فقه المصارف والنقود

- الشيخ محمد السند المزيد...
622 /
257

ادلّة الجواز

ثمّ إنّ هناك روايات يستظهر منها جواز شرط الضمان‌

1- ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه، و كان من المال دين و عليهما دين، فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال و لك الربح و عليك التوى، فقال: لا بأس إذا اشترطا، فإذا كان شرط يخالف كتاب اللّٰه فهو ردّ إلى كتاب اللّٰه عزّ و جلّ» (1).

و قد أناط (عليه السلام) نفي البأس بالاشتراط.

و سواء كان المراد بالاشتراط منهما (التوافق بين الطرفين على المضمون المذكور في عقد) كعقد الصلح المنشأ ثانياً- مثلًا- كما ادّعى جماعة من الفقهاء، أو كان المراد بالاشتراط (جعل ذلك المضمون شرطاً في عقد الشركة القائم بين الشخصين)، فإنّه على كلا التقديرين يدلّ على مشروعيّة المفاد في نفسه، و يكون حينئذٍ قابلًا للاشتراط بنحو شرط النتيجة.

و إنّما بقي أن نحلّل ذلك المفاد المذكور ليتبيّن أنّه هل ينطبق على الضمان أم لا؟

و توضيح ذلك أنّ محتملات مفاد الرواية متعدّدة، ذكرها الشهيد الصدر (رحمه الله) (2):

«منها: أن يكون معنى اختصاص أحدهما برأس المال و الآخر له الربح و عليه التوى (/ الخسارة) إنّ الأوّل قد صالح في عقد مستقلّ أو في شرط عمّا يستحقّه في الأعيان المشتركة بالمقدار المساوي لرأس ماله في ذمّة الشريك الآخر، و حينئذٍ يخرج المال عن الشركة و يختصّ بالآخر ذاتاً و ربحاً و خسارة، و يكون العوض في ذمّته.

____________

(1) ب 4/ كتاب الصلح/ ح 1. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي.

(2) البنك اللاربوي/ 197- 201.

258

و هذا مضمون صحيح بلا إشكال بمقتضى القواعد و العمومات، و هو أجنبي عن المقصود في المقام؛ إذ لا نريد أن تنتقل ملكيّة المال الخارجي إلى غير المالك، و إنّما نريد تصوير ضمان غير المالك لماليّة المال الخارجي مع بقائه على ملك صاحبه، إلّا أنّ حمل الرواية على هذا المعنى خلاف الظاهر، فإنّ ظاهر قوله: أعطني رأس المال، أنّ حقّه لا يزال متعلّقاً بأعيان الشركة، و أنّه لا يزال يستحقّ رأس ماله منها.

و منها: ما أفاده صاحب الجواهر (رحمه الله) في تصوير القرار المذكور في الرواية على نحو يكون استحقاق أحدهما في المال رأس ماله تامّاً و للآخر الباقي ربح أو خسر، و المال باقٍ على الشركة، و قد ذكر أنّ مرجع ذلك إلى الكلّي المضمون في المال، و أنّه لا يستحقّ سواه، سواء بقي المال و زادت قيم أعيانه أم لا.

حاصل هذا الوجه: أنّ أحد الشريكين يملك بسبب ذلك القرار تمام أعيان الشركة، بلحاظ خصوصيّاتها الشخصيّة، و الشريك الآخر يملك قيمة رأس ماله في مجموع تلك الأعيان بنحو الكلّي في المعيّن، و هذا المضمون و إن كانت المصالحة عليه صحيحة بمقتضى القواعد و العمومات، إلّا أنّ الكلام في أنّه كيف يستأثر الشريك الأوّل حينئذٍ بتمام الربح مع أنّ الشريك الآخر يملك الكلّي في المعيّن من ذلك المال، مع أنّ مقتضى قانون المعاوضة في البيع أنّ مال الشركة إذا بيع بثمن، فظهر فيه الربح كان للشريك الأوّل في الثمن كلّي نسبة إليه نسبته الكلّي الذي كان يملكه بالنسبة إلى مال الشركة، و هذا معناه اشتراكه في الربح.

و منها: ما هو المقصود في المقام، و هو أن يكون محصّل القرار المذكور في الرواية تصدّى أحد الشريكين لضمان قيمة مال شريكه و تعهّده بخسارته، فمال الشركة باقٍ على ملكيّة الشريكين معاً، دون أن ينتقل ملك أحدهما إلى الذمّة أو إلى الكلّي، غير أنّ أحد الشريكين يضمن للآخر ماليّة ماله و يجعل على نفسه تدارك الخسارة، و في مقابل ذلك يملّكه الآخر بنحو شرط النتيجة ما ينتقل إليه من الربح، فينحلّ القرار بحسب الحقيقة إلى ضمان من قِبل أحد الشريكين لماليّة حصّة شريكه،

259

و اشتراط من قبله على الآخر بنحو شرط النتيجة، بأن يكون مالكاً لما زاد من ثمن مال الشركة على أصل المال، لا بأن تنتقل إليه الزيادة ابتداءً، فإنّه خلاف قانون المعاوضة، بل في طول الانتقال إلى شريكه.

و هذا التصوير يحقّق معنى العبارة في الرواية تماماً؛ إذ يصدق حينئذٍ أنّ لهذا رأس المال و ذلك له الربح و عليه التوى خلافاً للوجهين السابقين.

و بذلك تكون هذه الرواية دالّة على مشرعيّة ضمان مال الغير من الخسارة- أي ضمان ماليّته- فيصحّ إنشاؤه في عقد صلح أو بشرط في ضمن العقد»، انتهى. 2- معتبرة رفاعة: قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل شارك في جارية له و قال:

إن ربحنا فيها فلك نصف الربح، و إن كان وضيعة فليس عليك شي‌ء.

فقال (عليه السلام): لا أرى بهذا بأساً إذا طابت نفس صاحب الجارية» (1).

فإنّ الظاهر منها أنّ أحد الشريكين ضمن ماليّة شريكه، و جعل خسارته في عهدته مع بقاء الشركة و ملكيّة الشريكين على حالها، و لهذا فرض المناصفة في الربح كما هو مقتضى ملكيّة الشريكين، فالربح مشترك و لكنّ الخسارة على أحدهما، فيدلّ على جواز شرط الضمان.

3- عن أبي الربيع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «في رجل شارك رجلًا في جارية فقال: إن ربحت فلك، و إنْ وضعت فليس عليك شي‌ء، قال: لا بأس بذلك إن كانت الجارية للقائل» (2).

4- صحيحة عبد الملك بن عتبة: قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل‌

____________

(1) ب 14/ أبواب بيع الحيوان/ ح 1. رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن رفاعة.

(2) ب 14/ أبواب بيع الحيوان/ ح 2. رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع.

260

ابتاع منه طعاماً أو ابتاع منه متاعاً، على أن ليس علَيَّ منه وضيعة، هل يستقيم هذا؟

و كيف يستقيم؟ و حدّ ذلك؟ قال (عليه السلام): لا ينبغي» (1).

و «لا ينبغي» تناسب الكراهة لا الحرمة.

5- موثّقة إسحاق بن عمّار: قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): رجل يدلّ الرجل على السلعة و يقول اشترها ولي نصفها فيشتريها الرجل و ينقد من ماله، قال: له نصف الربح. قلت: فإن وضع لحقّه من الوضيعة شي‌ء؟

قال: نعم عليه الوضيعة كما يأخذ الربح» (2).

و مفادها أنّ الرجل يأمر رجلًا آخر بأن يشتري سلعة على أن يكون بينهما ملكاً، و هذه شركة بالشراء لا بالعقد، غاية الأمر يسدّد الثمن من عنده، ثمّ يصفّي الدين بأن يسدّد له دينه.

فاتّضح من كلّ ما تقدّم أنّ جعل الضمان على عامل المضاربة جائز، سواء كان ذلك بعقد مستقلّ أو بشرط في ضمن عقد بنحو شرط النتيجة، و كذلك الحال في سائر أصناف الأمين.

و قد ذكر المحقّق الميرزا النائيني (رحمه الله) الأقوال في تلك المسألة، قال: «في اشتراط عدم الخسران في عقد الشركة، فإنّه محلّ خلاف و إشكال، و على جوازه وردت رواية صحيحة عن رفاعة» (3).

و لكن منعه ابن إدريس مطلقاً (4)؛ لمنافاته مع الشركة، و الرواية خبر واحد ليس حجّة عنده.

____________

(1) ب 14/ أبواب بيع الحيوان/ ح 3. رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الملك بن عتبة.

(2) ب 14/ أبواب بيع الحيوان/ ح 4. رواه الصدوق بإسناده عن إسحاق بن عمّار.

(3) المذكورة في الصفحة 295، تحت الرقم 2.

(4) السرائر 2/ 349.

261

و عن التنقيح (1) الاقتصار على مورد النصّ تعبّداً.

و عن المحقّق في الشرائع (2) جوازه في مطلق الحيوان و لا يعلم له وجه.

و عن الدروس- كما نقل عنه- التعدّي إلى مطلق المبيع، معلّلًا بأنّ تبعيّة المال من لوازم الشركة المطلقة لا مطلق الشركة، فلا ينافي اشتراط خلافها، و الرواية على القاعدة فيتعدّى عن موردها إلى سائر الموارد أيضاً. هذا ما أفاده (قدس سره) في بيع الحيوان (3).

و في الشركة الابتدائيّة استظهر البطلان (4).

و في الصلح تسلّم الصحّة بلا إشكال (5).

و لذا أورد عليه صاحب الجواهر (6) بالتهافت بين كلماته، و لكن سيتّضح لك عدم التهافت بينها و أنّ كلّ واحد وقع في محلّه.

و بالجملة، كلمات الأكابر- على ما نقل- مختلفة في الأبواب الثلاثة، فالظاهر في باب الصلح تسالمهم على الصحّة لمكان غير واحد من الأخبار، كما أنّ الظاهر أيضاً تسالمهم على البطلان في ما إذا كان الشرط في ضمن عقد الشركة معلّلًا بعدم وقوع الزيادة لأحدهما في مقابل عوض و لا وقع اشتراطها في ضمن عقد معاوضة ليضمّ إلى أحد العوضين، و لا اقتضى تملّكها عقد هبة، و الأسباب المقرّرة للملك معدودة و ليس هذا منها» (7).

____________

(1) التنقيح 2/ 120.

(2) الشرائع 2/ 57.

(3) الدروس 3/ 224.

(4) الدروس 3/ 333.

(5) الدروس 3/ 333.

(6) الجواهر 24/ 268 و 26 و 220.

(7) منية الطالب في شرح المكاسب/ تقريرات المحقّق النائيني للشيخ موسى الخوانساري/ 3/ 219- 220.

262

أقول: إنّ الروايات الواردة في الباب 14 من أبواب بيع الحيوان ليست لها صلة ببحث المضاربة، و الوجه في ذلك أنّ المشهور لم يعملوا بظاهرها- و هو اشتراط أحد الشريكين على الآخر بأنّ الربح يكون بينهما و الخسران على الآخر-.

و قالوا: إنّ هذا الاشتراط مخالف للكتاب و السنّة؛ لأنّ مقتضى الكتاب و السنّة أنّ كلّ نماء يتبع المال، فإذا اشترط النماء لغير المالك فيكون فاسداً؛ لأنّه إمّا يرجع إلى كون النماء عن أوّل ظهوره و وجوده لغير المالك، و هذا خلاف القواعد، أو بعد ظهوره يملّك للآخر فيكون تعليقاً، و التعليق في التمليك باطل، و لذا لم يعملوا بظاهرها.

و الوجه في كون ذلك الشرط اشتراطاً للنماء لغير المالك مع أنّ صورة الشرط كون الربح بينهما- لا لأحدهما خاصّة- هو جعل الخسران على أحدهما خاصّة، فإنّ ذلك يقلّل نسبة الربح لمن عليه الخسران، و بالتالي يزيد نسبة الربح للشارط زائداً على رأس ماله. نعم، يمكن في بعض أقسام الشركة تفاوت نسبة الربح في ما إذا كان لأحدهما عمل دون الآخر، فحينئذٍ ما يأخذ أحدهما من الزيادة يكون بإزاء العمل، فتكون مضاربة في ضمن الشركة، فيكون ذلك شرطاً صحيحاً باعتبار رجوعه إلى المضاربة، و أمّا في غير ذلك فهو فاسد.

و الميرزا النائيني دعم كلام الشهيد الأوّل (رحمه الله) بما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) في باب الشركة.

و صاحب الجواهر (رحمه الله) في باب بيع الحيوان أيّد كلام المشهور بعدم عملهم بظاهرها.

و قال في باب الشركة بانّ هذه الروايات يمكن تخريجها على طبق القاعدة، و لذلك تأمّل في كلام المشهور. و في باب الصلح أيضاً ادّعى تخريجها على طبق القاعدة أيضاً.

و المحقّق النائيني وافق ما قاله صاحب الجواهر في باب الشركة (1) من أنّ المشهور‌

____________

(1) جواهر الكلام 26/ 301- 303.

263

صحّحوا اشتراط زيادة الربح لأحد الشريكين على مقدار نسبة ماله في المال المشترك- إذا كان له عمل- لأنّ الشركة حينئذٍ تكون منضمّة إلى المضاربة، و هذا بخلاف ما إذا لم يكن له عمل، فأشكل عليهم بأنّ تمليكاً للزائد إذا صحّ مقابلةً للعمل فيصحّ التمليك مجّاناً على مقتضى القاعدة أيضاً؛ لرجوع إمّا إلى الهبة- التمليك بنحو شرط النتيجة- أو إلى شرط الفعل، مع أنّ الشريكين إذا عمل كلّ منهما عملًا متساوياً، يمكن فرض الزيادة مع ذلك لأحدهما لرجوعه إلى تبرّع الآخر بعمله، و من ثمّ ذكر أنّ تلك الروايات على مقتضى القاعدة، و ذهب إلى التوسّع في الشركة العقديّة خلافاً للمشهور، و صحّتها في الشقوق الكثيرة التي منعوا صحّتها بناءً منهم على عدم صحّة شرط الزيادة في الربح.

و وافق الميرزا النائيني (رحمه الله) على ذلك، و ذهب إلى أنّ الشرط إن كان بمعنى ملك النماء لغير المالك من أوّل ظهوره فهو مخالف لقاعدة تبعيّة النماء للأصل، و أمّا إن كان بعد ظهوره و تملّك مالك الأصل له، فيملّكه للآخر فهو صحيح، غاية الأمر أنّ الاشتراط لا بدّ أن يكون في عقد لازم كي يكون لازماً، و إلّا فإن كان اشتراطاً ابتدائيّاً أو اشتراطاً في الشركة الإذنيّة فهو غير نافذ لكون الشرط فيها يؤول إلى الشرط الابتدائي؛ لأنّها ليست عقداً، بل هو إذن محض و إيقاع فلا يقبل الاشتراط. نعم، يرجع الشرط في الإذن إلى تقييده لا إلى لزوم العمل بالشرط.

