هيويات فقهية

- الشيخ محمد السند المزيد...
279 /
207

الرابع: كثرة روايته عن المعصومين (عليهم السلام)

و هذا ينبئ عن كونه متعلقا و مرتبطا بهم (عليهم السلام)، و من كان حاله هكذا يمكن أن يعتمد على رواياته و أقواله، و لذا ورد عنهم (عليهم السلام): «اعرفوا منازل الناس على قدر رواياتهم عنا» (1).

نعم يمكن أن يقال: ان الرواية ليست بصدد اعطاء ضابطة الجلالة و الوثاقة على ضوء كثرة الرواية مطلقا و من أي صدرت بل أن وثاقة الراوي و حجية قوله مفروضة مسبقا في الرواية و إلّا لامكن أن يكتب المرء من الكتب ما شاء و ينسبها إلى الائمة و تثبت بذلك وثاقته (2).

و هو وجيه لو كان راوي احاديثهم (عليهم السلام) نكرة لا يعرف، اما من كان حاله كعمر بن حنظلة الذي روى عنه جماعة من اعاظم اصحاب الائمة (عليهم السلام) الباقر و الصادق و الكاظم (عليهم السلام)- كزرارة و ابن مسكان و محمد بن مسلم و حريز و غيرهم فينطبق عليه هذا الحديث و يكون من أبرز مصاديق.

الخامس: ما رواه الكليني:

بسنده علي بن الحكم عن ابن حنظلة عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: يا عمر لا تحملوا على شيعتنا، و ارفقهوا بهم، فان الناس لا يحتملون ما تحملون. (الوسائل حديث رقم 21240).

و رواه الشيخ بسنده عن ابن حنظلة قال: قلت لابي عبد اللّٰه (عليه السلام): القنوت يوم الجمعة، فقال: أنت رسولي اليهم في هذا إذا ... الحديث (الوسائل رقم 7937).

و ما في العوالم نقلا عن اعلام الدين من كتاب الحسين بن سعيد قال: قال ابو عبد اللّٰه (عليه السلام) لعمر بن حنظلة: يا أبا صخر، انتم و اللّٰه على ديني و دين آبائي، و قال و اللّٰه لنشفعن، و اللّٰه لنشفعن- ثلاث مرات- حتى يقول عدونا: فما لنا من شافعين و لا صديق‌

____________

(1) الوسائل: كتاب القضاء ابواب صفات القاضي باب 11 حديث 3، نقلا عن الكافي، و روى الكشي عدة روايات متقاربة الالسنة.

(2) بحوث في فقه الرجال ص 215.

208

حميم. (رجال المامقاني ج 2 ص 342).

و ما في بصائر الدرجات للصفار بسنده عن داود بن أبي يزيد عن بعض أصحابنا عن عمر بن حنظلة فقال: قلت لابي جعفر (عليه السلام) اني أظن ان لي عنك منزلة قال:

أجل، فقلت فعلمني الاسم الاعظم، قال: أ تطيقه قلت: نعم ... الحديث ... (البصائر ج 4 ص 12 في أنّ الائمّة اعطوا الاسم الأعظم).

كل هذه الامور يمكن أن يستكشف منها ثقة و عدالة ابن حنظلة و ان كان للنقاش مجال في بعضها، لكن بأجمعها تشكل دلالة واضحة على الاعتماد و الاطمئنان بما يرويه وعده من الوجوه و الاجلاء.

و من مسك الختام ان أخاه «علي بن حنظلة» ممن استفيد توثيقه من اعتماد جعفر بن سماعة و الحسن بن محمد سماعة لروايته، مع كونه دون أخيه في الشهرة و الجلالة و رواية الكبار عنه.

209

الرسالة الثالثة الفجر في الليالي المقمرة

210

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

211

الفجر في الليالي القمرية

هل يتأخر الفجر في الليالي المقمرة عن غيرها؟ أو أنه لا يتأخر بل هو بوزان بقية الليالي، فلا فرق في تحقق الفجر بين الليالي المقمرة و بين غيرها في كون الفجر حقيقة واحدة لا تفاوت فيها.

قد أثار هذا البحث المحقق الهمداني (قدس سره) في مصباح الفقيه، و ارتأى أن الليالي المقمرة يتأخر فيها الفجر، و جزم بان ذلك ظاهر فتاوى الاصحاب.

كما أشار صاحب الجواهر (قدس سره) إلى وجهي المسألة و لم يجزم بالتأخّر و انما أبدى احتياطه في التأخر في الليالي المقمرة، إذ قال: «نعم ينبغي التربص فيه حتى يتبين و يظهر، خصوصا في الليالي البيض و الغيم، للاحتياط في امر الصلاة، و ايماء التشبيه بالقبطية البيضاء و نهر سوري و خبر ابن مهزيار» (1).

