هيويات فقهية

- الشيخ محمد السند المزيد...
279 /
57

تامّاً رؤي قبل الزوال» (1)، و المتن كما في نسخة الاستبصار.

و وجه الاشارة أنه في آن تكون الهلال في غروب النقطة الثانية للشهر اللاحق يكون الوقت في النقطة الاولى: «أول مبدأ الرؤية للشهر السابق» أو النقاط الغربية منها قبل الزوال في تلك النقاط يكون الوقت أول الصباح كي يتمكن من رؤية كرة القمر على نسق رؤية كرة القمر في آخر الشهر أوائل الصباح.

معنى عدم نقصان شهر رمضان أبداً

و على هذا المعنى يمكن أن تحمل الروايات الآتية من عدم نقصان شهر رمضان منذ أن خلق اللّٰه السموات و الأرض و من نقصان شهر شعبان أو غيره اي على تماميته في نقطة مبدأ تكون الهلال و النقصان في شهر شعبان مثلا على وجود نقطة أخرى غير أول بلد الرؤية يكون فيها الشهر 29 دائما، و هذا غير الحمل الآخر المذكور في التهذيب و هو على الشهر الوسطى الجداولي الآتي توضيحه.

و هذا على القول المشهور واضح و أما على الآخر فكذلك عند القائلين به ما عدا السيد الخوئي (قدس سره) إذ هم قائلون باشتراك الحكم في النصف المظلم خاصة دون المستنير، و أما عند السيد الخوئي (قدس سره) القائل باشتراك المظلم مع نصف المستنير الذي هو ما قبل الزوال فكذلك أيضا يكون الشهر تاما في نقاط تقع شرقي نقطة مبدأ الرؤية.

و ذلك لانه في آن تكوّن الهلالى في الشهر اللاحق في نقطة ثانية يكون الوقت بعد الزوال دائما بلحاظ تلك النقاط الواقعة شرقي النقطة الاولى التي تقع على طرف غربي النقطة الثانية- بلد أول الرؤية في الشهر اللاحق- فهو في الشهر اللاحق عند ما يتكوّن في غروب النقطة الثانية التي على فاصلة 8 ساعات بطرف شرقي‌

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 4.

58

النقطة التي تكوّن فيها هلال الشهر الأول، يكون الوقت في النقاط الغربية للنقطة الثانية هو بعد الزوال.

فعند السيد الخوئي يكون الشهر تامّاً في تلك النقاط دائما و باستمرار.

نقصان الاشهر الهلالية دائماً

و أما نقصان الشهر فهو أيضا دائم في النقاط التي تقع شرقي بلد أول الرؤية بحيث لا تتفق معه في الافق على قول المشهور، حيث انها في الدور الأول للهلال و اليوم الأول تكون آخر البلاد التي يثبت لها الهلال، أي آخر البلاد التي يبدأ الشهر الهلالي فيها فيكون نهاية الدور الأول لعامة البلاد دور أول لها فاذا تم الدور الثلاثين فالناقص يكون هو بنفسه دور تسعة و عشرين لها.

و أما على قول غير المشهور فأيضاً لا بد من وقوع نقطة أخرى غير مبدأ الرؤية يكون الشهر فيها ناقصا 29 يوما، و يكون الشهر في نقطة مبدأ تكونه ثلاثين يوما تاما و في النقطة الاخرى الثانية ناقصا، و ذلك ببيان المثال الآتي:

لو تكون الهلال في نقطة ما كفلوريدا «امريكا» ليلة الجمعة فان كل البلاد المشتركة معها في الليل سوف يثبت لها الشهر على قول غير المشهور إلّا أن البلاد الخارجة عن النصف الليلي ككراتشي «باكستان» و داكا «بنغلادش» سوف يكون الهلال فيها متأخراً ليلة لاحقة و هي ليلة السبت، و بحسب ما قدمناه من دور القمر ثلاثين يوما إلّا ثلث يوم تقريبا يكون مبدأ تكونه في الشهر الثاني في نقطة شرقي النقطة الاولى على فاصلة 8 ساعات و هي تونس في المثال في ليلة الاحد، و يثبت الهلال ليلة الاحد أيضا لكل من كراتشي و داكا.

فعلى قول غير المشهور تكون كل نقطة كانت خارجة عن النصف الليلي لنقطة مبدأ الشهر الأول- أي خارجة عن النصف الليلي لنقطة مبدأ أي شهر أيضا- الشهر فيها ناقصا 29 يوما حيث أن في تلك النقاط الخارجة يتأخر ثبوت الشهر ليلة عن نقطة المبدأ و لكنه يشترك ليلا مع نقطة مبدأ الشهر الثاني أو أيّ شهر لاحق فتكون‌

59

تلك النقاط ناقصة الشهر دائما.

و أما على مسلك السيد الخوئي (قدس سره) القائل باشتراك ثلاثة أرباع الكرة في ثبوت الهلال فكل نقطة تبعد عن النقطة الاولى لمبدإ تكون الشهر على فاصلة 275 درجة طولية يكون الوقت فيها ما بعد الزوال، كطوكيو «اليابان» في المثال السابق، و يكون الحساب على ما مر.

عدم ثبات تمامية الشهر في نقطة

و ليعلم أن النقاط التي ينقص فيها الشهر و هي شرقي مبدأ الرؤية على قول المشهور كما مر، أو الخارجة عن النصف الليلي على قول غير المشهور، ليست بثابتة في بقعة أرضية معينة، كما تقدم أن النقاط التي يتم فيها الشهر الهلالي 30 يوماً ليس بثابتة أيضا في بقعة ما، و ذلك لما عرفت من تحرك و تقدم مبدأ التكون للهلال في الشهر اللاحق بفاصلة ثمان ساعات بجهة معاكسة من المغرب إلى المشرق لحركة الشمس، و هكذا في الشهر الثالث و هلم جرا.

و قد عرفت أيضا عدم عود المبدأ في الشهر الرابع إلى النقطة الاولى مبدأ الشهر الأول لوجود المقدار الكسري، و من ذلك يظهر وجه تعاقب الشهر التام و الناقص مع فاصلة مماثلة تارة و بدونها أخرى، و بامكانك استخراج اعداد الناقص و التام على البقعة الواحدة الارضية كما لا يخفى في مجموع السنة القمرية.

ان قلت: ما ذكرته لم صرح به في كلمات الهيويين و المنجمين، بل صرحوا بأن الحساب يقع على 29 يوما أو 30 يوما للشهر، مضافا إلى أن ما ذكرته تفاوت في مقدار الشهر الشخصي الواحد و كيف يتعقل ذلك رغم ما تقدم من الاعتبار الدوراني.

قلت: يكاد قولهم «بأن الشهر في الحقيقة 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة» يكون تصريحا بذلك إذ كون الشهر على رأس تمام 29 يوما أو على رأس تمام 30 يوما‌

60

غير واقعي لديهم، و ذكروا أنه من باب ضبط التقويم الشهري و الحساب.

هذا من جهة و من جهة أخرى مدار الشهر اللغوي العرفي و الشرعي على ما بين الهلالين و الرؤيتين و توفيقها على الدورات المزبورة للقمر يحصل ما تقدم من نقصان الشهر في نقطة و تماميته في نقطة أخرى على ما بيّناه مفصلا.

و أما استبعاد تفاوت المقدار للشهر الشخصي الواحد، فيقربه تفاوت الليل الشخصي الواحد بلحاظ النقاط المختلفة الارضية حيث أن الليل الواحد الغاشي على الكرة يكون في نقطة جنوبية طويلا حيث أن الفصل لديهم هو الشتاء و في نفس الليلة تلك الغاشية تكون قصيرة في نقطة شمالية حيث الفصل لديهم هو الصيف.

ثمّ ان ذلك لا يستلزم اختلاف الحساب في السنة القمرية في مجموع الايام لما ذكرنا من عدم ثبوت النقصان و التمام في نقطة واحدة بل على نحو التعاقب.

فاذا اتضح ما تقدم ظهر وجه النقض به على قول غير المشهور حيث أن الشهر الهلالي الواحد على كلا القولين لا محالة من تفاوته في العدد، و هذا يدلّ على أن الشهر و ان كان شخصيا في وجوده و دوره على النقاط الارضية إلّا أن مبدأه و منتهاه نسبي بلحاظ النقاط الارضية المختلفة و هذا لا ينسجم إلّا على قول المشهور حيث أنه يجمع بين شخصية الشهر و نسبية المبدأ و المنتهى بخلاف قول غير المشهور الذي يفرض شخصية الشهر و شخصية المبدأ و المنتهى أيضا، و سيأتي توضح هذا الفرق بين القولين في الجواب الحلي.

61

ثانياً: الجواب الحلي

للارض حركتان:

1- حركة وضعية.

2- حركة انتقالية.

الحركة الوضعية: هي حركة الأرض حول نفسها مرة واحدة خلال كل يوم الذي يستغرق 24 ساعة.

و الحركة الانتقالية: هي حركة الأرض حول الشمس دورة كاملة كل سنة.

و للقمر حركتان:

حركة حول نفسه: خلال كل شهر مرة واحدة أي أن نهاره خمسة عشر يوماً و ليله كذلك، و هي لا تؤثر في البحث نهائيا، و هي وليدة للحركة الثانية.

و حركة أخرى حول الأرض: تستغرق كل دورة كاملة شهراً قمرياً.

و مما لا غبار عليه و لا شك فيه أن هذه الحركات جميعا سواء للارض كانت أم للقمر كلها حركات شخصية واحدة لا تتعدد، و هذا من مسلمات علم الهيئة و يدعمه الدليل العقلي من أن حركة كل موجود حركة ذاته لا شي‌ء غيره.

و السؤال اذن اين التعدد و النسبية و الاعتبار في هذه الحركات؟

و قيل الاجابة على هذا السؤال لا بد من معرفة- و بشكل دقيق مضافا لما بسطناه في المقدمة- كيفية تكوّن الليل و النهار و الفرق بين الشهر القمري و الشهر الشمسي و السنة القمرية و السنة الشمسية.

62

تكوّن الليل و النهار

حيث أن الأرض تدور حول نفسها خلال كل يوم مرة واحدة، و هذا يعني أن الجزء المقابل للشمس يتعرض لأشعتها، و الجزء الآخر يكون مظلماً لعدم سقوط و تسلط اشعة الشمس عليه.

و بدوران الأرض حول نفسها يتعاقب الليل و النهار و تتسلط أشعة الشمس على كل بقاع الأرض خلال دورتها، فلا تمر 24 ساعة إلّا و كل بقاع الأرض تعرضت لأشعة الشمس.

ففي كل دقيقة على وجه الأرض هناك فجر و زوال و غروب و نصف ليل، و ذلك تبعا لدوران الأرض و تعرض بقاعها المختلفة لأشعة الشمس.

فاذا كان الامر كذلك فلا بد من فرض نقطة تكون هي بداية اليوم العالمي لجميع سكان الأرض حتى يمكن ضبط و حساب الساعات و الايام الشمسية، من هنا تبدأ و تنشأ فكرة النسبية في الحساب الشمسي.

فصحيح أن حركة الشمس الظاهرية أو دوران الأرض الواقعي حول نفسها و تعرض أجزائها لأشعة الشمس شخصية، إلّا أن النسبية و الاعتبار يكون في مبدأ هذه الحركة إذ هي في حالة تعاقب مستمر، فيا ترى من أين يُحسب مبدأ هذه الحركة و بداية اليوم الشمسي؟

هل من سطوع أشعتها على أرض اليابان أو الصين أو الشرق الاوسط أو مكان آخر، فلا بد كما قلنا في المقدمة سابقا- من فرض نقطة تكون هي مبدأ حركة الشمس الظاهرية و بداية اليوم الشمسي لكل ساكني الكرة الارضية.

فحينما تدور الأرض حول نفسها و تتعرض هذه النقطة لأشعة الشمس يبدأ اليوم الشمسي لساكني الأرض، إلى أن تكمل الأرض دورتها و تصل إلى نفس هذه النقطة فيبدأ اليوم الثاني الجديد و هكذا دواليك.

63

فيوم العيد يوم شخصي لا تعدد و لا اعتبار فيه، انما الاعتبار يكمن في مبدأ هذا اليوم من أين يحسب، فحينما تسطع أشعة الشمس على هذا المبدأ يبدأ العيد و ينتهي حينما تدور الأرض حول نفسها إلى أن تصل أشعة الشمس مرة ثانية إلى نفس هذا المبدأ.

