فقه المصارف والنقود

- الشيخ محمد السند المزيد...
622 /
407

حقّه هذا و قبل الوفاء بالعملة المحلّية جاز له أخذ شي‌ء منه لقاء هذا التنازل كما أنّ له تبديلها بالعملة المحلّية مع تلك الزيادة.

الثالثة: أن يدفع الشخص مبلغاً معيّناً من المال إلى البنك في النجف الأشرف- مثلًا- و يأخذ تحويلًا بالمبلغ أو بما يعادله على البنك

في الداخل- كبغداد مثلًا- أو في الخارج- كلبنان أو دمشق مثلًا- و يأخذ البنك لقاء قيامه بعمليّة التحويل عمولة معيّنة منه. و لا إشكال في صحّة هذا التحويل و جوازه، و هل في أخذ العمولة عليه إشكال، الظاهر عدمه.

أوّلًا: بتفسيره بالبيع بمعنى أنّ البنك يبيع مبلغاً معيّناً من العملة المحلّية بمبلغ من العملة الأجنبيّة، و حينئذٍ فلا إشكال في أخذ العمولة.

ثانياً: إنّ الربا المحرّم في القرض إنّما هو الزيادة التي يأخذها الدائن من المدين، و أمّا الزيادة التي يأخذها المدين من الدائن فهي غير محرّمة، و لا يدخل مثل هذا القرض في القرض الربوي.

الرابعة: أن يقبض الشخص مبلغاً معيّناً من البنك في النجف الأشرف- مثلًا- و يحوّله على بنك آخر في الداخل أو الخارج،

و يأخذ البنك لقاء قبوله الحوالة عمولة معيّنة منه، فهل يجوز أخذه هذه العمولة؟

نعم، يجوز بأحد طريقين:

الأوّل: أن ينزل هذا التحويل على البيع إذا كان بعملة أجنبيّة، بمعنى أنّ البنك يشتري من المحول مبلغاً من العملة الأجنبيّة و الزيادة بمبلغ من العملة المحلّية، و عندئذٍ لا بأس بأخذ العمولة.

الثاني: أن يكون أخذها لقاء تنازل البنك عن حقّه، حيث أن يحقّ له الامتناع عن قبول ما ألزمه المدين من تعيين التسديد في بلد غير بلد القرض، فعندئذٍ لا بأس به.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من أقسام الحوالة و تخريجها الفقهي يجري بعينه في الحوالة على‌

408

الأشخاص، كمن يدفع مبلغاً من المال لشخص ليحوّله بنفس المبلغ أو بما يعادله على شخص آخر في بلده أو بلد آخر، و يأخذ بإزاء ذلك عمولة معيّنة، أو يأخذ من شخص و يحوّله على شخص آخر و يأخذ المحول له لقاء ذلك عمولة معيّنة.

صُوَر التحويل

الصورة الاولى: مَن له رصيد مالي في البنك

و الفرض أنّ البنك مدين لعميله؛ لأنّ العميل قد أودع في حسابه مالًا، و الإيداع في البنك حقيقته القرض، فهاهنا يأخذ الزيادة المدين لا الدائن، و لا إشكال فيه قطعاً، مضافاً إلى أنّ هذه الزيادة يأخذها البنك مقابل عمله، و هي الحوالة، فيصير قرضاً بشرط الإجارة على شي‌ء، و يمكن تصحيحه بما في المتن، و هو أخذ الاجرة مقابل التنازل عن حقّه و إسقاط حقّه.

الصورة الثانية: من ليس له رصيد مالي في البنك

و الفرض أنّ البنك هو الدائن لعدم وجود مال للعميل، و يأخذ الزيادة الدائن، و يمكن تصحيحه بما في المتن من كونه عوضاً لقاء هذه الخدمة، لكنّه لا يخلو من تأمّل. نعم، لو فرض أنّ المقرض هو البنك الأجنبي خارج البلاد و البنك الداخلي يقوم بخدمتين:

الاولى: تحصيل المقرض لعميله في خارج البلاد.

الثانية: وساطته في إيصال تسديد دين عميله في الداخل إلى ذلك البنك الأجنبي، فلا إشكال في تقاضيه الزيادة على أصل الدين مقابل خدمته بعد عدم كونه دائناً في هذه الصورة.

و قيل: إنّ الزيادة التي يأخذها البنك ليس مقابل الإقراض؛ لأنّه ليس للإقراض ماليّة‌

409

وراء مال المقرض. ففي الواقع من يأخذ الزيادة على الإقراض يأخذها على نفس مال المقرض، و إنّما يأخذها مقابل توكيل الشخص لأن يجري عقد القرض- عند ما يستلم من بنك آخر- فالبنك يوكّل هذا الشخص بأن يذهب إلى البنك الأجنبي- مثلًا- و يأخذ منه المال بعنوان الوكالة عنه، ثمّ يُقرض عن البنك نفسه، و هنا التوكيل له ماليّة.

و فيه: أنّ التوكيل لا مالية له إلّا بلحاظ الموكّل فيه، و الموكّل فيه هو الإقراض، و لا ماليّة في الإقراض، إلّا بلحاظ المقرَض فيعود نفس الإشكال.

و أخذ الزيادة مقابل الإقراض أو التوكيل على الإقراض غير صحيح.

نعم، في العملة الأجنبيّة و اختلاف العملتين توجيه الماتن صحيح من أخذ الزيادة قبال التنازل عن حقّه (و هو إلزام الشخص بالوفاء بنفس العملة) أو أنّه بيع الدولار بالتومان مع الزيادة و لا مانع منه.

و لا إشكال في هذا التوجيه عندنا إلّا أنّه مشكل على مبنى السيّد الخوئي (رحمه الله) في الزيادة الربويّة؛ لأنّ الفرض أنّه حين الإقراض من البنك لهذا العميل يشترط البيع أو إسقاط الحقّ؛ لأنّ الذي يقع معاملتان في ضمن معاملة واحدة و هو الإقراض بشرط البيع، و اشتراط البيع هو فائدة، و هو غير سائغ على مبناه.

و كذا الحال في اشتراط إسقاط الحقّ بعوض، فإنّه من الفائدة، و مبناه منع اشتراط مطلق الفائدة في القرض بخلاف ما بنينا عليه من منع خصوص شرط الزيادة الماليّة مقابل الأجل دون اشتراط المعاملة ذات الفائدة، لا سيّما أنّ الفائدة هاهنا مقابل زحمات البنك للتحويل و ليست هي مقابل الأجل.

ثمّ هناك توجيه آخر، سواء اختلفت العملة أو لم تختلف، و هو أخذ الزيادة مقابل تنازل البنك عن حقّه في تسديد الدين في بلد الإقراض إذا أقرض البنك من بلد آخر غير بلد المقترض، فللبنك أن يطالب المقترض بدفع القرض في نفس بلد الإقراض، فيتنازل عن حقّه مقابل أخذ الزيادة، و هي جائزة و ليس مقتضى القرض اختيار‌

410

المقترض لبلد الدفع.

و استشكل السيّد الصدر على التوجيه المزبور الذي ذكره السيّد الخوئي (رحمه الله) في الصورة الرابعة بأنّ الشرط فيه هو للدائن، و هو شرط فائدة فلا يسوغ. و الإشكال مبنيّ على تعميم الفائدة الربويّة إلى مطلق الفائدة و لو حكميّة، و قد تقدّم اختصاصها.

الصورة الثالثة هي نفس الصورة الاولى.

و التفسير بالبيع لم يذكره في الصورة الاولى مع أنّه يمكن ذكره فيها في ما إذا اختلفت العملتين و أنّ الزيادة للمدين، و هذا أيضاً لم يذكر في الصورة الاولى مع أنّه جارٍ فيها.

الصورة الرابعة و لا بأس بالتوجيهين المذكورين في المتن عندنا،

إلّا أنّه يرد الإشكال على توجيه البيع بحسب مبنى الماتن (رحمه الله)، كما أشرنا إليه سابقاً، إلّا أن يلتزم الماتن بأنّه بيع ابتداءً لا قرضاً بشرط البيع، و هذا ممكن في الصورتين الأخيرتين دون ما تقدّم، إلّا أنّ عبارة الماتن صريحة في تنزيل التحويل بالبيع لا تنزيل القرض و التحويل معاً بالبيع، و إلّا لكان المتعيّن أن تكون العبارة (أن ينزل كلّ من القرض و التحويل على البيع ابتداءً) و كذلك العبارات السابقة، فلاحظ.

مسألة 12: لا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون الحوالة على المدين أو على البري‌ء،

و الأوّل كما إذا كان للمحول عند المحول عليه رصيد مالي، و الثاني ما لم يكن كذلك.

و المهم حلّ شبهة الربا بين المحيل و المحال، فتقع الفروض و الحيول المتقدّمة.

411

جوائز البنك

قد يقوم البنك بعمليّة القرعة بين عملائه بغرض الترغيب على وضع أموالهم لديه، و يدفع لمن أصابته القرعة مبلغاً من الماء بعنوان الجائزة.

مسألة 13: هل يجوز للبنك القيام بهذه العمليّة؟

فيه تفصيل، فإن كان قيامه بها لا باشتراط عملائه، بل بقصد تشويقهم و ترغيبهم على تكثير رصيدهم لديه و ترغيب الآخرين على فتح الحساب عنده جاز ذلك، كما يجوز عندئذٍ لمن أصابته القرعة أن يقبض الجائزة بعنوان مجهول المالك بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله إن كان البنك حكوميّاً أو مشتركاً، و إلّا جاز بلا حاجة إلى إذن الحاكم، و أمّا إن كان بعنوان الوفاء بشرطهم في ضمن عقد كعقد القرض أو نحوه، فلا يجوز، كما لا يجوز لمن أصابته القرعة أخذها بعنوان الوفاء بذلك الشرط، و يجوز بدونه.

قوله (رحمه الله): «و إلّا جاز بلا حاجة إلى إذن المالك».

ذكرنا سابقاً أنّه بناءً على عدم ملكيّة الدولة، ففي البنك الأهلي تصير أمواله من قبيل مجهول المالك؛ لأنّ البنك الأهلي في يومنا الحاضر ليست أمواله منعزلة عن السيولة التي في حوزة البنك المركزي، و البنك المركزي حيث أنّه حكومي، و هو بمنزلة العين و البنوك الاخرى بمنزلة الروافد لها، فالتفرقة بين الحكومي و الأهلي من هذه الجهة غير تامّة.

و قد فصّل الماتن بين ما إذا كان أخذ الجائزة بعنوان الوفاء بالاشتراط أو بدونه، و الوجه في بطلان و حرمة الاشتراط أنّه اشتراط في عقد القرض؛ لأنّ الإيداع في‌

412

البنوك حقيقته قرض، و من ثمّ يحرم الأخذ و العمل بمقتضى ذلك الشرط، و قد بنى آخرون الحرمة في صورة اشتراط القرعة بكونه معاملة قماريّة.

و لا يخفى أنّ هذه المسألة- و هي تخصيص الجوائز من قِبل مؤسّسة ماليّة، كالبنك أو خيريّة عامّة أو خاصّة أو علميّة و غيرها- أمر شائع في الحياة المعاصرة، ففي مثال المشاريع الخيريّة تخصّص الجمعيّات الخيريّة جوائز ضخمة تعطى بالقرعة للمساهمين في بذل المال، و التبرّع به في تلك الجهة الخيرية، كبناء مستشفى أو مرفق من المرافق العامّة، كما قد تخصّص الشركات التجاريّة لبيع أجناسها و منتوجاتها، مثل تلك الجوائز التي توزّع بالقرعة، و كذلك بعض الشركات التي تقدّم خدمات متنوّعة تبيع خدماتها، و تسوّغها بترغيب الزبائن عبر الجوائز المخصّصة.

و بالجملة فالتخصيص بالجوائز أصبح في المناخ المعاملي المالي اليوم سياسة ماليّة متّبعة لإيجاد الحافز لدى المشترين للإقدام على الدخول في معاملة معيّنة و جذبهم للتعاقد بها.

فالبحث في مقامين:

1- لِمَ تحرم القرعة إذا اشترطت؟

2- لو اشترطت فالأخذ بعنوان الوفاء بالشرط حرام، فكيف يجوز الأخذ في صورة الاشتراط لا بعنوان الوفاء؟

و في المقام الأوّل توجيهان

الأوّل: إنّ اشتراط القرعة يؤول إلى القمار،

فتارة يشترط صريحاً مثل: أودع في البنك بشرط القرعة، و مع الشرط فقد تسالم الأعلام على الحرمة؛ لأنّه نوع قمار؛ إذ ماهيّة القمار و حقيقته هي أنّ الإنسان يقدم على فائدة حصولها احتمالي مقابل بذل عوض مالي، فيمكن أن يتلف عوضه الذي دفعه بالمرّة، أي لا يقابل بشي‌ء، فالخاصيّة الممتازة لماهيّة القمار هي إقدام الإنسان على مشارطة لا يضمن فيها‌

413

العوض، و إنّما إقدامه برجاء احتمال النفع، ففي ما نحن فيه يقدم الزبائن على الصدقة في الخيريات بداعي التملّك الاحتمالي بالقرعة. و من ثمّ ذهب الأعلام إلى كون المعاملة صورةً قرعة و حقيقة قمار.

و أشكل على تقريب الحرمة:

أوّلًا: بأنّ القول المعروف عند الإماميّة أنّ دواعي العقود ليست محدّدة لحقيقة العقود، و إنّما صورة الماهيّة في مقام الإنشاء هو المحدّد و المعيّن للعقود الحاصلة، فلا اعتداد بالدواعي، بل الاعتداد بما ينشأ صورة، و في ما نحن فيه صورة ما ينشأ ليست من المعاملة القماريّة.

