هيويات فقهية

- الشيخ محمد السند المزيد...
279 /
157

دخول الشهر دخول دفعي لنقاط الأرض و أنّه لو بني علىٰ استغراقيّة الرؤية لكلّ بلد للزم تعدّد مبدأ دخول الشهر في أرجاء الأرض إلىٰ ثلاثة أيّام كما هو دائب دائم بلحاظ ما زاد في خطوط العرض شمالًا 50 درجة أو جنوباً كذلك فضلًا عن منطقتي القطبين الجنوبي و الشمالي.

و الحاصل أنّ اشتراط الاستغراقيّة للرؤية لكلّ بلد يلزم منها لزوم الرؤية للبلاد الغربيّة أيضاً لبلد الرؤية، مع أنّها في البلاد التي تقع 50 درجة عرضاً فما فوق لا يرى في نفس الليلة مع أنّه يبتعد أكثر عن تحت الشعاع، بل يتأخّر إلىٰ الليلة اللاحقة في جملة من شهور السنة لا سيّما الشتوية و ما قبلها و بعدها، و رفع اليد عن لزوم تعدّد الرؤية بلحاظ البلدان الغربيّة يتأتّى بنفسه في البلدان التي تقع شرقيّ بلد الرؤية ممّا ينبّه علىٰ كفاية رؤية ما لدخول الشهر.

158

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

159

الرسالة الأولى الىٰ السيّد السيستاني «دام ظلّه»

سماحة آية اللّٰه العظمىٰ السيّد علي الحسيني السيستاني «دام ظلّه الوارف»‌

السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته‌

و بعد؛ فقد جاء في كتاب الفقه للمغتربين (المسألة 113): «إذا ثبت الهلال في الشرق فهل يثبت عندنا في الغرب؟»، و كان الجواب من سماحتكم: «إذا ثبت الهلال في الشرق فهو ثابت للغرب أيضاً مع عدم ابتعاد المكانين في خطوط العرض كثيراً».

و هذا الاستثناء «عدم ابتعاد المكانين في خطوط العرض كثيراً»، قد فهم منه عدم التلازم بين ثبوت الهلال في الشرق الأوسط كإيران و العراق و الخليج و ثبوته في بلاد الغرب كبريطانيا و فرنسا، لاختلاف خطوط العرض، و هذا ممّا أوجب بلبلة و إرباكاً في ثبوت الهلال لدىٰ أفراد الأسرة الواحدة داخل الجالية الشيعية في هذه البلدان، حيث إنّ السيّد الخوئي (قدس سره) قد حكى الوفاق بين القائلين بمسلكه في الهلال و مسلك المشهور- سواء اشترطنا أم لم نشترط اتّحاد الأفق في ثبوت الهلال- في تلازم الرؤية و ثبوت الهلال بين بلد الرؤية و البلاد التي تقع على الغرب منه في حالة فرض تأخر غروب الشمس في ذلك البلد الغربي عن بلد الرؤية، و إن اختلف خطّ العرض ما دام الخطّ الفاصل بين النهار و الليل و هو خط غروب الشمس يمرّ علىٰ بلد الرؤية قبل مروره علىٰ البلد الغربي، حكى ذلك السيّد الخوئي في مراسلاته مع بعض تلاميذه في مسألة رؤية الهلال، و التي طبعت في رسالة مستقلّة تحت عنوان‌

160

حول مسألة رؤية الهلال، و قد حكى في ضمن تلك الرسالة كلام كلّ من الشهيد الأوّل و الثاني و النراقي في المستند و دعواهم الوفاق من المشهور علىٰ ذلك.

هذا مع أنّ لازم الاستثناء المذكور في جوابكم هو حصول التعدّد في بداية الشهر الهلالي إلىٰ ثلاثة أيّام، كما هو حاصل في عامنا هذا وفق التفصيل الذي ذكرتموه في الجواب بضميمة بيانات علماء الأرصاد الفلكية، حيث قرّروا تولّد الهلال و إمكانيّة الرؤية المجرّدة في مناطق المحيط الهادي ليلة الثلاثاء، و امتناع الرؤية فيما سواها في تلك الليلة، و إمكان الرؤية ليلة الأربعاء في بلاد العراق و إيران و الخليج و حوض المتوسّط دون شمال أوروبا الذي يزيد في خطوط العرض، و الذي يمتنع عندهم الرؤية ليلة الأربعاء، و يمكن لهم الرؤية ليلة الخميس، فيكون مبدأ الشهر الهلالي في بقاع الأرض ثلاثة أيّام و بنحو حلزوني الشكل، و هذا ممّا يقتضي عدم تطابق و عدم إمكان تطبيق اليوم القمري علىٰ اليوم الشمسي، فكيف التوفيق بين هذا التسالم المحكي و التفصيل المذكور في جوابكم مع ملاحظة المحذورات المتقدّمة؟

ثمّ إنّ هاهنا بحثاً صغروياً و تطبيقياً آخر و هو أنّه مع ثبوت الهلال في الشرق الأوسط كبلاد إيران و العراق و الخليج و عدم إمكان الرؤية في بلاد الغرب كبريطانيا و فرنسا بسبب مانع في الأفق كالضباب، ترىٰ هل يوجب ذلك التعدّد في ثبوت الهلال بحسب الظاهر؟

و هل دعوىٰ الفلكيين بامتناع الرؤية في الغرب و إمكانها في الشرق توجب تعدّد الثبوت؟

جمع من أهل العلم‌

161

جواب السيّد السيستاني (دام ظلّه) للرسالة الأولىٰ

بسمه تعالى‌

السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته و تقبّل اللّٰه طاعاتكم في هذا الشهر الفضيل و بعد؛ هنا عدّة أُمور:

1- إنّه و إن ذكر جمع من فقهاء الفريقين أنّ رؤية الهلال في أيّ مكان تستلزم رؤيته في الأمكنة الواقعة في غربه (1)، إلّا أنّه لم يثبت كون ذلك مشهوراً حتّىٰ بين المتأخرين فضلًا عن التسالم عليه،، بل يستفاد من كلام شيخنا الشهيد الأوّل خلاف ذلك حيث ذكر ما نصّه: «و يحتمل ثبوت الهلال في البلاد المغربيّة برؤيته في البلاد المشرقيّة و إن تباعدت، للقطع بالرؤية عند عدم المانع» (2)، فيلاحظ أنّه (قدس سره) لم يتبنَّ الملازمة بين الرؤية في البلاد المشرقيّة و ثبوت الرؤية في البلاد المغربيّة، و إنّما ذكرها علىٰ سبيل الاحتمال بالرغم من التزامه بالملازمة بحسب الضوابط الفلكية.

و بعض الفقهاء الآخرين الذين التزموا بالملازمة المذكورة إنّما قالوا بها اعتقاداً منهم بالأولوية القطعيّة. قال السيّد الحكيم (قدس سره): «و إذا رئي في البلاد الشرقيّة فإنّه تثبت رؤيته في الغربيّة بطريقٍ أولى»، و علّل ذلك بعضهم بأنّ القمر لا يرجع و لا يتوقّف.

و لكن الوجه المذكور لا يقتضي إلّا ازدياد القسم المنار من القمر كلّما اتّجه غرباً، فإذا كان عمره عند غروب الشمس في أُستراليا 21 ساعة و 36 دقيقة يكون‌

____________

(1)- الجواهر، ج 16، ص 361؛ التحفة السنية، ص 167؛ المستمسك، ج 8، ص 470.

(2)- الدروس، ج 1، ص 285.

162

عمره في طهران 27 ساعة و 50 دقيقة و في النجف 28 ساعة و 19 دقيقة و في لندن 30 ساعة و 57 دقيقة، و هكذا و لكن هذا لا يقتضي كونه قابلًا للرؤية في جميع البلاد إذ لدرجة ارتفاع الهلال عن الأفق دخل تامّ في إمكانية الرؤية و عدمها، فقد يكون الهلال بعمر 21 ساعة في ارتفاع 8 درجات قابلًا للرؤية، و لا يكون بعمر 30 ساعةً قابلًا لها لكونه في ارتفاع 1 درجة فقط.

إن قيل: إنّ عدم إمكانية الرؤية عند كون الهلال قريباً من الأفق وقت الغروب إنّما هو من المانع الخارجي و هو اجتماع الغبار و البخار و نحوهما حوالي الأفق و قد ادّعىٰ المحقق النراقي الإجماع علىٰ عدم العبرة بالموانع الخارجيّة الهوائيّة و الأرضيّة (1).

قلت: إنّ ذلك في الموانع الطارئة المتغيّرة كالسحاب و الضباب، و أمّا الموانع الطبيعيّة التي لا تنفكّ عن المناطق القريبة من الأفق في مختلف الأزمنة و الأمكنة، فليست كذلك؛ لعدم الدليل عليه، بل مقتضى كون الأهلّة مواقيت للناس- كما ورد في الآية الكريمة- عدم العبرة بوجود الهلال في الأفق إلّا إذا كان من حيث الحجم و من حيث الارتفاع عن الأفق و من حيث البعد عن الشمس قابلًا للرؤية و بالعين المجرّدة لو لا الغيم و نحوه، فالهلال الذي يكون بارتفاع 3 درجاتٍ مثلًا حيث إنّه لا يكون قابلًا للرؤية عادةً لا يصلح أنْ يكون ميقاتاً للناس.

2- المعلومات الفلكية المتوفّرة لدينا لا تشير إلىٰ إمكانيّة حصول التعدّد في بداية الشهر بثلاثة أيّام، ففي (شهر) رمضان الجاري لم يكن الهلال في ليلة الثلاثاء قابلًا للرؤية في أيّ من البقاع، لأنّه كان القسم المنار منه دون الحدِّ الأدنىٰ المطلوب، و إنّما كان يرىٰ في ليلة الأربعاء في سيدني و نحوه من البلاد.

3- إنّه قد ظهر ممّا مرّ أنّه مع رؤية الهلال في بلاد الشرق إنْ كان عدم إمكانيّة‌

____________

(1)- مستند الشيعة، ج 10 ص 423.

163

الرؤية في بلاد الغرب من جهة الغيم و الضباب و نحوهما يحكم بدخول الشهر فيها أيضاً، و أمّا إذا لم يكن الهلال في أُفقها بالارتفاع الذي يمكن رؤيته عادةً فلا يحكم بدخول الشهر، فتتعدّد بداية الشهر الهلالي، و هذا التعدّد واقعي لا ظاهري.

و دعوى الفلكيين عدم إمكان الرؤية لانخفاض درجة الهلال في الأفق ممّا لا عبرة بها إلّا من حيث عدم حصول الاطمئنان بامكانية الرؤية عادةً. و اللّٰه العالم.

7/ (شهر) رمضان 1426‌

مكتب النجف‌

164

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

165

الرسالة الثانية إلىٰ السيّد السيستاني (دام ظلّه)

سماحة آية اللّٰه العظمىٰ السيّد السيستاني (دام ظلّه)

السلام عليكم و رحمة اللّٰه و بركاته‌

و بعد؛ تعقيباً علىٰ السؤال السابق و ما تفضّلتم من الإجابة حول: «ما إذا ثبت الهلال في الشرق فهل هو ثابت للغرب مع ابتعاد المكانين في خطوط العرض كثيراً مع قول الفلكيين بامتناع رؤيته في بعض بلدان الغرب الشماليّة؟».

