فقه المصارف والنقود

- الشيخ محمد السند المزيد...
622 /
357

فاسدة أو بمانع وضعي فقط.

بل إنّ عدّة من الفقهاء ذكروا أنّ في المعاملة الفاسدة بمانع وضعي مجرّد، فضلًا عن المانع الوضعي و التكليفي أيضاً لا يجوز الالتزام بالبناء العرفي، و لا يجوز الجري عليه، و إن كان المتعاقدان يوطّنان أنفسهما على أنّ البيع شرعاً ليس بواقع، و إنّما هو موجود في افق اعتبار العرفي؛ و ذلك لكونه أكلًا للمال بالباطل، و المفروض أنّ الرضا مقيّد بمقتضى تلك المعاملة المفروض فسادها و عدمها في الاعتبار الشرعي، كما أنّ غرض الشارع من اعتبار فساد المعاملة هو سدّ باب التداول بها.

و من الغريب حينئذٍ التعليل بأنّ رضا المتعاقدين موجود في الفرض؛ إذ رضاهما ليس موجوداً بغضّ النظر عن البيع الفاسد، و إنّما هو مقيّد و منوط بالبيع الذي قد أبطله الشرع.

و معنى إبطال الشرع لمعاملة غير واجدة للشرائط هو افتراض أنّ العوض باقيان على حالهما السابق، و لم يحدث النقل و الانتقال في البين، و يكون تصرّف الغير فيه غصباً، و المفروض عدم وجود رضىً مبتدئا بالتصرّف المجّاني. فالحرمة التكليفيّة هاهنا بلحاظ التصرّف في مال الغير من دون إذنه؛ إذ الإذن المقيّد بالمعاملة قد اعتبر كالعدم في اعتبار الشارع بخلاف الحرمة التكليفيّة في المعاملات المحرّمة، فإنّ هناك حرمة اخرى هي الحرمة الخاصّة بتلك المعاملة.

و الذي ذكره الفقهاء هي صورة ثالثة، و هي ما إذا كان رضاهما غير مرهون بالمعاملة، فحينئذٍ يجوز التصرّف؛ لأنّه تمليك مجّاني، و الشارع و إن اعتبر الرضا المقيّد بالمعاملة كالعدم، إلّا أنّ الرضا الابتدائي غير مقيّد بالمعاملة.

و لك أن تقول بعبارة ثالثة: بأنّ الصحّة الشرعيّة مأخوذ في موضوعها الرضا، فكيف يحتمل تارة إناطة الرضا بالصحّة الشرعيّة، و اخرى عدم إناطته بها؟ بل هو يناط دائماً بذات الماهيّة لا بقيد الوجود الشرعي، و لا بقيد الوجود العرفي و لا الوجود في افق اعتبار المتعاقدين.

358

الإرادة الظاهريّة و الجدّية في المعاملات

و الوجه في الخوض في هذا البحث أنّ الحيلة التخلّصيّة السابقة تبتني على التفكيك بين الإرادة الظاهريّة المبرزة و الإرادة الجدّية الباطنة مع ضميمة ثانية، و كون كون المعاملة منوطة بالإرادة الجدّية و إن كانت باطنة، فمؤدّى تلك الحيلة أنّه إذا كانت معاملة ما محرّمة شرعاً تكليفاً و وضعاً، أو شرط معيّن محرّم تكليفاً و وضعاً، فطريق التخلّص من تلك المعاملة المحرّمة هو عدم الإرادة الجدّية في الباطن لتلك المعاملة.

مثلًا: البنك الحكومي الذي لا يجوز الاقتراض منه بشرط الزيادة على مبنى مجهول المالك لا بدّ من كون الإنشاء للاقتراض من البنك صورياً بأن يكون في نيّته و إرادته الجدّية أنّه وضع باليد على المال بعنوان المجهول المالك، فيجري الحيلة في أصل الاقتراض.

و كذلك الحال في الإقراض بشرط الزيادة صورياً بأن لا يقصد الربا جدّاً، فلا يكون مرتكباً للحرام. و البحث في المقام هو في وقوع الإنشاء صوريّاً غير جدّي إذا لم ينو في الباطن، و إن ظهر في الصورة و العلن الإرادة الجدّية، و تلفّظ و أنشأ و أمضى ورقة العقد و لم ينصب أيّة قرينة مخالفة لا بدءاً و لا نهاية، فهل يعدّ هذا إنشاءً صوريّاً أو جدّياً؟

و قبل الخوض في هذا البحث لا بدّ من الإلفات إلى نكتة معترضة، و هي أنّه بمجرّد أن يوطّن نفسه بأن لا يطالب بالزيادة يغاير توطين نفسه على عدم الالتزام بالشرط، و لأجل ذلك لم يعبّر بعض الأجلّة بمثل عبارة الماتن بقوله:

يجوز الايداع في البنوك الأهليّة بمعنى إقراضها مع عدم اشتراط الحصول على الزيادة، بمعنى عدم إناطة القرض بالتزام البنك بدفع الزيادة (/ المقرض لا يقول اقرضك بشرط أن لا تلتزم لي) لا بمعنى أن يبني في نفسه على أنّ البنك لو لم‌

359

يدفع الزيادة لم يطالبها منه، فإنّ البناء على المطالبة يجتمع مع عدم الاشتراط، كما يجتمع البناء على عدم المطالبة مع الاشتراط، فأحدهما أجنبي عن الآخر.

انتهى.

و الوجه في المغايرة أنّ البناء على عدم المطالبة يجتمع مع الاشتراط؛ لأنّ حقيقة توطين للنفس على عدم استيفاء الشرط لا أنّه توطين للنفس على عدم الاشتراط.

كما أنّ البناء على المطالبة يجتمع مع عدم الاشتراط فيبنى على الاستيفاء، و إن لم يتمّ الشرط مثلًا، أي يستوفيه غصباً، فالبناء على الاستيفاء و عدم الاستيفاء لا ربط له بالاشتراط و عدمه، فلا يكفي في عدم قصد الاشتراط أن يوطّن نفسه على عدم الاستيفاء، بل لا بدّ أن لا ينيط إنشاء القرض على الالتزام، بل إنّ توطين النفس على عدم الاستيفاء مبنيّ على الاشتراط.

إلّا أنّ الكلام أنّه كيف يفكّك القرض عن الشرط؟ هل بعدم إناطته لفظاً أو بعدم إناطته في مقام الإرادة الجدّية الباطنة؟ فبدل أن يبني على عدم الاستيفاء يجعل الإرادة الجدّية متوجّهة إلى عدم الالتزام بالشرط.

و نعود إلى أصل البحث: من أنّ ما يبرزه من إنشاء الشرط على المشروط عليه من دون إظهار عدم الإرادة الجدّية، بل الظاهر دالّ على الإرادة الجدّية، و لكن يبني في نفسه على أنّه لا يريد ذلك الشرط، فحينئذٍ لا يكون هذا الإنشاء نافذاً، فهو ينشئ شيئاً و لا يظهر أي مخالفة له، و مع ذلك لا يريد المنشَأ.

و هذا البحث قبل أن يكون تعبّدياً هو بحث تقنيني عقلائي، و في الموجود الاعتباري لديهم، و أنّ حقيقة الإنشاء التي هي مرهونة و منوطة بالإرادة الجدّية بأي معنى، و في أي رتبة منها؟ و يساهم في اكتشاف البناء العقلائي بحوث القوانين الوضعيّة لا بالنظر إلى تقنيناتهم، بل بما هي بناءات عقلائيّة.

و قد ذكر في هذا الصدد الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كتابه (الوسيط) أنّ اشتراط الإرادة الجدّية في العقود يفسّر بقولين: قول يميل إلى النزعة الباطنيّة، و قول‌

360

يميل إلى النزعة الظاهريّة، أي أنّ الأوّل يجعل المدار على الإرادة الباطنية، و الثاني على الظاهر.

و يستدلّ للقول الثاني بأنّه إذا بنى على الإرادة الباطنيّة من دون أي موضوعيّة للظاهر فحينئذٍ لا ثوابت في التعامل الظاهري، مع أنّ الضرورة قاضية بجعل ثوابت منضبطة معيّنة و لا يتوهّم أنّ هذا الدليل هو بلحاظ مقام التخاصم و النزاع و الاختلاف، فإنّ ذلك مقام آخر يُفصَل بالطرق المقرّرة في القضاء، بل البحث في مقوّمات وجود المعاملة و مدى موضوعيّة الظواهر في ذلك؛ إذ بالظواهر تتقرّر الثوابت للتعامل و بدونها لا ينضبط التعامل و التعاقد الإنشائي، ثمّ إنّ السنهوري يختار قولًا وسطاً بكون المدار على كلّ منهما معاً.

ثمّ إنّ تنقيح الحال في كيفيّة الإرادة الجدّية في الإنشاء يتمّ باستعراض الأقوال في حقيقة الإنشاء، و أبرزهما مسلكان:

الأوّل: قول المشهور من أنّ الإنشاء إيجاد للمعنى باللفظ.

الثاني: إنّ الإنشاء إبراز للمعنى في الذهن و الحكاية عمّا في الضمير، و قد ذهب إلى ذلك المحقّق النهاوندي في تشريح الاصول، و المحقّق العراقي و السيّد الخوئي.

فالإنشاء لديهم ليس علّة لإيجاد المعنى المُنشَإ؛ إذ المنشأ ليس موجوداً تكوينيّاً، بل اعتباريّاً، و لا يكون الإنشاء منزّلًا منزلة العلّة التكوينيّة؛ لأنّه لا أثر لذلك التنزيل، فعلى هذا المسلك الإرادة الجدّية المتعلّقة بالإبراز و المتعلّقة بالمبْرَز موجودتان.

و أمّا على المسلك المشهور، فالإرادة الجدّية بالمنشإ و بنفس التلفّظ بالإنشاء موجودة، غاية الأمر الإرادة المتعلّقة بنفس التلفّظ ممهّدة للإرادة المتعلّقة بالمنشإ، فإذا كان المتكلّم يقدم على التلفّظ بالإنشاء أو إبراز الإرادة، فهذا الإقدام لا محالة جدّي، و إلّا لم يصدر منه التلفّظ و الإبراز، كما لا ريب في أنّ الإرادة الجدّية بالتلفّظ و الإبراز معلولة و وليدة الإرادة الجدّية المتعلّقة بالمبرز و المنشأ، فإنّ المتكلّم في نفسه يريد المنشأ أوّلًا أو يريد المبرَز- كالبيع- و من ثمّ يريد إنشاءه أو إبرازه.

361

نعم، لو نصب قرينة على الخلاف لكانت الإرادة الجدّية بالإبراز وليدة إرادة اخرى من الإكراه أو الهزل أو غير ذلك من الدواعي، و ليس المراد من نصب القرينة و عدم نصبها بيان الطريقيّة المحضة للقرينة و طريقيّة ألفاظ الإنشاء، بل المراد بيان موضوعيّة آلة الإنشاء و بيان تغاير أدوات الإنشاء بعضها مع بعض، فإنّ أداة الإنشاء و الإيجاد للمعاني المعامليّة تختلف عن أداة إنشاء و إيجاد الهزل، كما أنّها تختلف عن أداة الإنشاء في حالة الإكراه، و عن أداة الإنشاء في الدعاء و بقيّة العناوين و الحالات الإنشائيّة، و لكنّ الفرض أنّه مختار لا مكره، و الإرادة الجدّية بإنشاء البيع موجودة، فمع وجودها لا تتخلّف الإرادة المتعلّقة بالمبْرَز أيضاً، حيث أنّ الذي يُظهر الإنشاء و يُظهر آلة الإنشاء و يُظهر اللفظ لا محالة له إرادة جدّية في الإبراز و في التلفّظ باللفظ، إلّا أنّ الكلام في الداعي لذلك، أي في الإرادة وراء الإرادة؛ لأنّه لو لم تكن لديه إرادة جدّية في الإبراز لما وقع منه التلفّظ و لما أبرز شيئاً.

و الإرادة الجدّية للإبراز و الإظهار مترتّبة و متأخّرة و وليدة لإرادة اخرى، فهل تلك الإرادة الاخرى هي الإرادة غير الجدّية من قبيل إرادة الهزل أو إرادة الاستغفال و استنقاذ الأموال و نحوها من العناوين، أو هي الإرادة الجدّية لأصل المعنى، باعتبار المعنى في الذهن، فيعتبر الشي‌ء في ذمّته، ثمّ تتولّد له إرادة جدّية اخرى لإظهار ذلك المعتبر؛ إذ الفرض أنّه أظهر آلة إنشاء معيّنة تنشئ و توجد اللفظ، و لم ينصب أيّة قرينة ممانعة دالّة على عدم إرادة المعنى، بل كلّ ما أبرزه من القرائن دالّة على إرادة المعنى.

و علاوة على ذلك أنّه يجري عملًا على الالتزام بمفاد الشرط أيضاً، و هو على علم من نفسه بأنّه سوف يجري عملًا على مفاد الشرط، فكيف يكون عنوان الإرادة الثانية استنقاذ الأموال و استغفال الطرف الآخر، و نحو ذلك، و مع كلّ ذلك فكيف يمكن تصوّر القول بأنّ هذا ليس إنشاءً جدّياً؟

و قد ينقض بالمستهزئ أو المكره؛ إذ كلّ منهما لا يريد البيع جدّاً، و إنّما يتلفّظ بألفاظ الإنشاء ظاهراً، أو الذي يلقلق لسانه لأجل التدرّب على التلفّظ و التعلّم لصيغة‌

362

الإنشاء فإنّه ليس له إرادة جدّية للشرط، و إنّما هو تلفّظ ظاهري، فما ذكره الأعلام لا غرابة فيه.

ففي مورد التقيّة الحال أوْلى بتخلّف الإرادة الجدّية من دون نصب قرينة على الخلاف، بل ينصب قرينة على الوفاق مع أنّ الإرادة الجدّية متخلّفة و لا يستبعد ذلك في باب التقيّة، و ما نحن فيه من هذا القبيل أيضاً.

و هذه في حين كونها نقوضاً من أدلّة على تماميّة كلام الأعلام في تلك الحيلة أيضاً.

و الجواب أنّ هذه النقوض تختلف عن المقام و مغايرة لما نحن فيه، بل تلك الأمثلة شاهد لنا لا علينا.

و الوجه فيه: أمّا بالنسبة للمستهزئ أو المتدرّب الذي يتابع الآخر في التلفّظ لقصد التعلّم أو يقلّد الآخر استهزاءً به، فالقرينة الحالية واضحة على الاستهزاء أو التعليم.