ثمّ ذكر (رحمه الله) أنّ غاية التصوير كون الروايات على مقتضى القاعدة هو حملها على التمليك التعليقي، تمليك النماء معلّقاً على ظهوره و وجوده و كونه مملوكاً للمالك ثمّ يملّك للآخر.

و أضاف أنّه لا يمكن العمل بإطلاق هذه الروايات في مورد تلف كلّ المال؛ لأنّ اشتراط عدم الخسران للآخر يكون من قبيل الضمان، و شرط هذا الضمان مخالف للكتاب و السنّة؛ لأنّ التلف على ملك مالكه فكيف يكون جبرانه على الآخر؟

فاستثنى هذه الصورة من إطلاق هذه الروايات، و أنّها في مورد الخسارة، أي الوضيعة‌

264

الماليّة، يعني قلّة القيمة الماديّة، لا في مورد تلف كلّ المال؛ إذ اشتراط عدم الخسارة عبارة اخرى عن الضمان، و هو غير سائغ.

فمحصّل استظهار الميرزا (رحمه الله) من الروايات أنّ مفادها ليس من باب الضمان، و إنّما من باب التعويض بعنوان الخسارة أو الملكيّة المجانيّة بعنوان الخسارة، و ليست هي من الضمان في شي‌ء. نعم، في صورة تلف كلّ المال الشرط المزبور غير سائغ.

و فيه: أوّلًا: إنّ هذه الروايات ليست في مورد المضاربة؛ لأنّه قد فرض فيها وجود الجارية و استدعاء المالك مشاركة الغير فيها، و أنّ تقسيم الربح للشركة في المال في كلا الطرفين لا بازاء العمل، و هذا غير المضاربة؛ إذ لا بدّ فيها من نقد أو مال ثمّ تكون تجارة، و أمّا المشاركة في العين الموجودة و الاسترباح بهذه العين المشتركة، فليست ماهيّتها مضاربة.

نعم، هي شبيهة بالمضاربة بلحاظ وجود الشركة، لكن لا تنطبق على المضاربة في كلّ حالاتها، و ما تقدّم من أنّ الشركة من ثمرات المضاربة لا يعني أنّ كلّ شركة هي مضاربة، بل بمعنى أنّها قد تنطبق على المضاربة.

ثانياً: الإشكال في التمليك التعليقي ليس من جهة تعليقيّة التمليك فقط، بل من جهة أنّ تعليقيّة التمليك تؤدّي إلى تمليك المعدوم، و إلى اندراجه في عموم «لا تبع ما ليس عندك»، أو «لا تملّك ما ليس عندك»؛ إذ تارة التمليك لكلّي في الذمّة، فهذا تمليك فعلي، إلّا أن يكون غير مقدور عليه، فيكون باطلًا لا من باب اندراجه في «لا تبع ما ليس عندك»، بل من باب أنّ اعتبار الذمّة مقصور على المقدور و لا يتناول غير المقدور كي يمكن تمليكه للغير، بخلاف ما إذا ملّك شيئاً خارجياً غير موجود فيندرج في عموم «لا تبع ما ليس عندك»، فمن هذه الجهة يكون هذا الشرط على خلاف مقتضى القاعدة.

و ما يجري في المضاربة ليس هو التمليك التعليقي، و إنّما تمليك من أوّل وجود الربح، و لذلك كانت المضاربة على خلاف مقتضى القاعدة كما نبّه عليه عدّة من‌

265

الأعلام، فليست تمليكاً بعد ظهور الربح.

فملخّص الإشكال هو أنّ التوجيه الذي ذكره صاحب الجواهر و الميرزا يعارض قاعدة تمليك ما ليس عندك، فلا يكون هذا المعنى الذي حملوها عليه على مقتضى القاعدة، كي يتعدّى من باب الشركة إلى المضاربة.

ثالثاً: إنّ ما ذكراه من التوجيه خلاف ظاهر الروايات؛ إذ ليس ظاهرها أنّ الربح تابع للنماء ثمّ يملّك الآخر، بل ظاهرها تملّك الآخر من أوّل وجود الربح بخلاف نسبة مقدار ماله. فتعبير رواية رفاعة: «إن ربحنا فيها فلك نصف الربح» لا أنّه املّكك بعد ذلك، و كذلك التعبير «له نصف الربح».

و أيضاً التعبير: «إن كان فيه الوضيعة فليس عليك شي‌ء» ظاهره لا يتّفق مع توجيه صاحب الجواهر، من أنّه إذا وضعت قيمتها فيملّكه من ماله مقداراً زائداً، بل ظاهره أنّ الخسارة لا تقع عليه من رأس، غاية الأمر ليست هي خسارة لتلف كلّ المال، و إنّما لتلف بعض قيمة المال.

و رابعاً: إنّ المشهور لم يعمل بهذه الروايات أو عملوا بها في خصوص باب بيع الحيوان، مع أنّ تلك الروايات ليس مفادها ما ذهب إليه القائلون بأنه اشتراط لعدم الخسارة على أحدهما و بضمان الآخر له؛ لأنّ ظاهر رواية رفاعة: «إن ربحنا فلك نصف الربح» أنّ ذلك مصالحة، و لذلك ذكرها الفقهاء في باب الصلح، لا شرطاً في الشركة أو في عقد آخر لازم بلحاظ الشركة، و لا تكون مضاربة و إنّما هي من باب الصلح، فتكون على مقتضى القاعدة، فليست من باب الشرط ليكون زيادة النماء غير مطابق لمقدار نسبة المال و لا من باب جبران الخسارة.

أمّا بيان كونه على مقتضى القاعدة لو كان مصالحة، فلأنّ الشريكين إذا أرادا أن يقتسما مالهما المشترك و يفرزاه فلهما أن يتصالحا، فيقول أحد الشريكين: أعطني رأس مالي و لك كلّ المال المشترك إن كان فيه ربح أو كانت فيه خسارة، و هو نوع من الصلح و معاوضة جديدة لا ربط لها بالشركة و لا بالمضاربة التي في ضمن الشركة،

266

و ليس فيه اشتراط ضمان، بل تمليك من أحد الشريكين للآخر ربحه مقابل أن يأخذ رأس ماله.

و أمّا الشاهد على أنّها ليس من باب الاشتراط بلحاظ الشركة فقوله (عليه السلام): «لا أرى بهذا بأساً إذا طابت نفس صاحب الجارية»؛ إذ لو كانت بلحاظ الاشتراط في الشركة لا وجه لتقييده بطيب نفس صاحب الجارية، بل كان المناسب التعبير ب‍ «إذا اشترطا على نفسهما فلا بأس، فقوله: «إذا طابت...» دالّ على نوع من التراضي و التصالح لا شرطاً في أصل الشركة؛ إذ مقتضى الاشتراط النفوذ و اللزوم، سواء رضي بعد ذلك أم لا، طابت به نفس صاحبها فيما بعد ذلك أم لم تطب.

مضافاً إلى إمكان دعوى ظهور الرواية في غير الشركة؛ إذ التعبير بصاحب الجارية في جوابه (عليه السلام) يومي إلى بقاءها بتمامها على ملك صاحبها، و لذلك استظهر في بعض الكلمات أنّ مورد الروايات من باب إعانة أحدهما للآخر بمال على شراء الجارية أو تسديد دين الجارية، و من ثمّ عبّر في بعضها بوفاء دينه و زيادة ربح، فهو نمط من الاستقراض لأجل تسديد دين الجارية، و كذا التعبير «في جارية له» دالّ على أنّ الجارية لأحدهما.

أمّا بالنسبة إلى رواية أبي الربيع- مع كون السند على مشهور المتأخّرين ليس صحيحاً، بل حسن- فقوله (عليه السلام): «إن كانت الجارية للقائل» تقييد لا حاجة له، لو كان هذا الشرط (و هو أنّ الربح بينهما و الوضيعة على أحدهما فقط) على مقتضى القاعدة و بحسب الاشتراط في الشركة و أنّها نوع من المضاربة؛ إذ هو مقتضى الشركة، و سواء كانت الجارية للقائل الشارط أو كان الشارط شخصاً آخر.

فعلى توجيه صاحب الجواهر (رحمه الله) من كونها على مقتضى القاعدة لا فرق في المشترط، كان صاحب الجارية أم غيره.

هذا مع أنّ التدبّر في الرواية يعطي أنّها من المصالحة بعد الشركة، حيث أنّ الراوي بعد ما فرض مشاركة الرجل للآخر في الجارية، عبّر ب‍ «فقال: إن ربحت فلك...»‌

267

الظاهر في تراخي هذه المشارطة عن الشركة، أي أنّها مصالحة بعد الشركة، أو تحمل الرواية على استعانة صاحب الجارية بالغير في تسديد دين ثمن الجارية، فلذا لا يكون على الغير من الوضيعة شي‌ء، و إن كان ربح فيزيده من عنده على ما سدّد به الدين و تكون الزيادة لا من باب المشارطة، بل تكون من باب المواعدة.

و قريب من المعنى الأوّل حمل المحقّق المجلسي (رحمه الله) في ملاذ الأخبار، قال:

«لأنّ هذا تبرّع من ماله، و يمكن أن يكون المراد بمشاركته في الجارية، مشاركته في الدلالة عليها و توليته له في البيع و الشراء، لا المشاركة في المال، و يؤيّده ما روي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يشاركه الرجل في السلعة يدلّ عليها، قال:

إن ربح فله، و إن وضع فعليه» (1).

و عن الدروس: «لو قال: الربح لنا و لا خسران عليك، ففي صحيحة رفاعة- في الشركة في جارية- يصحّ، و رواه أبو الربيع، و منعه ابن إدريس (2)؛ لأنّه مخالف لقضيّة الشركة. قلنا: لا نسلّم أنّ تبعيّة المال لازم لمطلق الشركة، بل للشركة المطلقة.

و الأقرب تعدّي الحكم إلى غير الجارية من المبيعات» (3).

أمّا الرواية الرابعة فهي أدلّ على المنع من أن تدلّ على الجواز؛ لأنّ «لا ينبغي» ليس نصّاً في الكراهة و إن كانت دلالته على التحريم أيضاً ضعيفة.

أمّا الرواية الخامسة: فهي على مقتضى القاعدة (عليه الوضيعة كما يأخذ الربح) و العمل بإطلاقها معارض لما تقدّم، أو مفسّر له، فالعمدة من الروايات المتقدّمة هي الاولى و الثانية.

و الصحيح أنّ هذه الروايات ليست من باب الشرط في الشركة أو المضاربة،

____________

(1) التهذيب 7/ 187/ ح 825. ملاذ الأخبار 11/ 62.

(2) السرائر 2/ 349.

(3) الدروس الشرعيّة 3/ 223- 224.

268

و إنّما هي من باب المصالحة في نهاية الشركة لأجل فرز الأسهم أو من باب تعيين الاجرة بنسبة من الربح في قبال عمل الدلالة، و يكون المخاطب بعدم الضمان هو الدلّال، و لك أن تقول: هو عامل المضاربة و صاحب المال هو صاحب الجارية، و هو معنىً قريب من رواية رفاعة و أبي الربيع، كما في قوله (عليه السلام): «إن كانت الجارية للقائل»، أو «إذا طابت نفسه»، أي أنّه صاحب المال الذي ينفي الضمان عن عامل المضاربة، و بذلك لا تدلّ على خلاف ما تقدم من الروايات، فليس هناك ما يدلّ على خلاف ما تقدّم من أنّ المضاربة لا ضمان فيها ذاتاً.

فظهر الخلل في استدلال المرحوم الصدر برواية رفاعة على ضمان القسم الرابع؛ لأنّه من باب الصلح و ليس من باب الاشتراط في الشركة، أو أنّ القائل المشترط على نفسه هو صاحب المال في المضاربة أو غير ذلك من الوجوه التي تقدّمت.

المسألة الثالثة: هل يجوز في عقد المضاربة اشتراط قسم من الربح للأجنبي؟

نسب إلى المشهور عدم الصحّة، و يقرّب بأنّ تمليك الأجنبي إمّا بنحو شرط النتيجة أو بنحو شرط الفعل.

فإن كان الأوّل فقد عرفت ممّا سبق أنّه مخالف لقاعدة تبعيّة النماء للملك، و إن كان بنحو الثاني، فقد عرفت أنّه يكون إمّا بنحو التعليق في التمليك- أي معلّقاً على وجوده و ملك صاحب المال له- أو أنّه تمليك فعليّ للمعدوم، و كلاهما فاسد.

و سيأتي أنّ التعليق في التمليك مع غضّ النظر عن الإجماع القائم فاسد بمقتضى القاعدة. و أمّا تمليك المعدوم فهو مخالف لعموم «لا تملّك ما ليس عندك».

نعم، قد يظهر من الشهيد الأوّل (رحمه الله) في ما حكيناه من قوله المتقدّم (1) صحّة ذلك،

____________

(1) في الصفحة 304.

269

لكنّ التدبّر في كلامه يعطي اقتصاره في مخالفة القاعدة على نوع مورد النصّ من اشتراط ذلك لأحد الشريكين، لا غيرها من الموارد.

و قال في الشرائع: «و فيه وجه آخر» و فسّر العبّارة في الجواهر (1) بما جزم به في المسالك من إرادة العامل غير المقارض، أي الذي يشترط عليه الأعمال الجزئيّة المضبوطة، لا مَن يكون إليه التصرّف في جميع ما يقتضيه العقد لعموم «المؤمنون» و «أوفوا» أو أنّ الحصّة المشروطة تكون للمالك حيث لم يعمل، رجوع إلى أصله.

و لكن أشكل عليه في الجواهر بمخالفته لنصوص المضاربة، أو أنّ مثل هذا الأجنبي عامل في الحقيقة و إن اختصّ بأعمال معيّنة.

____________

(1) 26/ 396.

270

الحيلة الحادية عشرة: الوكالة في عقود اخرى

بعد اتّضاح الأمر في الحيلة السابقة يتّضح الحكم في هذه الحيلة، و لنستعرض صورتها و هي تبتني على الوكالة أيضاً.

و هي: أنّ البنك يكون وكيلًا للتعامل مع أصحاب الأعمال لا في خصوص المضاربة- كما في الحيلة السابقة- بل يكون وكيلًا في التعامل معهم بعدّة معاملات، كالإجارة بشرط التمليك و النسيئة و السلف و الجعالة و المزارعة و المساقاة و الشركة.