و نودّ أن نضع بين أيديكم جملة من النقاط:

الأولىٰ: أرفقنا مع هذه الرسالة جملةً من أقوال مواقع الأرصاد الفلكي و كلّها متّفقة علىٰ أنّ شهري رمضان و شوّال تتعدّد رؤية الهلال فيهما بحسب بقاع الأرض إلىٰ ثلاثة أيّام، فتكون البقعة الأولى هي النصف الجنوبي من الأرض في أمريكا الجنوبية أو جزر المحيط الهادي، و في اليوم الثاني البقاع الثانية و هو ما يشكّل بلدان الوسط ذات العرض القليل الشمالي، و في اليوم الثالث البلدان الشمالية ذات العرض الشمالي الكبير.

الثانية: أنّه لم نقف في كلمات الفقهاء علىٰ من صرّح بالتفرقة في ثبوت الهلال بين البلاد الغربيّة فيما إذا رئي في البلاد الشرقيّة.

166

الثالثة: أنّ الرؤية للهلال بما أنّها أمارة لثبوت الهلال فهي طريق إثباتي له و هل هو بنحو العموم الاستغراقي أو أنّها بنحو صرف الوجود بمجرّد تحقّق مسمّى الرؤية في بقعة من بقاع الأرض كما ذهب إليه السيّد الخوئي (رحمه الله) أو أنّها بنحو آخر من الانحلال؟ و على أيّ تقدير فنحو العموم في الطريق الإثباتي تابع لواقع ثبوت الهلال و الشهر القمري لا العكس، فلا يكون نحو العموم في الطريق الإثباتي قرينة يعوّل عليها في تحديد هوية الشهر الهلالي و حقيقته، مضافاً إلىٰ أنّ الشهر الهلالي حقيقة عرفية و كونيّة لم يتّخذ الشارع اتّجاهها حقيقةً شرعية و معنى خاصّ جديد (كذا)، فلا دلالة لعموم دليل الرؤية علىٰ تحديد معنى و حقيقة الشهر الهلالي.

الرابعة: أنّه لا بدّ من نحو تطبيق و انطباق للشهر الهلالي على اليوم و الليل الشمسي، و هذا أمر مفروغ منه في التقويم الفلكي و كذلك في الحساب العرفي.

و على ضوء ذلك، فإذا رئي الهلال في بقعة من الأرض أي عند الخط الفاصل بين الليل و النهار و هو الغروب، فلا محالة يتحقّق تكوّن الهلال كحركة تكوينية واحدة بالإضافة إلى ما يليها من البقاع في دور حركة الأرض و حركة الليل و حركة ذهاب النهار و امتداد الليل لاحقاً؛ فإنّ التنصيف التقويمي للأرض إنّما هو بنصفين ليل و نهار، و أمّا تقسيم بقاع الأرض إلى ليل شمالي و ليل جنوبي و نهار شمالي و نهار جنوبي فهذا لم يعهد إقراره و وضعه في التقويم الزمني القمري لا فلكيّاً و لا عرفياً.

الخامسة: أنّ لازم الالتزام بالتفكيك بين الرؤية في البلاد الشرقية و البلاد الغربية التي ذات خط عرض كبير شمالًا كالدول الإسكندنافية و شمال كندا أنْ يكون الفارق بين تقويم اليوم الهلالي في الشرق الأوسط كإيران و العراق و الخليج متقدّم على شمال كندا بيوم و نصف تقريباً، و هذا اضطراب بالتقويم لا يُقَرُّ به في حساب التقويم فلكياً و عرفياً، هذا فضلًا عن التفكيك بين أقصى جنوب أمريكا الجنوبية في الشتاء كما في هذه الأيّام و أقصى شمال أمريكا الشمالية مع أنّها على خطّ طول‌

167

واحد؛ فإنّ الفارق في التقويم الهلالي سيكون ما يقرب من يومين حسب ما ذكرته الأرصاد الفلكية من تعدّد الرؤية خلال ثلاثة أيّام، و هذا ما مرّ التعبير به في السؤال السابق من لزوم اتّخاذ الشهر الهلالي خطاً حلزونياً لولبياً مائلًا لرسم بداية الشهر و انتهائه، مع أنّه بات أمراً مسلّماً فلكياً و عرفياً أنّ التقويم هو بخطّ فاصل بين الليل و النهار الذي يقسم الكرة الأرضية إلى نصفين، فاللازم تنقيح و تحرير حقيقة الشهر الهلالي هل هي ظاهرة نسبية باتّجاه بقاع الأرض أو أنّها حدوث شخصي واحد، ثمّ إنّ النسبية بأيّ نحو من الأنحاء تتّخذ شكلها بحسب عرف التقويم الفلكي و عرف الناس بعد فرض عدم القول بوجود حقيقة شرعية للشهر الهلالي.

السادسة: أنّ في فصلي الصيف و الربيع و لا سيّما الصيف تغيب الشمس في البلاد الشمالية كالدول الإسكندنافية و بريطانيا ما يتعدّى الساعة التاسعة ليلًا، و هذا يوجب احتجاب الهلال فوق الأُفق بسبب شعاع الشمس لمدّة عدّة أيّام مع أنّه موجود فوق الأُفق.

السابعة: أنّ صيرورة القمر بدراً الذي هو علامة على منتصف الدورة الشهرية للقمر يحصل في اليوم الثاني عشر، بل في اليوم الحادي عشر على بعض التقادير في حساب البلاد الشمالية بناءً على تأخّر بدء الشهر لديهم بحسب الرؤية عندهم.

الثامنة: على هذا التفصيل في كيفية ثبوت الهلال يلزم من ذلك أن يكون الشهر الهلالي قد ابتدأ في إيران أو العراق و التي هي متقدّمة في الأُفق و في تقويم الساعة على بريطانيا و كذلك يبتدئ الهلال في كاليفورنيا في أمريكا في نفس اليوم و التي هي متأخّرة في الأُفق و في تقويم الساعة عن لندن، بينما يتأخّر ابتداء الهلال في بريطانيا يوماً عنهما مع أنّها متوسّطة بينهما، و هذا نحو تدافع في حساب التقويم.

التاسعة: يلزم على هذا القول تتابع ستّة شهورٍ أو أكثر (أي ما يزيد على الأربعة أشهر) كلّها يكون الشهر فيه كاملًا ثلاثون يوماً.

168

العاشرة: أنّ الآفاق الشماليّة القريبة من القطب و كذلك الآفاق الجنوبية القريبة من القطب لا تنطبق طبيعتها على منوال طبيعة الآفاق المتوسّطة التي هي غالبية اليابسة في الأرض، كما هو الحال في أوقات الصلوات اليومية المفروضة، فإنّ في الدول الإسكندنافية لمدّة شهورٍ لا يمكنهم رؤية الهلال، كما و في بعض فصول السنة يكون النهار مطبقاً عليهم شهوراً، و لا يستطيعون رؤية الهلال أيضاً، و من ثمّ يعوّل في حساب التقويم على قوس النهار و الليل بمعنى نصف الدورة المواجه للشمس و نصف الدورة المستدبر للشمس، لا على الضوء و الظلمة، بل على ساعات حركة دورة الأرض حول الشمس.

«جمعٌ من أهل العلم»‌

تفاصيل رؤية هلال شهر رمضان المبارك 1426 حول العالم

يولد الهلال و القمر في حالة تسارع الاثنين 3/ 10/ 2005، الساعة 58: 10 بتوقيت جرينتش. يمكث الهلال 3 دقائق في مكة و دقيقة واحدة في النجف و هو غير قابل للرؤية في أيّ بلد حتّى مع مراعاة الاشتراك في الليل، و في الليلة التالية يمكث الهلال 37 دقيقة في مكّة و 35 في المدينة و 30 في القدس و 30 في النجف و 25 في مشهد و 27 في قم و 31 في الكويت و 33 في أبو ظبي و 33 في البحرين و 33 في مسقط و 29 في بيروت و 29 في دمشق و 27 في حلب و 32 في الدار البيضاء. و الرؤية متعذّرة في أُوربا و أغلب بلدان آسيا و في شمال إفريقيا. و الرؤية محتملة في جنوب شبه الجزيرة العربية و في اليمن، و ممكنة في أغلب بلدان قارّة‌

169

أمريكا الجنوبية و أغلب قارّة أستراليا و الأجزاء الوسطى و الجنوبية من إفريقيا و الأجزاء الجنوبية من قارّة أمريكا الشمالية. و باختصار فالهلال غير قابل للرؤية في بلدان الخليج و العراق و بلاد الشام و بلدان شمال إفريقيا بما فيها مصر، و محتملة في السودان و اليمن و ممكنة في أبيدجان. و في اليوم التالي يكون للهلال مكث كاف للرؤية، و مع ذلك لا يُرى في البلاد الإسكندنافية.

شكل الهلال قائم بانحراف.

أوّل الشهر الأربعاء (1).

تفاصيل رؤية هلال شهر شوّال 1426 حول العالم

يولد الهلال و القمر في حالة تسارع الأربعاء 2/ 11/ 2005، الساعة 24: 1 صباحاً بتوقيت جرينتش، يمكث الهلال 11 دقيقة في مكة و 10 في المدينة و 6 في القدس و 5 في النجف و يغرب مع الشمس في مشهد و 2 في قم و 6 في الكويت و 8 في أبو ظبي و 7 في البحرين و 8 في مسقط و 4 في بيروت و 4 في دمشق و 2 في حلب و 8 في ديترويت و 6 في تورنتو و 3 في مونتريال، و الرؤية متعذرة في جميع هذه البلدان و يمكث 46 دقيقة في ساوباولو و 56 في بوينس‌آيرس و 58 في سانتياجو و الرؤية ممكنة.

و باختصار، فإنّ رؤية الهلال ليلة الخميس متعذّرة في إفريقيا و أُوروبا و آسيا و أمريكا الشمالية و ممكنة في الأجزاء الوسطى و الجنوبية من أمريكا الجنوبية،

____________

(1)- هذا ما ورد في تقويم الصائغ لعام 2005 م الموافق لعام 1425- 1426. حسابات و إعداد المهندس محمّد علي الصائغ، باحث في علم الهيئة و المواقيت و الأهلّة، و هناك مواقع رصدية أخرى دولية معتبرة غربية على مواقع الانترنيت أثبتت نفس هذه التفاصيل.

170

و هي مناطق مشتركة في الليل مع بلدان الشرق الأوسط.

و في اليوم التالي تتعذّر رؤية الهلال في أُوروبا و الأجزاء الوسطى و الشمالية من قارّة آسيا و ممكنة في إفريقيا و أندونوسيا و أُستراليا و شبه الجزيرة العربية و العراق و بلاد الشام و أغلب ايران.

شكل الهلال قائم بانحراف يسير.

أوّل الشهر الجمعة حسب أُفق أبيدجان، و هي من بلدان العالم القديم، «العالم القديم، آسيا، أُوروبا إفريقيا» (1).

____________

(1)- هذا ما ورد في تقويم الصائغ لعام 2005 م، الموافق لعام 1425- 1426 ه‍ و هذه التفاصيل ذكرتها بعينها مواقع رصدية دولية غربية معتبرة على الانترنيت، فلاحظ و هي تتعدد الى ثلاث ليال في كل سنة.