غاية الأمر ربّما لا يلتفت الطرف الآخر المخاطب، لكنّ العقلاء حيث يلتفتون إلى مجلس التخاطب الذي يستهزئ فيه بالطرف الآخر، يطّلعون على القرائن الحالية، و هذا غير ما نحن فيه، حيث لا توجد في البين قرينة أبداً، و هل يمكن أن يتعقّل استهزاء من دون قرينة و لو حالية خفيّة؟

و كيف يكون هذا استهزاءً بحيث لا يلتفت إليه أحد إلى نهاية المطاف؟ أي لا تكون هناك قرينة عقلائيّة و لو حالية عليه، أي بحيث يتقيّد في البناء العملي بكلّ الآثار، فهل هناك معنى للإرادة الجدّية وراء ذلك؟ و نظير هذا البحث أثير في الكلمات في مسألة التشهّد بالشهادتين، فقد ذكر الشهيد الثاني و جماعة أنّها طريق و أمارة على الإسلام القلبي، فمع العلم بنفاق المقرّ بالشهادتين أو عدم اعتقاده القلبي ينكشف عدم إرادته الجدّية في الإنشاء، فلا يرتّب الأثر على إقراره بهما.

و لكنّ ظاهر المشهور الاعتداد بإقراره، و هو الصحيح، كما حرّرنا ذلك في مبحث نجاسة الكافر و مطهّرية الإسلام؛ و ذلك لأنّ هناك نمطين من الإرادة الجدّية وراء الإرادة المتعلّقة بالإنشاء و التلفّظ و الإبراز، إحداهما الإرادة البنائيّة و ما يطلق عليها في‌

363

القانون الوضعي إرادة التعاقد و الالتزام العملي بمقتضى العقد أو الإيقاع أو الإقرار و الإنشاء، و الثانية الإرادة المنبعثة من ملائمة ذلك الشي‌ء المراد، و الميل إليه، و الاستئناس به، و الانجذاب إليه. و ما هو اللازم في باب الإنشاء إنّما هو النمط الأوّل، أي الإرادة البنائيّة التعاقديّة و إرادة التقييد العملي بمقتضى العقد أو الإقرار أو الإنشاء لا الإرادة من النمط الثاني التي هي موضوع الآثار الاخرويّة التكوينيّة أو بعض الآثار الاعتباريّة الشرعيّة في هذه النشأة، و لعلّ سبب الخلط بين الإرادتين هو اشتراط الصحّة في العقود التجارية أو غيرها بصدورها عن رضى، فجعل ذلك الرضا معنى للإرادة الجدّية مع أنّ الإنشاء بتمام مراحله الشاملة للإرادة الجدّية مغاير لمنشإ صدوره عن رضى تارة أو عن إكراه و تقييد التجارة بصدورها عن تراضٍ في الأدلّة، و كذا تقييد عناوين بقيّة المعاملات و الايقاعات بصدورها عن رضى في الأدلّة شاهد على أنّ تلك العناوين في وجوداتها الإنشائيّة غير متقوّمة برضى و الإرادة الناشئة عنه.

و من ثمّ يعتدّ بالإنشاء الظاهري و الإقرار بالشهادتين ما دام المقرّ يريد التقييد بأحكام الدين إجمالًا و إن كان الداعي له خوف سطوة السيف.

و هذا الخلط بين النمطين من الإرادة وقع أيضاً في بيع المكره و المضطرّ، بل مطلق عقودهما و إيقاعاتهما، حيث استشكل الشهيد الثاني- للتمسّك لعدم نفوذ عقدهما بأدلّة الرفع- بعدم الحاجة إلى أدلّة الرفع؛ و ذلك لقصور إنشائهما في نفسه بعد عدم الإرادة الجدّية، و تابعه على ذلك جماعة من المحقّقين من محشّي المكاسب، كالسيّد اليزدي و الشيخ الاصفهاني، و الحال أنّ المكره و المضطرّ له إرادة بنائيّة تقيّديّة بمقتضى العقد، و لو بسبب الإكراه أو الاضطرار. نعم، ليس لهما إرادة من النمط الثاني.

و الحال في المضطرّ بالتقيّة كذلك في الجملة، حيث أنّه يريد المنشأ بإرادة بنائيّة تعاقديّة، أي ينوي التقيّد بالعمل بمقتضى إنشائه و لو بسبب الخوف، كما أنّه لا ينافي الإرادة الجدّية من النمط الأوّل صدق القضيّة التعليقيّة المخالفة، ففي مثال المكره‌

364

أو المضطرّ أو الخائف في التقيّة يصدق التعليق التالي بأنّه لو لا الإكراه و الاضطرار و الخوف لما تقيّدوا بمقتضى العقد أو الإنشاء نظير لو لا خوف السيف لما أقرّوا بالشهادتين، و لو لا خوف السيف بقاءً لما بقوا متقيّدين و ملتزمين بأحكام الإسلام، فإن صدق هذه القضيّة التعليقيّة بعد عدم تحقّق التالي فيها لعدم تحقّق المقدّم لا ينافي وجود الإرادة الجدّية من النمط الأوّل المضادّة، و هذا شأن المتضادّين، حيث يتلائم وجود أحد الضدّين الفعلي مع إمكانيّة وجود الضدّ الآخر.

فكذلك الحال في مثال اشتراط الربا، فإنّ الزبون و العميل عند ما يقترض من البنك و يشترط على نفسه الزيادة للبنك مع عدم نصب أي قرينة على الخلاف و تقيّده عملًا بدفع الزيادة و لو بسبب إلزام القانون الوضعي، فإنّ هذا منه إرادة بنائيّة تعاقديّة بالتقيّد بالعمل، و إن كان بنحو التعليق لو لم يُلزم لما دفع فالإرادة الجدّية من النمط الأوّل صادقة، و إن لم تصدق الإرادة الجدّية من النمط الثاني.

فكيف يكون هذا استهزاءً عند العقلاء؟ أو يعدّ عندهم أنّ لديه إرادة جدّية على الخلاف من دون نصب قرينة على ذلك.

نعم، قد تكون القرينة لا يلتفت إليها المستهزئ به غالباً كما أنّنا لسنا في صدد نفي القرائن مختلفة الصنف عند العقلاء، كما في موارد التورية، المُورّى عليه لا يلتفت، و لكنّ المورّى يتعمّد بنصب القرينة الخفيّة على الخلاف، و لذلك قالوا: إنّ المورّى إذا لم ينصب أيّة قرينة لا شخصيّة و لا نوعيّة فكلامه يعدّ كذباً و ليس بتورية.

و أمّا مثال المتدرّب الذي يتعلّم كيفيّة التلفّظ فهو أيضاً لديه إرادة إيجاد اللفظ تكويناً و إن لم يكن له إرادة إيجاد المعنى، و مجرّد إيجاد الصوت لا يعتبر كلاماً، فهو يختلف عن المورّى، حيث أنّه في التورية يقصد المعنى باستعمال اللفظ فيه، أي الإرادة الاستعمالية، كما يقصد إفهام ذلك المعنى، لكنّه لا يريده جدّاً بشرط أن ينصب قرينة خفيّة على ذلك، و إلّا لعدّ كلامه كذباً.

فالإرادة الاستعماليّة و الإرادة التفهيميّة لا بدّ منهما، بل قد يكون المتعلّم للتكلّم له‌

365

الإرادة الاستعماليّة و التفهيميّة أيضاً دون الجدّية، و لا يتوهّم أنّ في مثال المقام أو التقيّة أو التورية و نحوها قد يكون مجرّد لقلقة لسان من دون إرادة المعنى استعمالًا و لا تفهيماً؛ و ذلك لأنّه خلاف الغرض من إيجاد الصوت بصورته الكلاميّة و الداعي لذلك هو تداعي المعنى لدى المخاطب، و فهمه لذلك المعنى، و هذا معنى الإرادتين المزبورتين؛ إذ غرض المتكلّم تجاوب المخاطب معه.

و لذلك قال المحقّق العراقي بأنّ الارتباط بين اللفظ و المعنى، حتّى المعنى الاستعمالي، صار بقاءً كالعُلقة التكوينيّة بمنزلة السبب و المسبّب، فحين ما تتلفّظ باللفظ مع عدم نصب أيّة قرينة على الخلاف كأنّك أوجدت أمراً تكوينيّاً ملازماً مع مسبّب تكويني لا يتخلّف عنه.

أمّا بحث الوضع، فالعلقة بين اللفظ و المعنى صارت علقة تكوينيّة، و إن كان بدؤها اعتبارياً، فإرادة إيجاد أحد المتلازمين يلازم إرادة إيجاد الملازم الآخر؛ لأنّهما لا ينفكّان تكويناً، فلا يمكن دعوى عدم وجود الإرادة الاستعماليّة في البين. هذا بالنسبة إلى الإرادة الاستعماليّة.

و أمّا بالنسبة إلى الإرادة التفهيميّة فهي موجودة أيضاً؛ لأنّه يريد التجاوب من السامع و المخاطب الذي لا يتحقّق إلّا بانتقال ذهنهما إلى المعنى، و هو معنى إرادة التفهيم بعد فرض أنّه لم ينصب قرينة على عدم الافهام، و الإرادة التفهيميّة بحسب الطبع الأوّلي هي طبق الإرادة الجدّية، إلّا أن يكون هناك باعث فعليّ مغاير بينهما، و الفرض عدمه؛ إذ ليس في البين إلّا الباعث و الداعي الشأني اللولائي، و قد عرفت أنّ الإرادة الجدّية ليست شيئاً وراء ذلك، و تخيّل ما عدا ذلك توهّم و خلط بين نمطي الإرادة الجدّية، فهذه شواهد ثلاثة معاضدة للمطلوب:

الأوّل: ما قيل في بحث التورية.

الثاني: ما في بحث الوضع.

الثالث: ما في بحث الإنشاء.

366

و أمّا النقض بموارد التقيّة و الإكراه، ففي التقيّة توجد قرينة نوعيّة أيضاً و إن لم تكن القرينة الشخصيّة بموجودة، يعني الملتفت من أبناء نوع هذا المتكلّم من مذهبه أو بلده، يلتفت إلى أنّ المتكلّم في مقام المداراة للطرف الآخر و ليس هو في صدد الإرادة الجدّية، و الإرادة التفهيميّة موجودة، و إلّا لا يمكن تحقيق التقيّة بمجرّد الإرادة الاستعماليّة، فلا بدّ أن يُفهِم الطرف الآخر كي يتخلّص من شرّه.

و نفس سطوة العدوّ على المتكلّم هي قرينة حالية، و كذا تهديد العدوّ، و هذا يختلف عمّا نحن فيه، حيث لا تكون قرينة في البين أبداً، بل الصحيح في موارد التقيّة هو ما ذكرنا سابقاً من وجود الإرادة الجدّية من النمط الأوّل، و إنّما المنتفي هي الإرادة الجدّية من النمط الثاني، و هذه القرائن الحالية المذكورة إنّما هي لنفي الإرادة الجدّية من النمط الثاني؛ إذ لو لم تفرض الإرادة الجدّية من النمط الأوّل- أي إرادة التقيّد العملي بما أنشأه تقيّة، و ترتيب الآثار عليه- لم يتحقّق أداء التقيّة و لاختلّ غرض التقيّة، فهذه القرائن دالّة على تخلّف الإرادة الجدّية الناشئة من طيب النفس و الرضا التي هو مورد الأحكام التكليفيّة الاخرى، و قد ذكرنا أنّ منشأ الخلط بين الإرادة الجدّية المقوّمة للإنشاء مع الإرادة الناشئة من الطيب هو اشتراط الطيب و الرضا في صحّة المعاملات و الايقاعات الإنشائيّة.

و أمّا موارد الإكراه، فقد ذكر جماعة في بحث بيع المكره في وجه عدم صحّة بيعه:

أنّ المكره ليس له إرادة جدّية و لا تفهيميّة، فبيعه من الأصل ليس بتام الشرائط، فلا حاجة إلى إقامة دليل على عدم الصحّة، ذكر ذلك الشهيد الثاني، فهو في نفسه غير تام لعدم وجود الإرادة الجدّية و الإنشاء بدونها ليس بإنشاء، فالبيع ليس بمنشإ و ما وقع مجرّد تلفّظ بالبيع أو إفهام البيع من دون إرادة جدّية بإنشائه، و النقوض السابقة في ما نحن فيه من قبيل إشكال الشهيد الثاني، كما تقدّم.

و هذا التقريب ولّد إشكالًا آخر في بحث بيع المكرَه على المشهور، حيث ذهبوا- بناءً على صحّة بيع الفضولي- إلى صحّة بيع المكره إذا جاز المكرَه بقاءً فتصحّ‌

367

المعاملة الإكراهيّة عندهم و لو بالرضا اللاحق.

مع أنّه على تقريب الشهيد حيث يفرض انتفاء الإرادة الجدّية لم يتحقّق أصل البيع كي يُمضي، و قد تصدّوا لإجابة إشكال الشهيد بوجوه متعدّدة:

منها: أنّ الإرادة الاستعماليّة لا ريب في تحقّقها، و كذلك الحال في الإرادة التفهيميّة؛ إذ غرض المتكلّم أن يدفع إكراه المكرِه، و لا يندفع إلّا بإفهامه، و من ثمّ فالإرادة الجدّية موجودة أيضاً؛ لأنّ المتكلّم يريد إفهام المكره بالبيع الإنشائي لا الخبري و التزامه و تقيّده البنائي به، فيكون نصاب الإنشاء تامّاً.

نعم، لو التفت المكرَه إلى أنّه بإمكانه أن لا يبنى جدّاً في مقام العمل على البيع لكان إشكال الشهيد تامّاً، فلا حاجة في خصوص هذه الحالة من معاملة المكرَه و بيعه لإقامة دليل على البطلان، إلّا أنّ نوع المكرَهين ليس لديهم التفات إلى إمكان تخلّف الإرادة الجدّية، أمّا لعدم استحضار التورية في ذلك الوقت أو لرؤية نفسه ملجأً على البناء العملي على المعاملة، فيرى أنّ البناء العملي على العمل المترتّب (الملجأ إليه) في المعاملة ملزم له؛ لأن يريد جدّاً و يحدث الإرادة الجدّية.

و لو سلّمنا بما ذكره الشهيد ثمّة فلا نسلّم به في المقام؛ لأنّ بحث المكره يغاير ما نحن فيه؛ لأنّ الإكراه قرينة حاليّة كموارد التقيّة، و فرض المقام في مورد عدم وجود القرينة بتاتاً لا نوعيّة و لا شخصيّة لا حاليّة و لا مقاليّة، بل القرائن على وفاق ما أنشأه موجودة. نعم، في مورد المكرَه البناء العملي ملزم له على الإرادة الجدّية البنائيّة بالالتزام العملي.