و ما أفاده يغاير ما اختاره المحقق الهمداني، إلّا أن فيه اشارة خفية له، و لعلها سببت اثارة هذه المسألة بصورة مستقلة.

و من الفقهاء الذين اختاروا ذلك تبعا للمحقق الهمداني السيد الامام الخميني (قدس سره) فقد جزم بتأخر الفجر في الليالي المقمرة، و استدل بوجه يختلف عمّا ذكره المحقق الهمداني.

و قبل الدخول في البحث عن كلا الوجهين المُستدل بهما في المقام لا بد من صرف العنان إلى معرفة موضوع المسألة التكويني بصورة واضحة.

____________

(1) جواهر الكلام ج 7 ص 96.

212

حقيقة الفجر التكوينية

حيث أن الأرض أصغر من الشمس و ذات شكل كروي فحينما تنعكس أشعتها على الأرض يحدث ظل مخروطي الشكل في الوجه غير المواجه للشمس قاعدته ملاصقة للارض، بينما رأسه يمتد بعيداً في الفضاء، و هذا الظل يدور حول الأرض خلال 24 ساعة.

و خلال المدة المذكورة تدخل في هذا الظل جميع نقاط الأرض، فأحد حافتيه غروب و الحافة الاخرى فجر، فأي نقطة تدخل في هذا الظل المخروطي يبدأ عندها الغروب و كلما استمرت الأرض بالحركة فان هذه النقطة تلج في اعماق هذا الظل إلى أن تصل إلى نصفه، فيكون الوقت نصف الليل، و حينما تصل إلى حافة هذا المثلث يكون الوقت بداية الفجر.

213

و قبيل ما تخرج النقطة من هذا الظل المخروطي يبدأ سطوع نور الفجر الكاذب، و هو نور مستطيل مستدق عمودي على الافق فكلما اقترب إلى الافق استدق أكثر و لذا سمي «بزنب سرحان».

و منشأ تكوّنه و حدوثه أن النقطة الارضية التي تكون قريبة من الخروج من تحت الظل المخروطي، يكون فضاؤها القريب من أفق الأرض داخل في ظل المخروط، أما فضاؤها العمودي إلى أعالي السماء يكون خارجاً عن الظل المخروطي تتواجد فيه الأشعة المحيطة بالمخروط، فيمكن مشاهدتها في أعالي الافق بسبب انعكاس تلك الأشعة بتوسط الابخرة الجوية في الغلاف الهوائي.

وسمي بالكاذب لعدم تعقبه بطلوع و اشراق الشمس فليس بعده إقبال النهار.

ثمّ يبدأ هذا النور بالاختفاء في نور أشد بياضا منه معترضا في الافق، و هو الفجر الصادق على هيئة خيط ضعيف أبيض مطبق على الافق يأخذ في الانتشار حتى يملأ السماء، ثمّ تبدأ شيئا فشيئا تظهر هالة الشمس و بعد ذلك يشرق قرصها، فحالة الفجر الصادق ليست هي في عمق النهار و لا في غسق الليل و انما هي برزخ بين الليل و النهار.

و الشمس عند اعتراض النور و الفجر الصادق تكون تحت الافق 18 درجة، و بعد أن تقطع الشمس هذه الدرجات يبدأ قرصها بالبروز، فالفجر هو اقتراب الشمس تحت الافق بالمقدار المزبور، و هذا تعريف للفجر باللازم، و إلّا فحقيقة الفجر هو الخيط المعترض.

ان قلت: كيف يحدّد الهيويون هذا المقدار (18 درجة تحت الافق) للشمس كبداية لتكوّن الشمس مع أنّنا نشاهد بالوجدان اختلاف مقدار الفجر في فصول السنة بين الساعتين إلى السعة و النصف في البلاد الواقعة على 30- 45 درجة عرضية فهو يكشف عن اختلاف المقدار المزبور.

214

قلت: ان المقدار المزبور ثابت في فصول السنة غاية الامر ان مدار حركة الشمس و طيّها لذلك المقدار تارة بنحو مائل و أخرى بميل يسير أو مستقيم، أ لا ترى أن النهار و قوسه يختلف طولًا و قصراً في فصول السنة مع أن المدار غير المائل بين الافق الشرقي و الغربي ثابت إلّا أن مدار الشمس بينهما تارة مائل جداً و اخرى بميل متوسط و ثالثة بميل يسير جداً.