فحركة الأرض حول نفسها أو دوران الشمس الظاهري دوران و حركة حقيقية شخصية لا تعدد و لا تبعض فيها، إلّا ان الاعتبار و التعدد و النسبية تنشأ من جهة بداية هذه الحركة.

فالنسبية ناشئة من مبدأ هذه الحركة لا من شي‌ء آخر.

تكوّن السنة الشمسية

و إذا تحركت الأرض حول الشمس دائرة فضائية كاملة تتحقق السنة، فحينما تبدأ الأرض حركتها من نقطة معينة إلى أن تصل إلى نفس هذه النقطة تكون الأرض قد تمت دورة واحدة حول الشمس و التي هي سنة شمسية، و يتزامن مع هذه الدورة دور الأرض حول نفسها 365 دورة تقريبا التي هي من عدد الايام الشمسية.

فحركة الأرض الانتقالية دورة فضائية شخصية لا تعدد و لا نسبية و لا اعتبار فيها، فهي شخصية بالدوران الواحد، إلّا أن الاعتبار و النسبية نشأت من فرض بداية هذه الحركة.

64

تكوّن الشهر القمري

و القمر أيضا كوكب يعكس نور الشمس على الأرض فهو من حيث حركته الفضائية أمر تكويني، و حركته حركة شخصية لا تقبل التعدد، إلّا أن سقوط نور القمر على الأرض أو عكسه نور الشمس على الأرض هو الذي يوجب و يشكل النسبية و الاعتبار.

فكما أن الأرض لها دورة فضائية واحدة تزامن أدوار الحركة الوضعية (365) للارض، كذلك أيضا القمر له دورة و حركة شخصية واحدة مولدة للشهر القمري تزامن أدوار الحركة الوضعية للارض (29 و نصف تقريبا).

65

فكما أن الدور الشمسي السنوي و الشهري يوازي و يقدر بالادوار الوضعية و يحسب مبدأهما معاً كي يحصل تطابق الشهر الواحد مع 30 دور وضعي للارض أو السنة الشمسية مع 365 دور وضعي أرضي، كذلك الشهر القمري يقدر و يوازى في أول سقوط أشعته (كمبدإ) بالدور الوضعي و يحسب الغروب مبدأهما معاً كي يحصل التطابق بين الشهر القمري الواحد و (29 و نصف تقريباً) دور وضعي أرضي.

فالقمر عند ما يبدأ في سقوط نوره على أول نقطة أرضية تكون أول بداية تكوّن الشهر القمري و أول ليلة قمرية كما هو الحال في سقوط أول أشعة الشمس على نقطة خط تغيير التاريخ.

الفرق بين الشهر القمري و الشمسي

إن كون خروج القمر أمراً تكوينياً شخصياً لكل الأرض لا شك فيه، و لكن لا للكل المجموعي للارض، بل بالنسبة لبلد الرؤية و ما اتحد معها في الافق، ثمّ يبدأ بدوران الأرض حول نفسها شيئاً فشيئاً يدور انعكاس نور القمر الهلالي على كل الأرض حتى يصل إلى أول موضع رؤي فيه.

و الفرق بين الشهر و الشمسي و القمري أن الشمسي أول بدئه حسب الاعتبار من بلاد المشرق أو خط التاريخ الدولي بشروق الشمس عليه، و أما الشهر القمري فبدأه من أول بلد يكون فيه قابل للرؤية أي وصول نور القمر المنعكس من الشمس إلى ذلك البلد، ثمّ يدور إلى أن يتم دخول الشهر الهلالي على كل الأرض كما في الشهر الشمسي.

و السر في ذلك: أن الشهر الشمسي كان منذ القدم- كما فصّل سابقاً يبدأ حسابه اعتباراً من بلاد المشرق، و قيدنا ب‍ «اعتبارا» لان تعاقب أصل الجزء المظلم و المنير لا يفرق فيه بين أرجاء الأرض و ان افترقا من حيث المقدار، فجعل بدأ اليوم الشمسي من بلاد المشرق فأيام الاسبوع و لياليها تقدير زمني ناتج من الحركة الشمسية الظاهرية لا من الحركة القمرية.

66

و أما الشهر القمري فمنذ القديم كانوا يجعلون بدأه من أول بلد يهل نور القمر فيه بعد خروجه من تحت المحاق و شعاع الشمس، و لذا سمي القمر حيث نوره الدقيق يصل إلى الأرض بحيث يرى «هلالًا» لانه يستهل به و اللغويون كادوا أن يتفقوا على هذا.

فجعل بدأ اليوم القمري من أول بلد يرى فيه غروباً (1) و جعل بدأ اليوم الشمسي من أول بلد تشرق الشمس عليه بعد اختفائها عن أجزاء المعمورة في المحيط الهادي لا سيما قبل أن تكتشف امريكا، بالغروب من بلاد المغرب العربي، و يبدأ شروقها عند حوالي اليابان و الصين.

فالمناسبة لبدأ كل من الشهر شروق كل من النيّرين على أول بلد.

و من هنا يظهر سر انتفاخ القمر في الليلة الاولى من الشهر الهلالي في بعض البلدان و طول مكثه بعد الشفق الغربي و كذا تطوقه و ارتفاعه عن الافق مع أنه يرى للمرة الاولى.

و وجه الظهور: أن البلد الذي يرى فيه الهلال بأحد هذه الاوصاف ليس أول بلد يرى فيه الهلال بل يكون من أواخر البلدان رؤية الهلال، أى انه قد دار من أول بلد رؤي فيه حتى وصل إلى هذا البلد و كاد أن يتم دورته الاولى، و بطبيعة الحال يكون القمر قد ابتعد أكثر عن الشمس فازداد المقدار المضي‌ء منه، بخلاف أول بلد رؤي فيه حيث كان أول خروجه من تحت الشعاع إلى بعد يكاد و يمكن أن يرى.

و من هنا وردت الروايات الكثيرة في رد الاعتبار بهذه الاوصاف للهلال في كشفه عن كون الليلة الماضية أول الشهر، و شددت على كون الصوم للرؤية و الفطر للرؤية.

____________

(1) خلافا لما تقدم مما حكاه العلامة المجلسي (قدس سره) في رسالته مفتتح الشهور، أن اليهود و بعض الاتراك و العديد من شعوب عالم اليوم جعلوا مبدأ الشهر القمري هو المحاق، إلا أن قاطبة المنجمين لم يستحسنوا ذلك و جعلوا مبدأه مبدأ الرؤية.

67

ففي صحيحة علي بن راشد قال: كتب إلى أبو الحسن (عليه السلام) كتاب و أرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، و ذلك في سنة اثنين و ثلاثين و مائتين و كان يوم الاربعاء يوم شك فصام أهل بغداد يوم الخميس و أخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس و لم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل، قال فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس و أن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الاربعاء، قال: فكتب إلى زادك اللّٰه توفيقا فقد صمت بصيامنا، قال: ثمّ لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به إليه فقال لي: أولم أكتب اليك انما صمت الخميس، و لا تصم إلّا للرؤية (1).

نعم هذه الاوصاف ان كانت بنحو خفيف نكون دالة على أن أول بلد هل فيه القمر هو من جهة مشرق بلد المكلف و سابق على هذا البلد، و من هنا لا اعتبار بها مطلقا سواء بالنحو الأول او الثاني. و العجب من من جعل تكون الهلال أمرا واقعيا وحدانيا لا يختلف فيه بلد عن بلد و صقع هن آخر بخلاف الزوال و الغروب و الفجر فانه نسبي.

فان أريد من وحدانيته هو دورانه على كل الاصقاع بحيث يرى دور شخصي واحد ليكون دخول الشهر الهلالي و اليوم الأول منه، فصحيح و تام، و لكن الدوران لا بد له من مبدأ و منتهى كما هو الحال في الشمس في مطلع الشهر الشمسي حيث بدورانها من البلاد الشرقية يحدث الفجر و الزوال و الغروب في الاصقاع و يتحقق دخول الشهر الشمسي و اليوم الأول منه.

فكما احتاج اليوم الشمسي الأول لمبدإ و منتهى في دوره فكذلك اليوم القمري، و كما يكون بدأ دوران الشمس من نقطة كبلاد المشرق هو بدء للشهر الشمسي من تلك النقطة فكذلك بدأ دوران الهلال من أول نقطة يرى فيها بدء للشهر الهلالي من تلك النقطة.

غاية الامر أن الشمس لثبات نسق إضاءتها و نمط حركتها الظاهرية كان نقطة‌

____________

(1) الوسائل: ابواب أحكام شهر رمضان باب 9 حديث 1.

68

بدء احداثها للشهر الشمسي بشوارقها ثابتة، بخلاف القمر حيث بدء الاضاءة متغير و الحركة على مدار مترقص حول الأرض كانت نقطة بدء احداثه للشهر غير ثابتة.

نعم هي- أي نقطة البدأة- باعتبار أول تكوّن الهلال بحيث يرى في أول نقطة من الأرض منضبطة، و هذا لا يستدعي أن نجعل القمر و تكونه هلالا وحدانياً دون الشمس و أن مطالعها نسبية، بل كما أن هناك جهة وحدانية في القمر و حركته و هي تكوّنه بحيث ينعكس من نور الشمس، فالشمس وحدانية من حيث انها جرم مشخص مضي‌ء له حركة شخصية ظاهرية.

و كما أن هناك نسبية في الشمس في الدور بدأ و انتهاءً بالنسبة إلى الاصقاع طلوعاً و زوالًا و غروباً، فكذلك الهلال فانّه يهلّ على صقع دون آخر ثمّ يدور من مبدأه إلى منتهى الدور فيطلع و يغرب و هلم جرا، و قد تقدم أن الهلال يطلق هذا الاسم على القمر في الحالة المعلومة لانه يستهّل به الناس.

و ان اريد من وحدانيته أن طلوعه في بلد دخول للشهر القمري لكل الاصقاع فهو وحداني الحدوث بمعنى الدفعة من دون تدرج في الدوران، فهذا لا يتم على قول غير المشهور، حيث انهم لا يلتزمون به في النصف المضي‌ء من الأرض بل يجعلونه من الشهر السابق و أما النصف المظلم فكله من الشهر الجديد.

فيا ترى إن كان تكوّن الهلال وحدانيا لكل الأرض فلم التفرقة بين النصفين و اشتراط دوران الهلال من النصف المظلم إلى النصف المضي‌ء ليدخل عليه حينئذ الشهر، فهلّا كان الامر التكويني الواحد من نسبة القمر إلى الشمس و تكوّنه هلالا واحداً للكل، فلم هاهنا لم يشكل الامر في تبعّض وحدته بين النصفين و أشكل في البلاد المختلفة الآفاق.

و منه يظهر أن وحدته تتم بالدوران دورة واحدة فلا تشتّت في النصف المظلم في البلاد المختلفة الآفاق، كما لم تشتت وحدته في دورانه على النصف الآخر.

69

حقيقة النزاع

فالنزاع اذاً ليس في وحدته و شخصيته ليتمسك بها القائل بعدم لزوم وحدة الافق، بل هو في مبدأ شروع الشهر القمري فهو- أي القائل بعدم الاشتراط- يجعله النصف المظلم ثمّ النصف الآخر و قد عرفت فساده، و القائل بلزوم اتحاد الافق في ثبوت الهلال يجعل مبدأ الشهر منه أفق أول الرؤية ثمّ يدور إلى أن يتم دخوله على كل الآفاق.

و لك أن تلزم القائل بكون تكوّن الهلال أمراً واقعياً وحدانياً لكل الكرة الارضية بان خسوف القمر كذلك أمر وحداني شخصيّ بالنسبة إلى كل نقاط الأرض حيث أنه من حيلولة الأرض بينه و بين الشمس، فإذا رئي الخسوف في بلد فتجب صلاة الخسوف و الآيات في كل البلدان، و كذلك بالنسبة إلى الكسوف لكونه امراً وحدانياً شخصياً ناشئاً من حيلولة القمر بين الشمس و الأرض مع أن القائل يجعلهما نسبيان، فيا ترى ما الفرق بينهما و بين الهلال.

70

فالسيد الخوئي (قدس سره) يصرّح بأنه ينبغي أن لا يقاس الحساب القمري على الحساب الشمسي لان الاخير نسبي.

