هيويات فقهية

- الشيخ محمد السند المزيد...
279 /
107

من الدقائق و الوقت، أضف إلى ذلك اختلاف قوة البصر، كل ذلك يؤثر في الاستهلال و الرصد بالعين المجردة، و في عدم حصول الجزم بعدم الهلال من مجرد عدم الرؤية الفعلية في الأفق.

فصرف صحو الجو و عدم وجود علة في السماء لا يدل على عدم إهلال الهلال، لذلك عبّر الراوي: «أشكل علينا شهر رمضان»، فهو ليس بقاطع حتى يكون مركز الشك وقوع الرؤية في مصر.

فأول ما فرض الراوي في سؤاله أنه ربما أشكل علينا شهر رمضان، فمركز الشك في بلده لظنّه ملازمة وقوع الرؤية في مصر للرؤية في بغداد.

غاية الامر أن الراوي نفي حصول الرؤية الفعلية، لكن ذلك لا يلازم نفي الهلال في الافق لما تقدم ذكره من العوامل و الاسباب المؤثرة في حصول الرصد بالعين المجردة، و لذا عبّر الراوي بالعطف على النفي بالجملة الحالية: «فلا نراه و نرى السماء ليست فيها علة»، لبيان نفي بعض العوامل المؤثرة و حيث أن الاستهلال بالعين المجردة هو نمط من عملية فحص عن موجود خارجي في الافق قد تصيبه و قد لا تصيبه و مطلق عدم الوجدان لا يلازم عدم الوجود، و لذلك شُرّع وجوب اتمام العدة كحكم ظاهري.

و هذا أمر مجرب و محسوس فكثير ما يستهلّ الانسان و لا يرى الهلال، بل قد يخفى حتى على الحذّاق المتمرّسين.

و هذا الاجابة تختلف عما أورده بعض المعاصرين (1) على السيد أبي تراب، حيث جعل مركز الشك في رؤيته في مصر دون بغداد و أن جواب الامام في عدم الاعتداد بالشك و الصوم بالرؤية هو كقضية حقيقية ليس السائل مصداقا لها إذ لم يكن شاكا في عدم وجوب الصيام.

____________

(1) رسالة حول رؤية الهلال ص 171.

108

الدليل السادس: الاستدلال برواية ابي حمزة الثمالي.

ما ذكره الفاضل المعاصر (1) من التمسك برواية أبي حمزة الثمالي- و هي موثقة على الاصح- قال: «كنت عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال له أبو بصير: جعلت فداك الليلة التي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال: في ليلة احدى و عشرين أو ثلاث و عشرين. قال: فإن لم أقو على كلتيهما فقال: ما أيسر ليلتين فيما تطلب، قال: قلت: فربما رأينا الهلال عندنا، و جاء من يخبرنا بخلاف ذلك في أرض أخرى؟

فقال: ما أيسر أربع ليالٍ تطلبها فيها» (2).

كيفية الاستدلال: لو كان الاعتداد بكل بلد مع أفقه الخاص فَلِم اذن الاحتياط، بل لقال (عليه السلام) له: عليك برؤية بلدك و أحي ليلتين.

فربما يجاب بأنه لو كان الاعتداد بوحدة الحكم في الآفاق المختلفة لتعيّنت الليلة التي يرجى فيها ما يرجى أيضا في ليلتين، لكنّهما على حساب الرؤية في الأفق الذي جاء منه الخبر، قبل رؤيته في أفق السائل.

فمراده (عليه السلام) بالاخذ بأربع ليالٍ ليس إلّا من باب الاخذ بالحائطة، بأنه إن كانت الليلة التي رؤي فيها الهلال، هي أول الشهر بالنسبة إلى أفقه، فالليلتان المذكورتان ظرف للمطلوب، لكون ليلة القدر في احداهما لا محالة، و ان كانت ليلة أول الشهر هي الليلة التي رئي فيها القمر من قبل المخبر، و خفي الهلال عندئذ في أفق السائل، لغيم أو سحاب و نحوهما، فاللازم احياء ليلتين أخريين أيضا قبل هاتين الليلتين، رجاء درك ليلة القدر في احداهما، فهذه الرواية للقول بلزوم الاشتراك في الآفاق أدل.

لانه لو لم يلزم الاشتراك فيها لتعين أن يجيب (عليه السلام) بإحياء ليلتين أخريين فقط على حساب الرؤية في أفق المخبر بالخبر، لاختلاف أفقه مع أفق السائل، فيلزم‌

____________

(1) المصدر السابق ص 174.

(2) الوسائل أبواب أحكام شهر رمضان باب 32 حديث 3.

109

الاخذ برؤية الهلال فيه، بناءً على عدم لزوم الاشتراك، فعدم التعيين دليل على لزوم الاشتراك بالقياس الاستثنائي (1).

و ربما يشكل عليه: بان الراوي لم يذكر أن هذا الخبر هو بيّنة شرعية أم لا، حتى يمكن الاعتماد عليه و انما قال: جاء من يخبرنا و «من» كما تستعمل في الجنس المذكر، تستعمل في المفرد الشخصي أيضا، و لا يعلم أن وصول هذا النبأ هل هو عبر مخبر واحد أو أكثر ففرض الراوي أعم من ذلك، فحيث أنّه لا يعتمد على هذا الخبر فيراعى أربع ليالي رجاء الحصول على الثواب و احياء لهذه الليلة العظيمة.

فالصحيح الجواب: بأن هذه الرواية على نسق الاطلاق المدعىٰ في روايات الرؤية و القضاء المتقدمة تشمل البلد المتحد في الافق و البلد المختلف، فهي مطلقة من هذه الناحية و التمسك باطلاقها يرد عليه ما أوردناه على الدليل الأول و الثاني من كونه تمسكاً بالمدلول الالتزامي لشمول الاطلاق لبعض حالات الافراد و هو ليس بحجة كما مر بيانه، و غير ذلك فلاحظ.

____________

(1) رسالة حول مسألة رؤية الهلال ص 174.

110

الدليل السابع

ذكره السيد أبو تراب الخونساري (قدس سره) و هو وجه اعتباري استحساني أكثر من كونه وجهاً مستقلًا يعتد به، فهو أشبه بالمؤيد.

و هو: أن القول باتحاد الآفاق في الحكم أضبط للحساب و أبعد عن التشويش، و مبدأ لبدأ الشهر في المناطق كلها.

بل ترقى و قال: ان الموضوع للحكم لم يتصرف فيه الشارع، بل هو من القديم إلى الآن الحاضر عبارة عن صرف تحقق الرؤية الكافية لكل المناطق.

و الاجابة عنه: هو نفس الاجابة المتقدمة عن الدليل العقلي لغير المشهور، و ذكرنا هناك أنه على قولهم يلزم أيضا ما ذكره من التشويش و عدم الضبط، كما إذا كان الليل الغاشي يشمل الامريكتين و البلاد الآسيوية، فكيف يكون في جزء النصف المظلم ليلة الاثنين و في الجزء الآخر ليلة الثلاثاء في آن واحد للشهر الواحد.

111

أدلة المشهور

الدليل الأول و هو طوائف عديدة من الروايات المختلفة الألسن،

و التي تفيد أن كل بلد له أفقه الخاص به في ثبوت الهلال.

الطائفة الاولى

و هي مجموعة من الروايات الدالة صريحا على استحباب صوم يوم الشك الذي لا يعرف أنه من شهر شعبان أو من شهر رمضان في حالة وجود علة في السماء او عدم صحو الجو.

و كيفية الاستدلال بها: أنه لو كان مطلق الرؤية كافياً لثبوت الهلال في الآفاق، لما كان هناك وجه لهذا التقييد، إذ مع اتحاد الآفاق في الحكم لا خصوصية لكل بلد بلد، بل يعم الشك من أي منشأ حصل و لو في البلاد الاخرى مع صحو الجو في بلد المكلف، فالتخصيص لمنشإ الشكّ بالظروف الجويّة الخاصة ببلد المكلف شاهد على أن موضوع الحكم هو أفقه الخاص لا كل الآفاق.

و الروايات المتعددة منها:

الرواية الاولى

صحيحة هارون بن خارجة قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «عدّ شعبان تسعة و عشرين يوما فان كانت متغيمة فأصبح صائما، و ان كان مصحية و تبصرته و لم تر شيئا فأصبح‌

112

مفطرا» (1).

الرواية الثانية

رواية معمر بن خلاد قال: كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائما فأتوه بمائدة فقال: ادنُ و كان ذلك بعد العصر قلت له: جعلت فداك صمت اليوم فقال لي: و لِم؟! قلت: جاء عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في اليوم الذي يشك فيه أنه قال:

يوم وفق اللّٰه له قال: «أ ليس تدرون انما ذلك إذا كان لا يعلم أ هو من شعبان أم من شهر رمضان فصامه الرجل و كان شهر رمضان كان يوم وفق اللّٰه له! فاما و ليس علة و لا شبهة فلا ... الحديث» (2).

و تخصيص الاسباب بالشك الناشئ من الأفق، و تعليل تضيق استحباب صيام يوم الشك بالشك في أفق البلد ناص على ان المراعات لأفق البلد.

الرواية الثالثة

ما رواه الشيخ في الموثق عن الربيع بن ولاد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا رأيت هلال شعبان فعدّ تسعاً و عشرين يوما، فان صحت و لم تره فلا تصم و إن تغيمت فصم» (3)، و غيرها من الروايات.

الطائفة الثانية

ما ورد من عدم الاعتبار- بنحو العموم أو الخصوص كما سيأتي في التنبيهات- بغيبة الهلال بعد الشفق و تطوّقه و طول مكثه في الافق و رؤيته قبل الزوال و من عدم العبرة برؤية الانسان ظل نفسه في ضوء القمر.

مع أن الهلال بهذه العلامات يجزم بأنه ابتعد عن الشمس مقدارا يعتد به، و ان هذا‌

____________

(1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 16 حديث 4 و الرواية مروية عن هارون بن خارجة بأسانيد متعددة فيها الصحيح و الموثق.

(2) التهذيب ج 4 ص 166.

(3) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 16 حديث 2.

113

البلد الذي رئي فيه الهلال باحدى هذه العلامات ليس هو أول بلد الرؤية قطعاً، فاذا كان النهار شتوياً يستغرق تسع ساعات و جزم بأن القمر ابتعد عن تحت الشعاع بمقدار 6 درجات مثلا، فنعلم أنه تكوّن بحيث رؤي قبل احدى عشر ساعة و نصف تقريبا.

و هذا معناه اشتراك هذا البلد مع بلد آخر رؤي فيه الهلال في الليل السابق بحيث يكون بلد المكلف آخر ليله و البلد الآخر أول ليله عند الغروب رؤي الهلال فيه و تحرك مبتعداً عن تحت الشعاع كل درجة ساعتين تقريباً فرؤي في بلد المكلف في الليل اللاحق على 6 درجات بعداً من نقطة تحت الشعاع فيثبت له الهلال من الليل السابق بناء على وحدة حكم الآفاق و عدم لزوم الاشتراك.

مع أن هذه الروايات تنفي هذا الاعتبار و لا تجعل هذه العلامات حجة، فهذا دليل على عدم اشتراك الآفاق في الحكم و انما لكل افق حكمه الخاص به.