و هكذا الحال في القوس الخفي لمدار الشمس الذي يكون الفجر مقدار منه، و هكذا أيضا تفسير تفاوت مقدار الفجر في الآفاق المختلفة العرض في الفصل و اليوم الواحد.

الوجه الأول

قال (قدس سره): مقتضى ظاهر الكتاب و السنة و كذا فتاوى الاصحاب، اعتبار اعتراض الفجر و تبيّنه في الافق بالفعل فلا يكفي التقدير مع القمر لو أثّر في تأخر تبيّن البياض المعترض في الافق، و لا يقاس ذلك بالغيم و نحوه فانه ضوء القمر مانع عن تحقق البياض ما لم يقهره ضوء الفجر و الغيم مانع عن الرؤية لا عن التحقق (1).

و يستشهد لذلك أن الوجود التقديري لا اعتداد به في الموضوعات، ففي باب الطهارة لا عبرة بالتغيّر التقديري بأوصاف النجس في حصول النجاسة بل العمدة هو التغيّر الفعلي، نعم ما كان موجودا ممنوعا من الرؤية يعدّ وجوداً فعلياً، إذ أن ظهور كل قضية ذات موضوع و محمول هو في ترتيب المحمول على الوجود الفعلي للموضوع لا لوجوده التقديري.

و يرد عليه: أن الفجر فعلا موجود غاية الامر هو من قبيل النور الضعيف المتشابك مع نور قوي، و لذا أفتى الفقهاء بالنجاسة، في بعض أقسام التغيير التقديري، كأن تكون بعض حمرة الدم موجودة بامتزاج مع حمرة الماء.

____________

(1) مصباح الفقيه ج 2 ص 25.

215

مع أنه في باب الطهارة و النجاسة المناط على القاهرية، من قبل النجاسة للماء لقوله (عليه السلام): «كلما غلب لون الماء البول ...»، أي على درجة و حد خاص من وجود الموضوع و هو الوجود القاهر، بخلافه في المقام، إذ المدار على صرف الوجود الفعلي للفجر غاية الامر أنه غير متميز و غير منحاز عن نور القمر بل مندمج و منطمس و منغمس في ضوء القمر، لا انه غير موجود فعلا.

الوجه الثاني

ان موضوع الفجر هو الضوء المتميز بمفرده القاهر لنور القمر، و استدل في المقام بالآية الكريمة و بمجموعة من الاحاديث.

قال في معرض استفادته من الآية الشريفة

و هي قوله تعالى: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ»، و ظاهر أن الظاهر من التبيين و التميز هو التميز الفعلي التحقيقي، كما هو الشأن في كل العناوين المأخوذة في العقود و القضايا.

فان قلت: ان التبيين قد أخذ على وجه الطريقية، أي حتى تعلم الصبح، فالعلم و التبين حيثما أخذا في القضايا، يكون ظاهرين في الطريقية، فالتبين طريق إلى الصبح الذي هو ساعة معينة لا تختلف بحسب الايام ذلك الاختلاف بالضرورة فلا بد من القول بالتقدير.

فكأنه قال: كل و اشرب حتى تعلم الفجر الذي هو وصول شعاع الشمس إلى حد الافق بحيث لو لم يكن مانع يرى آثاره.

أو نقول: ان تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود امارة للفجر الذي هو وصول شعاع الشمس بحد خاص من الافق، فالعلم به يكون متبعاً و لو تخلفت الامارة.

قلت: كل ذلك خلاف ظاهر الآية الشريفة، فان ظاهرها أن تبيّن الخيطين و امتيازهما واقعا هو الفجر، لا أن الفجر شي‌ء آخر.

216

نعم يكون العلم امارة لهذا التبيّن و الامتياز النفس الامري.

و الحاصل: أن امتياز الخيطين و تبينهما لا واقع له إلّا بتحقق الخيطين حسا، فان نور القمر إذا كان قاهرا لا يظهر البياض، فلا يتميز الخيطان حتى يظهر ضياء الشمس و يقهر على نور القمر.

و بعبارة أخرى ان تقوم هذا الامتياز و التبين الذي هو حقيقة الفجر بحسب ظاهر الآية الشريفة بظهور ضياء الشمس و غلبته على نور القمر، و لا واقع له إلّا ذلك.

هذا لو كان كلمة «من» للتبيين كما لعله الظاهر.

و يحتمل أن تكون للنشو، فيصير المعنى أن ذلك التبيين و الامتياز لا بد و ان يكون ناشياً من بياض الفجر، و الفرض أن بياضه لا يظهر حتى يقهر على نور القمر حسّاً.

