليني عن أبي عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، و عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

163

فإنّه يأخذ منّي فضّة تبر على أن يعطيني مضروبة، إلّا أنّ ذلك وزناً بوزن سواء، هل يستقيم هذا؟ إلّا أنّي لا اسمّي له تأخيراً، إنّما اشهد لها عليه فيرضى. قال: لا احبّه» (1).

و موردها الزيادة الحكميّة؛ لأنّ (فضّة تبر) هي غير مسكوكة، و (فضّة مضروبة) هي المسكوكة، و هي أزيد من التبر، فتكون من قبيل الزيادة في الصفة.

إلّا أنّ «لا احبّه» أعمّ من الحرمة و الكراهة، و ليس نصّاً في الحرمة.

6- عن داود الأبزاري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا يصلح أن تقرض ثمرة و تأخذ أجود منها بأرض اخرى غير التي أقرضت فيها» (2).

بناءً على ظهور قوله (عليه السلام): «و تأخذ» في الشرط الضمني الارتكازي، و هو أن يعلم كلا الطرفين و يوقّعان العقد مبنيّاً عليه.

و فيه: أنّ «لا يصلح» مردّد بين الحرمة و الكراهة.

7- صحيحة غياث بن إبراهيم: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ رجلًا أتى عليّاً (عليه السلام) فقال: إنّ لي على رجل ديناً فأهدى إليَّ هديّة، قال: احسبه من دينك عليه» (3).

و هذه محمولة على الاستحباب، مع أنّ الفرض فيها الزيادة العينيّة.

8- موثّقة إسحاق بن عمّار: عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضاً فيعطيه الشي‌ء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه فيأخذ ماله من غير أن يكون شرط عليه؟ قال: لا بأس بذلك ما لم يكن شرطاً» (4).

____________

(1) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 9. رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن عبد اللّه ابن جبلة، عن عبد الملك بن عتبة.

(2) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 10. رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن عبيس بن هشام، عن ثابت بن شريح، عن داود الأبزاري. (داود مجهول).

(3) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 1. رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عن غياث.

(4) المصدر المتقدّم/ ح 3. رواه الصدوق عن أبيه، عن عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن عليّ

164

و موردها الزيادة العينيّة، و لا إشكال في أنّها مع الشرط تحرم.

9- صحيحة يعقوب بن شعيب: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرجل يسلم في بيع أو تمر عشرين ديناراً، و يقرض صاحب السلم عشرة دنانير أو عشرين ديناراً. قال: لا يصلح إذا كان قرضاً يجرّ شيئاً، فلا يصلح.

قال: و سألته عن رجل يأتي حريفه و خليطه فيستقرض منه الدنانير فيقرضه، و لو لا أن يخالطه و يحارفه و يصيب عليه لم يقرضه. فقال: إن كان معروفاً بينهما فلا بأس، و إن كان إنّما يقرضه من أجل أنّه يصيب عليه فلا يصلح» (1).

و ليست صريحة في الحرمة، و سيأتي أنّها موافقة للعامّة و تعارضها أخبار مستفيضة، مع أنّ الفرض الأوّل في الرواية لم يكن فيه اشتراط، بل لا تخلو عن إشعار بأنّ «لا يصلح» في ما تقدّم من الروايات بمعنى الكراهة.

10- صحيحة محمّد بن قيس: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «من أقرض رجلًا ورقاً فلا يشترط إلّا مثلها، فإن جوزى أجود منها فليقبل، و لا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترطه من أجل قرض ورقه» (2).

و هي الرواية الوحيدة التي اعتمد عليها المحقّق الأردبيلي في المنع عن الزيادة في الصفة.

و الرواية من حيث الموضوع مختصّة بالزيادة الاولى أو الثانية، و ليست متعرّضة لزيادات اخرى.

____________

بن إسماعيل، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار. (موسى بن سعدان في طريق الكليني الآخر لهذه الرواية ضعيف).

(1) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 9. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان و عليّ بن النعمان، عن يعقوب بن شعيب.

(2) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 11. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن يوسف بن عقيل، عن محمّد بن قيس.

165

و من حيث المحمول ليست بصريحة في الحرمة؛ لأنّ «لا» الناهية و إن كان له ظهور قوي في التحريم، إلّا أنّه يستعمل كثيراً في الكراهة أيضاً، إلّا أنّه إذا لم يحرز الترخيص تحمل على الحرمة.

11- موثّقة إسحاق بن عمّار: قال: «قلت لأبي إبراهيم: الرجل يكون له على الرجل المال قرضاً فيطول مكثه عند الرجل لا يدخل على صاحبه منه منفعة فينيله الرجل الشي‌ء بعد الشي‌ء كراهية أن يأخذ ماله، حيث لا يصيب منه منفعة، أ يحلّ ذلك له؟

قال: لا بأس إذا لم يكن بشرط» (1).

و فيه: أنّ «البأس» الثابت بالمفهوم أعمّ من الكراهة و الحرمة، مضافاً إلى أنّ «النوال» يستعمل في الهدايا العينيّة.

12- صحيحة محمّد بن الحسن الصفّار: قال: «كتبت إلى الأخير (عليه السلام): رجل يكون له على رجل مائة درهم فيلزمه فيقول له: انصرف إليك إلى عشرة أيّام و اقضي حاجتك، فإن لم أنصرف فلك علَيَّ ألف درهم حالّة من غير شرط، و أشهد بذلك عليه، ثمّ دعاهم إلى الشهادة.

فوقّع (عليه السلام): لا ينبغي لهم أن يشهدوا إلّا بالحقّ، و لا ينبغي لصاحب الدين أن يأخذ إلّا الحقّ إن شاء اللّٰه» (2).

قوله: «فإن لم أنصرف فلك علَيَّ ألف درهم» ظاهر في الشرط، و المورد من الزيادات العينيّة و حرمتها واضحة.

13- صحيحة عليّ بن جعفر: عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل أعطى رجلًا مائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقلّ أو أكثر؟

____________

(1) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 13. رواه الشيخ بإسناده عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، و بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، مثله.

(2) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 14. رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار.

166

قال: هذا الربا المحض» (1).

يعني الزيادة العينيّة هي الربا المحض، و الزيادات الاخرى هي في حكم الربا و شبيهة به، أو أنّ ربا القرض هو الربا الأصلي، و أمّا ربا المعاوضة و المكيل و الموزون فملحق به، فالمعنى مردّد بينهما، مضافاً إلى عدم تعرّضها لحكم الربا غير المحض.

14- صحيحة مسعدة بن صدقة: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سئل عن رجل له مال على رجل من قبل عينة عيّنها إيّاه، فلمّا حلّ عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه، فأراد أن يقلب عليه و يربح، أ يبيعه لؤلؤاً أو غير ذلك ما يسوى مائة درهم بألف درهم و يؤخّره؟ قال: لا بأس بذلك قد فعل ذلك أبي رضى الله عنه و أمرني أن أفعل ذلك في شي‌ء كان عليه» (2).

و سيأتي الكلام حول هذا البحث و نظائره.

15- صحيحة محمّد بن إسحاق بن عمّار، قال: «قلت للرضا (عليه السلام): الرجل يكون له المال فيدخل على صاحبه و يبيعه لؤلؤة تسوى مائة بألف درهم، و يؤخّر عنه المال إلى وقت. قال: لا بأس به، قد أمرني أبي ففعلت ذلك.

و زعم أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عنها فقال مثل ذلك» (3).

16- عن رجل كتب إلى العبد الصالح (عليه السلام): يسأله إنّي اعامل قوماً أبيعهم الدقيق أربح عليهم في القفيز درهمين إلى أجل معلوم، و أنّهم سألوني أن اعطيهم عن نصف الدقيق دراهم، فهل من حيلة لا أدخل في الحرام؟

____________

(1) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 18. رواه عبد اللّه بن جعفر في (قرب الإسناد) عن عبد اللّه بن الحسن، عن جدّه عليّ بن جعفر، و رواه عليّ بن جعفر في كتابه أيضاً.

(2) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ ح 3. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة.

(3) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ ح 6. رواه الشيخ بإسناده عن أبي عليّ الأشعري، عن الحسن بن عليّ بن عبد اللّه، عن عمّه محمّد بن أبي عبد اللّه، عن محمّد بن إسحاق بن عمّار.

167

فكتب إليه: أقرضهم الدراهم قرضاً و ازدد عليهم في نصف القفيز بقدر ما كنت تربح عليهم» (1).

مفاد تلك الروايات جواز البيع بشرط الإقراض أو بشرط التأجيل.

و يستدلّ بها تارة: لحلّية الزيادة غير العينيّة (2).

و اخرى: لحرمة الزيادة.

أمّا تقريب دلالتها على الحلّيّة إجمالًا فهو:

أنّ حقيقة التأجيل هو نفس اشتراط المدّة الزائدة في التسديد بعد حلول وقت الأداء. و بعبارة اخرى: هو ضرب مدّة ثانية لأداء الدين يُتّفق عليها، فإذا كان هذا معنى التأجيل يظهر من الروايات جواز أخذ المنفعة الحكميّة على التأجيل، فيكون من أخذ الزيادة عند اشتراط الامهال ثانياً.

و ليعلم أنّ جماعة من الفقهاء في التأجيل اللاحق على عقد القرض لم يفرّقوا في الحرمة بين أن يهب بشرط التأجيل أو أن يؤجّل بشرط الهبة (3) و هناك عدّة من الروايات تدلّ على هذا التعميم في الحرمة، فالزيادة المحرّمة الربويّة اللاحقة واقعاً في مقابل التأجيل، سواء جعل التأجيل أصلًا و شرط فيه الزيادة أم جعلت الهدية أصلًا بشرط التأجيل، أي بشرط إسقاط حقّ المطالبة إلى مدّة.

____________

(1) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ ح 7. رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمّد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، عن رجل. (إبراهيم بن إسحاق مجهول، و محمّد بن سليمان الديلمي ضعيف).

(2) و المراد من الزيادة، الزيادة من القسم الثالث فصاعداً.

(3) و سيأتي صياغة وجه على حدة على حلّيّة الزيادة من الأقسام الأخيرة مفاده أنّ الإجارة بشرط القرض هي عين القرض بشرط الإجارة، و أنّ ما يقال من أنّ أحدهما أصيل و الآخر تبع بخلاف العكس تفرقة صوريّة، و كذا ما يقال من أنّ الإجارة تارة مشروط فيها و القرض شرط، و اخرى القرض مشروط فيه و الإجارة شرط، فهو أيضاً مغايرة صوريّة في مقام اللفظ.

168

فإذا اتّضحت هذه النكتة يظهر من هذه الروايات الدالّة على جواز البيع المحاباتي بشرط التأجيل كون هذا النمط من الزيادة ليس من الفائدة الربويّة المحرّمة، و هذا النوع من الزيادة و الفائدة هو من القسم الثالث من الأقسام الستّة المتقدّمة.

و أمّا التدليل على هذه النكتة فلسنا بصدد تفصيل الدليل في المقام.