و الإشكال العمدة في هذه الحيلة هو الإشكال المتقدّم في الحيلة السابقة، فلا تتمّ من الأساس.

و لكن من بعض الجوانب الاخرى ينبغي البحث عن بعض جهاتها.

و قد تقدّم إشكال آخر في تلك الحيلة أنّهم صرّحوا أنّه يشترط في صاحب الأعمال أن يتعامل في معاملاته بفتح حساب في البنك نفسه لا في بنك آخر، و هذا تنصيص على أنّ التعامل على ذمّة البنك (/ نفس الوكيل)، فإذن هو قرض لكون التعامل في الذمّة، فذلك الاشتراط تنصيص على الإشكال الذي تقدّم.

و كذلك صرّحوا بأنّ البنك يشترط على أصحاب الأعمال أن يؤمّنوا المال الذي يُعطى إليهم في شركة التأمين، و التأمين في القرض و اشتراطه من المقرض على المستقرض، و كذلك في الرهن لا إشكال فيه، إلّا أنّ حيث أنّه ضمان و ذكرنا أنّه إذا ضمّن صاحب المال عاملَ المضاربة فتنقلب إلى القرض.

فالإشكال في مادّة بنود العقد البنكي يبتني على مقدّمة، و هي: أنّ اشتراط الضمان‌

271

على عامل المضاربة الموجب لانقلابها إلى القرض هل يعمّ ضمان العهدة أو ضمان شرط الفعل أو الضمان الاصطلاحي أم لا؟

و الإشكال كما تقدّم مبنيّ على أنّ مفاد صحيحة محمّد بن قيس كون مطلق التضمين و لو بنحو شرط الفعل يقلب المضاربة إلى القرض. فحقيقة التأمين إذا كانت ضمان التعهّد فهو من الضمان. نعم، لو بنى التأمين على أقوال اخر في حقيقة ماهيّته غير ضمان التعهّد كشرط الفعل فللصحّة وجه، إلّا أن يدّعى انطباق مؤدّى الضمان عرفاً عليها أيضاً فتنقلب المضاربة إلى القرض.

و هنا أمر آخر و هو أنّه في تلك الحيلة قد صوّروا أنّ المضاربة إذا تمّت و ظهرت الأرباح فهي ملك لأصحاب الأموال، و يكون البنك وكيلًا عن أصحاب الأموال في أن يجري عقد الصلح بين نفسه و أصحاب الأموال فيصالحهم عن ربحهم بقدر معيّن، و هذا القدر المعيّن ليس توزيعاً لأرباح المضاربة، و إنّما هو صلح بين البنك و أصحاب الأموال. فرأس المال يبقى على ملك أصحاب الأموال و أصل الربح يملّكه صاحب المال بالصلح إلى البنك في مقابل القدر المعيّن، و يسمّى باشتراط عقد الصلح على الأرباح مقابل القدر المعيّن، و هو إن كان بنحو شرط النتيجة- أي: إنشاء الصلح بنفس الاشتراط- ففيه إشكال.

و أمّا إذا كان بنحو شرط الفعل فأقلّ إشكالًا، فيوكّل صاحب المال البنك في إجراء عقد الصلح بعد عمليّة المضاربة و يستطيع صاحب المال أن يعزل البنك في أي وقت شاء، و هذا أحد العوائق التي تواجه حيويّة هذه الحيلة؛ لأنّ العمليّة تحتاج إلى التوثيق بأنّ صاحب المال يمانع عن الرجوع، فلو رجع صاحب المال بمطالبة ماله قبل تماميّة المضاربة فالربح لصاحب المال لا للبنك، و هذا لا يتوافق مع العمليّات البنكيّة السائدة.

فإذا كان بنحو شرط الفعل فمقتضاه أنّه برجوع صاحب المال في أثناء المضاربة يجب أن تكون الأرباح لصاحب المال لا للبنك؛ لأنّه لمّا يوجد عقد الصلح، و أمّا إذا‌

272

كان بنحو شرط النتيجة فسوف يكون إمّا صلحاً على أمر معدوم أو أمر مجهول.

و قد يجاب على الإشكال على تقدير شرط النتيجة، بأنّ الصلح إنّما شرّع في موارد الجهل، فإذن لا يضرّ الجهل بصحّته، هذا من جهة. و من جهة اخرى أنّ الصلح- كما أنّه شرّع في موارد الجهل- يتسامح فيه بما لا يتسامح في بقيّة العقود، فلا بأس في الصلح على شي‌ء معدوم مقدّر، فشرط الصلح بنحو شرط النتيجة من أوّل العقد صحيح.

أقول: و لكن الإشكال على حاله؛ لأنّ الصلح و إن اختلف عن بقيّة العقود من حيث أنّ ماهيّته الأصليّة هو التراضي، و لكنّ التراضي هو بمفاد عقد من العقود و ينتج نتيجة ذلك العقد، فالتراضي بتمليك الأعيان نتيجته نتيجة البيع، و إن لم يكن بيعاً، فوقع البحث بين الأعلام في أنّ الصلح هل يرجع إلى بقيّة العقود أو هو عقد مستقلّ و يفيد آثار عقود اخرى؟ و الأكثر على الثاني.

و حينئذٍ فلا يمكن الصلح على المعدوم؛ لأنّه كالبيع من حيث الأثر، فكما لا يمكن البيع على المعدوم فكذلك الصلح؛ إذ نتيجة الصلح هي نتيجة البيع و هي تمليك شي‌ء، و تمليك المعدوم لا يصح؛ إذ هو تمليك فعليّ لمملوك معدوم لا في الذمّة، فالمملّك يملّك ما لا يملكه في الاعتبار العرفي فكيف يملّكه الآخرين؟ فهذا الصلح بنحو شرط النتيجة على المعدوم لا يصحّ.

و القول بأنّ الصلح مبنيّ على الجهالة صحيح في الموارد التي لا يمكن استعلام العوضين فيها، يعني أنّ الصلح لأجل الإبراء و رفع التنازع و التراضى شرّع في موارد الجهل، أي في الموارد التي تكون نتيجته الإبراء كإيقاع متقابل، و هذا بخلاف الموارد التي يراد من الصلح معاوضة ماليّة كبقيّة المعاوضات التي يتحفّظ فيها عن الغرر. مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الصلح في موارد النزاع و الابراء لا يوقع عند العقلاء على المقدار المجهول بالمرّة، بل يقيّد مورد الصلح في الارتكاز المتباني عليه بحدّ أعلى و أدنى إجمالي و إن لم يكن معلوماً تفصيلًا، و لذا لو انكشف الواقع بغير ذلك الحدّين فإنّ‌

273

المتعاقد يرى لنفسه المطالبة بحقّه.

نعم، لا يشترط في الصلح المعاوضي العلم بنحو المداقّة لكن لا بدّ فيه من وجود العلم في الجملة، و إلّا ففي موارد الجهل المطلق لا يقرّ العقلاء ماهيّة الصلح و لا يقدمون عليه.

و هذا نظير ما يقال: بأنّ (لا ضرر) يشمل كلّ حكم ضرري و لا يشمل مثل الجهاد الذي هو بنفسه ضررياً؛ لأنّ الملحوظ في القاعدة الضرر الزائد على الطبيعة، و لا باب الزكاة و لا الخمس، فإنّهما بنفسهما ضرر مالي.

نعم، إذا سبّبت هذه الأبواب الثلاث ضرراً زائداً على الطبيعة ف‍ (لا ضرر) تشملها أيضاً.

و بعبارة اخرى: الجهل و الغرر المنفي في العقود، هو في كلّ عقد بحسبه، فإذا كان عقد مبنيّاً على الغرر فلا يشترط نفيه بقدر طبع الغرر الذي فيه لا بقدر الزائد عليه.

فتحصّل أنّ الصلح بنحو شرط النتيجة في بدء التوكيل، لا يخلو من تأمّل واضح من كون الصلح إمّا على المعدوم، أو على المجهول بدرجة لا تغتفر في الصلح. و أمّا إذا كان بنحو شرط الفعل فلا يرد هذا الإشكال، بل فيه نقض الغرض بحسب عالَم سوق المال و خلف فرض حركة الأموال و التعامل الجاري.

لأنّ الغرض هو الوثوق بوصول الربح المشاع إلى البنك و إعطاء قدر معيّن منه إلى أصحاب الأموال، بينما في هذه الحيلة- على شرط الفعل- يمكن رجوع صاحب المال في أثناء المضاربة، و تكون الأرباح المشاعة كلّها ملكاً له.

و قد يتخلّص من هذا المحذور بإلزام أصحاب الأموال بعدم الرجوع في فترة معيّنة بتوسّط عقد آخر و تكون الأرباح المشاعة باقية بين عامل المضاربة و بين المالك، و ذلك باشتراط الوكالة في ضمن عقد آخر لازم، و تكون وكالة البنك مفوّضة من أصحاب الأموال بعد فرض أنّ المالك لا يحدّد له قدر معيّن في الصلح و القدر من الأرباح المشاعة غير محدّد في بدء التعامل.

274

لكن هذا الترميم لا يخلو من إشكال أيضاً على القول بأنّ اشتراط الوكالة في ضمن عقد لازم لا يوجب لزومها؛ إذ اللزوم يعني التولية و إعطاء الولاية، و هو يغاير حقيقة الوكالة، نظير ما اشكل في اشتراط الوكالة للزوجة للطلاق، مع أنّ لزوم الوكالة لا يتفادى قدرة مالك المال على الرجوع أثناء المضاربة؛ إذ برجوعه يُعدم موضوع الوكالة اللازمة.

ثمّ إنّه يضاف إلى ما تقدّم من الإشكالات على أصل الحيلة المزبورة، أنّ هذه الحيلة ما دامت هي مضاربة فلا تكون لازمة ملزِمة لمالك المال على عدم الرجوع في المدّة المقرّرة، و أنّ اشتراط عقد الصلح بعد اشتراط أصل ضمان المال يكون شرطاً ربويّاً، بناءً على انقلاب المضاربة قرضاً.

275

الحيلة الثانية عشرة: استبدال المضاربة بالجعالة

ذكرها السيّد الگلپايگاني (قدس سره) في باب المضاربة من مجمع المسائل، قال:

كلّما كان العقد الذي يراد إنشاؤه مضاربة فاقداً لبعض الشرائط الشرعيّة في المضاربة، فبالإمكان أن نستبدل المضاربة بالجعالة، مثلًا: في اشتراط قدر معيّن من الربح في المضاربة، حيث لا يجوز على قول الأكثر، فيمكن تبديلها بالجعالة، و كذلك بالنسبة إلى شرط الضمان في المضاربة، و تكون صيغة الإيجاب كالتالي: من اتّجر بمالي فله كذا، أو أنت يا زيد إذا اتّجرت بمالي فلك كذا مقداراً معيّناً، و الباقي لي أو فالربح بيننا، و اشترط عليك الضمان.

و السبب في إبداع السيّد (رحمه الله) لهذه الحيلة هو أنّه تبعاً لبعض القدماء ذهب إلى أنّ المضاربة تجري في خصوص الذهب و الفضّة، و مدرك هذا القول هو الإجماع المدّعى.

و عليه فتكون المضاربة الجارية على الأوراق النقديّة في هذه الأزمنة فاقدة لهذا الشرط، فيتوسّل حينئذٍ بالجعالة، بل يعمّم إلى غير الأوراق النقديّة كالمصانع.

و منع السيّد الخوئي (رحمه الله) صحّة هذه الجعالة.

و قد مرّ أنّ السيّد الصدر (رحمه الله) استدلّ على صحّة هذه الجعالة بروايات (1)، حيث ورد فيها نحو من الجعالة حيث يقول مالك المال للدلّال: بع مالي بعشرة، فما زاد فهو لك،

____________

(1) ب 10/ أبواب أحكام العقود

276

و صحّح (رحمه الله) الجُعل المزبور، و هذا المضمون قريب بالجعالة التي هي عوض المضاربة، حيث يقول فيها مالك المال: اتّجر بمالي و الربح لك منه خمسون ديناراً و الباقي لي.

و ذكر (رحمه الله) وجهاً آخر غير الروايات و هو: أنّ الفقهاء أقرّوا في الجعالة بعدم اشتراط كون المال المجعول مملوكاً للجاعل حين إنشاء الجعالة، بل اشترطوا ملك الجعل له حين تحقّق العمل؛ إذ لا بدّ أن يكون مالكاً له كي يملّكه العامل.

و النكتة في ذلك: أنّ التمليك في الجعالة يفترق عن البيع و الإجارة و غيرهما، حيث أنّ في تلك الماهيّات المعامليّة التمليك فعليّ، أمّا التمليك في الجعالة فتعليقي، فلا يشترط أن يكون جُعل الجعالة ملكاً فعليّاً للجاعل و إنّما يشترط أن يكون ملكاً حين تحقّق العمل، و هذا وجه لصحّة الجعالة في ما نحن فيه.

أقول: قد ذكرنا سابقاً الخدشة في الاستدلال بالروايات، و في مقتضى القاعدة التي استدلّ بهما السيّد الصدر (رحمه الله) و تلك الخدشة بعينها تتأتّى على تصوير السيّد الگلپايگاني (رحمه الله).

و الخدشة هي أنّ دلالة تلك الروايات و إن كانت تامّة لكنّها ليست ممّا نحن فيه، فإنّ الفقهاء اختلفوا في تفسير تلك الروايات:

فبعضهم يفسّرها بأنّ الجعالة أنشأت على عمل و هو «البيع بزيادة عن العشرة» و حينئذٍ إذا لم يبع بأزيد من عشرة أو باع بعشرة فلم يأتِ بمورد الجعالة، و لا يستحقّ الجُعل و الخدشة في الجعالة هي أنّه ربّما يأتي بعمل الجعالة، و الجُعل ليس مملوكاً للجاعل، فيصير نوعاً من الغرر في ما إذا لم يظهر ربحاً، و الجعالة و إن كانت مبنيّة على الغرر و الجهل إلّا أنّ الغرر في كلّ عقد بحسبه، أي ليس على نحو إذا تحقّق عمل الجعالة لا يكون الجعل مضموناً لعامل الجعالة؛ إذ الفرض أنّه إذا عُيّن الجُعل من الربح لا يكون مضموناً لعامل الجعالة الذي هو بديل عن عامل المضاربة، فلا يمكن الاستشهاد بالروايات للجعالة البديلة عن المضاربة؛ إذ في الدلّال الذي هو مورد‌

277

الروايات مورد عمل الجعالة هو البيع الزائد عن العشرة، و الجعل حينئذٍ مضمون بخلاف المقام. و على التفسير المزبور للروايات فالجاعل و إن كان لا يتملّك الجعل فعلًا، بل يتملّكه في ظرف العمل، إلّا أنّ تملّكه للجُعل مفروض بالضرورة في ظرف عمل الجعالة، و هذا بخلاف الجعالة بدل المضاربة التي تقدّم تصويرها، فإنّها قد يتحقّق العمل من دون تملّك الجاعل للجُعل- و هو ربح التجارة- فلا تلازم بين تملّك الجاعل للجعل و عمل الجعالة.