و أما جعل كلمة «من» تبعيضية فبعيد، كما لا يخفى.

و أما ما ذكرت أخيرا من جعل الامتياز الكذائي امارة للفجر، و يكون الفجر وصول شعاع الشمس إلى حد خاص من الافق فهو أيضاً خلاف الظاهر من الآية الشريفة كما لا يخفى.

فان قلت: بناء على جعل «من» نشوية يكون الفجر غير التبين و الامتياز الكذائي، فيكون الامتياز امارة له فيتم المطلوب.

قلت: مع ان جعلها نشوية خلاف الظاهر، بل هو احتمال ابديناه و المفسرون جعلوها للتبين او التبعيض، أنا لو تكلمنا في نفس الآية الشريفة يمكن لنا أن نقول ان غاية الاكل و الشرب هي هذا الامتياز لا الفجر، فتدبر تعرف الامر.

قال: و أما السنة فكثيرة ظاهرة في المطلوب، بل بعضها كالنص عليه.

فمنها ما عن الفقيه عن أبي بصير ليث المرادي.

«قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فقلت: متى يحرم الطعام على الصائم و تحل الصلاة صلاة‌

217

الفجر؟ فقال: إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء، فثمّ يحرم الطعام على الصائم و تحل الصلاة صلاة الفجر، قلت: أ فلسنا في وقت إلى أن يطلع شعاع الشمس؟ قال: هيهات أين يذهب بك، تلك صلاة الصبيان» (1).

و منها رواية هشام بن الهذيل عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام).

«قال: سألته عن وقت الفجر؟ فقال: حين يعترض الفجر فتراه مثل نهر سوراء» (2).

و منها ما عن فقه الرضا.

و ظاهر أن الكون كالقبطية، و نهر سورى، و امثال هذه التعبيرات لا ينطبق إلّا على التميز الحسي، و الاضائة الحسية.

و اظهر منها خبر على بن مهزيار.

«قال: كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) معي: جعلت فداك قد اختلفت موالوك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، و منهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الافق و استبان، و لست أعرف أفضل الوقتين فأصلي فيه، فان رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين و تحده لي، و كيف أصنع مع القمر و الفجر لا يتبين معه، حتى يحمر و يصبح، و كيف أصنع مع الغيم و ما حد ذلك في السفر و الحضر؟ فعلت ان شاء اللّٰه، فكتب (عليه السلام) بخطه و قرأته: الفجر يرحمك اللّٰه هو الخيط الابيض المعترض، و ليس هو الابيض صعدا فلا تصل في سفر و لا حضر حتى تبيّنه، فإن اللّٰه تبارك و تعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، فقال: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ»، فالخيط الابيض هو المعترض الذي يحرم به الاكل و الشرب في الصوم، و كذلك هو الذي يوجب به الصلاة» (3).

فالخيط الابيض هو المعترض الذي يحرم به الاكل و الشرب في الصوم و كذلك هو الذي يوجب الصلاة.

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 27 حديث 1.

(2) الوسائل: ابواب المواقيت باب 27 حديث 6.

(3) الوسائل: ابواب المواقيت باب 27 حديث 4.

218

و اشتماله على الغيم في سؤال السائل، لا ينافي ما نحن بصدده فان الفرق بين ضوء القمر الذي هو مانع عن تحقق البياض رأسا، مع الغيم الذي هو كحجاب عارض مانع عن الرؤية واضح.

هذا كله مضافاً إلى أن مقتضى الاصل او الاصول ذلك، و لا مخرج عنها، فإنّ الادلة لو لم تكن ظاهرة فيما ذكرنا، لم تكن ظاهرة في القول الآخر، فلا محيص إلّا عن التمسك بالاستصحاب الموضوعي، او الحكمي مع الخدشة في الاول كما ذكرت في محلها. انتهى كلامه (قدس سره).

و فيه: ان التبيّن كطريق لا أنه ذي الطريق و له موضوعية بل هو طريق للفجر، إذ ظهور هذه الصفة كذا بقية الصفات الادراكية كما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) في الاراءة المحضة و الاستطراق، فلا تكون ظاهرة في جزء الموضوع إلّا مع المئونة الزائدة و القرينة الخاصة، فليس الموضوع في المقام هو صفة التبيّن بل هو الضوء المعترض.

غاية الامر الضوء المعترض لا يتميز لوجود الحاجب، فما أشبه نور القمر بأنوار الكهرباء او الغيم إذ هي مانعة عن رؤية النور المعترض كما هو الشأن في نور القمر.