171

ملاحظات تطبيقية في الاستهلال

الاولى: لا بد من الالتفات الى الفرق بين حكم الفلكيين بالامكان، و بين حكمهم بالامتناع، و بين حكمهم بالتعذّر،

لا سيما الأخيرين فان جملة من الفضلاء المتصدّين لقول الفلكيين يخلطون بين القسمين الأخيرين، و ربّما حكموا برد شهادات الشهود بالرؤية استناداً لقول الفلكيين مع انّ حكمهم انّما هو بالتعذّر لا الامتناع، و السبب الخلط في اللفظ اللاتيني الاصطلاحي بين القسمين الأخيرين فقولهم )elbissopmE( : ممتنع، و قولهم )elbissop toN( : متعذّر لا يحكم بامكان.

أي عدم الامكان لا الحكم بعدم الامكان الذي هو بمعنى الامتناع.

ثمّ أنّهم يحكمون و لكن يعمّمون الامتناع لكل المناطق الاخرى كالغربيّة أو الجنوبيّة فيحكمون عليها بالتعذر و هو يختلف عن الامتناع.

الثانية: حكم الفلكيين بامتناع الرؤية في الدرجات القريبة من تولد المحاق حسي قطعي كالدرجة الاولى و الثانية الى الرابعة

من تولد الهلال من المحاق، و أمّا في الدرجة الخامسة و السادسة و ... فحكمهم حدسي غير مستند الى الحس المجرد و من ثمّ لا يحكمون بالامتناع و انّما بالتعذّر، كما تقدّم في الملاحظة الاولى، فيجب عندئذٍ التمييز بين الدرجات في الحكم عندهم في الامتناع و التعذّر، فالاول حسّي و الثاني حدسي، فاللازم اجتناب العموميّات الاطلاقية في أحكامهم.

الثالثة: انّ استراليا و نيوزلندا كانت في زمن صدور النصّ من الغرب،

لأنّ‌

172

اليابان هي بداية الشرق قديماً، و حالياً البداية هو الخط الفاصل في وسط المحيط الهادي.

الرابعة: ان القطع بخطإ مستند حكم قاضي العامّة في الهلال، لا يستلزم القطع بخطإ الحكم بالهلال

كما لو امتنعت الرؤية في الشرق الاوسط فانّه لا يستلزم امتناع الرؤية في الشرق الادنى كالجزائر أو الغرب الاوسط كواشنطن، فضلًا عن الغرب الأقصى كالمحيط الهادي، و هذا بناء على كفاية الرؤية في أي نقطة و كفاية الامكان.

الخامسة: لا بد من الالتفات و التنبّه الى أن في الميل الشتوي للشمس نحو الجنوب

و هو مدار الجدي ذهاباً و اياباً، و هو فصل الخريف و الشتاء يكون ميل القمر و الهلال جنوبياً، و يوجب ذلك سبق الرؤية في البلاد التي تقع في النصف الجنوبي للكرة الأرضيّة كأستراليا و اندونوسيا و جنوب افريقيا و مدغشقر و تنزانيا و بلاد امريكا الجنوبية بيومٍ على البلاد التي تقع في النصف الشمالي للكرة الأرضية غالباً، هذه الرؤية السابقة يعتمد بها على مسلك الاكتفاء برؤية واحدة لكل نقاط الأرض، و على المسلك الآخر المنسوب المشهور الذي يكتفي برؤية مشرقية للبلاد الغربية، فمثلًا مثل مدغشقر متحدة الأفق مع بلدان الخليج و قم فضلًا عن من أُفقه بعد ذلك، و على هذا فلا بدّ مدة من رصد الاستهلال في تلك البلدان في ذلك الفصلين قبل الاستهلال في بلداننا.

173

الرسالة الثانية ثبوت الهلال بحكم الحاكم الشرعي

الأقوال في المسألة‌

تحرير جهات البحث‌

أدلة المثبتين‌

اثبات صغرى الاستدلال‌

اثبات كبرى الاستدلال‌

معتبرة ابن حنظلة‌

معتبرة ابن خديجة‌

التوقيع الشريف‌

وجيزة في حال ابن حنظلة‌

174

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

175

ثبوت الهلال بحكم الحاكم

و ليس هو في عرض الشهود الحسي و الرؤية، و انما طريق على الطريق.

و البحث في حكم الحاكم بثبوت الهلال هل من باب انه طريق مثل بقية الطرق و وجوب متابعته تكليفا من جهة وجوب المطروق التكليفي أي وجوب العمل بالواقع، فمتابعة حكم الحاكم في المقام كمتابعة بقية الطرق.

أو ان له خصوصية زائدة، و فيه لون إضافي و صبغة أخرى، كحكمه في باب القضاء له خصائص الطريقية و الموضوعية معاً، الطريقية من جهة أنه لا يبدل الواقع فاذا حكم القاضي بكون المال لزيد فان هذا الحكم لا يبدل الواقع إذا كان هذا المال لعمرو و الموضوعية من جهة ترتب وجوب تكليفي بمتابعة حكم القاضي و حرمة الرد و هو غير وجوب احترام مال المسلم.

فهل حكم الحاكم في المقام أمارة محضة تنجّز الواقع فقط، أم أنه من نمط الحكم القضائي؟

و الخلاصة هل أن حكم الحاكم أمارة شرعية في ثبوت الهلال أم لا؟

الاقوال في المسألة

المشهور شهرة مستفيضة أن حكمه نافذ و حجة و أمارة معتبرة على ثبوت الهلال، و في الحدائق حكاه عن ظاهر الاصحاب.

و خالف في ذلك جماعة من أعاظم المتأخرين، و شكك في ذلك السيد الخوئي (قدس سره) في مستند العروة و أفتى في المنهاج بعدم نفوذه.

176

تحرير جهات البحث

الكلام في صورة المسألة من جهتين:

الجهة الاولى: هل أن هذا الحكم بثبوت الهلال وظيفة من الوظائف العامة للولي المتصرف في الامور و هو الامام المعصوم (عليه السلام) أم لا؟ و هذه بمنزلة صغرى الدليل.

الجهة الثانية: بعد الفراغ من كونها من وظائف الامام المعصوم (عليه السلام)، هل صلاحية هذه الوظيفة ثابتة للفقيه بالنيابة كما هي ثابتة للولي بالاصالة أم لا؟ و هذه بمنزلة كبرى الدليل.

فالبحث: تارة في اثبات انه من وظائف المتصرف في الامور، و أخرى بعد الفراغ من كونها من وظائفه، يبحث عن صلاحية الفقيه و المرجع و المجتهد في هذا الامر.

محتملات الجهة الثانية

ثمّ إن النيابة و الصلاحية في المقام هل هي للمرجع أم للمجتهد المطلق و الفقيه، إذ بينهما عموم مطلق، فقد يكون فقيها إلّا أنه لا يقلَّد و لا يتصدى للامور، و ان كان المجتهد و الفقيه الجامع لشرائط النيابة العامة له صلاحية و مسند الافتاء و انفاذ القضاء، أما التصرف في الامور فقد يقال انها من شئون المرجعية إذ هي نوع من التصرف في الامور العامة و لا أقل من الامور الحسبية.

فالمرجع له نوع من الولاية في التصرف، فضلا عن صلاحيات الفقاهة و الاجتهاد، لذا ذكروا شرائط في المرجع تخالف في بعضها شرائط صلاحيات المجتهد و الفقيه.

و هذا التفكيك بهذه الصورة أخذ يتضح، إذ بالاضافة إلى مسند الفتوى و القضاء هناك مسند آخر و هو مسند المرجعية.

فحكم الحاكم هل هو من توابع القضاء أو من شئون المفتي أو أنه نافذ و ممضى من باب الحكم الولوي؟

177

محتملات الجهة الاولى

و الجهة الاولى أيضا فيها نفس الاحتمالات: فهل هذا ثابت لامام الاصل من باب أنه وظيفة و باعتباره متصرفا في الامور، أم أنها ليست بوظيفة و أنما هي فعل استثنائي خاص، و من باب اعمال الولاية المطلقة المختصة بالمعصوم، أم من باب انها وظيفة قضائية، أم أنه من توابع و لواحق الافتاء بناءً على تأتيها في الموضوعات الجزئية.

فان كان الاخير فنحن في راحة من البحث الثاني لان الفُتيا ثابتة للمجتهد بلا ريب، و ان كان من وظائف مسند القضاء فكذلك، إذ قد وردت أدلة القضاء بنيابة المجتهد الجامع للشرائط فيه عن الامام المعصوم.

و ان كان من وظائف المتصرف في الامور، فحينئذ لا غنى عن البحث في الجهة الثانية، و في أن أدلة النيابة في التصرف- في غير الامور الحسبية- هل هي شاملة للمقام، أو أن المقام من الامور الحسبية، حيث انها القدر المتيقن من نيابة الفقيه و المجتهد- و لا أقل من الفقيه المبسوط اليد- إذ له نوع من التصرف و الولاية و نفوذ الكلمة.

هذه زوايا البحث بصورة موجزة، و كلام الاعلام في المقام غير مفرز بشكل واضح و جلى، فصاحب الحدائق (قدس سره) خلافه في الجهة الثانية، و السيد الخوئي (قدس سره) مخالفته للمشهور في كلا الجهتين.

و يكفي الاصل للمانع من نفوذ حكم الحاكم في ثبوت الهلال، إذ الاصل العملي قاض بعدم نفوذ حكم أحد على أحد إلّا بعد قيام الدليل و عدم الحجية.

بينما القائلين بنفوذ و حجية حكمه لا بد لهم من إقامة الدليل على ذلك.

178

أدلة المثبتين

و هي قد تكون لاثبات صغرى لكبرى مفروغ عنها في أبواب أخرى من الفقه، إذ قد تقام الادلة على أن هذه المسألة من صلاحيات القاضي، فتثبت الصغرى أما أن صلاحيات القاضي و وظائفه ثابتة للمجتهد فهذا بحث في كتاب القضاء.

و قد تقام الادلة على أن المسألة من شئون الفتوى فهي لاثبات صغرى لكبرى تبحث في باب الاجتهاد و التقليد، و هي أن الفتوى ثابتة للمجتهد الفقيه في عصر الغيبة، و أما إذا أقيمت الادلة على أساس انها من وظائف المتصرف في الامور، فلا بد من اثبات الكبرى أيضا و هي أن ذلك من صلاحيات الفقيه الجامع للشرائط بأدلة النيابة العامة، و هي الجهة الثانية من البحث في المقام.

اثبات الجهة الاولى «صغرى الاستدلال»

و استدل المشهور بطائفة من الروايات:

الرواية الاولى

صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بافطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، و ان شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بافطار ذلك اليوم و أخر الصلاة إلى الغد فصلى بهم» (1).

و الرواية صريحة في اثبات صغرى الدليل، و هي أن من وظائف الامام (عليه السلام) إذا شهدت عنده بيّنة عادلة أن يأمر بالعيد، و أمره نافذ و ماض.

و ما في المستمسك و المستند (2) بتفصيل أكثر، من الاشكال في دلالة الرواية للترديد في قوله (عليه السلام): «أمر الامام» هل هو من باب الامر و الطاعة الخاصة بالمعصوم أو الحكم؟ إذ فرق بين انشاء الامر المولوي و بين انشاء الحكم، و المتعين هو الأول،

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 6 حديث 1.

