فقه المصارف والنقود

- الشيخ محمد السند المزيد...
622 /
307

الابتدائيّة غير مشمولة بمعنى الشرط الواحد المجرّد بخلاف الشرط الذي يرتبط بشرط آخر كالعقود، و الشرط هو بمعنى العهد و الالتزام و العقد ربطة و عقدة الالتزامين فيشمله قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «المؤمنون عند شروطهم»، و قد ورد التعبير عن العقود بالشروط كثيراً في الروايات، و عنوانها لا يشمل الشروط الابتدائيّة.

و في هذه الرواية تصريح بأنّ العنديّة بمعنى القدرة على الوفاء لا بمعنى الحضور و تصريح بأنّ القاعدة لا تختصّ بالعين الشخصيّة بل تشمل العين الكلّية أيضاً، و أنّ المدار على الوجدان لا على الحضور، حيث أنّ الفرض فيها «مائة مَنّ» كلّي، و لو كانت القاعدة مختصّة بالعين الشخصيّة- دون الكلّية- لعلّل (عليه السلام) بالاختصاص بينما إجابته (عليه السلام) بالصحّة لتوفّر القدرة على الوفاء.

و من الغريب أنّ عدّة من أعلام محقّقي محشّي المكاسب استشكلوا بعدم عموم القاعدة للعين الكلّية مع أنّ هذه الروايات واضحة الدلالة في التعميم، و لعلّ نظرهم إلى الباب الثامن الآتي، و استدلّ بعضهم على التعميم برواية عامّية وقع في طريقها حكيم بن حزام و غيره، و لا حاجة إليها بعد وجود مضمونها في رواياتنا.

8- حديث المناهي: رواه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد و الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه في مناهي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: «و نهى عن بيع ما ليس عندك، و نهى عن بيع و سلف» (1).

و بهذا المقدار من الروايات ثبت أنّ القاعدة شاملة للكلّي و الشخصي، و أنّ المدار على القدرة- أي المعنى الأوّل- كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج الثانية (2) و روايات الباب الثامن الآتية أيضاً كلّها نافية للمعنى الرابع، و أنّ المدار ليس على القدرة العرفيّة.

____________

(1) ب 7/ أبواب أحكام العقود/ ح 5. ضعيفة لشعيب بن واقد و الحسين بن زيد.

(2) ب 7/ أبواب أحكام العقود/ ح 3.

308

9- صحيحة عبد اللّه بن سنان: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه ثمّ تشتري له نحو الذي طلب ثمّ توجبه على نفسك ثمّ تبيعه منه بعد» (1).

و «تساومه» كمورد للرواية تعريض بالعامّة؛ إذ المساومة ليست هي مبايعة و مواجبة، فهي تفسّر كلمة «تبيع» في صدر الرواية.

و «المتاع» يستعمل في العين الشخصيّة لا الكلّيّة.

و يظهر منها أنّ المتاع الذي ليس في ملك البائع الخاصّ الشخصي لا يصحّ بيعه، حيث أنّه (عليه السلام) في مقام التحديد لا في مقام بيان صحّة خصوص هذا المصداق و السكوت عن المصاديق الاخرى، بل إنّ ذكر هذا المصداق هو لأجل نفي الطرق الاخرى، أي إنّه إذا اشترى ثمّ باعه فلا بأس به بخلاف ما لو باعه ثمّ اشتراه، فلا بدّ من الشراء و التملّك أوّلًا ثمّ البيع، و إن كانت هناك قدرة عرفيّة على الشي‌ء قبل شرائه، فحيث أنّه غير مملوك شرعاً فلا يصحّ بيعه، و بهذه الصحيحة ينفي المعنى الرابع في مفاد القاعدة.

إن قيل: هل هناك مغايرة بين الكلّي و الشخصي؟ و أنّ الشخصي لا بدّ من تملّكه أوّلًا ثمّ يجوز بيعه و إن كانت قدرة عرفيّة عليه موجودة قبل التملّك فتشترط الملكيّة شرعاً في بيع الشخصي بخلاف الكلّي، حيث يجوز بيعه في الذمّة ثمّ يشتري مصداقه فيوفّي بيعه.

فيقال في الجواب‌

إنّه لا مغايرة بينهما، بل في الكلّي أيضاً لا بدّ من الملكيّة الشرعيّة و القدرة العرفيّة، غاية الأمر أنّ في الكلّي لم يقع البيع على المصداق، و الحادث بعد الشراء هو الملكيّة‌

____________

(1) باب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 1. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن عبد اللّه بن سنان.

309

شرعاً للمصداق لا حدوث الملكيّة للكلّي؛ إذ كلّ شخص مالك لذمّته في الكلّيات، و البائع ملّك ما في ذمّة المشتري، أي ملّك ما يملكه. غاية الأمر لا بدّ من القدرة على ما في الذمّة و هي متحقّقة بإمكان تحصيل المصاديق.

فمفاد القاعدة متّحد في الكلّي و الشخصي و مأخوذ فيه كلّ من الملكيّة شرعاً و القدرة العرفيّة.

غاية الأمر في الكلّي الملكيّة شرعاً باعتبار الذمّة التي هي تحت سلطنته تكويناً، فهي مملوكة له، و من ثمّ نبّه في صحيحة أبي الصباح و ابن الحجّاج اللّتين موردهما بيع الكلّي على لابديّة القدرة العرفيّة، و أمّا في روايات العين الشخصيّة فالقدرة حيث كانت مفروضة لوجود العين خارجاً نبّه (عليه السلام) على قيديّة الملكيّة شرعاً.

10- صحيحة عبد اللّه بن سنان: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتيني يريد منّي طعاماً أو بيعاً نسيئاً و ليس عندي أ يصلح أن أبيعه إيّاه و أقطع له سعره، ثمّ اشتريه من مكان آخر فأدفعه اليه؟ قال: لا بأس به» (1).

و هذا في الكلّي، و ما دام الكلّي يقتدر على تحصيل مصاديقه فلا بأس به، تعريضاً للمعنى المتوهّم عند العامّة من لزوم الحضور و أنّ الحضور ليس شرطاً.

11- صحيحة حديد بن حكيم: قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يجي‌ء الرجل يطلب منّي المتاع بعشرة آلاف درهم أو أقلّ أو أكثر و ليس عندي إلّا ألف درهم، فاستعيره من جاري، فآخذ من ذا و من ذا، فأبيعه ثمّ اشتريه منه أو آمر من يشتريه فأردّه على أصحابه، قال: لا بأس به» (2).

____________

(1) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 2. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن سنان.

(2) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 3. رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن موسى بن بكر، عن حديد بن حكيم والد عليّ بن حديد.

310

12- عن خالد بن الحجّاج: قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يجي‌ء فيقول:

اشتر هذا الثوب و اربحك كذا و كذا، قال: أ ليس إن شاء ترك و إن شاء أخذ؟

قلت: بلى. قال: لا بأس به إنّما يحلّ الكلام و يحرّم الكلام» (1).

و مفاده يردّ المعنى الرابع لأنّه قيّد وقوع البيع بما بعد تمليك العين الشخصيّة، و لم تتمّ مواجهة قبل وجدان البائع العين الشخصيّة.

13- معتبرة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتيني و يطلب منّي بيعاً و ليس عندي ما يريد أن ابايعه به إلى السنة، أ يصلح لي أن اعدّه حتّى اشتري متاعاً فأبيعه منه؟ قال: نعم» (2).

و هذه و إن كان موردها الكلّي و لكن إثبات الشي‌ء لا ينفي ما عداه لكون السائل قد اقتصر على خصوص هذا السؤال.

14- صحيحة منصور بن حازم: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أمر رجلًا يشتري له متاعاً فيشتريه منه، قال: لا بأس بذلك، إنّما البيع بعد ما يشتريه» (3).

15- صحيحة معاوية بن عمّار: قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يجيئني الرجل يطلب بيع الحرير و ليس عندي منه شي‌ء، فيقاولني عليه و اقاوله في الربح و الأجل حتّى نجتمع على شي‌ء ثمّ أذهب فاشتري له الحرير فأدعوه إليه.

فقال: أ رأيت إن وجد بيعاً هو أحبّ إليه ممّا عندك أ يستطيع أن ينصرف إليه و يدعك‌

____________

(1) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 4. رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن يحيى بن الحجّاج، عن خالد بن الحجّاج، «و في الكافي: خالد بن نجيح»، و كلاهما مهملان.

(2) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 5. رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه.

(3) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 6. رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن منصور بن حازم.

311

أو وجدت أنت ذلك أ تستطيع أن تنصرف إليه و تدعه؟ قلت: نعم، قال: فلا بأس» (1).

16- صحيحة محمّد بن مسلم: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل أتاه رجل فقال: ابتع لي متاعاً لعلّي أشتريه منك بنقد أو نسيئة، فابتاعه الرجل من أجله.

قال: ليس به بأس إنّما يشتريه منه بعد ما يملكه» (2).

17- صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العينة فقلت: يأتيني الرجل فيقول: اشتر المتاع و اربح فيه كذا و كذا، فأُراوضه على الشي‌ء من الربح فنتراضى به، ثمّ انطلق فأشتري المتاع من أجله لو لا مكانه لم أرده، ثمّ آتيه به فأبيعه فقال: ما أرى بهذا بأساً لو هلك منه المتاع قبل أن تبيعه إيّاه كان من مالك، و هذا عليك بالخيار إن شاء اشتراه منك بعد ما تأتيه و إن شاء ردّه، فلست أرى به بأساً» (3).

18- عن عبد الحميد بن سعد: قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّا نعالج هذه العينة، و ربّما جاءنا الرجل يطلب البيع و ليس هو عندنا، فنساومه و نقاطعه على سعره قبل أن نشتريه، ثمّ نشتري المتاع فنبيعه إيّاه بذلك السعر الذي نقاطعه عليه لا نزيد شيئاً و لا ننقصه، قال: لا بأس» (4).

و هذه الروايات الخمس الأخيرة قد تقدّم بيان مفادها في ذيل الروايات السابقة عليها.

____________

(1) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 7. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن معاوية بن عمّار.

(2) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 8. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز و صفوان، عن العلاء جميعاً، عن محمّد بن مسلم.

(3) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 9. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

(4) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 10. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن عبد الحميد بن سعد.

312

فتحصّل من كلّ هذه الروايات أنّ القاعدة ثابتة سنداً، و أنّ مفادها هو الاحتمال الأوّل الذي اختاره الشيخ الأنصاري- لا المعنى الثالث الذي تمايل إليه المحقّق الايرواني (رحمه الله)- و ذلك لدلالة نفس الروايات، و أنّ التعبير بالعنديّة فيها كناية عن القدرة.

فائدة: ليس المراد في كثير من الروايات المصداق المنسبق من المعنى اللغوي، بل يراد منها مصداقه الأوسع أو الخفي أو الكنائي. ف‍ (العنديّة) في التصوّر الحسّي هو الحضور المكاني، و أمّا في عالم الاعتبار فهي بمعنى مطلق القدرة و الوجدان، كما أنّ في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «عند ربّي» ليس المراد منه المكان، و (العنديّة) هي مطلق الحضور.

و نظيره ما ورد في الباكر حيث يشترط في صحّة العقد عليها رضى أبيها، و أكثر الفقهاء لا يذهبون في معنى الباكر بأنّها «مَن لها بكارة» و إن كان هو المنسبق من معناه اللغوي، و إنّما الباكرة هي التي لم تتزوّج.

فإذا تزوّجت و إن لم يفضّها الزوج فتكون ثيّبة، فإن طلّقت ففي الزواج الثاني لا تحتاج إلى الإجازة، فالتي ترى الزوج لا يقال لها (باكرة)، و كذلك العكس لو افتضّت بكارتها لمرض قبل الزواج، فإنّه يقال لها: (بكر)، و نظيره كثير في عناوين الموضوعات في الأحكام الواردة في الروايات، فإنّه لا يراد بها المعنى المنسبق من اللغة، بل المراد بها المعنى الكنائي.

ثمّ إنّه بعد ثبوت هذه القاعدة قد استدلّ الفقهاء بها على لزوم القدرة على التسليم في البيع في ظرف الاشتراط، و قد تقدّم أنّ هذه القاعدة ليست مختصّة بالعين الشخصيّة، بل تعمّ العين الكلّية.

و إنّ هذه المفاسد ليست إرشاداً محضاً إلى البناء العقلائي، بل متضمّنة لتعبّد زائد، و الوجه في ذلك أنّ بين هذه القاعدة الشرعيّة و البناء العقلائي موارد اشتراك و افتراق.

فمن موارد الاشتراك و التطابق أنّ من ليس عنده بعض المبيع كمن لا يقتدر عليه أبداً عندهم، و أمّا موارد الافتراق فمنها من يستطيع تحصيل المبيع في ما بعد مدّة و لا يستطيع عليه الآن، كأن يبيع عشرة أكيال من البطيخ- الذي لا يوجد في الشتاء-

313

ففي البناء العقلائي يعتبرونه مديناً و بحسب القاعدة يعتبر البيع باطلًا، كما هو مفاد الروايات: «لا تبع ما ليس عندك» حالًا، و أمّا بيعه مؤجّلًا و نسيئة فلا بأس به؛ لأنّه قادر على التسليم، فالقاعدة مزيج من التأسيس التعبّدي و الإمضاء.

و قد تقدّم أنّ المضاربة عند جماعة، منهم السيّد الخوئي (رحمه الله)، ليست على مقتضى القاعدة لأنّها إمّا من باب تمليك ما ليس عنده أو التعليق في التمليك، و قد أشكل عليه بأنّ قاعدة لا تبع ما ليس عندك إشارة إلى البناء العقلائي و ليست زائدة عليه، و ليس فيها تأسيس جديد، و لكن بيّناه في مفاد الروايات ظهر أنّ هذا الإشكال ليس في محلّه، بعد فرض عموم القاعدة و شمولها لغير البيع، و أنّ مضمون القاعدة ليس إرشاديّاً.

و قد أنجز الكلام في الجهات التالية: الاولى: في سند الرواية. الثانية: في مفادها. الثالثة: في عموم القاعدة للكلّي و الشخصي. الرابعة: في أنّها تعبّديّة بمعنى التعديل للبناء العقلائي لا أنّها تأسيس من رأس.