فلو بني على أن «من» للتبيّن فدعوى أن التبيّن هو نفس الفجر ينافي الظهور الاولى لهذه الصفات الادراكية الطريقية، إذ لا بد من قرينة جلية قوية على جزئيتها للموضوع و موضوعيتها كي تحمل هذه الصفات على الموضوعية مع انه قد مر أن الدليل العقلي الهيوي هو على أن الفجر الخيط الابيض المعترض المستعقب للانتشار و لهالة الشمس و هو أيضا كون الشمس 18 درجة تحت الافق.

فالعمدة في الرد أن التبيّن طريق لا أنه حقيقة الفجر و هذه الموانع ليست مانعة من أصل الوجود بل عن تميز الوجود.

و الاجابة بهذا المقدار ليست كافية لانه اتضح فيما تقدم من بحث رؤية الهلال أن‌

219

الرؤية مشيرة إلى أن الموضوع هو درجة خاصة من تكوّن الهلال و هو انعكاس نوره بدرجة بحيث يرى بالعين المجردة و هو يرجع إلى منازل القمر- و ان كانت عبارة السيد (قدس سره) توحي أن التبيّن هو نفس الموضوع- لكن يمكن أن نفهم من عبارته أو يُرمّم استدلاله هكذا:

أن الموضوع هو تلك الدرجة من ظهور الفجر المعترض بحيث يتبيّن و يرى، لا أن التبيّن موضوع أو جزء الموضوع بل هو طريق محض و لكنه مشير إلى درجة تكوّن النور المعترض كما هو الشأن في أخذ عنوان الرؤية في الهلال الذي تقدم مفصلا.

فلا بد من انوجاد درجة من الضوء المعترض بحيث يتميز، و لذا لو رأيناه أول دقائق الفجر بالدقة و بالعين المسلحة فلا اعتداد به، بل لا بد من رؤيته بالعين المجردة بدرجة يكون متميزا.

فعلى كلا القولين الضوء المأخوذ موضوعا هو درجة معينة و على نحو خاص، غاية الامر الاختلاف بينهما في تلك الدرجة من التكوّن فعلى غير المشهور لا بد من أن يكون بنحو قاهر حتى مع المانع و القياس بالغيم قياس مع الفارق، لانه حجاب على العين لا مانع من التولّد و من التميّز في نفس الفضاء.

و بعبارة أخرى: لا يتنافى أخذ التبين كطريق محض مع كون الموضوع هو النور المتولد، إذ نأخذه بدرجة بحيث يرى و يتبين، كما هو الشأن في الهلال حيث لا بد من وصول الهلال إلى منزلة بحيث يرى بالعين المجردة، و ان كانت الرؤية طريقاً محضاً لكن الهلال المطروق هو بتلك الدرجة التي توازي الرؤية، و الروايات شاهدة على ذلك.

فالعمدة حينئذ في الجواب: أن درجة تكوّن ضوء الفجر نسلم أنه بحيث يرى، لكن هل هي تختلف في الليالي المقمرة عن غيرها.

220

هذا مما لا تتكفل الادلة اللفظية مئونة اثباته، إذ نسق التكوّن و التولد في وجوده في كل الليالي ليس نسقا مختلفا من ليلة إلى أخرى، و لا يمكن الاستفادة من الادلة أن تكوّن الضوء المعترض في الافق تشكيكي، بل هو على درجة واحدة لو خليت و طبعها، وذي الطريق على درجة واحدة لا على درجات تشكيكية.

و هذا الاشكال على قول غير المشهور في المقام نظير ما ذكرناه في التنبيه الرابع من بحث الهلال، في الاشكال على اعتبار الرؤية المسلحة مع امتناع الرؤية المجردة، بتوهم أنه طريقان على موضوع واحد، من أنهما طريقان على موضوعين مختلفين لاختلاف منازل القمر بلحاظ ذلك.

نعم في الصورة الثانية مما تقدم في التنبيه و هي ما إذا أمكن الرؤية المجردة و لم تتحقق لمانع أو لعدم استهلال فالطريقان حينئذ على موضوع واحد ذي منزلة و درجة واحدة بخلاف ما إذا كان طريقان على موضوعين.

و دعوى غير المشهور في تأخر الفجر بمدارية التبيّن مع كون التبيّن و التميز متفاوت في طريقيته إلى الدرجات المختلفة من التكوّن للضوء و الدرجات المختلفة لكون الشمس تحت الافق، فهو أشبه بالطريقين أو الطرق على موضوعات متعددة، لان الدرجة الضوئية المعترضة الغالبة الشديدة في الليالي المقمرة غير تلك الدرجة المعترضة في الافق في غير المقمرة.