إلّا أنّها ليست الإرادة الجدّية الناشئة من طيب الخاطر، فلا يصدق القول بنفي الإرادة الجدّية مطلقاً، و ما ذكروه ثمّة نافع فيما نحن فيه بطريق أوْلى؛ إذ ليس في البين إكراه و عدم طيب، و مع ذلك يعلم بوقوع البناء العملي على الإنشاء من دون تخلّف، بل هو موطّن نفسه على العمل بمقتضى الشرط، غاية الأمر و لو بسبب الالزام القانوني فالإلجاء العملي يتناسب مع الإرادة الجدّية لا مع عدمها، فهذه النقوض شواهد‌

368

لما نحن فيه.

و الحاصل: أنّ الإرادة الاستعماليّة موجودة كما نقّح في بحث الوضع أخيراً في علم الاصول من التلازم بين اللفظ و المعنى، و إن كان اعتباريّاً في البدء، إلّا أنّ مآله إلى التلازم التكويني و إرادة أحد المتلازمين إرادة للآخر، و لا مانع من ذلك.

و كذا الحال في الإرادة التفهيميّة؛ لأنّ المنشئ يريد أن يفهم الطرف الآخر المتعاقد معه و لا ينصب أيّة قرينة على الخلاف. و هذا معنى إرادته للإفهام كما ذكر ذلك عدّة من متأخّري المحقّقين في بيع المكره، و في مبحث الإنشاء أيضاً.

و هذا الإنشاء بهذا القدر متوسّط بدرجة الإنشاء التفهيمي، فهو ناقص ليس بتامّ النصاب، إلّا أنّ الإرادة الجدّية موجودة أيضاً في البين، و أنّ توهّم أنّ المتكلّم يبني على العدم أو يبني على أنّه مجهول المالك؛ و ذلك لأنّ ضابطة الإرادة الجدّية أن لا ينصب قرينة خفيّة و لا جليّة و لا مقاليّة و لا حاليّة و لا نوعيّة و لا شخصيّة، بل ينصب قرائن على الوفاق مع فرض علمه بأنّه سوف يبني على الجري العملي بمقتضى الإنشاء. و الخواطر الباطنة التي لا تجد طريقاً إلى البروز في مقام العمل و لا تتنزّل إلى الأفعال لا يعبأ بها، و الإرادة الجدّية ليست شيئاً وراء الإقدام و العلم بإيقاع العمل على طبق مفاد المنشأ.

فالصحيح أنّ الإرادة الجدّية متحقّقة كالإرادة التفهيميّة و الاستعمالية، ففي مثل هذه الحيلة التخلّصية يكون نصاب الإنشاء تامّاً، فعلى القول بعموم حرمة إنشاء الربا على أموال مجهول المالك تكون الحرمة فعليّة لفعليّة الموضوع، فهذه الحيلة لا تفيد التخلّص من الحرمة.

نعم، لو فرض في تلك الموارد وجود قرائن حاليّة دالّة على عدم الإرادة البنائيّة بمقتضى المنشأ لانتفى الإنشاء التامّ و انتفت الحرمة.

تنبيه: يجب الالتفات في موارد التطبيق و الصغريات إلى أنّه قد توجد قرائن خفيّة نوعيّة حالية موجودة و إن لم تكن قرائن جليّة، و قد يقال في موارد مجهول المالك‌

369

أو موارد التعامل مع الحربي بأنّ المورد نفسه يصلح قرينة خفيّة نوعيّة حاليّة، كما في موارد التقيّة، فتكون قرينة على عدم الإرادة الجدّية. غاية الأمر خفيّة حالية نوعيّة لمذهب المتكلّم، و ليست شخصيّة بالنسبة إلى السامع، فإذا بنى في موارد على أنّ المال مجهول المالك فالمعاملة من جهة الشرع غير تامّة، و إن كان الجري و البناء العقلائي عليها متصوّراً في موارد للمجهول المالك، و يمكن أن يتّكئ المتكلّم على مثل تلك القرينة الحاليّة فيكون تلفّظه أو إنشاءه ليس منبعثاً من الإرادة الجدّية.

لا يقال: إنّ الإرادة الجدّية متوفّرة و ليست هناك قرينة منصوبة على عدمها؛ لأنّ القرينة هي نفس التعامل مع أهل الحرب بعد البناء على أنّهم لا يملكون، فالتعامل معهم ليس تعاملًا حقيقيّاً، بل من باب استنقاذ المال، فهي قرينة عند نوع العقلاء عند ما يطّلعون على مثل هذه النكات الحالية من كون المتكلّم لا يرى السامع المتعاقد معه مالكاً لكونه حربيّاً أو مجهول المالك، فيرون أنّ تعامله لأجل التوصّل إلى استنقاذ مجهول المالك أو لاستنقاذ الفي‌ء من يد الحربي.

نعم، لا يتأتّى ذلك في موارد البنك الأهلي أو الشخص المعيّن، بأن يقرضه و ينشئ اشتراط الزيادة و يوطّن نفسه على عدم أخذها، فإنّ ذلك الإنشاء لا مسوّغ له، كما ذكره الماتن (رحمه الله)؛ إذ لا قرينة في البين نافية للإرادة الجدّية.

هذا، و لكن قد عرفت أنّ المنفي في تلك الموارد بتلك القرائن إنّما هي الإرادة الجدّية الناشئة من طيب النفس و نحوه لا نفي الإرادة الجدّية الالتزاميّة البنائيّة على التقيّد العملي، كما هو الحال في موارد التقيّة و الإكراه، و التي بها يتمّ نصاب الإنشاء، فبهذا المقدار لا ينتفي موضوع حرمة إنشاء الربا و حرمة العمل به، و من ثمّ ورد النصّ و أفتى المشهور بجواز اشتراط الربا على الكفّار و بحرمة اشتراط الربا لهم مع أنّ أموالهم في كلتا الصورتين في‌ء للمسلمين، لا سيّما و أنّ أدلّة الحرمة في المعاملات ناظرة إلى إيقاف الجري العملي المعاملي عند العرف في تلك القنوات، فلا ينفع في ذلك افتراض المتعامل في باطن نفسه بعض العناوين التي لا تجد طريقها إلى الالتزام‌

370

العملي في الخارج.

هذا تمام الكلام في تلك الحيلة، و أنّ الضابطة في جريانها وجود قرينة على تخلّف الإرادة الجدّية، و أمّا إذا لم تكن قرينة فإجراؤها محلّ إشكال، كما اتّضح ممّا سبق.

هذا، و قد طبّقوا هذه الحيلة في المحتاج إلى الاقتراض و بأنّه يجوز له الاقتراض، و إن شرط عليه البنك الحكومي الزيادة الربويّة؛ إذ القرض في نفسه صحيح، و الشرط باطل، و أمّا إقدامه على إنشاء هذا الشرط الذي هو محرّم فيتخلّص منه بهذه الحيلة، و هذه الحاجة محلّ ابتلاء غالب المؤمنين المتوسّطين في الوضع المالي، فضلًا عمّن دونهم. نعم، بالنسبة إلى البنوك الأهليّة لا يسوّغ ذلك، و لم يفترض الماتن حلّاً في التعامل معهم، و هذا بخلاف صورة الإقراض و الإيداع فيها كما تقدّم بيانه مفصّلًا.

و أمّا قوله: «نعم يجوز قبض المال منه بعنوان مجهول المالك لا القرض بإذن الحاكم الشرعي...».

فهو تامّ على مسلك عدم الملكيّة في فرض الاقتراض؛ إذ بناءً على مجهول المالك يبني المقلّدون على ذلك، فتكون قرينة خفيّة حالية على أنّ إنشاءهم بدون الإرادة الجدّية، و قد خصّص الماتن الجواز بما إذا تخلّفت الإرادة الجدّية عن أصل إنشاء الاقتراض دون ما إذا أنشأ الاقتراض و تخلّفت الإرادة الجدّية عن خصوص الشرط؛ و ذلك لوقوع الخلل في التطابق في الإنشاء بين طرفي العقد حينئذٍ حيث لا بدّ من مطابقة المشروط عليه للمشروط له في ما أنشأ، فكما يشترط التطابق في ماهيّة العقد لا بدّ منه في الشروط الضمنيّة أيضاً من جهة المشروط عليه.

و أمّا على مسلك من يرى نفوذ تصرّفات الدولة تسهيلًا على المؤمنين، فهل يجوز الاقتراض مع اشتراط البنك الحكومي للزيادة؟

قد ذكر بعض الأعلام- ممّن يبني على نفوذ التصرّفات- تأتّي الحيلة التخلّصيّة المتقدّمة بأن لا يقصد الشرط بنحو الجدّ، فالكلام في تصوير قرينة حالية في البين دالّة‌

371

على تخلّف الإرادة الجدّية عن الاشتراط؛ إذ الحاجة إلى الاقتراض- كما ذكرنا- محلّ ابتلاء عامّة المؤمنين و تصويرها كالتالي: أنّ يد ذلك الحاكم الوضعي بعد عدم كونها شرعيّة، فالشارع يمضي التعامل معه بقدر و حدود الماهيّة المعاملية المشروعة في نفسها دون المعاملة المحرّمة في نفسها، أو الشرط المحرّم، و الفرض أنّ العميل و الزبون لا يريد أن يوقع الماهيّة المعاملية المحرّمة، بل يريد أن يوقع المحلّلة، و هي الاقتراض من دون ربا و الاقتراض من بيت المال من حقوق المؤمن، لا سيّما أنّه يقترض عبر مؤسّسة البنك الحكومي، و هي أحد أنحاء استثمار بيت المال، و استثمار بيت المال في نفسه مشروع بالطريق المحلّل لا المحرّم، إلّا أنّ المتولّي الوضعي (غير الشرعي) لبيت المال يتقيّد و يلتزم و يُلزم بالتعامل غير الشرعي. فيمكن أن يقال: إنّ نفوذ تصرّف البنك الحكومي حيث كان محدوداً بأصل القرض دون اشتراط الزيادة الربويّة؛ إذ ذلك التصرّف محرّم غير نافذ من قِبل الوليّ الحقيقي، كاشتراط الزيادة، فللمتعاقد أن ينشئ الاقتراض بالإرادة الجدّية دون شرط الزيادة بعد ما كان طرف تعاقده حقيقة هو الولي الحقيقي دون المتولّي الصوري، و يكون ذلك قرينة على تخلّف الإرادة الجدّية عن إنشاء الشرط المحرّم.

و هذه القرينة واضحة؛ لأنّ طرف التعامل ليس هو في الواقع الوليّ غير الشرعي، و أنّ إنشاء الاشتراط المزبور ليس من حقّ الوليّ غير الشرعي، بل ليس من حقّه أن ينشئ المعاملة المحلّلة فضلًا عن المحرّمة؛ لأنّ ذلك غصب لمسند الولاية العامّة و تصرّفاتها، بل نفس التصدّي لهذا المسند محرّم و ليس له ولاية كي يشترط أو لا يشترط، ينشئ أو لا ينشئ، و إنّما طرف التعامل الحقيقي هو المعصوم (عليه السلام).

فتلخّص أنّه على مسلك الملكية توجد قرينة حالية أيضاً على تخلّف الإرادة الجدّية عن اشتراط الزيادة فيقترضون و يبنون على تلك القرينة من أنّ يد البنك المتصرّفة ليس هو طرف التعامل حقيقة، فينشأ الاقتراض فقط، و هو محلّل مع بيت المال دون شرط الزيادة، فيجوز الاقتراض من البنك الحكومي على كلا القولين.

372

لكنّ هذا كلّه بناءً على تماميّة الحيلة التخلّصيّة المزبورة، و عدم ورود الإشكال بوجود الإرادة الجدّية البنائيّة على الجري العملي، و أنّ المتخلّف هي الإرادة الناشئة من طيب النفس و نحوها، التي تقدّمت مفصّلًا.

فإذن الضابطة في إجراء هذه الحيلة- بناءً على تماميّتها و عدم التفكيك بين الإرادتين الجدّيتين- هو وجود القرينة و لو حالية خفيّة نوعيّة في البين و الاعتماد عليها بحيث يلتفت كلّ من يطّلع على ملابسات الإنشاء من القرائن الحالية إلى تخلّف الإرادة الجدّية.

نعم، الالتفات إلى عدم الإرادة الجديّة إنّما يتمّ بالاطّلاع على كلّ القرائن، و لذا ذكرنا أنّ المخالفين حيث علموا منّا مثل هذه المباني يعلمون بتخلّف الإرادة الجدّية لدينا عن المعاملة المحرّمة و الشرط المحرّم، و هذا بعينه يثبت القرينة الحالية.

في ذيل هذا البحث ذكر السيّد الخوئي بحثاً آخر قال:

هذا في البنوك الإسلاميّة، أمّا البنوك غير الإسلاميّة، أصليّة كانت أم غيرها، فلا مانع من قبض المال منها لا بقصد الاقتراض بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي، انتهى.

استثنى الماتن من حكم البنوك، البنوك الأجنبيّة لإمكان تصوير القبض منهم لا بقصد الاقتراض، بل بعنوان الاستيلاء باعتبار أنّ أموال الكافر الحربي هي في‌ء للمسلمين، تُملك بالاستيلاء، فحينئذٍ يمكن أن لا يقصد المكلّف الاقتراض الحقيقي اعتماداً على هذه القرينة الحاليّة، و هي التملّك بالاستيلاء، و قد ذكرنا إشكالًا على الاستثناء المزبور بالنسبة إلى شعب البنوك الأجنبيّة الموجودة في البلاد الإسلاميّة، أنّ الأموال التي بحوزتها ليست كلّها من مال الحربي؛ لأنّ البنك الأجنبي المتواجد في بلد المسلمين المعيّن لا بدّ له من الارتباط بالبنك المركزي الإسلامي في حركة سيولة الأموال اليوميّة، فتكون أمواله حينئذٍ مختلطة، و بغضّ النظر عن هذا الإشكال لا بدّ من البحث في جواز التعامل الربوي مع الكافر بأخذ المسلم الزيادة منه.

373

التعامل الربوي مع الكافر

المشهور بل ادّعي الإجماع على جواز أخذ الربا من الكافر الحربي و لم ينقل خلاف (1) إلّا من المحقّق الأردبيلي استضعافاً للروايات الواردة في الباب، و وافقه الماتن على ذلك. و من ثمّ ذكر الحيلة التخلّصية المزبورة توصّلًا إلى جواز المعاملة بالزيادة مع الكافر بالإنشاء الصوري لا الحقيقي بنيّة الاستنقاذ لا الإرادة الجدّية الحقيقيّة للتعامل معه.