و الجواب: أنّ المدار و إن لم يكن على الدواعي، إلّا أنّ المدار ليس على صورة الألفاظ أيضاً، بل على المعاني المقصودة منها، و حقيقته ماهيّة تلك المعاني، سواء كان إرادتها بالاستعمال الحقيقي التابع للعلقة الوضعيّة، أو بالاستعمال المجازي، أم من باب تعدّد الدالّ و المدلول بتوسّط قرائن الاستعمال أو التفهيم أو الجدّ.

ففي المقام خفى على المستشكل ذلك، و أنّ في بعض الموارد و إن كان المتعاقدان يُنشئان عقداً لفظيّاً صوريّاً إلّا أنّ العرف بلحاظ القرائن و الملابسات يبنى على أنّ ما انشئ صورةً ينطبق عليه غير ما تُلفظ به.

و الوجه في ذلك أنّ حقيقة المعاملة تابعة للمعنى المنشَأ، فما ينشأ باللفظ قد تكون ماهيّته غير ماهيّة المعنى الموضوع له اللفظ، فتنشأ الماهيّة الاخرى في قالب الألفاظ الاخرى غير المعهودة بها، نظير التلفّظ بلفظ البيع و إرادة الإجارة أو العكس. فالمدار في العقود ليس على اللفظ، بل المهمّ هو ما اريد من الماهيّة بتوسّط اللفظ، فلا بدّ من لحاظ ماهيّة ما انشئ لا لفظ ما انشئ به، فإذا كانت ماهيّة ما انشئ ماهيّة القمار و إن كان لفظه بلفظ القرعة المشروطة بالبيع أو الصدقة بشرط القرعة، فحقيقته قمار محرّم.

و قد عرفت أنّ قوام ماهيّة القمار هو الإقدام على التملّك الاحتمالي، و هو هنا متحقّق في المنشأ؛ لأنّه لو لم يكن تملّك احتمالي لم يقدم على الإقراض أو الصدقة،

414

كما يفيده ذلك الاشتراط.

و ثانياً: بمنع إنشاء ماهيّة لم يتلفّظ بها، بل تلفّظ بغيرها؛ إذ لم يتلفّظ المتعاقدان ب‍ «قامرت» أو «راهنت»، بل بلفظ «أقرضت» و نحوه بشرط القرعة.

و الجواب: أنّه و إن لم يتلفّظ ب‍ «قامرت»، و لكن يمكن استخدام اللفظ بقرينة حاليّة لأجل إنشاء ماهيّة اخرى.

الإشكال الثالث: إنّ القمار المعهود خاصيّته الذاتيّة الإقدام على التملّك الاحتمالي، و على عوض غير مضمون مع بذل مال في معرض التلف في قبال ذلك التملّك الاحتمالي، ففي القمار المعاوضة مفروضة. و في الفرض لا يكون المال في البنوك معرضاً للتلف؛ إذ الإعطاء له بعنوان الإقراض فيقرض بشرط القرعة أو يشتري متاعاً بشرط القرعة، فقد تملك الزجاجة و لم يتلف المال، و في الصدقة كذلك، فهي إعانة على البرّ، و قد أتى بموجب الثواب الاخروي، ففي المقام ليس من إقدام على التلف، أمّا لا إتلاف أو إتلاف في البرّ.

نعم، في قباله تملك احتمالي مفروض، و هو القرعة، إلّا أنّ أحد الجزءين لماهيّة القمار غير متحقّق، و هو بذل المال في قبال التملّك الاحتمالي.

و الجواب: أنّه قد تفرض المعاوضة بين مال و مال، و قد تفرض بين عقد و عقد، و قد تكون بين عقد و مال، كما أشار إليه الشيخ؟؟ في التنبيه الرابع من المعاطاة.

فتارة يوقع صلح على طرفين، و الصلح بنفسه يكون في قبال مال في التقدير السابق، و هذه المقابلة السابقة هي صلح فوقاني فيقول أحد الطرفين- مثلًا-:

صالحتك على أن نجري البيع الخاصّ في مقابل المال الكذائي، فهو بيع مقابل مال تحت المصالحة الفوقانيّة.

فإعطاء المال في مقابل الإقدام على البيع، و ليس هو عوض المبيع، بل هو عوض عن الإقدام، نظير الجعالة، من يبيعني أو من يشتري لي هذه الحاجة- التي عجزت عن تحصيلها- فله كذا، فهذه الجعالة أحد طرفيها بيع، و لا غرابة في أن يكون ما يبذل‌

415

بازائه المال نفس الإقدام على معاوضة معيّنة، و يكون الإقدام عمل مالي له احترام و ماليّة؛ و ذلك لما في الترغيب في الإقدام على البيع من نفع مالي.

و قد تقدّم في أوائل هذا الكتاب أنّ هذه تسمّى بالماليّة القانونيّة، أي التي توجد بسبب التعاقد القانوني، و ليست للشي‌ء في طبيعته الأوّليّة. و فيما نحن فيه القرض أو الصدقة أو البيع ليس تلفاً للمال، لكنّ الإقدام عليه جعل في مقابل التملّك المحتمل، فلولا التملّك المحتمل لما أقدم، و المشارطة الفوقانيّة مفروضة في البين. فالرضاء بالقرض مشروط بالقرعة، و هو أحد طرفي المعاملة، و الطرف الآخر لها هو المال المحتمل التملّك، و الإقدام في نفسه و إن لم يكن باطلًا، إلّا أنّ جعله مقابل التملّك المحتمل موجد لماهيّة القمار. فالمشارطة محقّقة لماهيّة المقامرة، و قد تقدّم أنّ الشرط في ضمن المعاوضات يؤول إلى معاملة فوقانيّة يقابل فيها بين المشروط و المشروط فيه.

الإشكال الرابع: و هو النقض بالشروط الفاسدة؛ إذ بعد كون المشارطة عبارة عن التراضي الفوقاني يكون المشروط الفاسد في طرف مقابل للمعاملة، و بعد بطلان الشرط الفاسد يبطل المشهور فيه مع أنّه لم يلتزم بذلك.

و الجواب:

أوّلًا: إنّ جماعة من الفقهاء ذهبوا إلى أنّ الشرط الفاسد يبطل المشروط فيه؛ لأنّ التراضي بالمعاوضة هو بقيد الشرط، أي ضمن التراضي الفوقاني.

ثانياً: إنّ من لم يبطل المشروط فيه التزم بثبوت الخيار للمشروط له في المشروط فيه، و ليس ذلك إلّا لكون الرضا و الالتزام بالمشروط فيه مرتبطاً و معلّقاً على الشرط، أي في قبال المشروط، فحيث لم يسلم للمشروط لا يُلزَم الطرف الآخر بإبرام المشروط فيه، فله أن يسترجعه، أي يزيله، بالفسخ. غاية الأمر حيث كان المشروط فيه ذا ماهيّة مستقلّة فيمكن له البقاء، و إن فسدت و زالت المعاملة الفوقانيّة، و في ما نحن فيه الحال كذلك، فإنّ القرض و الصدقة و البيع يصحّ في ذاته لكن لا يلزم به،

416

و لا تصحّ تلك المشارطة بالقرعة تكليفاً و لا وضعاً، و هو المطلوب.

الإشكال الخامس: إنّه لو كان المدار في ماهيّة القمار على مجرّد التملّك الاحتمالي فيشكل الأمر في كثير من موارد الشروط التي مفادها التملّك الاحتمالي، مثل ما لو اشترط في عقدٍ الهبة المعلّقة على مجي‌ء زيد أو الخياطة على تقدير معيّن، إلى غير ذلك من الشروط المعلّقة على امور محتملة الوقوع، فلا بدّ أن يكون كلّ هذه الموارد قماراً.

و الجواب:

أوّلًا: إنّ العرف قاضٍ بالتفرقة بين تلك الموارد و القمار؛ لأنّ القمار يدور مدار الاقتراع. و هذه الموارد ليست معلّقة على الاقتراع، بل على تقدير معيّن الذي يؤول إلى اشتراط حصّة خاصّة من المشروط.

ثانياً: إنّ التعليق في الشروط صحّته ليست موضع التسالم بينهم.

التوجيه الثاني في حرمة أخذ الجوائز مع الاشتراط: هو كون القرض بشرط القرعة قرضاً ربويّاً،

و هو خاصّ بمثال القرض حيث أنّ هذا الشرط من المقرض (المودع) على المقترض (البنك أو الشركة) فيكون رباً، و الماتن (رحمه الله) يحتمل إرادته الوجه الأوّل أو الثاني، و كلاهما محتمل.

المقام الثاني و هو أنّه لو انشئت تلك المشارطة فالشرط فاسد

لكن ذات المشروط لا يفسد بفساد الشرط.

فحين الوفاء بالشرط هل يجوز لهذا الشارط (و هو المودع العميل مع البنك) الأخذ لا وفاءً بالشرط؟ و الماتن سوّغ ذلك بناءً على عدم ملكيّة الدولة، و بناءً على التفرقة بين البنك الحكومي و الأهلي، لكن حيث أنّ البنك الأهلي له ملكيّة محترمة عند الماتن فكيف يسوّغ الأخذ منه لا بعنوان الوفاء؟ حيث أنّ المعطى يعطى بعنوان‌

417

الوفاء، و الفرض أنّ الشرط فاسد لا يجوز الوفاء به، و ليس له رضاً مطلق بتمليك المشروط له، و هو المودع، سواء بعنوان الوفاء بالشرط أم بغيره، فلا رضا له في الأخذ بقول مطلق، بل مقيّد بالوفاء بالاشتراط السابق، و من ثمّ فإنّ ما يضم بصحيحه يضمن بفاسده.

و بعبارة اخرى: الشرط إمّا شرط نتيجة أو شرط فعل، فإن كان شرط نتيجة بحيث يقول الجائزة ملك لمن تخرج القرعة باسمه، فمن الواضح انتفاء النتيجة بفساد الشرط، فكيف يأخذها المشروط له لا بعنوان الوفاء، مع أنّها ملك للبنك الأهلي، و ماله محترم عند السيّد (رحمه الله)، و إن كان بنحو شرط الفعل، فقد يتوهّم أنّه بنحو التمليك المجّاني، و لكنّه موهون بأنّ البنك الأهلي حيث يرى نفسه ملزماً بالتمليك فَرِضاه مقيّد، و هذا الداعي ليس من قبيل دواعي المعاملات، و إنّما هو بمعنى تقييد رضاه بالشرط، فتأمّل.

مضافاً إلى أنّ البنك إنّما يملّكها بماهيّة تمليك فاسد، أمّا بعنوان القمار أو بعنوان الربا، فكيف يجوز تملّكها لا بذلك العنوان؟ فإطلاق قول الماتن (رحمه الله) في غير محلّه.

أمّا في الحكومي فهو من باب الاستنقاذ لا عدم الوفاء بالشرط، و قد ذكرنا التأمّل في التفرقة بين الحكومي و الأهلي.

418

تحصيل الكمبيالات

من الخدمات التي يقوم بها البنك تحصيل قيمة الكمبيالة لحساب عميله، بأنّه قبل تاريخ استحقاقها يُخطِر المدين (موقع الكمبيالة) و يشرح في إخطاره قيمتها و رقمها و تاريخ استحقاقها ليكون على علم و يتهيّأ للدفع، و بعد التحصيل يقيّد القيمة في حساب العميل، أو يدفعها إليه نقداً، و يأخذ منه عمولة لقاء هذه الخدمة، و من هذا القبيل قيام البنك بتحصيل قيمة الصكّ لحامله من بلده أو من بلد آخر، كما إذا لم يرغب الحامل تسلّم القيمة بنفسه من الجهة المحال عليها، فيأخذ البنك منه عمولة لقاء قيامه بهذا العمل.

مسألة 14: تجوز هذه الخدمة و أخذ العمولة لقاءها شرعاً

بشرط أن يقتصر البنك على تحصيل قيمة الكمبيالة فقط، و أمّا إذا قام بتحصيل فوائدها الربويّة، فإنّه غير جائز، و يمكن تفسير العمولة من الوجهة الفقهيّة بأنّها جعالة من الدائن للبنك على تحصيل دينه (1).

مسألة 15: إذا كان لموقع الكمبيالة رصيد مالي لدى البنك

فتارة يشير فيها بتقديمها إلى البنك عند الاستحقاق ليقوم البنك بخصم قيمتها من حسابه الجاري و قيدها في حساب المستفيد (الدائن) أو دفعها له نقداً، فمردّ ذلك إلى أنّ الموقع أحال دائنه على البنك، و بما أنّ البنك مدين له، فالحوالة نافذة من دون حاجة إلى قبوله، و عليه فلا يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قيامه بتسديد دينه.

و اخرى يقدّم المستفيد كمبيالة إلى البنك غير محولة عليه، و يطلب من البنك‌

____________

(1) بأن يقول الدائن: «من يحصّل لي قيمة هذه الكمبيالة أو الصكّ فله مبلغ كذا».

419

تحصيل قيمتها، فعندئذٍ يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قيامه بهذا العمل كما عرفت.

و هنا حالة ثالثة، و هي ما إذا كانت الكمبيالة محولة على البنك، و لكنّه لم يكن مديناً لموقعها، فحينئذٍ يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قبوله هذه الحوالة.

الموقع المدين كتبت الكمبيالة باسمه، فهو قد أنشأ الحوالة على البنك؛ لأنّ الموقع دائن للبنك إذا كان قد أودع أمواله في البنك، فالبنك مدين له و هو مدين لآخر، فأحال دائنه على مدينه.

و ليست من الحوالة على البري‌ء كي يحتاج إلى القبول، بل الحوالة على المدين.

و قول الماتن (رحمه الله): «و عليه فلا يجوز للبنك أخذ عمولة...».