و كلّ ذلك كان مقدّمة للبحث عن الجهة الخامسة، و هي تعميم القاعدة إلى غير البيع، و أنّها تختصّ بالبيع أو تعمّ كلّ ما فيه التمليك؟ فالتعبير ب‍ «لا تبع» يراد به خصوص البيع أو مطلق التمليك؟ و نظير هذا البحث عُقد في قاعدة الغرر، حيث أنّ مدركها: نهي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن بيع الغرر، و أنّ النهي عن الغرر هل هو يعمّ كلّ العقود أو يخصّ البيع؟

قد يستظهر التعميم كما تمايل إليه السيّد الخوئي (رحمه الله)، و نسب إلى كثير من كلمات الفقهاء- و قد ذكرها الشيخ (رحمه الله) في المكاسب- أنّها في البيع، بل و في كلّ المعاوضات، و إنّما بحثوها في البيع و بنوا عليها في غيره و ذلك لوجوه:

1- كون البيع بمعنى التمليك، و قد عرّف بذلك في اللغة، غاية الأمر قيّد بتمليك الأعيان، فالبيع في الحقيقة تمليك خاصّ، و هو الواقع على العين، فمن هذه الجهة تشترك معه عدّة ماهيّات معامليّة متضمّنة للتمليك الواقع على العين.

نعم، الصلح قد يقع على عين يتضمّن التمليك، و لكنّه بالذات ليس تمليك‌

314

العين، بل هو تسالم على ملكيّة العين، فإذن البيع ليس شيئاً غير التمليك، فالعبور عن النوع إلى الجنس ليس مستبعداً، فإذا كان البيع تمليك العين فهذا المعنى متحقّق في بقيّة العقود و إن لم تكن بيعاً فالهبة تمليك عين بلا عوض، و لا بُعد في إلغاء خصوصيّة كون التمليك بالعوض؛ لأنّ الوصف في القاعدة يشعر بالعلّيّة و هو لزوم العنديّة، و هو مناسب لحيثيّة التمليك في البيع الذي هو بمثابة الجنس لا الصورة النوعيّة لمجموع البيع، لا سيّما أنّ البيع في مقابل الشراء يعرّف بتمليك العين من طرف و الشراء بتملّك العين بعوض، فشرطيّة (العنديّة) مناسبة للتمليك المأخوذ في البيع بمثابة الجنس.

2- إنّه قد استعمل في الروايات كثيراً لفظ (البيع) في الإجارة، و ذهب جماعة من الفقهاء، كالآخوند (رحمه الله) إلى أنّ الإجارة أيضاً تمليك عين على وجه مخصوص، أي لينتفع بها فقط لا لينقلها أو ليبقيها كالبيع في قبال التعريف الآخر في الإجارة بأنّها تمليك المنفعة، و الاستشهاد يتمّ على كلا القولين، فالإجارة إمّا بيع خاصّ أو تمليك المنفعة، و قد استعمل لفظ البيع فيها، فإنّ البيع يكون كناية عن التمليك في الثاني و استعماله حقيقي على الأوّل.

3- عموم عنوان الموضوع (ما ليس عندك) الذي هو إمّا بمعنى ما ليس بمالك شرعاً، أو ما هو غير قادر على تسليمه، و ليس في ذلك نفي كون البيع هو أبرز طرق التمليك و أقواها، فإنّه قطع رقبة العين كاملًا، بل المراد أنّ البيع و إن كانت له خصوصيّة و أهمّية بالنسبة إلى غيره، و لكنّ الظاهر من الروايات أنّ مدار النهي عن البيع لكونه غير مالك شرعاً أو غير قادر على تسليمه، و أنّ حكمة النهي لا علّته هي قطع النزاع بالضمان القانوني من نفس شرائط المعاوضة لتأمين الوفاء بالعوض؛ إذ القواعد الشرعيّة الواردة في المعاملات ليست تعبّديّة محضة (1)، و إنّما هي قواعد‌

____________

(1) للتعبّد اصطلاحات: تارة بمعنى ما لم يعلم ملاكه، و تارة بمعنى ما يلزم به الشرع، ل لا و اخرى بمعنى ما يؤسّسه الشرع، و اخرى بمعنى ما يمضيه الشرع.

315

مزيجة بالإمضاء، فهي معلومة الحكمة و الملاك في الجملة. و نفس الحكمة قد تكون قرينة حاليّة لنفس الدليل الوارد بشكل معتدّ به، فليس من القياس أو المجازفة و لا التخرّص دعوى التعميم، و يدلّل على هذه القرينة في الروايات ما ورد: «إذا وفّاه الذي اشترط عليه» أو «إذا قدر على الذي وفّاه» يعني القدرة، و كذا «لا ينبغي أن تبيع ما لا تجد»، و كلّ هذه التعابير مشعرة بالتعليل و التعميم، فدعواه غير بعيدة.

4- كون هذه القاعدة في الجملة عقلائيّة في حدود عدم القدرة العرفيّة، فإنّهم لا يعتدّون بتمليك ما لا قدرة عليه أو على الوفاء به، فلا يعتبرون المعاوضة موجودة حينئذٍ و وجود المعاملة في اعتبار العقلاء موضوع أدلّة الصحّة.

الجهة السادسة: هل مفاد القاعدة الشرطيّة في الصحّة التأهّليّة للبيع و المعاملات أو في الصحّة الفعليّة؟

قد استدلّ بهذه القاعدة و أدلّة اخرى على اشتراط القدرة على التسليم في ظرفه لا في ظرف البيع، و من عمدة ما استدلّ به على ذلك قاعدة نفي الغرر عن البيع. و ذكروا أنّ من شرائط صحّة العقد نفي الغرر و الشرط المزبور نفي للغرر، و مقتضى ذلك أنّ الشرط المزبور ليس شرطاً للصحّة الفعليّة فقط، بل هو مفسد للبيع؛ إذ البيع الغروي لا يمكن تصحيحه.

إذ في البيوع و المعاملات نمطان من الشروط: شروط لا بدّ أن تقع كي يصحّ البيع، فلو أوقع من دونها يكون فيه تأهّل الصحّة دون الصحّة الفعليّة، فيقال عن تلك الشروط شروط الصحّة الفعليّة، أي شروط فعليّة صحّة البيع لا شروط أصل ماهيّة البيع، مثلًا: القبض في الهبة أو الرهن أو القرض، لو انشئ العقد فيها من دون قبض لا يكون صحيحاً فعلًا، و لكنّه قابل للتصحيح إذا انضمّ إليه القبض بخلاف ما لو أوقع البيع على عين مجهولة لا يمكن تصحيحه و لو حصل العلم بمواصفات العين بعد ذلك.

316

فبعض الشروط يقال هي شروط لتأهّليّة البيع، فضلًا عن الصحّة الفعليّة (أي شروط الماهيّة)، و بعض الشروط شروط وجود البيع، و الشروط المأخوذة في تأهّليّة البيع لا يمكن فيها فرض تبدّل الحال إذا لم يقع البيع واجداً لها خالياً عن الموانع من ذلك النمط، فلا بدّ من إنشاء بيع آخر جديد و بيع الغرر من هذا القبيل.

نعم، قيل: إنّ الغرر ليس من موانع أصل الصحّة التأهّليّة للبيع، بل عدمه من شرائط الوجود الفعلي، لكنّ القائل به شاذّ، و حينئذٍ نقول: إنّ في مفاد «لا تبع ما ليس عندك» قولين:

الأوّل إنّها من شروط الوجود، و الآخر إنّها من شروط الصحّة التأهّليّة، فلو باع ما ليس عنده فلا يصحّ البيع، و لو ذهب و اشتراه و صار عنده فلا بدّ من تجديد البيع بخلاف من يقول إنّها من شرائط الوجود نظير القبض في الهبة لو لم يتحقّق ثمّ وجد، فحينئذٍ لا مانع من الصحّة الفعليّة. و الظاهر أنّ «لا تبع» من الشروط التأهّليّة لا من الشروط الوجوديّة، و إن ذهب الشيخ؟؟ إلى كونه من الشروط الوجوديّة، و استشهد بموارد متعدّدة صحّح البيع فيها مع كون البيع حين الإنشاء غير متوفّر على هذا الشرط، و لم يكن عند البائع ثمّ بعد ذلك وجد فصحّح البيع، و لكنّ الصحيح أنّه من الشروط التأهّليّة وجهه أنّه لو كان من قبيل شروط الوجود لكان على مقتضى القاعدة أن يصحّ إذا وجد، فكان من اللازم تنبيهه (عليه السلام) على ذلك بينما إطلاق النهي في الروايات مفاده خلاف ذلك نظير ما في صحيحة عبد اللّه بن سنان: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

«لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه ثمّ تشتري له نحو الذي طلب ثمّ توجبه على نفسك ثمّ تبيعه منه بعد» (1).

فلو كان من الشروط التأهّليّة لتعيّن أن يقول (عليه السلام): «لو بعته قبل أن تشتري ثمّ اشتريته‌

____________

(1) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 1. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن عبد اللّه بن سنان.

317

فقد وجب البيع»، و لا يحصر (عليه السلام) وقوع البيع بما إذا أنشأه بعد الحصول على المبيع، فقصر وقوع البيع و إنشاؤه على ما بعد حصوله على الشراء ظاهر في أنّ الإنشاء السابق لا اعتبار به.

و صحيحة منصور بن حازم: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل أمر رجلًا يشتري له متاعاً فيشتريه منه.

قال: لا بأس بذلك، إنّما البيع بعد ما يشتريه» (1).

و ربّما يستظهر منها إرادة البيع الفعلي، و لكن تقييد وقوع البيع بذلك لا أصل ماهيّة البيع خلاف الظاهر، و المنساق الأوّلي هو أنّ ماهيّة البيع لا تُنشأ و لا توجب إلّا بعد ما يشتري، و لو رفعنا اليد عن ذلك فهي مردّدة بين وجهين، فتكون مجملة.

و صحيحة محمّد بن مسلم: عن أبي جعفر، قال: «سألته عن رجل أتاه رجل فقال:

اتبع لي متاعاً لعلّي أشتريه منك بنقد أو نسيئة، فابتاعه الرجل من أجله.

قال: ليس به بأس، إنّما يشتريه منه بعد ما يملكه» (2).

أي ينشئ الشراء بعد ما يملكه لا أنّ وقوع البيع الفعلي و تمامه بعد ما يملكه، و لا هي في صدد تصحيح التملّك البَعدي.

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العينة، فقلت:

يأتيني الرجل فيقول: اشتر المتاع و اربح فيه كذا و كذا، فأُراوضه على الشي‌ء من الربح، فنتراضى به، ثمّ انطلق فأشتري المتاع من أجله لو لا مكانه لم أرده، ثمّ آتيه به فأبيعه.

فقال: ما أرى بهذا بأساً لو هلك منه المتاع قبل أن تبيعه إيّاه كان من مالك، و هذا‌

____________

(1) ب 8/ أبواب أحكام العقود، ح 6. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن منصور بن حازم.

(2) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 8. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز و صفوان، عن العلاء جميعاً، عن محمّد بن مسلم.

318

عليك بالخيار إن شاء اشتراه منك بعد ما تأتيه و إن شاء ردّه، فلست أرى به بأساً» (1).

و لفظ «اشتراه» صريح في إنشاء الشراء و البيع بعد التملّك، و ليس هو تصحيح للبيع السابق، فلو كان البيع صحيحاً تأهّلياً و بمجرّد تحقّق الشرط يصحّ فعلًا لقال (عليه السلام):

وجب البيع بعد تحقّق الشرط و هو العنديّة، بينما مفاد الرواية تأكيده (عليه السلام) على الإنشاء مرّة اخرى، و أنّ الإنشاء السابق بعد تحقّق العنديّة لا يواجب البيع، و الحاصل أنّ هذه الروايات صريحة في أنّه من قبيل الشروط التأهّليّة، و ليس من قبيل شروط الوجود.

و استدلّ الشيخ (رحمه الله) لما اختاره في المكاسب بموارد و قال: و من البعيد أن يكون خروج تلك الموارد بالتخصيص، فإنّها عديدة، فمن الأوْلى تفسير القاعدة بأنّها من قبيل شروط الوجود و الوقوع لا أصل الماهيّة.

و أجاب عنه الايرواني بأنّ خروج بعض الموارد لا يكون دالّاً على كونه من قبيل التخصيص أو التخصّص؟ إذ على تقدير كون الشرط بمعنى شرط الوجود فتكون صحّة تلك الموارد التي حصل الشرط (/ العنديّة) بعد الإنشاء على طبق القاعدة، و إذا كان من شروط الماهيّة فيكون خروجاً عن القاعدة و تخصيصاً و لا دلالة للعموم على أحدهما لما هو مقرّر من أنّ خروج الخاصّ عن العام لا يكون قرينة على تعيين مفاد العامّ، فالاستشهاد بهذه الموارد على كون الشرط شرط الوقوع و الوجود ليس في محلّه، بل يجب تحرير ظهور روايات القاعدة في نفسه، فإن كانت ظاهرة في الشرط التأهّلي فتلك الموارد من باب التخصيص، و إن لم تكن ظاهرة فقد تكون تلك الموارد قرينة على أصل المفاد. هذا لو كنّا نحن و مجرّد العموم النبوي، فتلك الموارد إمّا قرينة أو تخصيص، فليست متعيّنة في القرينيّة، فضلًا عن وجود الروايات الآتية و المتقدّمة الدالّة على الثاني فلا مجال للترديد.

____________

(1) ب 8/ أبواب أحكام العقود/ ح 9. رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

319

مضافاً إلى ما يقال من أنّ ظهور الموانع يغاير ظهور الشرائط الوجوديّة، حيث أنّ الشرائط محتملة لأن تكون لأصل الماهيّة التأهّليّة أو لشرائط الوجود بخلاف الموانع، فإنّ المنسبق منها أنّها من الشرائط التأهّلية. إذ معنى المانعيّة هو الإبطال، و كونه مبطلًا لا أنّه حاجز عن وجود البيع فقط، بل عادم للصحّة التأهّليّة.

الرجوع إلى الأخبار

ففي أبواب مقدّمات الطلاق نهى عن نوع من الطلاق، و هو إيقاع الفُرقة قبل موضوعه، و هو الزوجيّة، فإذا طلّق امرأة قبل نكاحها ثمّ نكحها فلا ينفذ طلاقه السابق كما ورد في الأخبار، سواء علّق على النكاح أم لم يعلّق، و في ذيلها أيضاً حكم العتق:

لا عتق إلّا بعد الملك، باعتبار أنّ العتق أحد التصرّفات في الملك‌

فلا يصحّ إذا أعتق عبداً لا يملكه ثمّ اشتراه و لا ينفذ عتقه السابق الذي هو أحد التصرّفات في الملك، كما في بيع ما ليس عندك.

و في تلك الروايات أيضاً: لا صدقة إلّا في ملك، و أنّه لو تصدّق بشي‌ء ثمّ اشتراه فلا تنفذ صدقته السابقة، و الصدقة نوع تمليك و تصرّف في الشي‌ء و لا يصحّ إلّا بعد الملك.