هذا، و احتمل صاحب الجواهر (رحمه الله) أنّ المشهور الذاهب إلى جواز إنشاء الربا على الكافر للمسلم ليس مرادهم إنشاء القرض حقيقةً، بل استنقاذ هذا الفي‌ء و الاستيلاء عليه، فليس بإنشاء حقيقي للربا، و يشير إلى القاعدة المسلّمة بين المسلمين المستفادة من قوله تعالى: (وَ مَا أَفَاءَ اللّٰهُ عَلَى رَسُولِهِ) (2) و اعتمد في هذا الاستظهار على عدّة قرائن:

الاولى: تنصيص الأصحاب على أنّ هذه المعاملة التي يشترط فيها الحربي على نفسه الربا، هي حرام عليه و فاسدة، بينما هي جائزة من طرف المسلم؛ لأنّ الربا تسالمت الأديان السماويّة على تحريمه كما في قوله تعالى: (وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ) (3).

و كلامهم هذا دالّ على أنّه ليست المعاملة حقيقيّة؛ لأنّها إنّما تكون بالصحّة من الطرفين لا من طرف واحد؛ إذ لا يعقل أن تصحّ المعاملة من طرف واحد.

الثانية: إنّ الأصحاب في المستثنيات ذكروا أنّ الربا من الطرفين جائز (في الوالد و الولد، و هكذا) أمّا في الكافر فلم يذكروا إلّا من طرف المسلم.

____________

(1) و ذكر السيّد في الانتصار أنّه من خصائص و متفرّدات الإماميّة.

(2) سورة الحشر 59: 6.

(3) سورة النساء 4: 161.

374

و من ثمّ قال صاحب الجواهر (رحمه الله): الحكم بالجواز عند الأصحاب تخصّصي لا تخصيصي؛ لأنّه ليس في الواقع إنشاء حقيقي و لا إرادة جدّية؛ لأنّه في‌ء للمسلمين يملك بالاستيلاء، و لا يحتاج إلى المعاملة، فهو من باب الخروج عن الربا موضوعاً.

الثالثة: ما قاله المشهور من أنّه يجوز اشتراط الزيادة للمسلم على الكافر الحربي، و أمّا الذمّي فلا يسوغ الاشتراط عليه و لا الاشتراط له، حيث إنّ الذمّي محترم ماله و لا يتملّك بالاستيلاء بخلاف الكافر الحربي.

و تردّد في شمول كلماتهم للمعاهد من جهة أنّ ماله محترم، فيكون كالذمّي، و من جهة أنّه لم يستثنوه، فكالحربي، فما أفتى به المشهور من الجواز نظير قولهم بجواز شراء ابن الكافر من أبيه؛ إذ هو ليس شراء حقيقاً لعدم ملكيّة الكافر لابنه، بل الشراء توصّل لأجل الاستيلاء على الابن و استرقاقه.

و قال صاحب الجواهر (رحمه الله): إنّ المعاملة حرام على الكافر- لو كانوا مكلّفين بالفروع- لأنّ الثمن لا يجوز له أخذه، سواء في المعاملة الربويّة أم في شراء ابنه، هذا و ليس في كلمات المشهور تصريح بما ذكره.

و أمّا أدلّة المشهور أو المجمعين فهي ما روي في أبواب الربا:

1- عن عمرو بن جميع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

ليس بين الرجل و ولده رباً و ليس بين السيّد و عبده ربا» (1).

2- بهذا الإسناد، قال: «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله): ليس بيننا و بين أهل حربنا رباً، نأخذ منهم ألف درهم بدرهم، و نأخذ منهم و لا نعطيهم» (2).

____________

(1) ب 7/ أبواب الربا/ ح 1. رواه الكليني عن حميد بن زياد، عن الخشّاب، عن ابن بقاح (ابن رباح أو ابن رياح في التهذيب)، عن معاذ بن ثابت، عن عمرو بن جميع.

«ابن بقاح» و «معاذ بن ثابت» لم يوثّقا، و «عمرو بن جميع» بتريّ ضعيف.

(2) ب 7/ أبواب الربا/ ح 2.

375

3- عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ليس بين الرجل و ولده و بينه و بين عبده، و لا بين أهله رباً، إنّما الربا فيما بينك و بين ما لا تملك.

قلت: فالمشركون بيني و بينهم رباً؟ قال: نعم.

قلت: فإنّهم مماليك. فقال: إنّك لست تملكهم، إنّما تملكهم مع غيرك، أنت و غيرك فيهم سواء، فالذي بينك و بينهم ليس من ذلك لأنّ عبدك ليس مثل عبدك و عبد غيرك» (1).

و عمل المشهور بروايات يس الضرير في مسألة حدّ المطاف حول الكعبة، و كفّارة الجمع في إفطار الصوم، و غيرهما، و هو صاحب كتاب قد رواه عنه عدّة من الثقات و الأجلّاء، فحاله مستحسن بل فوقه، و ليس فيه طعن، و قد اعتمد المشهور على رواياته، فالعمل برواياته سهل.

و الرواية معارضة لما سبق، و لكنّ المشهور حملوها على الذمّي، و سيأتي الشاهد على هذا الجمع.

4- مرسلة الصدوق، قال: قال الصادق (عليه السلام): «ليس بين المسلم و بين الذمّي رباً، و لا بين المرأة و بين زوجها رباً» (2).

و مراسيل الصدوق كما ظهر لنا بالتتبّع غالباً هي عين الروايات التي ذكرها الكليني و الشيخ مسندة، و بناءً على أنّ الشهرة جابرة للسند فهي منجبرة بالشهرة. و الشهرة موجودة، بل الاتّفاق مطبق حتّى في زمن المحقّق الأردبيلي، إلّا أن يوجّه بتوجيه صاحب الجواهر (رحمه الله) من أنّه ليس من باب ترتيب الأثر، بل من باب الاستنقاذ.

و الصدوق نصّ على الذمّي، و هو خلاف المشهور؛ لأنّ المشهور لم يجوّز الربا‌

____________

(1) ب 7/ أبواب الربا/ ح 3. رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يس الضرير، عن حريز، عن زرارة.

(2) ب 7/ أبواب الربا/ ح 5.

376

بين المسلم و الذمّي.

أمّا بالنسبة إلى القول الآخر، أي من يبني في الربا بين المسلم و الكافر الحربي على الاستنقاذ، فلا يحتاج إلى الأدلّة المذكورة، فيطرح مرسلة الصدوق لأنّها خلاف القواعد؛ إذ مال الذمّي محترم لا يجوز أخذ الربا منه، و هذه قرينة على دعوى الجواهر من أنّ مراد المشهور استنقاذ المال، و لذا لم يعملوا بمرسلة الصدوق. و قال في الرواية الاولى أنّ المعاملة مع الكافر الحربي صوريّة، و الثالثة محمولة على الذمّي و طرح المرسلة.

إن قلت: إنّ وحدة السياق تقتضي أن يكون القصد للقرض و الزيادة في المعاملة جدّياً بقرينة الوالد و الولد.

قلت: السياق أضعف القرائن، و القرينة الحاليّة المخالفة موجودة في البين، و هي التفرقة التي أقرّ بها المشهور بين الذمّي و الحربي، و بين المعاهد و الحربي، فالتفرقة لا تتمّ إلّا بإرادة الاستنقاذ في الكافر، و أنّ مال الذمّي محترم.

و أمّا على القول الأوّل من جواز أخذ الربا حقيقة من الكافر لا من باب الاستنقاذ، بل من باب ترتيب الأثر في المعاملة، فلا بدّ من إقامة الأدلّة، فعلى القول بالجبر في السند بالشهرة للبناء في باب حجّية الخبر على الوثوق بالصدور لا على خصوص خبر الثقة، فتراكم الظنون يولّد وثوقاً بالصدور، فتكون جابرة و كاسرة (1) و في خصوص المقام الشهرة عظيمة، بل من مختصّات الإماميّة- كما ادّعاه السيّد المرتضى- فهي سيرة عند الإماميّة و دليل مستقلّ لا أنّها جابرة فقط، فيمكن جعل الدليل الأوّل هو السيرة القطعيّة أو الإجماع الراجح إليها، أي إلى سيرة المتشرّعة، ما لم تتمّ قرائن‌

____________

(1) و نقاش السيّد الخوئي (رحمه الله) في الجبر بالشهرة ليس كبروياً، بل صغروي، مع أنّه يقرّ بالحجّيّة إذا تولّد الاطمئنان بالجبر أو الكسر، و القائل بالجبر و الكسر بالشهرة لا يدّعي أنّ الشهرة التي لا تولّد الاطمينان النوعي أو الوثوق حجّة، بل يخصّ الحجّية بالتي تولّد الاطمئنان و الوثوق، فالبحث مع السيّد (رحمه الله) صغروي، و إن عنونه كبروياً، أي بَحَثَ في حجّيّة الشهرة المستقلّة.

377

صارفة لكلمات القوم عن ظاهرها بإرادتهم أنّه من باب الاستنقاذ. و الشاهد على حمل الرواية الثالثة على الذمّي امور:

الأوّل: لفظ «أهل حربنا» في الرواية الثانية المجوّزة مقيّد، و لفظ «المشركون» مطلق في الرواية الثالثة الناهية، و المقيّد يقدّم على المطلق.

الثاني: إنّ أهل الحرب في‌ء لكلّ المسلمين لا لواحد دون واحد، و لكن بالاستيلاء لا يتملّك المسلمون مع المستولي، بل يتملّك هو وحده، فينطبق عقد الجواز في الرواية على الحربي، و إن لم يذكر في النصّ؛ إذ المستولي أحقّ من غيره.

و بعبارة اخرى: أنّ أهل الذمّة هم الذين يستوون فيه المسلمون؛ لأنّ الذمّة مقابل الجزية، و هي إمّا في الرءوس أو في الأراضى تضرب على شي‌ء معيّن، فهذه الجزية لا يملكها شخص بخصوصيّة، فالرواية الثالثة في عقد النهي (ذيلها) مناسبة للذمّي و منطبقة عليه، فمسلك المشهور تامّ، أمّا مرسلة الصدوق فلم يفت بها المشهور. هذا تخريج لفتوى المشهور بحسب الروايات.

الثالث: قوله في رواية زرارة: «إنّما الربا فيما بينك و بين ما لا تملك»، يفيد ضابطة عامّة مقتضاها جواز الربا مع الحربي و حرمته مع الذمّي؛ و ذلك لأنّ المراد بالملك إمّا الملكيّة بالفعل أو بمعنى التسلّط و السيطرة، بقرينة أمثلة «ما تملك» «الرجل و ولده» أو «عبده» أو «أهله».

و لذلك تبادر للراوي المشركون في ذيل الرواية، حيث أخرج الإمام (عليه السلام) المشركين لأنّهم على شركة بينه و بين غيره قرينة واضحة على أنّهم ليسوا هم أهل الحرب، و إنّما هم أهل الذمّة؛ لأنّ أهل الحرب ليسوا بنحو الشركة فيما بينه و بين غيره، بل بالاستيلاء يصير ملك المستولي لا ملك غيره.

و بعبارة اخرى: أنّ أهل الذمّة هم الذين لنا سيطرة عليهم بالفعل، حيث أنّهم مقهورون بدفع الجزية، و هذا بخلاف أهل الحرب، فإنّهم ليسوا تحت أيدينا بالفعل، فالظاهر أنّ ذهن الراوي قد انصرف في سؤاله عن المشركين إلى خصوص أهل الذمّة‌

378

لكون اليد عليهم فعليّة، أو يكون سؤاله عن عامّة المشركين- أهل حرب كانوا أم أهل الذمّة- لأنّ القسم الأوّل لنا يَد عليهم بجواز تملّكهم و الاستيلاء عليهم، و القسم الثاني بقهرهم على أخذ الجزية منهم، إلّا أنّه (عليه السلام) استثنى القسم الثاني لكون اليد مشتركة بنحو الإشاعة و الحقّ المشترك.

الرابع: صحيحة عليّ بن جعفر: «أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم على أن يؤدّي العبد كلّ شهر عشرة دراهم، أ يحلّ ذلك؟

قال: لا بأس» (1).

حيث اشتملت على عنوان العبد بجواز التعامل الربوي معه نظير ورود العنوان المزبور في مصحّحة زرارة (الرواية الثالثة) و ذلك بإدراج أهل الحرب في عنوان العبد و إن لم يكونوا عبيداً بالفعل، فيندرج في الضابطة لأنّهم عبيد بالقوّة باعتبار أنّهم يملكون بالاستيلاء، و حقّ الاستيلاء و التملّك نوع من التولّي عليهم، نظير حقّ السرقفلي و حقّ التحجير، فلهم نمط من العبوديّة و المملوكيّة بالإضافة لنا، و من ثمّ يطلق عليهم و على أموالهم: الفي‌ء، أي الملك الراجع (فاءَ يَفي‌ء، أي: رجع).

و بمقتضى هذه القاعدة (أنّهم في‌ء للمسلمين) يتعامل معهم بأحكام كثيرة في الأبواب المختلفة، مثل باب الديات و أحكام الأموال و الأنفس، فليس عنوان الفي‌ء مجاز كما قد يتوهّم، فهم بالقوّة القريبة و الاستيلاء يملكون، و بهذا اللحاظ يتعامل معهم في كثير من الأحكام، و هي من آثار حقّ الاستيلاء. و الحقّ هو ملكيّة مخفّفة أو ضعيفة، و هذا الأمر يعاضد بقوّة الأمر الثالث.

الخامس: إنّ التعليل الوارد في أدلّة حرمة الربا لا ينطبق على أهل الحرب، حيث ورد في الآيات قوله: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ) (2)،

____________

(1) ب 7/ أبواب الربا/ ح 9. رواه الصدوق بإسناده عن عليّ بن جعفر.

(2) سورة البقرة 2: 279.

379

حيث يظهر منها أنّ أحد مناشئ و حِكَم تشريع حرمة الربا هو الظلم من جانب المقرِض على المقترض، فمورد الربا فيما كان ظلماً على المقترض، فإذا لم يكن المقترض محترماً ماله، و إن لم يكن قد استولى على ماله بالفعل فلا يتصوّر تحقّق الظلم الربوي و غيره في حقّه حينئذٍ؛ إذ تحقّق الظلم إنّما هو فيمن له حرمة و حقّ، و قد جعل الشرع لماله حرمة ما، فإذا تُعدّي على تلك الحرمة يقع الظلم، و متى لم يجعل الشارع الحرمة و الحقّ لماله أو لشئونه الاخرى فينتفي الظلم، و لأجل ذلك قالوا إنّ الظلم إنّما يتصوّر بعد فرض نوع من الحقّ و الحدّ للطرف الآخر.