لأنّ البنك مدين لصاحب الصكّ أو الكمبيالة، فيجب عليه تسديد الدين، و لا يجوز له أخذ عمولة للتسديد، و لكنّ الحكم بعدم الجواز محلّ تأمّل؛ لأنّ البنك مدين، و أخذ المال الزائد حرام للداين لا للمدين، فعدم الجواز في صورة عدم اشتراط ذلك، و أمّا إذا اشترط فلا مانع منه، كأن يشترط البنك على الموقع عند تحويل الكمبيالة أو الصكّ أن يأخذ قيمة، فيكون بمنزلة اشتراط المدين في القرض إبراء الدائن لمقدار من الدين، و كذلك الحال إذا اشترط ذلك الشرط عند فتح الحساب الجاري كاشتراطه عند إعطاء الكمبيالة، بل و كذا لو اشترط الإبراء في غير عقد القرض، أي في عقد آخر.

ثمّ إنّه في الصورة الثالثة في الحوالة على البري‌ء لا بدّ أن يشترط تملّك المال قبل قبوله الحوالة لا بعدها؛ إذ بعدها يكون المحال عليه دائناً للمحيل، و أخذ الزيادة يكون ربويّاً، بخلاف القبل، فإنّ أخذ الاجرة هو نفس الإقدام على قبول الحوالة، و الإقدام على الحوالة من البري‌ء له ماليّة.

فتلخّص: أنّ أخذ الزيادة في الصور الثلاث جائز، إلّا أنّه في الاولى من باب إبراء الدين، و في الثانية كأُجرة على العمل، و في الثالثة في قِبال الإقدام على الحوالة.

420

بيع العملات الاجنبية و شراؤها

من خدمات البنك القيام بعمليّة شراء العملات الأجنبيّة و بيعها لغرضين:

الأوّل: توفير القدر الكافي منها حسب حاجات النّاس و متطلّبات الوقت اليوميّة.

الثاني: الحصول على الربح منه.

مسألة 16: يصحّ بيع العملات الأجنبيّة و شراؤها مع الزيادة،

كما إذا باعها بأكثر من سعر الشراء أو بالتساوي، بلا فرق في ذلك بين كون البيع أو الشراء حالًا أو مؤجّلًا، فإنّ البنك كما يقوم بعمليّة العقود الحالة يقوم بعملية العقود المؤجّلة.

لا إشكال في صحّة بيع العملات المزبورة و شراؤها في الصور المذكورة في المتن بعد ما لم يكن من بيع الصرف شريطة أن لا يكون التأجيل من كلا الطرفين، و لو بالأجل اليسير؛ لأنّ التقابض في المجلس و إن لم يشترط إلّا أنّ عدم التأجيل من أحد الطرفين لا بدّ منه، و لا يخفى الفرق بين عدم التأجيل و القبض.

421

الحساب الجارى

كلّ من له رصيد لدى البنك (العميل) يحقّ له سحب أي مبلغ لا يزيد عن رصيده. نعم، قد يسمح البنك له بسحب مبلغ معيّن بدون رصيد نظراً لثقته به، و يسمّى ذلك بالسحب (على المكشوف)، و يحسب البنك لهذا المبلغ فائدة.

مسألة 17: هل يجوز للبنك أخذ تلك الفائدة،

الظاهر- بل المقطوع به- عدم الجواز؛ لأنّها فائدة على القرض. نعم، بناءً على ما ذكرناه في أوّل مسائل البنوك من طريق تصحيح أخذ مثل هذه الفائدة شرعاً لا بأس به بعد التنزيل على ذلك الطريق.

كلّ الحسابات التي في البنك عبارة عن دين و إقراض من المودع إلى البنك، إلّا أنّ (الحساب الجاري) فيه خصائص و اشتراطات غير اشتراطات التي في سائر الديون (الإيداعات) كقرض الحسنة أو الحساب الجامد.

و من الشروط التي يشترط البنك على نفسه في الحساب الجاري، أنّه في أي وقت يطالب المودع ماله من البنك يؤدّه إليه، و كذلك لو أراد المودع زيادة عن دينه فيعطيه البنك بحسب ما للمودع من الاعتبار لدى البنك، و يقال له في العرف الجاري (الشرفيّة) و المتداول في الفارسيّة (اعتبار).

و هو دَين، و يشترط فيه شروط خاصّة، فلصاحب المال في الحساب الجاري أن يستدين من البنك و زيادة، و يقال له: (السحب على المكشوف)، أي قد كُشِف الدين، قد خلى و قد تمّ و استوفى ماله من الدين، فتصير ذمّة البنك بالنسبة إليه مكشوفة، أي خالية.

و قوله: «و يحسب البنك لهذا المبلغ فائدة»، أي يأخذ الربا، بل أنّ البنوك تعترض على أصحاب الحسابات الجارية إذا لم يستفيدوا من الاعتبار.

422

الكمبيالات

تتحقّق مالية الشي‌ء بأحد أمرين:

الأوّل: أن تكون للشي‌ء منافع و خواصّ توجب رغبة العقلاء فيه، و ذلك كالمأكولات و المشروبات و الملبوسات و ما شاكلها.

الثاني: اعتبارها من قِبل من بيده الاعتبار، كالحكومات التي تعتبر المالية فيما تصدره من الأوراق النقديّة و الطوابع و أمثالها.

مسألة 18: يمتاز البيع عن القرض من جهات:

الاولى: إنّ البيع تمليك عين بعوض لا مجّاناً، و القرض تمليك للمال بالضمان في الذمّة بالمثل إذا كان مثليّاً و بالقيمة إذا كان قيمياً.

الثانية: اعتبار وجود فارق بين العوض و المعوّض في البيع، و بدونه لا يتحقّق البيع، و عدم اعتبار ذلك في القرض، مثلًا: لو باع مائة بيضة بمائة و عشرة، فلا بدّ من وجود مائز بين العوض و المعوض، كأن تكون المائة من الحجم الكبير في الذمّة، و عوضها من المتوسّط، و إلّا فهو قرض بصورة البيع، و يكون محرّماً لتحقّق الربا فيه.

الثالثة: إنّ البيع يختلف عن القرض في الربا، فكلّ زيادة في القرض إذا اشترطت تكون رباً و محرّمة، دون البيع، فإنّ المحرّم فيه لا يكون إلّا في المكيل أو الموزون من العوضين المتّحدين جنساً، فلو اختلفا في الجنس أو لم يكونا من المكيل أو الموزون، فالزيادة لا تكون رباً. مثلًا: لو أقرض مائة بيضة لمدّة شهرين إزاء مائة و عشر كان ذلك رباً محرّماً، دون ما إذا باعها بها‌

423

إلى الأجل المذكور مع مراعاة وجود المائز بين العوضين.

الرابعة: إنّ البيع الربوي باطل من أصله، دون القرض الربوي، فإنّه باطل بحسب الزيادة فقط، و أمّا أصل القرض فهو صحيح.

و غرض الماتن من ذلك بيان أنّ الأوراق النقديّة هي بنفسها مال، و ليست وثائق على المال في قِبال جماعة اخرى، حيث ذهبوا إلى أنّ الأوراق ليست كالذهب و الفضّة مالًا بذاته، بل هي كالصكوك وثائق على المال، و لكن الأكثر ذهبوا إلى القول الأوّل.

و وجه كون الأوراق مالًا بنفسها قد ذكرناه مفصّلًا في أوّل بحث البنوك. و ملخّصه:

أنّ الأوراق النقديّة فيما بين عامّة النّاس بعضهم مع بعض تكون مالًا، و لكن بين عامّة النّاس و الحكومة، أو بين نفس الحكومة المصدّرة لهذا الاعتبار و حكومة اخرى، ليست إلّا من قبيل الصكوك و وثائق على الدين، و هذا موضع تسالم عند متخصّصي المال و الأوراق النقديّة.

و من ثمّ لو حفظ الإنسان الرقم المسلسل في العملات الضخمة و اتّفق احتراقها و تحقّقت الحكومة من صدقه، فإنّها تلزم بإعطاء العوض لذلك الشخص؛ لأنّ الأوراق كالوثيقة على المال، و على ذلك فليست عبارة الماتن (رحمه الله) تامة على إطلاقها؛ لأنه قد افترض ماليّة الأوراق النقديّة مطلقاً.

فالصحيح أنّ الأوراق النقديّة إمّا ليست مالًا بل وثائق على المال، و لكنّها نزلت منزلة المال باعتبار أنّها وثائق على دين موجود في ذمّة الدولة، فحكمها حكم المال؛ لأنّ تلفها يوجب تلف الذمّة، أو هي مال بين عامّة النّاس فقط.

و بعبارة اخرى هي مال إذا لم يكن أحد الطرفين المتعاملين بها هو من أصدر اعتبار تلك الأوراق.

و البحث جارٍ في الطوابع أيضاً كذلك.

و قوله: «الثانية: اعتبار وجود فارق بين العوض و المعوض في البيع و عدم اعتبار ذلك في القرض». قد ذكرنا في أوّل بحث البنوك أنّ مدّعى الماتن، و كذا الإشكالات‌

424

التي ذكرت عليه غير تامّة، و ذكرنا أنّ القرض معاوضة أيضاً، فلو كان مقتضى المعاوضيّة التغاير بين العوضين ففي القرض أيضاً لا بدّ من التغاير، فلا فرق بين البيع و القرض من هذه الجهة، بل الفارق بينهما هو كون العوض في القرض في الذمّة و بنحو البدل الواقعي، و في البيع بنحو البدل المسمّى و الجعلي، و هذا هو الفارق، و تظهر الثمرة في التعاوض مع الزيادة على المثل، فعلى الأوّل قرض ربوي، و على الثاني بيع رابحي.

و قوله: «الثالثة: فكلّ زيادة في القرض إذا اشترطت تكون رباً و محرّمة». قد تقدّم عدم موافقة الماتن على عموم هذه القاعدة، و أنّ صاحب صاحب الجواهر و الوحيد و كاشف الغطاء و الماتن ذهبوا إلى أنّ كلّ زيادة في القرض هي رباً.

و ذكرنا أنّ الزيادات على ستّة أقسام؛ اثنين منها مسلّم الربويّة، و الثالث على حكم بربويّتها على الاحتياط الاستحبابي، و الباقية لا إشكال فيها. و قد ذهب إليه العلّامة الحلّي و السيّد بحر العلوم و المحقّق الكركي و غيرهم.

و قوله: «فإنّ المحرّم فيه لا يكون إلّا في المكيل أو الموزون». قد تقدّم أنّ في البيع الربوي ليس مطلق الزيادة بحرام، بل الزيادة على ستّة أقسام كالقرض.

و قوله: «الرابعة: أنّ البيع الربوي باطل من أصله دون القرض الربوي، فإنّه باطل بحسب الزيادة فقط». و هذا هو المشهور و الصحيح، و ذهب جماعة اخرى كالمحقّق الحلّي و بعض أعلام العصر إلى بطلان أصل القرض الربوي، و بعض السادة من مشايخنا ذهب إلى التفصيل بين ما إذا أُنشئ القرض بصورة «أقرضتك مائة دينار بمائة و عشرة»، أي جعلت الزيادة في متن المعاوضة القرضيّة، فيكون القرض باطلًا؛ لأنّه قوبل فيه المائة بمائة و عشرة، و بين ما إذا قال: «أقرضتك مائة دينار بمائة، بشرط أن تزيدني عشرة»، أي جعلت الزيادة شرطاً ضمنيّاً في المعاوضة لا في متنه، فالقرض صحيح و شرط الزيادة باطل بعد كون الشرط المفسد لا يفسد المشروط.

و الوجه في التفصيل أنّه: إذا قوبل المائة بمائة و عشرة، فالربا هو نفس المعاوضة،

425

أي أنّ كلّ دينار قوبل بدينار و نصف فلا يمكن تصحيحه.

و أمّا إذا قوبل مائة بمائة مع شرط الزيادة فهذا الشرط أجنبي عن المعاوضة، و الشرط الفاسد غير مفسد للمشروط.

لكن قد تقدّم أنّ حقيقة القرض هو التمليك بضمان البدل الواقعي بخلاف البيع، فإنّه التمليك بعوض مجعول مسمّى، فلو قال: «أقرضتك مائة دينار بمائة و عشرة» فلا بدّ أن يقصد ماهيّة القرض المعاوضيّة، فتكون المائة مضمونة بالبدل الواقعي و الزيادة خارجة عن متن المعاوضة منضمّة ضميمة الشرط إليها، فلا يفرق عن الصورة الاولى، فالتفصيل غير تامّ و يصحّ القرض و يفسد الشرط.

مسألة 19: الأوراق النقديّة بما أنّها ليست من المكيل أو الموزون، فإنّه يجوز للدائن أن يبيع دينه منها بأقلّ منه نقداً،

كأن يبيع العشرة بتسعة، أو المائة بتسعين- مثلًا- و هكذا.

مسألة 20: الكمبيالات المتداولة بين التجّار في الأسواق لم تعتبر لها ماليّة،

كالأوراق النقديّة، بل هي مجرّد وثيقة و سند لإثبات أنّ المبلغ الذي تتضمّنه دين في ذمّة موقعها لمن كتبت باسمه، فالمشتري عند ما يدفع الكمبيالة للبائع لم يدفع ثمن البضاعة، و لذا لو ضاعت الكمبيالة أو تلفت عند البائع لم يتلف منه مال و لم تفرغ ذمّة المشتري، بخلاف ما إذا دفع له ورقة نقديّة و تلفت عنده أو ضاعت.

قوله: «و لذا لو ضاعت الكمبيالة...». قد ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ الصكّ أو الكمبيالة إذا قُبض فإنّه يوجب براءة ذمّة المدين، و إن ضاع أو تلف، و هذا ليس بسديد؛ لأنّ الصك و الكمبيالة وثيقة للدين لا أنّه بنفسه مال.

نعم، لو فرض أنّ الصكّ أو الكمبيالة مكتوبة باسم (الحامل)- الصكّ المفتوح- وضاع و ذهب شخص آخر و استلم المبلغ، فحينئذٍ يصحّ أن يقال: إنّ الدائن أتلف هذا‌

426

المقدار من المال على مُوقّع الكمبيالة أو الصكّ، و بالتالي فذمّة الموقّع المدين تصير بريئة؛ لأنّ الدائن أتلف ماله، و الدين يسقط بالتهاتر القهري.