و هذه الروايات:

صحيحة أبي علي بن راشد قال: كتب إلى ابو الحسن العسكري (عليه السلام) كتابا و أرّخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، و ذلك في سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين، و كان يوم الاربعاء يوم شك، و صام أهل بغداد يوم الخميس و أخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس، و لم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل، قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس و أن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الاربعاء، قال: فكتب إلى: زادك اللّٰه توفيقا فقد صمت بصيامنا، قال: ثمّ لقيته بعد ذلك فسألته عمّا كتبت به إليه، فقال لي: أو لم أكتب اليك انما صمت الخميس و لا تصم إلّا للرؤية (1).

و تأريخ الامام (عليه السلام) الجواب للمكاتب له أهمية، ذلك أنّه (عليه السلام) يعدّ يوم الاربعاء من شهر شعبان لأنّه (عليه السلام) أرّخ كتابه بيوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، و تأكيد الامام (عليه السلام) بأن لا يصوم إلّا للرؤية معناه رؤية بلد المكلّف، و الراوي كان يعتقد بأن صيامهم‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 9 حديث 1.

114

يوم الخميس متأخر عن أول الشهر و هو يوم الاربعاء لطول مكثه بعد الشفق الدال على خروجه من مدة مديدة عن تحت الشعاع.

و رواية جراح المدائني قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «من رأى هلال شوال بنهار في شهر رمضان فليتم صيامه» (1). و رواية محمد بن عيسى- و سيأتي في التنبيهات امكان تصحيح السند- قال: كتبت إليه (عليه السلام): جعلت فداك، ربما غم علينا الهلال في شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، و ربما رأينا بعد الزوال، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رايناه أم لا؟ و كيف تأمر في ذلك؟ فكتب (عليه السلام): «تتم إلى الليل، فانه ان كان تاما رئي قبل الزوال» (2).

و المتن كما في الاستبصار في بلد المكلف مع أن الرؤية قبل الزوال سيّما إذا رصد بنحو يكون مبتعداً بدرجات عن تحت الشعاع منذ آخر ليل البلد المصادف لرؤيته في أول ليل بلد آخر عند الغروب، الموجب لثبوت الهلال لبلد المكلف بناء على وحدة حكم الآفاق، و الحال أن الرواية تنفي ذلك.

فطرح و نفي هذه الطرق التي هي حسابية و نجومية و فيها عد و رصد و استكشاف ان الهلال لليلة سابقة، دليل واضح على أن الآفاق المختلفة حكمها ليس متحداً، إذ لو كان متحدا لوجب الاعتبار بهذه العلامات حين القطع بابتعاد القمر عن الشمس كثيراً بحيث يرى في غروب بلد آخر مشترك في الظلمة مع ليلة سابقة لبلد المكلف.

و السيد الخوئي (قدس سره) خلافا للمشهور ذهب إلى اعتبار رؤية الهلال قبل الزوال و أفتى به، لوجود روايات معتبرة في المقام تفصل بين رؤية قبل الزوال و بعده.

و سيأتي في التنبيه الثالث أنها معارضة للروايتين المتقدمتين، فضلا عن معارضة روايات الرؤية التي تنفي بشدة بقية الطرق الاخرى و تحصر الرؤية باليقين الحسيّ المتولّد من الرؤية بلا ضميمة مقدمات حدسية أو حسابية، أي بالرؤية الليلية‌

____________

(1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 2.

(2) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 4.

115

الغروبية المزامنة لمبدإ دخول الشهر، لا الرؤية النهارية الدالة على مبدأ متقدم لدخول الشهر بملاك و توسط مقدمة هيوية.

فهي آبية عن التخصيص، و الروايات المفصلة بين ما قبل و بعد الزوال محمولة على التقية، و سيأتي تفصيل أكثر في التنبيهات.

الطائفة الثالثة

و هي الروايات التي تشترط في حجية البيّنة التي تأتي من خارج البلد وجود العلّة أو عدم الصحو في سماء البلد و أما مع انتفاء الشرط المزبور فلا عبرة بها.

فتخصيص حجية البينة الخارجة بوجود علّة في أفق البلد معناه الاعتداد بما هو متحد الافق، و إلّا لما ذا التخصيص، إذ لو كانت الآفاق متحدة الحكم لما كانت الظروف الجوية في أفق خاص من الصحو أو عدمه مؤثرة في تحقيق صرف وجود الموضوع، و لما كان عدم الرؤية مع صحو الجو و عدم الموانع مسقطاً لحجية مطلق البينة التي تشهد بالرؤية في أفق مختلف جداً عن أفق البلد.

فاشتراط ذلك في حجية البينة دال على فرض بيّنة تشهد بالرؤية في أفق متحد بحيث يكون عدم الرؤية في بلد المكلف مع صحو الجو موجباً للريب في البينة المزبورة.

ففي معتبرة أبي ايوب الخزاز قال: قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال:

«ان شهر رمضان فريضة من فرائض اللّٰه فلا تؤدوا بالتظني، و ليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد قد رأيته و يقول الآخرون لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة و إذا رآه مائة رآه ألف، و لا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، و إذا كان في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان من مصر» (1).

فلو لم يشترط الوحدة في الافق في ثبوت الهلال لما كان هناك موجب لتقييد‌

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 11 حديث 10.

116

البينة التي تأتي من الخارج بوجود العلة في السماء.

و مثلها في الدلالة رواية حبيب الخزاعي قال: فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، و انما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر و كان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه، و أخبرا عن قوم صاموا للرؤية و أفطروا للرؤية» (1).

ان قلت: ان الرواية ليست في صدد بيان لزوم وحدة الافق في ثبوت الهلال، و انما في صدد بيان لزوم التثبت و التروي في البيّنة و الشهادة على رؤية الهلال، كأن لا يكون في البين ما يوجب مظنّة الخلاف كما لو كان الافق صحوا و لم ير و ادعيت الرؤية مع ذلك، كما هو ألسنة الروايات الواردة في المقام.

قلت: لا نزاع في كون الرواية في مقام بيان التثبت، إلّا أن تحقيق صورة التثبت في موردها يتوقف بدلالة الاقتضاء على لزوم وحدة الافق، و إلّا لما كان عدم الغيم و العلة و صحو الجو و الافق موجب للريبة في البيّنة الآتية من خارج البلد من بلد آخر، إذ بناء على اتحاد ثبوت الهلال في الآفاق المختلفة لا منافاة بين عدم الرؤية في نقطة و رؤيتها في نقطة أخرى مختلفة الافق.

و ببيان آخر: ان الريبة تحصل في البيّنة مع صحو الجو و الافق في ما لو كانت البيّنة تشهد بالرؤية في بلد آخر متحد في الافق مع بلد المكلف، فحينئذ يشترط في قبول البينة من باب التثبت وجود العلة في أفق بلد المكلف، و أما لو كانت البينة تشهد برؤية الهلال في بلد مختلف الافق مع بلد المكلف فعدم رؤية الهلال في بلد المكلف مع صحو الجو و عدم العلة لا يوجب الريبة في تلك البيّنة، إذ قد يكون مبدأ تكوّن الهلال في البلد الآخر فلا يشترط في التثبت وجود العلة حينئذ.

فظهر أن الاشتراط المزبور في الرواية للتثبت لا يستقيم إلّا مع لزوم وحدة الافق لثبوت الهلال.

____________

(1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 11 حديث 13.

117

الطائفة الرابعة

و هي الروايات الناهية عن اتباع أقوال المنجمين و الهيويين.

و كيفية الاستشهاد بها أن لازم اتحاد الآفاق المختلفة في الحكم عدم الاعتداد بخصوص الرؤية الحسية، بل يعتد بتكوّن الهلال بحيث يرى سواء رؤي بالفعل أم لا، فاذا حصل الاطمئنان من قول المنجمين و علماء الهيئة وجب الاعتداد به مع أن هذه الروايات تنفي ذلك.

من هذه الروايات صحيحة محمد بن عيسى اليقطيني اليونسي قال: «كتب إليه أبو عمر: أخبرني يا مولاي، انه ربّما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه و نرى السماء ليست فيها علّة و يفطر الناس و نفطر معهم، و يقول قوم من الحساب قبلنا: أنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر، و أفريقية، و الاندلس، هل يجوز- يا مولاي- ما قال الحساب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الامصار فيكون صومهم خلاف صومنا، و فطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع: لا تصومنَّ الشك، أفطر لرؤيته و صم لرؤيته» (1).

فهذه الرواية مفادها عدم العبر باخبار المنجمين، و هي تدل بصراحة على اشتراط الاتحاد في الافق، فالرواية فيها شاهدان على مدعى المشهور، الأول عدم الاعتداد بقول المنجمين، و الآخر دليل مستقل على لزوم اشتراط وحدة الافق.

و قد تقدم في الدليل الرابع لغير المشهور بيان دلالتها على اشتراط وحدة الافق جوابا لمحاولة المحقق السيد أبي تراب الخونساري (قدس سره) في الاستدلال بها على قول غير المشهور فراجع.

الدليل الثاني الاتفاق على طرح روايات العدد القائلة أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما

منذ أن خلق اللّٰه السماوات و الأرض، و هذه الروايات لا تتلاءم إلّا مع قول‌

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 15 حديث 1.

118

المشهور.

و بيان ذلك في مقدمتين:

الاولى: أن دورة القمر من نقطة تكوّنه و رؤيته في نقطة ما إلى أن يعود إلى هذه النقطة يستغرق 29 يوم و 12 ساعة و 44 دقيقة، فبعد هذه المدة يصل إلى نقطة أخرى على فاصلة من جهة شرق النقطة التي رؤي فيها، إلّا أنه لا يمكن أن يرى إلّا بعد مرور 29 يوماً و 16 ساعة تقريبا، و حينها يمكن أن يعكس أشعته بشكل واضح على نقاط الأرض.

الثانية: يكون الشهر تاما في كل نقطة هي مبدأ أول الرؤية و تكوّن الهلال بمقتضى المقدمة الاولى، فاذا رصدنا أول بلد رؤي فيه الهلال و لنفترض أمريكا مثلا، فبعد أن يدور القمر حول الأرض 30 دورة إلّا ثلث تقريبا بدءاً في حساب الدورات من أمريكا فان هذا معناه أن هلال الشهر اللاحق لن يرى في الليلة الثلاثين من ليالي امريكا و انما سوف يرى ليلة الاحدى و الثلاثين فيتم الشهر لديهم، و هلم جرا.

و قد تقدم بيان هذه المقدمة بصورة مبسوطة في الاشكال على الدليل الثاني من أدلة غير المشهور و هو التمسك باطلاق أدلة القضاء فراجع.

فعلى ضوء هاتين المقدمتين، مع البناء على وحدة حكم الآفاق المختلفة سوف لن ينقص شهر رمضان عن ثلاثين يوما في كل النقاط، نعم مع البقاء على اختلاف حكم الآفاق سوف يتم في نقاط و ينقص في أخر، فطرح روايات العدد لا ينسجم إلّا مع قول المشهور.

119

الدليل الثالث و هو تبادر رؤية بلد المكلف نفسه من لفظة الرؤية من ألسنة الروايات إذ لسانها على نمطين:

الأول: لسان مطلق لم يقيد الرؤية فيه برؤية المخاطب في بلده.

الثاني: لسان مقيد برؤية المخاطب كالتعبير: «إذا رأيت».