و لذلك حصلت شبهة عند بعض الأعلام، و هي أنّ الظلم إنّما يتولّد بعد تحديد الحقوق، و الحقوق جعول اعتباريّة، فإذن الظلم موضوعه اعتباري فضلًا عن محموله، و هو القبح، فليس حينئذٍ بحقيقي تكويني، فهو من المشهورات لا من اليقينيّات، هذه شبهة بنى عليها المرحوم باقر الصدر، و لدينا جواب ذكرنا في كتابنا العقل العملي.

و الحكمة و إن لم تكن كالعلّة تخصّص و تعمّم إلّا أنّها توجب لا أقلّ عدم إجراء مقدّمات الإطلاق، و يؤيّد كون حكمة حرمة الربا في المقام هي عدم الظلم أنّه من البعيد أنّ هذه الحرمة المغلّظة يستثنى منها الربا بين الوالد و الولد، و بين الزوج و الزوجة، و السيّد و عبده، و أنّ الظلم حرام إلّا في هذه الموارد.

فجواز الربا في هذه الموارد قرينة على كون الربا محرّماً؛ لأنّه من أنواع الظلم و عدم حرمته في المستثنيات لعدم وقوع الظلم فيها؛ إذ ليس على السيّد لعبده حقّ مالي كي يفرض ظلم متولّد من الربا، بل للسيّد حقّ على عبده، و كذا بين الزوج و الزوجة، و الوالد و الولد، فخروج هذه الموارد لتخلّف حكمة حرمة الربا، أي أنّ أخذ ما لا تملك ظلم بخلاف أخذ ما تملك، فالشخص في العناوين الثلاثة المستثناة يستطيع أن يأخذ من الطرف الآخر بدون الربا، فالربا المحرّم حينئذٍ غير متصوّر فيها، فما ذكر من ضابطة في مصحّحة زرارة، قرينة معاضدة للتعليل الموجود في الآيات الكريمة‌

380

(لٰا تَظْلِمُونَ)، فالإطلاق منصرف عن تلك الموارد و مقتضى الحرمة قاصر.

و بهذه الامور، بل الوجوه، يتّضح عدم حرمة الربا بقصد الأثر الجدّي في المعاملة الربويّة مع الحربي، و الأدلّة المتعاضدة تكشف عن حقيقة واحدة و دلالاتها المختلفة تتّفق على ذلك المعنى الواحد.

و أمّا ما ذكره صاحب الجواهر من أنّ مراد الأصحاب من تجويز الربا بين المسلم و الحربي هو استنقاذ المال لا ترتيب أثر المعاملة بقصد جدّي، و إنّما هي معاملة صوريّة لأجل ذلك.

ففيه: أوّلًا: إنّه خلاف ظاهر العنوان في كلام الفقهاء (جواز أخذ الربا)؛ إذ ظاهره جواز هذه المعاملة بقصد ترتيب الأثر، و لو كان مرادهم المعاملة الصوريّة بقصد استنقاذ المال لما ذكروه في ذيل باب الربا لأجل التوصّل إلى استنقاذ المال، بل لذكروه في المكاسب المحرّمة؛ لأنّ كلّ معاملة، محلّلة أو محرّمة، مخترعة أو جديدة، يتوصّل بها للاستيلاء على مال الحربي فهي جائزة، لا أن يخصّ ذلك بالربا و إرادة الربا الصوري و الظهور الأوّلي للاستثناء هو كونه متّصلًا لا منقطعاً.

ثانياً: إنّ هناك فرقاً بين تملّك مال الحربي بالاستيلاء و بين تملّكه بالربا؛ إذ الاستيلاء هو وضع اليد عليه، أمّا في الربا فالتملّك هو بالعقد و التملّك بالعقد مقدّم رتبة على الاستيلاء، و مقتضى عبائرهم أنّه بنفس العقد يتملّك في ذمّته و أنّ هذا التملّك بالعقد جائز لا التملّك الحاصل بعد الاستيلاء.

ثالثاً: إنّ الفرق بين الذمّي و الحربي ليس هو في الاستنقاذ، بل ما ذكرنا من أنّ في الحربي لا يتصوّر ظلم، فخروج الذمّي لأجل تصوّر الظلم في حقّهم بعد عقد الذمّة معهم، فالوجه في التفرقة هو ذلك لا ما ذكره صاحب الجواهر.

مع أنّ التفرقة بينهما هي في التملّك بالعقد لا بالاستيلاء، كما هو ظاهر كلمات الأصحاب، و هو سابق على وضع اليد.

و منشأ حمل صاحب الجواهر لكلامهم على الاستنقاذ هو استبعاده لوقوع التعامل‌

381

الحقيقي مع المملوك، و لكنّ هذا الاستبعاد في غير محلّه؛ لأنّه نظير ما ذكروه في بيع السلاح من أهل الحرب أنّه جائز في غير حالة وقوع الحرب معهم، و كذلك كثير من العقود التي نصّوا على جواز إيقاعها مع أهل الحرب.

و نظير ما جرى من سيرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) قبل الذمّة و الهُدنة من اقتراضه منهم و معاملاته الاخرى معهم.

نعم، لو أنّ أهل الحرب مملوكين بالملكيّة الفعليّة، لكان لذلك الاستبعاد مجال؛ إذ هم لا يملكون إلّا بالاستيلاء، و الحال في المقام هو فرض الملكيّة بمجرّد العقد الربوي أو عقد البيع، و لذا لو اشترى مسلم من كافر متاعاً معيّناً و لم يقبضها منه- أي لم يستول عليها كي يقال إنّه تملّك بالاستيلاء- تملّك بمجرّد عقد البيع، فلا يجوز للمسلم الآخر وضع اليد عليه، مع أنّ المسلم الأوّل لم يستول على المتاع، بل عَقَد البيع عليه مجرّداً، فلو بنى على كون العقد صورياً لا يتملّك العين إلّا بالاستيلاء، فيجوز للمسلم الآخر أن يستولي عليها و يتملّكها.

رابعاً: لو كان أخذ الزيادة الربويّة من الحربي هو من باب الاستيلاء و الاستنقاذ لا التعاقد لكان ذلك جائزاً حتّى في الذمّي و المعاهد؛ لأنّ عقد الذمّة و المعاهدة لا يشمل الموارد التي يلزم أهل الذمّة أنفسهم بأحكام ضرريّة على أنفسهم- «الزمهم بما ألزموا به أنفسهم»- فالتفرقة بينهما و بين الحربي عند الأصحاب لا بدّ أن تكون مبنيّة على افتراق حكم ذات العقد لا حرمة ذات أموالهم، فالذمّي و المعاهد الذي يقدم على التعامل الربوي هو قد ألزم نفسه بذلك، و ألغى حرمة ماله، فتجري حينئذٍ قاعدة الالزام لو كان الربا صوريّاً.

هذا تمام الكلام في جواز أخذ الربا من البنوك الكافرة.

382

الاعتمادات

1- اعتماد الاستيراد

و هو أنّ من يريد استيراد بضاعة أجنبيّة لا بدّ له من فتح اعتماد لدى البنك، و هو يتعهّد له بتسديد الثمن إلى الجهة المصدّرة بعد تماميّة المعاملة بين المستورد و المصدّر، مراسلة أو بمراجعة الوكيل الموجود في البلد، و يسجّل البضاعة باسمه، و يرسل القوائم المحدّدة لنوعيّة البضاعة كمّاً و كيفاً حسب الشروط المتّفق عليها، و عند ذلك يقوم المستورد بدفع قسم من ثمن البضاعة إلى البنك ليقوم بدوره بتسلّم مستندات البضاعة من الجهة المصدّرة.

2- اعتماد التصدير

و هو أنّ من يريد تصدير بضاعة إلى الخارج أيضاً لا بدّ له من فتح اعتماد لدى البنك ليقوم بدوره- بموجب تعهّده- بتسليم البضاعة إلى الجهة المستوردة، و قبض ثمنها وفق الاصول المتّبعة عندهم، فالنتيجة أنّ القسمين لا يختلفان في الواقع، فالاعتماد سواء أ كان للاستيراد أو التصدير يقوم على أساس تعهّد البنك بأداء الثمن و قبض البضاعة.

نعم، هنا قسم آخر من الاعتماد، و هو أنّ المستورد أو المصدّر يقوم بإرسال قوائم البضاعة كمّاً و كيفاً إلى البنك أو فرعه في ذلك البلد دون معاملة مسبقة مع الجهة المقابلة، و البنك بدوره يعرض تلك القوائم على الجهة المقابلة، فإن قبلتها طلبت من البنك فتح اعتماد لها ثمّ يقوم بدور الوسيط إلى أن يتمّ تسليم البضاعة و قبض الثمن.

383

مسألة 6: لا بأس بفتح الاعتماد لدى البنك كما لا بأس بقيامه بذلك.

جواز فتح الاعتماد يعتمد على المسائل اللاحقة، فحقّ هذه المسألة التأخير أو هي عنوان افتتاحي للمسائل الآتية، و إلّا فهي ليست مسألة برأسها، بل كنتيجة للمسائل الآتية.

مسألة 7: هل يجوز للبنك أخذ الفائدة من صاحب الاعتماد إزاء قيامه بالعمل المذكور؟

الظاهر الجواز، و يمكن تفسيره من وجهة النظر الفقهيّة بأحد أمرين:

الأوّل: إنّ ذلك داخل في عقد الإجارة (1)، نظراً إلى أنّ صاحب الاعتماد يستأجر البنك للقيام بهذا الدور لقاء اجرة معيّنة، مع إجارة الحاكم الشرعي أو وكيله فيما إذا كان البنك غير أهلي (2)، و كذا الحال في المسائل الآتية.

الثاني: إنّه داخل في عقد الجعالة، و يمكن تفسيره بالبيع (3)، حيث أنّ البنك يدفع ثمن البضاعة بالعملة الأجنبيّة إلى المصدّر، فيمكن قيامه ببيع مقدار من العملة الأجنبيّة في ذمّة المستورد بما يعادله من عملة بلد المستورد مع إضافة الفائدة إليه، و بما أنّ الثمن و المثمّن يمتاز أحدهما عن الآخر، فلا بأس به.

قوله (رحمه الله): «إنّه داخل في عقد الجعالة»، كأن يقول للبنك: افعل هذا و لك جُعل كذا أو أجعل لك كذا.

و قد يستشكل فيهما بأنّ متعلّق عقد الإجارة و الجعالة غير موجود فيما نحن فيه؛ لأنّ متعلّق الإجارة هو أن يدفع البنك من نفسه إلى المصدّر، ثمّ بعد ذلك يأخذ مقابل‌

____________

(1) باعتبار أنّ التسديد و القبض و الاقباض و الوساطة هي عمل ذو ماليّة فتصحّ الإجارة.

(2) بناء على عدم ملكيّة الدول الوضعيّة، و إلّا فعلى الملكيّة فلا حاجة إلى الإجازة.

(3) في الحقيقة هناك بيعان: بيع بين المستورد و المصدّر، و بيع العملة بين البنك و المستورد.

و هذه المسائل ليست مسائل مستقلّة، بل هي في الواقع زوايا من مسألة واحدة، فإذا لم تتمّ المسألة الثامنة لا تتمّ ما قبلها، كما أنّ السادسة لا تتمّ إلّا بأن تتمّ السابعة.

384

ما دفعه من الدين، و هذا لا يمكن إلّا بعد إقراض البنك للمستورد، ثمّ دفعه بالوكالة عنه، فالاعتماد و الإجارة و الدفع متوقّف على الإقراض، ثمّ دفع الثمن الذي أقرضه للمستورد بالوكالة عنه، فمتعلّق التسديد هو الثمن، و هو ليس بموجود إلّا بعد الإقراض، فمتعلّق الإجارة غير مقدور إلّا بالواسطة هي إيجاد و إنشاء عمليّة الإقراض.

و لكنّ هذا الإشكال قابل للجواب بأمرين:

الأوّل: القدرة بالواسطة على متعلّق الإجارة كافية، نظير ما ذكروه في (خط لي الثوب من جنس ما هو عندك) فهي متوقّفة على ابتياع المستأجر من الأجير جنس الثوب، متعلّق الإجارة هي الخياطة و هي متوقّفة على ابتياع الثوب، فمتعلّق الإجارة مقدور بالواسطة. و ما نحن فيه متعلّق الإجارة- و هو التسديد- فتوقّف على وجود الثمن، و هو متوقّف على الإقراض، و لكن لا مانع من ذلك؛ لأنّ متعلّق الإجارة و إن لم يكن موجوداً بالفعل، إلّا أنّه مقدور بالواسطة.

الثاني: بعدم توقّف عملية الاعتماد على الإقراض بأن يقوم البنك بإقراض المستورد و بعد إقراضه يأخذ وكالة و يسدّد الثمن، بل البنك يدفع للمصدّر مباشرة الثمن لإبراء ذمّة المشتري (المستورد)، فيكون أمر المشتري (المستورد) للبنك بتسديد الثمن أمراً ضمانياً، نظير قول القائل: «ادفع عنّي دَيني»، و حيث هذا الاتلاف بأمر من شخص آخر، فأمره يكون ضمانياً، أي هو الذي سبّب الاتلاف، فلا تحتاج الإجارة- و هي تسديد الثمن- إلى عقد القرض.

و ربّما يشكل بأنّ هذه المعاملة حقيقتها التعهّد بالعمل، و لكنّها ليست كذلك، بل هي إنشاء التعهّد نظير إنشاء الضمان، فلا تنطبق عليها ماهيّة الإجارة و لا ماهيّة الجعالة؛ لأنّ المتعلّق ليس بعمل و إنّما هو إنشاء البنك التعهّد للمصدّر.

و الجواب عنه أنّ التعبير الصحيح عن متعلّق العمل هو التعهّد بالعمل لا أنّه مجرّد إنشاء التعهّد، فالتعبير الذي ورد في كلام الماتن هو (تعهّد البنك بأداء الثمن) فهو تعهّد بالعمل.

385

مسألة 8: يأخذ البنك فائدة نسبيّة من فاتح الاعتماد إذا كان قيامه بتسديد الثمن من ماله الخاصّ

لقاء عدم مطالبة فاتح الاعتماد به إلى مدّة معلومة، فهل يجوز هذا؟

الظاهر جوازه؛ و ذلك لأنّ البنك في هذا الفرض لا يقوم بعمليّة إقراض لفاتح الاعتماد و لا يدخل الثمن في ملكه بعقد القرض ليكون رباً، بل يقوم بذلك بموجب طلب فاتح الاعتماد و أمره. و عليه فيكون ضمان فاتح الاعتماد ضمان غرامة بقانون الاتلاف لا ضمان قرض.