فاتّضح أنّ الجعالة بالنحو المزبور تمليك لما لا يضمن ملكه.

و قد يقال: لِمَ لا نسوّغ الجعالة البديلة عن المضاربة بنحو الجعالة التي صيغت في الدلّال التي هي مورد الروايات؟ فيقول صاحب المال: اتّجر بمالي تجارة مربحة زائدة عن الخمسين فلك الخمسون و الزائد لي، فإذا أتى بمورد عمل الجعالة فلا محالة سوف يكون هناك ربح و يتملّك الجاعل الجُعل، و إذا لم يظهر الربح فلم يأت بمورد عمل الجعالة، فلأجل دفع الخدشة السابقة نتمحّل تبديل الحيلة كي تندرج تحت الروايات.

و فيه: أنّ هذا التغيير و إن صحّح الجعالة إلّا أنّها لا تكون بديلة عن المضاربة بسعتها؛ إذ لا يشارك العامل المالك الربح في كلّ الاحتمالات- قلّ الربح أو زاد- فالروايات غير دالّة على مطلق الجعالة التي تكون بديلة عن المضاربة بسعتها.

و بعض فسّر الروايات بالإجارة لا بالجعالة كما هو ظاهر السيّد الاصفهاني (رحمه الله).

هذا كلّه بالنسبة إلى التمسّك بالروايات، و كذا الحال إذا فرض السيّد (رحمه الله) إنشاء الجعالة بنسبة كسريّة بأن يقول الموجب: «إذا اتّجرت بمالي فلك نصف الربح»، فيرد عليه إشكال كون الجعل غير مضمون في ظرف تحقّق عمل الجعالة، إلّا أنّ تخصّص بقوله: «إذا اتّجرت تجارة مربحة فلك كذا»، فإذا اتّجر بربح فقد أتى بمورد الجعالة و يكون الجعل حينئذٍ مضموناً، و إذا لم يربح فلم يتحقّق عمل الجعالة، إلّا أنّ هذا التغيير- كما تقدّم- لا يقرّر الجعالة بديلة تامّة عن المضاربة في كلّ الفروض‌

278

و الحالات، بل في فرض خاصّ و هو العمل المُربح.

و أمّا الوجه الثاني الذي ذكره الصدر (رحمه الله)، و هو أنّ التمليك في الجعالة تعليقي، و المقدار اللازم فيها ملك الجعل من الجاعل حين تحقّق العمل لا حين إنشاء الجعل، فهو تامّ، إلّا أنّ الجعالة البديلة عن المضاربة لا ضمان للجعل فيها حين تحقّق العمل إلّا أن تقيّد بالتجارة المربحة.

و قد ذكرنا سابقاً أنّ الملزم القانوني يجب أن يكون من داخل العقد و في ضمن متن العقد فلا يغني العلم بتحقّق العوض بلحاظ السوق بأن يقال: الجعالة تنشأ على مورد العمل، و هو مطلق التجارة لا خصوص التجارة المربحة، و لدينا علم بأنّها مربحة في ذلك المورد، فلدينا علم بأنّ الجعل يكون مضموناً لأنّ ضمان الجعل و العوض في الجعالة و المعاوضات لا يكفي فيه التخمين و التقدير.

و استشكل السيّد الخوئي (رحمه الله) في المستند في الجعالة البديلة عن المضاربة مطلقاً، سواء كانت بالنحو المطلق الذي فرضه السيّد الگلپايگاني (رحمه الله) أو بالنحو المضيّق الذي فرضناه بأنّ تمليك المعدوم لا يسوغ. و لذلك ذكروا في باب المضاربة أنّها ليست على مقتضى القاعدة، و إنّما الدليل دلّ على جوازها؛ إذ مقتضى القاعدة أنّ تمليك المعدوم لا يصحّ، و حيث أنّ هذه الجعالة مفادها تمليك المعدوم فلا تصحّ، و الظاهر أنّ مراده أنّ الجعالة لا بدّ فيها من كون الجعل مملوكاً فعلًا للجاعل حين إنشاء الجعالة؛ لأنّ التمليك إمّا متعلّقه كلّي مقدور في الذمّة، فهو موجود، و إمّا هو شي‌ء شخصي موجود فلا إشكال أيضاً، و إمّا أن كان معدوماً فلا يصحّ لما تقدّم، و كذا الحال في تمليك الكلّي غير المقدور. فالجعالة و لو كان التمليك فيها تعليقيّاً إلّا أنّه لا بدّ من كون الجعل موجوداً، بخلافه في المضاربة.

و اجيب بأنّه لا يبعد القول بأنّ المضاربة و الجعالة على النحو المزبور هما على مقتضى القاعدة- كما مرّ عن السيّد السبزواري (رحمه الله)- حيث لا يبني على عدم صحّة تمليك المعدوم مطلقاً، فإنّ الشي‌ء الجزئي المعدوم إذا كان متوقّع الحصول بنحو‌

279

معتدّ به عقلائيّاً يقرّ العقلاء أنّ القدرة عليه موجودة فلا يبطل تمليكهم، فتكون المضاربة على مقتضى القاعدة.

و ربّما يؤيّد هذا التقريب بما ذكروه في بحث إسقاط الخيارات من صحّة إسقاط الخيار قبل فعليّته، على القول بثبوت الخيار بظهور العيب لا بوجوده، و كذلك في بقيّة الخيارات؛ إذ لا خيار فعليّ حين الإنشاء؛ لأنّ تحقّق البيع بعد تماميّة الإنشاء و وجود المنشأ، ثمّ تتحقّق الخيارات في رتبة متأخّرة عنه لكنّهم جوّزوا إسقاط الخيار حين الإنشاء.

و قالوا بكفاية تحقّق الموجب له و إن لم يكن الموجب- و هو الخيار- فعليّاً؛ إذ بوجود الموجب يكون للشي‌ء الموجب نحو تقرّر، نظير ما قالوا من أنّ للمعلول كينونة و نحو تقرّر في المقتضي، فالذي أسقط غير فعلي لكنّه في صراط التحقّق، فبنفس التقريب يقرّب ذلك في التمليك. هذا، فالعمدة لتنقيح الحال في المقام هو تقرير مفاد قاعدة لا تبع ما ليس عندك التي فسّرت ب‍ لا تملّك ما لا تملك.

و محصّل إشكال السيّد الخوئي (رحمه الله) بتقريب آخر: أنّ المضاربة بعد كونها على خلاف مقتضى القاعدة فلا يمكن استبدالها بالجعالة؛ لأنّ العمومات الأوّليّة محكمة لا يرفع اليد عنها بسهولة لندرة التخصيص فيها و كثرة التمسّك بها، بخلاف العمومات التي ورد التخصيص فيها، و إنّما ارتكب التخصيص في المضاربة للضرورة الفقهيّة على صحّتها، و هذا بخلاف الحال في الجعالة على النحو المزبور؛ إذ ليست نسبة أدلّة الصحّة للجعالة مع تلك القواعد الأوّليّة نسبة العموم المطلق، بل هي العموم من وجه؛ لشمول الجعالة لموارد المضاربة و غيرها، فوجه مخالفة المضاربة لمقتضى القاعدة عنده (رحمه الله) أحد أمرين:

إمّا مخالفة قاعدة لا تبع ما ليس عندك يعني عدم جواز تمليك ما لا يملك، أو كونها من التمليك التعليقي، أي: إمّا تعليق في المملّك أو تعليق في التمليك، و إنّما بني على صحّتها للضرورة.

280

و ظاهر التعبير الوارد في الكلمات: «أنّ عامل المضاربة يملك الربح عند ظهوره» أنّ التمليك تعليقي.

هذا و قد ذهب السيّد الحكيم (رحمه الله) أيضاً إلى عدم صحّة الجعالة المزبورة- بعد بنائه على مخالفة المضاربة لمقتضى القواعد- من جهة اخرى و هي أنّ النماء تابع للأصل، و في المضاربة يفرض أنّ النماء عند ظهوره يكون ملكاً للعامل، فالربح الذي هو نماء الأصل لا يكون ملكاً للمالك الأصل، بل للعامل و ليس في المضاربة تعليق لتملّكه زائداً على أصل ظهور الربح، أي ليس فيه تعليق على تملّك المالك للربح، و من ثَمّ للعامل، فيدخل النماء في ملك مالك الأصل ثمّ في ملك الغير، فالجعالة المزبورة على خلاف القاعدة، و إنّما التزم بصحّة المضاربة لضرورة الفقه.

و التعليق في الجعالة إنّما هو على العمل لا على ظهور الربح و لا على ملكيّة المالك الجاعل لنمائه، فلا تكون الجعالة على مقتضى القواعد.

و اجيب عن الإشكالات المزبورة

أمّا عن الأوّل- و هو أنّه تمليك فعليّ للمعدوم- بأنّه ليس ممتنعاً؛ لأنّ الممتنع هو تمليك المعدوم المطلق الذي لا تَوَقُّعَ لانوجاده قريباً. و أمّا إذا كان متوقّعاً قريباً فلا مانع عقلائيّاً من التمليك الفعلي له؛ إذ هو موجود بالقوّة، و قاعدة (لا تبع ما ليس عندك) محمولة على المعدوم المطلق أو تخصّص بالبيع.

و اجيب عن الأوّل أيضاً بالنقض بالإجارة، فإنّ فيها تمليك المنفعة و هي تدريجيّة الوجود، فليست موجودة بالفعل، بل موجودة بالقوّة بوجود العين، و ببيع الثمار قبل وجودها في موارد خاصّة.

و بإسقاط الخيار أيضاً، سواء انوجد الخيار المترتّب على وجود البيع معه زماناً أم تأخّر بالفاصل الزماني عن إنشاء البيع؛ إذ على كلا التقديرين الاسقاط هو قبل تحقّق البيع المسبّب عن الإيجاب و القبول بينما الاسقاط للخيار حين الإيجاب.

281

و أجيب عن الثاني: أنّ التعليق في الإنشاء مستند بطلانه الإجماع و هو لبّي لا إطلاق فيه.

و التعليق يقسّم إلى ثلاث صور

1- إمّا تعليق في أصل الإنشاء، و هذا لا يمكن القول بصحّته؛ لأنّ الاستعمال فعل تكويني يوجد بأسبابه التكوينيّة و لا يناط بأمر اعتباري، فالتعليق عليه ممتنع عقلًا.

2- و إمّا تعليق في المنشأ وجوده اعتباري، و هو خيف المئونة فلا يمتنع عقلًا، و إن أمكنه منعه تعبّداً فيقتصر على مقدار التعبّد.

3- و إمّا تعليق في مورد المنشأ، كقوله: «أنت وكيلي يوم الجمعة في بيع داري» و ليس التعليق هاهنا في إنشاء الوكالة و لا في المنشأ- أي: الوكالة- بل في مورد الوكالة و متعلّقها، فلا مانع منه أصلًا، بل صحيح إجماعاً.

و أجيب عن الثالث و هو كون النماء غير تابع للأصل:

أوّلًا: بالنقض بالإجارة، حيث أنّ النماء غير تابع للأصل فيها.

ثانياً: بالحلّ بأنّ اعتبار ملكيّة النماء للمالك يكفي فيه وجود النماء بالقوّة، كما هو الحال في الإجارة للعين سنة، فإنّ المنفعة السنويّة موجودة بالقوّة، فيصحّ اعتبار ملكيّتها بالفعل لمالك العين، فهذا النحو من الملكيّة من شعب السلطنة على العين، فلو لم تكن للمالك ملكيّة للعين لما استطاع أن يملّك النماء، فمالك الأصل في مال المضاربة و مورد الجعالة يملّك النماء الموجود بالقوّة للعامل، و لو كان متعلّق الملكيّة تعليقيّاً معلّقاً على وجود الربح.

ثالثاً: إنّ هذه القاعدة إمضائيّة و ليست تأسيسيّة و مفادها عند العقلاء اقتضائيّ، أي أنّ النماء تابع للأصل إذا لم يكن مانعاً في البين، و إلّا فالنماء لا يتبع ملكيّة الأصل كما في من يبيع عيناً و يستثني منفعة العين إلى عشرين سنة فلم تتبع ملكيّة النماء لملكيّة العين؛ لأنّ الشرط قد فارق بينهما و مانع عن التبعيّة، و الشرط صحيح و ليس بمخالف‌

282

للكتاب و السنّة، لما تقدّم من أنّ التبعيّة حكم اقتضائي لا فعليّ مطلقاً. و الحكم الاقتضائي يمكن رفع الشارع يده عنه بخلاف الفعلي المطلق.

أقول: و في الأجوبة المزبورة عدّة تأمّلات.

التأمّل على الأوّل

و هو تمليك المعدوم و النقض بالإجارة، ففيه البحث المعروف في بابها من أنّ الإجارة هل هي تمليك المنفعة فيلزم منه تمليك المعدوم، أو أنّ الإجارة تمليك العين في جهة خاصّة، أي بلحاظ جهة المنفعة؛ إذ لا يقول الموجب: «آجرتك المنفعة» بل «آجرتك الدار». نعم، ورد في الروايات: «بعتك منفعة داري»، فعلى أيّة حال النقض بالإجارة نقض مبنائي يبتني على القول بأنّ ماهيّة الإجارة تمليك المنفعة، و أمّا إذا قلنا إنّ حقيقتها تمليك العين على وجه مخصوص، يعني لأجل الانتفاع بها، فالعين موجودة غير معدومة، بل لو قلنا بأنّ الإجارة هي تمليك المنفعة، فالنقض أيضاً غير وارد؛ لأنّ النظر العرفي يرى المنفعة وجوداً بوجود العين؛ لأنّها قابلة لأن ينتفع بها.

و لذلك قال البعض بأنّ التمليك في الإجارة هو للقابليّة لا للمنفعة و لا للعين، و قابليّة العين لمنفعة سنة موجودة الآن.

و على أية حال، فالمنفعة لها نحو وجود متقرّر، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّ النماء (/ الربح) بالإضافة إلى الأصل- يعني رأس المال- ليس له هذا التقرّر التكويني، بل هو أشبه أن يكون من قبيل العوض و المعوّض، و ليس للعوض وجود قابلي أو وجود بالقوّة في المعوّض. و من ثمّ لا يتعلّق به الخمس، و لا يعتبر الربح موجوداً. و أمّا الربح المعتبر في زيادة القيمة السوقيّة للعين، فالزيادة لها وجود بالفعل كصفة للعين الماليّة و إن لم تقع عليها معاوضة بخلاف المقام.