و جوابه: ان بيانه (قدس سره) هو الذي فيه المقايسة بين ذلك، بخلاف بيان المشهور إذ هم فرزوا بين الحساب الشمسي و القمري، فنقضه على المشهور وارد على قول غير المشهور.

بيان ذلك: لو رؤي الهلال ليلة الثلاثاء في مصر مثلا و كان لتوه تكوّن و خرج عن تحت الشعاع بحيث يرى، فعلى قول غير المشهور تثبت بداية الشهر القمري الجديد لكل النصف المظلم، و بتعبير آخر تثبت لمصر الذي وقتها بداية الليل و تثبت للصين الذي مر على ليلها أكثر من ست ساعات تقريبا، و ذلك خوفاً من محذور التبعض.

و الحال أن في دعوى هذا المحذور مقايسة بين الحسابين، إذ هذا الليل الغاشي لنصف الكرة الارضية هل هو حساب شمسي أو قمري؟ لا شك أنه حساب شمسي و انها ليلة شمسية، فاذن لم هذا الربط بين الليلة الشمسية مع الحساب القمري.

ان قلت: تتبعض الليلة الشمسية.

قلت: تتبعض ما دام الحساب ليس حسابا شمسيا بل هو حساب قمري، و لا ربط له بالآخر، مع أن في دعوى تبعّض الليلة مغالطة، إذ الليلة للنقطة الواحدة لم تتبعض و أما الجزء المظلم الغاشي على الكرة فليس بليلة واحدة إذ ساعاته في النقاط مختلفة، نعم هو دور واحد و لكنه دور شمسي لا قمري.

فالقائلين بعدم اشتراط اتحاد الافق مزجوا بين الحساب القمري مع الدور الشمسي، لا أن المشهور هم الذين مزجوا بين الحسابين، كما ادعى ذلك السيد الخوئي (قدس سره).

فليس النزاع بين الفريقين في وحدة و شخصية الدور القمري و انما النزاع بالدقة و الحقيقة في المبدأ و ليس في وحدة الدور و شخصيته، فعصب البحث ليس في ذلك‌

71

و انما في نقطة و نسبة المبدأ، و إلّا فالقائلين بعدم الاشتراط عندهم نسبية و اعتبار و نقطة مبدأ أيضا، و هي ثبوت الهلال للنصف المظلم.

فالبحث حينئذ هو عن مبدأ الحساب القمري هل هو من بلد الرؤية و بداية الليل كما هو رأي المشهور، ام يثبت الهلال لكل النصف المظلم كما هو مختار غير المشهور؟

و التدبر في ذلك يجر إلى التدقيق في كيفية ضبط الحساب الشمسي و الحساب القمري.

ضبط و برمجة الحسابين

الشمس و القمر كما تقدّم مراراً جرمان نيّران اما بالذات كالشمس و أما بالعرض كالقمر، و سقوط نوراهما على نقاط الأرض المختلفة توجب النسبية و الاعتبار في الحساب.

و بما أن للارض حركتين وضعية و انتقالية، فلدينا زمانان زمان للحركة الانتقالية و زمان للحركة الوضعية، و ذلك لان لكل حركة زمان كما هو محقق في علمي الفلسفة و الرياضيات.

فمدار الحساب الشمسي على الحركة الانتقالية للارض و مدار الشهر القمري على الحركة الانتقالية للقمر.

و هاتان الحركتان متغايرتان عن الحركة الوضعية للارض، فما هو تأثير الحركة الوضعية للارض على الحساب الشمسي و القمري؟

و الاجابة: ان الحركة الوضعية للارض تضبط و تبرمج الزمنين، الزمن الشمسي الحاصل بحركة الأرض الانتقالية، و الزمن القمري الحاصل بحركة القمر الانتقالية.

فانتقال الأرض بمقدار 30 درجة في مدارها حول الشمس يتزامن مع حركة وضعية للارض حول نفسها بمقدار 30 دورة.

72

فهذا التزامن مع الحركة الوضعية هو الذي يضبط و يبرمج و يقسم الحركة الانتقالية للارض.

فالحركة الوضعية ليست هي حساباً للزمن الشمسي، و انما هي تقسيم و تقدير و ضبط للحساب الشمسي، إذ لو فرض انه ليس للارض حركة وضعية، و ان صنف الأرض مضي‌ء نصف السنة و الآخر مظلم كذلك، فمع هذا تحصل السنة كما هو الحال في القطب الشمالي و الجنوبي، إذ الليل يكون بمقدار ستة أشهر و كذلك حال النهار، و مع ذلك في هذين القطبين تحصل القاطنين فيهما السنة الشمسية باعتبار أنهم بامكانهم أن يميّزوا الشتاء و الربيع و بقية فصول السنة.

فالسنة الشمسية هي بطيّ الأرض مدارها حول الشمس، و الحركة الوضعية للارض تضبط هذه الحركة بتوسط الموازاة و المزامنة و المطابقة و المقابلة، لذا يبدأ اليوم الشمسي الجديد بمجرد سطوع الشمس على الخط التاريخ الدولي.

فالخلاصة: أن الحساب الشمسي يكون بحركة الأرض الانتقالية و ضبط هذا الحساب يكون بحركة الأرض الوضعية.

ضبط الحساب القمري

كذلك القمر حسابه بدوره 360 درجة أو أكثر حول الأرض، و تتزامن هذه الحركة الانتقالية للقمر مع حركة الأرض الوضعية، و هذه الحركة هي التي تضبط الحساب القمري أيضا، حيث تكون بداية الشهر القمري الجديد هو بداية الليل، و لذا لم يلتزم أحد أنه إذا رؤي الهلال في الغروب أنه يحكم بدخول الشهر الجديد قبل ذلك بخمس ساعات.

فوظيفة الحركة الوضعية للارض انها تضبط الحساب الشمسي و الحساب القمري، و ليست أشعة الشمس هي التي تحدث الحركة الوضعية، إذ لو تصورنا عدم اشعاع الشمس في فضائنا فان الأرض مع ذلك تدور حول نفسها كل 24 ساعة مرة‌

73

واحدة.

فصار جلياً و واضحا أن بداية الشهر القمري هو أول بلد يرى فيه الهلال، أما البلاد التي لم يرى فيها فليست من الشهر الجديد إلى أن يتحرك لها الهلال.

و يترتب على ما ذكرنا أن الشهر الهلالي لا يتفاوت بين البلدان المختلفة الافق في المقدار (1)، أي أن التفاوت في المبدأ موجود و لكنه لا يستدعي الاختلاف في مقدار عدد الشهر ففي بلد ثلاثين و في آخر تسعة و عشرين، بل عدد الشهر في كل البلدان سواء، و ان كان مبدأه في بلد في يوم السبت مثلا و في آخر يوم الاحد و ذلك لا يخل بشخصيته.

لان الهلال إلى أن يكون بدرا ثمّ يعود هلالا مرة أخرى ثمّ يدخل تحت الشعاع في كل منازله يزامن دوران الأرض الوضعي اليومي فيتم على التقريب دورة لها مع كل منزل، و هذا ما يشاهده الكل من الانتفاخ يسيرا حتى يكون بدراً ثمّ النقصان و المحاق.

و انما نشأ الاختلاف في يوم البدأة لان شروق الهلال ابتدأ من نقطة على الأرض دون أخرى، و اليوم الاسبوعي هو يوم شمسي كما لا يخفى فلا غرابة فيه، كما هو شأن ابتداء الشهر الشمسى.

و توهم أن القول بلزوم الاتحاد في الافق يستلزم تعدد مبدأ الشهر الهلالي إلى تفاوت ربما يصل إلى خمسة أيام مع كون البلدين المختلفين في الافق بينهما اختلاف أربع ساعات فقط.

فاسدٌ بالضرورة، و الظاهرة أنه لعدم الاحاطة خبرا بموضوع المسألة إذ قد‌

____________

(1) على ظاهر كلمات الهيويين و الفقهاء لا على ما نبّهنا عليه في الملاحظة الهامة المتقدمة في النقض السادس، و أما على ما ذكرناه فان نقص و تمام الشهر الواحد في النقاط التي سبق توضيحها لا بد منه على كلا القولين كما مر مفصلا لكن ذلك لا يخلّ بشخصية الدور و الادوار القمرية إذ هو من تفاوت مبدأ الدور لكن مع تفاوت المنتهى للادوار مضافا إلى ذلك.

74

عرفت أنه من المستحيل التفاوت بأكثر من أربع و عشرين ساعة بين مبدأ الشهر القمري و بين أي بلدين بينهما أيّ اختلاف في الساعات تفرض، حيث أن الهلال يتم دورته حول الأرض في هذا المقدار.

و دعوى: احتمال عدم الرؤية و لو دار.

موهونة: بأن الهلال كلما مضى عليه ساعات يزداد في البعد عن الشمس فيزداد تجليا و رؤية و مكثا فوق الافق، كما هو الحال عينا في البلاد التي تقع غربي بلد الرؤية و التي تقدم عدم النزاع في ثبوت الهلال لها و ان كانت مختلفة في الافق بالتأخر و لو لم تحصل الرؤية الفعلية فيها لمانع.

فكل نقاط الأرض بعد 24 ساعة تصبح بمنزلة البلاد الغربية لبلد الرؤية، حيث أن سائر النقاط تقع حينئذ غربي مدار بلد الرؤية بمقتضى دوران الأرض حول نفسها من المغرب إلى المشرق.

و ربما أورد أن الالتزام بالقول المزبور يؤدي إلى الاختلاف بين المسلمين و يكون مدعاة لتفرق الكلمة، و مذاق الشارع يأباه قطعا.

و فيه: أن الاختلاف حادت و لو على القول بعدم لزوم اتحاد الافق لان منشأ الاختلاف في ثبوت الهلال اسباب كثيرة أخرى بين البلاد الاسلامية بل بين البلد الواحد كما هو المشاهد عيانا.

مضافاً: إلى أن هذا الموضوع خارجي رتب الشارع عليه حكما و الاختلاف في بدء الصيام ليس اختلافا في الكلمة إذا كانت القلوب مجتمعة، كما هو الاختلاف في أوقات الصلاة فرب بلد فيه وقت صلاة الصبح و آخر الظهرين و ثالث المغربين، و رب بلد اتموا صيام يومهم بينما الآخر بدأ صيامهم.

و ربما يبقى لك استغراب و هو: أن النصف المظلم ليل واحد فكيف يكون بعضه من شهر و الآخر من شهر ثان؟

75

و يرفعه: ان الليل في النصف الكروي حادث من مواجهة الأرض الذي هو جرم مظلم للشمس الذي هو جرم نير فهو من احداث الشمس لا من القمر كي لا يختلف في الشهر القمري.

و مع ذلك لا يلزم تبعض الليل الواحد لبلد واحد على القول بلزوم الاتحاد، بخلاف القول الآخر، و ليس هذا النصف ليل واحد بل الظلمة بالنسبة إلى كل افق بلد هي ليل ذلك البلد، و لذلك يختلف في ساعاته بين النقاط.

و الدليل على نسبية الظلمة في تشكل الليل لكل افق افق هو أن البلاد المشرقية القصوى كاليابان مع البلاد المغربية القصوى كأمريكا و المحيط الهادي، يغشاهما ظلمة واحدة عند ما تكون البلاد الوسطى مواجهة للشمس و مع ذلك لا يكون الليل في الشرقية القصوى هو نفس الليل في الغربية القصوى، حيث أنه في الاولى ليوم جديد متقدم بيوم على يوم ليل الثانية.

توضيح ذلك: إذا كان الليل في اليابان ليلة السبت، يكون ليل أمريكا ليلة الجمعة، مع التأمل بأن الظلمة دائمة الدور بلا انعدام عن كل الكرة و ان انعدمت عن افق افق.

فيتضح أن الليل واحد في الافق الواحد لا في النصف المظلم.

فان قلت: و لكن مقدارا من النصف المظلم ليل ليوم واحد بين آفاقه، أي ما بعد الخط الفاصل بين الشرقية القصوى و الغربية القصوى الذي هو 180 درجة طول من خط جرينش.

قلت: نسلم ذلك و الغرض مما قدمناه بيان أنه محدث و متولد من اليوم الشمسي لا من القمر، و انما الشهر القمري يطابق نفسه مع اليوم الشمسي و لا يلزم التبعّض في الليل الشمسي في الافق الواحد و حينئذ يطابق ليل اليوم القمري نفسه عليه بالتمام بخلاف الحال على القول الآخر فالاستغراب فيه أشدّ حيث أنه يتبعّض الليل الواحد‌

76

لبلد وافق واحد كما مرّ.