نكتة معترضة

قد يستدلّ للحلّية في القسم الثالث فصاعداً أنّ هذه الزيادات ليست بمال قبل الاشتراط و المصالحة بها مقابل التأخير، أي أنّ ماليّتها من القسم الثالث من الأقسام الستّة المتقدّمة، و إذا كان الحال كذلك فلا يبعد دعوى انصراف الربا المحرّم عن الزيادة الماليّة المتفرّعة على الاشتراط، أي أنّ ظاهر أدلّة حرمة الربا هو في اشتراط الزيادة الماليّة التي هي مال قبل الاشتراط لا بعده.

هذا و مع وجود الروايات المجوّزة لا حاجة إلى الاعتماد على هذا الوجه.

و أمّا تقريب دلالتها على الحرمة فهو: أنّ تلك الروايات تفرض و تنشئ حيلة لأجل الفرار من الربا في البيع المحاباتي بشرط التأخير أو البيع المحاباتي بشرط القرض، فتجعل البيع المحاباتي أصلًا و الآخر فرعاً، و تدلّ على أنّه لا بدّ من الاحتياط فراراً عن الربا، فلولا هذه الحيلة لوقع في الربا، فتدلّ على أنّ القرض أو التأجيل بشرط البيع المحاباتي رباً محرّم، و الفرار منه بتبديل الأصل و الفرع.

و فيه: أنّ الاستدلال بتلك الروايات على الحرمة متوقّف على تماميّة ثلاث نقاط:

الاولى: الفرق بين البيع بشرط التأخير و بين التأخير بشرط البيع، و أيضاً الفرق بين البيع بشرط القرض و بين القرض بشرط البيع.

الثانية: إمكان أن يقع في ضمن الإيقاع شرط؛ لأنّ التأخير إسقاط و هو إيقاع، فإذا لم يمكن أن يشترط في الإيقاع شرط فيرجع التأخير بشرط البيع إلى البيع بشرط التأخير.

169

الثالثة: ثبوت المفهوم لتلك الروايات بمعنى أنّ تلك الروايات تدلّ على أنّ البيع المحاباتي بشرط التأخير لا بأس به، و لا تدلّ على أنّ التأخير بشرط البيع المحاباتي فيه بأس. و أنّها تدلّ على أنّ أخذ الزيادة مع التوصّل بالبيع المحاباتي جائز، و لا تدلّ على جواز العكس.

و لو سلّمنا تماميّة النقطة الاولى و الثانية فتماميّة الثالثة مشكلة (1). فهذه الروايات إن لم تجعل دليلًا للحلّية فلا تكون دليلًا على الحرمة؛ لأنّها ليست في صدد بيان الحلّية إذا جعل البيع المحاباتي أصلًا و القرض فرعاً.

هذا ما يمكن الاستدلال به على حرمة الزيادة.

و المتحصّل منه: أنّ الاستدلال بإطلاق الآيات الشريفة ممنوع.

و الروايات الصحيحة يدور أمرها بين خلل في الموضوع و بين خلل في المحمول.

أمّا الخلل في الموضوع فكلّ ما كان صريحاً و نصّاً في الحرمة فهو في الزيادة العينيّة فقط دون غيرها.

و أمّا الخلل في المحمول فكلّ ما كان صريحاً في الزيادة الحكميّة فليس نصّاً في الحرمة.

مضافاً إلى وجود المعارض لها، كما سيأتي البحث عنه في الذيل.

الأخبار المجوّزة لأخذ الزيادة الحكميّة

و هنا روايات يمكن الاستدلال بها على جواز أخذ الزيادة الحكميّة في الجملة، أو توهّم دلالتها على الجواز. و على فرض تماميّة روايات الطائفة المانعة- المتقدّمة- تعدّ هذه الروايات المجوّزة معارضة لتلك.

1- معتبرة أبي الربيع الشامي، قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أقرض رجلًا‌

____________

(1) و سيأتي في ذيل الروايات الدالّة على الجواز بيان عدم الفرق في النقطة الاولى.

170

دراهم فردّ عليه أجود منها بطيبة نفسه، و قد علم المستقرض و القارض أنّه إنّما أقرضه ليعطيه أجود منها.

قال: لا بأس إذا طابت نفس المستقرض» (1).

و «أجود منها» زيادة حكميّة.

«قد علم المستقرض و القارض» يمكن أن يكون بمعنى الداعي أو بمعنى الشرط الارتكازي.

و على الثاني: تكون الرواية في مورد اشتراط الزيادة الحكميّة؛ لأنّ معنى الشرط الارتكازي هو أن يعلم به كلا الطرفين و يوقّعان العقد مبنيّاً عليه، و من المحتمل أن يكون بعنوان الداعي، و حينئذٍ «ليعطيه» يحتمل أن يكون بمعنى الداعي، فهذا الاحتمال يعارض استظهار ذاك. غاية الأمر ظهوره في الشرط الارتكازي أقوى.

و لا يشكل بأنّ نفيه (عليه السلام) للبأس معلّق على طيبة المستقرض ممّا يدلّ على أنّ أخذ الدراهم الجياد ليس سائغاً بالشرط في القرض، و هذا الاستعمال في جوابه (عليه السلام) متعارف في قبال المواجبة الشرطيّة و التعاقديّة.

و فيه: أنّ الراوي قد فرض في سؤاله طيبة نفسه، إلّا أنّه ضمّ إلى ذلك علم المتعاقدين ببناء القرض على إعطاء الدراهم الجياد.

2- صحيحة يعقوب بن شعيب: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقرض الرجل الدراهم الغلّة فيأخذ منها (2) الدراهم الطازجة (3) طيّبة بها نفسه؟ فقال:

لا بأس، و ذكر ذلك عن عليّ (عليه السلام)» (4).

____________

(1) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 4. رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد و أحمد بن محمّد جميعاً، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع.

(2) في الفقيه و التهذيب: «منه».

(3) درهم طازج: جيّد نقي.

(4) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 5. رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان، عن يعقوب بن شعيب.

171

بناءً على أنّ «فيأخذ» شرط ارتكازي، و لكن يحتمل أن يكون بنحو الاتّفاق يعني أخذ الزيادة من دون شرط، أو تكون الرواية مطلقة تقيّد ب‍ «جاء الربا من قبل الشروط».

3- موثّقة أبي مريم (عبد الغفّار بن القاسم): عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يكون عليه الثنيّ فيعطي الرباع» (1).

و «الثنيّ» البعير البكر.

و «الرباع» أغلى من الثنيّ، لكن دلالتها إنّما هي على جواز إعطاء الزيادة من دون اشتراط.

4- صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) من الرجل يجيئني فأشتري له المتاع و أضمن عنه، ثمّ يجيئني بالدراهم فآخذها و أحبسها عن صاحبها و آخذ الدراهم الجياد و اعطي دونها؟

فقال: إن كان تضمّن فربّما اشتدّ عليه فعجّل قبل أن تأخذ و تحبس بعد ما تأخذ فلا بأس» (2).

و لكن موردها أخذ الزيادة الحكميّة من دون شرط و لا مانع منه.

5- صحيحة يعقوب بن شعيب: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قلت: يسلف الرجل الورق على أن ينقدها إيّاه بأرض اخرى، و يشترط عليه ذلك، قال: لا بأس» (3).

____________

(1) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 6. رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن أبي مريم.

(2) ب 12/ أبواب الصرف/ ح 8. رواه الكليني عن أبي عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

(3) ب 14/ أبواب الصرف/ ح 1. رواه الكليني عن أبي عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن عليّ بن النعمان، عن يعقوب بن شعيب.

172

بتقريب: أنّ القرض ليس فيه اقتضاء تسديد الدين في أرض معيّنة، و ماهيّته لا تقتضي أرضاً معيّنة. نعم، تقتضي أرضاً ما، و حينئذٍ فهل يمكن أن يعيّن فيه أرضاً؟

الظاهر أنّه لا مانع منه، بل لا بدّ من تعيينها، و على فرض الاطلاق ينصرف إلى بلد الإقراض.

و ما يقال من أنّ إطلاق الأرض ينصرف إلى كون بلد الأداء هو بلد الإقراض، فهو في الحقيقة نوع تعيين بقرينة الاطلاق- أي إرسال اللفظ من دون قرينة خاصّة- و هذا ليس من اقتضاء ماهيّة القرض، بل من باب قرينة الإطلاق، فحيث أنّ ماهيّة القرض تقتضي أرضاً ما لأداء الدين، فحينئذٍ تعيين هذه الخصوصيّة لا مانع منه أو لا بدّ منه.

و هذا هو محلّ البحث في باب الدين و الرهن.

فذهب جماعة من الفقهاء إلى جواز تعيين الأرض و إن صاحَبَ منفعة، و هذا يدلّ على جواز زيادة المنفعة.

و لقائل أن يقول: إنّ الرواية تدلّ على جواز اشتراط أرض معيّنة و لا يرفع اليد عن تلك الدلالة، و لا تدلّ على جواز اشتراط الزيادة الحكميّة، فإنّ دلالتها على جواز اشتراط أرض معيّنة من ذاتيّ القرض فلا يقاس على اشتراط شي‌ء ليس من ذاتي القرض.

و الجواب عنه: بأنّه لو كان مطلق الزيادة محرّماً في القرض لوجب أن يشترط المقرض على المستقرض أرضاً ليست فيها منفعة حكميّة إن كان بلد الإقراض فيجب أن يشترط بلد الإقراض، لكي لا تشترط الزيادة. و على كلّ حال، يجب أن يشترط بلداً لا تكون فيه زيادة حكميّة.

ضعيف؛ لأنّ عقد القرض شرّع لأجل قضاء الحوائج و اشتراط أرض ليست فيها زيادة حكميّة حرج يتنافى مع الأغراض و الحِكَم التي شرّع عقد القرض لها.

6- صحيحة أبي الصباح: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل يبعث بمال إلى أرض، فقال للذي يريد أن يبعث به: أقرضنيه و أنا اوفيك إذا قدمت الأرض.

173

قال: لا بأس» (1).

و تقريبها بالتقريب السابق.

7- معتبرة السكوني: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا بأس بأن يأخذ الرجل الدراهم بمكّة و يكتب لهم سفاتج أن يعطوها بالكوفة» (2).

و السفاتج: جمع سُفتجة، و هي أن يعطي مالًا لآخر و للآخر مال في بلد المعطي فيوفيه إيّاه هناك فيستفيد أمن الطريق.

8- صحيحة أبان بن عثمان: «في الرجل يسلف الرجل الدراهم ينقدها إيّاه بأرض اخرى، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا بأس» (3).

9- صحيحة إسماعيل بن جابر: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قلت: يدفع إلى الرجل الدراهم فاشترط عليه أن يدفعها بأرض اخرى سوداً بوزنها، و اشترط عليه ذلك؟

قال: لا بأس» (4).

و هي نصّ في الجواز من حيث تصريحها باشتراط دفع السود- و هي أثقل ممّا أخذ (5)- في أرض اخرى، و هذه الصحيحة قرينة و حاكمة تفسيريّة على كثير من الروايات المانعة التي بلسان النهي عن مثل ذلك، فضلًا عن الروايات التي تكون بلسان «لا يصلح» أو «لا احبّ» و أنّها محمولة على الكراهة.

____________

(1) ب 14/ أبواب الصرف/ ح 2. رواه الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النعمان، عن أبي الصباح.

(2) ب 14/ أبواب الصرف/ ح 3. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي (/ الحسين بن يزيد)، عن السكوني (/ إسماعيل بن أبي زياد).