نعم، لو قام البنك بعمليّة إقراض لفاتح الاعتماد بشرط الفائدة، و قد قبض المبلغ وكالة عنه، ثمّ دفعه إلى الجهة المقابلة لم يجز له أخذها، إلّا أن يجعلها عوض عمل يعمله له أو جعالة لمثل ذلك، و كذلك الحال فيما إذا كان القائم بالعمل المذكور غير البنك، كالتاجر إذا كان معتمداً لدى الجهة المقابلة.

لا حاجة إلى هذا التوجيه إذا تمّت التوجيهات الثلاث السابقة: (الإجارة و الجعالة و البيع)، فهذه الفائدة التي يأخذها يمكن جعلها في ضمن عقد الإجارة على العمل برفع سعر تعهّده بتسديد الثمن، أي قيمته الماليّة، و كذلك في الجعالة و البيع.

وجه إفراز الماتن هذه المسألة عن سابقتها.

إنّ من حيث الموضوع هنا جهتين للبحث، و فيما تقدّم كان الكلام عن تقاضي المال على تعهّده بأداء الثمن و تسليم البضاعة و قبضها، و ما نحن فيه ليس الكلام في أداء الثمن و قبض البضاعة، بل اشتراط أخذ الفائدة في مقابل تسديد الثمن من دون أخذ المال من المشتري، فهذه الجهة تغاير جهة البحث في السابقة من أخذ المال مقابل أداء الثمن و لو من المشتري و قبض البضاعة، فيكون البنك وسيطاً في المعاملة، نفس هذه الوساطة لها قيمة ماليّة و إن لم يدفع البنك من نفسه شيئاً، بينما في هذه المسألة يفرض فيها تسديد البنك الثمن من عنده و من ثمّ يأخذ الفائدة الزائدة، و هي غير الوساطة الصرفة.

و لكنّ الماتن يستطيع أن يدرج هذه الجهة في ضمن ما سبق بالصورة التالية بأن‌

386

يقول البنك للزبون: أبيعك مليون مارك آلماني بثلاثة ملايين و نصف توماناً إيراني، و يضيف نصف مليون آخر إزاء عمله؛ و ذلك لأنّ المصدِّر الأجنبي يتقاضى ثمن بضاعته بعملة بلده، و المصدِّر يسدّد في العادة بعملة بلده المغايرة لعملة البلد الأجنبي، فيقع التغاير بين عملة المصدِّر و عملة المستورد، فيُرفع إمّا بعمليّة البيع أو بقبول البنك- الذي تعهّد و دفع الثمن عن المستورد للمصدِّر- التسديد بغير ما قد غرم، و على كلا التقديرين تقع مبادلة في البين يمكن للبنك حساب مقدار الفائدة في ضمنها، أو يمكن تقاضيه الفائدة في ضمن عنوان الإجارة أو الجعالة على أعماله، و يستطيع البنك أخذ الفائدة على إقدامه و تعهّده بتسديد الثمن من ماله الخاصّ و تأخير مدّة استيفاء ما دفعه، هذا أوّلًا.

و ثانياً: إنّ الحلّ الذي ذكره الماتن لا يخلو من إشكال قد تقدّم مراراً لأنّه مبني على التفرقة بين حكم الزيادة في عقد القرض و اشتراطها في ديون العقود الاخرى، فجوّز اشتراط الزيادة لأنّها ليست زيادة في عقد القرض، و إنّما هي في ضمان الغرامة.

و قد أفتى الماتن بجواز الزيادة: و قد تقدّم سابقاً أنّ الفائدة الربويّة ليست منحصرة بعقد القرض، و أنّ الزيادة الربويّة في مطلق الديون و لو لم تكن بسبب عقد القرض.

و أنّ ربا الفائدة موضوعه الديون في الآية الكريمة؛ إذ أنّ مورد نزولها كان في اليهود، حيث أنّهم يزعمون بأنّ البيع بثمن مؤجّل [بأجل يتضمّن التأخير و بنحو يتضمّن الثمن الذي وقع عليه البيع الفائدة التي بإزاء الأجل] يساوي ما إذا وقع البيع بثمن إلى أجل أقصر، ثمّ زيدَ الأجل في مقابل الفائدة الربويّة، أي أنّ تأخير الدين بفائدة يماثل البيع و التعاقد في البدء على الأجل الطويل بثمن يتضمّن مقدار زيادة الفائدة.

ففرّقت الآية بينهما بحلّية البيع و تحريم الربا في الديون في مقابل إنكار اليهود الفرق بينهما، و (قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا) (1)، أي بيع النسيئة مثل الربا على‌

____________

(1) سورة البقرة 2: 275.

387

تأخير الديون، و ردّ عليهم القرآن (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا) (1)، أي إنّ ماهيّة الربا غير ماهيّة البيع كما بيّناه مفصّلًا فيما سبق.

و هاهنا البنك حين ما يدفع الثمن من ماله الخاصّ، لا يُقرض المشتري أوّلًا لتكوّن الزيادة في القرض، بل يسدّد البنك الثمن- الذي هو دين للمصدِّر- بأمر من المستورد فيكون دين البنك في ذمّة المستورد بسبب الأمر الضماني الموجب للاتلاف فيكون ديناً متولّداً من ضمان غرامة الاتلاف بالتسبيب بتوسّط الأمر، فتكون الزيادة للتأخير في ذلك الدين في غير عقد القرض، إلّا أنّ ذلك لا يخرج الزيادة عن كونها فائدة ربويّة.

و يمكن تخريج الاعتمادات بوجوه اخر:

منها (2): أنّه من باب الجعالة على أنّه إذا أدّى عنّي ديني أن أدفع له أصل المال و الزيادة المقرّرة، فيكون التاجر ضامناً للبنك ما دفعه عنه إلى الشركة و ضامناً له الزيادة المقرّرة المأخوذة بإزاء هذه العمليّة من تسجيل البضاعة باسم البنك و تسجيلها بعد تسليم المبلغ باسم التاجر و ما يتخلّل ذلك من عمليات توفّر على التاجر وقته.

و هذا التوجيه لا يخلو من إشكال: لأنّ الجعالة لا تحلّ مشكلة الربا؛ إذ الربا مشارطة لتأجيل الدين بزيادة، و الربا باطل، سواء دخل في المشارطة العامّة أو دخل في باب الصلح أو الجعالة، و هكذا، و سواء كان متعلّق الصلح أو الجعالة أم شرطاً ضمنيّاً.

فإذا كان متعلّق الصلح أو الجعالة مفاده صريح ماهيّة الربا، أي تقابل الزيادة الأجل في الجعالة بأن يجعل متعلّقاً لها أو بعضاً من متعلّقها، كما قد يجعل متعلّقاً لصلح بأن يقول: «صالحتك على أن تؤخّر ديني إلى أجل بزيادة» لا كشرط ضمني فيؤدّي ذلك‌

____________

(1) سورة البقرة 2: 275.

(2) تخريج الفقيه الشيخ حسين الحلّي (رحمه الله).

388

إلى بطلان الجعالة و الصلح؛ و ذلك لإبطال الأدلّة الشرعيّة ماهيّة الربا و عنوانه مطلقاً، و لو لم يكن بنحو المشارطة الضمنيّة بقرينة مورد نزول الآية و النصوص الكثيرة المبطلة للمشارطة المبتدأة غير الضمنية على الربا الواقعة لاحقاً بتعاقد مستأنف عند مطالبة الدائن دينه من المدين.

و من ثمّ استشكلنا في الإقراض فيما لو دفع جعلًا مقابل عملية الاقراض بأن يقول:

«من أقرضني كذا فله كذا»، حيث ذكرنا أنّ الاقراض و إن كانت له ماليّة و لكن ماليّته ليست وراء ماليّة المال الذي يُقرض.

و من ثمّ أبطلوا الإجارة الواقعة على الزيادة الربويّة المقابلة بالإقراض؛ لأنّ الفائدة على المدّة زيادة على المقروض، و من ثمّ يصحّ التعبير بأنّ الربا الديني باطل في كلّ العقود، بخلاف الربا الكيلي و الوزني، فقد وقع الخلاف في كونه مخصوصاً بالبيع أو في كلّ العقود، فالقائلين بالتعميم يبطلون التفاضل في الكيل أو الوزن في العوضين، سواء كان بعنوان الصلح أم بعنوان أي معاوضة خاصّة اخرى، و كذلك الحال في الربا الديني، فإنّه باطل وجد في مفاد أي عقد من العقود.

و الربا هو زيادة في مقابل إنساء الأجل لدين سابق- و لو رتبة- على المشارطة الربويّة بحيث يكون متعلّق المشارطة أو ذلك التعاقد هو ذلك المفاد، فالتصوير المذكور لا يخلو من تأمّل (1).

فالصحيح التوجيه بالوجه السابق من أنّ الجعالة تقع للخدمة بزيادة.

____________

(1) و الظاهر من آخر التقرير أنّ الحلّي (رحمه الله) أبدى نوعاً من الرجوع عن هذا الوجه.

389

خزن البضائع

قد يقوم البنك بخزن البضاعة على حساب المستورد كما إذا تمّ العقد بينه و بين المصدّر، و قام البنك بتسديد ثمنها له، فعند وصول البضاعة يقوم البنك بتسليم مستنداتها للمستورد و إخباره بوصولها، فإن تأخّر المستورد عن تسلّمها في الموعد المقرّر، قام البنك بخزنها و حفظها على حساب المستورد إزاء أجر معيّن، و قد يقوم بحفظها على حساب المصدّر، كما إذا أرسل البضاعة إلى البنك دون عقد و اتّفاق مسبق، فعندئذ يقوم البنك بعرض قوائم البضاعة على تجّار البلد، فإن لم يقبلوها حفظها على حساب المصدّر لقاء أجر معيّن.

مسألة 9: في كلتا الحالتين يجوز للبنك أخذ الاجرة

لقاء العمل المذكور إذا اشترط ذلك في ضمن عقد، و إن كان الشرط ضمنيّاً و ارتكازيّاً، أو كان قيامه بذلك بطلب منه (1)، و إلّا فلا يستحقّ شيئاً.

و هنا حالة اخرى، و هي: أنّ البنك قد يقوم ببيع البضاعة عند تخلّف أصحابها عن تسلّمها بعد إعلان البنك و إنذاره، و يقوم بذلك لاستيفاء حقّه من ثمنها، فهل يجوز للبنك القيام ببيعها، و هل يجوز لآخر شراؤها؟ الظاهر الجواز؛ و ذلك لأنّ البنك- في هذه الحالة- يكون وكيلًا من قِبل أصحابها بمقتضى الشرط الضمني الموجود في أمثال هذه الموارد، فإذا جاز بيعها جاز شراؤها أيضاً.

إذ البنك لا يخزّن في مخازنه إلى أبد الدهر و البضاعة معرّضة للتلف و هي في‌

____________

(1) لأنّ الطلب أمر و هو مضمّن، فإنّ عملية التخزين عمل مالي نظير: ابن لي جداراً.

390

عهدته و مسئوليّته، و الغرض قائم بإفراغ المخزن فيقرّر أجل زمني لذلك نظير ستّة أشهر و من بعدها يبيع البضاعة و يستوفي حقّ وساطته من ثمنها، و الزائد يردّه على صاحبه، و هذا كشرط ضمني في فتح عملية الاعتماد.

و لا يشكل بامتناع كون البنك وكيلًا، بأنّ البنك عنوان و لا يكون العنوان وكيلًا عن شخص حقيقي؛ لأنّ الكلام فيه هو الكلام في ملكيّة العنوان.

نعم، تفترق الوكالة عن الملكيّة بأنّها ولاية، و العنوان و إن تصوّر له الملكيّة إلّا أنّ تصوير الولاية له في غاية الإبهام و الإجمال بعد كونه جامداً غير عاقل.

و لكنّ الحلّ أنّ البنك و العنوان له وليّ (كمديره أو غيره)، حيث يكون المدير نائباً عن المالكين للبنك، حيث أنّ البنك المالك للأشياء هو مملوك للأشخاص الحقيقيّين، و هم يولّون شخصاً آخر عنه على العنوان، و بالتالي يكون وليّاً على البنك و على كلّ شي‌ء للبنك ولاية عليه، فوليّ العنوان هو يستلم تلك الولاية.

391

الكفالة عند البنوك

يقوم البنك بكفالة و تعهّد مالي من قِبل المتعهّد للمتعهّد له من جهة حكوميّة أو غيرها حينما يتولّى المتعهّد مشروعاً كتأسيس مدرسة أو مستشفى أو ما شاكل ذلك للمتعهّد له، و قد تمّ الاتّفاق بينهما على ذلك، و حينئذٍ قد يشترط المتعهّد له على المتعهّد مبلغاً معيّناً من المال في حالة عدم إنجاز المشروع و إتمامه عوضاً عن الخسائر التي قد تصيبه، و لكي يطمئنّ المتعهّد له بذلك يطالب بنفيل على هذا، و في هذه الحالة يرجع المتعهّد و المقاول إلى البنك ليصدر له مستند ضمان يتعهّد البنك فيه للمتعهّد له بالمبلغ المذكور عند تخلّفه (المتعهّد) عن القيام بإنجاز مشروع لقاء أجر معيّن.

مسائل:

الاولى: تصحّ هذه الكفالة بإيجاب من الكفيل

بكلّ ما يدلّ على تعهّده و التزامه من قول أو كتابة أو فعل، و بقبول من المتعهّد له بكلّ ما يدلّ على رضاه بذلك. و لا فرق في صحّة الكفالة بين أن يتعهّد الكفيل للدائن بوفاء المدين دينه، و أن يتعهّد لصاحب الحقّ بوفاء المقاول و المتعهّد بشرطه.

الثانية: يجب على المتعهّد الوفاء بالشرط المذكور

إذا كان في ضمن عقد عند تخلّفه عن القيام بإنجاز المشروع، و إذا امتنع عن الوفاء به رجع المتعهّد له (صاحب الحقّ) إلى البنك للوفاء به، و بما أنّ تعهّد البنك و ضمانه كان بطلب من المتعهّد و المقاول فهو ضامن لما يخسره البنك بمقتضى تعهّده، فيحقّ للبنك أن يرجع إليه و يطالبه به.

الثالثة: هل يجوز للبنك أن يأخذ عمولة معيّنة من المقاول و المتعهّد

لإنجاز العمل لقاء‌

392

كفالته و تعهّده؟

الظاهر أنّه لا بأس به؛ نظراً إلى أنّ كفالته عمل محترم فيجوز له ذلك. ثمّ إنّ ذلك داخل- على الظاهر- في عقد الجعالة، فتكون جعلًا على القيام بالعمل المذكور، و هو الكفالة و التعهّد، و يمكن أن يكون على نحو الإجارة أيضاً و لا يكون صلحاً و لا عقداً مستقلّاً.