و ليس مفاد الروايات نفي فعليّة العتق و الطلاق و الصدقة، بل في مقام نفي فعليّة الإنشاء السابق بعد تحقّق الملك و النكاح، و أنّه لا اعتداد بذلك الإنشاء فيكون الملك من شروط الصحّة لا من شروط الوجود. فإنشاء المعدوم قبل وجود موضوعه معلّقاً على وجود الموضوع باطل لا من جهة التعليق- لأنّ قاعدة التعليق تقتضي البطلان في ما كان المعلّق عليه ليس من شروط الصحّة، و أمّا إذا علّق على أشياء هي من شروط الصحّة فلا مانع من ذلك- بل من جهة تعبّديّة اخرى، و من تلك الروايات:

1- صحيحة الحلبي: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث-: «إنّه سُئل عن رجل قال:

كلّ امراة أتزوّجها ما عاشت امّي فهي طالق.

320

فقال: لا طلاق إلّا بعد نكاح، و لا عتق إلّا بعد الملك» (1).

2- صحيحة محمّد بن قيس: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل قال:

إن تزوّجت فلانة فهي طالق، و إن اشتريت فلاناً فهو حرّ، و إن اشتريت هذا الثوب فهو في المساكين. فقال: ليس بشي‌ء لا يطلّق إلّا ما يملك، و لا يعتق إلّا ما يملك، و لا يصدّق إلّا ما يملك» (2).

3- عن النضر بن قرواش: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: «لا طلاق قبل نكاح، و لا عتق قبل ملك، و لا يُتْم بعد إدراك» (3).

4- معتبرة سماعة: قال: «سألته عن الرجل يقول: يوم أتزوّج فلانة فهي طالق.

فقال: ليس بشي‌ء إنّه لا يكون طلاق حتّى يملك عقدة النكاح» (4). 5- عن الحسين بن علوان: عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام) أنّه كان يقول:

لا طلاق لمن لا ينكح، و لا عتاق لمن لا يملك.

قال: و قال عليّ (عليه السلام): و لو وضع يده على رأسها» (5).

6- موثّقة معمّر بن يحيى بن سالم: «إنّه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا يطلّق الرجل‌

____________

(1) ب 12/ أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه/ ح 1. رواه الصدوق بإسناده عن حمّاد عن الحلبي.

(2) ب 12/ أبواب مقدّمات الطلاق/ ح 2. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس.

(3) ب 12/ أبواب مقدّمات الطلاق/ ح 4. رواه الكليني عن محمّد بن جعفر الرزّاز، عن أحمد، عن الحسن بن محبوب، عن النضر بن قرواش. «النظر مهمل».

(4) ب 12/ أبواب مقدّمات الطلاق/ ح 5. رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، و عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة.

(5) ب 12/ أبواب مقدّمات الطلاق/ ح 7. رواه عبد اللّه بن جعفر في قرب الإسناد، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان.

321

إلّا ما ملك، و لا يعتق إلّا ما ملك، و لا يتصدّق إلّا بما ملك» (1).

و كلّ هذه الروايات نافية لفعليّة الطلاق و العتاق و الصدقة السابقة على الزواج و الملك بعدهما.

7- صحيحة منصور بن حازم: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله):

لا طلاق قبل نكاح، و لا عتق قبل ملك» (2).

8- صحيحة عليّ بن جعفر: في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن رجل يقول: إن اشتريت فلاناً فهو حرّ، و إن اشتريت هذا الثوب فهو صدقة، و إن نكحت فلانة فهي طالق، قال: ليس ذلك بشي‌ء» (3).

9- صحيحة منصور بن حازم: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله):

لا رضاع بعد فطام... لا طلاق قبل نكاح، و لا عتق قبل ملك...» الحديث (4).

10- رواية سليمان بن صالح: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث-: «إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن ربح ما لم يضمن» (5).

أي: نهى عن المعاملة عليه، سواء كانت بيعاً أم جعالة، فتمليك هذا الربح الذي‌

____________

(1) الباب المتقدّم/ ح 11. رواه الشيخ عن عليّ بن الحسن، عن محمّد و أحمد، عن أبيهما، عن ثعلبة بن ميمون، عن معمر بن يحيى بن سالم.

(2) ب 5/ أبواب العتق/ ح 1. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن حازم.

(3) ب 5/ أبواب العتق/ ح 7، و لصاحب الوسائل سند صحيح إلى كتاب عليّ بن جعفر.

(4) ب 5/ أبواب ما يحرم بالرضاع/ ح 1. رواه الكليني عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن منصور بن حازم.

(5) ب 10/ أبواب أحكام العقود/ ح 5. رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن أسباط، عن سليمان بن صالح (و الظاهر أنّه المرادي، و لم يرد فيه توثيق).

322

لم يضمن بأيّ عنوان معاوضي ممنوع، باعتبار أنّ الربح الذي لا يضمن هو مال لكنّه معدوم، و حيث أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم، فمفاد الرواية النهي عن مطلق المعاملة على مطلق ما لا يمكن.

11- موثّقة عمّار: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «بعث رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) رجلًا من أصحابه والياً، فقال له: إنّي بعثتك إلى أهل اللّٰه- يعني أهل مكّة- فانههم عن بيع ما لم يقبض، و عن شرطين في بيع و عن ربح ما لم يضمن» (1).

12- صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج: قال: «سألت أبا الحسن عن رجل يقول له الرجل: أشتري منك المتاع على أن تجعل لي في كلّ ثوب أشتريه منك كذا و كذا، و إنّما يشتري للنّاس و يقول: اجعل لي ربحاً على أن أشتري منك، فكرهه (عليه السلام)» (2).

و «على أن أشتري» هو العمل الذي علّقت عليه الجعالة، و الربح هو الجعل، و ليس مملوكاً قبل الجعالة؛ لأنّه ربح الشراء، و الكراهة تستعمل في الحرمة، إلّا أن تأتي قرينة تدلّ على الترخيص، و هذا المورد أحد مصاديق النهي عن ربح ما لم يضمن.

و يمكن التأمّل في ذلك بأنّ الربح مقدور حين لزوم الأداء و التمليك إنّما تعلّق بالكلّي، فليس الربح غير مضمون في المقام، نظير ما ورد من روايات: «بع مالي بعشرة فما زاد فهو لك» (3)، فلعلّ وجه الكراهة في الرواية غير ما نحن فيه، و هو صدق التحايل عرفاً من المشتري الدلّال الوسيط للمشترى الحقيقي.

13- حديث المناهي، عن الحسين بن زيد: عن جعفر بن محمّد، عن آبائه (عليهم السلام) في مناهي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، قال:

____________

(1) ب 10/ أبواب أحكام العقود/ ح 6. رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمّار.

(2) ب 10/ أبواب أحكام العقود/ ح 7. رواه الصدوق بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجّاج.

(3) ب 10/ أبواب أحكام العقود.

323

«و نهى عن بيع ما لم يضمن» (1).

و هي و إن كانت ضعيفة لشعيب بن واقد و الحسين بن زيد، إلّا أنّ تضمّنها لمناهي جامعة كلّية معمول بها في الأبواب ممّا يعطيها الوثوق بالصدور بالاعتضاد مع روايات اخر، حيث إنّ مضمونها موجود في كثير من الروايات، فتصير حجّة معاضدة و مؤيّدة لا مستقلّة.

و المستفاد من هذه الروايات- إن لم تكن في صدد توسعة القاعدة لكلّ إنشاء على موضوع غير موجود- أنّ في خصوص الملك و المعاوضة عليه، بيعاً كانت أو صلحاً أو إجارة أو جعالة، ليس الملك من شرائط الوجود، بل هو من شرائط الصحّة التأهّليّة خلافاً لظاهر كلام الشيخ الأنصاري (رحمه الله)، مع أنّه لو بنينا على ظاهر كلام الشيخ (رحمه الله) من أنّه من شرائط الوجود لا شرائط الصحّة التأهّليّة فلا ضير في ما نحن في صدده من بحث حكم المضاربة أو التمليك الذي في ضمن الشروط؛ إذ ليس المدّعى هو فسادهما من رأس كما في الخلل في شرائط الصحّة التأهّليّة، بل المطلوب إثبات عدم الصحّة الفعليّة لتضمّنهما تمليك الشي‌ء المعدوم، و هذا يتمّ لو قلنا بمقالة الشيخ (رحمه الله)؛ لأنّ فيهما تمليك للربح الذي لم يظهر، كما هو الحال في الودائع البنكيّة، فلا يكون ذلك العقد في الحيل المزبورة مشمولة ل‍ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، و يستطيع المتعاقد حينئذٍ أن يرجع أي وقت شاء.

و الوجه في المختار: أنّ ظاهر روايات «لا طلاق إلّا بعد نكاح»، و «لا عتق إلّا في ملك» أنّه لا عبرة بالإنشاء السابق أصلًا كما هو تقريب ذلك.

و الشيخ (رحمه الله) في بحث الفضولي و شرط القدرة على التسليم ذكر روايات في ذلك الصدد و بحث في أنّ (العنديّة) هل هي شرط الوجود أو شرط الصحّة التأهّليّة؟

____________

(1) ب 10/ أبواب أحكام العقود/ ح 8. رواه الصدوق بإسناده عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد.

324

و قال: إنّ الأخبار لا تدلّ على بطلان بيع الفضولي لو باع ما ليس له ثمّ ملكه ثمّ أجازه. و ما ذكره لا يتناسب مع شرط الوجود؛ لأنّ شرط الوجود بعد تحقّقه لا تحتاج المعاملة إلى الإجازة، فإنّه بمجرّد حصول الشرط تتحقّق الفعليّة بالإنشاء السابق. فما ذكره يتناسب مع شرط الصحّة التأهّلية؛ إذ في موارد شروط الصحّة التأهّلية لا بدّ من الإجازة؛ لأنّ الإجازة بمنزلة إنشاء جديد أو رضى إنشائي جديد بإنشاء سابق، و الإنشاء لا يفسد من حيث هو تكلّم و تلفّظ.

فمراد الشيخ (رحمه الله) لو كان شرط الوجود لما بنى في بيع الفضولي على لزوم الإجازة لمن باع شيئاً ليس له ثمّ ملكه، فلو كان الملك الفعلي شرط الوجود، كما في القبض في الرهن أو في الهبة، فبعد أن يقبض لا حاجة إلى الإجازة، فما التزم به هناك شاهد على كون مراده شرط الماهيّة، و أنّ عبارته موهمة لغير ذلك، و لزيادة التوضيح نقول:

إنّ في العقد ثلاثة مراحل: مرحلة شرائط صحّة ما يتلفّظ به (صحّة الإنشاء في نفسه كإنشاء لا كمنشئ)، و مرحلة شرائط الصحّة التأهّليّة للمنشأ و مرحلة شرائط الوجود.

و الظاهر أنّ مراد الشيخ (رحمه الله) هو أنّ تلك الأخبار لا تفيد كون الملك من شرائط صحّة الإنشاء مثل العربيّة كما اشترطت في الطلاق و إنّما هو من شرائط المنشأ، و الأمر فيه سهل بلحاظ الإجازة المتعقّبة، و هما بخلاف شرائط الوجود، فإنّها بعد انوجادها لا تحتاج إلى إجازة. هذا هو تحقيق مرام الشيخ (رحمه الله).

فتحصّل أنّ القاعدة عامّة ببركة «نهى عن ربح ما لم يضمن»، فتمليك المعدوم فاسد، و الإنشاء على الموضوع المعدوم ليس بصحيح.

أضف إلى ذلك أنّ الموارد التي ذكرها الشيخ (رحمه الله)، و التي صحّح فيها البيع هي: بيع الرهن ما يملكه بعد البيع (/ الفضولي)، و بيع العبد الجاني عمداً، و بيع المحجور هي غير ما نحن فيه؛ لأنّ في تلك الموارد الملك فعليّ للبائع. غاية الأمر أنّ هذه الملكيّة متعلّقة بحقّ الغير، اللّهمّ إلّا أن يفسّر الشيخ (رحمه الله): «لا تبع» ب‍ «ما لا تقدر»، و لا بدّ حينئذٍ من إجازة ذي الحقّ من باب تقديم أدلّة حقّ المجني عليه أو حقّ المرتهن على أدلّة‌

325

صحّة البيع أو نفوذ سلطنته، فهذه الموارد ليست من أمثال القاعدة. و المانع من صحّة البيع ليس من باب ما ليس عنده، بل من باب تقديم أدلّة حقّ الجناية و أدلّة بقيّة العقود على أدلّة صحّة نفوذ البيع أو سلطنة المالك.

مضافاً إلى أنّ هذه الموارد ليست منصوصة كي يفترض أنّ الخلل فيها هو من ناحية شرط ما ليس عنده، بل لأجل أدلّة تلك الحقوق المانعة عن نفوذ البيع كما تقدّم.

نعم، قد يقال إنّ تصحيح البيع في تلك الموارد لدى الأصحاب بعد إجازة ذى الحقّ قرينة على مفاد القاعدة، فافهم، فإنّ أدلّة تلك الحقوق غاية ما يستفاد من مانعيّتها أنّها مانعة عن فعليّة البيع لا عن صحّته التأهّليّة.

الجهة السابعة: هل أنّ مفاد «لا تبع» هو مفاد «نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن بيع الغرر» أو لا؟

ممّا لا إشكال فيه أنّ بين المفادين اختلافاً بنحو العموم من وجه، فإنّه لو باع مبيعاً موجوداً عنده لكن من دون أن يذكر أوصافه في البيع، فلا يكون مورداً لقاعدة «لا تبع»، لكنّه مورد لقاعدة «نهى النبيّ عن بيع الغرر»، و لو باع العين الشخصيّة التي هي متوفّرة في السوق بكثرة و لم يبع العين بنحو الكلّي، و إنّما باع عيناً شخصيّة لجاره يوجد في السوق مثيلاتها، فإنّها مثلى يوجد أمثاله، و البيع و إن كان شخصيّاً إلّا أنّه لو لم يستطع توفيره لما كان عند المشتري منازعة بأداء بدله المثلي، فهاهنا ليس البيع غررياً لكنّه بيع ما ليس عنده.

و هناك موارد للتصادق كما لو باع عيناً شخصيّة لا يكون في السوق مثيلها موجوداً، فالمبيع قيمي لا مثلي، و لا يستطيع أن يوفّرها، فهاهنا غرر و عدم العنديّة، و يبطل البيع من كلّ زاوية غير الزاوية الاخرى، و الأعلام في شرط القدرة على التسليم استدلّوا بهذين الدليلين.

فلو رفعنا اليد عن خصوصيّة قاعدة «لا تبع» أمكننا الاستعانة لمنع صحّة بين المعدوم بقاعدة نهي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن الغرر، و لا يخفى أنّ نهي النبيّ عن بيع الغرر‌

326

قد رواه الصدوق بأسانيد متعدّدة في عيون الأخبار (1).

و أمّا النهي عن الغرر في مطلق المعاملة فلم يثبت، إلّا أنّه قد ذكر أنّ هذه القاعدة عقلائيّة، و لذلك عمّمناها إلى المعاوضات الاخرى، فلو بنى على عدم تعميم «لا تبع ما ليس عندك» إلى غير البيع يمكن الاستعانة بقاعدة منع الغرر بناءً على أنّها عامّة كما هو الصحيح.