و مما ينبّه على ذلك أيضا أنه يلزم على القول المزبور تأخر الفجر في الليالي ذات الغيم الابيض المطبق ككثير من ليالي الشتاء في المناطق الباردة حيث أنه من المجرب كثيرا تنور الجو طيلة الليل و كأن الفجر قد طلع و انتشر.

ان قلت: ان ذلك طارئ غير دائم فيكون كالمانع من الرؤية لا المانع الفضائي من التولد، و هذا بخلاف نور القمر في ليالي البيض في كل شهر.

قلت: ان نور القمر أيضا طارئ بلحاظ طبيعة الليالي في غالب الشهور.

221

او لنا أن نقول أن الشتاء هو الآخر بنحو الدوام في كل سنة أيضا، مع أن الغيم في البلاد الشمالية الباردة يكون في غالب أيام السنة فيلزم أن يتأخر فجرهم في كل الليالي و أكثر الشهور، و سبب تنوّر السماء بذلك الغيم الابيض هو انعكاس نور الشمس المحيط بالمخروط المظلم الظلي الذي تقدم بيانه، حيث ان الغيم على ارتفاع جوي كبير، بنحو ينعكس فيه أضواء النور المحيط بالمخروط كما هو محرّر مفصلًا في علم الهيئة عند بيانهم للفجر الكاذب «كذنب سرحان».

و أما دعوى عدم التولد.

فممنوعة إذ هو متولد على كل تقدير غاية الامر الكلام في التميز عن نور القمر و الغلبة عليه.

هذا كله بالنسبة إلى مفاد الآية الكريمة.

أما الروايات:

فصحيحة علي بن مهزيار التي فيها: «جعلت فداك قد اختلفت موالوك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، و منهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الافق و استبان، و لست أعرف أفضل الوقتين فأصلي فيه، فإن رأيت أن تعلمني أفضل الوقتين و تحده لي، و كيف أصنع مع القمر و الفجر لا يتبين معه، حتى يحمر و يصبح، و كيف أصنع مع الغيم و ما حد ذلك في السفر و الحضر؟ فعلت ان شاء اللّٰه، فكتب (عليه السلام) بخطه و قرأته: الفجر يرحمك اللّٰه هو الخيط الابيض المعترض، و ليس هو الابيض صعدا فلا تصل في سفر و لا حضر حتى تبيّنه، فان اللّٰه تبارك و تعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، فقال: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ»، فالخيط الابيض هو المعترض الذي يحرم به الاكل و الشرب في الصوم، و كذلك هو الذي يوجب به الصلاة» (1).

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 27 حديث 4.

222

عطف فيها على السؤال: «كيف أصنع مع القمر و الفجر»، السؤال الآخر: «و كيف أصنع مع الغيم»، و الاجابة الواحدة على كلا الشقين شاهد على أن المانعين من نسق واحد و هو المنع من الاحراز لا المنع من التولد و التكوّن.

فالتبين في الرواية هو الاحراز اي احراز الطريق، كما أن الصحيحة ناصة على أن حقيقة الفجر هو الخط الابيض المعترض، و على أن التبيّن مسند إليه أي طريق إليه لا عينه و نفسه، و هو في قبال الشك و الشبهة في الموضوع.

فليس اعتراض الفجر و اضائيته المأخوذة موضوعا بدرجات تشكيكية بل هو على درجة واحدة، غاية الامر في الليالي المقمرة يشكك الانسان في وجوده، فهو (عليه السلام) في الرواية يوصي السائل بالتثبت و احراز الفجر، و القبطية البيضاء التي في معتبرة أبي بصير لا تدل التشكيكية في الفجر.

و من الشواهد على ذلك أنه لو فرض خسوف القمر فان الفجر سوف يتبيّن قبل ذلك فهل يلتزم بأنه في هذه الليلة يتقدم، مع تأخره في الليلة السابقة و اللاحقة هذا ما لا يمكن الالتزام به، إذ مواقيت الصلوات اليومية أوقات زمانية لا حالات فيزيائية فضائية كي يستظهر الاناطة بالظواهر الكونية من حيث هي.

فالخلاصة ان الفجر نور معترض واحد غاية الامر التبين طريق إليه، و الموضوع ليس له درجات تشكيكية بلحاظ الموانع و الحجب، و انما التفاوت في الطريق و هو التبيّن.