بالاضافة إلى ما اشكل سابقا من تبعّض ليل يوم واحد في الآفاق المتعددة كما لو كانت الظلمة في امريكا ليلة الجمعة و في اليابان ليلة السبت فاذا رؤي الهلال في اليابان يثبت دخول الشهر فيه، و بتوسط هذه الرؤية يثبت لأمريكا على القول بعدم لزوم الاتحاد في الافق دخول الشهر و أوله الجمعة.

و منه يظهر أن اختلاف بدأ يوم الشهر القمري في البلدان على أية حال واقع و لا محذور فيه و انما المحذور في تبعّض الليلة الواحدة في الافق الواحد.

و لا بد لك من التنبه أن الدور القمري الذي هو 29 يوماً و 12 ساعة و 44 دقيقة ليس هو المعوّل في اعتبار الشهر القمري عرفا و شرعا لانه كما عرفت ما بين الهلالين و لذا ورد أن شهر رمضان كبقية الشهور القمرية يصيبه النقصان، و لو كان بالدور الحسابي لم يكن كذلك.

بل قد عرفت في «الملاحظة» المقدمة أنه على الدور الحسابي أيضا يلزم النقصان تارة و التمام أخرى، إلّا أنه مع ذلك المدار على الرؤية للهلال.

و إذا كان الشهر ما بين الهلالين و الهلال أمر نسبي بلحاظ امكان الرؤية في البلدان مع غض النظر عن الموانع كالسحاب و الرياح المظلمة و الجبال و نحوها، و وحداني بلحاظ شخص القمر مع كون النتيجة في انعكاس نوره إلى النقاط على الأرض هي نسبيته كما في الشمس كما مر فيعلم حينئذ أن ابتداءه هو بإهلاله في كل بلد بلد كما في ابتداء الشهر الشمسي، بابتداء شروقها في كل بلد بلد و إلّا فالشمس ذات حركة ظاهرية وحدانية.

77

المقام الثاني: الدليل النقلي

و أما الدليل النقلي الذي استدل به على عدم اشتراط وحدة الافق فهو طوائف من الروايات وعدة من الادلة.

الدليل الأول: اطلاق حجية الرؤية

كما في المنتهى للعلامة و المستند للنراقي و غيرهما.

و توجيه الدلالة على التقريبات و الاقوال الثلاثة الأُول هو: أن هذه الطائفة من الروايات لم تقيّد الرؤية برؤية المكلف نفسه في بلده، و لم تفصّل بين البلاد البعيدة التي هي مختلفة في الافق و بين البلاد القريبة المتحدة في الافق، و انما التزمت بالصيام بمطلق الرؤية، و الرؤية موضوع مطلق، و الروايات في مقام البيان فمقتضى ذلك شمولها لكل البلاد، و أن رؤية الهلال في بلد تكفي لثبوته في سائر البلاد التي تشترك معه في الليل.

و أما توجيه الدلالة على التقريب و القول الرابع فبالأخذ بالحجية و الحكم الظاهري ما دام الواقع محتملا، إذ لا يعلم أن الهلال لم يخرج في النقطة الشرقية السابقة المختلفة، و لا يعلم أن بلد الرؤية الفعلية هو أول بلد تكوّن فيه الهلال.

و يلاحظ على هذا الدليل على التوجيه الأول مجموعة من التأملات، و أما التوجيه الثاني فواضح الضعف، إذ مفاد الرؤية حكم واقعي و مؤداه وجود الهلال في بلد الرؤية لا الوجود المبهم القابل للانطباق على العديد من الآفاق.

78

التأمل الأول

ان كثيراً من روايات الرؤية ان لم نقل معظمها لا يوجد فيها اطلاق، و انما هي في مقام بيان و صدد التعرض إلى أن الرؤية حجة مقابل بقية الطرق، أي حصر الحجية فيها و نفيها عن بقية الطرق.

و قد حقق في محله أن الدليل إذا كان متعرضا لحجية شي‌ء ما في الجملة في مقابل أمور أخرى لا يمكن أن يستفاد منه التعرض لكل تفاصيل و حالات هذا الشي‌ء.

فمثلا قوله تعالى: «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا»، استشكل في جريان الاطلاق فيها، و ذلك لان الآية الكريمة في صدد التفريق بين البيع و الربا من حيث الحكم، ورد مغالطة اليهود القائلين بأن البيع مثل الربا، فلا تكون متكفلة لبيان حالات و شروط البيع حتى يمكن التمسك باطلاقها، و انما هي في مقام التفريق بين الماهيتين، ماهية البيع و ماهية الربا.

كذلك في المقام فان الروايات متكفلة لاثبات أن الرؤية حجة في مقابل بقية الاسباب و الطرق.

فلسانها التعرّض لحجية الرؤية، و نفي حجية بقية الطرق و الاسباب، كحساب المنجمين و العدد و ما أشبه ذلك.

فهذه الروايات في مقام التفرقة، و إذا كانت كذلك فليست في صدد ذكر تفاصيل و حال الموضوع الصحيح و انما في صدد نفي الاعتبار بالموضوعات الاخرى، أما أن الموضوع الصحيح ما هي شرائطه و حالاته فالروايات لا تتكفل ذلك، بل هناك طوائف عديدة أخرى فيها تفصيل لشرائط البيّنة و الرؤية.

و الروايات التي استدل بها في المقام هي:

79

الرواية الاولى

صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «أنه سئل عن الاهلة؟ فقال: هي أهلة الشهور، فاذا رأيت الهلال فصم و إذا رأيته فافطر» (1).

و الرواية واضحة في جعل و بيان أن الاهلة مواقيت لا غير، كما أن الخطاب موجه للمكلف نفسه فكيف يمكن التمسك باطلاقها؟!

الرواية الثانية

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، و إذا رأيتموه فافطروا، و ليس بالرأي و لا بالظني و لكن بالرؤية .... الحديث» (2).

و الرواية واضحة في صدد حجية الرؤية و التشدّد في نفي سائر الطرق، و التفريق بين الطريق الصحيح و غيره.

الرواية الثالثة

موثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال: «في كتاب علي (عليه السلام): صم لرؤيته و أفطر لرؤيته، و إياك و الشك و الظن، فان خفي عليكم فأتموا الشهر الأول ثلاثين» (3).

و الرواية أيضا في صدد بيان أن الاعتبار بالرؤية لا بغيرها.

الرواية الرابعة

معتبرة الفضيل بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال: «ليس على أهل القبلة إلّا الرؤية، و ليس على المسلمين إلّا الرؤية» (4).

و هذه الرواية كذلك في صدد بيان أن الرؤية هي الحجة و ما عداها فليس بمعتبر.

____________

(1) الوسائل أبواب أحكام شهر رمضان باب 3 حديث 1.

(2) الوسائل أبواب أحكام شهر رمضان باب 3 حديث 2.

(3) الوسائل ابواب احكام شهر رمضان باب 3 حديث 11.

(4) الوسائل أبواب احكام شهر رمضان باب 3 حديث 12.

80

الرواية الخامسة

رواية علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه و أنا بالمدينة، أسأله عن اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب: «صم للرؤية و أفطر للرؤية» (1).

فهذه الرواية في صدد حصر الصوم بالرؤية لا مطلق ترتيب الصوم على كل رؤية، و ليست في صدد التركيز على اطلاق الموضوع و انما في صدد حصر المحمول- وجوب الصوم- بهذا الموضوع و نفيه عن الموضوعات الاخرى.

و لسان بقية الروايات هكذا:

إذا رأيت الهلال فصم و إذا رأيته فافطر، صم للرؤية و أفطر للرؤية، لا تصم إلّا للرؤية، يصام للرؤية و يفطر للرؤية (2).

فالخلاصة: أن هذه الروايات في صدد حضر الطريق بالرؤية و نفي بقية الطرق التي يظن ثبوت الهلال بها و يشهد لذلك أسئلة الرواة و الاجابة عليها من قبل الائمة (عليهم السلام): «صم للرؤية و افطر للرؤية»، لا لبيان الرؤية كيف هي، فمفادها تقيّد المحمول بالرؤية و حصره بهذا الموضوع.

و القرينة على ذلك: أن في قولهم (عليهم السلام) «صم للرؤية» اللام للتعليل أي صم بسبب الرؤية، و هو يفيد الحصر إذ مقتضى التعليل تخصص الحكم بالعلة.

و قرينة أخرى: أن «صم للرؤية ...»، ليس في مقام جعل حجية الرؤية، لان الرؤية طريق حسي قطعي و لا معنى لجعل حجية القطع إذ الحجية في القطع ذاتية عقلائية، فالرؤية طريق تكويني محض غير مجعول، فقولهم (عليهم السلام): «صم للرؤية ...» ليس في صدد الجعل كي يقال أنه متكفل لافراد الموضوع.

و هذه القرينة يستخلص منها وجه ثاني للخدشة في الاطلاق إذ حيث لا جعل في اطلاقات الرؤية فليس مفادها غير الاناطة بالموضوع التكويني و نفي حجية‌

____________

(1) الوسائل أبواب احكام شهر رمضان باب 3 حديث 13.

(2) المصدر حديث 18 و 19 و 25 و 26.

81

الطرق الظنية، فلا بد من الرجوع إلى حد الموضوع التكويني و قد مر بسطه بما لا مزيد عليه فراجع.

التأمل الثاني

أن التمسك باطلاق الرؤية يلزم منه اغراء المكلفين لمدة أكثر من عشرة قرون.

إذ أنه من الدائم الغالب ثبوت هلال شهر رمضان في بلد ما و خفاؤه على البلدان و على النقاط الاخرى المتقدمة في الافق، إذ على قول غير المشهور يثبت بداية الشهر للنصف المظلم من الكرة الارضية، كما إذا رأي في المغرب العربي فانه يثبت للصين و افغانستان لانهما تشتركان مع المغرب العربي في ليل واحد، لكنه خفى ذلك على أهل تلك البلاد طيلة هذه القرون.

و بعبارة أخرى: في الاعصار السابقة حيث كانت وسائل النقل بدائية و السفر شاق جداً، فاذا ثبتت الرؤية في بلد كيف يمكن لأهالي بلد آخر يبتعد عن بلد الرؤية بمسافة ألف كيلومتر مثلا أن يستعملوا ذلك.

فقوله (عليه السلام): «صم للرؤية و افطر للرؤية»، ظاهر في الافق القريب القابل للنقل و الشياع أما الافق البعيد فلا يمكن اطلاع المخاطبين بها.

ان قلت: الثمرة تظهر في قضاء الصيام بعد استعلام رؤية الهلال في بلد آخر.

قلت: ان قولهم (عليهم السلام): «صم للرؤية و افطر للرؤية»، متكفل لبيان الجهة و الوظيفة الادائية، و أجنبي عن الوظيفة القضائية للمكلف، فهو بلحاظ الوظيفة الادائية و ليس متعرضا أصلا للوظيفة القضائية، فكيف لا يلتفت إليه طيلة عدة قرون مع انه مورد للابتلاء و خلال هذا التاريخ الطويل تقع الرؤية دائما في مكان دون آخر فلو كان الامر كذلك لنبّه عليه الشارع، و إلّا أوقعهم في عهدة القضاء دائما و أبدا.

نعم: لا ننكر أن الموضوعات لا شرعية بنحو القضايا الحقيقية، و لا ربط لها بالتحقق الخارجي، إلّا أن القضايا الحقيقية انما تقتنص من الادلة حتى يجري فيها‌

82

الاطلاق.

و هل يمكن أن يبقى مفاد الدليل لمدة أكثر من عشرة قرون لم يلتفت إليه المخاطبون ثمّ بعد ذلك يستكشف أن مفاد الخطاب أوسع، و يفهم منه غير ما فهمه المخاطبون، و يبقى اولئك بلا تنويه و تنبيه صريح، هذا بلا ريب مدعاة للانصراف و ان محل الرؤية في المقام هي الرؤية القريبة المتحدة في الافق لا البعيدة المختلفة في الافق.

صحيح أن المعنى تارة لا يتفطن المخاطبون لانطباقه على مصداق معين، و هذا لا غرابة فيه فلسنا من القائلين بتحجير الاحكام الشرعية و سجنها و تضيقها بحسب زمان دون أخر، بل هي كالشمس في الدوران و الانطباق على المصاديق ذات الوجودات المختلفة المتجددة العصرية و المستقبلية كالماضية.