هذا تمام الكلام في القاعدة.

و تلخّص: أنّ التعليق إذا كان في الإنشاء على ما لا يعلّق عليه العقلاء أو الشرع فهو ليس ممتنعاً عقلًا؛ لأنّ الإنشاء خفيف المئونة لكن الوجه في المنع هو أنّ التعليق على شي‌ء معيّن معناه أنّ ذلك الشي‌ء دخيل في وجود المنشأ في الإنشاء، فكأنّه من شرائط الصحّة، فهو نوع من التقنين الجديد و التشريع في عالم العقلاء، و المتعاقدان و إن كان بالاختيار في أن يقنّنا تقنيناً جديداً في عالم اعتبارهما الخاصّ، و لكنّ العقلاء لا يعتبرونه و لا يعتدّون به؛ لأنّه خارج عن دائرة التقنين العقلائي، و كذلك الحال بالنسبة إلى الشرع، و اختلاف الأقوال ناش من هذه النكتة. و هذه النكتة لا تختلف بين أن يكون الإنشاء لعقد ابتداءً مثل: «وهبتك إن جاء زيد من السفر»، أو يكون الإنشاء في ضمن عقد آخر كشرط في ضمن عقد آخر؛ لأنّ هذا الإنشاء المعلّق على شي‌ء من هذا النحو يتحقّق فيه نفس المحذور من أخذ شي‌ء في الصحّة ليس مأخوذاً عند العقلاء أو الشرع، و يكون تقنيناً مغايراً لهما.

فإذن لا فرق في التعليق في الشروط أو التعليق في العقود الابتدائيّة خلافاً للمحقّق النائيني (رحمه الله)، حيث فصّل بين التعليق في العقود الابتدائيّة، و قال: هذا هو القدر المتيقّن من الإجماع، و بين أن يكون التعليق في الشروط. و التزم أكثر أعلام العصر بأنّ التعليق‌

____________

(1) الوسائل/ ب 40/ أبواب آداب التجارة/ ح 3، عن عيون الأخبار. و ب 12/ أبواب عقد البيع و شروطه/ ح 13، عن معاني الأخبار.

327

في الشروط لا مانع منه، و لكن لا فرق بينهما ما دام التعليق على أمر ليس مأخوذاً عند العقلاء في وجود المنشأ بجعله دخيلًا في وجوده و صحّته، فسواء أن أنشأ الهبة ابتداءً أو في ضمن البيع لا يصحّ فيها التعليق المزبور.

ثمّ إنّه لا بدّ من التنبيه على أنّ ما ذكرنا من جواز التعليق على شرائط الصحّة إنّما هو بلحاظ التعليق في نفسه لا بلحاظ العناوين الطارئة الاخرى، كما لو صدق على التعليق على شرط الصحّة الغرر بسبب عدم العلم بوقت تحقّقه، فهذا محذور آخر.

ثمّ إنّه لا بدّ من إمعان النظر في مقتضى الوجه الذي بنينا عليه، و أنّه هل يقتضي صحّة التعليق على شرائط الصحّة مطلقاً، أم لا بدّ من التفصيل في شرائط الصحّة؟ إذ لا يخفى أنّ شرائط الصحّة بعضها يرجع إلى شرائط أصل الماهيّة، و بعضها يرجع إلى شرائط الوجود، كما أنّ شرائط الوجود بعضها مقوّم ركني بمنزلة شرائط الماهيّة، و بعضها غير ركني، و من ثمّ فُصّل في أصالة الصحّة بين القسمين.

و لا ريب أنّ التعليق على ما هو من قبيل شرائط الماهيّة مع فرض أنّ الشرط غير متحقّق، و أنّ تحقّقه في المستقبل لا يصحّح إنشاء العقد، فلا يعتبر المنشأ موجوداً بوجود إنشائي معلّق؛ لأنّ بدون شرط الماهيّة لا يصدق عنوان الماهيّة، و من ثَمّ لا يكون العقد فعليّاً بعد تحقّق المعلّق عليه، و أمّا شرط الوجود الذي هو من القسم الأوّل- أي ما يكون ركناً- فالظاهر أنّه بمنزلة شروط الماهيّة في تقنين العقلاء، و لعلّه لذلك لم يصحّحوا البيع الفضولي في من باع ما لا يملك فضوليّاً، ثمّ ملكه، و بنوا على لزوم الإجازة.

هذا بلحاظ ما بعد تحقّق المعلّق عليه، أمّا قبله فلا ريب في عدم لزوم العقد؛ إذ هو فرع الفعليّة، و من ثَمّ جاز الرجوع في الجعالة و الوصيّة قبل تحقّق المعلّق عليه.

فتحصّل التفصيل في شرائط الصحّة غير الموجودة حين الإنشاء بين ما لم يكن شرطاً وجوديّاً غير ركني و بينه بالصحّة في الأخير دون الأوّل.

و بالجملة أنّ تمليك المعدوم غير ممكن لا بنحو الفعليّة؛ لأنّه تمليك ما ليس‌

328

عنده، و لا بنحو التعليق؛ لما مرّ، في ما كان المعلّق عليه شيئاً ليس من شروط الصحّة، و أمّا إن كان المعلّق عليه أمراً من شروط الصحّة نظير القدرة على وجود المملوك، فقد عرفت أنّ شروط الصحّة الركنيّة من قبيل شروط الماهيّة إذا علّق عليها و لم تكن موجودة التعليق عليها مندرج في التعليق الباطل. نعم، في إيقاع الجعالة عليه نصّ خاصّ قد تقدّم.

*** و بعد الفراغ عن هاتين القاعدتين نعود إلى ما كنّا فيه، و قد بنى السيّد الخوئي (رحمه الله) على كون المضاربة خلاف مقتضى القاعدة؛ لأنّ التمليك من مالك المال لعامل المضاربة إمّا أن يكون تمليكاً تعليقيّاً- يعني يملك مالك المال عامل المضاربة، الربحَ بعد وجوده لكي لا يكون تمليكاً للمعدوم و لا تمليكاً لما ليس عنده- و إمّا أن يملّكه فعلًا ما هو معدوم، فأمّا الشقّ الأوّل فهو من التعليق الباطل، و أمّا الشقّ الثاني فهو منافٍ للقاعدة، فإنّ تمليك المعدوم باطل.

فإذا تبيّن أنّ المضاربة تكون على خلاف القاعدة فلا يتوسّع فيها إلى موارد اخرى، بل يقتصر على مواردها المنصوصة.

أقول: قد وافقناه في المدّعى في كون المضاربة على خلاف القاعدة، لكن لا بهذا البيان؛ لأنّ التمليك معلّقاً على ما هي شرائط الصحّة لو بنينا على صحّته مطلقاً، فالملك الفعلي للربح من شرائط صحّة تمليك المالك للعامل، فيدخل آناً ما بعد وجود المضاربة في ملك المال ثمّ ينقل إلى عامل المضاربة فيعلّقه على وجود الملك لنفسه، ثمّ يملّك غيره.

هذا لا إشكال فيه من جهة التعليق لو بنى على صحّة التعليق على شرائط الصحّة مطلقاً، لكن في هذه الصورة إشكال آخر، و هو أنّ قاعدة (لا تبع ما ليس عندك) شاملة لها؛ لأنّ ظاهر تلك القاعدة عدم صحّة ذلك البيع مطلقاً، سواء بنحو التعليق أو بنحو الفعليّة؛ إذ ليس الشرط (كون المبيع عند البائع أو ملكاً له) فيها بنحو شرط الوجود‌

329

ليكون التعليق جائزاً، و بتحقّق الشرط بعد ذلك يتحقّق البيع، بل هو من قبيل الشروط التأهّليّة، فلا يصحّ التعليق حينئذٍ؛ لأنّ البيع المنشَأ يكون فاقداً للشرائط المقوّمة للماهيّة.

و أمّا ما ذكره السيّد السبزواري من أنّ العقلاء يعتدّون بتمليك المعدوم إذا كان قريب الفعليّة و الوجود، فهذا خلاف قاعدة «نهى عن ربح ما لم يضمن» مطلقاً، سواء بجعالة أو بغيرها، و أمّا تسويغ الشارع في الجعالة و الشراء و بيع الثمار قبل ظهورها، فهذا من باب تخصيص عموم القاعدة. و كذلك نقضه بالإجارة، فإنّ النقض بها إنّما يتمّ بناءً على أنّ الإجارة هي تمليك المنفعة، و أمّا إذا قلنا بأنّ الإجارة هي تمليك العين على وجه مخصوص، فالنقض غير وارد.

و لو قلنا إنّها تمليك المنفعة فهاهنا المنفعة و لو كانت بالدقّة العقليّة تُرى بالقوّة لا بالفعل وجوداً، إلّا أنّ العرف يرى أنّها بالفعل وجوداً، و هذا ليس تصرّفاً و تخصيصاً في القاعدة المتقدّمة، و إنّما هو تصرّف في المصداق بالنظر العرفي يعتبره موجوداً، و لك أن تقول بأنّ التمليك في الإجارة من باب التخصيص لتلك القاعدة بالأدلّة المستفيضة على صحّة الإجازة، بل قد يقال: إنّ الإشكال بالإجارة مبنيّ على عموم القاعدة لمطلق تمليك المنافع و الأعيان- أي مطلق المنع عن الإنشاء على موضوع مقدّر الوجود غير محقّق- بخلاف ما لو خصصناها بتمليك الأعيان، فلا تشمل المنافع، و منها الإجارة بخلاف المضاربة، فإنّها مشمولة للقاعدة على كلا التقديرين، لا سيّما و أنّ المضاربة- كما ذكرنا- ليس فيها تعليق؛ لأنّ الربح من أوّل وجوده هو من ملك العامل لا أنّه من ملك المالك، ثمّ ينتقل إلى العامل، فهي من باب التمليك الفعلي لما هو معدوم، فهي كالتخصيص للقاعدة.

و أمّا ما ذكره المرحوم الصدر (1) في الودائع البنكيّة- بناءً على أنّ البنك وسيط في‌

____________

(1) بعد تنقيح الكلام في قاعدة التعليق و قاعدة بيع ما ليس عنده، يتّصل الكلام مرّة اخرى

330

المضاربة بين أصحاب الأموال المودعين و بين أصحاب العمل المستقرضين- بأنّه تمليك للربح بالشرط، أي معلّق على ظهور الربح و التعليق على ظهور الربح لا مانع منه، و حينئذٍ نستطيع أن نصوّر الأموال الموجودة في البنوك أن تكون ودائع، فأصحاب الأموال لا يملّكون المال للبنك قرضاً، بل يوكّلونه في التعامل مع أصحاب الأعمال، و يشترط البنك عليهم بانّ الربح يوزّع بالنسبة بين الأطراف معلّق على تملّكهم له من باب الشرط، و أنّ التعليق في الشرط لا بأس به، و بذلك نستطيع أن نحافظ على كون الأموال ودائع.

ففيه مضافاً إلى الإشكالات التي تقدّمت في محلّه (1) أنّ هذا الشرط معلّق على تحديد مفاد القاعدتين، و قد تقدّم أنّ التعليق على شرط الصحّة الركني غير الموجود من التعليق الباطل. هذا من ناحية التعليق، و لو أغمضنا العين عن هذا المحذور [و بنينا على الصحّة من هذه الجهة، و أنّ التعليق- على وجود الربح و دخوله في ملك أصحاب الأموال، ثمّ تمليك أصحاب الأموال لذلك الربح الذي دخل في ملكهم للبنك، إلّا ما استثنى من قدر لهم- صحيح]، ففيه محذور آخر من ناحية القاعدة الثانية، و هو تمليك ما لم يوجد، و لو كان التمليك تعليقيّاً كما اتّضح في ذيل القاعدة الثانية، فتلك الحيلتين يشكل عليهما بهذين المحذورين، فلا يصحّ ما صوّره الصدر.

هذا تمام الكلام في الحيل المذكورة في كتبنا.

____________

بالحيلة الثانية عشرة التي كان الكلام فيها، و هو تتميم للكلام في الحيلة العاشرة التي ذكرها الصدر.

(1) في ذيل الحيلة العاشرة، و كان عمدتها أنّ الأموال التي يجري التعامل بها في الابتداء و الانتهاء كلّها في الذمم، فلا موضوع للوديعة في البين، فلاحظ بسط الكلام في محلّه.

331

بقي الكلام في الحيل المذكورة عند العامّة

الاولى: حيلة تسمّى ببيع المرابحة للآمر بالشراء

، و هذه متّخذة في البنوك الإسلاميّة الموجودة في الخليج، و صورتها هكذا: بأن يأتي الشخص الذي يريد أن يستقرض من البنك، و في الغالب يريد أن يستقرض من البنك لأجل شراء بيت أو سيّارة أو شي‌ء معيّن، فحينئذٍ بدل الاستقراض من البنك و أخذ البنك بدلًا زائداً فيكون رباً محرّماً، يتوصّل إلى الزيادة بهذه الطريقة بأن يأمر هذا العميل- الذي يتعامل مع البنك- البنك بشراء هذا الشي‌ء- البيت أو السيّارة- ثمّ يكون بينهما وعداً على أنّه لو اشتراه البنك أنّ الآمر يشتريه مرّة اخرى من البنك بأزيد من القيمة، بسعر أعلى و بنحو تقسيط الثمن، فيقوم البنك بشراء تلك الحاجة ثمّ يبيعها على صاحب الحاجة بثمن أعلى، فيصل البنك إلى نفس الربح، و مع ذلك لم يرتكب القرض الربوي، و هذا يمارس بشكل كثير و بنطاق واسع في تلك البنوك.

و هذه الطريقة بهذا المقدار لا إشكال فيها، إلّا أنّهم واجهوا إشكالًا فنيّاً ماليّاً في بعض الموارد، و هو عدم شراء الآمر و صاحب الحاجة- أي عدم وفائه بالوعد الابتدائي- فلا يشتريها من البنك، فتظلّ العين على كاهل البنك، فبناءً على أنّ الوعد الابتدائي واجب الوفاء يتمّ دفع الإشكال عند بعض العامّة و الخاصّة، و أمّا بناءً على عدم وجوب الوفاء بالوعد الابتدائي فرمّمت هذه الحيلة بعقد آخر. و على أيّة حال، هذه الحيلة لا إشكال فيها، بل هي نفس حيلة العينة المذكورة في أخبار العينة لدينا، إلّا أنّ في تلك الأخبار عدّة أنحاء لها، بعضها تداول العين بين صاحب الحاجة و الطرف الآخر مرّتين و أنحاء اخرى.

الثانية: المضاربة

، و قد مرّت، إلّا أنّ فيها ثلاث نكات فنيّة منضمّة لتكوّن حيلة.