(3) ب 14/ أبواب الصرف/ ح 4. رواه الصدوق بإسناده عن أبان بن عثمان.

(4) ب 14/ أبواب الصرف/ ح 5. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن عليّ بن النعمان، عن ابن مسكان، عن إسماعيل بن جابر.

(5) على ما في صحيحة الحلبي (ب 12/ أبواب الصرف/ ح 2).

174

و الغريب أنّ المحقّق الأردبيلي و جمع آخر من الذين جوّزوا اشتراط زيادة الصفة، ذكروا أنّ المعتمد في المنع هو صحيحة محمّد بن قيس (1)، و لم يذكروا في قبالها صحيحة إسماعيل بن جابر، مع أنّها نصّ في الجواز، و كذلك من مثل المحقّق الميرزا البجنوردي، حيث لم يتعرّض لهذه الرواية في قواعده الفقهيّة.

10- صحيحة زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام): «في الرجل يسلف الرجل الورق على أن ينقدها إيّاه بأرض اخرى، و يشترط ذلك. قال: لا بأس» (2).

11- صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يسلف الرجل الدراهم ينقدها إيّاه بأرض اخرى و الدراهم عدداً؟ قال: لا بأس» (3).

12- عن هذيل بن حيّان: قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّي دفعت إلى أخي جعفر مالًا فهو يعطيني ما أنفقه و أحجّ منه، و أتصدّق، و قد سألت من قِبلنا فذكروا أنّ ذلك فاسد لا يحلّ، و أنا احبّ أن أنتهي إلى قولك، فقال لي: أ كان يصلك قبل أن تدفع إليه مالك؟ قلت: نعم.

قال: خذ منه ما يعطيك، فكلّ منه و اشرب، و حجّ، و تصدّق، فإذا قدمت العراق فقل: جعفر بن محمّد أفتاني بهذا» (4).

لكن دلالتها في مورد عدم الاشتراط مع أنّها في الزيادة العينيّة.

____________

(1) المتقدّمة تحت الرقم 10 من الأخبار المانعة (ب 19/ أبواب الدين/ ح 11).

(2) ب 14/ أبواب الصرف/ ح 6. رواه الشيخ بإسناده، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن زرارة.

(3) ب 14/ أبواب الصرف/ ح 7. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه.

(4) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 2. رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد و سهل بن زياد جميعاً، عن ابن محبوب، عن هذيل بن حيّان أخي جعفر بن حيّان (أو حنّان) الصيرفي. (هذيل مجهول).

175

13- صحيحة محمّد بن مسلم: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يستقرض عن الرجل قرضاً و يعطيه الرهن إمّا خادماً و إمّا آنية، و إمّا ثياباً، فيحتاج إلى شي‌ء من منفعة فيستأذن فيه، فيأذن له؟ قال: إذا طابت نفسه لا بأس.

قلت: إنّ من عندنا يروون أنّ كلّ قرض يجرّ منفعة فهو فاسد، فقال: أ وَ ليس خير القرض ما جرّ منفعة» (1).

و هذا في قبال العامّة؛ لأنّ مبنى أكثرهم- حسب ما ينقل ابن قدامة الحنبلي (2)- «أنّ كلّ قرض يجرّ نفعاً، إن كان بشرط فلا يجوز، و إن لم يكن بشرط، بل بداعي جلب المنفعة، فهو أيضاً حرام، و في غيرهما جائز».

و لا يخفى أنّ موارد التقيّة في روايات أهل البيت (عليهم السلام) ليست منحصرة في فتاوى المذاهب الأربعة؛ لأنّه في عهد الأئمّة (عليهم السلام) لم تكن المذاهب الأربعة هي المتنفّذة فقط، بل كثير من فقهاء العامّة كالنخعي و الأوزاعي و ابن سعد و غيرهم ممّن كانوا متنفّذين، إلّا أنّه في القرن الرابع وحّدت مذاهبهم في الأربعة المعروفة، و ليس مدار التقيّة في الروايات ملاحظة تلك الأربعة فقط، بل يلحظ المسالك و المذاهب الموجودة و المتنفّذة في عصر كلّ معصوم (عليه السلام).

و هذه الرواية و نظائرها ناظرة إلى مبنى العامّة، و هل مفادها بطلان تلك القاعدة رأساً، و أنّ كلّ قرض يجرّ نفعاً لا بأس به، إلّا القرض الذي فيه زيادة عينيّة، فتشمل ما نحن فيه- أعني اشتراط الزيادة الحكميّة-؟

أو أنّ مفادها نفي قول العامّة بالنسبة إلى خصوص تعميم الحرمة إلى الداعي؟

فالروايات حينئذٍ ردّ على العامّة في ما إذا كان بداعي الزيادة من دون شرط، فلا بأس‌

____________

(1) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 4. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب (الخزّاز أو الخرّاز) الكوفي (/ إبراهيم بن عثمان بن زياد).

(2) المغني 4/ 360.

176

فيه، و إنّما البأس في الشرط فقط لا في مجرّد الداعي.

وجهان، و الظاهر هو الأوّل.

و لا يمكن ارتكاب تخصيص ظهور موثّقة محمّد بن مسلم (1) بموثّقة إسحاق بن عمّار (2)؛ لأنّ مورد موثّقة محمّد بن مسلم الزيادة الحكميّة، بينما مورد موثّقة إسحاق الزيادة العينيّة.

14- عن محمّد بن عبده: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القرض يجرّ المنفعة؟

فقال: خير القرض الذي يجرّ المنفعة» (3).

و هي في مورد عدم الاشتراط.

15- عن بشير بن مسلمة: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): خير القرض ما جرّ المنفعة» (4).

و هي كالسابقة.

16- عن عليّ بن محمّد- و قد سمعته من عليّ-: «قال: كتبت إليه: القرض يجرّ منفعة، هل يجوز أم لا؟ فكتب: يجوز ذلك...» الحديث (5).

____________

(1) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 4. المتقدّمة تحت الرقم (13) من طائفة الأخبار المجوّزة.

(2) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 3، المتقدّمة تحت الرقم (8) من طائفة الأخبار المانعة.

(3) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 5. رواه الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان، عن ابن بكير، عن محمّد بن عبده. (ابن عبده مجهول).

(4) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 8. رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أيّوب بن نوح، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن بشير بن مسلمة (أو بشر بن مسلمة، أو بشير بن مسلم، أو بشير بن سلمة، و الثقة منهم إنّما هو بشر بن مسلمة الموجود في هامش مخطوط الوسائل).

(5) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 16. رواه الشيخ بإسناده عن الصفّار، عن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن محمّد.

177

و هي كسابقتها.

17- صحيحة أبي بصير: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قلت له: الرجل يأتيه النبط بأحمالهم فيبيعها لهم بالأجر فيقولون له: أقرضنا دنانير فإنّا نجد من يبيع لنا غيرك، و لكنّا نخصّك بأحمالنا من أجل أنّك تقرضنا.

فقال: لا بأس به، إنّما يأخذ دنانير مثل دنانيره، و ليس بثوب إن لبسه كسر ثمنه، و لا دابة إن ركبها كسرها، و إنّما هو معروف يصنعه إليهم» (1).

و هو من الإجارة (/ التوكيل في البيع بأُجرة) بشرط القرض، و لا إشكال فيه.

و العامّة لا يفرّقون بين الإجارة و البيع بشرط القرض، و القرض بشرط البيع و الإجارة، كلاهما حرام عندهم.

18- صحيحة جميل بن درّاج: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قلت: أصلحك اللّٰه، إنّا نخالط نفراً من أهل السواد فنقرضهم القرض و يصرفون إلينا غلّاتهم فنبيعها لهم بأجر و لنا في ذلك منفعة؟ قال: فقال: لا بأس، و لا أعلمه إلّا قال: و لو لا ما يصرفون إلينا من غلّاتهم لم نقرضهم؟ قال: لا بأس» (2).

و هي كصحيحة أبي بصير المتقدّمة (3) في ظهورها في مشارطة ذلك بنحو التباني بخلاف موارد الداعي من دون مشارطة يكون إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل.

19- موثّقة إسحاق بن عمّار: عن العبد الصالح (عليه السلام)، قال: «سألته عن الرجل يرهن العبد أو الثوب أو الحليّ أو المتاع من متاع البيت فيقول صاحب الرهن للمرتهن:

____________

(1) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 10. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير.

(2) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 12. رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أبي عمير، عن جميل ابن درّاج.

(3) تحت الرقم (17).

178

أنت في حلّ من لبس هذا الثوب، فألبس الثوب، و انتفع بالمتاع، و استخدم الخادم؟

قال: هو له حلال إذا أحلّه، و ما احبّ له أن يفعل» (1). و قوله (عليه السلام): «هو له حلال» ليس من باب الشرط.

20- مرسلة جميل: عن رجل، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أصلحك اللّٰه،- إلى أن قال:- و سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم و المال فيدعوه إلى طعامه أو يهدي له الهديّة؟ قال: لا بأس» (2).

و هي كالسابقة.

21- صحيحة عليّ بن جعفر: عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يقول للآخر: علّمني عملك و اعطيك ستّة دراهم و شاركني، قال: إذا رضي فلا بأس» (3).

هي إمّا في غير مورد القرض كالإجارة، و إمّا هدية- لأنّ التعليم له ماليّة- بشرط الإقراض و لا إشكال فيه.

22- معتبرة محمّد بن إسحاق بن عمّار: قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّ سلسبيل طلبت منّي مائة ألف درهم على أن تربحني عشرة آلاف فأقرضها تسعين ألفاً و أبيعها ثوب و شي‌ء تقوّم بألف درهم بعشرة آلاف، قال: لا بأس» (4).

____________

(1) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 15. رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن صفوان و عليّ بن رباط، عن إسحاق بن عمّار.

(2) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 17. رواه الصدوق بإسناده عن جميل بن درّاج، عن رجل، و رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). و صورة الطريق صحيحة بإسناد الشيخ إن لم نقل إنّ الطريق واحد.

(3) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 19. رواه عبد اللّه بن جعفر في قرب الإسناد، عن عبد اللّه بن الحسن، عن جدّه عليّ بن جعفر، و رواه عليّ بن جعفر في كتابه.

(4) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ 1. رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد،

179

23- صحيحة محمّد بن إسحاق بن عمّار: قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): يكون لي على الرجل دراهم فيقول: أخّرني بها و أنا اربحك فأبيعه جبّة تقوّم علَيَّ بألف درهم بعشرة آلاف درهم- أو قال: بعشرين ألفاً- و اؤخّره بالمال، قال: لا بأس» (1).

بناءً على عدم الفرق بين جعل التأخير أصلًا و الأرباح فرعاً و بين عكسه، فإذا جاز التأخير بشرط البيع المحاباتي فيجوز عكسه، و كذا القرض بشرط البيع، فتكون هاتان الروايتان دالّتين على جواز الزيادة من الصورة الثالثة صريحاً.

24- صحيحة عبد الملك بن عتبة: قال: «سألته عن الرجل اريد أن أعينه المال أو يكون لي عليه مال قبل ذلك، فيطلب منّي مالًا أزيده على مالي الذي لي عليه، أ يستقيم أن أزيده مالًا و أبيعه لؤلؤة تسوى مائة درهم بألف درهم فأقول: أبيعك هذه اللؤلؤة بألف درهم على أن أُؤخّرك بثمنها و بما لي عليك كذا و كذا شهر؟ قال: لا بأس» (2).