إلّا أن المقام ليس في الانطباق و الصدق بل في نفس سعة و ضيق و تعين المدلول بنحو يوجب اختلاف ماهية الموضوع و ذات المعنى و الذي لم يتنبه له إلّا بعد أكثر من عشرة قرون.

إذ فرق بين عدم الالتفات إلى وجود مصداق أو مصاديق لطبيعة معينة طيلة عدة قرون، و بين ماهية معينة تتغيّر سعتها و طبيعتها في نفس مرحلة المدلول، بأن يكون لها جنس و فصل ثمّ بعد ذلك ينوجد لها فصل و قيد آخر.

و الأول لا مانع منه إذ ان المخاطبين فهموا الماهية و لكن لم يلتفتوا إلى مصاديقها أجمع، و لا غرابة في ذلك، أما النحو الثاني فبعيد.

فالترديد بين رؤية البلد او غيره المختلف في الافق ليس في صدق الطبيعي على المصداق، مع أنه في ذلك الزمان كانوا ملتفتين إلى أن الرؤية كما تحدث لهم تحدث لغيرهم.

فليس حال المصداق أنه لم يكن يلتفت إليه أو حدث بعد عدة قرون حتى يقال‌

83

أنه لا غرابة في ذلك، بل المصداق كان في السابق موجود و ملتفت إليه، لكن دائرة الدليل منصرفة عنه، إذ كانوا يرون أن قولهم (عليهم السلام): «صم للرؤية و افطر للرؤية» او ما شابهه ليس من قبيل صرف الوجود، بل هو عموم استغراقي استقلالي، أي رؤية كل بلد بلد، مع التفاتهم إلى أن الصين و المغرب كل منها له رؤية و اهلال مستقل، فهم ملتفتون إلى المصداق لكن المدلول كانوا يضيّقونه.

فما نحن فيه المدلول و الموضوع ضيق، لا أنه من الغفلة عن المصداق، ثمّ بعد ذلك يلتفت إليه، و فرق بين الامرين.

فهل يعقل تقيّد الرؤية عند المخاطبين ببلد الرؤية ثمّ بعد أكثر من عشرة قرون يفهم منها أنها عامة و مطلقة، لا شك أن هذا انصراف و تقيّد في فهم الخطاب عرفاً.

و المسألة كانت مطروحة في عصر التشريع، و قد مر في مستهل البحث ذكر أقوال العامة و ذكر أحد الروايات العامية الصريحة في أن هذه المسألة كانت موضع ابتلاء و سؤال.

التأمل الثالث

أن الدليل الذي يتعرض للحكم الظاهري لا يمكن أن يستكشف منه حيثيات و خصوصيات الحكم الواقعي، كما و أن الدليل المتكفل للحكومة الظاهرية- أي التوسعة في الموضوع احرازا و إثباتا- لا يتكفل الحكومة الواقعية- أي التوسعة في الموضوع واقعا و ثبوتا-.

فالعموم و الاطلاق إذا تكفل حكماً واقعياً لا يمكن أن يتكفل حكماً ظاهرياً، لان موضوع الحكم الواقعي هو وجوده الواقعي التكويني، بينما الحكم الظاهري هو الموضوع بقيد الشك، فبينهما طولية.

و لذلك اعترض على الآخوند (قدس سره) في قوله (عليه السلام): «كل شي‌ء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه»، حيث جعله متكفلا للحلّ الواقعي و الظاهري.

84

فقولهم (عليهم السلام): «صم للرؤية و افطر للرؤية»، حكم ظاهري و ان كانت الرؤية طريقيتها غير مجعولة عندنا كما تقدم، إذ كشف الخلاف و الخطأ ممكن كما في بقية موارد القطع، و فرق بين اناطة الحكم على الموضوع و اناطته بالطريق على الموضوع.

مع أن القائلين بعدم اشتراط الوحدة يلتزمون باطلاق الرؤية في النصف المظلم، دون النصف المضي‌ء، و مستندهم في التفصيل أن الموضوع الواقعي محدود بذلك، و أن الروايات في صدد جعل الحكم الظاهري و ليست ناظرة إلى الحكم الواقعي، و على هذا يجب الرجوع في حدود اطراف موضوع الحكم الواقعي إلى التحديد التكويني و العرفي و الهيوي و الذي تقدم تحريره في الدليل العقلي بعد عدم ورود تصرّف شرعي في حدوده.

فاذا كانت الروايات بصدد جعل أو الارشاد إلى الحكم الظاهري أو الامارة الظاهرية، فلا تعرض فيها لموضوع الحكم و الجعل الواقعي سيّما و أنه موضوع تكويني، و الروايات لم توسع في هذا الموضوع، و الحكومة الواقعية بحاجة إلى مئونة زائدة و صراحة لفظية جليّة و تعرض للموضوع بشكل واضح، حتى يمكن تضييق او توسعة موضوع الحكم الواقعي.

و الخلاصة: أنه لا يمكن أن يستفاد منها الحكومة الظاهرية و الواقعية معا.

التأمل الرابع

أن استفادة وحدة الحكم في الآفاق المختلفة هي مفاد التزامي للاطلاق، و لا حجية للمدلول الالتزامي إذا كان لبعض أفراد المطلق و العموم لا للطبيعة من حيث هي.

بيان ذلك: مثلا، الكر طاهر و معتصم، و هذا الحكم يشمل جميع أفراده، فاذا استهلك في فرد من أفراده ماء قليل متنجس، فلازم طهارة الكرة المستهلك فيه‌

85

القليل طهارة القليل المتنجس، كما استدل به في المستهلك لمطهرية الاستهلاك للماء القليل المتنجس.

لكن بقية أفراد الكر التي لم يستهلك فيها قليل متنجس ليس لها مدلول التزامي بتطهير القليل المتنجس.

فتطهير القليل بتوسط طهارة الكر مدلول التزامي ليس لكل افراد الكر و بتعبير آخر ليس للطبيعة و انما لبعض أفرادها، و المدلول الالتزامي انما يكون حجة ذا كان لأصل جعل الدليل و بمعنى آخر ملازم لكل افراد الدليل، اما إذا لم يكن لازم لأصل المدلول المطابقي بل لبعض أفراده فهو ليس بحجة لانه لا يعلم كون المتكلم في صدد بيان ذلك النمط من المدلول الالتزامي.

و ما نحن فيه كذلك، فالاطلاق يشمل البلاد المتحدة في الافق و المتقدمة و المتأخرة و المتقدمة في الافق و المتحدة ليست موضعا و محلًّا للخلاف، و انما الخلاف في البلاد المتأخرة افقا، فهو مدلول التزامي لخصوص الفرد الثالث فليس بحجة لنفس النكتة حينئذ.

التأمل الخامس

وجود روايات مقيدة للاطلاق المزبور بالرؤية ببلد الرائي أو المتحد معه في الافق القريب، و هي مضافا إلى كونها دليلًا مستقلًا للمشهور في المقام، صالحة لرفع اليد عن الدليل الأول لغير المشهور.

فمع التسليم بتمامية التمسك باطلاق روايات الرؤية في ثبوتها لكل الآفاق المشتركة ليلا مع بلد الرؤية، هي معارضة بمقيدات تمنع من التمسك بها، و إليك بعض الروايات:

الرواية الاولى

معتبرة أبي أيوب الخزاز عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قلت له: كم يجزي في رؤية‌

86

الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض اللّٰه فلا تؤدوا بالتظني. و ليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته، و يقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد راه مائة، و إذا رآه مائة رآه الف، و لا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، و إذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان من مصر» (1).

و هي دالة على أن البيّنة اذا كان من خارج المصر لا تقبل إلّا إذا كان في البلد علة، و هذا لا ينسجم إلّا مع لزوم وحدة الافق إذ لو كانت حجية البينة و الرؤية مطلقة و لا يشترط وحدة الافق فلما ذا لا يعتد بها مع عدم المانع و عدم العلة في البلد ما دام الافق مختلف و الرؤية فيه كافية و لو لم يرى في بلد المكلف، فهذه الصحيحة تقيد اطلاقات أدلة البيّنة و الرؤية و لو كانت روايات الرؤية و البيّنة مطلقة لكانت حجة مطلقا، مع العلة و عدمها.

الرواية الثانية

رواية حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، و انما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر و كان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه، و أخبرا عن قوم صاموا للرؤية و أفطروا للرؤية» (2).

و هذه الرواية كسابقتها في الدلالة.

الرواية الثالثة

الواردة في حصر استحباب صيام يوم الشك في الشك الناشئ من علة في سماء بلد المكلف.

معتبرة هارون بن خارجة عن الربيع بن ولاد عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا رأيت‌

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 11 حديث 10.

(2) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 11 حديث 13.

87

هلال شعبان فعد تسعة و عشرين يوما، فان صحت و لم تره فلا تصم و ان تغيمت فصم» (1).

و كذا معتبرته الاخرى قال (عليه السلام): «عد شعبان تسعة و عشرين يوما فإن كانت متغيمة فأصبح صائمان و ان كان مصحية و تبصرته و لم تر شيئا فأصبح مفطرا» (2).

فلو كان حكم الآفاق المختلفة في ثبوت الهلال واحداً لما كان معنى محصلًا لحصر منشأ الشك في ما يوجبه في أفق بلده الخاص، بل حسب احتمال الرؤية في كالآفاق و ان كان أفقه صحوا و بلا علة و لا غيم، و يجعل استحباب صوم يوم الشك لاجل تدارك احتمال ثبوت الهلال في الواقع بسبب الرؤية في الآفاق الاخرى و هذا تنادي الرواية بخلافه كما هو ظاهر.

فبناء على قول غير المشهور ان اشتراط بالشك في الرؤية لا يختص بالافق الواحد، بل مطلق يشمل الآفاق المختلفة، فصيام يوم الشك بحسب دائرة الوسيعة، بينما الروايات تفيد أن دائرة الشك مقيدة بالافق الخاص ببلد المكلف.

الرواية الرابعة

صحيحة معمر بن خلاد- و ان كان في طريق الشيخ ابن ابي الجيد بعد كونه من مشايخ النجاشي الذي نص على توثيقهم- عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائما فأتوه بمائدة فقال: ادن و كان ذلك بعد العصر قلت له: جعلت فداك صمت اليوم فقال: و لم؟! قلت: جاء عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) في اليوم الذي يشك فيه أنه قال: يوم وفق اللّٰه له، قال: أ ليس تدرون انما ذلك إذا كان لا يعلم أ هو من شعبان أم من هو شهر رمضان فصامه الرجل و كان من شهر رمضان كان يوما وفق اللّٰه له، فاما و ليس علة و لا شبهة فلا، فقلت: أفطر الآن؟

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 16 حديث 2.

(2) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 16 حديث 4.

88

فقال: لا، قلت: و كذلك في النوافل ليس أن أفطر بعد الظهر؟ قال: نعم» (1)، و غيرها كثير من الروايات الآتية في الادلة على قول المشهور.

فيوجد في هذه الروايات لسانان في تقييد الاطلاق:

الأول: لسان صريح في اشتراط العلة في قبول البيّنة من خارج المصر.

الثاني: لسان صريح في اشتراط العلة في استحباب صوم يوم الشك.

و كلاهما لا ينسحم إلّا مع نسبية مبدأ الشهر و لزوم الاعتداد بأفق البلد، فإطلاق الرؤية مقيدة بالافق الخاص الواحد.

الدليل الثاني: و هو التمسك باطلاق حجية البيّنة

و هذا الدليل مختص بالتقريب و القول الرابع تمسك به النراقي في ظاهر كلامه المتقدم، ببيان أن العمل بحجية الطريق لازم و الحكم الظاهري متبع ما دام الواقع محتمل، حيث أن قيام البيّنة على الرؤية الفعلية في البلد لا يدل على كونه أول بلد الرؤية و أن الهلال لم يخرج في الآفاق السابقة المختلفة، فما دام الاحتمال موجود يتبع اطلاق دليل الحجية.

و فيه: ان مفاد و مؤدى البنية قيام الرؤية في بلد معين، و مفاد الرؤية- كما تقدم في جواب الدليل الأول- هو وجود الهلال في أفق ذلك البلد لا الوجود المبهم القابل للانطباق على جميع الآفاق، فليس في المؤدى الظاهري اطلاق كي يتبع و يعمل به ما دام لم يعلم بخلاف الواقع.