فالصحيح هو التفصيل لا لأجل أنّ الكمبيالة هو مال، و لكن إذا كانت مكتوبة باسم الحامل فضياعها إتلاف على موقع الكمبيالة شريطة عدم تمكّن الموقّع من إيقافها عن أن تسحب و تستوفى، و علّل حكم الأوراق النقديّة حكم الصكّ المفتوح، يعني كلّ يستطيع أن يتقاضاه و إن لم يكن مالًا في نفسه، فهي وثيقة دين على ذمّة الدولة.

مسألة 21: الكمبيالات على نوعين:

الأوّل: ما يعبّر عن وجود قرض واقعي.

الثاني: ما يعبّر عن وجود قرض صوري لا واقع له.

أمّا الأوّل: فيجوز للدائن أن يبيع دينه المؤجّل الثابت في ذمّة المدين بأقلّ منه حالًا، كما لو كان دينه مائة دينار فباعه بثمانية و تسعين ديناراً نقداً. نعم، لا يجوز على الأحوط لزوماً بيعه مؤجّلًا؛ لأنّه من بيع الدين بالدين، و بعد ذلك يقوم البنك أو غيره بمطالبة المدين (موقع الكمبيالة بقيمتها عند الاستحقاق.

و أمّا الثاني: فلا يجوز للدائن (الصوري) بيع ما تتضمّنه الكمبيالة لانتفاء الدين واقعاً و عدم اشتغال ذمّة الموقع للموقع له المستفيد)، بل إنّما كتبت لتمكين المستفيد من خصمها فحسب، و لذا سمّيت كمبيالة مجاملة و واضح أنّ عمليّة خصم قيمتها في الواقع إقراض من البنك للمستفيد، و تحويل المستفيد البنك الدائن على موقعها. و هذا من الحوالة على البري‌ء، و على هذا الأساس فاقتطاع البنك شيئاً من قيمة الكمبيالة لقاء المدّة الباقية محرّم لأنّه ربا.

و يمكن التخلّص من هذا الربا إمّا بتنزيل الخصم على البيع دون القرض (بيانه) أن يوكّل موقع الكمبيالة المستفيد في بيع قيمتها في ذمّته بأقلّ منها‌

427

مراعياً التمييز بين العوضين، كأن تكون قيمتها خمسين ديناراً عراقياً و الثمن ألف تومان إيراني مثلًا، و بعد هذه المعاملة تصبح ذمّة موقع الكمبيالة مشغولة بخمسين ديناراً عراقياً لقاء ألف تومان ايراني، و يوكل الموقع أيضاً المستفيد في بيع الثمن، و هو ألف تومان في ذمّته بما يعادل المثمن و هو خمسون ديناراً عراقيّاً، و بذلك تصبح ذمّة المستفيد مدينة للموقع بمبلغ يساوي ما كانت ذمّة الموقّع مدينة به للبنك، و لكن هذا الطريق قليل الفائدة، حيث أنّه إنّما يفيد فيما إذا كان الخصم بعملة أجنبيّة، و أمّا إذا كان بعملة محلّية فلا أثر له؛ إذ لا يمكن تنزيله على البيع عندئذٍ.

و إمّا بتنزيل ما يقتطعه البنك من قيمة الكمبيالة على أنّه لقاء قيام البنك بالخدمة له كتسجيل الدين و تحصيله و نحوهما، و عندئذٍ لا بأس به. و أمّا رجوع موقع الكمبيالة إلى المستفيد و أخذ قيمتها تماماً فلا رباً فيه؛ و ذلك لأنّ المستفيد حيث أحال البنك على الموقع بقيمتها أصبحت ذمّته مدينة له بما يساوي ذلك المبلغ.

قوله: «نعم، لا يجوز على الأحوط لزوماً بيعه مؤجّلًا». لم يُفْتِ الماتن (رحمه الله) بالحرمة للمناقشة في مفاد الروايات الدالّة على قاعدة بيع الدين بالدين، و لها ستّة صور:

1- دين قبل المعاملة مقابل دين كذلك، و هذا مقطوع البطلان.

2- دين بالمعاملة مقابل دين كذلك، و هذا باطل على الاحتياط عند جماعة من أعلام العصر.

3- دين بالمعاملة مقابل دين قبل المعاملة.

و كلّ منهما إمّا مؤجّلًا أو معجّلًا (حالًا).

و كلّ صور معاملة الدين بالدين معجّلًا لا إشكال فيها، فإنّها معاملة الكلّي بالكلّي، و أمّا إذا كان التأجيل في أحدهما أو في كليهما فهو محلّ إشكال.

و في المسألة مقامان:

428

1- لا يصحّ بيع الكمبيالة الصوريّة لعدم وجود الدين في البين، فهو بيع صوري.

2- لا يصحّ أخذ الفائدة للبنك في عمليّة تسجيل الكمبيالة الصوريّة.

المقام الأوّل: أقسام صور بيع الكمبيالة الصوريّة

بيع الدين الصوري لا يصحّ لعدم وجود دين على ذمة الموقّع كي يكون مبيعاً، و من ثمّ يبيع المستفيد الدين على شخص آخر أو على البنك، و من ثمّ لو باع إلى شخص بأقلّ من القيمة المعيّنة المسمّاة المكتوبة فيها، حيث أنّه ليس ببيع حقيقةً بين المستفيد و الشخص الآخر، فيكون نوع إقراض من الشخص الآخر للمستفيد البائع، ثمّ الشخص الآخر (البنك) المقرض يرجع على الموقّع بأكثر ممّا قد أقرض ممّا يساوي المبلغ المكتوب في الكمبيالة، ثمّ يرجع الموقّع على البائع المستفيد بقدر المبلغ المكتوب فيها الذي يغرمه للبنك. فالشخص الآخر و هو البنك دفع و إقراض أقلّ قدراً و أخذ أكثر، فيكون قرضاً ربويّاً.

و لكن يمكن تصويره بيعاً حقيقة كما هو بيع صورة بالبيان التالي: أنّ موقع الكمبيالة: إمّا له حساب في البنك و له أموال فيه، أو لا تكون له أموال في البنك، بل له مجرّد حساب و اعتبار عند البنك، أو ليس له حساب و اعتبار و لا مال في البنك، فلا يخلو من أحد الشقوق الثلاثة:

أمّا الصورة الاولى

فيمكن حمل كتابة موقّع الكمبيالة (أو الصكّ) باسم المستفيد على إذن مطلق منه للمستفيد في بيع ما يمتلك الموقّع في ذمّة البنك أو في استلامه من البنك. نعم، الدين الذي هو ملك للمستفيد ليس مفروضاً في البين كي يبيعها، و لكن دين الموقّع الكمبيالة (أو الصكّ) موجود في ذمّة البنك، فكتابة الكمبيالة في الحقيقة إذن للمستفيد بتصرّفه في ذلك الدين، إمّا بالأخذ من البنك، و إمّا بتصرّفه البيعي فيه، فإذا باع الكمبيالة لشخص رابع فلا مانع منه، و لا يكون قرضاً ربويّاً؛ لأنّ المبيع‌

429

و هو الدين في الحقيقة موجود في البين، و لكن لا للمستفيد بل للموقّع على ذمّة البنك فبيعه صحيح.

غاية الأمر لا بدّ أن يدخل المعرض من حيث خرج العوض، فيجب أن يكون هذا المال الأقلّ المقبوض ثمناً عن الكمبيالة للموقّع لا مملوكاً للمستفيد؛ لأنّ العوض ليس ملكاً للمستفيد بل ملك موقّع الكمبيالة، و لا مانع منه بناءً على ما هو الصحيح تبعاً للشيخ الأنصاري من أنّ قانون المعاوضة هو التبادل في الموضوع عقلًا، أي في من تضاف إليه الملكيّة.

غاية الأمر حيث أنّ الموقّع إذن بنحو مطلق للمستفيد بنحو شامل للتملّك بعد هذا البيع، فالمستفيد يتملّك الثمن بإذن الموقّع؛ لأنّ الدين الذي للموقّع على ذمّة البنك لم يعطه للمستفيد نقداً، بل مؤجّلًا بعد شهر، و لكن اذن له مطلقاً أن يبيعه أو يستلم بعد شهر، فيستطيع أن يبيعه عنه وكالة ثمّ يقبض الثمن عنه و يقترض الثمن و يمتلكها عنه.

و لا فرق في ذلك بين أن يبيعه إلى البنك أو إلى الشخص الرابع؛ لأنّ البنك يتملّك ذمّته المديونة و المملوكة للموقّع مقابل ثمن أقلّ كبيع الدين على المدين مقابل الأجل، و هذا قابل للتصوير.

و المدين (و هو البنك) يمتلك ذمّته إلى أجل في مقابل إعطائه نقداً ثمناً معيّناً، فلا يكون تساقطاً، و ليس إعطاء البنك ثمن الأقلّ للمستفيد (النائب عن الموقع من باب الإقراض. نظير ما ذكروه من جواز بيع الدين المؤجّل على المدين بأقلّ حالًا حتّى المؤجّل. فيجوز تصوير بيع الدين في الكمبيالات الصوريّة، سواء على البنك أم على شخص رابع.

بقي أمر، و هو أنّ الموقّع حيث يرجع إلى المستفيد بنفس المبلغ الاسمي المكتوب في الكمبيالة لا بأقلّ، فيعود الإشكال من كونه قرضاً ربويّاً بين المستفيد و الموقّع.

و يمكن تصوير التخلّص عن القرض الربوي كالتالي:

430

بأن يقوم المستفيد بعمليّة بيع هذا النقد بثمن في ذمّته مع اختلاف العملة، و أمّا مع اتّحاد العملة فهو بيع- خلافاً للسيّد الخوئي- و لكن لدينا تأمّل آخر ذكرناه سابقاً، فمن ذلك يبقى الإشكال في اتّحاد العملتين بين الموقّع و المستفيد.

و يمكن حلّ ذلك الإشكال بالطريق التالي: أنّ المستفيد حيث يريد الأموال من طريق الكمبيالة الصوريّة لكي يشتري بها شيئاً هو محلّ حاجته، فيستطيع أن يشتري بثمن الكمبيالة الصوريّة الأشياء التي يريدها و تلك الأشياء تقع في ملك الموقّع ثمّ يبيع تلك الأشياء لنفسه قبال القيمة المذكورة في الكمبيالة بقدر الأجل المذكور في الكمبيالة، فترجع إلى الموقّع تلك القيمة الاسميّة في الكمبيالة و الصكّ.

و دعوى الماتن (رحمه الله) أنّ هذه الطريقة قليلة الفائدة في غير محلّه، بل كثيرة الفائدة لجريانها و لو كانت العملتان متّحدتين.

أمّا الصورة الثانية

إذا لم يمكن للموقع أموال في البنك، إلّا أنّ له اعتباراً عند البنك، فيجوز بيع الكمبيالة؛ لأنّ البنك عند ما يفتح الحساب لموقع الكمبيالة و يعطيه الاعتبار مقتضاه الإذن للموقّع أن يقترض من ذمّته، أي يتملّك من ذمّته، فيكون الموقّع مأذوناً، و هو أيضاً يأذن للمستفيد أن يتعامل على ذمّة البنك، و بالتالي فبيع المستفيد الكمبيالة هو بيع في ذمّة البنك من قِبل المأذون عن البنك في التعامل على ذمّة البنك، و البنك ليس مديناً للموقّع، و لكن أذن له في التعامل على ذمّته، و حيث أنّ البيع على ذمّة البنك فيدخل العوض في ملكه.

و أمّا الصورة الثالثة

إذا لم يكن للموقّع مال و لا اعتبار في البنك، فلا يتحقّق البيع؛ لأنّه لا شي‌ء في البين كما لم يأذن البنك في التعامل على ذمّته.

إلّا أن يقال: إنّ هذا البيع ليس هو بيع الكمبيالة حقيقة، و إنّما هو بيع الذمّة، أي يأذن الموقع للمستفيد في التعامل على ذمّة نفسه و الصكّ سند على الدين، و ما في ذمّة‌

431

نفسه يسلّم بعد الأجل، و بالتالي فالموقّع يملك العوض.

و هذا التصوير يمكن في الصورة الثانية المتقدّمة أيضاً بأن يأذن في التعامل على ذمّته لا على ذمّة البنك.

ثمّ إنّه إذا باع المستفيد على نفس البنك في الصورة الثانية و الثالثة، فالظاهر أنّه يكون من باب بيع ذمّة الموقّع للبنك، فيكون مديناً للبنك.

نعم، في الصورة الثانية- على التقريب الأوّل فيها- لا يمكن أن يكون المشتري نفس البنك إذ التعامل على ذمّة البنك، فيتّحد البائع و المشتري، و هو غير ممكن.

و إن قيل بعدم تنزيل هذا البيع الصوري على البيع الحقيقي، بل بتنزيله على القرض بشرط الاتعاب، لا سيّما في فرض كون المشتري هو البنك و يكون البنك مقرضاً للمستفيد ثمّ يحيله المستفيد على الموقّع بأكثر، فيكون قرضاً بشرط الاتعاب.

و قد أشكل عليه بأنّ: هذا نوعاً من القرض الربوي؛ لأنّ تسجيل الدين ليست اجرته ضخمة بمقدار الفائدة الربويّة، فكيف يؤخذ عليه الحجم الكبير من الفائدة المترامية الربويّة، و يعضد هذا الإشكال أنّ التفاوت إذا كان بمقدار فاحش فهو موجب لقلب ماهيّة المعاملة عن أصلها، فإذا استأجر بناءً- مثلًا- في يوم بعشرة ملايين، فهذا العقد ليس بإجارة بل يعدّ في العرف نوعاً من الهبة المشروطة لا المعاوضة الإجاريّة، و قد تقدّم بيان ذلك في الحيل الشرعيّة.

فعمدة الإشكال على هذا الحلّ أنّ مع عدم التعادل النسبي المعاوضة غير صادقة أصلًا.