التأمّل على الثاني- و هو التعليق-

في مسألة التعليق قولان:

283

الأوّل: إنّ المنع من التعليق تعبّدي، و مدركه الإجماع، و هو لبّيّ يقتصر على القدر المتيقّن. أمّا الموارد التي نشكّ في شمول الإجماع لها فالتعليق فيه جائز.

و الثاني: إنّ امتناع التعليق عقليّ، بخلاف التعليق في متعلّق المُنشأ- أي متعلّق متعلّق الإنشاء- كقول الموجب: «آجرتك داري في الشهر القادم»، و على ذلك فما تقدّم من الجواب الثاني بأنّ التعليق امتناعه لبّيّ، هو مبنائيّ كما أنّ نفس الإشكال كذلك، و سيأتي أنّ الأصحّ أنّ الامتناع عقلائي، و هو قول ثالث في المسألة.

التأمّل على الثالث

إنّ ما نحن فيه ليس من قبيل النماء و الأصل كما تقدّم، بل من قبيل العوض و المعوّض، و الربح و إن كان تابعاً للأصل عرفاً، إلّا أنّه بلحاظ مقارنة المعوّض مع العوض لا حقيقة؛ لأنّ الزيادة في العوض ليست نماءً متولّدة من المعوّض، بل هي تابعة للعوض حقيقة، فهذه التبعيّة مقايسة بلحاظ عنوان الربح التجاري. و أمّا بحسب قانون ملكيّة الأعيان و المنافع فليس نماءً. نعم، الأحرى تبديل إشكال السيّد الحكيم (رحمه الله) بأن يقال: إنّ في موارد المضاربة خلافاً لقانون المعاوضة بالتقريب التالي، و هو أنّ المعاوضة تقتضي دخول العوض في ملك من خرج منه المعوّض، و كذا العكس، و هو ما يعبّر عنه بتقابل العوضين في إضافة الملكيّة و تبديل فيها، و هذا المعنى في المعاوضة ذاتي لا يتخلّف عنه، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري (رحمه الله)، بخلاف من يرى أنّ مقتضى المعاوضة مجرّد التقابل بين العوضين في التمليك و إن لم يحلّ أحدهما محلّ الآخر.

فعلى المعنى الأوّل لا يدخل الربح في ملك العامل عند ظهوره، بل لا بدّ أن يدخل في ملك مالك المال أوّلًا ثمّ ينتقل إلى العامل، فدخول الربح في ملك العامل ابتداءً خلاف قانون المعاوضة، و أمّا لو بنى على دخوله بعد الظهور، فإمّا بنحو التعليق أو بنحو الفعليّة، و الثاني من تمليك المعدوم و الأوّل فيه محذور التعليق. هذا كلّه على القول في ماهيّة المعاوضات، كما هو الصحيح المحرّر في محلّه.

284

و أمّا على القول الثاني، فلا يتمّ هذا الإشكال، كما لا يخفى.

فهذه تأمّلات في الحيلة المزبورة، و اتّضح أنّ حكمها مبتن على تنقيح الحال في مفاد قاعدة لا تبع ما ليس عندك، و شمولها لموارد المضاربة و نحوها، و كذا تنقيح الحال في قاعدة بطلان التعليق في المعاملات، و أنّ في الجعالة البديلة عن المضاربة تعليقاً أم لا؟ فإنّ في تمليك الشي‌ء الجزئي الذي لم يوجد قضيّة منفصلة مانعة الخلوّ، حيث أنّه إمّا أن يكون تمليكاً فعليّاً فينطبق عليه قاعدة لا تبع ما ليس عندك أو تمليكاً تعليقيّاً على الوجود فينطبق عليه قاعدة بطلان التعليق، و حيث انتهى البحث إلى هاتين القاعدتين، فمن الحريّ تحرير الكلام فيهما، و قبل ذلك لا بدّ من الإشارة إلى ابتناء إحدى الحيل- البالغة الأهمّية، و الأوسع فائدة من غالب الحيل المطروحة في كلمات الأعلام- على تنقيح مفاد هاتين القاعدتين أيضاً، و هذه الحيلة- و قد تقدّمت (1)- هي: تصوير الودائع البنكيّة أنّها وديعة حقيقة لا قروض، و قد مال إليه السيّد الصدر (رحمه الله)، و بنى على إمكان تصوير ذلك خلافاً لما ذهب إليه مشهور متأخّري هذه الأعصار، و لما ذكره الشيخ الحلّي (2) حيث بنى على أنّها قروض لا ودائع بشواهد ثلاثة، و كلام الصدر (رحمه الله) ناظر إلى ما استدلّ به من الشواهد:

الشاهد الأوّل: إنّ الزبون أو الذي يتعامل مع البنك لا يحتفظ له البنك بشخص ماله، و هذا خلاف الوديعة.

الشاهد الثاني: إنّه لو كانت وديعة و تلفت عند البنك من دون تفريط، فلا يكون ضامناً، مع أنّ الارتكاز المعاملي البنكي الجاري على الضمان، و هو موافق مع القرض.

الشاهد الثالث: إنّ البنك يأخذ الأرباح و يدفع قليلًا منها إلى المتعامل.

____________

(1) في الحيلة الثامنة.

(2) في بحوث فقهيّة.

285

و أجاب الصدر (رحمه الله) عن تلك الشواهد بصياغتين:

الاولى: أن يقال: إنّ الودعيّ يعطي ماله للبنك كوديعة، و يأذن له في الاتّجار به كمضاربة، فهي وديعة مع الإذن في الاتّجار، فهما كشريكين. غاية الأمر يشترط الودعي عليه الضمان، و الضمان ليس من القسم الأوّل و الثاني، بل هو من القسم الثالث أو الرابع- المتقدّمة- أعني ضمان شرط الفعل أو تنزّل القيمة، و هذا لا يخالف المضاربة، و في الشركة أيضاً لا تنحفظ خصوصيّة المال للمالك مع أنّ الشركة ليست قرضاً، بل هي نوع إيداع من أحد الشريكين عند الآخر، و الضمان المشترط فيها بعد عدم كونه من القسم الأوّل و الثاني- بل ضمان شرط الفعل- فيغاير القرض، حيث أنّ الضمان فيه من قبيل القسم الأوّل وضعي من حين إعطاء القرض.

و عن الشاهد الثالث بإمكان جعل البنك الحصّة الكبيرة لعامل المضاربة، و يأخذ لنفسه الحصّة القليلة.

الثانية: و هي في الواقع من ابتكارات صاحب الجواهر و بَلوَرها السيّد الصدر (رحمه الله) (1) و بيانها: إنّ إعطاء الأموال إلى البنك ليس من الضرورة أن يكون قرضاً، بل شركة بنحو الكلّي في المعيّن لا بنحو المعهود من الكلّي الإشاعي، فصاحب الحساب المتعامل مع البنك يتعاقد معه بصيغة: اجعل مالي عندك، ككلّي معيّن في الأموال التي لديك لا إشاعي.

و الفرق بين الكلّي المعيّن و الكلّي المشاع يظهر في باب الخمس و الزكاة و البيع و الضمان و التلف و غيرها. و حقيقة الكلّي المعيّن و الإشاعي على أشهر الأقوال: إنّ كلّاً منهما خارجيّان و ليسا ذميّين. غاية الأمر في الكلّي المشاع في كلّ جزء جزء من المال يشتركان في الملكيّة، و أمّا المعيّن فماهيّته ملكيّة كلّي بدلي في مال معيّن خارجي كملكيّة صاع من الصبرة على البدل، كعموم بدلي لا عموم استغراقي كما في المشاع.

____________

(1) البنك اللاربوي/ 210.

286

و الجديد في كلام الجواهر إنّما هو إنشاء الشركة بنحو الكلّي في المعيّن ابتداءً، لا أنّه بتبع شي‌ء آخر، فعلى صحّة ذلك يصوّر السيّد الصدر (رحمه الله) الصياغة الثانية بأن يأذن هذا المودع للبنك في المضاربة و التعامل بمجموع المال المشترك بهذا النحو من الشركة. و يشترط المودع عليه أن لو أقدم البنك على تجارة خاسرة يجب أن يقابل الكلّي المعيّن في رأس المال مع العوض في التجارة الخاسرة بنفسه و الخسارة تكون في غير الكلّي.

مثال ذلك: البنك له مائة دينار، و المودع له عشرة دنانير، فيقع من البنك في معاملاته خسارة، كمأة دينار بثمانين، و يكون المودع قد اشترط في بدء الشركة مع البنك أنّه إذا أقدم على تجارة خاسرة فالخسارة لا تقسّط، بل تكون كلّها على العامل، و هو البنك، و إن كان هناك ربح فبالنسبة، و يهب الباقي له، و بالتالي لن يكون هناك خسران يتحمّله المودع، و سوف يشترك في الربح، و هذا طريق و حيلة لبقاء الودائع على حالها.

و الفارق بين الكلّي في المعيّن و الكلّي الإشاعي هو أنّ الثاني لو لم يجرِ عليه التعاوض و تلف منه شي‌ء يكون التلف بالنسبة من كلا الطرفين- أعني أصحاب الشركة- و لو نمى يكون بالنسبة إلى كلا الطرفين أيضاً. و أمّا الأوّل، فإذا تلف منه شي‌ء لا تسري الخسارة إلى صاحب الكلّي في المعيّن، و إنّما تختصّ بصاحب المجموع و إذا نمى يكون النماء لصاحب المجموع، و لذلك قالوا: إذا تلفت الصبرة و بقي منها صاع، فالصاع يسلّم لصاحب الكلّي في المعين.

و أمّا في التعاوض فقالوا بأنّه يشترك الكلّي الإشاعي مع الكلّي في المعيّن في الربح و الخسارة، أمّا في الكلّي الإشاعي فواضح، و أمّا في الكلّي في المعيّن فالربح يكون بنسبة الكلّي إلى المجموع، و كذلك الخسارة.

و لكن قد يقال: ما الفرق بين التعاوض و غيره، و لِمَ لا يقال في الكلّي في المعيّن كالكلّي الإشاعي، غاية الأمر نماؤه في الربح بدليّ، كما أنّ مقتضى القاعدة في‌

287

التعاوض في الكلّي في المعيّن أن يكون الربح لصاحب الكلّي بحسب نسبته الكسريّة، غاية الأمر ليست إشاعيّة، و هذا غير ما يريده الصدر (رحمه الله)، فلولا الشرط تكون الخسارة عليهما بحسب مقتضى القاعدة، و بالاشتراط تكون الخسارة على صاحب المجموع لا على صاحب الكلّي، و صيغة الاشتراط أن يقول: إنّ عشرة الدنانير في المائة ليس لك أن تعاوضها بغير العشرة، بل بها فما زاد.

ففي المعاملة التي يقع فيها خسارة ليس لك أن تعاوضها بأقلّ، و تكون الخسارة في مالك لا في مالي و هذا شرط غير مخالف للكتاب و السنّة؛ إذ مآله عدم الإذن في المعاوضة بنحو معيّن. و أمّا كون أكثر الأرباح للبنك فيمكن تصويرها بتمليك صاحب الكلّي أرباحه بعد تملّكه لها باشتراط كونها ملكاً للبنك مآلًا، و التعليق هاهنا في الشرط لا إشكال فيه؛ إذ لا إجماع قائم على بطلانه، كما ذهب إلى ذلك المحقّق النائيني (رحمه الله)، فالشرط هاهنا تمليك صاحب الكلّي مقداراً من الأرباح للبنك معلّقاً على تملّكه.

و في هذين الوجهين عدّة من الإشكالات، بعضها صغروي و الآخر كبروي‌

أمّا الصغروي منها، فهو ما ذكرناه في الحيلة التي ذكرها المرحوم الصدر- في كتابه كوجه أساسي للتخلّص عن الربا، حيث قال: «إنّ البنك يكون وكيلًا عن قِبل أصحاب الأموال لإيقاع المضاربة مع أصحاب الأعمال، فليس في البين قرض، و إنّما هي وكالة في الأخذ من أصحاب الأموال لإيقاع المضاربة مع أصحاب الأعمال- من أنّه ليس من وكالة متحقّقة في البين؛ لأنّ المال المتداول ليس نقديّاً، بل الغالب الأكثر فيه هو في الذمّة و صاحب الأموال لا يعطى النقد للبنك، فغالب الأموال ذمم مثل الصكّ و الحوالة، فيتملّك في ذمّة البنك هذا المقدار، و على هذا البنك لا يكون وكيلًا، بل يكون مديناً.

هذا في العلاقة التي بين البنك و أصحاب الأموال أنّها دين لا وكالة في أعيان الأموال.

و كذلك العلاقة بين البنك و أصحاب الأعمال ليست وكالة في المضاربة أو عقود‌

288

جائزة اخرى، و إنّما هي ديون أيضاً؛ لأنّ أصحاب الأعمال إنّما يتداولون في أعمالهم بالتعامل على ذمّة البنك، و يستوفي البنك لكلّ منهم ممّا له في حسابه من ذمّة البنك.

و هذه خاصيّة الدين لا الوكالة في أعيان الأموال، فالتعامل بعوض في الذمم لا محالة يكون ذلك العوض وجوده السابق على المعاملة في الذمّة من باب الدين و القرض، فتصوير الوديعة في كلا الحلّين ممتنع صغرويّاً.

أمّا الإشكالات الكبرويّة فبعضها مبنائي و بعضها بنائي.

1- إنّه في الحيلة الاولى صحّة شرط الضمان فيها مختلفة، و قد ذكرنا أنّه في المضاربة يشكل اشتراط الضمان من المالك على العامل، و لو بالقسم الثالث أو الرابع من الضمان، و من المحتمل التزام المشهور بذلك.

2- إنّ الحيلة الثانية مبتنية على التعليق، و سيأتي أنّ مقتضى دليل بطلان التعليق شامل للعقود و الشروط.

3- إنّ في الحيلة الاولى تمليك المعدوم؛ لأنّ البنك فيها ليس عامل المضاربة بل و دعي وسيط بين صاحب المال و عامل المضاربة، فاشتراط تمليك صاحب المال نمائه للبنك- تمليكاً فعليّاً- تمليك للمعدوم؛ لأنّ الأرباح لم تظهر حين التعاقد مع البنك، مضافاً إلى مخالفتها لقانون ماهيّة المعاوضات- الذي تقدّم ذكره- فتبيّن أنّ الحيلتين نظير الحيلة الثانية عشرة يعيق صحّتهما قاعدتا التعليق و لا تبع ما ليس عندك، فلا بدّ من البحث عنهما مختصراً.