الدليل الثالث: اطلاق موضوع أدلة القضاء

ذكره العلامة في المنتهى و النراقي في المستند و غيرهما.

و الروايات التي تمسك بها في المقام هي:

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 166 رقم الحديث 45 من أحاديث الباب.

89

الرواية الاولى

صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال في من صام تسعة و عشرين قال: «ان كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما» (1).

بتقريب: أن الصحيحة باطلاقها في عنوان المصر تدلنا بوضوح على أن الشهر إذا كان ثلاثين يوما في مصر ما كان كذلك في بقية الامصار بدون فرق بين كون هذه الامصار متفقة في آفاقها أو مختلفة إذ لو كان المراد من كلمة مصر فيها المصر المعهود المتفق مع بلد السائل لكان على الامام (عليه السلام) أن يبيّن ذلك، فعدم بيانه مع كونه (عليه السلام) في مقام البيان كاشف عن الاطلاق (2).

الرواية الثانية

صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن هلال شهر رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان قال: «لا تصم إلّا أن تراه، فان شهد أهل بلد آخر فاقضه» (3).

إذ دلت هذه الصحيحة على كفاية الرؤية في بلد آخر سواء اتحد أفقه مع البلد ام اختلف بمقتضى الاطلاق.

الرواية الثالثة

معتبرة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان فقال: «لا تصمه إلّا أن تراه، فان شهد أهل بلد أخر أنهم رأوه فاقضه» (4).

و هي في الدلالة كالسابقة.

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 5 حديث 13.

(2) منهاج الصالحين ج 1 ص 281.

(3) الوسائل أبواب أحكام شهر رمضان باب 3 حديث 9.

(4) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 3.

90

الرواية الرابعة

صحيحة ابي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، فقال: «لا تقضه إلّا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر و قال: لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلّا أن يقضي أهل الامصار فان فعلوا فصمه» (1).

و هذه الصحيحة أوضح الروايات و الشاهد فيها جملتان:

الاولى: قوله (عليه السلام): «لا تقضه إلّا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة»، فإنّه يدلّ بوضوح على أن رأس الشهر القمري واحد بالاضافة إلى جميع أهل الصلاة على اختلاف آفاق بلدانهم و لا يتعدد بتعددها، بل هو تنصيص على استواء الحكم بشهادتهما من البلد القريب أو البعيد كما ذكره العلامة.

الثانية: قوله (عليه السلام): «لا تصم ذلك اليوم إلّا ان يقضي أهل الامصار»، فانه كسابقه واضح الدلالة على أن الشهر القمري لا يختلف باختلاف الامصار في آفاقها فيكون واحداً بالاضافة إلى جميع أهل البقاع و الامصار.

و ان شئت فقل: ان هذه الجملة تدل على أن رؤية الهلال في مصر كافية لثبوته في بقية الامصار من دون فرق في ذلك بين اتفاقها معه في الافق او اختلافها فيها فيكون مردّه إلى أن الحكم المترتب على ثبوت الهلال حكم تمام أهل الأرض لا لبقعة خاصة.

هذه جملة من روايات القضاء التي ينتصر بها لقول غير المشهور،

و يلاحظ على استدلالهم عدة أمور:

الأمر الأول

ان هذه الروايات بعد التدبر فيها لا ربط لها بالمدّعى، بل هي تركز على نكتتين،

____________

(1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 12 حديث 1.

91

و هما اللتان أغرتا أن ظاهرها في صدد بيان وحدة الافق.

النكتة الاولى: اتحاد عدد الشهر بين سائر البلدان حتى المختلفة الآفاق، و وحدة العدد ليس له ملازمة مع وحدة آن مبدأ و منتهى الشهر، إذ يمكن فرضهما متقدمين في نقطة و متأخرين في أخرى فيتساوى العدد، فلعل المبدأ و المنتهى مختلف و العدد واحد، فصرف وحدة العدد لا تدل على وحدة المبدأ أو المنتهى.

و بيان ذلك بسطناه في الدليل العقلي إذ قلنا: إذا تحرك القمر من المحاق و خرج من تحت الشعاع و بدأ يرسل أشعته على نقاط الأرض يدور بعد ذلك حول الأرض خلال 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة، و هذا الدور لا يمكن أن يختلف في الامصار المختلفة، فهي متحدة العدد دائماً، و يمكن تصور ذلك على مبنى المشهور و غير المشهور.

بل الصحيح أن يترقى و يقال أنه على مسلك غير المشهور يلزم عدم اتحاد العدد في البلدان المختلفة فهذه الروايات يمكن أن تعدّ دليلًا لقول المشهور و هي على مدعى المشهور أدل.

و قد مر في الدليل العقلي تفصيل ذلك بالدقة في النقض الرابع و الخامس و السادس فراجع، و بيّنّا أن الشهر لو بنينا على ظاهر عبارات الهيويين و غيرهم من تساوي العدد في النقاط الارضية المختلفة فذلك يتم على قول المشهور أيضا، غاية الامر أن النقطة ذات المبدأ المتقدم منتهى الشهر فيها أيضا متقدم، و النقطة ذات المبدأ المتأخر فالمنتهى فيها متأخر أيضا.

و أما على ما بنينا من مقتضى و لازم قاعدة دور القمر 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة، فعلى كلا القولين يلزم تمامية الشهر يلزم تمامية الشهر في البقعة و النقطة التي تكوّن فيها و نقصانه في النقطة التي يتكوّن فيها في الشهر اللاحق كما تقدم مفصلًا هناك، و حينئذ لا بد من حمل روايات القضاء المزبورة على البلدان المتقاربة، و إلّا‌

92

لتم الشهر في كل شهور السنة و توالت الشهور التامة.

فاذا تعيّن حملها على المتقاربة الافق كانت دليلًا على الاعتبار باختلاف الافق وفق قول المشهور، كما تقدم أيضا عدم تعاقب نقاط النقص و التمام على بقعة واحدة لاختلاف نقاط مبدأ التكوّن في الشهور.

النكتة الثانية: أن ثبوت الهلال موضوع يتأتى فيه الاختلاف و التشاجر و الوسوسة، في هذه الازمان و كذا في السابق أيضا، فالروايات في المقام تغلّظ في شرطية عدم الريبة في البيّنة العادلة كالتعبير: «إذا رآه واحد رآه مائة و إذا رآه مائة فقد رآه ألف».

و القرينة على ذلك الروايات العديدة التي تشدد في التثبّت في الرؤية و نفي الشك و ان تكون بشكل قطعي حسي لا أنها في صدد إطلاق الرؤية و القضاء.

و هذه النكتة هي التي تركز عليها صحيحة أبي بصير، فقوله (عليه السلام): «عدلان من جميع أهل الصلاة»، فيه احتمالان:

الاحتمال الأول: أن عدالتهما ثابتة من جميع أهل الصلاة فلا يثبت الهلال بشهادة الرجلين النكرتين و هذا نوع من التشدّد في التثبّت و التروّي للحكم بثبوت الهلال، فليس الاطلاق في بلد الرائي و نفس الرائي.

الاحتمال الثاني: أن قوله (عليه السلام): «من جميع أهل الصلاة»، ليس قيداً ل‍ «عدلان» و انما هو قيد ل‍ «شاهدان»، مع أن الظاهر من اللفظة ليس كذلك، لكن لو تنزلنا فمع ذلك لا تدل الرواية على المدعى.

توضيح ذلك: أنه إذا ثبت الهلال عند جميع أهل الصلاة، فان هذا يشمل الامصار المتحدة و المختلفة، و ذلك لانهم من أهل الصلاة فهذا ليس مورداً للنزاع.

إذ كلمة «جميع» الواردة في الرواية هل هي بمعنى «كل» التي هي للشمول الاستغراقي و المجموعي، او هي بمعنى «أيّ» التي هي للشمول البدلي و صرف‌

93

الوجود؟

فان كان الأول فلا يكون شاهداً لغير المشهور، و ذلك لان الكلي المجموعي من أهل الصلاة معناه ثبوت الهلال عند كل أهل الصلاة، بما فيهم المتحدي و المختلفي الافق، كأن يثبت الهلال في الصين و ما بعدها غير بلد المكلف في الخليج مثلا لمانع ما، فثبوته لكل أهل الصلاة في جميع الآفاق جزم و قطع بثبوته لبلد المكلف، كأن شهد من الصين عدلان و من الهند و من أمريكا ... الخ.

و ان كان الثاني فهو شاهد لغير المشهور، و معناه إلّا أن يشهد عدلان من أيّ أهل الصلاة.

و الظاهر أن «جميع» الواردة في الرواية بمعنى «كل» و ان كانت تستعمل بمعنى «أيّ» لكنها هنا متعينة للشمول الاستغراقي، و القرينة على ذلك أن الرواية في صدد التأكيد و الحث على التثبت في المقام.

و القرينة الاخرى على ذلك موثقة سماعة حيث أن لسانها متعرض لنفس البحث و السؤال و هي تصرح و تركز على التثبت في تثبيت الهلال، قال: أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن شهر رمضان يختلف فيه؟ قال: «إذا اجتمع أهل مصر للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة انسان» (1).

فالرواية لا تتعرض لإطلاق المصر و انما تتعرض لنكتة التثبت و التشدد في قبول الشهادة، فهي تركز على جهة الاتقان في شرائط الشهادة.

و الرواية إذا كانت في صدد شي‌ء معين، لا يحرز أنها في صدد جهات أخرى، و غير المشهور استفاد من كلمة «جميع» معنى «أيّ» ببركة مقدمات الاطلاق، و أحد مقدمات الاطلاق أن يكون المخاطب في صدد بيان العموم البدلي من جهة الامصار، و الحال أن الرواية كما هو واضح ليست في هذا الصدد.

____________

(1) الوسائل أبواب احكام شهر رمضان باب 12 حديث 6.

94

و قوله (عليه السلام): «من جميع أهل الصلاة»، ظاهر ابتداءً و بالرؤية في الشمول الاستغراقي لا البدلي، و قوله (عليه السلام) في الرواية: «إلّا أن يقضي أهل الامصار، فان فعلوا فصمه»، قرينة على أن «جميع» بمعنى «كل» أي للشمول الاستغراقي.

و أما صحيحة هشام بن الحكم و غيرها من الروايات في المقام، فهي لسيت صريحة في المبدأ و المنتهى، و انما هي صريحة في بيان الاتحاد في العدد بين الآفاق، و قد تقدم تصوره على كلا القولين على مبنى وحدة عدة الشهر في كل النقاط، و أما على مبنى اختلاف العدة بين النقاط في كل شهر كما هو التحقق فتحمل الرواية على المتقاربة كما تقدم مفصلا في النقض السادس في الدليل العقلي.

الأمر الثاني

أن ارتكاب التقييد مشترك على كلا القولين إذ غير المشهور يقيّد هذه الروايات بالنصف المظلم فقط، فهو تقييد في المبدأ، و إذا ارتكب التقييد فيمكن للمشهور أيضا ارتكاب التقييد، فارتكاب التقييد مشترك على كل القولين.

الأمر الثالث

مجي‌ء التأمل الذي أوردناه على الدليل الأول لغير المشهور، و هو أن الدليل الذي يتعرض لحكم ظاهري لا يمكن أن يستكشف و يستفاد منه حيثيات و خصوصيات الحكم الواقعي.

الأمر الرابع

ان استفادة وحدة حكم الآفاق مدلول التزامي لبعض أفراد المطلق فهو ليس بحجة كما مرّ في التأمل على الدليل الأول.

بيان ذلك زيادة على السابق: ان الاطلاق في المقام يشمل ثلاثة موارد و اقسام من الآفاق و هي:

1- الافق المتحد.

95

2- الافق المتقدم.

3- الافق المتأخر.

و ثبوت الهلال في القسمين الاولين كاشف عن تكون الهلال في بلد المكلف، و كذا بعض حالات القسم الثالث، و ذلك فيما إذا مكث الهلال في الافق المتأخر بمقدار يزيد كثيرا عن مقدار اختلاف الافق بين بلد الافق المتأخر و بين أفق بلد المكلف.