فاما أن يرفع الخصوصية عن بلد المكلف بقرينة الاطلاق، أو يرفع اليد عن الاطلاق بقرينة الخصوصية.

و الصحيح في المقام رفع اليد عن الاطلاق و حمله على الخصوصية و ذلك لأمور:

الأول: انصراف المطلق إلى الرؤية في بلد المكلف و المخاطب، أو باستظهار العموم الاستغراقي كبقية الموضوعات لسائر الاحكام لا صفر الوجود، بقرينة اختلاف مبدأ الليل و النهار في البلدان.

الثاني: اختلاف المطلقات بالقرينة على ان المراد بالرؤية رؤية بلد المكلف.

ففي صحيحة محمد بن عيسى- المتقدمة في الطائفة الرابعة من الدليل الأول:

«و يقول قوم من الحساب قبلنا: أنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر، و افريقية و الاندلس»، و هي بلاد تقع في غرب بلد الراوي فالفرض محل النزاع في المسألة، بينما جوابه (عليه السلام)- مع أنه عبّر بالمطلق كبقية ألسنة المطلقات في الرؤية- ظاهر في رؤية بلد المكلف بقرينة السؤال- كما تقدم في فقه الرواية مفصلا في الدليل الرابع لغير المشهور- قال: «لا صوم من الشك افطر لرؤيته و صم لرؤيته»، أي رؤية بلدك، فرؤية أهل الاندلس ليست طريقا و ملازماً لرؤيتك.

و كذا التقريب في صحيحة أبي علي بن راشد المتقدمة و فيها: «و لا تصم إلّا للرؤية».

120

الثالث: ظهور الرؤية المطلقة في رؤية المكلف من المقابلة المتكررة في عدّة من الروايات بين الرؤية و شهادة العدلين كما في صحيحة منصور بن حازم في قوله:

«صم لرؤية الهلال و افطر لرؤيته، و ان شهد عندك ...»، و صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه في قوله (عليه السلام): «لا تصم إلّا أن تراه فان شهد ...»، و رواية عبد اللّٰه بن سنان في قوله (عليه السلام): «لا يصم إلّا للرؤية أو يشهد ....».

و كذا ما في روايات القضاء في أدلة غير المشهور و غيرها من الروايات و لا اطلاق في الشهادة و البينة كما تقدم.

الرابع: تقييد حجية البينة الآتية من الخارج بوجود علة في أفق و سماء البلد و عدم الصحو، و أما مع صفاء السماء و عدم وجود علة في الافق فلا حجية لها، فلو كانت الرؤية حجة مطلقا لما كان هناك داع لهذا التقييد.

121

تنبيهات

ضابطة وحدة و تقارب الافق‌

وظيفة الشاك في هلال شوال‌

حصر الطرق بالرؤية‌

عدم الاعتدال بالآلات الرصدية‌

عدم الاعتداد بروايات العدد‌

122

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

123

تنبيهات

التنبيه الأول: ضابطة وحدة و تقارب الافق

ان البلاد التي تكون مشارقها و زوالها و مغربها متحدة أو متقاربة جداً تكون هذه البلاد متحدة في الافق، أما البلاد التي تختلف فيها المشارق و المغارب و لا تتقارب تكون بلاداً مختلفة الافق.

و حيث أن الأرض تدور حول نفسها دورة كاملة أمام الشمس خلال 24 ساعة في اليوم و قد تقدم أن الأرض يرسمها 360 خط طولي- انصاف دوائر- فعند توزيع 24 ساعة عليها يكون نصيب كل 15 درجة طولية ساعة تقريبا، و نصيب كل درجة طولية 4 دقائق.

أما المسافة بين خطوط الطول بدءاً من خط الاستواء و حتى القطبين حيث أنها تختلف في المقدار من جهة زيادة احدودابها عند خط الاستواء فيزداد تباعدها فيما بينها و على العكس كلما اتجهت إلى القطبين نجد أن المسافة تصبح أقل من ذلك، و مع بلوغ القطب تصبح المسافة صفر.

و الكلام في ما هو الضابطة لوحدة أو تقارب الأفق بالدقة، بعض جعل الضابطة ما يقارب من 10 إلى 15 دقيقة، فاذا كانت مشارق و مغارب البلاد المختلفة لا تزيد على هذه المدة فهي متحدة الأفق اما مع الزيادة فهي مختلف الأفق، و هذه الضابطة كما سيأتي ليست بصحيحة و دقيقة، إذ لعل الهلال لتوّه تكوّن في بلد الرؤية و لم‌

124

يمكث فوق الأفق كثيراً، أو أن الضابطة مقدار المكث فوق الأفق هو مقدار الاشتراك مع الآفاق الشمسية المتقدمة، أو يقل عنه يسيراً بالدقة كما سيأتي.

و الصحيح: حيث إنّا لا نطابق بين الحساب الشمسي و القمري، أن وحدة أو تقارب الأفق القمري يختلف عن الشمسي و ان كان مطابقة الأفق الشمسي علامة على الاتحاد في الأفق الآخر، لكن ليس هو عين الأفق القمري، و ليس الغرض من هذه الدعوى وضع اصطلاح جديد، بل التركيز على حقيقة و هي:

ان مبدأ الشهر القمري ليس بلد الرؤية الفعلية و انما مبدأه أول بلد يتكوّن الهلال فيه بحيث يكون قابلا للرؤية و ان لم تقع الرؤية لعدم الاستهلال أو لمانع جوي من غيم و نحوه.

توضيح ذلك: اذا رؤي الهلال في منطقة ما و استمر بقاؤه لمدة ساعة مثلًا، فهذا معناه أنه خرج من تحت الشعاع و تكوّن من قبل مدة في نقطة سابقة شرقية قبل رؤيته في هذه المنطقة.

و هذا يعني أن النقطة السابقة متقاربة في الأفق بالإضافة إلى القمر مع المنطقة التي وقعت فيها الرؤية اي أن مكث الهلال فوق الأفق بمقدار كاشف عن خروجه و تكوّنه في نقطة شرقية سابقة و إلا لو كانت بلد الرؤية الفعليّة هي أول بلد يتكوّن فيه الهلال لما مكث هذه المدة المديدة، و اعتبر بمكث الهلال في الليلة الثانية و الثالثة و الرابعة من الشهر فإنه كلما توالت الليالي ازداد مكثه، و سبب ذلك زيادة ابتعاد موضع القمر عن الشمس.

و هذا الكشف ليس كشفاً عن ليلة سابقة للشهر و الذي لم يعتبره المشهور، بل هو كشف عن نقطة سابقة لمبدإ تكوّن القمر، و حينئذ ننتهي إلى أن هناك نسبة معينة بين مقدار مكث القمر فوق الأفق و مقدار سبق النقطة التي بدأ التكوّن فيها و التي عبّرنا‌

125

عنه بتقارب الوفق القمري.

و منه يظهر أن تقارب الأفق القمري معيارها تلك النسبة بين المقدارين و على ذلك يكون التقارب المزبور بحسب إختلاف النسبة، و أما كيفية استخراج النسبة فبالمقدمة التالية:

استخراج نسبة الاختلاف

إن المحكي عن المحقق الخواجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله) في ضابطة استخرجها، أن القمر انما يكون قابلا للرؤية إذا ابتعد مغربه عن مغرب الشمس عشر درجات و يمكث 40 دقيقة فوق الافق الحاصلة من ضرب درجات ابتعاده في أربعة دقائق حيث أن الأرض تطوي كل درجة أربع دقائق.

و قيل إنه يكون قابلا للرؤية إذا ابتعد تسع أو ثمان درجات (1) و على ذلك يمكث في أول نقطة يرى فيه 24 دقيقة.

و لكن من المجرّب كرارا وقوعه أن المدة المرئية للهلال قد تقلّ عن ذلك فتكون بمقدار 15 دقيقة فقط، أو 9 دقائق بل قد سمعنا مرارا أنه هلّ بمقدار خمس دقائق تقريبا.

و وجه ذلك: أن مقدار الابتعاد اللازم للرؤية المذكورة في كلام المحقق الطوسي و إن كان تاما إلّا أن ذلك لا يعني أن نضرب مجموع درجات ابتعاده في 4 دقائق مقدار حركة الأرض لكل درجة، إذ أن العشر درجات المزبورة هي مقدار الفاصلة بين مغرب الجرمين و من اللازم أيضا طرح مقدار درجات هالة الشمس- تحت الشعاع- و حجابها الضوئي.

حيث أنه قبل اختفائه و قبل غروب ذلك المقدار لا تمكّن أشعة الشمس نور‌

____________

(1) رسالة حول رؤية الهلال ص 35.

126

الهلال الضعيف من الانعكاس و الرؤية، فبعد طرحه من العشرة أو التسعة أو الثمانية تبقى أربع درجات تقريبا أو ثلاث أو اثنتان فيكون أقل تقدير لمكث الهلال فوق الافق في أول بلد يرى فيه الحاصل من ضرب 4 درجات أو 3 أو 2 في 4 دقائق هو 16 دقيقة أو 12 دقيقة او 8 دقائق و هو يوافق ما تقدم من المجرّب الواقع.

هذا بالاضافة إلى بعض الموانع الجويّة المقلّلة لمقدار مدة الرؤية الفعلية.

فعلى هذا الحساب كلما زاد الهلال في بلد فوق الافق عن العشر دقائق تقريبا، تحسب تلك الزيادة و تقسّم على أربع فما يخرج من الناتج يكون هو عدد الدرجات الطولية الارضية التي طواها منذ تكوّنه.

فلو فرضنا ان الزيادة كانت 30 دقيقة، كان الحاصل بعد القسمة على أربع دقائق هو 5/ 7 درجة طولية، فحينئذ يعلم بأن تكوّن الهلال كان في نقطة شرقية سابقة تزيد في الطول على بلد الرؤية الفعلية بخمس درجات كقدر متيقن، و العمدة و المدار على المتيقن الاقل من الحساب المزبور في معرفة وحدة الافق في إهلال الهلال.

بل إن التأمل قاض بأن ما أفاده المحقق الطوسي من الضابطة التي استخرجها (1) مستلزم للاشتراك في الرؤية للهلال في أفق نقطة سابقة و في آفاق نقط و مواضع سابقة متقدمة بمقدار أقصاه 40 دقيقة أو 36 أو 33 أو 12 دقيقة و مفاد هذا الاستلزام أن بدء أن تكوّن الهلال بنحو الدقة و المعية هو في مجموعة آفاق مختلفة بذلك المقدار (40- 36- 32- 12 دقيقة).

فالنقطة الاولى من شرق تلك المجموعة يمكث بمقدار دقيقة و في تلك الدقيقة‌

____________

(1) من كون الهلال في مبتدأ رؤيته في افق نقطة ما يمكث 40 دقيقة و هو عند ابتعاد مغرب الشمس فيه عن مغرب القمر عشر درجات كل درجة تطويها الارض في حركتها الوضعية في 4 دقائق، أو ما قيل أنه عند الابتعاد بينهما بتسع أو ثمان درجات، أو ما عقبناه.

127

بعينها يهلّ على بقية المجموعة المزبورة أيضاً، إلّا أنه يبقى ماكثا في النقاط اللاحقة بنحو تصاعدي حتى يكون مكثه في النقطة الاخيرة من تلك المجموعة بمقدار 40 دقيقة كما ذكره المحقق الطوسي (1).