(2) المستمسك ج 8 ص 400 مستند العروة ج 2 ص 82.

179

أي من باب «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ»* و هو ثابت لامام الأصل و لا ربط لها- للرواية- بانشاء حكم الحاكم، و من ناحية أخرى أن لفظة «الامام» منصرفة لدى أذهان المتشرعة لامام الاصل، لا للحاكم و لو بالنيابة، فالرواية واضحة في أنها من باب وجوب الطاعة لولاة الامر و لا ربط لها بالمقام.

غير وارد: إذ الرواية تتعرض لوظيفة المعصوم كمتصرف في الامور لا أنها في صدد بيان صلاحية المعصوم.

حيث أنها تطرح قضية كليّة «إذا شهد عند الامام .. أمر الامام»، مكونة من موضوع و محمول، فهي لبيان الميزان لتحقق الامر.

و أما الاشكال بأن هذا امر، و انشاء الامر ليس انشاء للحكم، ليس بسديد، إذ أن الحكم الولوي ليس هو إلّا أوامر ولوية، كما أن الامر بالصلاة مثلا يعني وجوب الصلاة، فلا فرق بين انشاء الامر أو انشاء الحكم كلاهما يؤدي نفس الغرض، و هما حيثيتان أو عنوانان لواقعية واحدة كما نبه عليه المحقق الاصفهاني (قدس سره).

و سواء كان حقيقة الحكم انشاء الامر أو هو انشاء و جعل الفعل في ذمة المكلف كما ذهب إليه السيد الخوئي (قدس سره)، فانشاء الامر اما هو كناية عن انشاء الحكم أو هو بنفسه حكم، أو ما يلازم الحكم على المسالك المختلفة في الاصول.

و قد حررنا في «ملكية الدول الوضعية»، أن الحكم الولوي هو نفس الاوامر الولوية، و النواهي الولوية و هو يباين الحكم الفتوائي و القضائي، و ذكرنا هناك أن الحكم الولوي قد يبيّن ميزانه و معياره في الروايات، كما يبيّن ميزان الفتوى و القضاء، و أن الادلة على نحوين أولها يتعرض لميزان الباب و الوظيفة المقررة فيه و النحو الثاني يتعرض لصلاحية متولي الوظيفة و أنه بالاصالة لمن يكون و بالنيابة لآخر.

فمثل قوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): «انما أقضي بينكم بالبينات و الايمان»، معيار‌

180

و ميزان الشرع في الحكم القضائي، ثمّ يقوم الدليل على أن هذا الميزان المقرر للرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أو الامام المعصوم (عليه السلام) ثابت أيضا للفقيه المتوفرة فيه شرائط النيابة العامة، فكل ما هو من وظائف القضاء يثبت للفقيه و المجتهد.

فالخلاصة أن انشاء الحكم الولوي هو بالامر و النهي و ليس بخصوص كلمة «حكمت» فقط، فكما أن انشاء حكم القاضي لا يختص بهذه الكلمة بل هو أعم، كأن يقول آمرك يا زيد بدفع كذا إلى فلان، أو بصورة الخبر: «هذا المال لفلان و ليس لك يا زيد» كذلك الامر هاهنا.

التحقيق في مفاد الرواية

ان أدلة النفوذ و الامضاء على أنماط، فنمط يتعرض إلى شرائط الفعل أو المورد الذي يكون فيه النفوذ، مثل ما في المعاملات حيث أن بعض أدلة الامضاء تكون متعرضة إلى شرائط البيع و شرائط المبيع، كقوله (عليه السلام): «لا بأس بالتفاضل في غير المكيل و الموزون نقداً و نسيئة»، و نمط آخر يتعرض إلى شرائط و صلاحية الفاعل كالبائع في البيع مثل: «الناس مسلطون على أموالهم»، و مثل: «أمر الثيب في النكاح بيدها»، و غيرها من الامثلة.

و هكذا الحال في أدلة نفوذ الامور و التصرفات الولوية فان بعضها متمركز في النظر إلى ميزان و مورد الفعل الولوي و شرائطه كوظيفة للولي، و بعضها متعرضة لصلاحيات الولي و دائرتها من دون تعرضها إلى المورد.

إذا اتضح ذلك: فقد تقرر لديهم في باب المعاملات أن الادلة المتعرضة لشرائط الفاعل لا يمكن التمسك بها عند الشك في شرائط الفعل أي عند الشك في ما هو موضوع الادلة الاولى، فلو بني على اطلاق أدلة النيابة العامة فتلك الادلة ليست ناظرة إلى أن مورد النيابة أي شي‌ء هو، و ما هي شرائطه، بل لا بد من أدلة أخرى على بيان الفعل و ميزانه.

181

و كذلك أيضا لا يتمسك بأدلة شرائط الفعل النافذ و الممضى عند الشك في شرائط الفاعل و ما هو موضوع الادلة الثانية.

و يمثل لذلك بأن القائل إذا مدح الملكة العلمية للمهندس فان ذلك لا يعني مدحاً إلى المورد و الأرض و أدوات البناء التي يتم فيها و بها عمل المهندس و كذلك العكس.

و حينئذ نقول ان روايتنا هذه انما هي في المقام الأول، أي أنها متعرضة لشرائط و ميزان حكم امام الاصل (عليه السلام)، لا في المقام الثاني من صلاحية الامام و حدود ولايته، فهي تبين ضابطة الفعل كميزان عام في الفعل لا كأمر اتفاقي، و انها وظيفة لها معيارها و ضابطتها الخاصة الدائمة.

و مقتضى ذلك: أن تلك الوظيفة غير معطلة و ان لم يبن على النيابة العامة، إذ ليست الرواية في المقام الثاني من بيان الصلاحيات المعيّنة لخصوص المعصوم (عليه السلام)، و انما هي في المقام الأول من بيان ميزان الفعل الولوي بميزانه العام المعلوم عدم ارادة الشارع تعطيله، إذ أن نفس بيان ضابطة و ميزان الفعل و الوظيفة الولوية هو تشريع ثابت في انبثاق الحكم الولائي، و يدل على أنه أمر لا يعطل لدى الشارع و معه لا يتخلف الحاكم عن الحكم، لانه أيضا تشريع ثابت في باب الولاية.

و بعبارة أخرى: المهم في الادلة هي تلك الادلة التي تتعرض إلى ميزان الحكم الولوي و الوظيفة الولوية، فاذا تعرضت الروايات إلى هذا الميزان يكون أمرا واضحا من جهة الفعل، و أن ميزان هذا الفعل واضح لدى الشارع، فحتى لو بني على ضيق النيابة عن الامام المعصوم (عليه السلام)، يكون هذا المورد ثابتاً للمجتهد، لان الامام بيّنة كوظيفة ولوية للولي المتصرف و أنه أمر غير معطل في أغراض الشارع.

و بهذا البيان نستفيد أن حكم الحاكم في مسألة الهلال ليست من باب الحكم الاتفاقي الذي يبديه الامام المعصوم، بل هو بصورة تقنين دائم و ضابطة كلية في‌

182

المقام، و ليست قضية خاصة بملابسات مجملة تصدر عن الامام، فالرواية تامة في اثبات صغرى الدليل، و هي أن هذه الوظيفة من الوظائف العامة للولي المتصرف للامور.

الرواية الثانية

صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ان علياً (عليه السلام) كان يقول: لا أجيز في رؤية الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (1).

الرواية الثالثة

صحيحة شعيب بن يعقوب عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) أن عليا (عليه السلام) قال: «لا أجيز في الطلاق و لا في الهلال إلّا رجلين» (2).

و موضع الاستدلال بالروايتين قوله (عليه السلام): «لا أجيز»، و في بعض الكلمات استظهر منهما نفي حجية حكم الحاكم، لانها حصرتا الحجية في البينة.

و الحال أن البينة طريق طولي على الرؤية، و ليست هي الرؤية كي يقال أن الروايتين متعرضتان للحصر في الطريق المباشر، بل الروايتان من أدلة ثبوت الهلال بحكم الحاكم، و تدلان أيضا على حصر ميزان الحكم في شهادة الرجلين مقابل شهادة رجل و امرأتين أو غير ذلك من الشهود.

بيان ذلك: أن قوله (عليه السلام): «لا أجيز»، امّا بمعنى أنه لا يجوز أي الاخبار الافتائي عن الحكم الواقعي و التشريعات الاولية على الموضوعات بصورة الانشاء حيث أن الافتاء ذا جنبتين.

أو بمعنى لا أنفذ و الجواز بمعنى النفوذ و المضي‌ء، فيكون أداة النفي داخلة على الانشاء المحض من دون جنبة إخبار، أي إنشاء من له صلاحية الولي المتصرف الحاكم، و الثاني أظهر لكون الأول فيه نحو تضمين و تقدير محتاج إلى قرينة زائدة.

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 11 حديث 8.

(2) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 11 حديث 9.

183

فالروايتان دالتان على أن ذلك من صلاحيات الحاكم، و أن الميزان الولوي هو شهادة الشاهدين، فهما على نسق صحيحة محمد بن قيس في بيان وظيفة الولي المتصرف في الامور، و حملهما على أنهما من باب التشريع الاولى على الموضوعات بحاجة إلى قرينة، إذ هذا خلاف ما هو ظاهر من المعنى الاستعمالي فيهما.

ان قلت: لا محصل ل‍ «لا أجيز في الطلاق»، على المعنى الثاني، بخلاف المعنى الأول فهو قرينة المقام.

قلت: هو على نسق روايات أخرى مثل ما عن الامام الباقر (عليه السلام) فيها: «و اللّٰه لو ملكت من أمر الناس شيئاً لأقمتهم بالسيف و السوط حتى يطلقوا للعدة كما أمر اللّٰه عز و جل» (1).

و قوله: «لو وليتهم لرددتهم فيه إلى كتاب اللّٰه عز و جل»، و قول الامام الكاظم (عليه السلام):

«لو وليت أمر الناس لعلمتهم الطلاق ثمّ لم أوت بأحد خالف إلّا أوجعته ضربا» (2).

فهذا الاسناد إلى النفس و إلى الذات المقدسة فيه اشعار واضح أن الاخبار على الطلاق الصحيح و منع الانفاذ العملي للطلاق الفاقد للشرائط من صلاحية الولي المتصرف في الامور لا انها أحكام تشريعية.

الرواية الرابعة

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لو كان الامر الينا أجزنا شهادة الرجل الواحد، إذا علم منه خير، مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق اللّٰه عز و جل، أو رؤية الهلال فلا» (3).

و هذه الصحيحة دالة بوضوح على أن صلاحية الحكم بثبوت الهلال من شئون و توابع القضاء، فالحاكم بما له مسند القضاء يحكم بثبوت الهلال.

____________

(1) الوسائل: أبواب مقدمات الطلاق باب 6 حديث 1.

(2) الوسائل أبواب مقدمة الطلاق باب 6.

(3) الوسائل: ابواب كيفية الحكم باب 14 حديث 12.

184

ان قلت: كيف تكون هذه الرواية متعرضة لوظائف الولي المتصرف في الامور و في نفس الوقت متعرضة لوظائف القاضي؟

قلت: و ان كان هناك فرق بين الحكم الولوي و القضائي و التشريعي الاولى على الموضوعات كما بيّناه مفصلا في «ملكية الدول الوضعية»، إلّا أن مسند القضاء كما يلي الامور القضائية كذا يلي اقامة الحدود و القصاص و غير ذلك من الشئون الولوية و سيأتي تتمة لذلك.