و هذه النكات شروط لا تتنافى مع شرعيّة المضاربة؛ لأنّ منشأ المعضلة الماليّة في‌

332

المضاربة و منشأ عدم إقدام أصحاب الأموال على المضاربة هو أنّ صاحب المال عند ما يعطي عامل المضاربة المال لا يطمئنّ بتحفّظ العامل على المال و عدم تبذيره له، و لا يتعامل مع المال كما له في الحرص عليه، و تحرّي مظانّ التجارة المربحة، فضمّوا إلى المضاربة هذه الشروط، و هي لا تتنافى مع الشرائط العامّة لصحّتها؛ إذ ليست هي من قبيل شرط الضمان الموجب لانقلابها قرضاً، و الشروط كالتالي:

1- إنّه يقوم البنك أو مالك المال بدراسة أوضاع العميل (المضارب) من الناحية الأخلاقيّة و العمليّة، فإذا اطمأنّ إليه و إلى جدوى المشروع دفع المال إليه. و هذا لا إشكال فيه.

2- أن يشترط مالك المال على عامل المضاربة أن يجعل عليه رقيباً، ما يسمّى الآن بمدقّق الحساب، فيجعل له رقيباً يراقب العامل في كلّ مراحل العمل.

و هذا لا إشكال فيه أيضاً، و لا ينافي أمانة العامل، بل ربّما يشترط عليه عدم إمضاء أيّة معاملة إلّا بإذن هذا المشير و هذه نكتة عمليّة لأجل الاحتياط.

3- يشترط مالك المال أنّي لا اعطيك رأس المال دفعة، و إنّما اعطيك شيئاً فشيئاً.

و هذا لا إشكال فيه أيضاً، نظير ما ذكره الفقهاء في باب المضاربة أنّه يجوز إدخال مضاربة في مضاربة، أو يجوز توسعة رأس المال الذي بيد عامل المضاربة، فبمقتضى هذا الشرط كأنّما يتّسع موضوع المضاربة أو يضمّ موضوع إلى موضوع و رأس المال هو موضوع المضاربة. و بهذه النكتة يتفادى البنك الخسارة، أو الخيانة، أو عدم الاهتمام و عدم الخبرة نوع من الوقاية عنها.

و بهذه النكات تتلافى المشكلات من ناحية عمليّة.

الثالثة: التمويل بالمشاركة

، و هذا في الواقع شركة بتمام معنى الكلمة، كلّ من الشريكين يضع ماله و يضمّه إلى مال الآخر، غاية الأمر أحدهما ذو مال أكثر، و الآخر ذو مال قليل، و هذه الحيلة لا إشكال فيها. إلّا أنّه فيها نكات فنيّة لا بأس بها، مثل‌

333

شروط توزيع الربح بالنسبة، و شروط تتعلّق بالتصفية و أساليب التمويل بالمشاركة.

و الشركة عندهم على أقسام، تارة مشاركة ثابتة، فإنّ صاحب الخبرة يضع مالًا قليلًا بينما صاحب المال يضع مالًا كثيراً، و صاحب المال الكثير لا يكون له العمل الكثير، و لكن صاحب المال القليل يأتي بالعمل الكثير، فحينئذٍ يقسّم الربح بالنسبة.

و هذه الشركة دائمة تارة، و محدودة تارة اخرى، و متناقضة أو منتهية بالتمليك تارة ثالثة، و بموجب المشاركة الثابتة يقوم البنك بامتلاك حصّة ما في المشروع و يبقى شريكاً دائماً إلى أن تنتهي مدّة الشركة بالتصفية الاختياريّة أو غيرها، و يتحمّل البنك طيلة فترة المشاركة نتائج الشركة ربحاً أو خسارة، و تأخذ هذه المشاركة إشكالًا قانونيّة متعدّدة تخضع لضوابط قانون الشركات في البلد المُقام به المشروع، و تندرج تحت هذا النوع من المشاركة الكثير من الأنشطة التجارية و الاستثماريّة، و المشاركة المحدّدة هي مشاركة محدّدة بزمن أو صفقة أو عمليّة معلومة، و تنتهي تلك المشاركة بانتهاء الزمن أو الدورة الماليّة أو العمليّة المحدّدة كمقاولة بناء أو إنشاء.

و يتصدّون بالمتناقصة أنّ البنك الحكومي- مثلًا- اذا أراد أن يرفع المستوى المالي لأفراد المجتمع ذوي الخبرة ممّن لا مال لهم فيشاركهم في بعض المشاركات، و يقرّر في هذه المشاركة أنّ صاحب الخبرة يشترط على البنك في مشروع تجاري بأنّ له الحقّ أن يشتري كلّ سنة هذا المقدار من سهم البنك و يتملّكه. فحينئذٍ لا تمضي عشر سنين إلّا و صاحب الحاجة قد تملّك كلّ أسهم البنك، فالبنك يدخل شريكاً و هو يعلم أنّ الشريك الآخر سوف يحلّ محلّه و ذلك بشراء حصص البنك تدريجيّاً، أي كلّ شهر حصّة، و ما دام البنك شريكاً فإنّه يتحمّل نتائج العمل ربحاً أو خسارة بنسبة ما يملك.

و يمكن الاتّفاق على أنّ يشتري الشريك حصص البنك من ربح العمليّة ذاتها طبقاً لدراسة فنيّة ارتضى بها تحديد الطرفان عند التعاقد، و توفّرت لديهما القناعة بجدوى المشروع، أمّا تحديد القيمة البيعيّة لحصص البنك فتتمّ بطريقتين:

الاولى: أن يبيع البنك حصصه بسعر السوق في تاريخ شراء الشريك الحصص.

334

الثانية: الاتّفاق على البيع بقيمة يتّفق عليها في العق بين الطرفين.

الرابعة: الإجارة المنتهية إلى التمليك،

و في هذه الحيلة يتمّ التوصّل لزيادة القرض عبر الاجرة في مدّة الإجارة، ثمّ يشتري المستأجر الشي‌ء الذي يحتاج إليه من الموجر، كمن أراد أن يسكن بيتاً أو يقيم مشروعاً تجارياً، فيكون القرض للاستثمار و المقرض، سواء كان تاجراً أم بنكاً، يقوم بتملّك المشروع التجاري أو البيت، و المستقرض يكون أجيراً في ذلك المشروع، و يعطي البنك اجرة بالغة، و يشترط المستأجر عليه أن تكون الإجارة منتهية إلى التمليك يسمّونها الإجارة المنتهية إلى التمليك، بمعنى أنّ للأجير حقّ أن يشتري أسهم هذا المشروع. فبهذه الحيلة لا تكون كلّ الأرباح صافية للمستقرض (لبّاً) و لا يعطي التاجر أو البنك المقرض قرضاً من دون ربا، فيتضرّر البنك، بل المقرض يشتري المشروع و المستقرض يكون مديراً أو مشرفاً عليه بالإجارة، و يشترط في عقد الإجارة أنّ له حقّ أن يتملّك أسهم ذلك المشروع شيئاً فشيئاً.

هذا في ما إذا كان القرض لأجل الاستثمار.

و إذا كان القرض لأجل الحاجة و الاستهلال، كالبيت أو السيّارة، فيتوصّل إلى تملّكها كالتالي: يقوم البنك بشراء البيت فيكون ملكاً له، و يوجره بإجارة معيّنة مدّة سنين بحيث يكون البنك قد أخذ الأرباح، ثمّ يشتريه صاحب الحاجة بنفس القيمة السابقة، فيكون البنك قد حصل على القرض و الأرباح، غاية الأمر بنحو التقسيط، و هذا لا إشكال فيه أيضاً، فهاهنا جمع بين أغراض صاحب المال و صاحب الحاجة بحلول شرعيّة وسط.

335

و هنا نرجع إلى متن المسائل المستحدثة:

مسألة 2: لا يجوز إقراض البنك بشرط الحصول على الفائض المسمّى في عرف اليوم بالايداع،

بلا فرق بين الايداع الثابت الذي له أمد خاصّ (1) بمعنى أنّ البنك غير ملزم بوضعه تحت الطلب، و بين الإيداع المتحرّك المسمّى بالحساب الجارى، أي أنّ البنك ملزم بوضعه تحت الطلب (2).

نعم، إذا لم يكن الإيداع بهذا الشرط فلا بأس به.

حكم ما يدفع إلى البنك هو عدم جواز اشتراط الزيادة بعد ما كان قرضاً لا وديعة؛ إذ أنّ الوديعة و الأمانة تتقوّم بوجود، و بقاء العين التي تؤتمن، بينما في المعاملة البنكيّة لا تبقى العين، بل يتصرّف فيها البنك تصرّف المالك، فلذا كان التعامل الجاري في ما يسمّى بالإيداع أو الائتمان في الحسابات البنكيّة هي قرض حقيقة، و قد تقدّم البحث عن إمكانيّة تصوير الوديعة مع ذلك في الأبحاث السابقة.

نعم، هو إيداع بالمعنى الأعمّ اللغوي بمعنى مطلق الحفظ للماليّة، و هو يشمل القرض حيث يكون أحد أغراض و فوائد القرض هو حفظ ماليّة المال و إيداعها في ذمّة البنك و ائتمان البنك عليه، كما لو كان إنسان في بلاد مخطورة و لا يأمن أن يحتفظ بالمال في يديه، فحينئذٍ يقرض ذلك المال شخصاً آخر معتمداً و يشترط عليه التسليم في بلد آخر، فهذه الثمرة ممكنة الحصول من القرض من كون استبدال العين بالذمّة أءمَن لصاحب المال.

و سيأتي في المسألة (5) في بحث البنوك الحكوميّة طريق من السيّد الخوئي (رحمه الله)

____________

(1) الذي يسمّى ب‍ (سپردۀ مدّت دار).

(2) مثل القرض بشرط المدّة و لا بشرط المدّة، ففي الأوّل له إسقاط حقّ الطلب، فليس له حقّ المطالبة إلّا بعد هذه المدّة، و في الثاني هو الحساب الجاري، أي في أي وقت طلب ماله من الدين على البنك يمكن له أخذه.

336

للتخلّص عن حرمة اشتراط الزيادة، و أنّ هذه الحيلة تعمّ الاقراض كإيداع و الاقتراض من البنك، مثلًا: إذا تعامل مع البنوك الحكوميّة في النظام غير الإسلامي، فإنّ بالإمكان الايداع فيها من دون قصد اشتراط الزيادة بدرجة القصد الجدّي، و إن الزم بإملاء الاستمارة (الفرم) و كتابتها، حيث أنّ في العرف المقرّر التعاملي لديهم اشتراط الزبون على البنك أخذ الزيادة، و الوجه الذي ذكره للتخلّص ثمّة هي بأن يودع المال في البنك لكن من دون إنشاء جدّي لشرط الزيادة، و إن أقدم الزبون على توقيع ورقة التعامل التي بينه و بين البنك المتضمّنة لشرط أخذ الزيادة؛ و ذلك بأن يبني في نفسه على أنّ البنك لو لم يدفع إليه الفائدة لم يطالبها منهم، فلو دفع البنك الفائدة جاز له أخذها لا من باب الأخذ بالشرط و العمل به، بل بقصد وضع اليد على مجهول المالك- على القول بعدم ملكيّة التصرّف للدول الوضعيّة- أو بقصد جواز التملّك من بيت المال على القول الآخر، بمعنى أنّه يبني في نفسه على العدم، و إن كان يبرز الاشتراط صورة، إلّا أنّه لا يعزم بالإرادة الجدّية على الاشتراط، فيخفي في باطن نفسه على أن لا يطالب و لا يلزم البنك بالزيادة، فحينئذٍ يكون هذا الإقراض للبنك صحيحاً و جائزاً تكليفاً و وضعاً.

أمّا وضعاً فهو إمّا لأنّ القرض لا تتأثّر صحّته بشرط الزيادة، أو لأنّ الربا غير موجود في البين. على تقدير تماميّة هذه الحيلة. و أمّا تكليفاً فلأنّه إمّا تصرّف في مجهول المالك أو في بيت المال، و هو جائز بهذا المقدار.

و خصّ (رحمه الله) هذه الحيلة بالبنك الحكومي و لم يعمّمها للبنك الأهلي مع أنّه تتأتّى في كلا الموردين؛ لأنّ الحيلة المزبورة تعتمد على انتفاء موضوع اشتراط الزيادة في القرض و المحرّم للربا، و ذلك بانتفاء الجدّ و القصد في الإنشاء، و هو ممكن تعميمه لبقيّة الموارد- على فرض صحّة و تماميّة الطريق بالنسبة إلى مقام الإنشاء دون أخذ الزيادة- و ذلك الطريق لم يتفرّد به السيّد الخوئي، بل ذكره عدّة من الأعلام المتأخّرين في عصرنا.

337

أمّا بالنسبة إلى أخذ الزيادة في البنك الأهلي فحيث بنى السيّد الخوئي (رحمه الله) على كونه مالكاً بخلاف الحكومي فيشكل أخذ الزيادة و لو بعنوان آخر. و هذا بخلاف مقام الإنشاء مع البنك الأهلي، حيث أنّ الزبون و إن اشترط الزيادة على نفسه صوريّاً إلّا أنّ بنائه أن لا يشترط الزيادة كعزم جدّي في باطن نفسه، فلا تقع المعاملة باطلة و لا محرّمة لا أقلّ من طرف واحد، و إن كان من الطرف الآخر- البنك الأهلي- تقع محرّماً، فبهذه الحيلة يتخلّص من الحرمة في مقام الإنشاء دون مقام أخذ الزيادة في المعاملة مع البنك الأهلي فتقع المعاملة معه من دون نفوذ الشرط، و لا يسوغ له أخذ الزيادة و إن كان قد تخلّص من الحرمة التكليفيّة و الوضعيّة للمعاملة، لكنّ الزيادة حرام أخذها مورداً و شرطاً.

أمّا مورداً، أي في مورد الإيجاب الذي هو عين مورد القبول، فكما لو كانت الزيادة في متن المعاوضة القرضيّة كأن يقول: «أقرضتك مائة بمائتين»، و أمّا الشرط فكما لو جعل الزيادة خارجة عن المعاوضة القرضيّة بأن قال: أقرضك مائة بشرط الزيادة، و على كلا التقديرين فلا يسوغ أخذ الزيادة. نعم، بين الصورتين فارق ما حيث أنّه في الصورة الاولى لا يكون تطابقاً بين الإيجاب و القبول- عند ما لا يقصد الزبون إنشاء الزيادة بالإرادة الجدّية في فرض هذه الحيلة- بخلاف الصورة الثانية، فإنّ عدم التطابق إنّما هو في الشرط، و هو أهون إشكالًا منعدم التطابق في الإيجاب و القبول، لكن هذه التفرقة مبنيّة على أنّ أخذ الزيادة في الإيجاب و القبول في مقام الإنشاء لا ترجع لبّاً إلى اشتراط الزيادة، أي تكون داخلة في متن المعاوضة لبّاً، و قد تقدّم عدم دخولها في متن المعاوضة المعنويّة، و إن كانت في الصورة اللفظيّة للإنشاء مأخوذة كمورد للإيجاب و القبول.