289

بحث في التعليق

و الأقوال فيه مختلفة:

الأوّل: إنّ التعليق ممتنع عقلًا مطلقاً حتّى في الوكالة الإذنيّة التي ليست عقداً لعموم المانع العقلي.

الثاني: إنّه ممتنع شرعاً، و يفصّل بين الشرط و العقد، فيجوز في الأوّل دون الثاني، أو يفصّل بين ما ثبت منعه شرعاً فغير صحيح و ما لم يثبت فصحيح.

و استدلّ الشيخ الأنصاري (رحمه الله) على بطلان التعليق بوجوه خمسة في بحث شرائط صحّة العقد (بحث التنجيز) عمدتها الإجماع التعبّدي و الباقية إمّا غير تامّة أو تامّة غير مثبتة للمدّعى مطلقاً، بل بنحو القضيّة الجزئيّة.

لا بدّ من تحرير محلّ البحث، هل هو التعليق في اللفظ أو هو التعليق في المعنى و اللبّ...؟ و التعليق في اللبّ هو إناطة الشي‌ء بشي‌ء آخر واقعاً، و إن لم يبرز باللفظ، كقوله: «بعتك ما أرِثه من أبي»، فهاهنا لا تعليق في اللفظ بل في المعنى؛ إذ لا يتملّك الإرث إلّا بعد موت أبيه، أمّا التعليق في اللفظ فكقوله: «بعتك هذا الكتاب إن كان ملكاً لي»- و هو ملكه واقعاً- أو يقول: «بعتك إن كان اليوم هو يوم الجمعة»- و هذا هو يوم الجمعة- فليس تعليق في المعنى. و مثال اجتماع التعلقين واضح.

و هناك شقوق اخرى للتعليق أيضاً: التعليق إمّا على أمر حالي أو استقبالي، و كلّ منهما إمّا معلوم الحصول أو مجهول الحصول، كما أنّ التعليق إمّا في الإنشاء أو المنشأ- أي المسبّب- أو في متعلّق المُنشأ، أي في مورد الوكالة مثلًا.

290

كما أنّ التعليق إمّا على شروط شرطيّتها شرعيّة أو لا، مثل: «إن كانت هذه زوجتي فهي طالق»، و الطلاق متوقّف على الزوجيّة شرعاً بخلاف مثل: «إن كان هذا يوم الجمعة فبعتك ذا بذا»؛ إذ شرطيّة اليوم ليست من القيود الشرعيّة.

و الوجوه الخمسة من كلام الشيخ (رحمه الله) هي:

الوجه الأوّل: ما نقله عن الشهيد الأوّل و هو منافاة التعليق مع الجزم.

و تأمّل فيه: بأنّه لا يدلّ على تمام المدّعى؛ لأنّه يختصّ بالتعليق على أمر مجهول كي يكون غير مجزوم به، و أمّا ما كان على أمر معلوم، سواء حالياً كان أم استقباليّاً، فلا مجال للتردّد عدم الجزم، فهو أخصّ من المدّعى.

و فيه إشكال آخر: و هو أنّه مبتنٍ على اعتبار الجزم في العقود بقول مطلق، مع أنّه قد يقال: إنّ الموجب- مثلًا- إذا أوجب البيع، و علّق إيجابه على قبول المشتري، فلا يبعد صحّته مع أنّ فيه نوعاً من التردّد. و كذا لو طلّق امرأته على أنّها زوجته فهو متردّد أيضاً بهذا المقدار، بل لو لم يعلّق في اللفظ و قال هي طالق، فهو بنفس الدرجة من التردّد و الإذعان.

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الجزم في ما نحن فيه موجود، غاية الأمر جزم معلّق على شي‌ء ما، فالبيع من جهة فعليّته محلّ تردّد، و أمّا على تقدير التعليق فهو ملتزم به التزام جزمي.

لكنّ الظاهر أنّ الإشكالات الأخيرة ليست في محلّها. أمّا الإشكال الأوّل فهو و إن كان تامّاً إلّا أنّه لا يضعّف الوجه المزبور؛ لأنّه مثبت للمدّعى و لو في الجملة و مقتضٍ للتفصيل. و أمّا الإشكال الثاني بشقوقه فلأنّ الناظر في التقنين العقلائي و ارتكاز المتشرّعة يجد أنّهم لا يسوّغون الإنشاء مع الترديد و الشكّ، و لا بدّ لديهم من الجزم، و النكتة في شرطيّة الجزم في العقود امور:

منها: إنّ العقد فعل من أفعال الفاعل المختار و ما لم تصل الإرادة إلى حدّ البتّ و الجزم، فلا يصدر منه الفعل، فالأفعال التكوينيّة لا تكون إلّا عن إرادة حتميّة،

291

و كذلك الأفعال الاعتباريّة بمقتضى تطابق الاعتبار مع التكوين و المقصود من الفعل الاعتباري ليس هو التلفّظ و الاستعمال، فإنّه فعل تكويني لا يقبل التعليق، و من ثمّ تطابقت كلماتهم على استحالة التعليق في الإنشاء، بل المراد من الفعل الاعتباري هو المنشأ، فإذا لم يكن المتكلّم المنشئ مريداً له بنحو البتّ فلا يصدر منه، بمعنى أنّ العقلاء لا يعتبرون أنّ الفعل قد أوجد من قبله، و هذا الوجه لا بأس به في الجملة، و سيأتي تتمّة له ترميماً، و هو قريب لما ذكره السنهوري في مصادر الحقّ.

و منها: إنّ التردّد لا يجتمع مع الالتزام و التعهّد المفروض في العقود و المعاملات؛ إذ العقود مركّبة من أمرين: (الصحّة و اللزوم)، و الصحّة هي وجود ماهيّة المعاملة، و أمّا اللزوم فهو بقاؤها من دون قابليّتها للانتقاض، و من البيّن مضادّة الترديد- سواء حصل من التعليق أم غيره- للجزم المأخوذ في ماهيّة التعهّد و الالتزام، فالجزم في العقد ذاتي، غاية الأمر الجزم معلّق على شرائط العقد.

أمّا الإشكال الأخير، و هو أنّ التعليق لا ينافي الجزم، فهو تامّ، حيث أنّ الموجب يريد جدّاً و بتّاً ماهيّة البيع التي تتقوّم بأركان منها المعلّق عليه. و الوجه في ذلك أنّ الموجِب يلتزم بالبيع مع حصول المعلّق عليه في قوله: «إن جاء زيد فبعت هذا بهذا» فهو إنشاء للالتزام، و لكن مقدّر لا مطلق، و لذلك ترى العرف يلومون الموجِب لو لم يلتزم بما أنشأه كما لو قال: «إن جاء زيد فكتابي هذا- الموجود عندك- هديّة لك»، ثمّ لم يلتزم الموجِب بذلك، فإنّه يقال له: «أ لم تعد و تتعهّد بهديّة الكتاب إذا جاء زيد؟» و هذا القول منه كاشف عن كون الإنشاء المزبور التزام معلّق و إن كان غير فعلي محقّق، كما في الجعالة (من ردّ عبدي فله كذا) حيث يعلّق التزامه الجدّي على العمل.

فهذا الإشكال و إن كان تامّاً على الوجه المزبور، لكنّه لا يخدش في الكبرى شرطيّة الجزم في العقود. و على أي حال، هذا الوجه بمفرده لا يثبت تمام المدّعى إلّا مع تماميّة الوجوه الآتية.

الوجه الثاني: في بطلان التعليق هو الإجماع، و كثير ممّن ناقش في الوجوه‌

292

ارتضى الإجماع التعبّدي، و أصرّ عليه الشيخ (رحمه الله)، و حيث أنّ الإجماع لبّيّ، فالقدر المتيقّن منه في غير الشروط، و في الشروط يجوز التعليق.

و استشكل البعض في تحقّق الإجماع بعد ما ذكر الفتاوى في الوكالة- ممّا يظهر منها جواز التعليق فيها- و بأنّه مدركي لذِكرهم وجوهاً عقليّة أو عرفيّة في بطلانه، فكونه تعبّدياً مشكل مع عدم تماميّة تلك الوجوه.

و لا بدّ من التنبيه على نكتة لطيفة في الإجماع، لا سيّما عند القدماء، و هي أنّ الإجماع إمّا أن يكون كاشفاً عن السيرة فهو التعبّدي، و إن لم يكن كاشفاً عن السيرة، فهو موجب للفحص و التوقّف عن العمل بمقتضى القاعدة أو العمومات إلى أن يستتمّ التتبّع في أطراف المسألة؛ لأنّه موجب لمظنّة وجود وجه تامّ قد اعتمدوا عليه، لا سيّما المنعقد عند الطبقة الاولى و الثانية لأنّه يكون منبّهاً على وجود نكتة و دليل، و إن لم يستظهره المتأخّرون، لا أنّه لم يصل إلى المتأخّرين ففائدته أنّه يلزم بالفحص بنحو أوسع لاستخراج تلك النكتة؛ لأنّ اتّفاقهم على شي‌ء بعيد جدّاً أن يكون بمحض الصدفة أو متابعة بعضهم لبعض، و ليس مرادنا من تلك الفائدة أنّه يكون حجّة، بل المراد كونه منبّهاً و موجباً لحدوث الظنّ و عدم اليأس من العثور على دليل في المسألة، و بالتالي يكون مانعاً من التمسّك بمقتضى القاعدة أو العمومات؛ لأنّ حجّيتها مشروطة- كما هو محرّر في محلّه- باستتمام الفحص و اليأس عن دليل مقدّم على العمومات. فتحصّل أنّ الإجماع في الشقّ الثاني منبّه على وجود الاستظهار الخاصّ من الدليل الموجود في أيديهم و أيدينا و لو في مبانٍ اخرى.

الوجه الثالث: إنّ الإنشاء المعلّق محال عقلًا؛ لأنّ الإنشاء إيجاد و لا يمكن فيه التعليق، فإنّ الشي‌ء إمّا أن يوجد فعلًا أو لا يوجد.

و أجاب عنه الشيخ (رحمه الله) بأنّ هذا توهّم بارد؛ لأنّ الذي نريد أن نعلّقه ليس الإنشاء بمعنى استعمال اللفظ فإنّه تكويني لا يمكن فيه التعليق، فإمّا أن يوجد أو لا يوجد، بل المراد تعليق المُنَشإ- كالبيع مثلًا- و كم له من نظير كما في الجعالة و الوصيّة.

293

و قيل: إنّ التعليق في الإنشاء ليس بمحال نظير الحرمة المعلّقة في مثل قوله:

«العصير العنبي إذا غلى يحرم»، و نظير الواجب المشروط حيث تقيّد الهيئة لا المادة.

و ليس من اللازم في التعليق ذكره في اللفظ مثل: «إن جاء يوم الجمعة بعتك»، بل قوله: «بعتك يوم الجمعة» و إن لم يكن فيه صورة التعليق لكنّه لبّاً كذلك.

و فيه: أنّه غفلة واضحة؛ إذ الإنشاء بمعنى استعمال اللفظ لم يقع فيه التعليق، بل هو في المنشأ، و قولهم: إنّ القيد يرجع في المشروط إلى الهيئة لا يريدون منه نفس التلفّظ بالهيئة، بل يعنون بذلك المنشأ و مفاد الهيئة كالوجوب، أمّا المادة فليست هي المنشأ، بل متعلّق المنشأ كشرب العصير.

الوجه الرابع: إنّ ظاهر (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) اللزوم و وجوب الوفاء المنجّز بمجرّد العقد، و في موارد التعليق لا يكون الوجوب منجّزاً؛ إذ المفروض أنّ البيع لا يلتزم به إلّا بعد حصول المعلّق عليه، فهناك فاصلة بين العقد و هو الإيجاب و القبول اللفظيّين- و بين وجوب الالتزام، مع أنّ ظاهر الآية الشريفة أنّه بمجرّد العقد يجب الوفاء.

و أجاب الشيخ (رحمه الله) عنه بأنّه إن سلّم ذلك في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فلا يسلّم في (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) (1)؛ لأنّ (أَحَلَّ) معناه أنّ البيع سائغ يمضيه الشارع كيف ما انشئ، منجّزاً أو معلّقاً، فبعد حصول المعلّق عليه يمضيه الشارع بوجوده المنجّز أو بوجوده المعلّق، فإن كان يرد هذا الإشكال في أدلّة اللزوم فلا يرد في أدلّة الصحّة في الإنشائيّات، فإنّ أدلّة الصحّة موضوعها البيع العرفي و الماهيّة العرفيّة لا الوجود الشرعي؛ إذ لا يمكن أن يصحّح الشارع الوجود الشرعي للماهيّة، فإنّه تحصيل للحاصل، بل الشارع يصحّح الوجود العرفي. و هذا بخلاف أدلّة اللزوم، فإنّ موضوعها الوجود الشرعي للماهيّة؛ لأنّ الشارع لا يلزم بالماهيّة الموجودة بمجرّد‌

____________

(1) سورة البقرة 2: 275.

294

الوجود العرفي من دون أن يعتبرها موجودة لديه، و قد نقّح ذلك في تحقيقات المحقّق الاصفهاني في حاشيته على المكاسب، و إجابة الشيخ (رحمه الله) ناظرة إلى ذلك، و من ثمّ قال: بتسليم الاشكال في أدلّة اللزوم، حيث لا بدّ من وجود اللزوم بمجرّد العقد، فمع عدم وجود الماهيّة عرفاً في موارد التعليق لا يتحقّق اللزوم، هذا بخلاف أدلّة الصحّة؛ لأنّ الشارع اعتبر و أمضى الماهيّة العرفيّة الموجودة أين ما توجد و لو معلّقاً، فبعد تحقّق المعلّق عليه يشملها عموم (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ).

و محصّل هذا الوجه أنّ ظاهر الأدلّة تنجّز مفاد العقد و آثاره المترتّبة بمجرّد العقد من دون انفكاك. هذا ملخّص الوجه الرابع، و ارتضاه الشيخ (رحمه الله) في أدلّة اللزوم دون أدلّة الصحّة. و هناك تتمّة ستأتي.

الوجه الخامس: ربّما يكون عبارة اخرى عن الوجه الرابع، و هو أنّ الأدلّة الشرعيّة منصرفة عن العقود التعليقيّة، و هذا نظير الدعوى في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) بأنّها تشير إلى العقود المعهودة، فإذا استجدّ عقداً جديداً فلا تشمله.

و ضعّفه الشيخ (رحمه الله) بأنّ (ال‍) في العقود ليست عهديّة، بل هي حقيقيّة، و لذا لو أتى عقد و لم يندرج تحت العقود المعروفة فتشملها (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، و فيه مجال واسع للبحث يأتي.