و موردها البيع المحاباتي بشرط التأجيل.

هذا كلّ ما يمكن إيراده، و المعتمد منه روايات اشتراط أرض اخرى (3) في تسديد الدين، لا سيّما صحيحة إسماعيل بن جابر 4، التي هي نصّ في ما نحن فيه.

و كذلك ستّ روايات اخرى، و هي الثلاثة الأخيرة من طائفتي روايات الحرمة و روايات الجواز (5).

____________

عن عليّ بن حديد، عن محمّد بن إسحاق بن عمّار. (عليّ بن حديد و إن لم يوثّق، إلّا أنّ هناك ما يدلّ على وجاهة مكانته عند القميّين، كما رواه الكشّي في ترجمة يونس بن عبد الرحمن)

(1) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ ح 4. رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن إسحاق بن عمّار.

(2) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ ح 5. رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الملك بن عتبة.

(3) 3، 4 ب 14/ أبواب الصرف.

(5) أي: صحيحتي مسعدة بن صدقة و محمّد بن إسحاق، و مرسلة محمّد بن سليمان،

180

فتحصّل إلى هنا: أنّ الزيادة العينيّة حرام قطعاً، و الزيادة التي من قبيل ركوب الدابة منصوصة كما في صحيحة محمّد بن قيس (1).

أمّا الزيادة في الصورة الثانية فمقتضى الجمع بين صحيحة محمّد بن قيس- الظاهرة في الحرمة- و بين صحيحة إسماعيل بن جابر (2)- الناصّة على جواز زيادة الجودة- و غيرها، التي يمكن أن يقرّب ظهورها في ذلك أيضاً، هو الحمل على الكراهة، فتصير الزيادة الصورة الثانية مكروهة، و لكن إذا قيل إنّ زيادة الجودة من قبيل الصورة الثالثة، فيبقى ركوب الدابّة داخلًا في الحرمة التي هي مفاد صحيحة محمّد بن قيس.

أمّا الصورة الثالثة، فقد تقدّم دلالة صحيحتي مسعدة بن صدقة (3) و محمّد بن إسحاق (4)، و مرسلة محمّد بن سليمان (5)- المذكورة في آخر الروايات المانعة (6)- على حلّيّة الزيادة من الصورة الثالثة صريحاً، و غيرها ممّا تقدّم ممّا يمكن تقريبه في الدلالة على ذلك، كصحيحة أبي بصير (7).

و أمّا الزيادة التي هي من قبيل القسم الرابع- فضلًا عمّا بعده- فلا إشكال فيها؛ إذ قد ذكرنا جواز القسم الرابع لروايات اشتراط أرض اخرى (8)، و مضافاً إلى الروايات،

____________

المذكورة تحت الأرقام (14) و (15) و (16) من الروايات المانعة.

و معتبرة محمّد بن إسحاق بن عمّار، و صحيحتي محمّد بن إسحاق بن عمّار و عبد الملك بن عتبة المذكورة تحت الأرقام (22) و (23) و (24).

(1) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 11.

(2) ب 14/ أبواب الصرف/ ح 5.

(3) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ ح 3.

(4) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ ح 6.

(5) ب 9/ أبواب أحكام العقود/ ح 7.

(6) تحت الأرقام (14) و (15) و (16).

(7) المذكورة تحت الرقم (17).

(8) ب 14/ أبواب الصرف.

181

المنفعة في الصورة الرابعة و الخامسة ليست منفعة ماليّة طبعيّة، بل لو تلفت لا تضمن؛ إذ هي من القسم الثالث من الماليّات.

فمقتضى الجمع جواز اشتراط الزيادة الحكمية في الصورة الثانية و ما بعدها من الصور، مع كراهة في الثانية لصحيحة محمّد بن قيس (1).

و هنا وجه ثانٍ يمكن تقريبه، و هو أنّه بعد المفروغيّة من جواز البيع بشرط القرض أو الإجارة بشرط القرض عند أكثر القائلين بعموم حرمة أنواع الزيادة في الربا القرضي، إن لم يكن كلّهم، و بنوا على حرمة العكس بتقريب: أنّ الإجارة بشرط القرض عبارة عن جعل الإجارة تعاقد أصيل، و القرض تبع لها بخلاف العكس، و أنّ الإجارة أو البيع في الصورة الاولى مشروط فيهما و القرض شرط، و أمّا في الصورة الثانية الممنوعة، فالقرض أصيل مشروط فيه و الإجارة و البيع تبعان و هما شرط فيه، و أنّ خيار تخلّف الشرط يثمر في المشروط فيه لا في ذات الشرط، و هذا أحد ثمرات كون الشي‌ء أصيلًا أو تبعاً لأصيل آخر.

و لكن هذا التقريب موهون؛ إذ قد يقال بعدم الفرق بين الصورتين (2) و المغايرة و المفارقة صوريّة، نظير تقديم الايجاب على القبول أو القبول على الايجاب، و الوجه في ذلك: أنّ ما ينشأ أوّلًا و يجعل مشروطاً فيه حيث يعلّق الالتزام به على الالتزام بالشرط و يكون الالتزام بكل منهما مرتبطاً بالآخر، ففي الحقيقة كما أنّ الالتزام بالمشروط فيه معلّق على الالتزام بالشرط، الالتزام بالشرط أيضاً فرع لزوم الالتزام بالمشروط فيه، و لا يتوهّم الدور، نظير ما قيل في التقابض في العوضين، أي أنّه دور معى.

____________

(1) ب 19/ أبواب الدين و القرض/ ح 11.

(2) كما حكى ذلك في الجواهر عن المختلف عن بعض مَن عاصره التوقّف في الجواز، و استظهر إرادة المحقّق الحلّي من كلام المختلف و أنّ له كلاماً و احتجاجاً. جواهر الكلام 25/ 64.

182

ففي الحقيقة إنشاء ماهيّة المشروط فيه و إنشاء ماهيّة ذات الشرط، الالتزام بكلٍّ منهما مرتبط بالآخر، فالشرط و المشارطة عبارة عن معاملة فوقانيّة، يتقابل فيها بين ذات المشروط فيه و ذات الشرط، فيؤول الشرط الضمني دائماً إلى كون الاشتراط عبارة عن معاملة فوقانيّة.

إن قلت: يلزم على ذلك أنّ الهبة بشرط القرض هي عين القرض بشرط الهبة فيجب أن تكون محرّمة.

قلت: إنّ الشرط الضمني و الاشتراط حيث يرجع إلى معاملة فوقانيّة لا يعني ذلك أنّ نحو التقابل بين الطرفين في الأمثلة المختلفة هو على استواء، ففي الصورة الاولى التقابل بين الهبة بالمعنى المسبّبي مع القرض بالمعنى السببي- أي فعل الايجاب و القبول- و هو الإقراض، و أمّا في الصورة الثانية فالمقابلة هي بين القرض بالمعنى المسبّبي و الهبة بالمعنى السببي- أي الايهاب- و هذا المقدار من الفرق لا نريد أن نمنعه، و من ثمّ اختلف الحكم، إنّما نريد التسوية من حيث أصل المقابلة كما في التأجيل بشرط البيع المحاباتي مع البيع المحاباتي بشرط التأجيل.

و على ضوء ذلك، لو كانت الإجارة أو البيع بشرط القرض بنحو الشرط النتيجة- أي اشتراط مسبّب القرض- لما اختلف عن القرض بشرط الإجارة أو البيع. و من ثمّ يستشكل في الهبة بشرط القرض بنحو شرط النتيجة.

و بهذا الوجه يظهر لك كيفيّة دلالة العديد من الروايات المتقدّمة التي فيها البيع أو الإجارة بشرط التأجيل.

و هنا وجه ثالث و هو: أنّ أدلّة حرمة الزيادة- على فرض إطلاقها- منصرفة عن الصورة الرابعة فما بعدها؛ لأنّها بالاشتراط تكون مالًا فلا تشملها أدلّة الحرمة؛ لأنّها زيادة بعد ما يبذل بازائها المال، فتكون خارجة موضوعاً.

و لو احتاط محتاط و تأمّل في جواز الزيادة في الصورة الثانية فلا اضطراب في جواز الصورة الثالثة و ما بعدها من الصور الستّة.

183

هذا كلّه في الربا القرضي.

و أمّا الربا المعاوضي، فهل يجري في كلّ الزيادات أم لا؟

و لكشف حقيقة الحال يجب أن نبحث تارة بحسب القاعدة، و اخرى بحسب الأدلّة الخاصّة.

أمّا الأوّل فإنّه تارة نبني على أنّ الربا المحرّم هو مطلق الزيادة- بشهادة اللغة- فيحرم مطلق الزيادة إلّا أن يدلّ دليل على الاستثناء.

لكنّه قد ذكرنا سابقاً أنّ نمط الزيادة و شرائطها قد تعرّض لها الشارع، فيجب أن نتابع النصوص في القيود و الشروط، فلا يمكن التمسّك بعموم الآية.

نعم، قد يقال: الربا هو الربا المالي، فالزيادة لا بدّ و أن تكون ماليّة، فغاية ما يستدلّ بعموم الآية الشريفة- لو سلّم تقرير مفاد الآية كقاعدة أوّلية- هي حرمة الزيادة في الصورة الاولى و الثانية و الثالثة؛ لأنّ فيها الزيادة الماليّة، أمّا الرابعة و ما بعدها فليست هي بنفسها مالًا بالذات.

و أمّا إذا لم نبن على هذا التقرير و قلنا بأنّ مورد الآية الربا القرضي لا المعاوضي، فلا بدّ من ملاحظة حدودها من النصوص.

أمّا بالنسبة إلى الأصل العملي فهو عموم حلّية إنشاء المعاملات إلّا ما خرج بالدليل.

و أمّا الحكم الوضعي فمقتضاه الفساد.

و كون الحكم التكليفي الحلّيّة لا تثبت الصحّة الوضعيّة؛ لأنّ الأصل الجاري في الوضعيّات هو استصحاب عدم وقوع المسبّب، فيقتضي الفساد.

و أمّا بالنسبة إلى الأدلّة الخاصّة

فلا بدّ من البحث- أوّلًا- في التعبير الوارد في الروايات، و هو «لا تبع إلّا مثلًا‌

184

بمثل» (1) هل المراد منه المثليّة في المقدار أو المثليّة في الماليّة؟

و ثانياً: في صحيحة محمّد بن قيس (2) الواردة في الحنطة و الشعير، و فيها: «لا تبع الحنطة و الشعير إلّا يداً بيد»، فهل يدلّ على أنّ التأجيل لا يجوز، و لا خصوصيّة في الحنطة و الشعير، فيدلّ على أنّ الأجل له زيادة ماليّة، فلا يسوغ، فيدلّ على حرمة الزيادة الثالثة فضلًا عن الثانية.

و لكن هناك روايات في قبالها و هي روايات تعليل حرمة أو كراهة بيع الرطب بالتمر أو العنب بالزبيب يعني كراهة بيع جنس رطب بجنس جاف، بأنّه إذا بيع نسيئة أو مؤجّلًا سوف يجفّ في الرطب فيكون أقلّ من الجافّ، فيقع التفاوت الوزني، و مؤدّاه جواز التأجيل في غير ذلك خلافاً لما ذكره الأعلام.