و الوجه في هذا الاستلزام و الاشتراك في الرؤية- بين ما ذكره المحقق الطوسي من الضابطة و النقاط و المواضع السابقة بذلك المقدار- هو أن مكث الهلال فوق أفق موضع ما بمقدار 40 دقيقة أو أقل من ذلك يعني أن الموضع الارضي المزبور قد تحرك- بحركة الأرض الوضعية- مقدار عشر درجات أو أقل طولية- المساوي لمقدار زماني 40 دقيقة- في حالة مواجهة للهلال المتكوّن.

و هذا مما يعني أن الهلال في أول تكوّنه في ذلك الموضع الفضائي يواجه ذلك المقدار الارضي بتمام ذلك المقدار، و لذلك مكث في أفق الموضع المزبور بمقدار 40 دقيقة زمانية، فالموضع المزبور كان في مدار المواجهة الذي هو بقدر عشر درجات أرضية (تساوي 40 دقيقة) و هو الوجه في المكث فوق الافق بالمقدار المزبور.

و لك أن تستوضح ذلك بالدوائر المستخدمة في مراكز الالعاب و الحدائق، فانك إذا جلست عليها و هي تتحرك بحركة وضعية دورية فانك في حالة مواجهة للاشياء التي تحيط بتلك الدائرة، و ترى أن تلك الاشياء تطلع و تغرب عن باصرتك و ان بين طلوعها للباصرة و غروبها مقدار زمني معين، لا دفعي آني.

و السر في ذلك: أن مقدار المواجهة من تلك الدائرة لتلك الاشياء هو بمقدار سُبع أو تُسع الدائرة، فما دامت في حركة في ذلك المقدار و المدار تكون تلك الاشياء مواجهة لك و هي ماكثة في أفق البصر، و الرسم التالي يوضح الوجه المزبور.

____________

(1) أو 36- 32- 12 دقيقة حسب الاقوال الاخرى المتقدمة.

128

هذا: و لا يؤثر في الحساب المزبور تعاصر و تزامن حركة القمر بمقدار ثلث درجة فضائية- من دائرة حركته حول الأرض- مع حركة الأرض عشر درجات طولية- بالحركة الوضعية- إذ نسبتها إلى حركة الأرض الوضعية نسبة 1 إلى 30 إذ دورته الواحدة تزامن الثلاثين دورة أرضية تقريبا، فبالمداقة الرياضية ينقص من مقدار المكث فوق أفق بلد الرؤية لاستخراج مقدار الاشتراك يُنقص تلك النسبة أي جزء من 30 جزء من مقدار المكث.

فلو فرض مقدار المكث ثلاثين دقيقة يكون مقدار الاشتراك 29 دقيقة مع النقاط و المواضع المتقدمة في الافق الشمسي.

129

الضابطة في وحدة الافق بالدقة

و من كل ذلك ننتهي إلى أن الضابطة في الاشتراك في الافق القمري و وحدته أو تقاربه هي مقدار مكث القمر فوق أفق بلد الرؤية فبذلك المقدار أو يقلّ عنه قليلا بالدقة بالمقدار المزبور و هو جزء من 30 جزء تتحد النقاط الاخرى المتقدمة عليه في الافق الشمسي، فمقدار المكث هو مقدار الاشتراك- إلّا يسيرا بنسبة جزء من ثلاثين جزء- مع الآفاق الشمسية المتقدمة.

فاذا رُصد الهلال في بلد بالعين المجردة رصداً دقيقاً فرؤي لمدة خمس دقائق مثلا، فالدول التي في شرق هذا البلد إذا كانت مشارقها و مغاربها- أي أفقها الشمسي- يتقدم بمقدار يزيد على خمس دقائق فلا يثبت لها الهلال و ان كانت أقل من ذلك فيثبت لها الهلال، فيلاحظ مدة بقاء الهلال فوق الافق، و تكون البلاد الشرقية متحدة في الافق القمري بمقدار هذه المدة التي مكث فيها الهلال.

و من ما تقدم يتضح لك سر خطأ الضابطة التي حكيناها عن البعض في صدر التنبيه، إذ لو رؤي بمقدار دقيقتين بلا وسوسة فلا يثبت للبلاد المتقدمة على بلد الرؤية بأكثر من دقيقتين، لانه قبل ذلك لم يكن قد تكوّن.

ان قلت: ما ذكرت من الضابطة و من علامية المكث لمقدار الخروج السابق على بلد الرؤية الفعلية منقوض بالهلال اللاحق لشهر تام سابق «هلال بعد ليل الثلاثين» فانه يرى منتفخا ماكثا فوق الافق كثير و لو في أول بلد تكوّن فيه و اول بلد يرى فيه.

قلت: بعد ما قدمناه من الملاحظة الهامة في الدليل السادس العقلي- من أنه في كل شهر لدينا نقاط يكون الشهر فيها 29 يوما ناقصا و أخرى يكون الشهر فيها 30 يوما تاما- و إن التي يتم فيها الشهر هي مبدأ الرؤية في الشهر، بخلاف التي ينقص فيها، يتضح لك جلياً أن التي يتم فيها لا تكون أول بلد الرؤية للشهر اللاحق و عليك‌

130

بالرجوع للملاحظة المزبورة لبسط الكلام.

ثمّ ليعلم أن المقدار الزمني لوصول ضوء القمر أو الهلال إلى الأرض هو ثانية واحدة و ربع الثانية، كما أنه من المهم الالتفات إلى أن التوقيت الجاري في البلدان ليس هو التوقيت الحقيقي للافق الشمسي و انما هو توقيت اتفاقي حزمي للساعة.

إذ الدول لاحظت أن السير على التوقيت الحقيقي كالساعة العربية يؤدي إلى عدم ضبط الامور الادارية و المالية و غيرها من مرافق المعاش الداخلي، إذ هو يوقت لكل مدينة توقيت خاص بأفقها الحقيقي فيؤدي إلى اختلاف الحساب في الوقت.

فاتفقوا على تقسيم العالم إلى 24 منطقة و قسّم كل قسم الى ساعة كما في الرسم المتقدم، و سمّيت تلك الساعات بالحزمية و التوقيت بالاتفاقي لا الحقيقي، و على هذا يجب الانتباه إلى التوقيت الحقيقي في المحاسبات المتقدمة و إلى وقت الغروب و الزوال لا إلى التوقيت المحلي الرسمي.

131

التنبيه الثاني: وظيفة الشاك في هلال شوال

أن ما هو شائع اليوم من بناء عملي من باب الاحتياط، من خروج الناس و السفر عند عدم ثبوت هلال شهر شوال خروجا عن التردد بين المحذورين بين وجوب الصوم و حرمة صيام العيد، هذا العمل لا رجحان فيه بحسب لسان الروايات في المقام الصريح في وجوب اتمام العدة كحكم ظاهري و عدم الاعتناء بالشك سواء الحاصل من مانع في الرؤية في الافق أو الحاصل من الرؤية الفاقدة للشرائط و الاعتبار- و مساق لسانها أجمع النهي عن الوسوسة و التحيّر و التردّد و الاضطراب في الفحص عن الواقع.

ففي عدة من الروايات المتقدمة سابقا التشديد على شرائط البينة و النهي عن الاعتناء بالفاقدة، ففي رواية عبد الحميد الازدي قال:

قلت لابي عبد اللّٰه (عليه السلام): أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس؟

فقال: «إذا كان كذلك فصم لصيامهم و أفطر لفطرهم» (1).

و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما: «فاذا صمت تسعة و عشرين يوما ثمّ تغيمت السماء فأتم العدة ثلاثين» (2).

و مثلها في اللِّسان صحيحة عبيد بن زرارة و رواية محمد بن قيس في نفس الباب.

و كذا أيضا صحيحة علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره أله أن يصوم؟ قال: إذا لم يشك‌

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 12 حديث 3.

(2) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 5 حديث 1.

132

فليفطر و إلّا فليصم مع الناس (1).

فأمره (عليه السلام) بالصيام اتماماً للعدة كحكم ظاهري و بعدم الاعتناء بالشك مع كون السائل شكه ناشئ من تخيل الرؤية بإبصاره وحده.

و صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا و إذا رأيتموه فافطروا و ليس بالرأي و لا بالتظني و لكن بالرؤية، و الرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا هو و ينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة آلاف» (2).

حيث أنها جعلت غاية الصيام و موضوع الفطر الرؤية الواجدة للشرائط و أما مع فقدها لها كمورد الاسترابة في المثال، فلا يعتد بها و لا بالشك الحاصل منها بل يتم الصيام عدة بمقتضى مفهوم الشرطية فالرواية توجه النظر إلى عدم الاعتناء بالشك الحاصل من الرؤية المريبة و إلى لزوم اتمام العدة حينئذ كحكم ظاهري، و هذا اللسان متعدد في روايات الباب و غيرها من ألسنة الروايات.

و كموثقة سماعة أنه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟

قال: إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة إنسان» (3).

كل هذه الاحاديث و غيرها تشدّد على عدم الاعتناء بالشك و الوسوسة و انما الصيام للرؤية الواجدة للشرائط و الفطر للرؤية الواجدة للشرائط، و مع وجود الريبة في البينة تكون فاقدة للشرائط لا يعتنى بها و لا بالشك الحاصل منها.

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 4 حديث 1.

(2) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 11 حديث 11.

(3) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 12 حديث 6.

133

التنبيه الثالث: حصر الطرق بالرؤية

و منشأ هذا الحصر ما ورد مستفيضا من اشتراط الصيام و الفطر بها و غيره من السنة الحصر للحجية بها في مقابل بقية الطرق، و الرؤية هي كناية عن القطع و اليقين الحسي لا الاطمئنان فحسب.

فنرى كثيرا من الروايات في المقام تقابل بين الرؤية و الظن و التخيل الحاصل من مناشئ مختلفة، أي اليقين الحسي مقابل الظن و التجزم الحاصل من الحدس.

فقولهم (عليهم السلام): «صم للرؤية و افطر للرؤية»، اللام للتعليل و ظهورها في الانحصار.

بتقريب: أن الرؤية طريق وجداني حسي قطعي غير قابل للجعل في طريقيته المحضة إلّا إذا أخذ جزء الموضوع على نحو الصفتية، أو الطريقية لكن ظهور العناوين الاستطراقية كالعلم و نحوه هو في الطريقية المحضة و أخذها جزء الموضوع يحتاج إلى مئونة لفظية زائدة.

فعلى ذلك تكون المستفيضة: «صم للرؤية و افطر للرؤية»، في مقام نفي الحجية عن الطرق الاخرى و الارشاد إلى حدّ الموضوع من كونه متكوّنا بحيث يرى بالعين المجردة، فالطريق على الهلال هو اليقين الحسي.

و أن ثبوت الهلال إذا استند إلى ملازمة أو مقدمة حدسيّة أو حسابيّة و لو بالاستعانة برؤية حسية لاحقة، لا يكون ثبوتا للهلال باليقين الحسي، بل لليقين الحدسي و لا يكون الصيام للرؤية، فهو و ان استند في بعض مقدمات للحس كأن يستعان برؤية لاحقة إلّا أنه بضميمة مقدمة حدسية لتثبيت الهلال في ليلة سابقة.

نعم دلّ الدليل على حجية قيام طرق على هذا الطريق و هو البيّنة و نحوها.