مع أن العطف في الكلام يصحح ذكر الموارد المتعددة، هذا مع أن الوظائف المزبورة بأجمعها ثابتة للمعصوم بالاصالة و للمجتهد بالنيابة على القول بالثبوت له لا أن بعضها كالقضاء له بالاصالة كي يتعدد الاسناد في فعل الانفاذ.

الرواية الخامسة

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّٰه- (صلى اللّٰه عليه و آله) يجيز في الدين شهادة رجل واحد، و يمين صاحب الدين، و لم يجز في الهلال إلّا شاهدي عدل» (1).

و هذا الحديث كسابقه يدل بوضوح على أن اثبات الهلال أيضا من وظائف القاضي، إذ مقتضى وحدة المعنى المستعمل و وحدة المعنى الجدي بمقتضى وحدة السياق هو كون الجواز و النفوذ في الموردين نفوذاً قضائياً أو من توابعه.

و يؤيد ذلك أن حكم القاضي في القضاء ليس ولوياً بحتاً بل فيه شائبة الطريقية، خلافا لما في كلمات بعض المعاصرين، فهو ليس ولوياً محضاً و ليس طريقياً محضاً أيضا، فقوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): «انما أقضي بينكم بالبينات و الايمان»، لا يغير الواقع لكن فيه جنبة تنفيذية، و هي وجوب متابعة القاضي و عدم الرد عليه.

____________

(1) الوسائل: أبواب كيفية الحكم باب 14 حديث 1.

185

الرواية السادسة

الصحيح إلى عبد اللّٰه بن سنان عن رجل- نسي حماد بن عيسى اسمه- قال:

«صام علي (عليه السلام) بالكوفة ثمانية و عشرين يوما شهر رمضان، فرأوا الهلال فأمر منادياً ينادي، اقضوا يوما، فان الشهر تسعة و عشرون يوما» (1).

و هذه الرواية بالالتفات إلى ما تقدم في بقية الروايات يظهر منها أن هذا الموضوع العام بيد الامام (عليه السلام) و من وظائفه.

الرواية السابعة

صحيحة عيسى بن أبي منصور أنه قال: كنت عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في اليوم الذي يشك فيه، فقال: يا غلام، اذهب فانظر أ صام السلطان أم لا؟ فذهب ثمّ عاد، فقال:

لا، فدعا بالغذاء فتغذينا معه (2).

و موضع الاستشهاد: ان الولي المتصرف الغاصب كان بيده هذا الامر، و هو كاشف عن سيرة المتشرعة من جهة الكبرى، و هي أنهم يجعلون هذه الوظيفة من مهمات من بيده الامر، و ان كان المصداق غير شرعي.

فالرواية و ان لم يصرح فيها باللفظ أنه من وظائف الامام، إلّا أنها دالة على أن المرتكز في سيرة المتشرعة أن هذه المسألة بيد الولي المتصرف، إذ ثبوت الهلال ترتبط به عدة من المهام و الوظائف التي هي واضحة أنها من مختصات الولي المتصرف، كإمارة الحج و تعيين الموقف في يوم عرفة و صلاة العيد و ما أشبه ذلك من قضايا عامة تترتب على ثبوت الهلال، التي هي من الشعائر الجماعية المنوطة بالولي، فهو موضوع عام بها.

أما الاشكال بأن هذه الكبرى المرتكزة قد تكون بدعية غير شرعية كالمصداق فسيأتي دفعه.

____________

(1) الوسائل: ابواب احكام شهر رمضان باب 14 حديث 1.

(2) الوسائل: ابواب ما يمسك عنه الصائم باب 57 حديث 1.

186

الرواية الثامنة

الموثق إلى داود بن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال و هو بالحيرة زمان أبي العباس: «اني دخلت عليه و قد شكّ الناس في الصوم، و هو و اللّٰه من شهر رمضان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا عبد اللّٰه، أ صُمت اليوم؟ فقلت: لا، و المائدة بين يديه قال: فادن فكل، فدنوت فأكلت، قال: و قلت: الصوم معك و الفطر معك، فقال الرجل لابي عبد اللّٰه (عليه السلام): تفطر يوما من شهر رمضان؟ فقال: إي و اللّٰه، أفطر يوما من شهر رمضان أحب إلى من أن يضرب عنقي» (1).

و التقريب ما تقدم و يأتي في الرواية اللاحقة.

الرواية التاسعة

مرسلة رفاعة عن رجل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال: يا أبا عبد اللّٰه، ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الامام، ان صمت صمنا و ان افطرت أفطرنا، فقال: يا غلام، علي بالمائدة، فأكلت معه و أنا أعلم و اللّٰه أنه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما و قضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي و لا يعبد اللّٰه (2)، و يبدو أن هذه الرواية هي السابقة لكن باسناد آخر.

و قوله (عليه السلام): «ذاك إلى الامام»، كبرى لا تقية فيها إلّا أن التطبيق فيه تقية، إذ لا يرفع اليد عنها بأصالة الجهة إلّا بالقدر المعلوم المتيقن.

و هو نظير ما ورد في أدلة الاستصحاب: «لا تنقض اليقين ....» في الشك في الركعات من كون التطبيق محمول على التقية.

الرواية العاشرة

الصحيح إلى خلاد بن عمارة قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «دخلت على أبي العباس في يوم شك و أنا أعلم أنه من شهر رمضان و هو يتغذّى، فقال: يا أبا عبد اللّٰه، ليس هذا من‌

____________

(1) الوسائل: أبواب ما يمسك عنه الصائم باب 57 حديث 4.

(2) الوسائل: أبواب ما يمسك عنه الصائم باب 57 حديث 5.

187

أيامك، قلت: لم يا أمير المؤمنين؟ ما صومي إلّا بصومك، و لا افطاري إلّا بافطارك، قال:

فقال: ادن، قال فدنوت فأكلت و أنا- و اللّٰه- أعلم أنه من شهر رمضان» (1).

الرواية الحادية عشر

معتبرة ابي الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): انا شككنا سنة في عام من تلك الاعوام في الاضحى، فلمّا دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) و كان بعض أصحابنا يضحي، فقال: «الفطر يوم يفطر الناس، و الاضحى يوم يضحي الناس، و الصوم يوم يصوم الناس» (2).

و هذه الرواية تدل على اعتبار احراز يوم عرفة الظاهري عند العامة لليوم الواقعي، و أما دلالتها بالنسبة للمقام فان أهل العامة كانوا يتبعون أمير الحاج في تعيينه و في ثبوت هلال ذي الحجة فمن شئون أمير الحاج أنه يعين و يحكم بثبوت الهلال و ما أشبه من الامور المختصة بالحج و توابعه.

الرواية الثانية عشر

رواية منقولة عن رسالة المحكم و المتشابه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «و أما الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار فان اللّٰه نهى المؤمن أن يتخذ الكافر وليا، ثمّ منّ عليه باطلاق الرخصة له- عند التقية في الظاهر- أن يصوم بصيامه، و يفطر بافطاره، و يصلي بصلاته، و يعمل بعمله، و يظهر له استعمال ذلك، موسعا عليه فيه، و عليه أن يدين اللّٰه في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين» (3).

و ما في الرواية من أن اتخاذ المؤمن للمخالف ولياً لما له من السطوة و السلطة الظاهرة كالتاسعة في أن التقيّة في الصغرى، لكنها من حيث الكبرى تامة.

أضف إلى هذه الروايات ما هو شائع و متصل إلى زمن العباسيين من كون كم‌

____________

(1) الوسائل: أبواب ما يمسك عنه الصائم باب 57 حديث 6.

(2) الوسائل: أبواب ما يمسك عنه الصائم باب 57 حديث 7.

(3) الوسائل: أبواب ما يمسك عنه الصائم باب 57 حديث 8.

188

الهلال أمره بيد القاضي أو الولي المتصرف- و ان كان غاصبا- فهذه السيرة هذا الامر الشائع له دلالة واضحة على أنه من وظائف القضاة و ولاة الامر بلا ريب.

و قد أشكل غير واحد: بأن اناطة هذه المسألة و تصنيفها من وظائف القاضي او الولي المتصرف من بدع العامة.

و هذا الاشكال مدفوع من جهة أن النصب للقضاء في قوله (عليه السلام): «فأني جعلته عليكم حاكما»، جعل و أنشأ باستعمال اللفظ في نفس مفهوم القضاء او الحاكم المستعمل عرفا في زمن الصادقين (عليهما السلام) في هذه التوابع أيضا و التي كانت موجودة، فهي و ان كانت من بدعهم- على فرض تسليم ذلك- لكن أصبح مركوز في الاذهان أن من شئون القضاء البت في قضية الهلال و ما أشبه ذلك.

فروايات نصب القاضي يتبادر من استعمال لفظة القاضي فيها إلى الاذهان أن نفس صلاحيات قاضي العامة مجعولة لقاضي الخاصة، و لو أريد ما هو أضيق من هذا المفهوم لكان على الامام (عليه السلام) ينبّه إلى ذلك و عدم التنبيه و التحديد يدل على أن دائرة الرجوع إلى قضاة العامة يرجع فيها إلى قضاة الخاصة بلا أدنى تفاوت.

جواب آخر: ان صلاحيات القاضي ليست في الحسم للنزاع فحسب، بل لا بد من وجود جناح تنفيذي للقاضي و قوة تنفيذية لاجبار الممتنع و ردع الظلم و ما أشبه، و إلّا لكان لغواً و حبراً على ورق، و هذه القوة التنفيذية ولائية لا قضائية، فمن لوازم القضاء القوة التنفيذية و إلّا يكون جهاز القضاء ناقصا و فائدته غير تامة، مع عدم وجود يدٍ مبسوطة للقاضي في تطبيق و تنفيذ ما يحكم به.

فاذا كان كذلك من المستحيل أن يلحق بفصل الخصومة بتّ القاضي في الموضوعات العامة التي فيها جنبة طريقية لكونه موضوعا عاما جماعيا.

189

اثبات الجهة الثانية «كبرى الاستدلال»

و هي أدلة صلاحية و نيابة المجتهد الفقيه عن الامام المعصوم (عليه السلام)، و يدل على ذلك روايات:

الرواية الاولى

مقبولة- بل معتبرة- عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة، أ يحل ذلك؟ قال: «من تحاكم اليهم في حق أو باطل فانما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فانما يأخذ سحتا، و ان كان الحق ثابتا له، لانه أخذه بحكم الطاغوت، و ما أمر اللّٰه أن يكفر به، قال اللّٰه تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» (1)، قلت: كيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكماً» (2).

تحقيق سند الرواية

و قبل الدخول في دلالة الرواية لا بأس بتحقيق سندها، و ليس من يناقش فيه إلّا عمر بن حنظلة إذ لم يوثق، و لكن بمراجعة أحاديثه نجد بأن الصادق (عليه السلام) يتحدث معه كما يتحدث مع كبار أصحابه من أمثال زرارة و محمد بن مسلم، كما نجد في أحاديثه تلك التشقيقات و المداقات التي لا يتلفت اليها إلّا نادرا، و التي تنم على سعة باع الرجل في الفقه، كما أن طريقة جواب الامام له أيضا تستدعي الانتباه إذ يبين له كل نكات الشقوق و الكليات المفرز بعضها عن البعض، كل ذلك يدل على جلالة هذا الرجل.