المقام الثاني و هو في حكم أخذ البنك الزيادة

، ففي ما لو باع على الشخص الرابع و أتى ذلك الشخص بعد مدّة لاستلام مبلغ الكمبيالة من حساب الموقّع، فلا إشكال في أخذ البنك الفائدة على سحب الكمبيالة؛ لأنّه كبقيّة الأعمال البنكيّة التي يأخذ الاجرة عليها‌

432

شريطة أن لا يكون القدر المالي زائداً على ماليّة تلك الخدمات بنحو فاحش.

أمّا في ما لو باع على البنك، فظاهر كلام الماتن- حيث حكم بعدم الجواز- يشير إلى هذا الفرض، و يمكن تصوير الجواز لكونه- كما تقدّم- بيعاً حقيقياً لا صوريّاً، حيث أنّ المستفيد إمّا يبيع ذمّة الموقّع أو ذمة البنك، أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني فلأنّه من بيع الدين على المديون بأقلّ من دينه.

نعم، مع اتّحاد العملة الإشكال وارد- كما تقدّم في المسألة 18- في ما إذا اتّحدت ذمّة البائع و المشتري خلافاً للماتن حيث استشكل في البيع مع اتّحاد العملة مطلقاً.

433

أعمال البنوك

تصنّف أعمال البنوك صنفين:

أحدهما: محرّم، و هو عبارة عن المعاملات الربويّة، فلا يجوز الدخول فيها و لا الاشتراك، و العامل لا يستحقّ الاجرة لقاء تلك الأعمال.

ثانيهما: سائغ، و هو عبارة عن الامور التي لا صلة لها بالمعاملات الربويّة، فيجوز الدخول فيها و أخذ الاجرة عليها.

مسألة 22: لا فرق في حرمة المعاملات الربويّة بين بنوك الدول الإسلاميّة و غيرها.

نعم، تفترقان في أنّ الأموال الموجودة في الاولى مجهولة المالك لا يجوز التصرّف فيها إلّا بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله. و أمّا أموال بنوك الدول غير الإسلاميّة فلا تترتّب عليها أحكام الأموال مجهولة المالك، فيجوز أخذها استنقاذاً بلا حاجة إلى إذن الحاكم الشرعي أو وكيله، كما عرفت.

إن قلت: إنّ هذا العامل أو الأجير كالموظّف أو المتعامل غير الموظّف لدى البنك إذا تعامل مع البنك، فإنّ التعامل هو مع أمواله و هي مختلطة بالحلال و الحرام، و كذلك الموظّف حين ما يأخذ الاجرة فإنّها من خزينة البنك المختلطة بالحلال و الحرام، و لازم ذلك عدم التفصيل في أعمال البنوك؛ لأنّه على التقدير الثاني تقع الحرمة بالتبع بسبب الارتطام بالأموال المحرّمة.

قلت: هذا الإشكال مدفوع بما قرّر في المكاسب المحرّمة في بحث الهدايا، حيث قُسّمت الهدية من السلطان الجائر- ممّا هو تحت يده من بيت المال المختلطة أمواله بالأموال المغصوبة و الأموال المحلّلة من المنابع العامّة الشرعيّة، كخراج الأراضي‌

434

و الزكاة و غيرها- إلى أربعة أقسام، أحدها- و هو الذي يتّصل بما نحن فيه- هو عدم الابتلاء ببعض أطراف العلم الإجمالي، فلا يكون منجّزاً، فتجري قاعدة اليد في المأخوذ منه بلا معارض، و مثال ذلك: إذا اشترى شخص من صاحب حانوت شيئاً و علم الشخص أنّ المتاع مختلط بالحلال و الحرام، فتارة يأذن صاحب الحانوت للمشتري بأن يقبض العين حسب ما يشاء من أفراد كلّي العين في الحانوت، ففي هذه الصورة يكون العلم الإجمالي منجزاً لابتلائه الفعلي بكلّ أطراف العلم الإجمالي.

و تارة اخرى يقوم صاحب الحانوت بإعطائه فرداً خاصّاً من الكلّي، فلا يكون كلّ ما عنده من الأمتعة محلّ ابتلاء للمشتري، ففي هذه الصورة يكون المقبوض مورداً لجريان قاعدة اليد بلا معارض لعدم جريانها في الأطراف الخارجة عن محلّ الابتلاء.

إن قلت: شمول قاعدة اليد لموارد أطراف العلم الإجمالي محلّ تأمّل.

قلت: بل الظاهر جريانها في تلك الموارد في السيرة العقلائيّة، بل يمكن العثور على روايات دالّة على ذلك، كما في أبواب القضاء في مسائل تنازع ملك العين، فكذلك الحال في البنك، فإنّه من قبيل الصورة الثانية لا الاولى؛ لأنّ ما يقبضه البنك يكون مالًا معيّناً، فتجري فيه قاعدة اليد بلا معارض.

و لا يتوهّم بأنّ يد الموظّف الأجير لدى البنك ليست يد مالكة بالذات، و إنّما هي يد وكيل، فلا تجري القاعدة فيها كما هو الحال في كلّ يد علمنا بأنّها ليست مالكة؛ و ذلك لجريان القاعدة في اليد المستخلفة- أي يد الوكيل- بلحاظ الموكّل كما تجري في اليد الأصليّة المالكة.

هذا بناءً على أنّ البنك مالك و لو كان حكومياً، و قد ذكرنا أنّ التفرقة بين البنوك غير صحيحة؛ لأنّ الأموال كلّها تتحرّك في السيولة الماليّة بين البنوك الأهليّة و البنك المركزي الحكومي، فلا ميز حينئذٍ بين أموال البنك الأهلي مع البنك الحكومي.

و أمّا بناءً على مجهول المالك فدفع الإشكال أسهل باعتبار أنّ ما يؤخذ هو نيابة عن الحاكم، فلا إشكال في الأجير عند ما يتقاضى اجرته، و كذلك في المتعامل.

435

هذا بالنسبة إلى الموظّف و المتعامل.

و أمّا بالنسبة إلى مُلّاك البنك- أي أصحاب الأسهم التي تُشتَرى و تُباع- و هذا الشقّ لم يعنونه الماتن (رحمه الله) هاهنا، و لكن الأحرى التعرّض له، و قد تقدّم شطر من الكلام في بيع الأسهم.

هل يجوز شراء أسهم ملكيّة البنك أم لا؟

المعروف من الفتاوى الحرمة؛ لأنّ الأسهم ملكيّة إشاعيّة، و البنك يتصدّى لأعمال ربويّة و غير ربويّة، و لا يصحّ تملّك شركة أو عنوان اعتباري يتصدّى لبعض الأعمال المحرّمة، كالتعامل الربوي. و قد نسب إلى الماتن (رحمه الله) إطلاق حرمة و فساد شراء أسهم البنوك (1)، لكنّه بعد ذلك فصّل في الحرمة بأنّ شراء الأسهم إن كان بلحاظ ما للبنك من أموال محلّلة فهو صحيح، و إن كان بلحاظ ما للبنك من أموال محرّمة فلا يصحّ؛ إذ الماليّة ليست بمضافة إلى البنك، فشراء الأسهم بلحاظ رأس المال سائغ لا بلحاظ الأموال المحرّمة من رأس المال، فليس كذلك، و يمكن استعلام القدر المحلّل من الأموال عن القدر المحرّم منها، و ذلك بتوسّط الكشوفات الإحصائيّة لنشاطات البنك و البيانات الماليّة الصادرة دوريّاً.

بل نسب في فتوى ثالثة للماتن (رحمه الله) تفصيل آخر منه، و هو أنّه: إذا كان بعض نشاطها التجاري ربويّاً، فلا يجوز شراؤها بقصد التعامل (2)، أي إذا كان في بدء إحداث البنوك فشراء السهم صحيح؛ لأنّه لم يتمّ أي تعامل ربوي، فماليّة أمواله لا ترتطم بالربا، و يصحّ حينئذٍ بيعها، و أمّا إذا اشتراها في الأثناء، فإن كان بقصد الاسترباح من أعماله‌

____________

(1) هل يجوز المشاركة في تأسيس بنك ربوي أو معظم معاملاته ربويّة؟ لا يجوز ذلك. (منية السائل/ 195).

(2) إذا كان تمام تجارات الماليّة للشركة غير ربويّة، فلا بأس بشراء الأسهم فيها، و أمّا إذا كان بعض نشاطها التجاري ربويّاً، فلا يجوز شراؤها بقصد التعامل. (مسائل و ردود/ 74).

436

المحرّمة فلا يجوز، و إن كان بقصد الاسترباح من ماليّة السهم بما هو عند بيعه مرّة اخرى فلا إشكال فيه، أي بداعي الاستثمار و الاتّجار بتداول أسهمها في الأسواق و الربح من نماء أسعارها اليومي.

هذا مع العلم بأنّ الماتن (رحمه الله) يبني على مجهول المالك.

و ينسب إليه فتوى رابعة بعدم جواز شراء الأسهم مطلقاً، إلّا أن يقصد الاستنقاذ بالشراء الصوري باعتبار أنّ أموالها مجهولة المالك في البنك الحكومي و المشترك.

و قد وافقه على هذا التفصيل عدّة من تلامذته، و يمكن توجيه الفتويين الأخيرتين على طبق القاعدة بأنّ جواز شراء تلك الأسهم عند بدء التأسيس لكون ماليّتها غير مختلطة بالحرام.

نعم، ربّما يشكل عليه بأنّ الشركة أو البنك قد اشترط في اللائحة الداخليّة له الإقدام على الأعمال الربويّة، فكيف يصحّ الشراء مع هذا الشرط؟ إلّا أنّه يمكن تصحيح الشراء مع فساد الشرط. هذا إذا كان الشراء في البدء، و أمّا إذا كان بعد حيازته للأموال المحرّمة فالملكيّة و إن كانت مبعّضة، كشراء المبيع الذي بعضه مغصوب و بعضه مملوك- و يستوي في ذلك ماليّة الأسهم و أرباحها- إلّا أنّ المحرّم يكون حكمه حكم مجهول المالك يصحّ وضع اليد عليه من باب مجهول المالك لا من باب صحّة الشراء بخلاف البعض المحلّل، و كذلك الحال في الأرباح المأخوذة من تجارات و أنشطة البنك، و يمكن تعيين النسبة بمراجعة المتخصّصين في الامور البنكيّة. هذا و قد بيّنا الحال مفصّلًا في بيع الأسهم، فلاحظ.

تنبيه: أنّ أسهم البنوك على نمطين.

الأوّل: لتمليك رأس مال البنك.

الثاني: لتمليك نسبة من أرباح البنوك و منافعها أو استثماراتها.

و قد سبق بيان حكم كلّ من النمطين:

قوله في مسألة 22: «لا فرق في حرمة المعاملات الربويّة...».

437

بناءً على ما ذهب إليه الماتن (رحمه الله) من كون التعامل مع الكافر بالربا غير مستثنى عن عموم حرمة الربا إذا كان بنيّة التعامل الحقيقي دون ما إذا كان بقصد الاستنقاذ خلافاً للمشهور، حيث سوّغ الأخذ الربوي من الكافر، و قد تقدّم أنّ الأصحّ ما ذهب إليه المشهور، و يقتضي الفرق حينئذٍ بين البنوك الإسلاميّة و الكافرة بصحّة أخذ الربا من الثانية.

438

الحوالات المصرفيّة

و قد مرّ تفصيلها في بحث (التحويل الداخلي و الخارجي)، فليس في المقام بحث جديد، بل مبني على ما تقدّم في البحث المزبور.

للشخص المدين أن يحيل دائنه على البنك بإصدار صكّ لأمره، أو يصدر أمراً تحريرياً إلى البنك بتحويل مبلغ من المال إلى بلد الدائن، و ذلك كما إذا استورد التاجر العراقي بضاعة من الخارج و أصبح مديناً للمصدر، فعندئذٍ يراجع البنك ليقوم بعمليّة تحويل ما يعادل دينه لأمر المصدر على مراسله أو فرعه في بلد المصدر و يدفع قيمة التحويل للبنك بنقد بلده، أو يخصم البنك من رصيده لديه. و مردّ ذلك قد يكون إلى حوالتين.

أحدهما: حوالة المدين دائنه على البنك، و بذلك يصبح البنك مديناً لدائنه.

ثانيهما: حوالة البنك دائنه على مراسله أو فرعه في الخارج أو على بنك آخر، و كلتا الحوالتين صحيحة شرعاً.

مسألة 23: هل يجوز للبنك أن يتقاضى لقاء قيامه بعمليّة التحويل عمولة معيّنة من المحيل؟

الظاهر أنّه لا بأس به؛ و ذلك لأنّ للبنك حقّ الامتناع عن القيام بهذه العمليّة، فيجوز له أخذ شي‌ء لقاء تنازله عن هذا الحق. نعم، إذا لم يكن البنك مأموراً بالتحويل المذكور، و أراد أخذ عمولة لقاء قيامه بعمليّة الوفاء و التسديد لم يجز له ذلك؛ إذ ليس للمدين أن يأخذ شيئاً إزاء وفاء دينه في محلّه. نعم، إذا لم يكن للمحيل رصيد لدى البنك، و كانت حوالته عليه‌

439

حوالة على البري‌ء، جاز للبنك أخذ عمولة لقاء قبول الحوالة، حيث أنّ القبول غير واجب على البري‌ء، و له الامتناع عنه، و حينئذٍ لا بأس بأخذ شي‌ء مقابل التنازل عن حقّه هذا.

لا بدّ من إضافة هذه النكتة، و هي أنّ المدين يجوز له أخذ الزيادة من الدائن مطلقاً- أي و لو لم يكن أخذ الزيادة قبال عمل أو تنازل عن حقّ- فلا حاجة لتوجيه أخذ الزيادة للمدين من قيامه بعمل أو غيره، فيأخذ من باب شرط إسقاط جزء من الدين، أو هبة الدائن للمدين، و هذا في صورة وجود رصيد لدى الشخص في البنك فيكون البنك مديناً له.