أمّا وجه الإشكال في أخذ الزيادة مع أنّ القرض وقع صحيحاً مع المالك الشرعي- سواء كان البنك الأهلي أم غيره- فلأنّ الفرض أنّ المالك لا يدفعها إلّا بذلك العنوان، و لا يصحّ أخذها بذلك العنوان لأنّه الربا المحرّم، و لا بعنوان آخر؛ لأنّ المالك‌

338

لم يقصده، و لا يتوهّم أنّ المالك مملّك الزيادة تمليكاً مجّانيّاً، غاية الأمر بداعي الوفاء بالشرط الربوي و تخلّف الداعي لا يخلّ في قصد التمليك و الزبون يتملّكه لا بقصد ذلك الداعي.

و أنّ العمل بالشرط من قبيل الدواعي، و الدواعي لا يضرّ تخلّفها، و إنّما المهمّ قصده لماهيّة المعاملة و هي التمليك المجّاني؛ و ذلك لأنّ الوفاء بالشرط ليس من قبيل الدواعي نظير شراء اللحم من القصّاب بداعي الضيوف، فلو لم يحضروا في بيته لما أضرّ بالبيع؛ و ذلك لأنّ الشرط عبارة عن الالتزام القانوني المعاملي و إنشاؤه للتمليك ليس تمليكاً ابتدائيّاً و برضى مستقلّ بالتمليك، بل هو بتبع رضاه بأصل الاشتراط (الاشتراط الربوي)، و ليس هو بإنشاء للرضا بطيب خاصّ، بل أنّه يتبع الالتزام بالشرط، فحينئذٍ يكون التمليك غير صحيح.

و بعبارة اخرى: أنّ هذا التمليك ليس تمليكاً مجّانيّاً بعنوان الهدية، بل هو تمليك بعنوان الربا الذي هو أحد العناوين المحرّمة، و قد خصّص من عمومات صحّة الهبة و الهدية، فلا يصحّ وقوع هذا العنوان.

339

[بحث البنوك]

البنك الحكومى

مسألة 3: لا يجوز التصرّف في المال المقبوض منه بدون إذن من الحاكم الشرعي أو وكيله.

لبناء السيّد الخوئي على عدم ملكيّة الدول الوضعيّة- أي عدم ملكيّتها للتصرّف في الأموال العامّة، و عدم إمضاء الشارع لتلك التصرّفات، فلا تقع تصرّفاتها نافذة، فتختلط الأموال المملوكة بحوزة تلك الدول، فتكون مجهولة المالك- و أمّا بناءً على ما هو الصحيح (1) من الملكيّة بمعنى إمضاء الشارع تصرّفات تلك الدول الواقعة عبر المعاملات المشروعة في ذاتها، كإذن تسهيلي لعموم المؤمنين، لا من باب شرعيّة تصدّي تلك الدول الوضعيّة.

فليس المراد من ملكيّة تلك الدول أنّها مالكة، بل الملكيّة لبيت المال، و قد قرّر الشارع كون بيت المال مالكاً، غاية الأمر تتصرّف هذه الدول باعتبار أنّها وليّ قيّم على بيت المال (الخزينة الوطنيّة)، و تلك التصرّفات ليست صحيحة بمقتضى القاعدة، لكنّ الإمام (عليه السلام) الذي هو المالك الحقيقي للتصرّف يمضي تعاملات المؤمنين مع تلك الدول تسهيلًا عليهم، و الملكيّة هي لبيت المال لا لتلك الدول، أمّا تصرّفاتها في بيت المال فيمضيه الوليّ الحقيقي من دون أن يرفع الإثم عن الوالي غير الشرعي، فمن ثمّ بنينا على جواز المعاملة مع تلك الدول من دون حاجة إلى الإذن من الحاكم الشرعي.

فلا يفترق الحال بين البنك الحكومي و الأهلي، كما ذهب إليه السيّد (رحمه الله). هذا و يرد على التفرقة في هذه المسألة و المسألة الثانية إشكال ثانٍ:

و ذلك أنّ البنوك لها نظام خاصّ يسمّى بالنظام المركزي و البنوك الفرعية نظير العين‌

____________

(1) كما بحثنا عنه مفصّلًا في كتاب ملكيّة الدول الوضعيّة.

340

و روافدها، أي أنّ البنك المركزي- كما هو المصطلح الدراج في بعض الدول- أو المؤسّسة النقديّة الوطنيّة- كما هو المصطلح في دول اخرى- يكون هو البنك الامّ و بقيّة البنوك- سواء الأهليّة أم الحكوميّة، الأجنبيّة أم الوطنيّة- تكون كزبائن متعاملة مع ذلك البنك الامّ، أي فيكون لكلّ بنك حساب خاصّ في البنك المركزي أو مؤسّسة النقد، و يكون رأس مال تلك البنوك مودعاً في الحساب الذي يخصّه لدى البنك المركزي، و إن كان كلّ بنك له نظام خاصّ في التعامل مع زبائنه، و لكن يصحّ القول بأنّ تلك البنوك تكون بمنزلة شعب للبنك المركزي لا بقول مطلق، بل بنحوٍ نسبي بنسبة ما حيث أنّ البنك المركزي أو مؤسّسة النقد الوطنيّة يقومان بفرض شروط على تلك البنوك و أنشطتها في ذلك البلد بما يخدم المصلحة الاقتصاديّة و الماليّة في تلك البلاد.

و الوجه في اضطرار البنوك لفتح الحساب في البنك المركزي الحكومي أو مؤسّسة النقد الوطنيّة هو أمران:

الأوّل: احتياج البنوك للسيولة النقديّة بنحو مستمرّ، و لا يمكن توفيرها إلّا بالسيولة الموجودة بحوزة الدولة.

الثاني: إجبار الدولة سائر البنوك على هذا النظام لحفظ المصالح الماليّة و الاقتصاديّة للبلاد، و حفظ الرقابة على الحدود الجمركيّة الماليّة بحسب الوارد و الصادر.

و على طبق ذلك النظام البنكي تستقي البنوك سيولة يوميّة من البنك، كما أنّها ترجع في نهاية اليوم، أو عدّة من الأيّام، الفائض النقدي إلى البنك المركزي. ففي الحقيقة البنوك يكون تعاملها مع زبائنها واقعاً على الأموال التي لها في حساب البنك المركزي في الجملة، سواء في شكل السيولة النقديّة أم الذمّة الاعتباريّة، فالنظام المركزي خزينته أحد شعب خزينة الدولة، و بيت المال من قبيل العين و بقيّة البنوك تكون من قبيل الجداول، و يكون المال متحرّكاً من الجدول إلى العين و من العين إلى الجدول‌

341

بنظام مذكور في الكتب التخصّصيّة الماليّة و البنكيّة. و هذا النظام عامّ للبنوك.

و لو كان ذلك البنك الأهلي أجنبيّاً فهناك نوع من التعامل و السيولة المتحرّكة بشكل يومي كلّ فائض من البنوك الفرعيّة تذهب إلى البنك المركزي و النقص في السيولة يُملأ من المركزي، و على ضوء ذلك فالودائع و الأموال التي تخزن في البنوك الأهليّة تكون في خزينة البنك المركزي و إن كانت أرباح البنك الأهلي مستقلّة.

و يتحصّل من ذلك أنّ حكم الأموال في البنك الحكومي و الأهلي متّحد لا فرق بينهما؛ لما عرفت من أنّ أموال البنك الأهلي مصدرها غالباً سيولة البنك المركزي التي هي من جهول المالك على مبنى الماتن.

لا يقال إنّه غاية ذلك أنّ بعض أموال البنك الأهلي مجهولة المالك و بعضها ملك شخصي له، فلا مانع من التعامل معها؛ لأنّ يده يد الملكيّة، فهي أمارة الملكيّة و أمارة أنّه ملك و ليس بمغصوب، إلّا إذا حصل الابتلاء بجميع أمواله للعلم الإجمالي بوجود المغصوب؛ لأنّه لا صغرى معتدّ بها للأموال الاخرى لأنّه ما يدور في البنوك الأهلي و ما يكون فيها من السيولة غالبها الأعظم من البنك المركزي، و إن كان قسط منها يحصل لديه من التعامل مع المشترين، إلّا أنّها ترجع كسيولة إلى البنك المركزي، و هو يعاود أخذها كسيولة من البنك المركزي بعد كون خزينته الأصليّة عند البنك المركزي، أي أنّ معاملاته مختلطة بنحو الإشاعة بأموال البنك المركزي.

و لو غضضنا عن هذه الإشاعة فإطلاق فرض صحّة المعاملة معه ليس في محلّه، أمّا المعاملات الجارية في الذمم فإن كانت بلحاظ ما للبنوك من دوين و ودائع في البنك المركزي و مؤسّسة النقد فهي تقع باطلة على القول بعدم ملكيّة الدولة لعدم اعتبار ذمّة البنك المركزي.

و إن لم تكن بلحاظها- أي بلحاظ ذمّة تلك البنوك الأهليّة ذاتها- فتقع صحيحة.

و من هذا الإشكال الثاني يتّضح مورد آخر لتطبيق الإشكال في ما سيأتي، و هو التعامل مع البنوك الأجنبيّة، حيث جوّز الماتن التعامل معها؛ إذ تلك البنوك إن كانت‌

342

في البلدان الإسلاميّة فالإشكال السابق يرد عليه من أنّ أمواله مختلطة بمجهول المالك بخلاف ما إذا كانت في بلادهم.

و بالجملة أنّ الوجه التخلّصي المزبور من الربا الذي يتأتّى لأجل رفع الحرمة التكليفيّة أو الوضعيّة على القول بها فيما إذا كان الطرف البنك الأهلي أو المالك الشخصي، حيث يشترط البنك على نفسه الربا، أنّ ذلك الوجه لا يدفع الإشكال من جهة أخذ الزيادة الربويّة لوجهين: إمّا لأنّ رضاه مقيّد أو لأنّ التمليك بعنوان الربا في الدين عنوان صنفي من الهدية خارج عن عموم صحّتها، و قد يتأمّل في الوجه الأوّل من جهة أنّ تمليك الزيادة من قبيل شرط الفعل لا شرط النتيجة كي يبطل ببطلان المشروط فيه، و هو المعاملة الأصليّة أو ببطلان نفس الاشتراط؛ و ذلك لأنّ أداء شرط الفعل يتمّ بإنشاء مستقلّ، غاية الأمر للمشروط عليه خيار الفسخ بعد عدم لزوم الوفاء بالشرط، و لكن يمكن دفعه بأنّ الشرط فيما نحن فيه ليس شرط الفعل، بل هو شرط النتيجة؛ لأنّ في القرض الربوي تشترط الزيادة بنحو تمليك شرط النتيجة و ينشأ تملّك المقرض للزيادة، و تكون في ذمّة المقترض، فيكون في ذمّته أصل الدين و الزيادة، فتملّك الزيادة من قبيل شرط النتيجة التي يحصل أثرها بمجرّد اشتراط و بفساد الشرط يفسد تملّكها، و ما يعطيه لاحقاً إنّما هو كأداء للزيادة المملوكة في الذمّة.

فلا يصحّ تقاضي الزيادة لأنّها لا تعطي بقصد إنشاء مستقلّ نظير شرط الفعل، بل أداؤها مبني على الإنشاء السابق الفاسد.

مسألة 4: لا يجوز الاقتراض منه (1) بشرط الزيادة

لأنّه رباً، بلا فرق بين كون الاقراض مع الرهن أو بدونه. نعم، يجوز قبض المال منه بعنوان مجهول المالك لا القرض بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله، و لا يضرّه العلم بأنّ البنك يستوفي الزيادة منه قهراً، فلو طالبه البنك جاز له دفعها حيث لا يسعه التخلّف.

____________

(1) من البنك الحكومي.

343

حكم هذه المسألة بناءً على ملكيّة الدولة- و لو بالمعنى الذي ذكرنا من التسهيل من قِبل الوليّ الحقيقي (الإمام)- و عليه يكون التعامل مع البنك الحكومي نافذاً صحيحاً، و إن كان البنك في الدول غير الشرعيّة، فمن ثمّ الاقتراض منه بشرط الربا حرام.

و هذا بخلاف الحال على القول بعدم الملكيّة، فإنّ المعاملة معه صوريّة باطلة، حيث لا يملك البنك التصرّف، و تكون ما بحوزته من الأموال المملوكة لأصحابها التي انتقلت إلى حوزته باقية على ملكيّة أصحابها، فلا تنتقل إلى المقترض. فعلى هذا القول قد يستشكل في حرمة إنشاء القرض الصوري الربوي، و هو محلّ ابتلاء و حاجة كثير من المكلّفين و المقلّدين، حيث أنّ بناء البيت أو الأشياء الاخرى الضروريّة للمعاش، لا يتمكّن أكثر النّاس من توفيرها إلّا باقتراض من البنوك.

هذا تقريب الإشكال على المتن، لكنّ الصحيح هو الذي بنى عليه الماتن من الحرمة حتّى بناءً على مجهول المالك، و الوجه في ذلك:

1- إنّ حرمة الربا حيث أنّها مغلّظة فيستفاد منها حرمة الربا في المعاملة الحقيقيّة و المعاملة الصوريّة أيضاً، بقرينة شدّة مبغوضيّة الربا للشارع.

و لكنّ هذا المبنى على استظهار ذلك من الأدلّة.

2- إنّ إنشاء هذه المعاملة يحقّق إنشاء المعاملة الربويّة عرفاً فيتحقّق موضوع الحرمة.

و توضيحه: أنّ موضوع حرمة الربا ليس هو القرض الصحيح، بل القرض الربوي بوجوده العرفي؛ لما قد تقدّم مراراً من أنّ أدلّة الصحّة يمتاز موضوعها في العمومات المعامليّة عن موضوع أدلّة اللزوم بأنّ موضوعها المعاملة بوجودها العرفي؛ لأنّ المعاملة الصحيحة شرعاً لا معنى لأن يصحّحها الشارع، و هو تحصيل للحاصل لو جعل موضوع أدلّة الصحّة المعاملة بوجودها الشرعي، بل الصحيح العرفي يصحّحه الشارع، و هذا بخلاف أدلّة اللزوم؛ إذ لا معنى لأن يوجب الشارع لزوم المعاملة العرفيّة التي ليست بصحيحة عنده، فلا بدّ أن يكون موضوع أدلّة اللزوم المعاملة‌

344

الصحيحة شرعاً.

و كذلك الحال في أدلّة الفساد؛ إذ لا يمكن أن يفسد الشارع المعاملة بوجودها الشرعي- أي الصحيحة عنده- فلا بدّ أن يكون موضوع أدلّة الفساد المعاملة بوجودها العرفي.

إن قلت: إنّه و إن سلّم أنّ موضوع أدلّة الفساد هو المعاملة العرفيّة لا الشرعيّة الصحيحة، و لكن الموضوع هو المعاملة العرفيّة التي ليست لها مُفسد شرعي لو لا الربا، و أمّا المعاملة التي لها مفسدات غير الربا فلا تشملها حرمة الربا.