من خدمات البنك أنّه يتكفّل الوفاء بالعمل إن لم يفِ المتعاقد بالعمل أو يفي بالشرط (و هو أداء الخسارة) إن لم يفِ المتعاقد بالشرط.

و من الظاهر أنّ الكفالة عقد مستقلّ، و لذلك يحتاج إلى إيجاب و قبول، و ظاهر العبارة أنّ البنك تارة يتعهّد- مثلًا- إن لم تبنِ هذه الشركة هذا البناء، فهو يتولّى البناء، أي إن لم يأتِ المكفول بمتعلّق العقد فالبنك يتعهّد بإتيانه، ففي هذه الصورة ليس في الكفالة شرط بدفع الخسارة.

و اخرى يتعهّد: إن لم يأتِ بمتعلّق العقد فهو يضمن وفاء الشرط، و هو مال الخسارة.

و تصحّح هذه الكفالة بوجوه:

الأوّل: ما ذكره الفقيه الشيخ حسين الحلّي من إدخالها في الكفالة الاصطلاحيّة.

و هي ضمان الإتيان بالشخص فيضمن أنّ المنكر لا يفرّ- مثلًا- فهو ضمان إحضار الشخص، و قد ذهب جماعة إلى تحمّل الكفيل دين المكفول إن لم يحضر، إمّا بنحو الطولي- يعني إن لم يأتِ بالمكفول- و إمّا بنحو التخيير، أي: أنّه مخيّر بين أن يأتي بالمدين المكفول أو يسدّد دينه.

بخلاف القول الآخر الذي ذهب إليه الكثير بأنّ الكفيل مسئول بإحضار شخص المكفول و لا شي‌ء وراء ذلك.

و من ثمّ استشكل الحلّي نفسه في هذا الوجه بأنّه لا اتّفاق في الكفالة الاصطلاحيّة‌

393

على أداء الكفيل الدين.

و يشكل على هذا التوجيه أيضاً بأنّ في الفرض المتداول لا يتعهّد البنك بإحضار الشخص، بينما في الكفالة لا بدّ من التخيير بين الإحضار و الأداء على أقلّ تقدير.

الثاني: إنّ هذه الكفالة تدخل في ضمان الفعل، و لذلك تسمّى الكفالة أيضاً بخطابات الضمان في المحاورات الدارجة، و قد تقدّم أنّ الضمان على ثلاثة أقسام أو أكثر: ضمان العقد، نقل ذمّة إلى ذمّة، و ضمان الاتلاف أو الغرامة، و ضمان التعهّد بالفعل.

و ماهيّة ضمان الفعل يُنشئها الضامن بقوله للمضمون له: «إن لم يدفع لك- مثلًا- أو أتلف فلان، فعَلَيَّ ضمانه»، أي علَيَّ أن أدفع الثمن، فليس هناك دين قائماً بالفعل كي ينقل في ذمّة المضمون عنه إلى الضامن.

فالضامن لا يتعهّد بكونه مديناً بدلًا عن المضمون عنه، بل متعلّق التعهّد ضمان الفعل، و هو أداء القيمة و دفع مال العين التالفة، فليس متعلّق الضمان هو المال بنفسه و أداء المال فعل من الأفعال، فافترق عن الضمان الاصطلاحي، فمتعلّقه نقل المال إلى ملك المضمون له، و من ثمّ كان الضمان الاصطلاحي أشبه بشرط النتيجة، و أمّا ضمان الفعل فأشبه بشرط الفعل؛ إذ مفاد شرط النتيجة اشتراط كون الشي‌ء ملكاً للشارط و مفاد شرط الفعل اشتراط التمليك (بشرط أن تملّكني)، و هو فعل متعلّق بمال و ليس بنفسه مال.

و هناك فرق آخر: أنّ في ضمان الفعل لا يكون الضامن حين إنشاء الضمان و بعده، مديناً للمضمون له، بل ربّما لا يكون المضمون عنه أيضاً مديناً للمضمون له، و ربّما يكون بخلاف الضمان الاصطلاحي، و إنّما أثر ضمان الفعل ثبوت حقّ الفعل و أدائه للمضمون له.

نعم، إذا تحقّق ما علّق عليه الفعل مثل عدم إتيان الأجير بمتعلّق الإجارة، يصبح الضامن مديناً على قول، و على قول آخر يصبح للضامن حقّ مالي، فلو مات قبل وفائه‌

394

لم يُخرج من تركته شي‌ء إلّا بوصيّة منه، و هذا بخلافه على القول السابق، فإنّه يخرج من تركته مقدّماً على الإرث و إن كانت هذه التفرقة بين القولين لدينا محلّ نظر بعد البناء على أنّ شروط الفعل ذات مؤدّى وضعي و صفة ماليّة، و إن اختلفت في الجملة عن شرط النتيجة.

دليل مشروعيّة هذا الضمان

الأوّل: إنّه ضمان عقلائي، و يندرج في مطلقات الضمان، أو يندرج في مطلقات (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، و لا يوجد دليل مفسد له مخصّص للعمومات، مثل النهي عن الغرر. و العقود في (أَوْفُوا) لا تنحصر في العقود المعهودة، بل تشمل العقود المتجدّدة، إلّا أنّ تخالف الشرائط العامّة في العقود بأن لا يكون غررياً و لا ربويّاً و نحو ذلك، فهذا عقد جديد يندرج في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، و هي قضيّة حقيقيّة تولّد عقوداً جديدة بشرط أن يكون حاوياً لشرائط العقود، و بشرط أن تكون ماهيّة هذا العقد مغايرة لماهيّة العقود المعهودة، و إلّا لاشترط فيه شرائطها الخاصّة.

الثاني: إنّه منصوص في موارد، و قد أفتوا بها، و المورد لا يخصّص الوارد، مثل:

الذي يضمن للبائع إقباض الثمن من المشتري فيقول: «بع هذا له، و إن لم يدفع الثمن فأنا أدفعه»، مع أنّه لم يقع البيع بعدُ، فليس في البيع دين فعليّ كي يقال: إنّه ضمان اصطلاحي؛ لأنّ المشتري مديناً بالثمن للبائع، فهذا ضمان الفعل، و كذلك الضمان في قوله: «اشتر منه هذا الشي‌ء و أنا ضامن لك بتسليم المبيع»، و هو منصوص و مفتى به. و كذا ما في باب الغصب في قوله: «اشتر هذا، فإن ظهر أنّه غصب فأنا أدفع غرامته إلى صاحبه».

و في ما نحن فيه: البنك إمّا أن يتعهّد و يضمن بإتيان متعلّق العقد الإيجاري في صورة عدم إتيان المكفول به، أو يتعهّد بشرطه إن لم يدفع الخسارة فهو يدفعها، و كلاهما من قبيل ضمان الفعل؛ إذ حين الضمان لا يكون البنك مديناً للمضمون له‌

395

تعهّده بالفعل معلّق على شي‌ء، بل في الصورة الثانية المضمون عنه ليس مديناً بالخسارة بالفعل.

قوله (رحمه الله) في المسألة الثانية: «يجب على المتعهّد الوفاء بالشرط»، يمكن تصوير صحّة هذا الشرط بأنّه شرط ابتدائي بالتمليك، سواء كان بنحو شرط النتيجة أو شرط الفعل، بأن يشترط أحد المتعاقدين على الآخر إذا لم يؤدِّ ما عليه من العوض أن يهب للآخر كذا أو يملّكه كذا مبلغاً، و هذا المال الذي يشترط تملّكه من أحدهما للآخر ليس بإزاء الأجل ليكون رباً، بل بازاء عدم الوفاء بالمعاملة أو كون حقّ الفسخ و خيار الشرط معلّقاً على هبة أحدهما للآخر أو جبران للخسارة التي يسبّبها تأخير الوفاء بالمعاملة في مال آخر غير العوضين.

و هذا التصوير و إن كان صحيحاً، إلّا أنّه ليس حلّاً لكلّ فروض الكفالة؛ لأنّ كثيراً من فروض الكفالة هي في مورد الإجارة، حيث يخاف طروّ العجز على الأجير و الإجارة تنفسخ بالعجز؛ لأنّها مشروطة بالقدرة على المتعلّق، فإذا انتفت القدرة حدوثاً أو بقاءً تنفسخ الإجارة، و إذا انفسخت يرجع ثمن الاجرة إلى المستأجر، و هو سبب خوف المستأجر المتعهّد له بأن تنفسخ الإجارة و يسبّب له خسارة في أمواله الاخرى التي أراد أن ينميها بما يُحدثه العمل الإجاري فيها، و مع انفساخ الإجارة للعجز ينتفي شرط التعهّد بالخسارة لانتفاء المشروط، و هو الإجارة.

نعم، في مثل البيوع لا ينفسخ البيع للعجز من قِبل البائع؛ لأنّه يصبح مديناً، فيمكن تصوير بقاء الشرط بخلاف عقود الإجارة، فمن ثمّ ذكروا لأجل التوصّل إلى بقاء الشرط بإنشاء صلح أو عقد آخر يفرض بقائه مع طروّ العجز ممّا لا يخشى عدم تماميّته.

قوله (رحمه الله): «و يمكن أن يكون على نحو الإجارة أيضاً، و لا يكون صلحاً و لا عقداً مستقلّاً».

هذا التصوير مبنيّ على أنّ نفس إنشاء الضمان له ماليّة غير ماليّة مورد الضمان،

396

و أمّا مورد الضمان، و هو الدين، فيرجع الضامن على المضمون؛ لأنّ بأمره أقدم على الضمان. و في نفس إنشاء الضمان نوع من انتفاع المضمون عنه باعتبار الضامن بغضّ النظر عن مورد الضمان، فيكون له ماليّة من هذه الجهة، و ماليّته يستحقّها الضامن على المضمون بعقد الجعالة أو الإجارة عليه، فالضامن يتملّك هذه الزيادة بمجرّد إنشاء الضمان لا بعد دفع الضمان كي يتوهّم بأنّ الزيادة ربويّة؛ لأنّ الزيادة لو كانت تستحقّ للضامن بعد دفعه الضمان للمضمون له، لكان لذلك التوهّم مجال؛ لأنّ المضمون عنه يصبح مديناً للضامن بعد أداء الضامن للضمان؛ لأنّه كان بأمر المضمون عنه، فلو كان أخذ الزيادة بعد حصول الدين- أي بعد دفع الضمان- لكانت زيادة على الدين ربويّة، بناءً على عموم موضوع الربا للزيادة على كلّ دين، و إن لم يكن قرضاً كما هو الصحيح، فهذا التصوير لا بأس به.

397

بيع السهام

قد تطالب الشركات المساهمة وساطة البنك في بيع الأسهم و السندات التي تمتلكها، و يقوم البنك بدور الوسيط في عمليّة بيعها و تصريفها لقاء عمولة معيّنة بعد الاتّفاق بينه و بين الشركة.

مسألة 10: تجوز هذه المعاملة مع البنك،

فإنّها- في الحقيقة- لا تخلو من دخولها إمّا في الإجارة بمعنى أنّ الشركة تستأجر البنك للقيام بهذا الدور لقاء اجرة معيّنة، و إمّا في الجعالة على ذلك، و على كلا التقديرين، فالمعاملة صحيحة و يستحقّ البنك الاجرة لقاء قيامه بالعمل المذكور.

مسألة 11: يصحّ بيع هذه الأسهم و السندات، و كذا شراؤها.

نعم، إذا كانت معاملات الشركة المساهمة ربويّة، فلا يجوز شراؤها بغرض الدخول في تلك المعاملات، فإنّه غير جائز، و إن كان بنحو الشركة.

نتعرّض لبيع السندات مستقلّاً فيما سيأتي.

و أمّا بيع الأسهم، فأطلق السيّد (رحمه الله) الحكم بجوازه، و لكنّ الإنصاف أنّ بيع السهام على أقسام مختلفة كثيرة، نذكر أربعة منها:

الأوّل: إنّ الأسهم لتملّك حصص من مصنع أو شركة خاصّة، و لا مانع من صحّة بيعها.

الثاني: بيع أسهم منافع المصنع، أي منتجاته لمدّة معيّنة، فلا يقع البيع على حصص ملكيّة المصنع، بل يقع على منافع المصنع أو الشركة.

الثالث: عند ما تريد الدولة أن تشقّ طريقاً عبر مجاميع بيوت موجودة في ذلك‌

398

الموضع فتقوم ببيع أسهم لملكيّة الأراضي الواقعة على حافّتي الشارع الجديد.

الرابع: تقوم الدولة أو الشركة الخاصّة المتخصّصة في مجال خاصّ ببيع أسهم الشركة الزراعيّة- مثلًا- مع عدم كون المصنع و لا أرضه موجودين و لا بقيّة أجهزة الشركة، فتباع الأسهم على أن تشتري الأرض و المصنع و الأجهزة فيما بعد.

أمّا القسم الأوّل، فحيث أنّ المصنع موجود و له آلات و البيع لحصص الملكيّة، فلا مانع من ذلك، و دلالة البنك و اجرته عليها أيضاً صحيحة.

أمّا القسم الثاني- و هو بيع المنتوجات- و منافع المصنع أو الشركة، فالبيع لا يقع على عين المصنع أو آلاته، بل على المنافع المعدومة حين البيع، فالفرش- مثلًا- ليس بموجود، فيقع البحث حول متعلّق البيع أو موضوعه، هل هو بيع ما لا يُملك؟

و يمكن أن يصحّح بعدّة توجيهات:

1- إجارة المصنع لمشتري الأسهم، و يكون مُلّاك المصنع وكلائهم عن المستأجرين في أخذ أموالهم لشراء مواد المصنع و بيعها عنهم بعد ذلك، فيتقاضون منها الاجرة للآلات و يشترون ببقيّة الأموال مواد المصنع، فيكون المنتوج للمستأجرين مالكي المواد، و هم الذين يشترون الأسهم و البنك يأخذ الاجرة في مقابل إشرافه على تلك العمليّة، فبيع الأسهم عبارة عن مجموع الإجارة و عدّة عقود اخرى.

2- قد تكون المواد حاضرة في المصنع، فمُلّاك المصنع يبيعون المواد على مشتري الأسهم و يؤجرونهم المصنع.

3- أن يبيع ملّاك المصنع جنس المنتوجات بنحو الكلّي في الذمّة على أن يقع الوفاء بما ينتجه المصنع، ثمّ يتوكّل الملّاك في بيعها و تقسيم الأرباح بحسب الأسهم و نسب المشاركة.

4- أن يبيعوا جنس المنتوج بنحو الكلّي في المعيّن من منتوجات المصنع بناءً على عدم شمول بيع ما لا يملك الكلّي المعيّن.