مسألة 24: لا فرق فيما ذكرناه من المسائل و الفروع التي هي ذات طابع خاصّ بين البنوك و المصارف الأهليّة و الحكوميّة و المشتركة،

فإنّها تدور مدار ذلك الطابع الخاصّ في أي مورد كان و أي حالة تحقّقت.

أخذ الفائدة لا بدّ أن يكون قبل عمليّه القرض لا بعدها كي لا تكون فائدة ربويّة، و أخذ الفائدة ليس بازاء الإقراض، بل بإزاء قبول الحوالة كما صوّره الماتن (رحمه الله).

إلّا أنّه لبّاً هو بازاء الإقراض، و قد استشكل الماتن في ما تقدّم في أخذ الفائدة مقابل الإقراض، و توضيحه أنّه: تارة تشترط الفائدة في القرض للدائن على المدين، فحينئذٍ تكون فائدة ربويّة، كما هو واضح، و اخرى تشترط الفائدة في حين إيقاع القرض فيقابل بين نفس عمليّة القرض، كالتراضي على أن يقرض بعوض، أي عوض إنشاء القرض، فليس العوض داخلًا في ماهيّة القرض، بل في المشارطة الفوقانيّة.

و إشكاله: بأنّ الإقراض لا ماهيّة له سوى نفس المال المقترض، فالعوض لبّاً لا يكون بإزاء الإقراض، و إنّما هو زيادة على الدين مع أنّه صحّح ذلك في المقام.

قد يقال: إنّ ما نحن فيه مغاير لحيلة بذل الفائدة مقابل الإقراض، حيث أنّ المقام‌

440

ليس مجرّد إقراض، بل حوالة، أي التزام بنوع من الضمان مع طرف آخر ثمّ بعد ذلك يرجع البنك إلى الآمر بالضمان، أي المحال عليه على المحيل، ففي الحوالة نحو من الالتزام، و العهدة غير الإقراض، و هو عمل له ماليّة مستقلّة؛ إذ ينطوي على نحو من الجهد و تحمّل المسئوليّة و التعهّد بتسليم الدين في بلد المضمون له، و هذا يغاير ماهيّة التزام القرض فيتمّ ما في المتن.

تمّ بحث البنوك‌

441

عقد التأمين

و هو اتّفاق بين المؤمِّن (الشركة أو الدولة) و بين المؤمَّن له (شخص أو أشخاص) على أن يدفع المؤمَّن له للمؤمِّن مبلغاً معيّناً شهرياً أو سنويّاً نُصّ عليه في الوثيقة (المسمّى قسط التأمين) لقاء قيام المؤمِّن بتدارك الخسارة التي تحدث في المؤمَّن عليه على تقدير حدوثها.

مسألة 25: التأمين على أنواع:

على الحياة، على المال، على الحريق، على الغرق، على السيّارة، على الطائرة، على السفينة و ما شاكلها، و هناك أنواع اخر لا تختلف في الحكم الشرعي مع ما ذكر، فلا داعي إلى إطالة الكلام بذكرها.

مسألة 26: يشتمل عقد التأمين على أركان:

1- الإيجاب من المؤمَّن له.

2- القبول من المؤمِّن.

3- المؤمَّن عليه: الحياة، الأموال، الحوادث، و غيرها.

4- قسط التأمين الشهري و السنوي.

ماهيّة التأمين و نظرة إجماليّة في الحكم

قوام التأمين هو تأمين الإنسان نفسه أمام المخاطر؛ لأنّ كلّ فرد من البشر قد يتعرّض إلى ذهاب كلّ رأس ماله أو بعض أمواله أو ما ينتسب إليه، فأي تأمين للإنسان ضدّ المخاطر يسمّى بالتأمين. و قد عرّف بتعريف آخر، و هو المشاركة الحاصلة من رساميل الأفراد لأجل التكافل الاجتماعي، أي أنّ الحصص المجتمعة من زبائن التأمين تجتمع لإعانة المتضرّرين من أفراد المجتمع، و هذا التعريف- كما يبدو-

442

هو بلحاظ بداية عمليّة التأمين، و أمّا التأمين حالياً فرقعته قد اتّسعت إلى كثير من حقول الاستثمار، فيكون فيه نحو من تنشيط عمليّة الاستثمار و تحريك الأموال المجمّدة، فيكون جبر المتضرّرين من تلك الأرباح.

و ليس التأمين مستحدثاً في العصر الحديث كما قد يظنّ، بل كانت جذوره منذ زمن قديم، كما هو الحال في ضمان العاقلة دية الخطأ قبل الإسلام، و في الديانات السابقة فحين ما يقدم شخص على قتل خطأ فأولياء المقتول يؤمّنون ديته بتحمّل عشيرة القاتل لها، فهذا نمط من التأمين بالصورة البدائيّة، و كذلك الحال في ضامن الجريرة.

و البحث في البُعد التاريخي للتأمين يثمر في التعرّف على كيفيّة إمضاء الشارع له و لو في ضمن الموارد و الأفراد برفع الخصوصيّة عنه و تعميمه إلى موارد اخرى. فمع اندراج ضمان العاقلة و الجريرة في التأمين يستفاد إقرار عقد التأمين في الشرع في الجملة. ثمّ إنّ تعريفه بعقد يوجب الأمن من الخطر المالي أو أنّه تعامل على البرّ و الخير بتقريب أنّ التأمين هو نوع من التكافل بين مجموع المجتمع في قبال ما يتعرّض له من المخاطر؛ إذ بإقدام أفراد كلّ المجتمع على عقد التأمين بتسليم قسط شهرياً تتجمّع تلك الأقساط بحوزة شركة التأمين لتكون عطاءً ماليّاً لكفالة آحاد المتضرّرين من وقوع الخسارة أو الحوادث المفاجئة.

فهذا التعريف يفيدنا في استظهار مشروعيّة التأمين من العمومات باعتبار أنّ التأمين لا ينطوي على ظلم أو تغرير أو موانع عامّة اخرى عن صحّة العقود، بل في التأمين أغراض عالية للتشريع الفقهي، و هو التعاون على الخير و البرّ، فهذا تقريب لاستظهار الصحّة إجمالًا.

موارد التأمين

موارد التأمين عديدة، التأمين على النفس، أو على المال.. و هكذا، بل بإزاء بعض الأعمال المحترمة، كوصف نظام للأكل أو الشرب، حيث إنّ المعيشة البشريّة كلّما‌

443

تعقّدت ازدادت المخاطر، فتتولّد الحاجة إلى التأمين بحسبها. و هذا ليس بحثاً فنّياً صرفاً، بل يفيد الاستظهار من الأدلّة؛ لأنّ العقود تسوّغ في الشريعة لأجل تلبية الحاجات المحلّلة.

وجوه الإمضاء

أمّا الوجوه التفصيليّة لإمضاء التأمين فمتعدّدة و هي تعتمد على التعرّف على حقيقة ماهيّة التأمين.

الوجه الأوّل: تقريب أنّ التأمين عقد جديد

و أنّها لا تندرج في الماهيّات المعروفة السابقة كالهبة و الإجارة و غيرهما، و هذه المقدّمة كصغرى تنضمّ إلى كبرى إمضاء العقود. و هذه الصغرى تتمّ إذا أبطلت الوجوه الاخرى الآتية، حيث يقرّب فيها أنّ ماهيّة التأمين مندرجة في الماهيّات المعهودة و لو بنحو التركيب، سواء الماهيّة بصورتها القديمة أم الجديدة المستحدثة، و إذا تمّت تلك الوجوه فلا مجال لهذا الوجه.

و أمّا الكبرى فهي عموم قاعدة إمضاء العقود بنحو القضيّة الحقيقيّة الشاملة للعقود المستجدّة المستفادة من قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). غاية الأمر أنّ عمومها قد اشترط فيه شرائط عامّة للصحّة، كأن لا يكون غررياً- بناءً على أنّ الغرر ليس شرطاً بالبيع، كما هو مسلك المشهور، و هو الصحيح- و الايجاب و القبول و الموالاة و شرائط اخرى عامّة في العقود. و البحث في الكبرى يقع في كون (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قاعدة عامّة أو خاصّة في الماهيّات المتعارفة، قولان:

وجه القول الثاني قرائن عديدة:

1- كون (ال‍) في (الْعُقُود) عهديّة، فتختصّ بالعقود المتعارفة في ذلك الزمان، بل أفرط البعض و قال: بأنّ (ال‍) تشير إلى كيفيّة تطبيق شرائط الصحّة في العقود، أي تنفيذ تلك الشروط بنحو متعارف، فتشير إلى كيفيّة وزن العوض الوزني‌

444

وكيل العوض الكلّي.

و وجه العهديّة: إمّا للإجمال، فالقدر المتيقّن هو العهديّة أو انسباق (ال‍) العهديّة في ذهن المخاطبين.

قال السيّد اليزدي: المراد هو العقود التي بين الخلق و الخالق، و بين نفس المخلوقات أيضاً، فيصير من أدلّة التكليف ك‍ (أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ) (1) و يخرج عن كونه دليلًا إمضائيّاً في المعاملات.

و لكن لا منافاة بين شموله للعقود- التي بين اللّٰه و بين المكلّفين، و بين المكلّفين بعضهم مع بعض- و بين كونه دليلًا إمضائيّاً، غاية الأمر (ال‍) تكون عهديّة لا حقيقيّة تشير إلى المواثيق التي بين الخالق و المخلوق أو بين المخلوقين بعضهم مع بعض.

2- كون الحصر عقليّاً لماهيّات العقود في العقود المتعارفة. و هذا من قبيل الضيق و التقييد في الصغرى لتحديد الكبرى، و تقريبه: إنّ التعاوض و التعاقد إمّا يكون على جوهر أو على عرض، فإن كان على جوهر فهو بيع أو صلح، و إن كان على عرض فهو إمّا عرض بلحاظ ثباته، أي المنفعة كوصف للعين، فهي الإجارة أو الجعالة، أو المنفعة لا كوصف ثابت، بل بما هي متجدّدة، و هو الانتفاع- كالعارية- و هلم جرّاً.

فدعوى وجود الماهيّات الجديدة لا تخرج عن تلك الأقسام.

و قالوا: إنّ العقود الجديدة ترجع دائماً إلى أحد تلك الماهيّات المحصورة، أو هي تلفيق منها، بل أنّ الحال في الماهيّات المتعارفة- كالمضاربة- كذلك، فإنّها ليست عقوداً مستقلّة، بل مركّبة من عدّة ماهيّات، فامّهات العقود معدودة و البقيّة مؤلّفة منها.

التأمّل في الوجوه

فقد ردّت هذه الوجوه بأنّ (ال‍) حقيقيّة و ليست عهديّة، و الشاهد على ذلك أنّ‌

____________

(1) سورة آل عمران 3: 32.

445

مقتضى الخطابات التشريعيّة في الأحكام الشرعيّة من كونها كقضايا حقيقيّة مقدّرة الوجود هو تبادر الجنسيّة من (ال‍) لا العهديّة، و من كون (أَوْفُوا) إشارة إلى العقود التي بين المخلوقين و الخالق لا تنافي ذلك (كون ال‍ حقيقيّة)؛ لأنّها تشمل ما مضى و ما هو حاضر و ما يأتي، بل أنّ مقتضى شمولها لما بين الخالق و المخلوقين و ما بين المخلوقين بعضهم مع البعض هو العموم في القضيّة الحقيقيّة لا العهديّة الخارجيّة المحصورة في ما سبق.

إن قلت: إنّ المراد من العقود في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) المواثيق التي فطر عليها الإنسان، فأوفوا يعني أوفوا بمقتضى فِطرَكم، لا تخالفوا فِطركم، و الأمر في (أَوْفُوا) تكليفي، أي: تابع فطرتك و قضاءها و لا تخالفها، فلا تكون قضيّة تشريعيّة، سواء (ال‍) عهديّة أو جنسيّة.

قلت: إنّ حصر العقود في العقود التكوينيّة ليس بتامّ، بل إمّا هو معنى أعمّ أو خاصّ بالقضيّة التشريعيّة، و الروايات الدالّة على أنّ المراد من العقود هي المواثيق، فتكون تكوينيّة لا تنافي إرادة كون القضيّة تشريعيّة؛ إذ قد ورد في الروايات أيضاً التمسّك بالآية بعنوان القضيّة التشريعيّة.

فالروايات الاولى إمّا من باب التأويل أو بيان الجامع بين العقد التكويني و التشريعي، فعلى ذلك تكون (أَوْفُوا) حقيقيّة، و بمقتضى أنّ المتبادر من التشريع ليس خصوص المخاطبين، و إنّما تعمّ المكلّفين إلى يوم القيامة.

امّا الوجه الثاني: و هو الحصر العقلي في العقود، فهو غير مسلّم، و لو سلّم فهو حصر في موارد العقود لا العقود أنفسها؛ إذ لا مانع في كون هذه الموارد تتناوبها عقود مختلفة أو تصنّف العقود بأصناف المنافع.

و مثال ذلك أنّ المضاربة و المساقاة و المزارعة على قول وجيه هي نوع من الإجارة، إجارة مالك المال للمضارب أو للمساقي أو للمزارع، غاية الأمر الاجرة هي نسبة من الربح و لها أحكامها الخاصّة، إلّا أنّها متميّزة عن الإجارة أيضاً. فلا مانع من‌

446

التعدّد بحسب أصناف موارد العقود، بل قد يكون عقد يجمع موردين أو أكثر.

و أمّا تتميم الوجه المزبور بكون العقود المستجدّة مختلفة في العنوان دون المعنون مع الماهيّات القديمة، و في بعضها تكون مركّبة منها، فهو تامّ في الجملة.

لكن كلّية هذا المطلب عهدتها على مدّعيها، و الاستقراء المدّعى غير تامّ، أي مانع من تجدّد العقود الجديدة بحيث لا ترجع إلى تركيب الماهيّات القديمة؟

إن قلت: مع شمول (أَوْفُوا) للعهود و العقود القديمة المفردة، فلا تشمل العقود الجديدة المركّبة بالتلفيق منها؛ إذ لازمه شمول الدليل للشي‌ء الواحد مرّتين.