223

الرسالة الرابعة مبدأ الغروب:

قولي المسألة‌

فرضية القول الأول‌

فرضية القول الثاني‌

مقدمات البحث‌

الدليل العقلي «موضوع المسألة»‌

الدليل النقلي‌

جمع غير المشهور للروايات‌

جمع المشهور‌

تفاصيل الروايات‌

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

225

الغروب

قد وقع الخلاف في ما يتحقق به الغروب شرعا، و الذي هو وقت لبدء صلاة المغرب و منتهى وقت صلاة العصر، فالكلام في مبدإ صلاة المغرب، و حدّ الغروب الشرعي و في المسألة قولان:

القول الأول ما هو المشهور بين الفقهاء من أن تحقق الغروب يحصل بذهاب الحمرة المشرقية.

قال في مفتاح الكرامة تعليقاً على قول العلامة (رحمه الله): «غيبوبة الشمس المعلومة بذهاب الحمرة المشرقية»: اجماعاً كما في السرائر، و عليه عمل الاصحاب كما في المعتبر، و عليه العمل كما في التذكرة، و هو المشهور كما في كشف الالتباس و غاية المرام و ارشاد الجعفرية و الروض و مجمع الفائدة و البرهان و الحبل المتين و الكفاية و التذكرة أيضا.

قال: و في الشرائع و الذكرى أنه أشهر، و في كشف اللثام أنه مذهب المعظم، و في المنتهى و جامع المقاصد و المدارك و المفاتيح أنه مذهب الاكثر، و ظاهر السرائر أنه مذهب الشيخ في جميع كتبه، و الحسن موافق للمشهور كما تفصح عن ذلك عبارته عنه، و كذا الصدوقان قال موافقان في الرسالة و المقنع، و صريح الاستبصار موافقة المشهور و ان نسب إليه جماعة الخلاف (1).

و حكى المجلسي (رحمه الله) في البحار عن الميرداماد (رحمه الله): أن ذهاب الحمرة المشرقية التي‌

____________

(1) مفتاح الكرامة ج 2 ص 25.

226

تعتمدها الامامية لهو مشهور رأي الحكماء و الالهيين و الرياضيين و المنجمين، في كون الغروب لا يتحقق بسقوط القرص و انما بذهاب الحمرة المشرقية.

القول الثاني أن الغروب يتحقق بسقوط قرص الشمس عن الافق و استتاره عن الانظار.

قال في مفتاح الكرامة: و خالف الصدوق في العلل و الشيخ في وجه في المبسوط، و صاحب المنتقى فيه و في رسالته، و تلميذه في شرحها، و صاحب الكفاية و المفاتيح فيه و في الوافي و يحتمله كلام الصدوق في الهداية و سلار و السيد في الميافارقيات، و القاضي في المهذب و شرح الجمل لجعلهم الوقت سقوط القرص و ليس نصا.

قال: و أولى بذلك قول أبي علي كذا قال في كشف اللثام، و قواه صاحب مجمع البرهان و المدارك، و نفى عنه البعد في الحبل المتين، و الظاهر من الاستاذ دام اللّٰه تعالى حراسته في حاشيته اختياره.

و على هذا القول علماء العامة قاطبة.

و ذكر غير واحد أن الفاصل الزمني بين سقوط القرص عن الحسّ و ذهاب الحمرة المشرقية عن شريط الجانب الشرقي 12 دقيقة و بينه و بين ذهابها عن تمام النصف السمائي لقبة الفلك 15 دقيقة.

فرضية القول الأول

و في ذهاب الحمرة المشرقية ثلاث احتمالات:

1- ذهابها عن أصل مطلع الشمس و نقطة المشرق.

2- تجاوزها بقدر القامة من الشريط الشرقي إلى المغرب.

3- ذهابها من مجموع ناحية المشرق و زوالها عن تمام ربع الفلك، أي نصف قبة السماء، بحيث تكون فوق سمت الرأس، بل قد فرق بين زوالها عن سمت الرأس‌

227

و زوالها عن تمام ربع الفلك بتقدم الأول على الثاني فتكون الاحتمالات حينئذ أربعة.

إذ الحمرة المشرقية عند الغروب أول ما تنعدم تنعدم النقطة التي تشرق منها الشمس، فنقطة الشروق و مطلع الشمس هو موضع بداية أفول و زوال الحمرة المشرقية من الافق، ثمّ بعد ذلك تأخذ في الزوال و الانعدام عن المشرق شيئا فشيئا إلى ان تزول عن المشرق بمقدار قمة الرأس، ثمّ تزول عن ربع الفلك.

فما هو المقصود من ذهاب الحمرة هل الأول او الثاني او الثالث او الرابع احتمالات ثلاثة أو أربعة.

و على كل منها هل هي علامة واقعيّة لاستتار القرص- أي كلازم واقعي له- أم ظاهرية و كطريق محرز، احتمالان!.