كما لا بدّ من التعرّض لروايات الصرف التي تشترط التقابض و النقديّة، و أنّ النقديّة هل هي خاصّة بالصرف كالتقابض، أو هي شرط في كلّ الربا المعاوضي إذ هم لا يسوّغون التأجيل، غاية الأمر الأدلّة واردة في الصرف و لم ترد في كلّ الربا المعاوضي.

و حينئذٍ فيكون التأجيل من القسم الثالث، فتحرم الزيادات الثلاثة الاولى. و بهذا المقدار لم يقم دليل على حرمة الزيادة الرابعة فما بعدها.

ما المراد ب‍ «مثلًا بمثل» في الروايات؟

فقد ورد هذا التعبير في روايات كثيرة، و يحتمل المراد منه المثليّة في المقدار أو المثليّة في الماليّة.

1- عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- أنّه قال: «يا عمر، قد أحلّ اللّٰه‌

____________

(1) هذا مضمون مقتنص ممّا سيأتي من الروايات الواردة في أبواب الربا.

(2) التهذيب 7/ 95/ الرقم 408؛ و في الوسائل/ أبواب الربا/ ب 8 و 14 و 15.

185

البيع و حرّم الربا، بعْ و اربحْ و لا تربه.

قلت: و ما الربا؟ قال: دراهم بدراهم مثلين بمثل، و حنطة بحنطة مثلين بمثل» (1).

2- صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه: قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أ يجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ فقال: لا يجوز إلّا مثلًا بمثل.

ثمّ قال: إنّ الشعير من الحنطة» (2).

3- صحيحة أبي بصير: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «الحنطة و الشعير رأساً برأس، لا يزاد واحد منهما على الآخر» (3).

4- معتبرة الحلبي: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال: «لا يباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة، و لا يباع إلّا مثلًا بمثل، و التمر مثل ذلك» (4).

5- و بهذا الإسناد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث-: قال: «و لا يصلح الشعير بالحنطة إلّا واحد بواحد» (5).

6- موثّقة سماعة: قال: «سألته عن الحنطة و الشعير؟ فقال: إذا كانا سواء فلا بأس.

قال: و سألته عن الحنطة و الدقيق؟ فقال: إذا كانا سواء فلا بأس» (6).

____________

(1) ب 6/ أبواب الربا/ ح 2. رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن سليمان، عن عليّ بن أيّوب، عن عمر بن يزيد. (محمّد بن سليمان مجهول).

(2) ب 8/ أبواب الربا/ ح 2. رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن سهل و عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه.

(3) ب 8/ أبواب الربا/ ح 3. رواه الكليني عن أبي عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن منصور بن حازم، عن أبي بصير و غيره.

(4) ب 8/ أبواب الربا/ ح 4. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبي.

(5) ب 8/ أبواب الربا/ ح 5.

(6) ب 8/ أبواب الربا/ ح 6. رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن

186

7- صحيحة محمّد بن مسلم: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قلت له: ما تقول في البرّ بالسويق؟ فقال: مثلًا بمثل لا بأس.

قلت: إنّه يكون له ربع. إنّه يكون له فضل، فقال: أ ليس له مئونة؟ فقلت: بلى، قال: هذا بذا، و قال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل، يداً بيد» (1).

8- صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «الحنطة بالدقيق مثلًا بمثل، و السويق بالسويق مثلًا بمثل، و الشعير بالحنطة مثلًا بمثل، لا بأس به» (2).

9- صحيحة زرارة: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «الدقيق بالحنطة، و السويق بالدقيق، مثل بمثل، لا بأس به» (3).

10- صحيحة محمّد بن مسلم: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل، يداً بيد» (4).

11- موثّقة سماعة: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «المختلف مثلان بمثل، يداً بيد، لا بأس به» (5).

____________

عثمان بن عيسى، عن سماعة.

(1) ب 9/ أبواب الربا/ ح 1. رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن الحكم، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم.

(2) ب 9/ أبواب الربا/ ح 2. رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن جميل، عن محمّد بن مسلم و زرارة.

(3) ب 9/ أبواب الربا/ ح 4. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن جميل، عن زرارة.

(4) ب 13/ أبواب الربا/ ح 1. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان و فضالة، عن العلاء، عن محمّد بن مسلم.

(5) ب 13/ أبواب الربا/ ح 9. رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، و أحمد بن محمّد جميعاً، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن سماعة.

187

و استدلّ على حرمة اشتراط أخذ الزيادة- مطلقاً- بوجوه:

الأوّل: إنّ المراد من «مثل بمثل» في الروايات المشار إليها هي المثليّة في المقدار.

و من المعلوم أنّ المثليّة في المقدار لا موضوعيّة لها، إلّا من جهة أنّها موجبة للتماثل في الماليّة، فحينئذٍ مثليّة المقدار المشترطة هي كناية عن المثليّة في الماليّة، و على ذلك فلا يجوز اشتراط زيادات ماليّة، سواء عينيّة أم حكميّة.

غاية هذا التقريب- لو تمّ- حرمة الزيادات الثلاث الاولى، لا ما فوقها.

لا سيّما أنّ تحريم الربا المعاوضي لأجل تحريم الربا القرضي، و الذي فيه جهة الماليّة، محفوظة و ملحوظة. فكيف بالمعاوضي؟ فحينئذٍ يقال: بأنّه لا يسوغ أخذ قفيز بقفيزين لأجل أن لا تزاد الماليّة، و إلّا فإن زيدت الماليّة بشي‌ء آخر يكون وصولًا إلى الربا. فالحرمة في المعاوضي تحريم مقدّمي في عالم الملاكات.

الثاني: صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

لا تبع الحنطة بالشعير، إلّا يداً بيد، و لا تبع قفيزاً من حنطة بقفيزين من شعير...»‌

الحديث (1).

و هي دالّة على عدم جواز التأجيل؛ إذ التأجيل إمّا من الزيادة الثانية أو الثالثة، فإذا كان محرّماً فتحرم الزيادات الحكميّة الاخرى.

الثالث: ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج: «إنّ النّاس لم يختلفوا في النسي‌ء أنّه الربا، و إنّما اختلفوا في اليد باليد» (2).

____________

(1) ب 8/ أبواب الربا/ ح 8. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس.

(2) ب 15/ أبواب الصرف/ ح 1. رواه الكليني عن أبي عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار و عن محمّد بن إسماعيل و عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

188

و التأجيل زيادة، و اشترط في تلك الرواية و روايات اخرى (1) عدمه؛ لأنّ فيه فتح باب الربا.

و المنع من التأجيل في الصحيحة مع اختلاف الجنس ليس من جهة الربا المعاوضي، بل من جهة خصوصيّة ربا الصرف، و إلّا فالربا المعاوضي يشترط فيه اتّحاد الجنس.

و أمّا اشتراط النقديّة- غير المختصّ بالصرف- فهو مقابل النسيئة.

و الأدلّة الثلاثة مخدوشة:

أمّا الأوّل، فلأنّ الواضح من الروايات بملاحظة تعابير ك‍ «رأس برأس»، «واحد بواحد»، «كانا سواء»، و «مثل بمثل» أنّ المراد هو المثليّة في المقدار لا في كلّ شي‌ء.

نعم، حكمة المثليّة في المقدار هي عدم الزيادة الماليّة، و قد ذكر السيّد اليزدي (رحمه الله) أيضاً أنّ غاية ما دلّ الدليل عليه في الربا المعاوضي هو حرمة عدم المماثلة في المقدار لا غير.

و أمّا الثاني، فلصحيحة محمّد بن قيس ذيل يدلّ على خلاف الاستدلال بها على حرمة مطلق الزيادة ذكرها كاملة في التهذيب: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تبع الحنطة بالشعير إلّا يداً بيد، و لا تبع قفيزاً من حنطة بقفيزين من شعير.

قال: و سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يكره وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر؛ لأنّ تمر المدينة أجودهما.

قال: و كره أن يباع التمر بالرطب عاجلًا بمثل كيله إلى أجل من أجل أنّ التمر ييبس فينقص من كيله» (2).

____________

(1) ب 15/ أبواب الصرف.

(2) التهذيب 7/ 95/ الرقم 408.

189

و «يكره» بمعنى «يحرم».

و «إلّا يداً بيد» ظاهر في عدم التأجيل.

و الفقرة الثالثة نصّ في عدم جواز التأجيل.

و لكن التعليل الموجود في الذيل (من أجل أنّ التمر ييبس فينقص من كيله...)

يدلّ على أنّ السبب في عدم الجواز ليس وجود زيادة حكميّة- و هو الأجل- بل لأنّه سيصبح تفاوت مقداري.

فإذن الزيادة الحكميّة- في نفسها- ليست محلّ إشكال، و إلّا لما علّل بالجفاف و نقص الكيل، و لمّا خصّص المنع فيه بالرطب و الجافّ، بل لا يجوز في كلّ المبادلات جافّ بجافّ، أو رطب برطب إلى أجل؛ لكون الزيادة الحكميّة فيها موجودة، و الرواية لا تفيد ذلك، بل تخصّ المنع بغير الأجل.

و لو كان المنع بسبب الأجل فما هو وجه التخصيص بالجافّ و الرطب؟

فالتخصيص دالّ على أنّ الزيادة الحكميّة في نفسها لا ضير فيها.

فحينئذٍ إمّا أن يحمل النهي عن التأجيل في صدر الرواية على حكم خاصّ في الحنطة و الشعير، كما التزم بهذا الاحتمال بعض، أو على الكراهة؛ لأنّ مقتضى القاعدة أنّ الوحدة المقداريّة معتبرة حين البيع، و أمّا تلك الوحدة فيما بعد البيع، فليست شرطاً في صحّة البيع، فلذا حملوها على الكراهة.

و أمّا الدليل الثالث، فكون النسيئة رباً ليس لأنّ النسيئة هي الزيادة، بل الروايات‌

____________

الفقرة الاولى منها موجودة في الوسائل: ب 8/ أبواب الربا/ ح 8. و الفقرة الثانية منها في: ب 15/ أبواب الربا/ ح 4.

و الفقرة الثالثة منها في: ب 14/ أبواب الربا/ ح 2.

رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس.

190

ناظرة إلى أنّ مورد الربا هو النسيئة، و أنّه تؤخذ الزيادة مقابل الإنساء، لا أنّ نفس الإنساء هي الزيادة الماليّة.

مضافاً إلى وجود روايات تدلّ على أنّ الزيادة الثالثة جائزة (1)، لا سيّما التأجيل الذي اشتهر بأنّه لا يجوز في الربا المعاوضي.

فالمحصّل إنّ بهذا المقدار من الفحص نستنتج أنّ المحرّم إنّما هي الزيادة من القسم الأوّل و الثاني، كما في الربا القرضي، و أمّا القسم الثالث فلا دليل على حرمته.