134

و عن السيد المرتضى في الناصريات و العلامة في المختلف و السبزواري في الذخيرة و الفيض الكاشاني في المفاتيح و النراقي في المستند، و السيد الخوئي (قدس سره) خلافا للمشهور الذهاب إلى اعتبار رؤية الهلال قبل الزوال، و ان ذكر أن الفرض في نفسه نادر التحقق حيث لم نر و لم نسمع لحد الآن برؤيته قبل الزوال و لا بعده اللهم إلّا قريباً من الغروب بنصف ساعة أو ساعة فانه كثير شائع.

ذهبوا إلى ذلك لوجود روايات صحيحة في المقام مفصلة بين رؤيته قبل الزوال و بعد الزوال.

كموثقة اسحاق بن عمار- المطلقة- قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن هلال رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان؟ فقال: «لا تصمه إلّا أن تراه، فان شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، و إذا رأيته من وسط النهار فأتم صومه إلى الليل» (1).

و صحيحة محمد بن قيس- المطلقة أيضا- عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا رأيتم الهلال فافطروا، أو شهد عليه عدل من المسلمين، و ان لم تروا الهلال إلا وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام إلى الليل» (2).

و صحيحة حماد بن عثمان- المقيدة المفصلة- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، و إذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة» (3).

و صحيحة عبد اللّٰه بن بكير و عبيد بن زرارة- المقيدة المفصلة- قالا: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، و إذا رؤي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان» (4).

و الروايات المعارضة لها مطلقة.

كرواية حراج المدائني قال: قال ابو عبد اللّٰه (عليه السلام): «من رأى هلال شوال بنهار في‌

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 3.

(2) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 3 حديث 1.

(3) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 6.

(4) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 5.

135

شهر رمضان فليتم صيامه» (1).

و هي قابلة للتقييد بتلك الروايات.

و أما رواية محمد بن عيسى قال: كتبت إليه (عليه السلام): جعلت فداك، ربما غم علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، و ربما رأيناه بعد الزوال، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رايناه أم لا؟ و كيف تأمر في ذلك؟ فكتب (عليه السلام): «تتم إلى الليل، فانه ان كان تاما رئي قبل الزوال» (2).

فمخدوشة دلالة و سنداً.

أما الدلالة: فلاضطراب المتن إذ قد رواها الشيخ في التهذيب و الاستبصار، و بين النسختين اختلاف فاحش، و ان اتحد السند و كذا المتن من غير هذه الجهة.

ففي نسخة التهذيب هي بالصورة المتقدمة- غم علينا هلال شهر رمضان- و في نسخة الاستبصار- غم علينا الهلال في شهر رمضان- و مقتضى النسخة الاولى أن فرض يوم الشك من آخر شعبان، بمعنى أنه كان صائما قضاءً أو ندبا فيتم صيامه المزبور إلى الليل بانيا على أنه من رمضان، فانه إذا كان الشهر- شهر رمضان- تاما فيمكن أن يرى هلاله قبل الزوال، و يضم إلى ذلك اليوم تسعة و عشرين يوما فيكون تاما، فيطابق مفاده ما تقدم من الروايات المقيدة، فلا تكون معارضة.

و مقتضى النسخة الثانية فرض يوم الشك من آخر رمضان و السؤال هو عن جواز الافطار لرؤية الهلال قبل الزوال، و الجواب هو وجوب اتمام الصيام إلى الليل و عدم الاعتداد بتلك الرؤية، لان الشهر الذي هو فيه إذا كان تاما فيرى هلال الشهر اللاحق قبل الزوال، فلا يكون يوم الشك أول شوال بل يبنى على أنه آخر رمضان، فتكون معارضة.

و أمّا السند: فضعيفة بمحمد ابن جعفر بن بطة.

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 2.

(2) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 8 حديث 4.

136

و في ما أفيد مواقع للنظر:

أما المطلقات: «صم للرؤية و افطر للرؤية»، فهي آبية عن التخصيص بقرينة ما ورد فيها من أدوات الحصر و ما تقدم بيانه من كيفية استفادته، و تفريع نفي الطرق الاخرى على ذلك، معتضدا بفهم و عمل المشهور، بل و في بعضها الاشارة إلى نفي مجمل الحسابات الظنية و الحدسية تفريعا على الحصر المزبور.

ان قلت: ان رؤية ما قبل الزوال هي من الرؤية الحسية من الحدس فلا ينافيها الحصر المزبور.

قلت: الظاهر من الروايات حتى المفصلة بين ما قبل و بعد الزوال، هو الرؤية الليلية كصحيحة محمد بن قيس في قوله (عليه السلام): «إذا رأيتم الهلال فافطروا .... و إن لم تروا الهلال من وسط النهار أو آخره فاتموا الصيام إلى الليل»، و غيرها من الروايات، للمقابلة بين الرؤية الليلية و النهارية، حيث أن الاولى هي الرؤية بنحو مطلق.

هذا لو فسرنا رؤية قبل الزوال بالرؤية النهارية، و أما لو فسرناها بالرؤية الليلية في بلد غير بلد المكلف المزامن لوقت ما قبل الزوال في بلد المكلف فسوف يكون عد يوم الشك أول الشهر مبنى على حدس الرؤية في الليلة السابقة و هذا ما استفاضت الروايات في النهي عنه و ان الهلال ليس بالتظني و التخمين و انما مبدأه يثبت باليقين الحسي النابع من الرؤية بلا ضميمة و لا توسط مقدمة أو واسطة حسابية أو حدسية.

هذا مع أنه كيف يفرض في زمن صدور الروايات فرض هذا السؤال على التقدير الثاني حيث لم تكن هناك وسائل اتصال سريعة، و التقدير الأول قد تقدم ندرته بل عدم وقوعه، مع أن في الروايات المتقدمة فرض وقوعه بكثرة، فمن مجموع ذلك يعلم الاجمال في مفاد تلك الروايات.

اللّهم إلّا أن تفرض رؤية كرة القمر عند بداية الطلوع قبل استيلاء أشعة الشمس، كما هو الحال في رؤية كرة القمر صباحاً في أواخر الشهر قبل دخوله تحت الشعاع‌

137

غاية الامر على الجهة المقابلة لموضعه في آخر الشهر.

و أما رواية محمد بن عيسى فيمكن تصحيح سندها بتبديل السند إلى محمد ابن عيسى، حيث أن طريق الشيخ (قدس سره) في الفهرست إليه صحيح، و قد ذكر أن الطريق إلى كتبه و رواياته هو الطريق المزبور، و قد فصلنا الحال في صحة تبديل- ازدواج- الاسناد في بحث الرجال و ما علقناه من الطهارة في شرح العروة.

و ان شئت فخذ مثالا على دأب الشيخ و اصحاب المجاميع على ذلك ما ذكره في التهذيب ج 4 ص 169 عند كلامه عن روايات العدد و عدم نقص شهر رمضان، حيث قال في رد الرواية الصحيحة التي استخرجها من كتاب ابن ابي عمير عن حذيفة بن منصور: «ان كتاب حذيفة بن منصور (رحمه الله) عري منه و الكتاب معروف مشهور، و لو كان هذا الحديث صحيحا لضمنه كتابه».

فترى مع أن الراوي عن حذيفة هو ابن ابي عمير إلّا ان الشيخ لم يكتف بذلك و أخذ بمراجعتها في كتاب حذيفة و نبّه بعدم وجودها، هذا مع أن الشيخ في طريقه في الفهرست إلى كتاب حذيفة بن منصور قال له كتاب رويناه ... و ذكر طرقه إليه و لم يقل أن تلك الطرق هي لجميع كتبه و رواياته كما هو الحال في طريقه إلى محمد بن عيسى اليقطيني اليونسي حيث عبر أن الطرق إلى كتبه و رواياته، بل و في آخرين غيره عبر بجميع كتبهم و رواياتهم، هذا من حيث السند.

و أما من حيث الدلالة: فلا يخفى رجحان و تعين نسخة الاستبصار إذ تكون مفاد الجمل متناسبة متسقة متلائمة، و قد قدم في «الملاحظة» في الدليل العقلي قوّة المضمون و علوّه فراجع، بخلافه على النسخة الاولى فان فيها من التكلف و التمحل الممج ما لا يخفى، مضافا إلى أنه لا محصل للسؤال حينئذ عن الافطار، و قد اذعن (قدس سره) بذلك إلى حد ما.

فتكون هذه الرواية معارضة في نفس الباب لتلك الروايات المفصلة، بل ان موثقة اسحاق بن عمار أيضا معارضة للروايات المفصلة حيث سأل فيها: «عن هلال‌

138

رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان؟ فقال (عليه السلام): لا تصمه إلّا أن تراه فان شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، و إذا رأيته من وسط النهار فأتم الصوم إلى الليل» (1).

حيث أن الظاهر من ذيلها الاعتداد بالرؤية في وسط النهار و انها كاشفة عن كون الليلة السابقة من الشهر الجديد إذ الظاهر ان الذيل أحد شقوق فرض السؤال و هو الشك في هلال شهر رمضان و انه لا يصومه إلّا أن يراه أو يشهد أهل بلد آخر فيقضيه أو يراه من وسط النهار فيتم الصيام إلى الليل.

مضافا إلى أن التعبير: «فأتم الصيام إلى الليل»، جناس للتعبير في الآية بوجوب صيام شهر رمضان إلى الليل فحمل الذيل على هلال شوال كما ذكره في المستند تكلّف و خلاف للظاهر جدا.

فحقيقة التعارض موجودة، و في اثارة غبار هذا التعارض تلويح و اشارة إلى نفس النكات التي مرت و هي حصر الطرق في الرؤية و كون اعتبار الطرق الاخرى من مسلك العامة فقد رووا في المقام و روايات باعتبار رؤية ما قبل الزوال في الكشف عن الهلال في الليلة السابقة منها.

ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن مغيرة عن شباك عن ابراهيم قال: كتب عمر إلى عنبسة بن فرقد: إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس تمام الثلاثين فافطروا، و إذا رأيتموه بعد أن تزول الشمس فلا تفطروا حتى تمسوا (2).

فروايات الباب متعارضة لا أن النسبة بينهما مطلقة و مقيد كما أفيد في المقام. مضافا إلى بعد حصول الرؤية للهلال قبل الزوال، لان هالة الشمس تحجب رؤية الهلال.

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب حديث.

(2) المصنف ج 4 ص 163 رقم 7332 و رواه البيهقي في السنن ج 4 ص 213، و مثله أيضا في المصنف عن يحيى ابن الجزار عن علي (عليه السلام) بنفس المفاد و المعنى، كما رووا في المقام حديثا معارضا لذلك ففي السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 213 بسنده عن أبي وائل قال: أتانا كتاب عمر بخانقين: أن الاهلة بعضها أعظم من بعض فاذا رأيتم الهلال من أول النهار فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان انهما رأياه بالامس.

139

التنبيه الرابع: عدم الاعتداد بالآلات الرصدية في الرؤية

هل يثبت الهلال بالرؤية و بالعين المسلحة كالتلكسوب، أم لا بد من العين المجردة في تعيين مبدأ الشهر؟

أو التفصيل فتارة لا يمكن أن يرى الهلال بالعين المجردة، و أخرى يمكن ذلك إلّا أن الموانع تقع حاجبا في تحققها أو لعدم الاستهلال، و رؤي بالعين المسلحة.