و قد روى عنه زرارة بن أعين و عبد اللّٰه بن بكير و عبد اللّٰه بن مسكان و صفوان بن يحيى مضافا إلى رواية الوقت: «اذاً لا يكذب علينا»، حيث أن جوابه (عليه السلام) «اذاً»‌

____________

(1) النساء 60.

(2) الوسائل: أبواب صفات القاضي باب 11 حديث 1.

190

راجع إلى عمر بن حنظلة لا إلى الوقت إذ لم يعين السائل الوقت المزبور، و إلى روايات أخرى في حاله مؤيدة لما تقدم.

و قد يستشكل في مفاد الرواية من كون النصب المزبور في الرواية مختص بمورد النزاع (1)، بل ان الرواية ناظرة إلى قاضي التحكيم فلا ربط لها بالمقام.

و هو مردود: لان قوله (عليه السلام): «فإني قد جعلته عليكم حاكماً»، تعليل للرضا، لا أن الامام جعله علينا حاكما بسبب رضانا، بل الامام أمرنا بالرضا و الانقياد العملي لانه جعله علينا حاكما.

أضف إلى ذلك: أن في الرواية أمر بالرضا، لا اشتراط نفوذ القضاء بالرضا، إذ القاضي المنصوب لا بد من الانصياع إليه.

فهذه الرواية بعد التأمل ظهورها تام في القاضي المنصوب، سيما و أن الشروط التي تقدمت في صفات هذا القاضي لا تتلاءم بمجملها إلّا مع قاضي التنصيب، و أما اختصاصها بمورد النزاع فقد تقدم أنه في حالة التنازع لا بد للقاضي من سلطة تنفيذية أيضا.

و الرواية لم تقيد منصب القضاء بمورد الحسم و النزاع، بل هي مطلقة تشمل جميع وظائف و مهمات القضاء المجعولة للسلطان و القاضي في ذلك الزمان، فهذه الرواية تثبت الكبرى و هي نيابة الفقيه الجامع للشرائط عن الامام منصب القضاء.

بل يمكن القول بأن هذه الرواية علاوة على أنها تثبت كبرى باب القضاء، فهي تثبت في الجملة بشكل صريح كبرى باب الولاية و أن المجتهد الفقيه له نيابة من قبل الامام المعصوم.

كما في صدرها: «فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة»، و التحاكم إلى السلطان حكم متولي الامور حيث أن القضاء له بالاصل غير منفك عن ولاية التصرف،

____________

(1) مستند العروة كتاب الصوم ج 2 ص 87.

191

و كلمة الحكم لا يقصد استعمالها في حسم القضاء بقرينة أن الرجوع إلى السلطان ليس باعتبار موازين القضاء فحسب، بل للحكم المولوي أيضاً.

فكلمة الحكم الواردة في الصدر ليست مخصوصة بباب القضاء، و السلطان قد يفصل بين النزاع و الخصومات بصلاحياته الولوية، مضافا إلى أن أصل الوضع اللغوي للكلمة أيضاً لا يقتصر على باب القضاء بل استعمالها أعم من ذلك.

كما أن القضاء جناح من أجنحة الدولة و السلطان كما هو الحال في الهياكل العصرية، و يشير إلى ذلك ما ورد من التحذير للمؤمنين من التحاكم إلى السلطان الجائر.

ففي صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر، فقضى عليه بغير حكم اللّٰه، فقد شركه في الإثم» (1)، و في الباب أحاديث أخرى بهذا اللسان تومي إلى أن التحاكم في السابق لم يكن مقتصرا على القضاة بل يشمل السلطان الجائر.

فوظائف القاضي في عصر صدور الرواية لم تكن مقتصرة على القضاء وحل النزاعات، بل دائرته أوسع من ذلك بكثير، و للقضاة على مرّ التاريخ تصرفات و وظائف خارج دائرة الخصومات، فلهم تدخل في القضايا العامة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و لهم بتّ في هذه المجالات، و لذلك يعتبر القاضي في ذلك الوقت بمثابة دولة داخل دولة.

و كان السلطان لا يقدم على اتخاذ قرار إلّا بعد أن يراجع قضاته فيهيئون له الجو القانوني المناسب و المناخ الملائم، و تهيئة الرأي العام لخطته الجديدة، و يعدّ مصدرا لوضع التشريعات، كالحكم بوجوب الجهاد و ما أشبه ذلك، كما أن جميع القضايا الحسبية كانت مناطة بباب القضاء، و من أمثلة تدخل القضاة في الامور العامة فتوى‌

____________

(1) الوسائل: أبواب صفات القاضي باب 1 حديث 1.

192

شريح القاضي لعنه اللّٰه بأن سيد الشهداء (عليه السلام) خرج عن حده فقتل بسيف جده.

و الاشكال ببدعية التوسعة في الكبرى و عدم مشروعيتها كبدعية و عدم مشروعية المصاديق مرت الاجابة عنه.

الرواية الثانية

معتبرة أبي خديجة قال: قال أبو عبد اللّٰه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم، يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيا، فتحاكموا إليه» (1).

و قد خدش في المستند هذه المعتبرة (2)، بأنها ناظرة إلى قاضي التحكيم، أي الذي يتراضى به المتخاصمان- و هو لا يشترط فيه إلّا معرفة شي‌ء من أحكام القضاء و لا ينفذ حكمه إلّا في الخصومة المرفوعة إليه لا مجمل الموضوعات العامة كالهلال- لا إلى القاضي المنصوب ابتداء الذي هو محل الكلام و يعتبر فيه الاجتهاد.

و يرد عليه: ما تقدم من الجواب في الرواية السابقة، من أن الفاء في الذيل «فإني» ليست للتفريع و انما للتعليل، إذ «فاجعلوه» أمر بالانقياد و بالانصياع إليه و البناء العملي، و علّله (عليه السلام) بقوله: «فإني قد جعلته»، فاستظهار قاضي التحكيم منها لا وجه له.

و الغريب أنه خدش في دلالة معتبرة ابي خديجة، و ارتضى في بعض كلماته دلالة مقبولة- معتبرة- عمر بن حنظلة، و وجه الغرابة ان السياق في ترتيب الصغرى و الكبرى على نفس النمط، بل معتبرة أبي خديجة أبعد عن الاشكال.

الرواية الثالثة

و هي التوقيع الشريف الذي رواه الصدوق بسنده عن اسحاق بن يعقوب قال:

سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت‌

____________

(1) الوسائل: ابواب صفات القاضي باب 1 حديث 5.

(2) مستند العروة كتاب الصوم ج 2 ص 90.

193

عليّ فوردت التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): «أما ما سألت عنه أرشدك اللّٰه و ثبتك ....» إلى أن قال: «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة اللّٰه» (1).

و قد خدش في سند التوقيع و دلالته.

أما الأول: فلجهالة و عدم توثيق محمد بن محمد بن عصام الكليني، و كذا اسحاق بن يعقوب فليس له أثر في كتب الرجال أيضا.

و فيه: أن هذا التوقيع المبارك رواه الشيخ في كتاب (2) الغيبة عن جماعة- منهم الشيخ المفيد- عن جعفر بن محمد بن قولويه «استاذ المفيد و الذي قال المفيد عنه افقه أهل زمانه»، و أبو غالب الزراري «من شيوخ الطائفة الاجلاء»، و غيرهما كلهم عن محمد بن يعقوب «ثقة الإسلام الكليني»، عن اسحاق بن يعقوب ... الحديث. كما رواه أيضا الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج.

فالسند قطعي إلى الشيخ الكليني (قدس سره) إذ يرويه جماعة من شيوخ و أعلام الطائفة عن جماعة أخرى مثلها أيضا عن ثقة الإسلام الكليني، فليس ما يتوقف فيه إلّا صاحب التوقيع و هو اسحاق بن يعقوب، و قد احتمل بعضهم أنه من أقارب الكليني.

و يمكن أن يذكر لتوثيقه أن غالب الكتب كانت تستنسخ سيّما التوقيعات، إذ كان دأب رواة الاحاديث عن ذلك، حتى يحصل التثبت و عدم التدليس، و كان للتوقيعات الصادرة من الناحية المقدسة في عصر الغيبة الصغرى منزلة كبيرة عند الشيعة، فكانوا يثبّتون فيها كل التثبّت، و هي سيرة عامة الشيعة فكيف بعلمائها سيّما من مثل الكليني، إذ كانوا لا يرتضون كل من يدعي المكاتبة و لو عبر النواب، بل كان هناك جانب كبير من الحيطة و التثبت الشديد، و ذلك لادعاء جماعة من المنحرفين عن خط أهل البيت (عليهم السلام) النيابة الخاصة.

____________

(1) الوسائل أبواب صفات القاضي باب 11 حديث 9.

(2) كما نبه عليه الشيخ الاستاذ في دعوى السفارة في الغيبة الكبرى ص 47 ص 176.

194

فكانوا لا يثقون بصدور التوقيع لأحد إلّا بعد أن يروا خط الامام (عليه السلام)، و يطمئنوا إلى أنه خطه الشريف، حتى و ان كان صاحب التوقيع من المنزلة و الجلالة الكبيرة، فهل يتوصل أن يقتنع ثقة الإسلام الكليني و يطمئن إلى هذا التوقيع و يرويه إلى جماعة من أعلام و شيوخ الطائفة من دون أن يطمئن و يثق بصاحب التوقيع كل الثقة أو لا أقل من تثبّته برؤية خط التوقيع، مضافا إلى أن أغلب من يكاتب الامام (عليه السلام) كان في الغيبة الصغرى وكيل بالواسطة و على منزلة خاصة.

فرواية الكليني لهذا التوقيع تدل على اطمئنانه بصدور هذا التوقيع، و وثوقه بالمكاتب و أنه بمنزلة جليلة، سيما و أن الكليني معاصر للنائب الثاني- رض- و عاش معه في بغداد، فصورة السند موجبة للاطمئنان بصدور هذا التوقيع من الناحية المقدسة بعد كون السلسلة أعلام و شيوخ الطائفة.

أما عدم رواية الكليني رحمه اللّٰه لهذا التوقيع في الكافي فلأن دأبه كما هو ملحوظ في كتابه على عدم اخراج التواقيع من الناحية المقدسة فيه، و الظاهر أن ذلك لكونه في الغيبة الصغرى حيث يتحرز من افشائها، سيما و أن كتابه ألّفه للانتشار في تلك الحقبة الزمنية.

و أمّا الثاني:

دلالة التوقيع الشريف‌

فقد استشكل غير واحد- منهم المحقق الاصفهاني في حاشيته على المكاسب (1)- أن: «الحوادث الواقعة»، اشارة إلى حوادث واقعة مذكورة في صدر أسئلة التوقيع و هي حوادث علائم الظهور، أي استعملوا في الحوادث الواقعة قبل الظهور و الفرج من الرواة الراوين لعلائم الظهور عن أهل البيت (عليه السلام)، ف‍ «ال» في قوله (عليه السلام) «الحوادث الواقعة» عهدية و ليست جنسية فلا يمكن التمسك بها في المقام.