مضافاً إلى أنّ الربا القرضي أشدّ من المعاوضي؛ لأنّ الربا المعاوضي حرّم لأجل لأنْ لا يتوصّل به إلى الربا القرضي، فإنّه ربا صريح، و الربا المعاوضي وسيلة له، و مع ذلك لم تحرم مطلق الزيادة في الربا القرضي، فكيف بالمعاوضي؟

هذا، مع أنّ الأعلام اعتبروا نفس التأجيل زيادة حكميّة، و أنّ التأجيل له قسط من الثمن.

و لكن التأجيل لمن يجعل على نفسه ليس زيادة و رباً؛ إذ غالباً يأخذ الأجل من يكون محتاجاً- كالمستقرض- و نفس التأجيل في الربا القرضي لا إشكال فيه، فكيف بالأخفّ محذوراً؟

____________

(1) ب 7/ أبواب السلف/ ح 1؛ ب 6 و 14/ أبواب بيع الثمار.

191

الحيلة السادسة: تحويل القرض إلى بيع

فيخرج بذلك عن كونه ربويّاً ما دام النقد من الأوراق النقديّة التي لا تمثّل ذهباً و لا فضّة، و لا تدخل في المكيل و الموزون.

و قد ذكرها أيضاً الشهيد الصدر (رحمه الله) في ملحقات كتابه.

«فبدلًا عن أن يقرض البنك ثمانية دنانير بعشرة فيكون قرضاً ربويّاً، يبيع البنك ثمانية دنانير بعشرة مؤجّلة إلى شهرين.

و الثمن هنا و إن زاد على المثمّن مع وحدة الجنس، و لكنّ ذلك لا يحقّق الربا المحرّم في البيع ما لم يكن العوضان من المكيل و الموزون.

و الدينار الورقي ليس مكيلًا و لا موزوناً، فيتوصّل البنك بهذا الطريق إلى نتيجة القرض الربوي عن طريق البيع.

و قد يقال: إنّ هذا لا يحقّق كلّ مكاسب القرض الربوي المحرّم؛ لأنّ الشخص الذي أخذ ثمانية دنانير مع تأجيل الوفاء إلى شهرين- مثلًا- لو كان أخذها على أساس القرض الربوي فبإمكان البنك المقرض- على هذا الأساس- أن يلزمه بفائدة جديدة فيما إذا تأخّر عن الدفع بعد شهرين، و أمّا إذا كان قد أخذها على أساس الشراء- بمعنى أنّه اشترى ثمانية دنانير بعشرة مؤجّلة إلى شهرين- فليس للبنك أن يطالبه إلّا بالثمن المحدّد في عقد البيع و الشراء، و هو عشرة، حتّى لو تأخّر عن الدفع بعد الشهرين، و لو طالبه بفائدة على التأخّر كان ذلك فائدة على إبقاء الدين، و يعود حينئذٍ محذور الربا المحرّم.

192

و لكن بالإمكان التخلّص من ذلك بأن يشترط بائع الثمانية بعشرة على المشتري في عقد البيع أن يدفع درهماً- مثلًا- في كلّ شهر يتأخّر فيه المشتري عن دفع الثمن المقرّر من حين حلول أجله، و لا يكون هذا رباً، فإنّ إلزام المدين هنا بدفع الدرهم يكون بحكم البيع لا بحكم عقد القرض، و ليس في مقابل الأجل، فكما كان يمكن للبائع أن يشترط على المشتري أن يهب له درهماً في كلّ شهر إلى سنة و يكون المشتري ملزماً حينئذٍ بذلك، كذلك له أن يشترط عليه أن يدفع له درهماً في كلّ شهر يتأخّر فيه عن دفع الثمن، فليس الشرط هو شرط أن يكون له درهم في مقابل التأجيل، فيكون من اشتراط الربا، بل شرط أن يدفع المشتري درهماً في جميع الشهور التي تسبق دفع الثمن من حين حلول الأجل، و حيث أنّه شرط في عقد البيع فيكون لازماً.

و الحاصل: أنّ اشتراط دفع شي‌ء في عقد القرض غير جائز؛ لأنّه يُصيّر القرض ربويّاً، كما أنّ اشتراط كون شي‌ء في مقابل الأجل بنحو شرط النتيجة غير جائز- و لو وقع ضمن عقد بيع- لأنّه من اشتراط الربا.

و في المقام: الشرط المدّعى لا هو واقع في عقد القرض ليؤدّي إلى وجود قرض ربوي، و لا هو من اشتراط كون شي‌ء في مقابل الأجل ليكون من اشتراط الربا المحرّم، فلا مانع من نفوذه، و بذلك يحصل البنك المقرض على تمام مكاسب الربا» (1).

هذا، و تلك الحيلة مشتركة مع الحيلة الثانية- أعني الضميمة- في ورود الإشكالات العديدة عليها، و قد مرّت تلك الإشكالات و أجوبتها في ذيل الحيلة الثانية، فراجع.

أمّا ما ذكره من التذييل للحيلة بأن يشترط دفع درهم لكلّ تأخير بعد حلول الأجل، و أنّ ذلك بحكم البيع لا بحكم القرض، فمحلّ إشكال؛ إذ كون هذا الشرط في ضمن‌

____________

(1) البنك اللاربوي/ 173- 175.

193

البيع لا يخرجه عن كونه رباً؛ إذ ليس الربا القرضي مخصوصاً بعقد القرض، بل هو الزيادة في أيّ دينٍ متولّد من أي عقد، كما أنّ مقابلة الزيادة للتأجيل يكفي فيها بتقييد اشتراط الزيادة بظرف التأجيل أو بقيد التأجيل.

194

الحيلة السابعة: بيع عملة بعملة اخرى

ذكرها أيضاً السيّد الصدر (رحمه الله)، و هي مبتنية على تبديل عملة بعملة من جنس آخر كالدولار بالدينار.

«فإنّ الدنانير الثمانية- في المثال السابق- لا تباع بعشرة دنانير في الذمّة، بل تباع بعملة اخرى تزيد قيمتها على الدنانير الثمانية بحسب أسعار الصرف بمقدار ما تزيد العشرة على الثمانية. مثلًا: تباع ثمانية دنانير ب‍ (200) توماناً في الذمّة، و حيث إنّ النقود الورقيّة من هذا القبيل لا تجري عليها أحكام بيع الصرف، فلا يجب فيها التقابض في المجلس، بل يجوز أن يكون الثمن مؤجّلًا إلى شهرين، و في نهاية شهرين يمكن للبائع أن يتقاضى من المشتري (200) توماناً أو ما يساوي ذلك من الدنانير العراقيّة من باب وفاء الدين بغير الجنس، و هكذا تحصل نفس النتيجة المقصودة لمن يريد أن يقرض قرضاً ربويّاً دون قرض.

و لئن قيل في بيع ثمانية دنانير بعشرة أنّه قرض لكونه تبديلًا للشي‌ء بمثله في الذمّة، فلا يقال هذا في بيع ثمانية دنانير ب‍ (200) توماناً؛ لعدم المماثلة، فيكون طابع البيع هو الطابع الوحيد لهذه المعاملة» (1).

و بهذه الطريقة يندفع إشكال أنّ حقيقتها قرض لتغاير العملتين، و أمّا الإشكال الذي قد ذكرنا من أنّه قد تعمّم أحكام الصرف في النقد، فباقٍ على حاله.

____________

(1) البنك اللاربوي/ 177- 178.

195

و قد ذكر السيّد الصدر (رحمه الله) إشكالًا آخر على تلك الحيلة، و هو إنّ هذا التقريب:

«إنّما يتمّ في ما إذا لم ندّع قرضيّة هذه المعاملة أيضاً بحسب النظر العرفي بضمّ ارتكاز إلى الارتكاز السابق الذي كان فحواه أنّ كلّ معاملة مؤدّاها تبديل الشي‌ء بمثله في الذمّة تعتبر قرضاً عرفاً و الارتكاز الجديد الذي لا بدّ من ضمّه هو ارتكاز النظر في باب النقود إلى ماليتها دون خصوصيّاتها، و هذا الارتكاز معناه أنّ المنظور إليه عرفاً من بيع ثمانية دنانير بكذا توماناً هو تبديل مالية بماليّة، و حينئذٍ يشمله عنوان القرض بالنحو المقرّر في الارتكاز السابق؛ إذ يصدق عليه أنّه تبديل الشي‌ء إلى مثله في الذمّة؛ إذ بعد أن كان المركوز في النظر العرفي ملاحظة الماليّة فقط في الدنانير و التوامين التي وقعت مثمناً و ثمناً، فلا يبقى التغاير بين الثمن و المثمن إلّا في كون أحدهما خارجيّاً، و الآخر ذمّياً، و هذا معنى تبديل الشي‌ء إلى مثله في الذمّة الذي هو معنى القرض بمعناه الارتكازي الأوسع الذي يشمل بعض البيوع أيضاً» (1).

فهذه الحيلة لا تتمّ أيضاً إذا تمّت الارتكازات المشار إليها.

و محصّله: أنّ حقيقة هذا البيع قرض بملاحظة أنّ الغاية من النقود ليست ديناريّة الدينار و دولاريّة الدولار، بل الغاية فيها ماليّتها، و في الواقع جهة الديناريّة و الدولاريّة- أعني خصوصيّة النقود و أساميها الخاصّة- ملغاة، و إنّما النقود تمثّل مقدار الماليّة فقط، و مع هذه الملاحظة تصير المعاملة قرضاً حقيقة؛ لأنّ قوام القرضيّة التوجّه إلى الماليّة و قوام البيع التوجه إلى الصفات و المنافع الشخصيّة، كما مرّ.

و لكنّ هذا الاشكال ضعيف؛ لأنّ النقود و إن كانت تمثّل مقدار الماليّة، إلّا أنّها تختلف في المحافظة على الماليّة، و به تختلف رغبات الناس إليها.

كما أنّ غير النقود- كالحنطة مثلًا- تمثّل مقداراً من المال، و لكنّها تختلف عن السيّارة في التحفّظ على الماليّة؛ لأنّ اختلاف القيمة السوقيّة في أحدهما أكثر من‌

____________

(1) البنك اللاربوي/ 178 و 179.

196

الآخر، و لأجله كانت رغبة النّاس في انحفاظ أموالهم في أحدهما أكثر من الآخر، كذلك في النقود، بل و هذا منشأ ربح الصرّاف في عمله، فمن ذكاء الصرّاف أن يبادل نقوده بنقود يعلم بأنّها ستزداد.

فإنّا لا نستطيع أن ندّعي أنّ النقود عبر اختلاف أسماء أجناسها متمحّضة في الماليّة و لا ميز لها و لا تختلف رغبات النّاس إليها.

فتحصّل: أنّ تلك الحيلة لا تعود إلى القرض حقيقة.

و لكنّ وجه الاحتياط في تلك الحيلة هو مسألة تعميم أحكام الصرف إلى النقود، فإنّ الربا في القرض بابه وسيع، قد يتوصّل إليه بأبواب اخرى- و إن لم تكن تلك الطرق كالقرض في تحصيل الربا- و الشارع قد يسدّها و قد لا يسدّها، و في الصرف سدّ الشارع الباب.

فإذا كانت عمدة أحكام الصرف غير مختصّة بالذهب، بل تجري في مطلق النقد، فحينئذٍ فيه أحكام الصرف حتّى مع تغاير العملتين، و إلّا فلو أغضى عن هذا الإشكال لكانت الحيلة السابقة أيضاً خالية عن الإشكال؛ لأنّ ربا المعدود لا مانع منه على ما تقدّم.