و هناك بيان آخر للوجه الرابع عن المحقّق النائيني، و هو أنّ في العرف و الشرع ليس المعود لديهم إنشاء العقود معلّقاً، فالتعليق على خلاف المتعارف لديهم، و أدلّة اللزوم موضوعها البيع الشرعي، و موضوع أدلّة الصحّة هو المعاملة العرفيّة بوجودها العقلائي، كما تقدّم، و المعاملة العرفيّة و المسبّب عندهم سببه هو المسبّب عند المتعاقدين، أي أنّ اعتبار ماهيّة المعاملة مثل مبادلة مال بمال- كمسبّب- سببه اعتبار هذا المعنى عند المتعاقدَين، أي المسبّب في افق اعتبار المتعاقدَين، و المسبّب عندهما سببه الإيجاب و القبول، فهذه مراتب من الأسباب و المسبّبات متوالية، فما هو السبب للبيع العرفي هو المسبّب عند المتعاقدَين، المتولّد من الإيجاب و القبول‌

295

لا من التعليق، و هذا هو مراد النائيني (رحمه الله) من أنّ العرف لا يعتبر البيع التعليقي و لا يقنّنه بخلافه في الجعالة.

و ملخّص الوجوه السابقة أنّه من جهة عقليّة لا امتناع في التعليق، فالتعليق ممكن عقلًا و قابل للتصوّر. نعم، هناك وجه لبطلانه مفاده أنّه خلاف البناء العقلائي و الأدلّة الإمضائيّة (/ أدلّة الصحّة)، و أنّ موضوع الأدلّة الإمضائيّة هي العقود التنجيزيّة.

و لعلّ ذلك هو مراد القائل في الوجه الرابع و الخامس من أنّ التعليق ليس في نفسه ممتنع، حيث أنّ التعليق في الإنشاء بمعنى المنشأ لا بمعنى استعمال اللفظ غير ممتنع، و لكنّه غير صحيح من جهة اخرى، و هي أنّ العقلاء أو الشارع حيث يضعون الشروط (/ السبب) الموجدة إلى ماهيّة معامليّة بحسب الحِكم و المصالح في الشرائط و في أركان العقد، مثلًا: يقنّنون أنّ العقد لا بدّ أن يشتمل على الإيجاب و القبول و رضى المتعاقدَين و العلم بالعوضين، أي أنّ صحّة المعاملة منوطة بتلك الشرائط، فهاهنا تعليق في القانون العقلائي للصحّة على الشرائط، و كذلك الحلّ معلّق على الشرائط الشرعيّة، و لا يخفى أنّ بين الشرائط الشرعيّة و العرفيّة وجه اشتراك و وجه اختلاف.

فوجه الاشتراك أنّ اعتبار الشرائط عند العرف و الشرع إنّما هي شرائط لاعتبار المعاملة عند كلّ منهما، لا بمعنى إلغاء العقلاء أو الشرع اعتبار المتعاقدَين حقيقة إذا لم يتوفّر على الشرائط؛ إذ اعتبار كلّ معتبر بيده لا بيد غيره، بل مآل هذه الشرائط إلى أنّ العرف و العقلاء لا يعتبرون بيع المتعاقدين و اعتبارهما إلّا بعد توفّره على الشرائط، فحينئذٍ يعتبر العقلاء ما اعتبره المتعاقدان، و معنى اعتبار العقلاء لذلك البيع وجوده في عالم الاعتبار العقلائي بعد ما وجد في عالم اعتبار المتعاقدَين الخاصّ، و كذلك الحال في اعتبار الشارع بعد توفّر الشرائط الشرعيّة الزائدة على الشرائط العقلائيّة، فمآله إلى اعتبار الشارع ما اعتبره العقلاء عند توفّر الشرائط التي اشترطها الشارع، فهو تصرّف في اعتباره و تحديد له و اعتبار كلّ معتبِر هو وجود المعتبَر لديه،

296

فهو يتصرّف و يقيّد اعتبار المعتبِر لديه لا الذي لدى غيره، و بذلك يتّضح أنّ وجود البيع العقلائي مرهون بتوفّر البيع في افق اعتبار المتعاقدين على الشرائط العرفيّة، كما أنّ البيع الشرعي مرهون بتوفّر البيع العرفي على الشرائط الشرعيّة، فهي سلسلة اعتبارات و معتبرات متتالية مترامية.

و قد قرّر في بحث الصحيح و الأعمّ أنّ الصحّة في المعاملات ليست بمعنى التمام، بل بمعنى الوجود، و أمّا الفساد فهو بمعنى العدم في المسبّبات؛ لأنّ الماهيّة المسبّبية إمّا تنوجد أولا تنوجد. نعم، الصحّة في المعاملات في الأسباب قابلة للتمام و النقص، فيقال: الإيجاب و القبول تامّان أو ناقصان، فالشرائط الشرعيّة أو العرفيّة دخيلة في وجود تلك الماهيّة لدى الشرع أو العرف.

و بذلك يتّضح أنّ التعليق و الاناطة على امور لديهم ليست اقتراحيّة، سواء عند الشارع أم عند العقلاء، و من ثَمَّ إذا تخلّف المتعاقدان عن تلك الشرائط لا يعتبر العرف العقد موجوداً و لا الشرع. فلا بدّ للمتعاقدَين أن يتقيّدا بالطريقة المقنّنة المشرّعة لدى العقلاء كي يعتبره العقلاء بيعاً- مثلًا- و كذلك عند الشرع لكي يعتبره الشرع موجوداً، و التقنين المزبور لديهم كما تحتوي على الشرائط المقرّرة يحتوي على نفي ما زاد، أي أنّ شرائط الصحّة هي المعيّنة المقرّرة و لا تناط بشي‌ء وراء ذلك.

فالشرائط المزبورة تامّة السببيّة لإيجاد المسبّب، فإذا انيط المسبّب بأمر وراء تلك الشرائط- مقترح من المتعاقدين، مثل مجي‌ء زيد- كان ذلك إلغاءً للقانون المقرّر و من قبيل التقنين الجديد غير المعتبر لديهم، فلا يندرج في اعتبارهم القانوني و لا يعتبرون البيع موجوداً بحسب ما قرّروه من قانون في المعاملة لا أنّه ممتنع عقلًا، بل لا يعتبره العقلاء أو الشارع، و شرائط الصحّة تعني شرائط الوجود، فإذا افترض المتعاقدان إناطة وجود البيع بمجي‌ء زيد و نحوه فهذا خروج عن التقنين، و كلمات الأعلام المتقدّمة تكاد تفوح بهذا المعنى إلّا أنّه لم يضبط بعبارة صناعيّة.

فمثلًا عبّر النائيني بأنّه خلاف المألوف، كذلك من قال إنّه خلاف ظاهر الأدلّة، و أنّ‌

297

الأدلّة مفادها العقد المنجّز، فكلّ هذه العبائر يشير إلى ما قلناه. و من ثمّ ذهبوا إلى جواز التعليق على الشرائط الشرعيّة؛ لأنّ العقد في نفسه منوط بها دون الشرائط الشرعيّة أو العرفيّة؛ لأنّه إناطة للبيع بشي‌ء غير منوط به في قانونهم، فهو تقنين جديد، و هذا الأمر المعلّق عليه المقترح من المتعاقدين ليس موجداً للبيع العرفي، مثل: «إن خرجت امرأتي إلى السوق فهي طالق»؛ إذ ليس منوطاً بخروج المرأة، بل منوط بكونها زوجة في طُهر، و غيرها من الشرائط.

و هذا بخلاف ما لو قال: «إن كانت هند زوجتي فهي طالق»؛ لأنّ الطلاق منوط بكون المطلّقة زوجة للمطلِّق، و أمّا الامور الاخرى المعلّق عليها المقترحة فإنشاء العقد أو الايقاع بالتعليق عليها هو جعل لسببيّتها لإيجاد البيع أو الطلاق، و نفي لتماميّة سببيّة الإيجاب و القبول. و الحال أنّ الأمر المقترح ليس بموجب للبيع عندهم، فبذلك يتّضح انّ لا فرق في البطلان بين التعليق على أمر مقترح معلوم التحقّق أو مجهول التحقّق. فيوم الجمعة- مثلًا- ليس سبباً و موجداً للبيع، و من ثمّ احتيج لصحّة النكاح- المُنشَإ لدى الملل الاخرى- إلى إمضاء زائد من قِبل الشارع بقوله: «لكلّ قوم نكاحاً»، و معناه: أنّ عندهم للقِران بين الرجل و المرأة أسباباً ينوجد بها النكاح و لا ينوجد بها عندنا لكنّه أمضاها، و هذا ممّا يدلّل على اختلاف التقنينات في أجزاء و شرائط السبب الموجد للمسبَّب، فالتعليق على أمر مقترح كإيجاد النكاح بطريق غير مقرّر عندنا.

فالنكتة في بطلان التعليق ليست في محذوريّة التعليق من حيث التعليقيّة، و لذلك جوّزوا التعليق على الشرائط الشرعيّة الدالّ على عدم امتناع التعليق في نفسه. فليس مفاد إنّ الشرطيّة مخلّ بالإنشاء، و كذا سائر أدوات الشرط، بل المحذور مطويّ في التعليق على أمر ليست المعاملة معلّقة عليه. نعم، لا بدّ من الإشارة هاهنا إلى أنّ اشتراط الخيار- مثلًا- معلّقاً على مجي‌ء زيد، فلا إشكال فيه؛ لأنّ العرف و الشرع جعل المتعاقدين في فسحة من اشتراط الخيار في أي فرض شاءا.

298

هذا كلّه في ما إذا كان الإنشاء بصورة التعليق لفظاً أو لبّاً، سواء كان التعليق على أمر معلوم التحقّق أو مجهوله، حالي أو استقبالي.

بقي تقرير آخر: و هو أن لا يأتي بصورة التعليق، بل يقول: «بعتك الدار يوم مجي‌ء زيد أو يوم الجمعة»، أي إتيان الشي‌ء المعلّق عليه بصورة الظرف أو القيد لا التعليق.

و قد بحث فيه الأعلام و ذهب النائيني (رحمه الله) إلى أنّ حكمه كالتعليق، و علّل ذلك بأنّ القيود طُرّاً شروط و الشروط طرّاً قيود، و الجملة الحمليّة ترجع إلى الشرطيّة و بالعكس، فهذا التقدير (/ أي التقييد الظرفي غير التعليقي) يرجع إلى التقدير الأوّل مطلقاً، و لكنّه ليس بتامّ، و الوجه فيه أنّ التقييد في الحمليّة يختلف عن التقييد التعليقي في الشرطيّة، و أنّ الجملة الحمليّة لا ترجع إلى الجملة الشرطيّة التعليقيّة.

نعم، الجملة الحمليّة ترجع إلى الشرطيّة التي بصورة الشرط، و ليست شرطيّة، و يطلق عليها عند الاصوليّين بالفرض عند الفرض كالمصدّرة ب‍ (إذا)- الظرفيّة- فهي حقيقة ظرفيّة يعني في ظرف مجي‌ء زيد يتحقّق الجزاء.

و ذهب غير النائيني إلى المغايرة بين التقييدين، و هذا هو الصحيح لاختلافه لبّاً عنه، إلّا إذا كانت هناك قرائن معيّنة دالّة على أنّ القيد غير التعليقي يراد منه القيد التعليقي، و لكنّه خروج عن البحث و الفرض. و محلّ الكلام في القيد غير التعليقي صورة و لبّاً، فلنا دعويان:

الاولى: إنّه ليس تعليقاً، فلا يُبطل من هذه الجهة.

و الثانية: إنّ بعض صوره باطل لجهات اخرى، و لا بدّ بيان ضابطة تلك الجهات.

أمّا الدعوى الاولى: فلأنّ القرض لبّاً ليس تعليقاً و إناطة للمنشأ، بل المُنَشإ قد أنشئ بنحو يكون فعليّاً و إن كان متعلّقه أمراً استقباليّاً، فقول الموجب: «أنت وكيلي يوم الجمعة» وكالة فعليّة متعلّقها مورد فعلٍ يوم الجمعة، و كذا قول الموجِب: «بعتك الدار يوم الجمعة» نظير تصريحه «بعتك الآن الدار يوم الجمعة»، فهو بيع فعلي للدار المحصَّصة بذلك القيد.

299

الدعوى الثانية: إذا لم يكن التقييد المزبور تعليقيّاً كما أنّه ليس قيداً للماهيّة المعامليّة و لا لإيقاع المعاملة فلا بدّ أن يكون قيداً لأمر ما، فالمحقّق النائيني (رحمه الله) يدّعي أنّه قيد لها، و يرجعه إلى السابق، و أمّا- بناءً على ما تقدّم من أنّ الصحيح عدم رجوع الحمليّة إلى الشرطيّة- فهو قيد لمتعلّق الماهيّة المعامليّة لا لنفس الماهيّة الإنشائيّة، فالقيد لا يرجع إلى نفس (آجرت) أو (طلّقت)، بل يرجع إلى متعلّقاته الاخرى.

ففي الموارد التي ليس القيد تعليقيّاً، أي ليس راجعاً إلى ماهيّة معامليّة، بل راجع إلى متعلّق الماهيّة و موردها و موضوعها يتبيّن ثبوت الدعوى الاولى، أي أنّ المحذور ليس في التعليق، بل البطلان على القول به في بعض الصور هو لمانع آخر، و هو عدم قابليّة المتعلّق للتقييد بخلاف ما إذا كان قابلًا لذلك. و هذا محذور آخر غير التعليق.

أمّا الضابطة في بيان قابليّة المتعلّق للتقييد و التحصيص و عدم قابليّته فنقول: إنّ الملكيّة لا بدّ أن تنشأ مطلقة غير مقيّدة بزمان، فقول الموجب: «هذا ملكك يوم الجمعة» إن عنى ملكيّته لها مضيّقة بيوم الجمعة، فهذا لا محصّل له، إلّا بتضييق السبب للملكيّة بيوم الجمعة و انعدامه يوم السبت، و أمّا مع فرض وجود السبب بنحو مطلق فلا يُعقل وجود المسبّب بنحو مقيّد، فالملكيّة تبدأ في الوجود بوجود سببها لا بقيد أو حدّ زماني وراء وجود السبب.

و الوجه في ذلك أنّ الأعيان لا تتحصّص في وجودها الجوهري بالزمان من حيث وجودها الجوهري، و إن تحصّصت من حيث العوارض، فلا تتعدّد في أصل ذاتها بلحاظ الزمان، و إن تعدّدت في أوصافها بلحاظه، و هذا بخلاف باب الإجارة، فإنّ منفعة العين تتعدّد بتعدّد الظرف الزماني و بتبعها تكون ملكيّة المنفعة قابلة للتقييد.