الفرض الأول

و هو ما إذا لم يمكن مشاهدته بالعين المجردة، و شُوهد بالعين المسلحة، ففي هذه الحالة الاتفاق حاصل على عدم الاعتداد بهذه الرؤية.

و السر في ذلك يعزى إلى أن ابتعاد القمر عن تحت الشعاع ليس هو موضوع الحكم بشكل مطلق، بل ابتعاده عن الشمس بحيث يتكوّن و تشتدّ أشعة انعكاسه بنحو يرى على سطح الأرض بالعين المجردة، كأن يبتعد عن الشمس بمقدار عشر درجات فضائية، أما لو ابتعد عنها بأقل من هذا المقدار فانه لا يتمكن من رؤيته بالعين المجردة و إنما يمكن رؤيته بالعين المسلحة.

فالترديد في المقام فيه تباين موضوعي لا أن الموضوع واحد و الاختلاف منشؤه الطريق لهذا الموضوع كما قد يتوهم، إذ أن الموضوع ليس هو جرم القمر، و إلّا فانه يمكن أن يرصد و يرى القمر بالعين المسلحة طوال دورانه حول الأرض سواء كان في حالة المحاق أم في غيرها.

و انما الموضوع هو منازل القمر و هو قوله تعالى: «قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ» و منزلة القمر تختلف من حالة إلى أخرى، فاذا ابتعد القمر عن الشمس بمقدار‌

140

درجتين فان هذه منزلة و في هذه الحالة لا يمكن أن يرى بالعين المجردة، و إذا ابتعد عن الشمس بمقدار عشر درجات فانها منزلة أخرى و ميقات آخر أيضا، و في هذه الحالة يمكن أن يرى بالعين المجردة، فمن حيث الزمن يوجد في المنازل اختلاف و كذلك من حيث المسافة الفضائية، فأي منزلة هي ميقات و موضوع الحكم.

ففي المقام موضوعان لا موضوع واحد و الطرق إليه مختلفة حتى يقال بامكان ثبوت الهلال بالعين المسلحة.

و هذا محصل ما قد يقال بأن الرؤية ليست طريقاً محضاً بل لها موضوعية، اي أن المرئي كونه بحيث يرى- و أخذ هذا قيداً- موضوع الحكم، لا أن الرؤية أخذت جزء الموضوع على نحو الصفتية أو الطريقية، بل هي طريق محض عبر به لبيان حصر الاعتماد على الطريق اليقيني الحسي و لبيان أن ما هو موضوع الحكم هو تكوّن الهلال بحيث يرى بالعين المجردة- أي المنزلة التي يسمى فيها هلالا و يستهلّ به الناظرين- لا التكوّن الضعيف غير المرئي بالباصرة أي المنزلة القمرية السابقة.

فالنكتة الثانية للتعبير بالرؤية عن الموضوع هو الكناية و الارشاد إلى حد درجة و منزلة القمر التي هي موضوع الحكم.

فالاشكال بالتهافت على ما في التنقيح و المستند من أن الرؤية و التبين- كما سيأتي فيبحث الليالي المقمرة- أخذا في كلامه من جهة أنهما طريق محض و التزم من جهة أخرى أن لهما موضوعية، حيث لا تقوم بقية الطرق مقامهما (1).

غفلة عن هذه النكتة و هي ان الموضوع بحيث يرى هو جزء الموضوع، اما نفس الرؤية فهي طريق محض.

____________

(1) و كذا ما عن بعض المعاصرين في رسالته الهلالية من اعتراضه على التنقيح و المستند من انه تارة يأخذ الرؤية موضوعية و اخرى لا يؤخذ.

141

الفرض الثاني

و قد أفتى به السيد الخوئي- على ما يحكى و ان تخيل البعض أنه الفرض الأول.

و هو أن الرؤية المجردة ممكنة إلّا انه لمانع من غيم و أبخرة، أو لعدم الاستهلال لم يرصد و لم يرى الهلال، ففي هذه الحال إذا قطع بانه يرى بالعين المجردة لو لا المانع، بعد أن رئي بالعين المسلحة فإنه يحكم بثبوت الهلال، حيث أن الموضوع- و هو المنزلة الخاصة للقمر و هي الهلال- قد تحققت.

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

التنبيه الخامس: عدم الاعتداد بروايات العدد

هل ان شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان أم أنه لم ينقص منذ أن خلق اللّٰه السموات و الأرض.

و هذه المسألة وقعت محل تنازع عظيم بين قدماء الاصحاب.

قال الحر العاملي: ذكر ابن طاوس في كتاب الاقبال: أن علماء الشيعة مجمعة في زمانه على أن شهر رمضان قد يكون ثلاثين يوما و قد يكون تسعة و عشرين و أنهم كانوا مختلفين من قبل، و أن الصدوق ذهب إلى أنه لا ينقص أبدا عن ثلاثين يوما و كذلك المفيد، و نقل اجماع أهل زمانه على ذلك و نقله عن الصدوق، و عن أخيه الحسين بن علي بن الحسين، و عن أبي محمد هارون بن موسى، و عن السيد أبي محمد الحسني و غيرهم.

قال: و نقله ابن طاوس، عن ابن قولويه، و ذكر أن محمد بن أحمد بن داود صنف كتابا في الرد على جعفر بن محمد بن قولويه ثمّ انه رجع عن ذلك و صنف كتابا في انه يجوز أن يكون تسعة و عشرين يوما، و أنه كغيره من الشهور في ذلك، و كذلك الكراجكي كان يقول: اولا يقول ابن قولويه و ألف فيه كتاب ثمّ رجع عن ذلك، و ألف كتابا في الرد عليه (1).

كما أن العامة قد رووا في ذلك بعض النصوص كحديث أبي بكرة قال قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان و ذو الحجة (2).

____________

(1) الوسائل أبواب أحكام شهر رمضان باب 6 حديث 37 في الحاشية طبع مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب 12 و رواه البيهقي أيضا في السنن ج 2 ص 250 و قال رواه البخاري في الصحيح و مسلم.

144

و الروايات التي استدل بها على أن شهر رمضان لا ينقص عن 30 يوما هي:

صحيحة حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير قال: قلت لابي عبد اللّٰه (عليه السلام): ان الناس يقولون: ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) صام تسعة و عشرين أكثر مما صام ثلاثين؟ فقال: «كذبوا، ما صام رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) منذ بعثه اللّٰه تعالى أن قبضه أقل من ثلاثين يوماً، و لا نقص شهر رمضان منذ خلق اللّٰه تعالى السماوات و الأرض من ثلاثين يوما و ليلة» (1).

و هذه الرواية مستفيضة عن حذيفة، و في بعض أسانيدها الحديث مروي عنه عن معاذ عن الامام (عليه السلام) و في بعضها عنه عن الامام مباشرة.

و هذا الخبر كما صرح الشيخ في التهذيب شاذ و لا يوجد في شي‌ء من الاصول و لا في كتاب حذيفة، و أنه مضطرب الاسناد مختلف الالفاظ، و أنه خبر واحد لا يوجب علما و لا عملا، و لا يعارض ظاهر القرآن و الاخبار المتواترة (2).

و موثقة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» قال صوم ثلاثين يوما (3).

و لا نصوصية لها على القول المزبور، إذ عند الشك تكمل العدة، و لذا حملها الشيخ الطوسي على ما إذا غم هلال شوال.

و مرسلة محمد بن اسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: ان اللّٰه تبارك و تعالى خلق الدنيا في ستة أيام، ثمّ اختزلها عن أيام السنة، و السنة ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما، شعبان لا يتم أبداً، و رمضان لا ينقص و اللّٰه أبدا، و لا تكون فريضة ناقصة ... الحديث (4).

____________

(1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 5 حديث 24.

(2) التهذيب ج 4 ص 169.

(3) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 5 حديث 31.

(4) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 5 حديث 24.

145

و رواية ياسر الخادم قال: قلت للرضا (عليه السلام): هل يكون شهر رمضان تسعة و عشرين يوما؟ فقال: ان شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما أبدا (1).

و رواية محمد بن يعقوب بن شعيب عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال- في حديث طويل- شهر رمضان ثلاثون يوما لقول اللّٰه عز و جل: «وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» الكاملة التامة قال: ثلاثون يوما (2).

و في مقابل هذه الاحاديث روايات عديدة و مستفيضة تدل بصراحة على النقصان، و ان شهر رمضان كغيره من الشهور يعتريه النقص و يكون 29 يوما، من هذه الاحاديث:

موثقة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان» (3).

و صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال في شهر رمضان: «هو شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان» (4).

موثقة اسحاق بن جرير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ان الشهر هكذا و هكذا و هكذا، يلصق كفيه و يبسطهم»، ثمّ قال: و هكذا و هكذا و هكذا، ثمّ يقبض اصبعا واحدة في آخر بسطة بيديه و هي الابهام فقلت: شهر رمضان تام أبدا، أم شهر من الشهور؟ فقال: هو شهر من الشهور، ثمّ قال: ان عليا (عليه السلام) صام عندكم تسعة و عشرين يوما، فأتوه فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد رأينا الهلال، فقال: أفطروا (5). و الأحاديث في الباب متعددة فراجع.

____________

(1) الوسائل: أبواب احكام شهر رمضان باب 5 حديث 36.

(2) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 5 حديث 37.

(3) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 5 حديث 1.

(4) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 5 حديث 3.

(5) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 5 حديث 2.

146

تفسير المشهور

و في معرض الجواب عن الروايات الاولى، ذكر المشهور نكتة هيوية و هي:

أن الهيويين أصحاب الزيجات جعلوا لضبط السنة القمرية شهور السنة القمرية شهراً ناقصا و آخر تاما ثلاثين يوما، الفرد من الشهور تام و الزوج منها ناقص، و شهر رمضان باعتباره فرداً فهو تام دائما و أبدا على هذا الحساب.

و في روايات المقام إشارة إلى هذه النكتة لا أن هذا هو الشهر الواقعي بل هو الشهر الجداولي الحسابي عند الهيويين و روايات المقام تشير إليه.

كما في موثقة اسحاق بن جرير المتقدمة قوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): ان الشهر هكذا و هكذا و هكذا، يلصق كفيه و يبسطهم، ثمّ قال: و هكذا و هكذا و هكذا، ثمّ يقبض إصبعا واحدة في آخر بسطة بيديه و هي الابهام.

فالرواية واضحة في الاشارة إلى حساب الجداول.

و كذا في صحيحة يونس بن يعقوب فيها: «الشهور شهر كذا، و قال بأصابع يديه جميعا فبسط أصابعه كذا و كذا و كذا، و كذا و كذا و كذا، فقبض الابهام و ضمّها» (1)، و أيضا ما في رواية جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «ما أدري ما صمت ثلاثين أكثر، أو ما صمت تسعة و عشرين يوما، إن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) قال: شهر كذا و شهر كذا يعقد بيده تسعة و عشرين يوماً» (2)، و غيرها من الروايات.

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 5 حديث 14 و 15.

(2) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 5 حديث 18.

147

تفسير آخر في المقام

قد قدمناه في «الملاحظة الهامة» في الدليل العقلي في النقض السادس، من أن الشهر يتم في أول نقطة يتكوّن فيها الهلال في أيّ شهر، و يكون ناقصا في النقاط الشرقية من النقطة الاولى، فكل شهر هلالي يتم في بعض النقاط و ينقص هو بعينه في النقاط الاخرى فكذا الحال في شهر رمضان يكون 30 يوما في بعض النقاط و ناقصا بشخصه في نقاط أخرى و على ذلك يمكن حمل روايات العدد.