____________

(1) ج 1 ص 241.

195

و يؤيد في بادئ النظر أن لو كان المراد جعل حجية الرواة و الفقهاء في مسند الفتيا و القضاء و التصرف في الامور العامة فما معنى التعبير ب‍ «الحوادث الواقعة»، إذ النيابة في مسند القضاء و كذا الفتيا ثابتة من زمن الامام الباقر (عليه السلام) بل منذ عهد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) كما تفيده أية النفر، و لذا ورد عن الامام الباقر (عليه السلام) مخاطباً لأبان: «اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإني أحب ان يرى في شيعتي مثلك» (1).

فالحوادث المستقبلية ان كانت في الشبهات الحكمية، فذلك ليس مختصاً بالمستقبل، و ان كانت في الشبهات الموضوعية و مورد النزاع فهذا ثابت قبل صدور التوقيع، و ان كان في الامور العامة و النيابة عن الامام المعصوم فليس هناك وجه للتخصيص بالمستقبل.

و فيه: ان سياق الاجوبة ليس سياقا واحدا، فالتوقيع مقطع فقرات و أجوبة عن أسئلة مختلفة و متعددة لا ربط بين بعضها البعض، فهي كالاستفتاءات المتعددة التي ترفع في هذه الايام للفقيه و المجتهد لا يربط بينها السياق الواحد و كل جواب منفصل عن غيره، مع أن بين فقرة تكذيب الوقاتين في التوقيع و فقرة المقام فقرة فاصلة عن الفرقة التي تزعم حياة الحسين (عليه السلام).

و أما أن «ال» عهدية فهو بحاجة إلى دليل، بل هي جنسية إذ هو الظهور الاولى لما لم تقم قرينة سبق ذكر اللفظة أو ما هو بمعناها في البين، بل القرينة في ذيل الرواية تؤكد على أن «ال» جنسية و ليست عهدية، و هي قوله (عليه السلام): «فإنهم حجتي عليكم»، إذ حجية نيابة الفقيه و الراوي عن الامام المعصوم (عليه السلام)، ليست مختصة على كل تقدير بروايات علائم الظهور.

هذا و التقييد بالمستقبل موردي بلحاظ المخاطب لا احترازي لنكتة اشتماله‌

____________

(1) رجال النجاشي ترجمة أبان بن تغلب.

196

على النيابة في التصرفات في الغيبة الكبرى.

و ما في المستمسك من الخدشة- و كذا في المستند (1)- من اجمال المراد، و أن الرجوع إليه هل هو في حكم الحوادث، ليدل على حجية الفتوى، أو حسمها، ليدل على القضاء، أو رفع اشكالها و اجمالها ليشمل المقام.

ففيه: أن اطلاق الحجية يتناول و يدل على الزوايا الثلاث، و هي منصب الفتوى و القضاء و التصرف في الامر.

و أما استفادة الوكالة و النيابة من قوله (عليه السلام): «هم حجتي»، أي من كونهم حجة من قبل الامام (عليه السلام) و ذلك لا يصدق على الارجاع في الفتيا بل يصدق على الارجاع في الامر الولوي، إذ في الفتيا ليسوا هم حجة للامام (عليه السلام) بل حجة اللّٰه لانهم يخبرون عن أحكام اللّٰه الواقعية.

فليست بتامة لأنّ الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و الائمة (عليهم السلام) في تبليغهم للاحكام الشرعية إلى الناس ليسوا صرف مبينين و كطريق محض، بل لهم موضوعية لا أنهم مجرد طريق فقط كتصريح الناطق الرسمي للدولة في هذه الايام عن الاصدارات القانونية لها.

هذا فضلا عما ورد من التفويض- بمعاني متعددة- في منطقة من التشريع اليهم، و هذا لا ينافي حجية الحكم العقلي كما لا يخفى، فاذا كان لهم هذا المعنى من الموضوعية فالذي يبيّن عنهم هو طريق على الحجة لا على الحكم الواقعي في اللوح المحفوظ.

و لك أن تقول: أن اخبار الراوي حجة على الحجة، كقيام البينة على اليد و اليد أمارة، لكن مع ذلك هي التي تتوسط بين البينة و الملكية، و البينة حجة على اليد و اليد حجة على الملكية.

نعم من التعبير ب‍ «حجتي عليكم ... و أنا حجة اللّٰه»، يستفاد النيابة بمقتضى الطولية في‌

____________

(1) المستمسك ج 8 ص 400، مستند العروة ج 2 ص 84 كتاب الصوم.

197

الاسناد في مادة و عنوان الحجية و مقتضى الاطلاق في الحوادث يتضح أن النيابة في الجملة ثابتة.

لكن مع ذلك قد تعارض مجمل القرائن على الاستظهار المزبور، بقرائن أخرى مخالفة إذ لو كان المراد الامور العامة و الولوية لكان التعبير ب‍ «مقاليد الامور بيد الفقهاء»، أنسب من التعبير فيها ب‍ «فارجعوا».

إذ الامور العامة التي بيد المتصرف لا عبرة فيها بارجاع و رجوع المكلف إليه إذ هو متسلط و نافذ اليد، فلا يقال ارجع إلى السلطة أو إلى الولي إذ الامور بيده، و أما الارجاع للفقيه في الشبهة الحكمية فذلك لتقوّم الاستعلام و المتابعة بالرجوع.

على أن الارجاع في الرواية فعليّ و هذا يتصور في الفتوى، إذ أنهم (عليهم السلام) كانوا يرشدون الناس إلى الرجوع إلى رواة حديثهم، و عارفي حلالهم و حرامهم، بينما النيابة العامة في الغيبة الصغرى وقت صدور المكاتبة لم تكن فعلية بعد فهذا دال على كون المقصود بالحوادث في المكاتبة هي الشبهات الحكمية.

و أما الطولية المستفادة من: «حجتي عليكم ... و أنا حجة اللّٰه»، فليست بمتعينة في النيابة إذ الطريق الذي ينصبه (عليه السلام) يكون حجة من قبله، فالاجابة على أسئلة الرواة و بث الاحكام بينهم نصب منه للطريق، كما أنه عليه حجة اللّٰه تعالى مبلغ لاحكامه، هذا فضلا عن تعينها في الوكالة التي هي استنابة في الموارد المحدودة بخلاف النيابة.

فالمكاتبة في اثبات الكبرى قاصرة في الدلالة و يكفي في المقام مقبولة- معتبرة- ابن حنظلة و صحيحة ابي خديجة.

نعم قد يقال: أن الامر بالرجوع إلى الفقهاء أمر بتحقيق بسط أيديهم حيث أن المفروض كونهم في ظل الدول الوضعية، نظير الامر بالتحاكم اليهم و الرجوع في الخصومات اليهم و حرمة الرجوع إلى قضاة الجور، فمضافا إلى دلالته بالالتزام‌

198

على كون مسند القضاء لهم دال بالمطابقة على وجوب تحقيق بسط يدهم في القضاء عبر الترافع اليهم، و إلّا من كان مبسوط اليد فعلا منهم في القضاء الترافع إليه أمر حاصل في الغالب بمقتضى بسط يده فليتدبر و ليتأمل.

و على تقدير تمامية دلالة الرواية فهي أتم من سابقتيها و أبعد عن الاشكال المعروف، و هو ما أومأنا إليه في «ملكية الدول الوضعية»، في بحث الحكم الولوي، من أن نصب والي الاصل- المعصوم (عليه السلام)- الفقهاء قضاة أو حكاماً في عهد ولايته يمتد بطبيعة الحال إلى الحقبة الزمنية التي يقوم فيها باعباء الخلافة الالهية، و لا يتجاوز إلى حقبة امام آخر.

فاذا كان النصب للقضاء أو للحكم و النيابة العامة من الصادق (عليه السلام) فكيف يمتد إلى عصر الغيبة الكبرى في ظل امامة صاحب العصر و الزمان، لا سيما و أن ما قبل هذه الفترة- عصر الغيبة الصغرى- قد نصب الامام الحجة (عجل اللّٰه تعالى فرجه الشريف) النواب الاربعة بالخصوص للقيام بالامور العامة للشيعة و تدبير شئونهم، فكأن النيابة العامة لم تكن منصوبة- أي منقطعة- في تلك الفترة.

و يتضح ذلك بالتصفح في شجرة الوكلاء غير المباشرين للنواب الاربعة المنتشرين في أرجاء البلاد، كما أثبتتها المجاميع الروائية.

إلّا أنه مضافا إلى ما ذكرناه في الاجابة عن الاشكال في الكتاب المزبور، أن النيابة العامة للفقهاء في القضاء أو الحكومة كانت تجامع النيابة الخاصة في عهد الائمة السابقين (عليهم السلام)، فلاحظ نصب الصادق (عليه السلام) بالعموم لاي فقيه عادل للقضاء أو الحكم مع أنه (عليه السلام) في عهده كان له نواباً خاصين كالمفضل ابن عمرو و غيره، و للكاظم (عليه السلام) أيضا كذلك و هم الذين صاروا رؤساء الواقفية بعد ذلك، و للرضا (عليه السلام) عبد العزيز المهتدي و غيره، و للهادي أبو علي بن راشد و غيره.

و السر في ذلك أن الائمة (عليهم السلام) حيث لم تكن لهم حكومة ظاهرة بل كانت‌

199

حكومتهم على أتباعهم المنقادين اليهم في شتى المجالات بالخفاء، كان تنسيق إقامة هذه الحكومة «الخفيّة» إنّما يتم بمثل ذلك التنسيق الذي يجمع بين النواب المنصوبين بالخصوص و النواب المنصوبين بالعموم، فعليه لا انقطاع في النيابة العامة في الغيبة الصغرى، كما يرشد إليه الارجاعات المتكررة للحجية (عليه السلام) في التوقيعات إلى أحاديث آبائه الصادقين (عليهم السلام) التي كان ينقلها الرواة و الفقهاء.

200

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

201

وجيزة في حال عمر بن حنظلة

و يمكن أن يضاف إلى ما أفاده الشيخ الاستاذ في توثيق و تعديل عمر ابن حنظلة عدة من الامور بأجمعها تجعلنا نطمئن و نثق بما يرويه و نجعله في مصاف الثقات العدول بل عيون الطائفة.

الأول: كونه من وجوه الطائفة و أجلائها

يدل على ذلك صحيحة محمد بن مسلم، أن امرأة من آل المختار حلفت على اختها أو ذات قرابة لها، و قالت: ادني يا فلانة، فكلي معي، فقالت: لا، فحلفت، و جعلت عليها المشي إلى بيت اللّٰه الحرام، و عتق ما تملك و أن لا يظلها و إياها سقف بيت أبداً، و لا تأكل معها على خوان أبداً، فقالت الاخرى مثل ذلك، فحمل عمر ابن حنظلة إلى أبي جعفر (عليه السلام) مقالتهما، فقال: انا قاض في ذا، قل لها: فلتأكل معها، و ليظلها و اياها سقف بيت، و لا تمشي، و لا تعتق، و لتتق اللّٰه ربها، و لا تعد إلى ذلك، فان هذا من خطوات الشيطان (1).