بخلاف بعض الحالات الاخرى للقسم الثالث، و هو فيما إذا مكث في البلد المتأخر بمقدار يقلّ عن مقدار اختلاف الافق، فان ثبوته في هذه الحالة حيث انه غير كاشف عن تكوّنه في بلد المكلف فلا محال يتوقف الحكم يبدأ الشهر الهلالي في المورد الثالث في هذه الحالة على مدلول التزامي مقدّر بدلالة الاقتضاء و هو أن صرف الرؤية و التكوّن في نقطة ما كاف في دخول الشهر في نقطة أخرى لبلد المكلف و ان لم يتكوّن الهلال فيه للرؤية.

فوضح من كل ذلك أن الاطلاق في الرواية شموله للموردين الاولين و بعض حالات المورد الثالث لا يستلزم المدلول الالتزامي المزبور- و هو اشتراك الآفاق المختلفة في الحكم- و انما يستلزمه لبعض حالات الفرد الثالث.

فالمدلول الالتزامي ليس لأصل الدليل و لا لأصل الطبيعة لكل أفرادها بل هو لشمول الاطلاق لبعض حالات الفرد الثالث، مع أنه لا يكون شمول الاطلاق لبعض حالات الفرد الثالث حجة حيث أنه متوقف على ثبوت المدلول الالتزامي و المفروض أن المدلول الالتزامي أيضاً متوقف على شمول الاطلاق للفرد الثالث فيلزم الدور فلا يكون الاطلاق بحجة في الفرد الثالث ذي الحالة المزبورة.

و هذا ما يعبر عنه في الاصول أن شمول الاطلاق لمثل هذا الفرد في مثل هذه الحالة دوريّ.

96

الامر الخامس

ان استفادة قول غير المشهور محتاج إلى مئونة لم تتحملها روايات القضاء.

بيان ذلك: انه اتضح من الدليل العقلي أن المقياس في بدأ الشهر القمري هو أول الليل، لكن على قول غير المشهور قد تكون بداية الشهر من نصف الليل او ربعه.

و إذا كانت الماهية المرتكزة للشهر القمري عند العرف هو بالبدء من بلد الرؤية من أول الليل، فهل يمكن أن نستفيد من اطلاق الدليل ماهية غير ما هي متقررة عند العرف.

و بتعبير آخر: لا يمكن أن تكون الاطلاقات لبعض الافراد رادعة عن المعنى المرتكز في الاذهان، و لا تقوى على التصرف في موضوع تكويني واضح ثابت، بل يحتاج إلى دليل مستقل و صريح، و روايات المقام لا يمكن تحميلها ذلك عن طريق التمسك باطلاقها، و هذا الاشكال بعينه يرد على التمسك باطلاقات الرؤية و البينة المتقدمة في الدليل الأول.

و هذا نظير ما ذكروه في بحث الردع عن الظن بالعمومات، من أن الردع عن كل افراده لا يقوى على الشمول لخبر الواحد، إذ السيرة الموجودة في العمل بخبر الواحدة متجذرة فلا يكفي هذا الاطلاق في ردعها.

ان قلت: ان هذا الاشكال وارد على المشهور أيضا حيث يلزم لكل بلد مبدأ و رؤية فاليابان مثلا لها ميقات و غيرها لها ميقات آخر كذلك و هلم جرا، و تعدد دخول الشهر غريب على الافهام العرفية.

و هذا بخلافه على غير المشهور إذ أنه إذا رؤي الهلال في غرب نقطة متأخرة الافق فهو علامة و كاشف عن أن بداية الشهر في اليابان كان من بداية الليل أيضا.

و الجواب: أنه لا يلتزم أحد من القائلين بذلك، لان الشهر لم يتكوّن بعد أي في آن غروب النقطة المتقدمة كاليابان و لم يخرج القمر من تحت الشعاع، فبداية الليل‌

97

تكون من الشهر القديم لا محال على قول غير المشهور، فيلزم تبعض الليل و أما الغرابة المزبورة فتدفع بالالتفات إلى الطلوع و الزوال و الغروب لليوم الشمسي الذي هو متعددة في البدأة و الانتهاء أيضا.

الامر السادس

و هو عدل و متمم للإشكال الأول المتقدم و هو:

أن هذه الروايات متعرضة بصراحة إلى اتحاد عدد أيام الشهور في الآفاق المختلفة، و لنكتة أخرى مر تفصيل الكلام فيها و هي التثبت و التشدد في مسألة تثبيت الهلال و الشاهد على هذا وجود مجموعة من الروايات مر ذكرها، فليست هذه الروايات في صدد بيان اطلاق الآفاق، و معه لا يمكن جريان مقدمات الاطلاق في ثبوت الهلال لكل الامصار.

ان قلت: ما هو المانع من ان تكون هذه الروايات في صدد التثبت و اطلاق المصر من جهة أخرى في نفس المدلول المطابقي الواحد، لا أن يكون التعدد بنحو المدلول المطابقي و الالتزامي كي يشكل عليه بما تقدم.

قلت: ان ذلك يستلزم استعمال القضية الواحدة في معنيين و هو غير جائز عند الاكثر، و ان كان جائزا و واقعا عندنا إلّا انه محتاج إلى قرينة كما في باب الالغاز و الكنايات و التلويحات و التعريضات المتعددة.

و بعبارة أخرى: إذا كانت القضية المنطوقة و الدليل في صدد جهة معينة و هي المحمول المعيّن فلا يكون متعرضا لجهة أخرى و لمعنى استعمالي آخر للفظة المحمول.

نعم قد يؤتى في دليل واحد بعدة محمولات لموضوع واحد بقوة قضايا متعددة و هو غير ما نحن فيه، و أما ما يذكر من تعرض الدليل الدال على ثبوت المسبب و امضائه كما في العقود و المعاملات لإمضاء كل الاسباب التي يتوقف عليها ذلك‌

98

المسبب فهو من باب الدلالة الالتزامية لا تعدد المعنى المستعمل في المنطوق‌

الامر السابع

لازم التمسك باطلاقات القضاء العمل بالروايات الواردة بأن شهر رمضان لا ينقص أبدا عن 30 يوما منذ أن خلق اللّٰه الشهور (1)، و الحال أنها معرض عنها و مطروحة من قبل المشهور من الفقهاء و من ضمنهم القائلين بعدم الاشتراط.

بيان ذلك: أنه قد تقدم في الدليل العقلي ... أن في كل شهر هلالي لا بد من تمامه ثلاثين يوما في النقطة التي بدأ تكوّنه فيها- أي أول بلد رؤي فيها الهلال- فحينئذ نكون على علم حسي فضلا عن الحدسي بأن أول بلد تكون فيه الهلال شهره تام ثلاثون يوما فبضم كبرى اطلاقات القضاء يجب أن نعتد بتمام شهر رمضان في كل سنة.

و الدليل على ذلك: أنه بالبرهان الهيوي و الرصد الفلكي الذي لا ينتابه ريب أن دوران القمر حول الأرض من أي نقطة إلى أن يعود لنفس النقطة يستغرق في دورته 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة أي ثلاثين يوما إلّا قليلا.

فاذا رصدنا أول بلد رؤي فيه الهلال و لنفترض أمريكا مثلا، فبعد أن يدور القمر حول الأرض 30 دورة إلّا ثلث تقريبا بدءاً في حساب الدورات من أمريكا فان هذا معناه أن هلال الشهر اللاحق لن يرى في الليلة التسعة و العشرين من ليالي امريكا و انما سوف يرى ليلة الثلاثين فيتم الشهر لديهم.

ان قلت: ان هذا الاشكال وارد بعينه على المشهور حيث أن تمامية الشهر في نقطة من النقاط الارضية لدى المشهور أيضا تستلزم تماميته في بقية النقاط فيجب عليهم القضاء لعدم اختلاف الشهر الهلالي الواحد في العدد بين نقاط الكرة الارضية.

____________

(1) سيأتي تنبيه مستقل في بيان هذه المسألة و التوجيه الصحيح لهذه الروايات.

99

قلت: بعد ما تقدم مفصلا في الملاحظة الهامة في الدليل العقلي من أن اختلاف النقاط الارضية في مبدأ الشهر و منتهاه- و ان كان الشهر في دوره وجود شخصي- مع كون مجموع الادوار كسري لا بد منه، سواء كان المبدأ و المنتهى بلحاظ الرؤية الحسية او بحساب الدور الحسابي الاقتراني أي النقطة الفضائية التي يبدأ الهلال في التكون فيها على فاصل أربع درجات عند خروجه من تحت الشعاع.

و حينئذ لا محال يتم الشهر في نقاط يستوفي فيها الدور أكثر من تسعة و عشرين يوما كما في نقطة أول بلد الرؤية، و ينقص في نقاط أخرى- أي يكون عدده 29 يوما- في النقاط التي لا يستوفي فيها الدور أكثر من تسعة و عشرين دورة، و هذا سواء على كلا القولين، و ان شئت التفصيل فراجع الملاحظة في الدليل العقلي.

بعد كل ذلك لا محالة تحمل أدلة القضاء- على مسلك المشهور- على الآفاق المتحدة و المتقاربة في الافق لا الآفاق المتباعدة و المختلفة، حيث أن ما تقدم بنفسه قرينة على ذلك، بعد عدم ذهاب المشهور إلى اتحاد الآفاق المختلفة في الحكم و هذا بخلاف القول الآخر.

و يؤيد بل يدل على هذا الحمل رواية حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام):

«لا تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر و كان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه و أخبرا عن قوم صاموا للرؤية و أفطروا للرؤية» (1).

حيث أن مؤدى البينة كما هو واضح مبدأ و منتهى الشهر في بلد آخر أي عدة الشهر فيه، لكن اشترط في ذلك وجود العلة في افق بلد المكلف لحجية البيّنة المزبورة و هو لا ينسجم إلّا مع لزوم وحدة الافق إذ مع وحدة حكم الآفاق لا معنى لتقييد الحجية بذلك بل تطلق و لو مع صحو بلد المكلف.

و لا يخفى عليك ما نبهنا عليه سابقا من أن أول بلد الرؤية لا يكون دائما في بقعة‌

____________

(1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 11 حديث 13.

100

أرضية واحدة في الشهور المتعاقبة بل يتقدم مبدأ الرؤية في كل شهر لاحق ثمان ساعات بجهة معاكسة لحركة الشمس من المغرب إلى المشرق، و حينئذ لا يتعاقب تمامية الشهر في بقعة أرضية واحدة.

الامر الثامن

و هو يرد أيضا على التمسك باطلاق الرؤية، و قد ذكره الفاضل المعاصر في رسالته في الهلال (1).

و حاصله: أن لازم قول غير المشهور أننا بعد 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة أو مع 16 ساعة من هلال شهر رمضان سوف نقطع دائما و أبدا بكون هلال شوال قد تكوّن و خرج من تحت الشعاع بحيث يرى، و نستغني بذلك عن الرؤية في ثبوت الهلال و هو خلاف مستفيض و متواتر النصوص.

و هذا الاشكال ليس نقضا حقيقيا أكثر من كونه إشكالًا استبعادياً و منبهاً و مبعداً لقول غير المشهور، إذ مع مضي هذا المقدار يكون من تمام العدة ثلاثينا فلا يثمر ثبوته آنذاك، نعم لو كان الليل طويلا يكون مضي المقدار المزبور مثمرا حيث يشترك الليل مع بلد الرؤية، و مع ذلك فهو من القطع بكون الهلال متكوّنا بحيث يرى الذي هو مطروق الرؤية و ان لم تتحقق الرؤية الفعلية أو لم تحرز و لا محذور فيه بعد كون الرؤية طريقا و ارشاداً إلى الدرجة الخاصة من تكوّن و تولد الموضوع.

الامر التاسع

يرد عليه نظير ما أشكلناه على الدليل الأول من وجود الروايات المقيدة في المقام التي تقدم ذكرها.

و أيضاً توجد روايات دالة بالعموم أو الخصوص- كما سيأتي في التنبيهات- على عدم العبرة بتطويق الهلال و طول مكثه و ارتفاعه عن الشفق و ما أشبه هذه‌

____________

(1) رسالة حول مسألة روية الهلال ص 47.

101

العلامات و لا ينسجم ذلك إلّا مع قول المشهور، إذ بناء على قول غير المشهور لا شك في دلالة طول مكث الهلال على طول خروجه من تحت الشعاع، و على أنه ابتعد عن الشمس كثيرا، فالبلد الذي رئي فيه بهذا العلامة ليس هو أول بلد الرؤية قطعاً.