و ملخص ما تقدم في وجه ذلك أن الشهر الهلالي دورته 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة، لا تقل عن هذا المقدار كما هو من مسلمات علم الهيئة.

و أول بلد يرى فيه الهلال عند الغروب على بعد عشر درجات من مغرب الشمس تقريبا لا بد من أن يمر على نفس الموضع تسعة و عشرين مرة ثمّ لا يتم الدور الثلاثين بل نصفه تقريبا، و بعد ذلك يتكوّن هلال الشهر اللاحق، لكن الموضع الأول لهلال الشهر السابق لا يرى هلال اللاحق إلّا بعد تتميمه للدور الثلاثين و ان كان قد تكوّن هلال اللاحق في نصف الدور المزبور في موضع ثان، فسيكون شهر رمضان و أيّ شهر هلالي على نحو الدوام في أول بلد الرؤية في الأرض ثلاثين يوما و دواما توجد بقعة يتم فيها الشهر.

فلو فرضت الصين أول بلد يرى فيه الهلال ففي ليلة الثلاثين لا يتمكن من رؤية الشهر اللاحق فيها لانه لم يستكمل دورته، نعم في نهار الثلاثين يكون قد طوى المسافة المزبورة و تكوّن في نقطة أخرى.

هذا على القول باختلاف الآفاق في الحكم تكون بعض المناطق ثلاثين يوما و بعضها تسعة عشرين يوما، و أما على القول بعدم الاشتراط فأيضا يكون الشهر ثلاثين يوما دائما في بقعة ما و ناقصا في أخرى قد بيناه في الملاحظة المزبورة فراجع.

148

فعلى مسلك المشهور يمكن تفسير الروايات بشكل واضح، لكن على مسلك غيرهم توجيهها امر مشكل.

فالروايات القائلة بأن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما لا غبار عليها، إذ شهر رمضان دائما و أبدا في بعض البقاع يكون ثلاثين يوما، و في بعضها الآخر يكون تسعة و عشرين يوما، و يؤيد هذا الحمل التعليل في بعضها بمقدار الدور الحسابي للسنة القمرية، كمعتبرة يعقوب بن شعيب عن أبيه: «فالسنة ثلاثمائة و أربعون و خمسون يوما».

لكن تقدم أن عدم ثبات تمامية الشهر في نقطة واحدة لعدم كون مبدأ الرؤية ثابتا في بقعة واحدة.

مفاد روايات العدد

و أما الروايات مثل قوله عليه الصلاة و السلام: «ما صام رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) تسعة و عشرين يوما»، فليس لسانها أن شهر رمضان ثلاثون يوماً، بل مؤداها ما صام رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) ناقصاً إذ أنه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يصم اليوم المستحب، يوم الشك أو الآخر من شهر شعبان.

و أما قوله (عليه السلام): «ما نقص شهر رمضان»، فهذا لسان آخر يحمل على تمامية الشهر في نقطة أول تكوّنه.

ثمّ انه لو فرض خلو الروايات السابقة القائلة بأن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما عن المعارض فلا يمكن العمل بها على نحو الاطلاق في كل البقاع إذ الوجدان قاض بخلافها.

149

وجيزة استدراكية في الهلال

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و صلّى اللّٰه علىٰ سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله الطاهرين.

علىٰ ضوء ما جرىٰ تداوله مع فتوىٰ السيّد السيستاني «دام ظلّه» من تفرقته بين الآفاق ليس بحسب اختلاف خطّ الطول أو الخطّ الفاصل بين الليل و النهار بل بحسب اختلاف خطّ العرض و إن لم يوجب اختلافاً في وقت الطلوع و الغروب للشمس. تبيّن لدينا أنّه لا يشترط وحدة الأفق في ثبوت الهلال و ابتداء الشهر القمري و أنّه يكفي رؤية واحدة لتحقّق دخول الشهر لكلّ الأرض، لما بنينا عليه من ذكر ملاحظات أهمّها:

أوّلًا: أنّ التمسّك بإطلاق أو عموم الرؤية أو نوع الإطلاق و العموم فضلًا عن توابع الرؤية من البيّنة و شرائطها و كيفيّاتها لاستكشاف حدّ الشهر الهلالي و حقيقة ماهيته، غير نافع للتوصّل بنحو يقيني إلىٰ حدود الماهيّة للشهر، بل هو من الاستكشاف الإنّي الظنّي و هو لا ينضبط، إذ لو عثر علىٰ قرينة أو قرائن ثبوتية علىٰ حدّ الماهيّة فإنّها ستكون حاكمة علىٰ نمط العموم و الإطلاق في الرؤية و البيّنة لا العكس، فالمتعيّن تحرّي و تنقيح البحث حول الحدّ الثبوتي أوّلًا من حقيقة ماهيّة الشهر في الاعتبار العرفي المرسوم علىٰ الحدّ الكوني. و على ذلك فما بنينا عليه سابقاً من استكشاف كونه حدّ الشهر الهلالي يبدأ من بلد الرؤية دون ما قبلها ممّا‌

150

يشترك معها في الليل الحسابي التقويمي، مبنيّاً علىٰ ما ورد في طوائف من الروايات في الرؤية و البيّنة و حالات الهلال غير سديد، و كان الذي دَفَعنا إلىٰ الاعتماد سابقاً عليه هو استدلال السيّد الخوئي (قدس سره) علىٰ قوله ثمّ الردّ علىٰ ذلك الاستدلال بما يتلائم مع القول المنسوب إلىٰ المشهور، فكلّ من الاستدلالين لا يخلوان عن الملاحظة المشار اليها.

ثانياً: التطابق و الانطباق بين الشهر الهلالي و اليوم و الليل الشمسي فإنّ هذا أمر لا بدّ منه في التقويم و الحساب الفلكي و العرفي و هو غاية ما ينقسم إلىٰ يوم سابق و يوم لاحق علىٰ مدار الأرض، و هو لا ينقسم إلىٰ تقسيمات باعتبارات أخرىٰ كالتقسيم بلحاظ الشمال و الجنوب أو ما قبل أوّل بلد رؤي فيه الهلال و ما بعده، و الحاصل أنّ تحقّق مسمّى الرؤية أو تحقّق تكوّن الهلال و انعكاس نوره إلىٰ بقعة من بقاع الأرض يوجب بدأ الشهر الهلالي لكلّ الأرض، و غاية ما استثني من ذلك التحقّق بحسب الروايات هي البقاع المزامن الوقت لديها بعد الزوال.

و يمكن أن يقرّب بعبارة أُخرىٰ أنّ أوّل بلد تحقّقت فيه الرؤية غروب ليلة الثلاثاء مثلًا هي ليلة شخصيّة تشترك بقيّة البلدان التي تقع شرقي بلد الرؤية مع بلد الرؤية في شخص تلك الظلمة الليلية و لا تتبعّض تلك الليلة تقويماً في الحساب.

ثالثاً: أنّ لازم الالتزام بتعدّد الرؤية بحسب البقاع هو ما ذكرنا في الرسالة الثانية للسيد «دام ظلّه» من عدم دخول الشهر الهلالي في البلاد الغربية رغم تأخّر الأفق لعدم إمكان الرؤية بحسب عدم ارتفاع الهلال فوق الأفق عندهم في العرض الكبير الشمالي، و قد يتأخّر ذلك إلىٰ يومين لاحقين كما أثبتت ذلك الإرصادات الفلكيّة، و بالتالي قد يرتسم خط حلزوني لبداية الشهر الهلالي لو اشترط تحقّق الرؤية بنحو استغراقي لكلّ بلد في حقيقة ماهيّة الشهر الهلالي. كما أنّه قد يحدث تقدّم دخول الشهر في يوم واحد في البلدان الشرقيّة كالشرق الأوسط و بلدان أقصىٰ الغرب‌

151

كأمريكا ذات العرض الشمالي المتوسّط دون بلدان أدنىٰ الغرب كشمال أوروبا الغربية ذات العرض 50 درجة فما فوق، فيكون الأفق المتقدّم الشرقي و القاضي الغربي داخلًا في الشهر دون الأفق المتوسّط بينهما طولًا كأوربا و غيرها من اللوازم التي ذكرنا في الرسالة الثانية؛ فإنّها لا ترد علىٰ ما التزم به السيّد السيستاني «دام ظلّه»، فحسب بل علىٰ القول المنسوب للمشهور أيضاً، حيث يشتركان في الالتزام بضرورة استغراق الرؤية و عدم الاكتفاء بمسمّى الرؤية الواحدة، فيلزم تعدّد بقاع ابتداء الشهر بحسب الاختلاف في إمكان الرؤية.

رابعاً: ما في الآفاق القطبيّة؛ فإنّ رؤية الهلال تمتنع لموانع طبيعية لا تنفكّ بحسب فصل الشتاء و فصل الصيف من الظلمة المستديمة أو النهار المطبق مدّة طويلة بحسب خطوط العرض و بحسب الشهور الفصلية. مع أنّه لا يمكن أن يصار إلى القول بعدم دخول الشهر الهلالي لهم، بل الحساب لهم بحسب المناطق المستوية التوسّط في التقويم كما هو الحال في تقويم أوقات اليوم و الليل الشمسيين.

خامساً: التأييد بما ورد من ثبوت الهلال و الشهر برؤيته نهاراً قبل الزوال للّيلة السابقة بخلاف ما إذا رؤي بعد الزوال فإنّه للّيلة اللاحقة المستقبلة كما في صحيح حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو للّيلة الماضية، و إذا رأوه بعد الزوال فهو للّيلة المستقبلة» (1)، و مثلها موثّق عبد اللّه بن بكير (2) و رواية محمّد بن قيس (3) و هي تقيّد المطلقات النافية لاعتبار الهلال إذا رؤي في النهار، و مقتضاها اشتراك الرؤية النهارية قبل الزوال في دخول الشهر مع بلد الرؤية المغربيّة مع كون الأُفق مختلف بمقدار ليل كامل و نصف نهار، و الوجه في استثناء ما بعد الزوال هو اختلاف هذا المقدار مع التقويم الشمسي، فإنّ الهلال حيث هو مبدأ‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 10، ص 280، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 8، ح 6.

(2)- وسائل الشيعة، ج 10، ص 279، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 8، ح 5.

(3)- وسائل الشيعة، ج 10، ص 278، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 8، ح 1.

152

دخول الشهر القمري اختلف مع الشهر الشمسي في البدأة الليلي بخلافه و إن اعتيد في المتعارف الدولي حالياً بدأ اليوم الشمسي من منتصف الليل. فهذه الروايات تجعل الخطّ الفاصل بين الشهر القديم السابق و الشهر الجديد اللاحق بالزوال الشمسي.

و أمّا معارضة رواية المدائني (1) و محمّد بن عيسى (2) فمضافاً إلى عدم التكافؤ سنداً و عدداً، أنّ الرواية الأُولى مطلقة قابلة للتقييد الذي في الروايات المفصّلة، و الثانية مكاتبة محتملة للتقيّة؛ لئلّا يقع السائل في مخالفة حكم العامة أو لاحتمال اشتباه رؤيته قبل الدخول تحت الشعاع مع رؤيته بعد الخروج.