ففي إيجاب الإجارة يقول: «آجرتك داري الآن بكذا لسكنى الشهر القادم»، و كذلك الحال في الوكالة، يقول الموجب: «وكّلتك الآن في فعل كذا يوم الجمعة»، و أمّا في نقل الأعيان فالملكيّة مطلقة بإطلاق السبب، و بإطلاق وجود العين و ملكيّة الأعيان غير الزمانيّة فلا يمكن تقييدها به بنحو الظرف الزماني إلّا بتقييد سببها كما في التعليق،

300

و إلّا فمع وجود السبب بنحو مطلق، و هو البيع عند المتعاقدين المترتّب عليه البيع العرفي، و المترتّب عليه الآخر هو البيع الشرعي بنحو مطلق تترتّب عليه ملكيّة الأعيان بنحو مطلق أيضاً، و كذلك الحال في بعض الإيقاعات كالطلاق، كقول الموجب: «زوجتي طالق الآن بطلاق فعلي يوم الجمعة»؛ لأنّ البينونة غير قابلة للتقييد بزمان، بل تنوجد مطلقاً بوجود سببها، و هو صيغة الطلاق.

فتحصّل: أنّ التقييد في غير موارد التعليق و إن لم يكن باطلًا في جهة محذور التعليق- لفرض عدمه- إلّا أنّه قد يشتمل على محذور آخر، و تبيّن أنّ محذور بطلان التعليق ليس عقليّاً و لا تعبّديّاً تأسيسيّاً، و إنّما هو بسبب مخالفة التقنين العقلائي الممضى.

301

قاعدة لا تبع ما ليس عندك

و الحديث النبوي الوارد بذلك ربّما يشكل في سنده بأنّه من طرق العامّة، و أسانيده ضعيفة، و في روايات الأئمّة (عليهم السلام) ما يشعر بتخطئة نسبة هذا الحديث إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

لكن التحقيق أنّ تلك الروايات ليست تخطئة للعامّة في انتساب هذه الرواية إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنّما هي تخطئة للعامّة في فهمهم للحديث؛ إذ يظهر من العامّة التوسّع في مفاد الحديث و الخطئة لهم في هذه الناحية.

و أمّا بالنسبة إلى سنده فلم يصحّ الإسناد المتّصل للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لكن يوجد في الروايات عن الأئمّة (عليهم السلام) نظيره في الأبواب المختلفة.

1- عن محمّد بن القاسم: قال: «سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم، و كتب عليها كتاباً بأنّها قد قبضت المال و لم تقبضه، فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال: قل له: ليمنعها أشدّ المنع، فإنّها باعته ما لم تملكه» (1).

____________

(1) ب 1/ أبواب عقد البيع/ ح 2. رواه الشيخ في التهذيب في ثلاثة مواضع: 6/ 339، الحديث 945 و: 6/ 351، الحديث 996 و: 7/ 181، الحديث 795.

و السند في الأوّل مطابق للأصل.

و في الموضع الثاني: أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن القاسم بن محمّد، عن محمّد بن القاسم.

و في الثالث: أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن محمّد بن القاسم، عن فضيل.

و في الاستبصار 3/ 123، الحديث 439 هكذا: أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن القاسم بن محمّد، عن فضيل.

302

و هذه لا تدلّ على القاعدة؛ لأنّ موردها بيع الفضولي، و أنّ الشراء من غير المالك لا يكون صحيحاً لا أنّ بيع المعدوم و ما لا يملكه- و إن لم يكن ملكاً للغير- باطل:

2- موثّقة إسحاق بن عمّار: عن عبد صالح (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل في يده دار ليست له، و لم تزل في يده و يد آبائه من قبله قد أعلمه من مضى من آبائه أنّها ليست لهم، و لا يدرون لمن هي فيبيعها و يأخذ ثمنها؟ قال: ما احبّ أن يبيع ما ليس له.

قلت: فإنّه ليس يعرف صاحبها و لا يدري لمن هي، و لا أظنّه يجي‌ء لها ربّ أبداً، قال: ما احبّ أن يبيع ما ليس له.

قلت: فيبيع سكناها أو مكانها في يده، فيقول: أبيعك سكناي و تكون في يدك كما هي في يدي، قال: نعم، يبيعها على هذا» (1). و هي لا تدلّ على مضمون زائد على الرواية المتقدّمة، و لفظ «ما احبّ» لأنّه لم يملكها، فالبطلان على القاعدة.

3- مكاتبة الصفّار: «رواه الشيخ بإسناده عنه أنّه كتب إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام) في رجل باع قطاع أرضين فيحضره الخروج إلى مكّة و القرية على مراحل من منزله، و لم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه و عرف حدود القرية الأربعة، فقال للشهود: اشهدوا أنّي قد بعت فلاناً- يعني المشتري- جميع القرية التي حدّ منها كذا و الثاني و الثالث و الرابع، و إنّما له في هذه القرية قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك، و إنّما له بعض هذه القرية و أقرّ له بكلّها.

____________

و في الكافي: عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن القاسم بن محمّد، عن محمّد بن القاسم.

و ليس في السند من يتوقّف فيه إلّا القاسم بن محمّد، و هو الجوهري، و لا أقلّ من كون الرواية به حسنة أو قويّة.

(1) ب 1/ أبواب عقد البيع/ ح 5. رواه الشيخ بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن عليّ بن رئاب و عبد اللّٰه بن جبلة، عن إسحاق بن عمّار.

303

فوقّع (عليه السلام): لا يجوز بيع ما ليس يملك، و قد وجب الشراء من البائع على ما يملك» (1).

4- صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده فيشتري منه حالًا، قال: ليس به بأس.

قلت: إنّهم يفسدونه عندنا، قال: و أي شي‌ء يقولون في السّلم؟ قلت: لا يرون به بأساً. يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجل و ليس عند صاحبه فلا يصلح، فقال: فإذا لم يكن إلى أجل كان أجود.

ثمّ قال: لا بأس بأن يشتري الطعام و ليس هو عند صاحبه و إلى أجل، فقال:

لا يسمّي له أجلًا إلّا أن يكون بيعاً لا يوجد مثل العنب و البطيخ و شبهه في غير زمانه، فلا ينبغي شراء ذلك حالًا» (2).

و موردها الشراء الكلّي في الذمّة الذي ليس له مصداق حالي، و قد عمّم (عليه السلام) ما ليس عنده إلى الكلّي الذي لا يوجد، و هذا هو القدر المتيقّن من مفاد الحديث، و أمّا تعميم مفاده إلى الكلّي غير المقدور بالإضافة إلى الشخص نفسه فمحلّ تأمّل. فالأوّل كما إذا باع الكلّي حالًا نقداً و لا يوجد في الخارج، و الثاني كما في مطلق بيع الكلّي في الذمّة.

و القول بعدم الصحّة في مورد عدم القدرة تعبّدي؛ إذ ربّما يعتبره العقلاء من باب الدين و قد لا يعتبرونه بيعاً في موارد عدم وجود الذمّة في الشخص الضعيف.

5- رواية سليمان بن صالح: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «نهى رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) عن سلف و بيع، و عن بيعين في بيع، و عن بيع ما ليس عندك، و عن ربح ما لم يضمن» (3).

____________

(1) ب 2/ أبواب عقد البيع/ ح 1.

(2) ب 7/ أبواب أحكام العقود/ ح 1. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار و عبد الرحمن جميعاً.

(3) ب 7/ أبواب أحكام العقود/ ح 2. رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد (في التهذيب عن محمّد بن أحمد بن يحيى)، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن أسباط، عن سليمان (الظاهر أنّه المرادي و لم يرد فيه توثيق).

304

قال صاحب الوسائل: إنّ المراد أنّه لا يجوز أن يبيع شيئاً معيّناً ليس عنده قبل أن يملكه، و يجوز أن يبيع أمراً كلّياً موصوفاً في الذمّة، و يحتمل الكراهة و النسخ و التقيّة في الرواية.

أقول: لا تقيّة فيها، بل إنّما هي تخطئة العامّة في توسّع مفاد الحديث مع أنّ كلّ ما كان عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هو من جوامع الكلم كتشريع أساسي، فافهم.

و العمدة أنّه لا شاهد على التقيّة في البين سوى المعارضة للروايات المجوّزة و المعارضة ليست مستقرّة؛ لأنّ النسبة عموم و خصوص مطلقاً، فهذا العموم مطلق و تلك المجوّزة خاصّة.

و «ما ليس عندك» يعني ما ليس تقدر بالقدرة الجامعة بين الشرعيّة و العرفيّة، و قد اختاره الشيخ (رحمه الله)، و هذا هو الاحتمال الأوّل، و هذا الصحيح.

و قيل بأنّ «ما ليس عندك» يعني ما لا يكون حاضراً لديك، و هذا قول العامّة، و هو الاحتمال الثاني في تفسير العبارة.

و احتمل في معناه ثالثاً أنّه ما لا تملك، و أمّا إذا ملّكته فبعه، و إن لم تقدر على التسليم، و ردّ الشيخ هذا الاحتمال بصحيحة عبد الرحمن الدالّة على أنّه لا ينبغي أن يبيعه حالًا مع أنّه مالك، إلّا أنّه لا يقدر على تسليمه، و قد عبّر فيها ب‍ «ما ليس عنده» لا ب‍ «ما ليس له»، و إلّا لكان الأوْلى التعبير بالثاني، و الأوّل تعبير عن غير الملك.

و احتمل رابعاً في معناه بما لا يقدر عليه عرفاً، أي لا بدّ من القدرة العرفيّة و إن لم يملكه شرعاً، و هذا أيضاً لا يمكن الالتزام به؛ لثبوت صحّة البيع في موارد عديدة منصوصة مع عدم القدرة عليه عرفاً كالعبد الآبق و مع الضميمة و غيرها. و المحقّق النائيني (رحمه الله) ادّعى أنّ الموجود في الروايات بيع العين الشخصيّة التي لا يملكها الدلّال فيبيعها، ثمّ يذهب إلى صاحبها و يشتريها منه ثمّ يعطيها المشتري، و الظاهر أنّ نظره إلى الروايات الموجودة في الباب الثامن من أبواب أحكام العقود التي ستأتي، فإنّ موردها العين الشخصيّة التي ليست على ملك البائع- الدلّال- يبيعها،

305

ثمّ يذهب و يشتريها من صاحبها.

و أمّا بالنظر إلى صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج في الباب السابع من تلك الأبواب، فالظاهر أنّ الكبرى طبّقت في مورد الكلّي، فلا حاجة للنقض و الإبرام عن كيفيّة استحصال الاطلاق في الروايات.

و الرواية الاولى في الباب السابع تعرّضت لنفي تفسير «عندك» بمعنى الحضور الذي بنى عليه العامّة، و أنّ هذا المعنى و المعنى الثالث- أي تفسير (عندك) بالملكيّة فقط- غير صحيح. و كذلك المعنى الرابع- و هو تفسير للزوم العنديّة بمعنى القدرة و السلطنة العرفيّة و إن لم تكن ملكيّة شرعاً.

6- صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يجيئني يطلب المتاع فاقاوله على الربح، ثمّ اشتريه فأبيعه منه، فقال: أ ليس إن شاء أخذ و إن شاء ترك؟

قلت: بلى، قال: فلا بأس.

قلت: فإنّ من عندنا يفسده، قال: و لِمَ؟

قلت: قد باع ما ليس عنده، قال: فما يقول في السلم قد باع صاحبه ما ليس عنده؟

قلت: بلى، قال: فإنّما صلح من أجل أنّهم يسمّونه سلماً إنّ أبي كان يقول: لا بأس ببيع كلّ متاع كنت تجده في الوقت الذي بعته فيه» (1).

«فاقاوله» أي هي مقاولة فقط و ليس هو الإيجاب و القبول على البيع. و المقصود منه أنّ في بيع العين الشخصيّة قبل تملّك الدلّال لها لا يصحّ أن يبيعها من المشتري، فحينئذٍ إذا تقاول على تلك العين الشخصيّة لا يواجبه البيع- أي تكون مقاولة مجرّدة- فيبقى في تلك المقاولة للمشتري حقّ الاختيار و الانتخاب في ما إذا اشترى الدلّال‌

____________

(1) ب 7/ أبواب أحكام العقود/ ح 3. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

306

تلك العين، فيشتريها أو لا يشتريها. و البيع في ما بعد الشراء يعني بعد تملّك البائع، و هذا واضح في التطبيق على العين الشخصيّة.

أمّا قوله: «فإنّ من عندنا يفسده» لعلّ فيه نوع تدافع مع فرض السائل؛ لأنّ صدر الرواية في العين الشخصيّة، و لم تكن في المقاولة مواجبة البيع كي يقول الراوي «عندنا يفسده»، و ظاهر الذيل غير مرتبط بالصدر؛ لأنّه من باب بيع الكلّي، فيحتمل فيه التقطيع و نوع من التلصيق بين الروايتين. و أمّا قوله في الذيل: «لا بأس ببيع...»،

فيستفاد منه تقرير صدور النبوي لا نفيه؛ لأنّ ما ذكره (عليه السلام) تفسير لتضييق قاعدة ما ليس عندك فهو (عليه السلام) لا ينفي صدورها، بل ينفي توسعتها، و أنّ المدار في صحّة البيع على وجدان المبيع و وجدان كلّ شي‌ء بحسبه و العنديّة ليس بمعنى الحضور، بل بمعنى الوجدان، و «لا تبع ما ليس عندك» أي ما لا تجده و ما لا تقدر على تسليمه.

7- صحيحة أبي الصباح الكناني: عن الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى من رجل مائة مَنّ صفراً بكذا و كذا، و ليس عنده ما اشترى منه، قال: لا بأس به إذا وفّاه الذي اشترط عليه» (1).

«صفراً بكذا و كذا»، أي بيع الكلّي.

و «ليس عنده»، أي ليس المبيع حاضراً.

و «لا بأس به» إذا قدر على الوفاء بنفس الكلّي؛ إذ ليس المدار على الحضور، بل المدار على القدرة على التسليم.

«و الذي اشترط عليه» هو البيع؛ لأنّه مشارطة يشترط البائع على نفسه تسليم المبيع، و يشترط المشترى على نفسه تسليم الثمن.

و لذلك استدلّ السيّد اليزدي (رحمه الله) على لزوم البيع بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «المؤمنون عند شروطهم»؛ لأنّ المشارطة ليست في خصوص الشرط دون العقد. نعم، الشروط‌

____________

(1) ب 7/ أبواب أحكام العقود/ ح 4. رواه الصدوق بإسناده عن أبي الصباح الكناني.