قلت: ما المرجح و ما المعيّن في أن يكون المفسد جهة اخرى لا هذه الجهة الربويّة، نظير الموانع المجتمعة كلّ منها يصحّ نسبة بطلان الصلاة إليها؛ إذ هي في عرض واحد تعرض على موضوع واحد، و الأدلّة المختلفة لفساد المعاملة موضوعها واحد، و هي المعاملة العرفيّة في عرض واحد، كما أنّه لصحّة المعاملة يستدلّ بعدّة عمومات، و لا يعدّ ذلك لغواً.

فمن جهة انطباق العقد عليه هو موجب لصحّتها، و من جهة انطباق البيع عليها يشملها (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) من جهة انطباق الشرط أيضاً يشملها «المؤمنون عند شروطهم» فتصحّح المعاملة البيعيّة من حيثيّات مختلفة بلا مانع من ذلك، فهذا الوجه تامّ.

و يترتّب على ذلك أنّ عموم حرمة الربا شاملة للمعاملة الربويّة التي ينشئها المحجور عليه، فلا يقال: إنّ المحجور لا محصّل لمعاملاته و الربا المنشأ صوري؛ لأنّ معاملته الإنشائيّة جدّية بحسب العرف، فتكون رباً في النظر العرفي، و إن كانت صوريّة غير ممضاة بحسب النظر الشرعي و الأدلّة لابتلائها بمانع، و قد عرفت أنّ موضوع أدلّة الفساد هو المعاملة بحسب النظر و افق الوجود الاعتباري العرفي، مضافاً إلى أنّ حرمة الربا أو حرمة المعاملات الفاسدة شرعاً إنّما هو لأجل الزجر عن الجري العرفي العقلائي الموجود، و الفرض أنّ البناء العرفي متداول و موجود، و إن كانت‌

345

الدولة مجهولة المالك بحسب القانون الشرعي على القول بعدم ملكيّة الدولة أو و إن كانت من جهة اخرى المعاملة فاسدة لموانع اخرى، إلّا أنّ الجري الربوي متداول به في البناء، و المفروض أنّ الحرمة الشرعيّة هي للسدّ عن تداول هذا البناء.

3- تلازم الحرمة الوضعيّة و التكليفيّة، و المفروض أنّ في المعاملة الربويّة المبتلاة بالفساد من جهات اخرى كعدم الولاية و نحوها هي فاسدة و باطلة وضعاً من جهة مانعيّة الربا عن الصحّة، و إذا كانت الحرمة الوضعيّة للربا عامّة شاملة للفرض فكذلك الحرمة التكليفيّة لأنّ دليلهما واحد بلسانٍ متّحد.

و أمّا قوله: «نعم، يجوز قبض المال فيه بعنوان مجهول المالك لا القرض»، فهو مبنيّ على صحّة الحيلة التخلّصيّة، و هي ما لو أودع و أقرض البنك الحكومي أو الأهلي، حيث أنّ من قوانين التعامل البنكي اشتراط الزيادة على نفسه، لكنّ المقرض لا يأتي بذلك بنيّة جدّية، فلا ينوي اشتراط الزيادة على البنك و إن كان البنك يتشارط معه في مقام اللفظ على ذلك، لكن هاهنا أصل القرض الذي هو ربوي غير منوي بالإرادة الجدّية، فيتخلّص منه لا بعدم الإرادة الجديّة للشرط، بل بعدم الإرادة الجدّية في أصل القرض.

و قد يُبدى تساؤل عن النكتة في جعل الماتن الوجه التخلّصي في الاقتراض من البنك الحكومي هو عدم الإرادة الجدّية في أصل القرض و لم يجعله في عدم الإرادة الجدّية في الاشتراط؟ بينما في إقراض البنك الحكومي و الايداع فيه جعل وجه التخلّص عدم نيّة الشرط لا عدم نيّة أصل الاقراض؟ فما الفرق بينهما؟

و لعلّ وجهه أنّ أحد الشرائط العامّة لصحّة المعاملة هو التطابق في أصل ماهيّة العقد و في شرائطها، و لا بدّ من التطابق في الشرائط التي تشترط في ضمن المعاملة بين الموجب و القابل.

أمّا التطابق في الماهيّة فلا بدّ منه بلا إشكال، و أمّا التطابق في الشرائط فهل ضرورة التطابق هو من كلا الطرفين أو من طرف واحد؟ ذهبوا إلى أنّ الضرورة من طرف واحد‌

346

(و هو المشروط عليه) بمعنى أنّه لو اشترط من له الشرط على المشروط عليه فلا بدّ للمشروط عليه أن يقبل الشرط، و إلّا فلا يحصل التطابق، و أمّا إذا أنشأ المشروط عليه شرطاً و لم يُرده المشروط له بالإرادة الجدّية، فلا يخلّ ذلك بالتطابق في البين؛ و ذلك لأنّ المشروط له إذا لم ينشئ الشرط فغاية الأمر أن يكون ذلك بمنزلة إسقاط الشرط، و المفروض أنّ إسقاط الشرط من حقّه، فكذلك إنشاؤه للحقّ لنفسه على المشروط عليه له أن لا ينشئه.

فصورة الحال تكون حينئذٍ كالتالي: أنّ المشروط عليه يريد أن يجعل حقّاً زائداً للمشروط له، و المشروط له لا يريد إنشاء ذلك و لا مانع منه، و هذا بخلاف العكس، أي إذا ما اشترط الشارط شرطاً و لم ينشئ المشروط عليه ذلك الشرط فالتطابق في الشروط الضمنية في المعاملة إنّما هو من قبل المشروط عليه بأن يتابع و يطابق المشروط له، و أمّا متابعة المشروط له للمشروط عليه فليست بلازمة.

و هكذا الحال في التعامل مع البنك إذا أراد الزبون أن يقرض البنك و يودع فيه مالًا، فإنّ البنك يشترط على نفسه الزيادة، لكنّ الزبون لا ينويها، و لا يخلّ ذلك بالتطابق؛ لأنّ الزبون هو المشروط له، أمّا إذا كان الزبون مقترضاً من البنك فشرط الزيادة عليه لا له، فإذا لم يرض بالشرط فلن تتحقّق المطابقة بينه و بين ما أنشأه البنك الموجب، و من ثمّ جعل الماتن الوجه التخلّصي هاهنا في أصل القرض لا خصوص الاشتراط.

و هذا بخلاف صورة إقراض البنك و الايداع فيه (1)، فإنّ التلخّص يمكن بعدم نيّة الزبون شرط الزيادة؛ لأنّه مشروط له لا عليه.

فالحلّ في المسألة 4 بأن لا ينوي أصل القرض و لا الشرط الذي على نفسه من قِبل البنك الحكومي؛ لأنّ مال البنك هو مجهول المالك فيأخذه بذلك العنوان.

لكنّ ذلك كلّه مبنيّ على صحّة الوجه التخلّصي المزبور، أي مبنيّ على إخفاء عدم‌

____________

(1) في المسألة 5.

347

الإرادة الجدّية و إظهار الإرادة الصوريّة و التفكيك بينهما، فيمكن لنا التخلّص من الإنشاءات المحرّمة بأن لا ننوي جدّاً الإنشاء، بينما إذ الإرادة الجدّية أمر باطن فلا ينشئها في افق النفس، و لكن في الظاهر تنشئ النفس الإرادة الصوريّة، مع عدم نصب أي قرينة على عدم الإرادة الجدّية. و سيأتي الكلام مبسوطاً حول هذه القاعدة في التفكيك بين الإرادتين.

348

استواء التصرّف في الأموال العامّة: على مجهول المالك مع القول بالملكيّة

كما أنّه لا يخفى أنّ هذه الحيلة في المقام إنّما تتمّ بناءً على مجهول المالك، و أمّا بناءً على ملكيّة الدولة فقد يخدش فيها؛ لأنّ المال ملك الخزينة الوطنيّة (/ بيت مال المسلمين)، فلا يصحّ وضع اليد عليه، و لا يجوز أكله من دون سبب معاملي مشروع، كما حكي ذلك عن عدّة من الأعاظم في العصر الأخير. لكنّنا قد ذكرنا في محلّه (1) أنّ الاستفادة من بيت المال المزبورة بمقدار لا ينطبق عليه الفساد و الإضرار بالصالح العام جائزة و مأذونة، كما هو مفاد الروايات المعلّلة ذلك بأنّ (له في بيت المال نصيباً)، فعلى ذلك تتمّ هذه الحيلة بناءً على الملكيّة أيضاً.

و قد يقال: إنّ البنك جهة ماليّة ذات شخصيّة مستقلّة فيملك المال بنفسه و باسمه لا بعنوان الوكالة عن غيره أو الولاية عليه كي يتوقّف نفوذ تصرّفه و تملّكه على إثبات الوكالة أو الولاية، و على هذا فلا يتوقّف تملّك البنك للمال على أي مقدّمة وراء عنوان نفسه؛ و ذلك لأنّ عنوانه قابل لأن يتملّك الأشياء بأسباب الملك المقرّرة، فعنوانه يخالف عنوان الحكومة و الدولة، فإنّ عنوانهما آليّان بعنوان الوكالة عن الامّة أو بعنوان الولاية عليهم. أي إمّا أن تكون وكيلًا من قِبلهم جميعاً أو أنّها والية عليهم نفوذ جميع تصرّفاتها بما فيها من المعاملات الماليّة و المعاوضات يتوقّف على أحد الأمرين المزبورين.

و فيه: أنّ جميع مؤسّسات الدولة و ممتلكاتها من قبيل البنوك و المصانع و المجمّعات التعاونية و الشركات و غيرها من أصناف العناوين و المؤسّسات الماليّة‌

____________

(1) ملكيّة الدول الوضعيّة/ التنبيهات.

349

و التجاريّة و الزراعيّة و الصناعيّة و إن كانت من حيث أنّها عناوين حقوقيّة قابلة لأن تكون مالكاً للأموال فيقال إنّ المؤسّسة الفلانيّة تملك كذا رصيداً من المال، و تملك قطعاً من الأراضي و مجموعة من الأبنية و نحو ذلك، إلّا أنّ تلك العناوين على نمطين في الاعتبار و التقنين العقلائي:

النمط الأوّل: يكون مملوكاً هو أيضاً لمالكين ذوي شخصيّة حقيقيّة، و لو بترامي الوسائط، نظير الشركات و المؤسّسات السهاميّة، و نظير العبد الرقّ المالك لأمواله، فإنّه بدوره أيضاً مملوك للمالك الحرّ، ففي هذا النمط العناوين ذات الشخصيّة الحقوقيّة و إن كانت مالكة و قابلة لأن تتملّك، إلّا أنّها ليست المالك النهائي و الأخير، فمن ثمّ حكم ملكيّتها و ولايتها تتبع ملكيّة و ولاية من هو ورائه.

و النمط الثاني من العناوين ذات الشخصيّة الحقوقيّة لا يكون له مالك ورائها نظير عنوان المسجد، فإنّه يتملّك الأموال و الأعيان كالعقارات، و لكن ليس له مالك وراء نفسه، و كذلك الحال بلحاظ عنوان (بيت مال المسلمين) فإنّه يتملّك كثيراً من الأرصدة الماليّة من منابع مختلفة في الفقه، كالزكاة، و خراج الأراضي المفتوحة عنوة، و ردّ المظالم، و غير ذلك، لكن ليس له مالك ورائه و إن كان مصرفه آحاد المسلمين الواجدين لصفات معيّنة.

و هذا النمط من العنوان و إن كان مالكاً نهائياً، إلّا أنّه لمّا كان عنواناً حقوقياً جامداً ليس بالحيّ الشاعر العاقل كان لا محالة محتاجاً إلى لوليّ قيّم عليه يدبّر اموره و أمواله نظير الصبي الحرّ المالك القاصر، فإنّه و إن كان مالكاً للأموال إلّا أنّه يحتاج إلى وليّ يدبّر شئون أمواله.

فتحصّل أنّ كلا النمطين من العناوين الحقوقيّة المالكة لا بدّ من فرض وليّ لها يدبّر شئونها الماليّة، إمّا لأنّه المالك النهائي كما في النمط الأوّل أو لاضطرار العنوان الجامد لقصوره إلى وليّ يتصرّف في أمواله بما فيه من مصلحته.

إذا عرفت ذلك فعناوين المؤسّسات المضافة إلى الحكومة و الدولة من العناوين‌

350

الحقوقيّة من النمط الأوّل، أي مملوكة لمالك نهائي ورائها و ذلك المالك ليس هي الحكومة و الدولة، بل هو بيت مال المسلمين (/ الخزينة الوطنيّة)، و الدولة و الحكومة موضعها موضع القيّم و الوليّ، سواء كان شرعيّاً أم غير شرعي، أي الوليّ الذي يتصرّف في شئون أموال عنوان بيت مال المسلمين- و من أمواله و ممتلكاته سائر العناوين الحقوقيّة الاخرى من المصانع و الشركات و البنوك و غيرها- فنسبة الدولة و الحكومة مع عنوان بيت مال المسلمين (/ الخزينة الوطنيّة) نسبة الوليّ مع النمط الثاني من العناوين، و نسبة الحكومة و الدولة مع العناوين الاخرى المملوكة لبيت المال هي نسبة الوليّ مع العناوين من النمط الأوّل.

و بالحقيقة أنّ المالك النهائي هو بيت مال المسلمين (/ الخزينة الوطنيّة)، و عنوان الدولة و الحكومة و إن كان عنواناً ذات شخصيّة حقوقيّة، إلّا أنّه لا يعتبر في التقنين العقلائي الوضعي عنواناً مالكاً للأموال، بل عنواناً مالكاً للتصرّف و لولاية الامور العامّة، و إن كانوا يقسّمون الأموال العامّة إلى قسمين:

الأوّل: أموال الدولة و الحكومة، و الثاني: أموال الشعب و الامّة (الخزينة الوطنيّة/ بيت مال المسلمين)، إلّا أنّه ليس غرضهم من ذلك التقسيم الإسناد الحقيقي؛ لأنّ الأموال العامّة كلّها ملك الخزينة الوطنيّة (/ بيت مال المسلمين)، بل غرضهم أنّ أعيان الأموال العامّة تارة حكمها هو جواز تصرّف الدولة بنقلها و المعاوضة عليها و على منافعها، أي مطلقة العنان في التصرّف فيها، و إن كانت عوائدها هي تصرّف في الصالح العامّ و اخرى حكمها المنع من التصرّف في أعيانها بالنقل و الانتقال، بل تتصرّف في منافعها في ما هو الصالح العامّ.