من هذه الروايات صحيحة أبى علي بن راشد قال: «كتب إليّ ابو الحسن العسكري (عليه السلام) كتابا و أرّخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، و ذلك في سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين، و كان يوم الاربعاء يوم شك، و صام أهل بغداد يوم الخميس و أخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس، و لم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل، قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس و أن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الاربعاء، قال: فكتب إليّ: زادك اللّٰه توفيقا فقد صمت بصيامنا، قال: ثمّ لقيته بعد ذلك فسألته عمّا كتبت به إليه، فقال لي: أو لم أكتب اليك انما صمت الخميس و لا تصم إلّا للرؤية» (1).

فهذه الصحيحة تقيد اطلاق روايات القضاء.

بيان التقييد: لنفترض أن اليوم يوم شتوي فنهاره 10 ساعات، فاذا رئي الهلال عند الغروب و طال مكثه بعد الشفق، بحيث صار عندنا قطع أن القمر خرج من تحت الشعاع بالحساب الهيوي قبل 12 ساعة، أي قبل الفجر بساعتين، فنحن مشتركون مع ذلك البلد الذي رؤي فيه الهلال أولًا، فيجب أن نعتد به مع أن هذه الرواية و غيرها دالة على طرح العلامات مطلقاً فهي تدل على اختلاف حكم الآفاق، و إلّا لوجب العمل بالعلامات.

الدليل الرابع:

و هو أضعف الادلة، و قد ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) و هو التمسك بالآيات و الأحاديث التي تفيد بأن ليلة القدر ليلة شخصية واحدة و نزول الملائكة فيها‌

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 9 حديث 1.

102

دفعي، كقوله تعالى: «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، و قوله تعالى: «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ».

و التمسك أيضا بدعاء العيد الذي فيه: «اللهم انا نسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً ...»، و الاحاديث التي تشير بشكل واضح إلى أن يوم العيد يوم شخصي لا يقبل التعدد.

مع أنه على قول المشهور تكون ليلة القدر متعددة و كذلك يوم العيد، فكيف يمكن الالتزام به مع أن صريح و ظاهر الآيات و الروايات أن ليلة القدر و يوم العيد و غيرهما من الايام المذكورة في الاحاديث شخصية لا تعدد فيها.

و يرد عليه نقضا وحلا:

أما الأول: فان الوحدة بقول مطلق على قول غير المشهور أيضا منتقضة، إذ هم يلتزمون بثبوت الهلال فقط في النصف المظلم فقط، و عند السيد الخوئي (قدس سره) يشمل إلى ما قبل الزوال، فيبقى دخوله ليلة القدر في ربع الكرة الارضية ليس شخصيا بقول مطلق و لا دفعيا مع الارباع الاخرى فيحصل التبعيض، فحينما تكون ليلة القدر مغطية للنصف المظلم من الكرة الارضية فالنصف المضي‌ء متى تكون ليلة القدر له، هل في آنات النهار او الليل اللاحق.

و مطلع الفجر في قوله تعالى: «سَلٰامٌ هِيَ حَتّٰى مَطْلَعِ الْفَجْرِ»، يا ترى أيُّ فجر هو المعنى هل هو فجر الصين أو فجر خراسان أو فجر مكان آخر، فالإشكال بعينه متوجه على مسلك غير المشهور أيضا.

بل لك أن تقول: حتى النصف المظلم الواحد ليس دخول ليلة القدر فيه دفعياً لكل الآفاق إذ بين دخول ليلة القدر في أول نقطة النصف المظلم و آخر نقطة في النصف المظلم الفارق بينهما 12 ساعة تقريبا، فدخول ليلة القدر في النصف المظلم ليس دفعيا أيضا بل تدريجيا، و لذلك يكون في بعض نقاطه أول ليلة القدر و في بعضها‌

103

نصف الليل و في ثالث آخر الليل من ليلة القدر.

و أما الثاني: فبالالتفات إلى حقيقة تكوير الليل و النهار للكرة الارضية و كيفية دورانها و أنه ليس دخول اليوم الشمسي في كل نقاط الكرة الارضية دفعياً بل هو تدريجي، إلى أن يتم دورة كاملة حول الأرض، فوحدة اليوم الشمسي الشخصية بوحدة دورته، و هي تنضبط بتوسط الحركة الوضعية للارض كما مر بسطه في الدليل العقلي، و أنه ليس نشوء الزمن الشمسي بواسطة الحركة الوضعية للارض حول نفسها.

و الامر كذلك في السنة القمري إذ هي ناشئة من حركة القمر الانتقالية حول الأرض اثنى عشر مرة كل دورة تستغرق شهر واحدا، و لكنها تنضبط بالحركة الوضعية للارض كما هو الشأن في السنة الشمسية.

فالاختلاف ليس في الوحدة الشخصية إذ هي بتوسط الدور الوضعي التدريجي للارض، لا بتوسط الدفعية الآنية في الحدوث، إذ هي- أي الدفعية- على كلا القولين ليست موجودة بل ممتنعة، فشخصية المبدأ و المنتهى في النقاط المختلفة ممتنعة بل هي نسبيّة و لا يلزم من ذلك تعدد الدور الليلي أو النهاري بل يبقى على شخصيته.

و انما الفرق في المبدأ، فمبدأ الليلة الاولى على قول المشهور هو من أول بلد يرى فيه الهلال ثمّ تدور هذه الليلة الواحدة إلى أن تتم الدورة على كل الأرض من غير تعدد، و كذلك اليوم الأول من الشهر مبدأه كذلك، بخلافه على القول بعدم لزوم الاتحاد فمبدأ الليلة هي النصف المظلم من الكرة الارضية ثمّ يدور على ما كان مضيئا فتتم الدورة و كذلك اليوم.

فأي فرق في شخصية الليلة و وحدة اليوم بين القولين، بل قد عرفت أنه ربما يتفق على القول بالعدم كون ليلة القدر في البلاد الغربية القصوى و الشرقية القصوى‌

104

هي ليلتين في الاسبوع كما إذا كانت الرؤية لاول الشهر في البلاد الشرقية، و الظلمة الواحدة تعم الغربية فتكون ليلة أول الشهر في الغربية ليلة الجمعة مثلا، و في الشرقية ليلة السبت.

نعم يقع مثل هذا على القول بالاتحاد أيضا، فهذا مشترك الورود على كلا القولين.

فالخلاف متركز في المبدأ لا في الوحدة الشخصية و إلّا فهي بالدور لا بالدفعية كما هو واضح لا ريب فيه.

و غير المشهور طابقوا بين الزمن الشمسي و الزمن القمري و قالوا لا يمكن أن تكون ليلة القدر ليلة الاثنين مثلا في مكان و ليلة الثلاثاء في مكان آخر، و منشأ هذا الاستبعاد هو مطابقتهم بين الحساب الشمسي و القمري، و إلّا أيام الاسبوع هي حساب شمسي لا ربط لها بالحساب القمري.

الدليل الخامس: التمسّك بصحيحة اليقطيني.

ذكره السيد أبو تراب الخونساري (قدس سره) في شرح نجاة العباد.

و هي صحيحة محمد بن عيسى اليقطيني اليونسي قال: كتب إليه أبو عمر:

أخبرني يا مولاي، انه ربّما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه و نرى السماء ليست فيها علة و يفطر الناس و نفطر معهم، و يقول قوم من الحسّاب قبلنا: أنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر، و أفريقية، و الاندلس، هل يجوز- يا مولاي- ما قال الحساب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الامصار فيكون صومهم خلاف صومنا، و فطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع: «لا تصومنَّ الشك، أفطر لرؤيته و صم لرؤيته» (1).

تقريب الاستدلال: بظاهر الرواية أنه لو كان يقطع برؤيته في مصر مع عدم رؤيته‌

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 15 حديث 1.

105

في بلده لوجب عليه الصيام في بلده، إذ محط سؤاله في أنه هل يجوز الاعتماد على الحسّاب في ثبوت الهلال و الرؤية في مصر و الاندلس، و النهي في جوابه (عليه السلام) عن الاعتماد على أقوالهم، و أمره باتباع الرؤية، فمصبّ شكّ الراوي في تحقق الرؤية في مصر، و أنه هل يجوز أن يرونه في مصر أم لا، و ليس شكّه في كون البلد- بغداد- الذي هو فيه يرى فيه الهلال أو لا يرى؟

فسؤال الراوي في نفس مورد المسألة المبحوثة و هي رؤية الهلال في أفق متأخر عن بلد المكلف و سؤاله عن الاعتداد بقولهم و امكان تحققه، و كأنه لدى السائل مفروغ عنه وحدة حكم الآفاق المختلفة و الاكتفاء بالرؤية في مصر و الاندلس، و الامام (عليه السلام) لم يردع ارتكازه و مبنى سؤال الراوي و انما نهاه عن الاعتماد على الحسّاب لكونه شكاً و ليس بقطع و علم و لا علمي تعبدي.

كما أن الشك في الرواية ليس في بلد الراوي إذ هو قاطع بعدم رؤية الهلال في بغداد كما يظهر من تعبيره: «فلا نراه و نرى السماء ليست فيها علة»، فالشك في تحقق الرؤية في مصر بقول الحسّاب و أن السائل مرتكز عنده أنه لو قطع بثبوت الرؤية في مصر لوجب عليه الصوم في بلده، و ظاهر جوابه (عليه السلام) أقراره على ذلك، غاية الامر لكونه شاكا، أمره الامام (عليه السلام) بالصوم للرؤية.

و فيه: أن هذه الصحيحة دلالتها على قول المشهور أوضح و أظهر.

بيان ذلك: أن سؤال الراوي انما هو عن جواز اختلاف الفرض على أهل الامصار فيكون صومهم خلاف صومنا و فطرهم خلاف فطرنا، و أنه إذا تحققت الرؤية في غير مصرنا هل يستلزم ذلك تحقق الرؤية في مصرنا، و الشاهد على ذلك قوله: «هل يجوز ما قال الحسّاب»، و الذي قاله الحسّاب: «أنه في مصر يرى و هنا في بغداد لا يرى»، أي أنه يمكن ان تتحقق الرؤية في مصر فتختلف عنا في العراق، هذا هو مصب سؤاله.

106

فليس السؤال عن اختلاف الصوم بتبع اختلاف الرؤية إذ هذا مسلّم عند الراوي كما هو نص قوله: «حتى يختلف الفرض على أهل الامصار فيكون صومهم خلاف صومنا و فطرهم خلاف فطرنا»، و انّما مصبّ سؤاله عن وقوع اختلاف الرؤية التكويني و عن تبعض الرؤية من مكان لآخر، و حدوث مثل هذا الامر التكويني، و لذا لم يقل هل يجوز اختلاف الآفاق في الصيام، بل قال هل يجوز ما قاله الحسّاب، و ما قاله الحساب أمر تكويني و ليس أمراً شرعياً فهو ليس محمولًا شرعياً بل مقولًا و محمولًا تكوينياً، فهو يسأل عن أن قول الحساب هل يمكن وقوعه أو لا يمكن.

و كأنه مفروغ عنه عند الراوي أنه إذا تبعضت الرؤية من مكان لآخر فسيختلف حكم الصيام لذلك، و ظاهر جوابه (عليه السلام) امضاء هذا المرتكز و اقراره.

هذا و أما ما أفاده السيد في كلامه المتقدم من أن الراوي قاطع بعدم الرؤية في بلده.

ففيه: أنّ الأمر ليس كذلك و ان عبّر الراوي بقوله: «و ليس في السماء علة»، إلّا أنه في صدر السؤال قال: «انه ربما أشكل علينا»، و الاشكال يعني به مورد الحيرة و التأمل و الشك.

إذ صفو الجو ليس سبباً كافياً لان يقطع الانسان أن الهلال ليس موجودا بالفعل، إذ ساعة تكون الهلال و خروجه من تحت الشعاع تختلف عن الساعات اللاحقة للتكوّن و على أثر ذلك يختلف وضوح الرؤية من بلد لآخر و من مكان لآخر، فأول بلد الرؤية يكون القمر لتوّه متزحزح و مبتعد عن الشعاع و لذا هالة الشعاع تغطي عليه فيكاد أن لا يرى، و هذا بخلاف عاشر بلد الرؤية.

كما أن موضع رصد الهلال في الجوّ مع اختلاف الشهور يحتاج إلى خبرة و ممارسة، و كذا الحال في آن الرصد هل قبل الغروب أو حينه أو بعده و بأي مقدار‌