قلت: شمول (أَوْفُوا) للعقود الجديدة يغاير شمولها للمجموع المركّب، فهو شامل للأبعاض، و لكلّ عقد عقد موجود في الماهيّة المركّبة، غاية الأمر يشترط في العقد الأوّل عقد ثاني، و في الثاني عقد ثالث، و يكون شمول (أَوْفُوا) لكلّ على حدة، لكنّ ذلك في ما إذا رجع العقد الجديد إلى العقود القديمة، و لو بالتلفيق و التركيب بخلاف ما إذا لم يرجع ماهيةً، و إن كان ديدن الفقهاء غالباً أن يجهدوا أنفسهم أوّلًا في إرجاع العقود الجديدة إلى العقود القديمة، فإن لم يمكن قرّروا للعقد المستحدث ماهيّة جديدة، فالكبرى- على أي تقدير- تامّة و هي عموميّة (أَوْفُوا) لكلّ العقود.

تنبيهان

الأوّل: هل العقود المركّبة هي عقود متعدّدة مزدوجة،

غاية الأمر قد اشترط في ضمن الأوّل عقد ثاني... و هكذا، أو أنّها ماهيّة بسيطة واحدة تفيد مفاد مجموعة من العقود؟

ذهب البعض إلى الثاني، و أنّ اشتراك المفاد لا ينفي بساطة العقود المستجدّة، و من ثمّ قالوا بأنّ تلك العقود- كالتأمين- عقد جديد لا يرجع إلى القديمة، غاية الأمر تترتّب ثمرات و آثار عدّة من العقود القديمة في قالب عقد واحد.

447

و الصحيح هو التفرقة بين ما إذا كان إنشاء العقد الجديد إنشاءً وحدانيّاً لماهيّة واحدة، غاية الأمر تنطبق على موارد مختلفة بإنشاء واحد، فتفيد ثمرات العقود المختلفة، و بين ما إذا كان إنشاءً مركّباً لعناوين متعدّدة و لمشارطة في ما بين بعضها البعض، فعلى التقدير الأوّل تكون بسيطة، غاية الأمر يمكن استبدال تلك الماهيّة الجديدة بعقود مختلفة، إلّا أنّه لا يعني أنّ الماهيّة الجديدة ليست واحدة بسيطة كما هو الحال في موارد اخرى، حيث يمكن الوصول إلى الأغراض التجاريّة تارة بعقد البيع، و اخرى بعقد الصلح، أو بعقد ثالث، إلّا أنّه لا يستلزم عدم مغايرة عقد الصلح مع عقد البيع.

فالصحيح هو النظر إلى وحدة الإنشاء و تركّبه من ماهيّات مشروط بعضها بالبعض، و من ثمّ لا تكون ماهيّة جديدة، بل راجعة إلى العقود القديمة.

بخلاف الماهيّة الواحدة البسيطة الجامعة المنشأة بإنشاء واحد، المؤثّرة لمثل آثار العقود المتعدّدة، فإنّها تكون ماهيّة جديدة.

تركّب الماهيّات المعامليّة و بساطتها

و يمكن تمثيل المقام بما هو مقرّر في صناعة التحليل و التركيب من علم المنطق و الدمج و التفصيل في المعاني التي يقوم بها العقل بحسب خلّاقيّة أنشطته الذهنيّة المذكور في مبحث الوجود الذهني في علم المعقول، و هو أحد الأقوال في المعنى الحرفي في علم الاصول، و ملخّصه: أنّه بإمكان و قدرة العقل البشري أن يدمج معاني كثيرة مفصّلة متعدّدة في وجود معنى وحداني بقالب ذهني واحد، كما هو الحال في معنى «الإنسان»، فإنّ الذهن يلتفت إليه و يلحظه كمعنى وحداني، و بإمكانه تحليل ذلك المعنى و تفصيله إلى معاني متعدّدة «كجوهر نفساني، بدني، نامٍ، حسّاس، متحرّك بالإرادة، ناطق، ميّت»، فكلّ هذه المعاني المتعدّدة بإمكان الذهن أن يركّبها و يؤلّفها تكويناً في وجود واحد اندماجي، و هذا هو التركيب و الدمج في مقابل‌

448

التحليل و التفصيل و التعديل، و هناك من يرى أنّ غالب أسماء الأفعال من المعاني الاندماجيّة، كما أنّ الحال في الحدود مع المحدود في باب التعاريف هو التفصيل و الدمج.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إنّه في الآثار التكوينيّة جملة منها لا يختلف الحال فيها لدورانها مدار وجود أصل المعاني، سواء بنحو الدمجي أم بنحو التفصيلي، فاندراج المعنى تحت جنس معيّن لا يختلف الحال فيه بين وجود تلك المعاني بنحو دمجي أو بنحو مفصّل متعدّد، و في جملة اخرى من الآثار التكوينيّة يختلف الحال بين وجود المعنى بنحو اندماجي اتّحادي و بين وجوده بنحو تفصيلي، و ذلك كما في صور الأنواع، فإنّ الجماديّة لا تنطبق على الجسم المندمج في المعنى النامي، كما لا ينطبق النبات على النامي المندمج في الحسّاس، و هكذا.

و إذا كان الحال في الآثار التكوينيّة كذلك ففي عالم الاعتبار و آثاره لا بدّ من التفصيل أيضاً؛ إذ من المقرّر أنّ الاعتبار على وزان التكوين و الضابطة فيه هو بالتفرقة بين الأثر المترتّب على المعنى بوجوده الأعمّ من الجنسي و النوعي، و بين الأثر المترتّب على المعنى بوجوده النوعي أو الصنفي، و إحراز صغريات هذه الضابطة يحتاج إلى شي‌ء من التأمّل و التروّي في كلّ أثر و حكم شرعي بحسبه.

الثاني: قد ذهب السيّد اليزدي (رحمه الله) في عقد المضاربة و المزارعة و المساقاة إلى أنّه إذا لم تتحقّق شرائط صحّتها فهي فاسدة من ناحية تلك الشرائط

، إلّا أنّه لا مانع من دخولها في عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و يترتّب عليه آثار مطلق العقد دون الآثار الخاصّة المختصّة بعقد المضاربة أو المزارعة أو المساقاة.

فمثلًا: لو أنشأ صاحب المال مع عامل المضاربة تقدير الربح بينهما لا بالنسبة الكسريّة، بل بقدر معيّن لأحدهما و الباقي للآخر، أو في ما إذا تعاقدا على كون نسبة من الربح لثالثٍ أجنبي، أو في ما إذا كان مورد المضاربة ليس عمل التجارة، أو في ما لم يكون مورد المضاربة النقدين- على القول باشتراطهما- إلى غير ذلك من موارد‌

449

فقد شرائط الصحّة الخاصّة بعقد المضاربة، و كذا الحال في المزارعة و المساقاة، بل في أيّ عقد، كالبيع و الهبة و الإجارة، إذا افترض وقوع الخلل في شرائطه الخاصّة، فإنّ تلك العقود و إن لم تصحّ بالأدلّة الخاصّة لكلّ عقد المختصّة به و لم تندرج في تلك الأدلّة، و لم تترتّب عليها الآثار الخاصّة، إلّا أنّه بالإمكان اندراجها في الأدلّة العامّة لصحّة العقود، و ترتّب الآثار العامّة لصحّة العقود.

فالمتعاقدان لم يُنشِئا المضاربة في الفرد الصحيح الخاصّ، بل قصدا و أرادا من الأوّل إنشاء المضاربة الكذائيّة الفاقدة لصفة الصحّة الخاصّة، فقصدهما تعلّق بالطبيعي في ضمن الفرد الفاسد، و لكنّه ليس فاسداً مطلقاً، بل فاسد بالقياس إلى الأدلّة الخاصّة الواردة في المضاربة، و صحيح بالنسبة إلى الأدلّة العامّة الواردة لتصحيح مطلق العقود، فهذا العقد و إن لم يندرج تحت الأدلّة الخاصّة لبيان صحّة عقد المضاربة، لكنّه صحيح بالقياس إلى أدلّة العقود العامّة؛ إذ لم يتخلّف فيه شرائط الصحّة للعقد العامّ كمعلوميّة العوضين و الايجاب و القبول و عدم الغرر و بلوغ المتعاقدين و رشدهما، و غير ذلك، فتترتّب عليها أثر مطلق العقود كخيار الشرط دون خيار المجلس.

هذا مسلك السيّد اليزدي في كلّ عقد حتّى البيع، فلا يترتّب عليه آثار البيع الخاصّة، إذا لم تتوفّر في البيع شرائط الصحّة الخاصّة بالبيع، لكن يندرج تحت الأدلّة العامّة لمطلق العقود، إذا توفّرت فيه شرائط الصحّة العامّة و تترتّب عليه الآثار العامّة.

و قد يشكل بأنّ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) دليل اللزوم و موضوعه الصحيح الشرعي، فكيف يندرج الفاسد تحت هذا الدليل؟

و يدفع بجوابين

1- يتّضح ممّا تقدّم في التقريب من أنّ هذا العقد فاسد شرعاً بالإضافة إلى الأدلّة الخاصّة لا بالإضافة إلى الشرائط العامّة في العقد، فهو صحيح شرعاً بلحاظ الشرائط‌

450

العامّة للعقد، و فاسد بالإضافة إلى الأدلّة الخاصّة، فلم ينخرم موضوع العموم.

2- إنّ (أَوْفُوا) ليس دليل اللزوم فقط- كما حرّر في محلّه- بل له مفادان: أنّ كلّ عقدٍ صحيح شرعاً، و هو لازم أيضاً، و تفصيله في كتاب البيع، و بالتالي فهو دليل الصحّة أيضاً، فهو متضمّن لمدلولٍ مطابقي- و هو دليل اللزوم- و مدلولٍ التزامي- و هو دليل الصحّة- و هذا المدلول الالتزامي متقدّم رتبة و إن كان متأخّراً دلالة و كشفاً؛ لأنّ الدلالة الالتزاميّة بعد المطابقيّة، فيستفاد من (أَوْفُوا) دليل الصحّة أيضاً. هذا تمام تقريب السيّد اليزدي (رحمه الله).

و لكنّ الصحيح: هو قول المشهور من أنّه إذا فسد عقد بلحاظ الأدلّة الخاصّة، فلا يمكن أن يصحّح بلحاظ الشرائط العامّة، و إن كان تقريب السيّد اليزدي لا يخلو من مداقّة صناعيّة.

و الوجه في ذلك يظهر بعدّة نكات:

أحدها: أنّ الشارع عند ما اشترط شرائط خاصّة تأسيساً- لأنّها لم يتفطّن إليها العرف فهي شرائط شرعيّة- في هذه الماهيّة ليس مفاد ذلك الاشتراط مقتصراً على أنّ تلك الشرائط هي شرائط لصحّة تلك الماهيّة لأجل ترتيب الآثار الخاصّة للبيع فقط- كما ادّعاه السيّد اليزدي- بل ثمرتها ما بُيّن في الأحكام الوضعيّة من أنّ كلّ تشريع من تشريعات الشارع- الوضعيّة أو التكليفيّة- رُوعي فيها توخّي المصالح و تجنّب المفاسد، فتشريعه على ضوء الملاكات في المتعلّقات و الموضوعات فأحد حِكَم اشتراط شرائط خاصّة في ماهيّة البيع هو أنّ ماهيّة البيع- في صورة عدم توفّر تلك الشرائط فيها- تؤدّي إلى مفاسد وضعيّة في عالم المعاملات، فتخلّف تلك الشروط يؤدّي إلى تلك المفاسد التي أراد الشارع أن يتفاداها لا أنّ اشتراط الشارع لتلك الشروط حكمته منحصرة في ترتيب الآثار الخاصّة؛ لأنّ كلّ ماهيّة لا بدّ أن تحكم بضوابط كي لا تؤدّي إلى المفاسد و اختلاط الحقوق.

فهي شرائط في الطبيعي الكلّي لهذه الماهيّة، فلا يتقرّر وجود ماهيّة البيع في‌

451

الاعتبار الشرعي بدون تلك الشرائط، فلا يتصوّر التعدّد في وجود ماهيّة البيع و أنّ أحدهما لترتيب الآثار الخاصّة و الآخر لترتيب الآثار العامّة.

و ثانيها: إنّ أدلّة الشرائط ناظرة إلى موضوع الصحّة التي هي كحكم يقع موضوعاً لأحكام اخرى، و هي الآثار الخاصّة، فكيف تجعل أدلّة الشرائط ناظرة إلى موضوع الآثار الخاصّة التي هي قضيّة متأخّرة رتبة عن القضيّة الاولى، و هي موضوع الصحّة، فمثلًا: «لا تبعه حتّى تكيلَه» (1) ليس ناظراً إلى الآثار و الأحكام الخاصّة المترتّبة على صحّة البيع، بل مفاده أنّ ماهيّة البيع بلا كيل في المكيل لا وجود لها في الاعتبار الشرعي، فهو ناظر لموضوع حكم الصحّة، و من ثمّ تكون الصحّة موضوعاً للآثار الخاصّة، فدعوى السيّد اليزدي (رحمه الله) المتقدّمة- من كون أدلّة الشرائط ناظرة إلى موضوع الآثار الخاصّة- لا تخلو من مصادرة، و مثال الآثار الخاصّة «البيعان بالخيار ما لم يفترقا»، أي: البيعان- في بيع صحيح- بالخيار ما لم يفترقا، فالخيار مأخوذ فيه صحّة البيع، نظير ما قيل في الفرق بين أدلّة اللزوم و بين أدلّة الصحّة من أنّ أدلّة الصحّة موضوعها الصحيح العرفي و أدلّة اللزوم موضوعها الصحيح الشرعي، فالآثار الخاصّة من قبيل حكم اللزوم، أي في عرضه و رتبته متأخّرة عن حكم الصحّة، و على ذلك فأدلّة الشرائط الناظرة إلى الصحّة مطلقة غير مقيّدة بلحاظ ترتيب الآثار الخاصّة.