فتحصّل أنّ العناوين ذات الشخصيّات الحقوقيّة، كالبنوك و المصارف الحكوميّة و المصانع و الشركات الحكوميّة و إن كانت عناوين قابلة للملكيّة، إلّا أنّها مملوكة لبيت المال، و على أي تقدير، فوليّ التصرّف فيها هي الحكومة و الدولة في النظام الاجتماعي القائم لدى العقلاء، سواء كانت الدولة شرعيّة بحسب فقه الشريعة أم‌

351

ليست شرعيّة، و إن كانت شرعيّة بحسب القانون الوضعي أم ليست شرعيّة بحسبهما.

و بالتالي فتصرّفات البنك الحكومي أو أي مؤسّسة و شركة حكوميّة في الأموال حكمه حكم تصرّفات الدولة لا تفكيك بينهما، و إن كانت تلك العناوين قابلة لأن تتملّك كما هو الحال في بيت مال المسلمين، فإنّه لم ينازع أحد من الفقهاء في مالكيّته، و إنّما اختلف في نفوذ تصرّفات الحكومة و الدولة غير الشرعيّة في أمواله، و بالتالي اختلاطهم مع أموال آحاد المالكين من النّاس. فمنهم من بنى على مجهول المالك لعدم نفوذ تصرّفات الدولة لا لعدم مالكيّة بيت مال المسلمين و لا لعدم مالكيّة العناوين الاخرى ذات الشخصيّة الحقوقيّة (/ الشركات و المؤسّسات)، و منهم من بنى على نفوذ تلك التصرّفات تسهيلًا من المعصوم، الوليّ الحقيقي لعامّة المؤمنين و حفظاً للنظام الاجتماعي عن الهرج و المرج (1) لا لشرعيّة تلك الدول غير المنصوبة من قِبل الشارع.

فالكلام ليس في مالكيّة العنوان و لا في مالكيّة الحكومة كي يتخلّص من الورطة المزبورة بتصوير عنوان المالك، بل أنّ ذلك أمر مفروغ عنه، و هو بيت مال المسلمين (/ الخزينة الوطنيّة) و العناوين الطوليّة الاخرى، كما أنّ عدم ملكيّة الدولة للأموال أمر مفروغ عنه بين القولين، و إنّما الكلام في ملكيّتها للتصرّفات في الأموال، أى نفوذ تلك التصرّفات. هذا أوّلًا.

و ثانياً: أنّ مشروعيّة الحكومة و الدولة في مذهب الإماميّة منحصرة في الولاية النيابيّة عن المعصوم، و ليس التوكيل و الوكالة عن الامّة موجباً لمشروعيّة الحكومة؛ لأنّ ولاية الأمر ليست بيد الامّة و الناس، و إنّما هي بيد اللّٰه (إِنِ الْحُكْمُ إِلّٰا لِلّٰهِ)* (2) (الْوَلٰايَةُ لِلّٰهِ الْحَقِّ) (3) (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ

____________

(1) لاحظ كتاب ملكيّة الدول الوضعيّة.

(2) سورة الأنعام 6: 57. سورة يوسف 12: 40 و 67.

(3) سورة الكهف 18: 44.

352

الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ) (1) فتدبير امور العامّة هي حقّ اختصاص للّٰه تعالى، و من ثمّ للرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و من ثمّ للأوصياء (عليهم السلام).

و على ذلك فلو فرض وجود الحكومة منتخبة من قِبل جميع الامّة بحيث كان اختيار تلك الحكومة تمام خيار الحرية للنّاس لما أوجب ذلك مشروعيّة و نفوذ تصرّفات تلك الحكومة.

مسألة 5: لا يجوز إيداع المال فيه بعنوان التوفير بشرط الحصول على الربح و الفائدة

لأنّه ربا (2)، و يمكن التخلّص منه بإيداع المال بدون شرط الزيادة بمعنى أنّه يبني في نفسه على أنّ البنك لو لم يدفع له الفائدة لم يطالبها منه، فلو دفع البنك له الفائدة جاز له أخذها بعنوان مجهول المالك بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله (3).

و من هنا يظهر حال البنك المشترك، فإنّ الأموال الموجودة فيه داخلة في مجهول المالك، و حكمه حكم البنك الحكومي.

إن حكم الماتن على البنك المشترك بمجهول المالك يعزّز الإشكال الذي ذكرناه سابقاً من أنّ البنوك الأهليّة حتّى الأجنبيّة في أيّة دولة أموالها مشتركة مع الأموال الحكوميّة؛ إذ لا يمكن أن تعزل نفسها عن حركة المال بينه و بين البنك المركزي فتختلط الأموال، فالبنك الأهلي مشترك و حكمه حكم المشترك، إلّا أنّ الماتن لم يساو بينهما.

و توضيح ذلك: أنّ اليد المتولّية في البنك المشترك ليست هي يد المالك المحضة، بل هي يد مشتركة (يد مالكة و يد الحكومة الوضعيّة)، و هي يد لا ولاية‌

____________

(1) سورة المائدة 5: 55.

(2) الكلام هو الكلام في البنك الأهلي طبعاً، و لا يجوز أخذ الزيادة حتّى بناءً على صحّة التفرقة بين البنك الأهلي و الحكومي.

(3) للدليل المذكور في المسألة 2.

353

شرعيّة لها بضميمة يد لها ولاية، و هذا بخلاف البنك الأهلي، فإنّ اليد فيه متمحضة في اليد المالكة شرعاً، و حينئذٍ نقول: لو كانت اليد المالكة في البنك الأهلي مصحّحة لأماريّة الملكيّة مع العلم الإجمالي بوجود كثرة مجهول المالك، و مع ذلك تجري أمارة اليد، لكان الحال في البنك المشترك كذلك؛ لأنّ الاشتراك هو بالنسبة، فبقدر نسبة اليد المالكة يكون ذلك القدر مجرى لأماريّة اليد و القدر الآخر مشكوك أو مجهول المالك، مثلًا: لو كانت نسبة الاشتراك بنحو المناصفة المئويّة، فالخمسون مجهول المالك، و الاخرى مملوكة، فلا يحكم بأنّ مجموع المال المقبوض من البنك المشترك مجهول المالك، بل لا بدّ من تقدير ذلك بحسب سهام الدولة و الحكومة في ذلك البنك؛ إذ اليد ليست أمارة تأسيسيّة من الشارع بل إمضائيّة، و لا ريب أنّ العقلاء إذا علموا بأنّ مالكاً خاصّاً غالب ما في دكانه مغصوب فلا يجرون معه معاملة ذي اليد و المالك، و لا يجرون أمارة اليد مع العلم الإجمالي الكبير الإشاعي.

و على ذلك فلا تكون اليد في البنك الأهلي و لا المشترك مجرى لقاعدة اليد؛ و ذلك لما عرفت من أنّ غالب السيولة المتحرّكة في تلك البنوك مصدرها و مآبها إلى البنك المركزي بنحو يومي.

هذا في البنوك الإسلاميّة.

و أمّا البنوك غير الإسلاميّة (1)- أهليّة كانت أم غيرها- فلا مانع من قبض المال منها لا بقصد الاقتراض بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي، و أمّا الايداع فيها فحكمه حكم الايداع في البنوك الإسلاميّة، انتهى.

جواز قبض أموال البنوك الأهليّة لا سيّما إذا كان في البلدان غير الإسلاميّة لكونها‌

____________

(1) مراد الماتن من البنوك الإسلاميّة و غير الإسلاميّة ليس المعنى الدائر هذا اليوم من كون نظام البنك على الطريق الإسلاميّة المحلّلة أو المحرّمة، بل مراده (قدس سره) كونه في البلاد الإسلاميّة المؤسّس من قِبل المسلمين بخلاف المؤسّس من قِبل الكفّار.

354

غير مجهولة المالك، بل أموال الكفّار كلّها في‌ء للمسلمين.

و لكن قد ذكرنا قبل قليل أنّ البنك غير الإسلامي إذا كان في البلد الإسلامي فلا يصحّ التمييز بينه و بين البنك الإسلامي الحكومي؛ لوجود الاختلاط القهري في السيولة الماليّة مع البنك المركزي (أو مؤسّسة النقد الوطنيّة)، فبناءً على عدم ملكيّة الدولة و كون أموالها مجهولة المالك يحتاج القبض إلى الإذن، كما مرّ، و أمّا بناءً على الملكيّة و عدم مجهول المالك فلا حاجة إلى الإذن، و أصل الاقتراض صحيح و إنّما يحرم الشرط للربا.

نعم، يتمّ كلام الماتن في البنك الأجنبي إذا كان في دار الكفر.

و قد مرّ في صورة الايداع عدم جواز أخذ الزائد إذا كان قد أودع ماله بنكاً أهليّاً من حيث يكون الزبون مقرضاً و يبني في نفسه على أن لا يأخذ الزيادة في مقام إنشاء القرض و الايداع، و لا إشكال في ذلك باعتبار أنّ المشروط له لا يقصد بنحو الإرادة الجدّية الاشتراط على المشروط عليه، فلا يتحقّق الاشتراط للشرط الربوي المحرّم من المقرض و صحّة القرض لا تجوز أخذ الزيادة؛ لأنّ البنك الأهلي يُعطيها مبنيّاً على الاشتراط الربوي لا بتمليك جديد مستقلّ، بل أداء للتمليك السابق الذي هو بنحو شرط النتيجة.

هذا حكم الزيادة في البنك الأهلي المسلم، و أمّا الأجنبي فيجوز أخذ الزيادة بعنوان وضع اليد على الفي‌ء و استنقاذه من يد الكافر، و أمّا اشتراط الزيادة عليه فسيأتي جوازه لجواز أخذ الربا من الكافر، و من ثمّ يجوز أخذ الزيادة بعنوان استيفاء الشرط أيضاً.

و للسيّد السيستاني- حفظه اللّٰه تعالى- تفصيل في خصوص هذا الفرض، حيث قال:

مسألة 4: لا يجوز الايداع في البنوك الأهليّة بمعنى إقراضها مع شرط الزيادة،

و لو فعل ذلك‌

355

صحّ الايداع و بطل الشرط (1)، فإذا قام البنك بدفع الزيادة لم تدخل في ملكه (2)، و لكن يجوز له التصرّف فيها إذا كان واثقاً من رضا أصحابه (3) بذلك حتّى على تقدير علمهم بفساد الشرط و عدم استحقاق للزيادة شرعاً، كما هو الغالب، انتهى.

هذا الاستثناء نظير ما ذكره الفقهاء في بحث المقبوض بالعقد الفاسد في البيع من أنّ المقبوض بالعقد الفاسد لا يجوز التصرّف فيه؛ لأنّ العقد قد فسد.

إلّا أن يعلم القابض أنّ المالك راضٍ بتصرّفه في العين و إن فسد العقد شرعاً؛ لأنّ الفرض أنّه رضا آخر ابتدائي، لا رضا منبثق من العقد.

و في ما نحن فيه أيضاً الرضا حيث كان غير منوط بالشرط بالفاسد، و إنّما هو رضا ابتدائي فيجوز له التصرّف في الزيادة، و لكنّ الصحيح العدم، و الوجه في ذلك هو: أنّ الرضا تارة و إن لم يكن منوطاً بالشرط الفاسد من قِبل الشرط، أي ليس منوطاً بصحّة الشرط عند الشرع، و لكنّه منوط بالشرط بحسب وجوده في افق الاعتبار العقلائي، أو قد يكون منوطاً بالشرط بحسب وجوده في افق اعتبار المتعاقدين و إن لم يعتبره العقلاء موجوداً كما في الشروط الفاسدة العقلائيّة، و هذا لا يسمّى رضاً ابتدائيّاً، بل هو رضى بمقتضى الشرط الربوي، غاية الأمر أنّ رضاه غير منوط بالإمضاء الشرعي.

و تارة اخرى يكون رضاً مبتدأ حقيقة غير منوط بالشرط لا بحسب الوجود الشرعي (/ الصحّة الشرعيّة) و لا بحسب الوجود العقلائي (/ الصحّة العقلائيّة) و لا بحسب الوجود في افق اعتبار المتعاقدين، فحينئذٍ لا يكون هذا الرضا على مقتضى العمل بالشرط الربوي، و يكون التصرّف سائغاً جائزاً شرعاً؛ لأنّه ليس عملًا‌

____________

(1) بناءً على أنّ شرط الربا لا يُفسد القرض، كما هو الصحيح.

(2) إذ أخذ الزيادة نوع من استمرار العمل بالربا.

(3) أصحاب البنك الأهلي.

356

بالرضا، و هذا بخلاف الصورة الاولى، فإنّ التصرّف حيث أنّه بمقتضى الالتزام الربوي في افق الاعتبار العرفي فإنّه يكون محرّماً؛ إذ قد عرفت أنّ أدلّة الفساد و الحرمة موضوعها الأمر الإنشائي، و المعنى بحسب الوجود العرفي لا الشرعي، و الغالب في رضى المتعاقدين عند علمهم بالفساد إنّما هو الصورة الاولى لا الثانية؛ إذ لا تكون الدواعي في باب المعاوضات على الإذن المجاني، فما ذكره السيّد من عدم إناطة الرضا بصحّة الشرط الشرعيّة لا ينفي إناطة الرضا بالشرط بحسب الوجود العرفي العقلائي الذي هو موضوع أدلّة الحرمة و الفساد.

و لك أن تقول: إنّ الذي ذكروه في بحث المقبوض بالعقد الفاسد من أنّ صاحب العين إذا كان لديه رضاً بالتصرّف في العين حتّى على تقدير فساد العقد، إنّما هو في العقد الفاسد المبتلى بمجرّد مانع وضعي، لا ما إذا كان مبتلى بمانع وضعي و تكليفي معاً.

مثلًا: تارة يكون البيع فاسداً بسبب عدم الكيل و عدم معلوميّة العوضين، و اخرى يكون فاسداً للمانع الوضعي و التكليفي معاً، و في الصورة الثانية لم يذهبوا إلى صحّة التصرّف بالرضا، و الوجه في ذلك ما أشرنا إليه في البحث السابق من أنّ أدلّة الحرمة موضوعها المعاملة بوجودها العرفي لا الشرعي، فحينئذٍ رضا المعطي للزيادة بعنوان الربا لا ربط لها بالهبة، و إنّما يُعطى الزيادة جرياً على الاشتراط الربوي، و هو يعلم أنّ هذا الاشتراط ليس بصحيح شرعاً، لكن يراه صحيحاً عرفاً و يجري عليه، و يلتزم به في البناء العرفي، و الشارع إنّما حرّم البناء و الجري العرفي سدّاً لأبواب أمثال هذه المعاملات عن التداول بها.

و الفرض أنّهم غالباً يجرون على الاشتراط الذي وقع لا أنّهم يفترضونها كهديّة مستقلّة، و التحريم الشرعي ناظر إلى الوجود العرفي، فعدم إناطة الرضا بالصحّة الشرعيّة لا يوجب الجواز، فالتفصيل في غير محلّه، فلا يسوغ أخذ هذه الزيادة؛ لأنّ الحال في المعاملة الربويّة أشدّ، و ليس من قبيل بقيّة المعاملات الفاسدة بشروط‌