فيلاحظ منها ان في ابتلاء بيت من بيوتات الشيعة المرموقة بالكوفة كآل المختار بمسألة شرعية جعل عمر ابن حنظلة الكافل و المتصدي لحلها عبر حملها إلى المعصوم (عليه السلام) في الحجاز، و هذا كان شأن فقهاء الطائفة و وجوهها في الكوفة حيث يرجع اليهم في حل المسائل الابتلائية اليومية.

و نقل محمد بن مسلم هذه الواقعة الذي كان المتصدي الشرعي فيها عمر ابن‌

____________

(1) الوسائل كتاب الايمان باب 11 حديث 10، نقلا عن الكليني و نوادر الاشعري.

202

حنظلة يدل على اعتداده بجلالته العلمية و مكانته في الطائفة، كما هو المتعارف لدى الشيعة في الحامل لرسائلهم الشرعية ذات الاهمية، إذ لم يكن المتصدي لتبيان الاحكام الشرعية عن المعصوم (عليه السلام) إلّا من هو فقيه و وجه و عين في الطائفة يشهد لذلك سيرتهم طول عصر الحضور.

كما يدل أيضا على أن ابن حنظلة كان من خصيصي أصحاب الباقر (عليه السلام)، إذ أن محمد بن مسلم من أبرز أصحابه (عليه السلام).

و يدل على ذلك أيضا ما رواه الكليني بسنده عن يزيد بن خليفة قال: قلت لابي عبد اللّٰه (عليه السلام) ان عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): اذاً لا يكذب علينا (1).

و قد أشار اليها الشيخ الاستاذ في بحثه بشكل مقتضب، و لكون هذه الرواية من عمدة ما يستدل به على وثاقة و جلالة ابن حنظلة لا بأس بالتمعن فيها سندا و دلالة.

اما سند فقد خدش فيه لعدم وثاقة و لوقف يزيد بن خليفة.

و فيه: أن عدم توثيقه لا يضر بعد رواية جماعة من أصحاب الاجماع عنه، فقد روى عنه ابن مسكان و صفوان و يونس، و العصابة مجتمعة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء، كما أن الشيخ في العدة صرح بأن صفوان و ابن ابي عمير لا يرويان إلّا عن ثقة و ادعى على ذلك الاجماع، و روايتنا هذه رواها يونس، فحتى لو لم يوثق بل لو ضعف- فانه لا يؤثر في قبول الرواية بعد الاجماع على تصحيح ما يصح عنه.

كما روي عنه أيضا جماعة من الثقات منهم ابو المعزاء و حنان بن سدير و عاصم بن حميد و عبد الكريم و غيرهم، و وقفه لا يمنع من قبول روايته، و قد مدحه الامام الصادق (عليه السلام) وعده من نجباء بني الحارث بن كعب، و ان محبتهم (عليهم السلام) في بني الحارث لقليل (2).

____________

(1) الكافي ج 3 باب وقت الظهر و العصر من كتاب الصلاة حديث 1.

(2) معجم رجال الحديث ج 20 ص 122.

203

أما دلالة: فكما أفاده الشيخ الاستاذ أن جوابه (عليه السلام): «اذاً» راجع إلى عمر بن حنظلة لا إلى الوقت، إذ لم يعين السائل الوقت المزبور.

و ما أفاده الشهيد الثاني في بعض حواشيه أن التعبير: «إذا لا يكذب علينا»، اداة النفي داخلة على الفعل المضارع المفيد للاستمرار و هو بمثابة الصفة المشبهة لكونه صدوقا، و إلّا لقال (عليه السلام): «إذا لم يكذب علينا»، لنفي الكذب في المورد، و بذلك يظهر أنه راجع إلى عمر لا إلى خصوص الوقت.

و هذا الحديث يدل على جلالة ابن حنظلة و ان منزلته عند الائمة (عليهم السلام) كمنزلة ابي بصير و زرارة و غيرهما من أجلة الرواة، و ذلك لان مسألة أوقات الصلاة في عهد الصادق (عليه السلام) كانت محل خلاف مشهور مذكور في الروايات بين البيوتات- بيت ابي بصير و محمد بن مسلم و زرارة- و قد جاء ابن حنظلة بوقت عن الصادق (عليه السلام) كما في رواية المقام و غيرها و هو منشأ تساءل ابن خليفة عن ذلك الوقت من الصادق (عليه السلام)، فتخصيص ابن حنظلة بوقت فيه دلالة واضحة على ما أفاده الشيخ الاستاذ من أن الصادق (عليه السلام) يتعامل معه كما يتعامل مع كبار أصحابه.

و سؤال يزيد بن خليفة للامام (عليه السلام) لا لكونه شكا في عدالة و وثاقة ابن حنظلة و انما لكون المسألة ذات حساسية خاصة و محل خلاف بين البيوتات العلمية الشيعية في ذلك الوقت.

الثاني: رواية أصحاب الاجماع عنه

فلقد روى عنه جماعة من أجلاء و أعيان الطائفة، ممن أجمعت العصابة على تصديقهم و الانقياد لهم بالفقه و تصحيح ما يصح عنهم، و هم:

1- زرارة بن أعين.

2- محمد بن مسلم.

3- عبد اللّٰه بن مسكان.

204

4- عبد اللّٰه بن بكير.

5- صفوان بن يحيى.

كما روى عنه أيضا ابن أبي عمير، و ابن محبوب و فضالة و يونس بالواسطة.

فرواية هؤلاء الاجلاء تكشف عن منزلة و جلالة ابن حنظلة، و هذا يكفي في اعتباره و توثيقه بل تعديله، و الاصحاب في موارد عديدة من الفقه وثقوا جماعة من الرواة و عملوا باحاديثهم لرواية جماعة من أصحاب الاجماع عنهم، كما أن رواية هؤلاء الكبار مؤيد و معاضد على كونه وجها من وجوه الطائفة كما ذكرنا في الوجه الأول، كما أن رواية صفوان و ابن ابي عمير عنه شاهد و مؤيد لكونه من الثقات، إذ أن الشيخ في العدة صرح بأن الطائفة سوت بين مراسيلهما و ما أسنده غيرهما لكونهما لا يرويان إلّا عن ثقة.

الثالث: رواية جماعة كثير من الاجلاء و الثقات عنه

ذكر الوحيد البهبهاني (رحمه الله) في التعليقة: أن رواية جماعة من الاصحاب عن شخص أو رواية كتابه من امارات الاعتماد عليه (1).

و عمر ابن حنظلة ممن روى عنه جماعة كثيرة من الاصحاب، بعضهم من كبار الفقهاء و عظماء الرواة، فقد روى عنه أكثر من عشرين ثقة و جليل، بالاضافة إلى اصحاب الاجماع الذين تقدمت أسماءهم، من هؤلاء الرواة.

1- ابراهيم بن عمر، قال في حقه النجاشي شيخ من أصحابنا ثقة.

2- احمد بن عائذ، وثقه النجاشي، و قال عنه ابن فضال بأنه صالح.

3- اسماعيل الجعفي، قال العلامة اسماعيل بن جابر الجعفي ثقة ممدوح.

4- اسماعيل بن مهران، قال النجاشي و الشيخ: ثقة معتمد عليه.

5- ابو المعزا حميد بن المثنى وصفه النجاشي ثقة ثقة، و وثقه الشيخ و له أصل.

____________

(1) مقباس الهداية ج 2 ص 262.

205

6- ابو أيوب الخزاز ابراهيم بن عيسى، قال النجاشي ثقة كبير المنزلة، و وثقه الشيخ و العياشي، و في الرسالة العددية للشيخ المفيد أنه من الفقهاء و الاعلام.

7- بندار بن عاصم، روى عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) مرفوعا.

8- الحارث بن المغيرة، قال النجاشي: ثقة ثقة، و روى الكشي بسند صحيح عن يونس بن يعقوب قال: كنا عند ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال: أ ما لكم من مفزع، اما لكم من مستراح تستريحون إليه، ما يمنعكم من الحارث بن مغيرة النضري فهذا يدل على عظمة الرجل و رفعة شأنه و علوّ قدره، و هو لم يرو إلّا عن ثلاثة من أصحاب الصادقين (عليهما السلام) و هم حمران بن أعين و منصور بن حازم و عمر ابن حنظلة، و قد روى عنه حديثاً في الوقت.

9- حريز، وثقه الشيخ، و هو من أجلاء الرواة.

10- حمزة بن حمران، و روى عنه أصحاب الاجماع وعدة من الثقات.

11- داود بن الحصين، وثقه النجاشي، و روى عنه صفوان و البزنطي.

12- ذريح المحاربي، له أصل وثقه الشيخ، و روى عنه أصحاب الاجماع.

13- سيف بن عميرة، وثقه النجاشي و الشيخ، و روى عنه جماعة كثيرة.

13- عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، قال عنه النجاشي ثقة ثقة عينا يلقب كرام.

14- علي بن الحكم، قال عنه الشيخ ثقة جليل القدر.

15- علي بن رئاب، قال عنه الشيخ له أصل كبير و هو ثقة جليل القدر.

16- عمر بن أبان، وثقه النجاشي روى عنه جماعة.

17- المفضل بن صالح أبا جميلة، ضعف.

18- منصور بن حازم، قال النجاشي: ثقة عين صدوق من جملة أصحابنا و فقهائهم.

19- موسى بن بكير الواسطي، له أصل روى عنه جماعة منهم عبد اللّٰه بن المغيرة‌

206

و جعفر بن بشير و ابن عمير و أكثر عنه صفوان.

20- هشام بن سالم، قال النجاشي ثقة ثقة، وعده المفيد من الرؤساء الاعلام.

21- يزيد بن خليفة، و قد مر الكلام فيه.

فكثرة رواية الاجلاء عنه تجعلنا نطمئن- بل نجزم- و نعتمد على ما يرويه، إذ المتصفح و المتتبع لأحوال الرواة يجد بان الاصحاب و أجلاء الطائفة ما كانوا يجمعون و يأخذون عن أحد إلّا إذا كان ذا منزلة و وجاهة رفيعة.

و كان دأبهم غمز من يروي عن الضعفاء حتى و ان كان من الاجلاء، بل نجدهم أيضا يتجنبون عن رواية من يروي عنهم.

فهذا أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري القمي أخرج الشيخ الجليل أحمد بن محمد البرقي من قم لانه يروي عن الضعفاء، و ترك الرواية عن سهل بن زياد لاتهامه بالغلو، و لم يرو عن الحسن بن محبوب لاجل اتهامه بالرواية عن ابي حمزة الثمالي أو ابن ابي حمزة (1).

و قد ذكر النجاشي في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك قال: سمعت من قال كان أيضا فاسد المذهب و الرواية، و لا أدري كيف روى عنه شيخنا الجليل الثقة ابو علي بن همام و شيخنا الجليل ابو غالب الزراري و ليس هذا موضع ذكره.

و قال الكشي في صدد مدح محمد بن سنان: و قد روى عنه ابن شاذان و أبوه موسى و محمد بن عيسى و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و الحسن و الحسين ابنا سعيد الاهوازي و أيوب بن نوح و غيرهم من العدول الثقات من أهل العلم.

و كلامه أمارة على أن رواية الاجلاء عن محمد بن سنان تنافي القدح فيه، و أن رواية العدول و الاجلاء عن شخص عبارة عن توثيقهم بل في بعض الاحالات تعديلهم له.

____________

(1) النجاشي 1/ 217 رقم 296.