399

5- أن يؤاجر ملّاك المصنع آلات و أجهزة المصنع لمشتري الأسهم، فيملك أصحاب الأسهم منافع الأجهزة و الآلات، ثمّ يتقاضى أصحاب الأسهم من الملّاك اجرة استخدام تلك المنافع المملوكة في تصنيع المواد و تلك الاجرة هي نسبة معيّنة من الإنتاج.

6- عين ما تقدّم، إلّا أنّه لا حاجة لتقاضي أصحاب الأسهم الاجرة؛ لأنّ العين المنتوجة ملكيّتها مشتركة بين ملّاك المصنع (صاحبي المواد) و بين أصحاب الأسهم (مالكي منافع الآلات)؛ بناءً على أنّ المادة المتهيّئة بهيئة ماليّة عالية القيمة تكون مشتركة بين صاحب المادة و صاحب العمل الذي أحدث الهيئة في المادة، نظير ما لو رسم النقّاش شكلًا على خشبة كانت تعادل قيمة يسيرة فأصبحت تعادل بقيمة باهضة جدّاً، فإنّ الصحيح أنّ ملكيّتها تكون شركة بين الاثنين بحسب النسبة، فعلى هذا يكون المنتوج شركة بين مالك المادة و مالك منفعة الآلات.

أمّا القسم الثالث و الرابع، فقد يقال إنّ البيع فيهما فاسد؛ لأنّه إمّا أن يكون بيع ما لا يملك أو قرضاً ربويّاً، و لكن يمكن تصحيحهما بعقد المضاربة على شراء الأراضي مشروطاً بالبناء و إيجاد الشارع أو المزرعة، و هكذا، ثمّ تقسّم الأرباح بالنسبة بين عامل المضاربة (و هو الدولة أو الشركة البائعة للأسهم) و بين مالك المال (و هم أصحاب الأسهم).

400

ملحق

مسألة 1: تجري المعاوضة في بعض أسواق الأسهم بتسليم كلّ من الثمن و الأسهم،

أو أحدهما و بعض الآخر، بعد فترة زمنيّة محدّدة، كالشهر أو الثلاثة أو الأربعة أشهر و نحوها، و بعد مضيّ مدّة يقوم كلّ من المتعاقدين بالقبض و الإقباض و تصفية الحساب.

فقد يقال بالصحّة و إن لم يصدق عنوان عقد السلم أو النسيئة عليه، بل و إن لم يصدق عليه عنوان أحد العقود الخاصّة في الشريعة لانطباق عموم عنوان: (تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ) (1) عليه، و كذلك (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).

و فيه: أنّه من بيع الدين بالدين، سواء كان كلّ منهما مؤجّلًا أو أحدهما و بعض الآخر.

و دعوى: أنّه عقد جديد، ممنوع بصدق ماهيّة البيع عليه. غاية الأمر أنّه من بيع الدين بالدين.

مسألة 2: قد يقع في بورصة أسهم بيع الأسهم قبل أن يقبضها تارة، و قبل أن يشتريها تارة اخرى.

الظاهر الصحّة في الأوّل و البطلان في الثاني.

أمّا الصحّة في الأوّل فلأنّه لا يشترط في صحّة البيع قبض المبيع إلّا في المكيل و الموزون، و بيع أسهم الشركات و نحوه ليس من قبيل بيع المكيل و الموزون.

نعم، لو فرض كون الأسهم أسهم الأجناس المكيلة و الموزونة لاشترط القبض‌

____________

(1) سورة النساء 4: 29.

401

فيها بما يناسب كلّ جنس و مكان بحسبه.

أمّا البطلان في الثاني فلأنّه بيع ما لا يملك على تقدير التمليك الفعلي أو التعليق الباطل على تقدير التمليك التعليقي، و قد تقدّم أنّ محذور بطلان التعليق ليس عقليّاً بل عقلائي، فلاحظ.

مسألة 3: يجري تداول بيع أسهم الشركات المساهمة التي رأس مالها حرام أو مختلط بالحرام

أو التي تتعامل على الحلال و الحرام أو تُجري معاملات محرّمة. و البيع في هذه الأقسام يقع تارة بقصد العضويّة في الشركة، و اخرى بقصد الاستثمار و الاتّجار بماليّتها، أي أنّ البيع يقع لماليّة الشركة لا لعينها و لا لمنافعها.

و الحكم فيها كالتالي:

أمّا الصورة الاولى- و هي التي رأس مالها حرام- فهي محكومة بالبطلان، سواء وقع البيع بقصد العضويّة- أي بقصد تملّك العين و المنافع و الإقدام على المعاملات المحرّمة- أو بقصد الماليّة؛ و ذلك لعدم اعتبار ملكيّة الحرام و نفي ماليّته شرعاً.

نعم، في الشركات الأجنبيّة غير المسلمة يجوز أخذ الثمن عليها بقصد الاستيلاء على أموالهم.

الصورة الثانية- و هي التي رأس مالها مختلط بالحرام- قد يقال بالبطلان مطلقاً؛ لما تقدّم في الصورة الاولى، لكنّ الصحيح هو التفصيل و الحكم بالصحّة بنسبة القدر الحلال في الشركة و بطلان النسبة المحرّمة؛ لأنّه نظير بيع ما يملك و ما لا يملك.

الصورة الثالثة- و هي التي تتعامل على الحلال و الحرام- فقد يقال بالبطلان مطلقاً أيضاً، و الصحيح هو التفصيل بين الشراء بقصد العضويّة، بمعنى تملّك المنافع المحرّمة.

الصورة الرابعة- و هي التي رأس مالها حلال، و لكنّه تُجري معاملات محرّمة- قد يقرّب صحّة ابتياعها بقصد الاستثمار و الاتّجار بماليّتها لكون رأس المال من أعيان‌

402

الشركة و ممتلكاتها من المال المحلّل، فيصحّ المعاملة عليها.

أمّا ما تُجريه الشركة من معاملات محرّمة فلم يقصده مشتري الأسهم، مضافاً إلى: إمّا عدم علمه بوقوع التعامل المحرّم في فترة تملّكه للأسهم، حيث يقدم على بيعها بعد شرائها بمدّة، أو لعدم توزيع أرباح التعامل على الشركاء (/ مُلّاك الأسهم) في تلك الفترة التي يتملّك فيها الأسهم، لا سيّما إذا لم يكن في ابتياع تلك الأسهم اشتراط بتعامل الشركة بالمحرّم، أي لم يكن في برنامج اللوائح المقرّرة في الشركة ذلك.

نعم، لو كان ذلك من مواد اللوائح المقرّرة في الشركة، و بمثابة الشرط في ابتياع السهم، و يكون مجموع مَن يُدير تلك الشركة بمنزلة الوكلاء عن أصحاب الأسهم لكان ابتياع الأسهم لا يخلو من إشكال، و إن أمكن التأمّل في الحرمة أو الفساد على ذلك التقدير أيضاً؛ لأنّ غاية ذلك فساد الشرط لإفساد البيع.

مسألة 4: في حكم ابتياع أسهم الشركات الأجنبيّة،

سواء المقيمة في البلاد الأجنبيّة أم في البلاد الإسلاميّة، و هي على صور أيضاً:

1- فإمّا أن تكون الشركة تتداول الاستثمارات المحرّمة فقط.

2- و إمّا المختلطة.

3- و إمّا المحلّلة فقط.

أمّا حكم الصورتين الأوليتين: فقد يقال: إنّ مقتضى القاعدة هو الفساد و الحرمة لكون الماليّة محرّمة، مضافاً إلى شركة مالك الأسهم في تكوين الأعمال الاستثماريّة المحرّمة، إلّا إذا كان قصده من الابتياع التوصّل إلى الاستيلاء على الأسهم، و استنقاذها من أيديهم لا بعنوان الشراء، فحينئذٍ يتملّكها و يجوز له بيعها.

و فيه: أنّ المال المكتسب من الحرام عند الكافر يجوز لنا تملّكه و عليه وزره، كما ورد النصّ بذلك في استيفاء الدين من الكتابي من مال حصّله من بيع الخمر أو‌

403

الخنزير (1) و كما في أخذ مال الجزية منهم (2)، فماليّة الشركات الأجنبيّة إذا لم تكن من الأعيان المحرّمة تكون محلّلة بالإضافة إلينا، و بالتالي يكون فرض الصورتين الأوليتين عين فرض الصورة الأخيرة في المسألة المتقدّمة، التي تقدّم حكمها.

و لو أغمضنا النظر عن ذلك فقصد الاستنقاذ و الاستيلاء بتوصّل الشراء الصوري لا يحلّل ماليّة الشركة بعد فرض كونها محرّمة.

أمّا حكم الصورة الثالثة فقد اتّضح ممّا ذكرنا.

____________

(1) ب 60/ أبواب ما يكتسب به، و: ب/ 28 أبواب الدين.

(2) ب 70/ أبواب جهاد العدوّ.

404

بيع السندات

عُرِّف السند بأنّه وثيقة ماليّة محدّدة في ذمّة الجهة المصدّرة له، و تقوم الجهة بإصداره بداعي تمويل مشروع معيّن.

فقد تصدره الدولة لتمويل نفقات خدماتها العامّة بسبب العجز في الميزانيّة السنويّة، و قد تصدره المؤسّسات الدوليّة أو الخاصّة، كالبنوك و الشركات المختلفة، لتميل ما تُقدِم عليه من مشاريع. و لا يخفى أنّ مقتضى هذا التعريف ينطبق على الصورة الثالثة و الرابعة التي تقدّمت في أقسام الأسهم.

و على أي تقدير، فالسند صكّ و وثيقة للدين و ليس ورقاً مالياً، بل هو سند و وثيقة على المال، فمثلًا: الدولة عند ما تريد أن تقدم على مشروع و تريد أن تأخذ أموالًا من النّاس، ثمّ ترجعها إليهم مع الفائدة، فلو أقدمت على الاستقراض منهم لم يقدم أحد منهم على إقراضها، فلذا تقوم بإصدار صكوك و سندات، كلّ سند كذا مقدار، ثمّ تبيعها، و قد تكون بأقلّ من المقدار المذكور في السند، فقد تكون قيمته ألف دينار و تبيعه الحكومة بتسعمائة و خمسين ديناراً، و يتوسّط في الغالب البنك و مؤسّسات السمسرة و الدلالة في بيع السند، فتباع أوراق السندات بتسعمائة و خمسين ديناراً على أن يستلم المشتري بعد سنة ألف دينار.

فيقع الكلام و البحث عن حكم بيع هذه السندات، و عن حكم الاجرة و العمولة التي يتقاضاها البنك و السمسار على بيع تلك السندات، و قد تقدّم أنّ هذه السندات ربّما تصدرها الشركة الأهليّة الخاصّة.

و ظاهر الماتن (رحمه الله) و جماعة القول بجواز بيع السندات، و أنّه حقيقةً بيع‌

405

و ليس بقرض، فحكم المبادلة على السندات إن كان بيعاً فلا يرد إشكال عليه؛ إذ هو شراء ألف دينار التي تدفع بعد سنة بتسعمائة و خمسين ديناراً نقداً، و في البيع لا إشكال في تفاوت العوضين إلّا مَن يستشكل في بيع المعدود عند التفاوت مؤجّلًا بخلاف بيع المعدود مع التفاوت نقداً، و لكن تقدّم جوازه في كلتا الصورتين، فمَن يسوّغ بيع المعدود بالأجل مع التفاوت و لو كان من جنس واحد، يسوّغ بيع السندات، لكن قد تقدّم التأمّل في الصحّة في بيع الأوراق بمثلها مع أجل- إذا كان من جنس واحد- و السند يكون وثيقة حينئذٍ على العقد أو المال، كالكتابة على العقد، لا أنّه هو مال، فبيع السند حقيقته بيع ألف دينار في المثال.

و إن كان حقيقة السند قرضاً- لا بيعاً- فيكون ربويّاً باطلًا؛ لأنّ المشتري للسند يُقرض الجهة المصدِّرة له في مقابل زيادة بعد سنة، و هذه الزيادة فائدة ربويّة، إلّا أن تكون الجهة حكوميّة فيأخذه من باب مجهول المالك، و يكون الشراء صوريّاً، أو تكون الجهة شركة كافرة أو حكومة كافرة، فلا مانع من أخذ الربا منهم.

و على الجملة: إن كان قرضاً و الجهة المصدّرة حكوميّة، فالإشكال فيه واضح بناءً على ملكيّة الدولة، فيكون قرضاً ربويّاً، و إن كان بيعاً فتشكل الصحّة في بيع الأوراق بمثلها مع أجل، إذا كان من جنس واحد، فعلى هذين الوجهين يتوقّف في بيع السندات، لكن قد ذكرنا في الصورتين الأخيرتين من بيع الأسهم إمكان انطباق بيع السندات على المضاربة.

406

التحويل الداخلي و الخارجي

و هنا مسائل:

الاولى: أن يصدر البنك صكّاً لعميله

بتسلّم المبلغ من وكيله في الداخل أو الخارج على حسابه إذا كان له رصيد مالي في البنك، و عندئذٍ يأخذ البنك منه عمولة معيّنة (1) لقاء قيامه بهذا الدور، فيقع الكلام- حينئذٍ- في جواز أخذه هذه العمولة، و يمكن تصحيحه بأنّه حيث أنّ للبنك حقّ الامتناع عن قبول وفاء دينه في غير مكان القرض فيجوز له أخذ عمولة لقاء تنازله عن هذا الحقّ و قبول وفاء دينه في ذلك المكان.

الثانية: أن يصدر البنك صكّاً لعميله بتسلّم المبلغ من وكيله في الداخل أو الخارج

بعنوان إقراضه، نظراً لعدم وجود رصيد مالي له عنده. و مردّ ذلك إلى توكيل هذا الشخص بتسلّم المبلغ بعنوان القرض، و عند ذلك يأخذ البنك منه عمولة معيّنة لقاء قيامه بهذا العمل، فيقع الكلام في جواز أخذه هذه العمولة لقاء ذلك.

و يمكن تصحيحه بأنّ للبنك المحيل أن يأخذ العمولة لقاء تمكين المقترض من أخذ المبلغ عن البنك المحال عليه، حيث أنّ هذا خدمة له، فيجوز أخذ شي‌ء لقاء هذه الخدمة.

ثمّ إنّ التحويل إن كان بعملة أجنبيّة فيحدث للبنك حقّ، و هو أنّ المدين حيث اشتغلت ذمّته بالعملة المذكورة فله إلزامه بالوفاء بنفس العملة، فلو تنازل عن‌

____________

(1) العمولة: اجرة العمل.