197

الحيلة الثامنة: الوكالة عن المودعين

ذكرها أيضاً في البنك اللاربوي، و بيانها يحتاج إلى مقدّمة، و هي:

إنّ الأموال المودعة في البنك لا تعتبر وديعة؛ لأنّ الوديعة يجب فيها بقاء العين بشخصها و عدم التصرّف فيها، بينما النقد المدفوع إلى البنك لا يبقى عينه و يتصرّف فيه، فحينئذٍ المال الذي يدفع إلى البنك ليس بوديعة، بل إنّما هو قرض؛ إذ لو كانت الأموال وديعة لانحلّ كثير من عُقد المسائل في أنشطة البنوك؛ إذ الزيادة في الودائع لا مانع منها من أي طرف كانت.

ثمّ قال: «يمكن للبنك أن يعتبر نفسه وكيلًا عن المودعين في الإقراض من أموالهم، فهو حين يقرض من الودائع التي لديه يحتفظ لهذه الودائع بملكيّة أصحابها الأوّلين لها، و يقرض منها باعتبار كونه مخوّلًا في ذلك من قِبل أصحابها، فيكون الدائن و المقرض حقيقة هو المودع لا البنك، و إنّما يكون البنك وكيلًا عن المقرض و مفوّضاً من قِبله في إقراض ماله بالشكل الذي يرتئيه، و في هذه الحالة يمكن للبنك أن يشترط على المقترض- ضمن عقد القرض- أن يدفع زيادة على المبلغ المقترض لدى الوفاء، لكن لا للدائن الذي هو المودع بحسب القرض، بل للبنك نفسه، و ليس هذا رباً؛ لأنّ الربا هو الزيادة التي يشترطها صاحب المال المقرض لنفسه على المقترض.

و في هذا الفرض لم يجعل للمقرض أي حقّ في الزيادة، و إنّما فرض على المقترض أن يدفع الزيادة إلى شخص آخر غير الدائن الحقيقي، فهو من قبيل أنّ زيداً‌

198

يقرض خالداً ديناراً و يشترط عليه أن يدفع درهماً لدى الوفاء للفقير» (1).

ثمّ أشكل على نفسه بأن: «هذا التقريب إنّما يجوز إذا لم نستفد من أدلّة حرمة القرض الربوي، إلّا ترتّب الحرمة في ما إذا اشترط المالك ما يكون منفعة له.

و أمّا إذا استفدنا من مثل قوله في بعض الروايات: «فلا يشترط إلّا مثلها» و نحوه، أنّ أي شرط لا يجوز إلّا شرط استرجاع مثل المال المقترض، فلا يصحّ اشتراط المنفعة لغير المالك في عقد القرض أيضاً» (2).

بمعنى أنّ الحرمة في الربا حرمة أخذه مطلقاً، سواء للمقرض أو للأجنبي، فلا يجوز أخذ الزيادة مطلقاً فلا تنفع الحيلة.

و يقع البحث في مقامين:

الأوّل: عمل البنك في أخذ الأموال، هل يعدّ وديعة أو قرضاً؟

الثاني: هل تكون الحرمة في أخذ الزيادة ثابتة إذا كانت الزيادة للمقرض أو مطلقاً...؟

أمّا المقام الأوّل فنقول: الوديعة هي الاستنابة في الحفظ، و فيها خواصّ ثلاثة:

بقاء العين، و بقاء مالكيّة المالك على عينه، و جواز العقد، بمعنى أنّ المالك في أي وقت أراد استرجاع عينه فله أن يأخذها، فهي من العقود الإذنيّة.

و القرض هو تمليك العين مع الضمان، و فيه خواص ثلاثة: تمليك العين، و المعاوضة بقيمة المثل، و لزوم تسديده بالعوض.

و بالنظرة الاولى يحسب أنّ ما يقع في البنوك و إن سمّي وديعة و لكن ليس بوديعة، لعدم وجود خواصّ الوديعة فيه؛ فإنّ الإنسان إذا أودع مالًا في البنك، يتصرّف البنك في عينه بلا شك و يعطيه الآخر فلا تبقى عينه، و أيضاً ليس للمودع حقّ في جبر البنك‌

____________

(1) البنك اللاربوي/ 179 و 180.

(2) البنك اللاربوي/ 180.

199

على ردّ عين ماله و لا يمكن للمودع أن يأخذ ماله قبل الوقت المقرّر، و أيضاً فإنّ الفوائد التي يأخذها البنك من المقترضين لا يدفعها بتمامها إلى المودع، بل يدفع بنسبة معيّنة، و معناه عدم بقاء العين على ملكيّة صاحبها و ليس هذا من خواصّ الوديعة، بل هو قرض.

و قالوا في حلّ هذه المشكلة: إنّ الوديعة هي الاستنابة في الحفظ، و الحفظ في كلّ شي‌ء بحسبه، تارةً تريد أن يُحفظ مالك بشخصه و خصوصيّاته و صفاته، و تارة غرضك ليس حفظ المال بخصوصيّاته و تشخّصاته، و إنّما غرضك حفظ ماليّة المال و لو في ضمن عين اخرى.

و حيث إنّ المهمّ عند العقلاء في النقود ليس حفظ شخص الورقة- إلّا نادراً- بل المهمّ عندهم بقاء ماليّتها، فالحفظ فيها بمعنى حفظ ماليّتها و لو في ضمن ورق آخر.

و حيث إنّ البنوك تحفظ ماليّة الأوراق بهذا المعنى، فيصدق على عملهم الوديعة، لا سيّما أنّ الحفظ في البنك يكون أكثر اعتماداً و وثوقاً من الحفظ في البيت، و القدرة على التحصيل لديه قويّة جدّاً.

و هذا في الحقيقة توسعة في مورد الوديعة لا في ماهيّتها، يعني استيداع الأعيان في كلّ شي‌ء بحسبه، فالشي‌ء الذي ليس الهدف منه إلّا ماليّته، فاستيداعه بأن تحفظ ماليّته.

و نظيره المثليّات، فالمهمّ فيها هو جنس المال لا عينه، فالوديعة فيها تتحقّق و لو بحفظ جنسه.

و يؤيّد ذلك ما يُذكر من أنّه إذا أعطى شخص مالًا لآخر بعنوان الخمس ليوصله إلى فقيه معيّن، فإنّه يستطيع أن يتصرّف في النقود بالاستبدال بورق آخر- إذا كان المال المعطى من جنس النقود و لم تكن النقود عين مال المخمّس- لأنّ الغرض قائم بماليّة المال لا بشخص الورق.

و هاهنا إشكال: و هو أنّه لو كان قوام الماليّة في النقود بماليّتها لا بشخص الورق،

200

و أنّ الملكيّة قائمة بالماليّة لا بالورق، فيلزم عدم حرمة التصرّف في شخص الورق المتعلّق بالغير، كما لو أخذ من كيس شخص ورقاً و وضع مكانه ورقاً آخر، أنّه جائز مع أنّه لا ريب في حرمته، و هذا شاهد على أنّ الورقة لها ملكيّة خاصّة.

و الجواب: إنّ ملكيّة الورق شي‌ء و ملكيّة النقد الذي في الورق شي‌ء آخر.

قال الميرزا النائيني في بحث الضمان من البيع: «الشي‌ء المملوك قد يجمع فيه ثلاث درجات من الملكيّة: الماليّة، النوع، الصفات الشخصيّة، فالفرش المحبوك باليد له صفات خاصّة ليست في فرش آخر أبداً، فهو مملوك لصاحبه و نوعه و ماليّته.

و في الوديعة يجب الحفاظ على الصفات و النوع و الماليّة، و أمّا إذا كان نفس الشي‌ء المودع قوامه بالماليّة و النوع لا بالصفة، فحينئذٍ بقاؤه ببقاء ماليّته و نوعه كما في بقيّة المثليّات، حيث إنّ محطّ النظر هو الصفات النوعيّة، و في القيميّات الصفات الشخصيّة.

و تنقيح الحال في هذه الدعوى يحتاج إلى مزيد من الكلام، فنحيله إلى مجال آخر سيأتي في ذيل الحيلة الثانية عشرة.

المقام الثاني: اشتراط الزيادة يتصوّر على عدّة أقسام:

1- للمقرض على المقترض. 2- للأجنبي على المقترض.

3- للمقترض على المقرض. 4- للأجنبي على المقرض.

و لا شكّ في عدم حرمة القسمين الأخيرين، كما لا شكّ في حرمة القسم الأوّل، و إنّما الكلام في أنّ ملاك الحرمة هل هو عود النفع إلى المقرض فقط أو عود الضرر إلى المقترض؟ فعلى الأوّل تختصّ الحرمة بالقسم الأوّل، و على الثاني تشمل القسم الثاني أيضاً.

الظاهر من الأدلّة هو الأوّل.

و البحث يقع في تحديد دائرة النفع في الزيادة الاولى و الثانية- من أقسام الزيادات‌

201

الستّ التي تقدّمت- العائدة إلى المقرض، و أنّ مطلق وجود النفع و اشتراطه في القرض هل هو محرّم- و لو كان للأجنبي- أو لا؟

الظاهر أنّ هذا البحث لم يعنون في كتب القدماء و المتأخّرين، إلّا في العروة (1)، و في منهاج السيّد الحكيم، ثمّ السيّد الخوئي (2)، ثمّ السيّد السبزواري (3).

فهذه المسألة استحدثت أخيراً، فلا إجماع في البين.

و أمّا الأدلّة التي أقاموها على حرمة شرط الزيادة مطلقاً- و لو كانت للأجنبي- فهي إطلاقات باب الربا، كقوله تعالى: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ) (4) و قوله (عليه السلام): «كلّ قرض جرّ منفعة فهو حرام» و «إنّما جاء الربا من الشروط» و غيرها من الأدلّة.

و فيه: إنّ الإطلاقات منصرفة إلى حرمة الزيادة التي يأخذها المقرض لا الأجنبي.

(فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ) يعني لكم أيّها المقرضون، و أمّا الأجانب فلا دليل على دخولهم تحت مفاد الآية الشريفة.

____________

(1) ذكر السيّد اليزدي (رحمه الله) في المسألة الثالثة في أحكام الربا من ملحقات العروة/ ص 4 في سياق بيان موارد الزيادة المحتمل شمول الحرمة لها، قال (رحمه الله): «أو ممّا فيه غرض ل لا عقلائي، كاشتراط كنس المسجد، أو إعطاء شي‌ء للفقير، أو قراءة القرآن، أو إتيان الصلاة أوّل الوقت، أو المواظبة على صلاة الليل، أو الإتيان بالواجبات الشرعيّة عليه، أو نحو ذلك»، ثمّ استظهر عدم شمول الأدلّة لذلك.

(2) قال (رحمه الله): «لا فرق في حرمة اشتراط الزيادة بين أن تكون الزيادة راجعة إلى المقرض و غيره، فلو قال: أقرضتك ديناراً بشرط أن تهب زيداً، أو تصرف في المسجد، أو نحو ذلك ممّا لوحظ فيه المال فإنّه يحرم». منهاج الصالحين ج 2/ كتاب الدين/ م 797.