سادساً: التأييد بمبدإ الشهر القمري الآخر و هو الحركة عن المحاق و هي الولادة الجديدة للدورة الجديدة لحركة دوران القمر حول الأرض؛ فإنّه منذ القديم قد اتّخذ عند البشر في بعض البلدان المحاق نقطة نهاية للشهر السابق و هي مبدأ للشهر اللاحق، بينما اتّخذ عند آخرين الهلال نهاية و نقطة فاصل بداية بين الشهرين كما هو مفاد قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ». فإنّ هذا المبدأ و هو المحاق في الحساب الآخر للشهر القمري حركة آنية دفعية لكلّ مناطق الأرض.

سابعاً: التأييد بصحيحة محمّد بن عيسى قال: كتب إليه أبو عمر: أخبرني يا مولاي، إنّه ربّما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه و نرى السماء ليست فيها علّة و يفطر الناس و نفطر معهم، و يقول قوم من الحسّاب قِبَلنا: إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر، و أفريقية، و الأندلس، هل يجوز- يا مولاي- ما قال الحسّاب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا، و فطرهم خلاف فطرنا؟ فوقّع: «لا تصومنّ الشكّ، أفطر لرؤيته و صم‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 10، ص 278، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 8، ح 2.

(2)- وسائل الشيعة، ج 10، ص 279، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 8، ج 4.

153

لرؤيته» (1). فإنّ ما ذكرناه سابقاً في مفاد الرواية و إن كان متّجهاً إلى حدّ ما مع سؤال السائل إلّا أنّ تسميته (عليه السلام) لليوم بيوم الشكّ شاهدٌ على كفاية الرؤية في بلد ما لبقية البلدان و إن اختلفت الآفاق، و ذلك لفرض السائل عدم الرؤية مع صحو الجوّ و رتّب عليه سؤاله الآخر و هو اختلاف الحكم في دخول الشهر بين البلدان لعدم تحقّق الرؤية في بلد و تحقّقها في آخر، ففرضه (عليه السلام) يوم شكّ دالّ على تلازم الحكم بمجرّد حصول رؤية في مصر و إن لم تحصل في العراق؛ فإنّ قول المنجّمين حيث إنّه حدسي غير معتبر فغايته أنّه يتولّد منه الشكّ. و من ثمّ استفاد المشهور من الرواية عدم الاعتداد بقول المنجّمين، إذ لو لم يكن لرؤية الهلال في مصر أثر مع عدم رؤيته في العراق، لما كان لنفي اعتبار قول المنجّمين معنى؛ فإنّ نفي الاعتبار هو بلحاظ مورد و مفاد ذلك القول من وقوع رؤيته في مصر، و الأثر إنّما يتمّ بلحاظ دخول الشهر لكلّ البلدان برؤيته في بلدهما، و إلّا لكان قولهم حول الرؤية في مصر أجنبية عن الحكم في العراق.

و يؤيّد مفاد هذا الصحيح موثّقة أبي حمزة الثمالي- على الأظهر- قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له أبو بصير: جعلت فداك، الليلة التي يرجىٰ فيها ما يرجى؟ فقال: «في ليلة إحدى و عشرين، أو ثلاث و عشرين، قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟

فقال: ما أيسر ليلتين فيما تطلب، قال: قلت: فربّما رأينا الهلال عندنا و جاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أُخرى؟ فقال: ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها» (2).

فإنّه و إن أشكلنا عليها سابقاً بأنّه تمسّك بالإطلاق الأحوالي لبعض أفراد العام أو المطلق، و هو ليس بحجّة، لكن الصحيح هو ظهور التعبير «في أرض أُخرى» على تغاير البلدين في الأُفق لا سيّما و أنّ المسافر الذي جاء بالخبر هو بلحاظ ليالي القدر أي يتأتّىٰ مضيّ نصف الشهر، و هو كافٍ في طيّ مسافةٍ بين بلدان مختلفة‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 10، ص 297، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 15، ح 1.

(2)- وسائل الشيعة، ج 10، ص 354، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 32، ح 3.

154

الآفاق.

و يؤيَّد أيضاً بصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال فيمن صام تسعة و عشرين قال: «إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنّهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً» (1).

و مثلها صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) و معتبرة إسحاق بن بن عمار (3) و صحيحة أبي بصير (4) و هذه الروايات و إن حملناها على الاستغراق أو المجموع و اتحاد عدد أيّام الشهر و الشهور في الآفاق المختلفة و التثبّت و التشدّد في تثبيت الهلال إلّا أنّ هذا المفاد يتلائم مع كفاية الرؤية الواحدة في بلد لثبوت الهلال في بقية البلدان بل لا ينسجم مع القول الذي ينسب الى المشهور، و هذا المفاد مؤشَّر ظاهر أنّه من ناحية الإثبات و ان اختلفت البلدان في الحكم بالهلال و مبدأ الشهور و انتهائها إلّا أنّه من ناحية الثبوت الشهر متّحد عدّةً مبدأً و منتهى بين الآفاق و ما قد يرى في لسان الروايات من التأكيد على رؤية البلد و المكلّف فانّه لعلاج الحيرة في مقام الاثبات لا بيان التعدّد في الثبوت و الواقع لا سيّما في عصر النصّ لم تكن وسائل الاتصال موجودة. كما هو اليوم إلا بعد فترة من دخول الشهر، و من ثمّ رتّب الأثر على وصول الخبر بعد ذلك من ناحية العدد و قضاء ما فات من الصوم.

و أما الروايات التي سبق منّا الاستدلال بها على القول المنسوب للمشهور و عمدتها نظير معتبرة أبي أيوب الخرّاز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال: «إن شهر رمضان فريضة من فرائض اللّٰه فلا تؤدّوا بالتظنّي، و ليس رؤية الهلال أن يقوم عدّة فيقول واحد: قد رأيته، و يقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة و إذا رآه مائة رآه ألف، و لا يجزئُ في رؤية الهلال إذا لم تكن في السماء علّة‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 10، ص 265، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 5، ح 13.

(2) المصدر ص 254 ب 3/ 9.

(3) المصدر ب 8/ 3.

(4) المصدر ب 12/ 1.

155

أقلّ من شهادة خمسين، و إذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان من مصر» (1)، و مثلها رواية الخزاعي (2)؛ فإنّ اشتراط العلّة في سماء أُفق البلد لاعتبار الشهادة بالرؤية من خارج البلد لا وجه له إلّا بعد البناء على لزوم وحدة الأُفق، و إلّا فمع اختلاف الأُفق فقد يكون أُفق البلد صحواً و لا يرى الهلال و لكنّه يرى في أُفق لاحق متأخّر. و نظيرهما ما ورد في حصر استحباب صيام يوم الشكّ في الناشئ من علّة في سماء البلد كمعتبرة هارون بن خارجة، عن الربيع (3) و معتبرته الأُخرى (4) و صحيحة معمر بن خلّاد (5)، مع أنّه على القول بكفاية رؤية ما في أُفق آخر، فاللازم توسعة منشأ الشكّ.

فيدفع الاستدلال بها: أوّلًا: ما ذكرناه عمدة من انّ التشبّث بأدلّة إثبات الهلال لا تقاوم ما يدلّ على حقيقة الشهر الهلالي بعد تأخّر الظاهر عن الواقع.

ثانياً: ما تقدّم في صحيحة محمّد بن عيسى اليقطيني دالّ على توسعة الشك للناشئ من قول المنجّمين بإمكان الرؤية في مصر و إن لم ير في العراق.

ثالثاً: إن الأظهر في مفاد هذه الروايات هو تعرّضها لشرائط البيّنة و الشهادة على الرؤية بانتفاء الريبة و القرينة المعارضة لها، و ذلك لا يتمّ في البيّنة المدّعية للرؤية مع صحو السماء و عدم الرؤية؛ إذ المفروض في هذه البيّنة أن لا يكون محلّ الاستهلال للرؤية هو من الأُفق المختلف، إذ ذلك يبعد مسافة لا يتمكّن الشاهدان من طيّها و الدخول لبلد في أوّل يوم الشهر، فلا محالة يكون فرض محلّ استهلالهما هو من النواحي القريبة المسافة لُافق البلد أي المتّحدة في الأُفق معه فلا ينتفي الريب إلّا مع العلّة في سماء أُفق البلد ممّا يمكن صحو الأُفق نفسه في المناطق‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 10، ص 289، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 11، ح 10.

(2) وسائل الشيعة، ج 10، ص 290، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 11، ح 13.

(3) وسائل الشيعة، ج 10، ص 298، أبواب احكام شهر رمضان، الباب 16، ح 2.

(4) وسائل الشيعة، ج 10، ص 299، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 16، ح 4.

(5) تهذيب الأحكام، ج 4، ص 166.

156

القريبة الأُخرى، و حمل ما حصر الشكّ الناشئ من علّة في افق البلد على توفّر وجود المنشأ، لا على مجرّد و محض الشكّ، و من ثمّ اعتبر متوفّراً في قول المنجّمين في إمكان رؤيته في الأُفق المغاير كما في صحيح محمّد بن عيسى العبيدي المتقدّم.

و أمّا الوجه العقلي الذي بنينا عليه سابقاً من كون دورة القمر حول الأرض هي 29 يوماً و 12 ساعة و 44 دقيقة و ذكرنا سابقاً على ضوئه عدّة نقوض على القول بكفاية رؤية ما لكلّ الأرض منها: لزوم التمام في كلّ الشهور و كلّ البلدان لعدم نقصان الشهر بعد اتّحاد حكم الآفاق؛ و منها: لزوم توالي النقص في الشهور المتتالية بكثرة في السنة، و نحوها من النقوض فإنّها متعاكسة متدافعة متجاوبة أي أنّ الكسر الناقص في الدوران بنفسه يكون موجباً لاتّحاده مع بلد الرؤية في الليلة فيوجب ثبوت الهلال في آخر الليل للبلد التي تمّت فيه أطول الدورة فلا يكون الشهر ثلاثين يوماً، و العكس قد يتحقّق بأن يكون هناك موانع طبيعية عن رؤية الهلال في جملة من البلدان فيوجب استتمام دورة الهلال في ذلك البلد.

و الحاصل أنّ هناك عدّة اعتبارات تؤثّر في كيفيّة الحساب و ليست مطّردة الوقوع. أضف إلىٰ ذلك اعتبار الكسر و الجبر و ترقّص مدار القمر و ارتفاع و هبوط مداره بحسب الفصول السنوية و تذبذب مداره بين سقف أعلى و أدنى، كلّ هذه العوامل مضافاً إلىٰ عوامل أخرىٰ ذكرناها في الكتاب توجب عدم انضباط و عدم ثبات الحساب. و يمكن ذكر النقوض بنحو متعاكس علىٰ الأقوال بحسب فروض غير ثابتة مستمرّة، و قد ذكرنا من قبل في البحث المطبوع أنّ اختلاف عدد الشهر جارٍ علىٰ كلا القولين، لا سيّما و أنّ في قول غير المشهور أيضاً هناك تبعّض نسبي يسير أيضاً في النصف النهاري و هو ما بعد الزوال عمّا قبله.

ثمّ إنّ جملة من النكات و الأمور التي نقّحناها في السابق هي علىٰ حالها، و هي التي مهّدت للالتفات إلىٰ كفاية الرؤية الواحدة لدخول الشهر لكلّ الأرض و أنّ‌