و ثالثها: لزوم اللغويّة في أدلّة الشرائط لو كانت بلحاظ ترتيب الآثار الخاصّة فقط لا بلحاظ ترتيب الآثار العامّة؛ و ذلك لأنّ الآثار الخاصّة ليست بمثابة الآثار العامّة أهميّة، و أهمّ أثر في الماهيّة: صحّتها و لزومها، و هما من الآثار العامّة، فيترتّبان بالأدلّة العامّة و إن تخلّفت الآثار الخاصّة التي ليست بخطيرة بالقياس إلى الصحّة و اللزوم؛ لأنّ العمدة في الماهيّة مضمونها، و هي مبادلة المال بالمال في البيع مثلًا، فإذا كان المضمون يتحقّق لأنّ صحّة العقد معناها انوجاد مضمون العقد، فالصحّة عند‌

____________

(1) ب 5/ أبواب عقد البيع/ ح 4.

452

الشارع بمعنى الوجود في افق اعتباره، أي وجود مضمونها، و بالتالي لزومها، و هما أهمّ شي‌ء في المعاملة، و الآثار الاخرى هي بالتبع.

و رابعها: إنّ أدلّة الشرائط الخاصّة للبيع أو الهبة كما هي مخصّصة لأدلّة الآثار الخاصّة فهي مخصّصة لعموم أدلّة الصحّة و اللزوم أيضاً، فنسبتها مع دليل (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) نسبة المخصّص، و بالتالي فلا يندرج العقد الفاقد للشرائط في ذلك العموم كما لم يندرج في أدلّة الصحّة الخاصّة؛ لأنّ أدلّة الشرائط دليل مخصّص لكلا النمطين من الأدلّة، مثلًا: «لا بيع إلّا في ملك» يخرج بيع غير المملوك من (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و كذلك «لا بيع إلّا بكيل» يخرج بيع ما لم يكل من (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) كما يخرج كلا البيعين من الأدلّة الخاصّة لصحّة البيع، و الاقتصار في ملاحظة نسبة التخصيص مع الأدلّة الخاصّة دون الأدلّة العامّة تحكّم؛ إذ البيع الواجد للشرائط الخاصّة ذو الآثار الخاصّة أيضاً مندرج في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و مع افتراض اندراج البيع الفاقد للشرائط في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) بحسب الدلالة الأوّلية تتصرّف أدلّة الشرائط الخاصة بإخراج الفاقد دون الواجد فلا محالة من كون أدلّة الشرائط ناظرة إلى مفاد (أَوْفُوا) و نحوه من الأدلّة العامّة مخرجة لبعض أفرادها، و هو معنى التخصيص، فما ذهب إليه السيّد غير تامّ.

فتحصّل من الوجه الأوّل صحّة كلّية كبرى قاعدة (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) للعقود المستحدثة شريطة كون عقد التأمين غير راجع إلى العقود المعهودة؛ لأنّه إذا رجع إليها فحينئذٍ من اللازم توفّر شرائط تلك العقود في عقد التأمين.

و من فوائد عموم كبرى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عدم حصر الحقوق المشروعة بالحقوق المعهودة القديمة، بل تكون الحقوق المستجدة مشروعة أيضاً على تقدير شمول الدليل لها، و بيانه سيأتي في بحث حقّ السرقفليّة.

فالوجه الأوّل تامّ إلّا أنّه متوقّف على تماميّة الصغرى. و النكتة المهمّة التي حرّرناها في الصغرى هي تمييز كون العقد الجديد يأتلف من عقود قديمة كمزدوج مجموعي‌

453

بسيط، أو أنّه عقد جديد مؤتلف من العقود السابقة بنحو التعدّد، أي الضابطة عند الدوران المزبور هي كون الماهيّة المنشأة جامعة تؤثّر آثار العقود القديمة، فتكون جديدة بخلاف ما إذا كان المنشأ عدّة ماهيّات، فيكون إنشاء لتلك العقود لا لعقد جديد، و تحرير انطباق الصغرى سيأتي في الوجوه اللاحقة.

الوجه الثاني لتصحيح عقد التأمين وجه عامّ و كلّي هو الصلح

بأنّه مصالحة بين شركة التأمين و الأفراد، و مفاده التعويض بأداء الخسارة، و جهات الخسارة غالباً هي الملحوظة في عقد التأمين. نعم، قد يكون التعويض لجهات اخرى كالمحافظة و التعليم و غيرهما. و الصلح ك‍ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) يتمسّك به غالباً لإدخال العقود الجديدة في مستجدّات مسائل المعاملات لأجل تنقيح الحال لا بدّ أن يلتفت إلى أنّ عقد الصلح هو إنشاء للتراضي بالذات، و بهذا القيد يفترق عن بقيّة العقود، حيث أنّ كلّ عقد متضمّن للتراضي أيضاً، فالبيع- مثلًا- لا بدّ فيه من تراضي المشتري و البائع، و لا يكون البيع بذلك صلحاً و بيعاً، و كذلك الهبة و الإجارة و بقيّة العقود.

ففي الفارق بين عقد الصلح و بقيّة العقود ذكر الاصفهاني و السيّد اليزدي أنّ التراضي في عقد الصلح يُنشأ بالذات، بينما التراضي في بقيّة العقود مُنشأ بالتبع، فبالأصالة لا ينشئ البائع الرضا الإنشائي، بل بتبع ماهيّة البيع، فليس مفاد قول البائع:

«بعتك» و قول المشتري: «قبلت» هو إنشاء الرضا، بل إنشاء تمليك عين بمال صادر عن رضا، فمفاد «بعت» بالدلالة الالتزاميّة دالّ على إنشاء الرضا و إبرازه و طيب نفسه بالبيع.

و هناك تفريق آخر ذكره جماعة اخرى، و هو أنّ الصلح إنّما يكون في مورد لقطع النزاع، إمّا النزاع الفعلي أو النزاع المحتمل بإسقاط حقّ أو بإبراء ذمّة أو غيرهما، فحينئذٍ لا يمكن للصلح أن يعمّ العقود الجديدة غالباً؛ لأنّه لا بدّ من افتراض نزاع‌

454

- و لو محتمل- فحينئذٍ يمكن إنشاء التراضي.

و هذا التعريف لم يرتضه كثير من المتأخّرين، فالصلح عندهم هو إنشاء للتراضي، سواء كان هناك نزاع أم لم يكن.

و القول بأنّ الصلح ليس عقداً مستقلّاً و إنّما هو عقد يتبع بقيّة العقود مردّه القول السابق من أنّ الصلح لا بدّ أن يكون في مورد قطع التنازع الفعلي أو المحتمل، فلا محالة يتبع بقيّة العقود، و لا ماهيّة مستقلّة له، و إنّما يؤدّي مؤدّى البيع أو الإجارة، و عليه فلا بدّ من تصوير أنّ ماهيّة العقد في نفسها هي ماهيّة أوّليّة صحيحة، ثمّ يعرض الصلح عليها، أي تنشأ بصيغة الصلح نظير ما قرّر في الشروط، فإنّ الشرط يشبه الصلح من وجوه، و لهما وزان واحد في الروايات، مثل أنّ شرط الصحّة فيهما:

«كلّ صلح خالف كتاب اللّٰه» «كلّ شرط خالف كتاب اللّٰه»، و كذلك الحال في كونها غير مشرّعة، و إنّما أمضيت صحّتها بعد الفراغ عن صحّة ماهيّة المشروط، فماهيّة المشروط لا بدّ فيها من الحلية و الصحّة في الرتبة السابقة على ورود الشرط، فكذلك الحال في الصلح قد أخذ في مورده الصحّة في الرتبة السابقة، و نظير ذلك في النذر، و من ثمّ أدرج الثلاثة في سياق واحد في الأدلّة، فيتبيّن من ذلك أنّ حال الصلح حال الشروط، حيث يجب أن تكون ماهيّة المشروط بنفسها صحيحة، سواء كانت ماهيّة شرط النتيجة أم شرط الفعل، فدليل الصلح و الشرط ليس وجهاً مستقلّاً لتصحيح الماهيّات الجديدة، بل لا بدّ أن تندرج الماهيّات الجديدة في الماهيّات الصحيحة أوّلًا، و من ثمّ تقرّر بالصلح وجوداً و لزوماً.

هذا كلّه على القول بالتبعيّة في الصلح، و أمّا على القول بأنّ ماهيّة الصلح مستقلّة و لا ربط لها ببقيّة الماهيّات المعامليّة كما لا تختصّ بتلك الموارد، فلا مانع من كون دليله وجهاً بحياله لتصحيح الماهيّات الجديدة، غاية الأمر لا بدّ أن يكون الصلح متوفّراً على الشرائط العامّة للعقود كأن لا يكون تمليكاً لمعدوم أو لا يكون فيه غرر و... و يكون الصلح هذا مؤدّاه مطلق التعهّد نظير مفاد الشرط.

455

و جملة من الفقهاء الذين صحّحوا التأمين بالوجه الأوّل السابق بنوا على تصحيحه بهذا الوجه، فقرّروا بأنّ عقد التأمين صلح على أن يدفع المشتري أو المتعامل مع شركة التأمين قسطاً شهريّاً مقابل أن تدفع الشركة خسارته.

هذا و لتماميّة هذا الوجه على التقدير الثاني لا بدّ من تحرير الصغرى في كبرى دليل الصلح، و هي واجديّة الصلح في مورد التأمين للشرائط العامّة في العقود، و هو الذي تتكفّله الوجوه الآتية كتضمّن هذا التعهّد لشبهة الربا، و لإشكال أنّه تعهّد بما لم يجب أو أنّ فيه الغرر و غير ذلك.

الوجه الثالث لتصحيح عقد التأمين كونه هبة مشروطة،

و قد التزم بذلك الماتن (رحمه الله) و تقريبه: أنّ المتعامل يهب لشركة التأمين هبة نجوميّة مشروطة، إمّا بنحو شرط النتيجة و إمّا بنحو شرط الفعل- بأن تؤدّي شركة التأمين العوض أو الخسارة حين تلف العين المؤمَّن عليها، فيكون بنحو شرط الفعل لا بنحو شرط النتيجة، فتندفع عديد من الإشكالات الواردة على شرط النتيجة- و إلى هذا الاحتمال يشير قول الماتن:

مسألة 28: يجوز تنزيل عقد التأمين- بشتّى أنواعه- منزلة الهبة المعوّضة،

فإنّ المؤمن له يهب مبلغاً معيّناً من المال في كلّ قسط إلى المؤمّن، و يشترط عليه ضمن العقد أنّه على تقدير حدوث حادثة معيّنة نصّ عليها في الاتّفاقيّة أن يقوم بتدارك الخسارة الناجمة له، و يجب على المؤمّن الوفاء بهذا الشرط، و على هذا فالتأمين بجميع أقسامه عقد صحيح شرعاً.

و قد يشكل أنّ عقد التأمين اخذ فيه احتمال الخسارة- احتمال دفع شركة التأمين للخسارة- و هو غير منضبط من ناحيتين: لا من ناحية درجات الخسارة التي تدفعها شركة التأمين، و لا من ناحية درجة احتمال وقوع الخسارة، أي لا من جهة الاحتمال‌

و لا من جهة المحتمل.

456

فيجاب: بأنّ هذا الغرر أو الجهالة يندفع بتحديد مورد التأمين بالدقّة، فالمحتمل منضبط و محدّد، لا سيّما أنّ علم التأمين علم قائم برأسه الآن في تحديد درجات الخسارة و مقادير الضرر و الربح، و هذا العلم يدرّس في الشركات المختصّة بالتأمين و الجامعات الأكاديميّة.

و أمّا الغرر من زاوية الاحتمال- لا المحتمل- فليس كلّ درجة احتمال هي غرر كما هو الحال في عقد ضمان العهدة و ضمان الفعل، فإنّ الضمان فيهما احتمالي، و ليس من المؤكّد أنّ الضامن سوف يبذل بسببه المال؛ لأنّه ضمان العين على تقدير التلف، و مع ذلك فإنّه لا يؤدّي إلى الغرر، فكذلك هاهنا. و كذلك الحال في المضاربة، حيث أنّ ربح العامل أو خسارته احتمالي، و إقدامه على الاحتمال، و كذلك في المزارعة و المساقاة؛ إذ قد لا تثمر و لا تحصد أصلًا، و مع ذلك لا تكون هذه الماهيّات غرريّة، مضافاً إلى أنّ أحد تخريجات عقد التأمين- كما سيأتي- هو ضمان العهدة أو ضمان الفعل.

مسألة 27: يعتبر في التأمين تعيين المؤمّن عليه و ما يحدث له من خطر،

كالغرق و الحرق و السرقة و المرض و الموت، و نحوها، و كذا يعتبر فيه تعيين قسط التأمين، و تعيين المدّة بداية و نهاية.

قوله (رحمه الله): «و كذا يعتبر فيه تعيين قسط التأمين» على تقدير تخريج التأمين من باب الهبة قد يستشكل في لزوم تعيين قسط التأمين؛ لأنّه في الهبة لا يشترط فيها معلوميّة المال لا من الواهب و لا من الموهوب له، فما وجه اعتبار تعيين المال و الأقساط؟

و ظاهر الماتن (رحمه الله) في كتاب الهبة عدم الاشتراط، إلّا أن يقال حيث أنّ قسط التأمين يرجع إلى نجوم من الأموال، أي إلى هبات متعدّدة اخرى تشترط في الهبة الاولى على الواهب كما يشترط على الموهوب له تعهّد الخسارة، فتعيين القسط هو تعيين للشرط الذي على الواهب و تعيين لمورد التأمين و لمورد الخسارة.

نعم، على الوجوه الاخرى في تخريج التأمين لا بدّ من هذا التعيين.