(3) «يحرم أخذ الزيادة... بلا فرق بين أن ترجع الزيادة إلى المقرض أو غيره، فلو قال: أقرضتك بشرط أن تهب لزيد كتاباً كان من الربا، أو قال: بشرط أن تصرف في المسجد كذا و كذا، كان أيضاً من الربا المحرّم». جامع الأحكام الشرعيّة/ 38/ م 12.

(4) سورة البقرة 2: 279.

202

«لا تأخذ إلّا مثل ما أقرضت»، يعني: لا تأخذ أيّها المقرض. فإذن عندنا كبرى مسلّمة و هي: حرمة أخذ الزيادة الراجعة الى المقرض.

غاية الأمر يمكن تصوير عود الزيادة إلى المقرض في ما نحن فيه بشكل آخر حتّى يدخل تحت الكبرى المسلّمة، و هو: إنّ من له الزيادة هو الأجنبي، لكنّ الشارط هو المقرض، و المشروط عليه هو المقترض، فيتحقّق اشتراط المقرض على المقترض، و معناه أنّه من حقّ المقرض أن يُلزم المقترض بأن يدفع المال للأجنبي، فدَفْع المال للأجنبي ملك حقّي للمقرض على المقترض، فلو أمره بصدقة كأنّما الدافع هو المقرض، و إليه يعود الثواب، فذات المشروط إحسان يقوم به المقرض بتوسّط الاشتراط. فلمّا يشترط المقرض على المقترض- و لو بالدفع إلى الأجنبي- أنّما يتمّ الدفع منه، و إن لم يدخل في ملكه لكنّه بمنزلة دخوله في ملكه، فذات المشروط زيادة عينيّة عائد نفعها للمقرض.

و نظيره ما إذا اشترط أن يكون الخيار للأجنبي، فحينئذٍ مَن يستطيع أن يسقط الخيار هو نفس من له شرط الخيار لا الأجنبي، و إن اشترط أنّ الأجنبي هو يُعمل الخيار و لكن إسقاط الخيار بيد الشارط و إن لم يتملّك الشارط الفسخ أو الإمضاء.

فإنّ بعض الأحكام يترتّب على ملكيّة العمل، و بعضها يترتّب على نتيجة ملكيّة العمل، فإعمال الخيار كنتيجة ملكيّة الخيار، و لكن نفس بقاء الخيار- أعني ملكيّة حقّ الخيار- هو للشارط.

و في ما نحن فيه لمّا كانت ملكيّة الشرط للمقرض، فالنفع يعود إليه حقيقة. نعم ليس هذا نفعاً ماليّاً، بل يكون حكميّاً؛ لأنّ الإحساس للغير أو عمل البرّ- ككنس المسجد- نفع حكمي لا مالي. فبناءً على حرمة جميع الزيادات فهذا أيضاً حرام، لكن كون ذلك منفعة حكميّة لا ماليّة يتمّ على القول بكون مقتضى الشرط مفاداً تكليفاً بحتاً، و هو وجوب الوفاء بالشرط، و أمّا بناءً على أنّه يفيد حكماً وضعيّاً- و هو ثبوت حقّ للشارط، و أنّ هذا الحقّ يكون مضموناً على المشروط عليه لو فرّط في أدائه،

203

أي أنّ الشارط يملك ماليّة ذات الشرط على المشروط عليه- فيكون حينئذٍ شرط الزيادة للأجنبي من الزيادة و المنفعة الماليّة.

و هذا جليّ و واضح في ما إذا كان الشرط بنحو شرط النتيجة بأن تكون الزيادة العينيّة النقديّة مملوكة للأجنبي، أو بنحو شرط الفعل الذي هو ذو ماليّة في نفسه، كخياطة الثوب و نحوها، و أمّا في شرط الزيادة نحو شرط الفعل، فقد يتأمّل في كونه من الزيادة الماليّة، و لكنّه بالتدبّر يظهر منه أنّه من الزيادة الماليّة.

و قد يشكل بأنّ على هذا التقريب تكون بقيّة أقسام الزيادات- الثالثة و ما فوقها إلى السادسة- من الزيادة الماليّة؛ لأنّ الاشتراط يولّد مفاداً وضعيّاً و ضماناً ماليّاً.

و فيه: إنّ الاشتراط و إن أفاد معنىً وضعياً- و هو الحقّ- إلّا أنّ ذلك الحقّ لا يكون ذا ماليّة دائماً، و إن صحّ التعاوض عليه بالمال، كما قدّمنا في أقسام ماليّة المال و الماليّة القانونيّة.

204

الحيلة التاسعة: التأمين على القروض

أيضاً مذكورة في البنك اللاربوي،

و تتوقّف على مقدّمات:

المقدّمة الاولى: الضمان

عند الخاصّة هو انتقال الدين من ذمّة إلى ذمّة اخرى، فيسقط الدين من الذمّة الاولى إلى الثانية.

و عند العامّة هو ضمّ ذمّة إلى ذمّة اخرى، فتجعل الذمّة الثانية أيضاً مشغولة بالدين كالذمّة الاولى، فتكون إحدى الذمّتين مشغولة بالدين. و في كلا الفرضين الدين موجود، و هو إمّا ينتقل أو تضمّ إليه ذمّة اخرى.

و هناك ضمان ثالث ليس كسابقيه، و هو ضمان التعهّد، و هو جارٍ بين العقلاء كثيراً، و هو متوسّط بين سابقيه، و صورته مثل أن يقول: «بع هذا الشي‌ء و الثمن علَيَّ إن لم يدفعه إليك»، فهذا ليس من الضمان المصطلح؛ لأنّ البيع لم يقع إلى الآن، و ذمّة المشتري لم تشتغل بعد بالدين.

نعم، بعد ما يقع البيع و تشتغل ذمّة المشتري بالثمن فإنشاء الضمان حينئذٍ يكون من الضمان المصطلح، و هذا بخلاف الضمان الثالث.

فينشئ التعهّد معلّقاً و لا تشتغل ذمّة هذا الضامن بشي‌ء من الدين، بل هي مشغولة بالتعهّد لا بالدين، فيتعهّد بدفع المال إن لم يدفعه المضمون عنه (أي المشتري) فيغاير ضمان العامّة أيضاً؛ لأنّ في ضمان العامّة اشتغال الذمّة فعلًا بالدين ضمّاً إلى اشتغال الذمّة الاولى، و في هذا الضمان ليست ذمّته مديونة فعلًا، بل يتعهّد بالدفع‌

205

على تقدير، فالتعهّد معلّق على عدم دفع المضمون عنه المال. و هذا هو ضمان التعهّد.

المقدّمة الثانية: التأمين عقد واقع بين المؤمّن و المستأمن،

بأن يلتزم المؤمّن جبر خسارة كذائيّة إذا وردت على المستأمن، في مقابل أن يدفع المستأمن مبلغاً أو يتعهّد بدفع مبلغ يتّفق عليه الطرفان.

و في تخريج وجه شرعي للتأمين عدّة أقوال:

الأوّل: إنّ التأمين هو عقد جديد و ماهيّة حديثة و يتناولها (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)؛ إذ هي قضيّة حقيقة تشمل كلّ ما ينوجد من أفراد جديدة.

فإنّ «ال‍» في «العقود» ليست عهديّة، بل استغراقيّة أو جنسيّة، و ليس المراد منها العقود المعهودة في زمن التشريع، و إنّما المراد منها كلّ ما يتعاهد و يتعاقد عليه، فإذا استجدّ عقد جديد يجب الوفاء به. غاية الأمر يجب أن يخضع للشروط العامّة الشرعيّة، كعدم الغرر، و عدم صحّة معاملة الصبي و غيرهما.

الثاني: إنّ التأمين ليس عقداً جديداً و لا ماهيّة حديثة، و إنّما هو ضمان العهدة، فشركة التأمين مقابل التعهّد تتقاضى أجراً و عوضاً. فالمعاوضة تكون بين ضمان التعهّد و عوض معيّن، فهو يدفع شهريّاً مبلغاً معيّناً كعوض عن ضمان التعهّد.

الثالث: إنّ التأمين هبة معوّضة، فإنّ كلّ شخص يهب كلّ شهر مالًا إلى شركة التأمين بشرط أن تهب له شركة التأمين ثمن سيّارته إذا اتلفت، أو ثمن بيته إذا خربت، و هذه هبة معوّضة.

الرابع: إنّه إجارة؛ لأنّ بعض أقسام التأمين ليس مؤدّاها تسديد الدين، و إنّما هي خدمات تُسديها البيمة، مثلًا: لدى بعض مؤسّسات التأمين من مستشفيات أو مراكز تعمير السيارات، فهو يدفع الاجرة شهريّاً مقابل إصلاح الشركة سيّارته إذا خربت.

الخامس: إنّه جعالة، و هي شبيهة بالإجارة، عمل مالي مقابل جعل يتقاضاه.

المقدّمة الثالثة: لا إشكال في أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤمّن دينه أو يأتي بضامن لتسديد دينه؛

206

لأنّ هذا ليس من باب اشتراط الفائدة، بل اشتراط الضامن.

المقدّمة الرابعة: تسمّى بعض الديون بالديون الميّتة،

و هي القروض التي لا تستوفى.

فإنّ بعض المقترضين لا يسدّد دينه، و لا يمكن إرجاع الدين، إمّا لعدم ملزم قانوني قويّ أو لكونه هارباً أو فارّاً. فهذه الديون الميّتة أو المعدومة هي خسارة للبنوك بلا ريب، فما هو الطريق لتدارك الخسارة؟

و عادةً لا يقدّم البنك على الإقراض- سواء كان البنك وكيلًا أم أصيلًا- إلّا بعد أن يثق بالمقترض، فيأخذ سجّلاته التجارية و مدارك اخرى، و لكن مع تلك التدابير نرى أنّه يتخلّف أداء الدين في بعض الموارد، فلأجل ذلك يقوم البنك عن طريق معيّن بأخذ فائدة معيّنة من مجموع المقترضين لأجل تلافي الديون الميّتة، و هو حلّ جزئي يتناول بعض الأعمال الربويّة للبنك، و المطلوب تخريجه على الوجه الشرعي.

و إذا اتّضحت تلك المقدّمات نأتي إلى الحلّ الذي ذكره السيّد الصدر (رحمه الله) بقوله: «إنّ كلّ بنك يدرك أنّ جملة من القروض سوف لا تستوفى (/ الديون الميّتة)، و لهذا تقدّر البنوك الربويّة جزءاً من الفائدة التي تتقاضاها في مقابل تلك الديون الميّتة- أي إنّها تكلّف مجموع المقترضين بالتعويض عن الديون الميّتة المحتملة- و من المعلوم أنّ هذا رباً.

و في هذه الحالة يمكن للبنك أن يلجأ- للفرار عن الربا- إلى التأمين على كلّ قروضه عند بعض شركات التأمين لكي يضمن استرجاع تمام المبالغ المقترضة، غير أنّ شركة التأمين تتقاضى أجراً على التأمين، فهل يمكن تحميل هذا الأجر على المقترض أم لا؟

و تفصيل الكلام في ذلك

إنّ البنك تارة يشترط على المقترض أن يملّكه مقداراً مساوياً لُاجرة التأمين، و البنك بنفسه يؤمّن على القرض، و يسدّد اجرة التأمين من ذلك المقدار، فهذا قرض ربوي محرّم بلا إشكال.