فرضية القول الثاني

و فيه أيضا ثلاثة احتمالات كسابقه:

1- سقوط القرص عن الافق الحسي المرئي بالعين المجردة، و هذا قد يتحد- كما قيل- مع ذهاب الحمرة عن نقطة و مطبع الشمس.

2- سقوط القرص عن الافق الترسي، أي استتاره عن البقعة ذات الارتفاع الارضي الواحد، و هذا يلازم ذهاب الحمرة و زوالها بمقدار قمة الرأس بحسب موضع الواقف.

3- سقوط القرص عن الافق الحقيقي، أي استتار القرص عن البقاع و الاراضي المتعددة ذات الافق الواحد، و هو يتزامن مع ذهاب و زوال الحمرة عن ربع الفلك.

و قد يدعى في المقام أن من عبّر في كلماته من الفقهاء بأن أول وقت المغرب هو سقوط القرص، يحمل على ارادة ذهاب الحمرة المشرقية و ذلك لان سقوط القرص تشكيكي ذو درجات كما عرفت و يتضح فيما يأتي.

228

بينما السيد الخوئي (قدس سره) في التنقيح حاول العكس، «بحمل ذهاب الحمرة المشرقية» على سقوط القرص.

بيان ذلك: أن ذهاب الحمرة المشرقية أيضا تشكيكي ذو درجات و مطلق يبدأ أولا بنقطة المشرق و هذا يلازم سقوط القرص عن الحسّ المرئي، فيحمل كلام من عبّر من المشهور بذهاب الحمرة المشرقية على ارادة استتار القرص و انعدامه من أصل نقطة المشرق.

و من ثمّ حمل الروايات أيضا على قول غير المشهور.

و كلا الحملين ليسا بتامين، أما الحمل الأول فان الفقهاء كالشيخ الطوسي و المرتضى و غيرهما صرحوا بذكر احتمالين في المسألة ثمّ بعد ذلك اختاروا سقوط القرص، و هو تصريح بالمقابلة بين استتار القرص و ذهاب الحمرة.

و أما من لم يردّد الاحتمال و لم يذكر في المسألة قولين فهو ملتفت أيضا إلى النزاع الموجود في كلمات القدماء في المسألة، فكيف يمكن حمل أحد القولين على الآخر أو العكس!.

كما أن دعوى تلازم ذهاب الحمرة المشرقية عن نقطة المشرق مع سقوط القرص، ليست بصحيحة و ان قيل أنه مجرب ميدانيا، إذ ليس الحال هكذا دائما، بل ذهاب الحمرة عن نقطة المشرق تلازم سقوط القرص عن الحس المرئي لبقاع المدينة الواحدة لا سقوط القرص عن موضع الناظر خاصة.

فما أفاده السيد البروجردي و السيد الخوئي- قدهما من كون سقوط القرص عن الافق الحسي يلازم انعدام الحمرة المشرقية من نقطة المشرق، و ذكرا بان ذلك مجرب كثيرا ليس في محله، إذ التجارب الكثيرة تثبت خلاف ذلك، إذ عادة ما يسقط القرص و لا تنعدم نقطة المشرق، بل تنعدم بعد دقائق تقريبا.

و من الملاحظ أن تجاوز الحمرة عن سمت الرأس يكون قبل تجاوز الحمرة عن‌

229

تمام المشرق و ربع الفلك، و ذلك لان الشعاع يضرب في الفضاء بحركة مستقيمة فينعدم أولا في نقطة الشرق ثمّ ينعدم عن سمت الرأس.

و لك أن تمثله بهيئة مسطرة خشبية على الكرة الارضية ينخفض أحد طرفاها فيرتفع الطرف الآخر عاليا و ينعدم عن نقطة الشرق أولا إلى أن يرتفع طرف امتداده إلى الاعلى ثمّ ينزح إلى النصف الثاني من قبة السماء، و لكن أطراف نقطة المشرق و مطلع الشمس لا يتزامن انعدام النور فيها مع تلك النقطة و ذلك لكون أول ما تنحجب الشمس بكور الأرض و حدبتها فتبقى حافتا الكور و جانبا الحدبة الهابطتان غير ممانعتين عن نفوذ الضوء إلى الافق الشرقي، و سبب حمرته حينذاك هو أن الابخرة المحيطة بسطح الأرض لما ينعكس فيها الضوء يتشابك مع الظلمة و الابخرة فيولّد الحمرة.

و المراد من التشابك تخفّف نور الشمس، إذ النور مركب من عدة ألوان فاذا اصطدم بالظلمة و كرات الماء البخارية الموجودة بالقرب من سطح الأرض يتخفف اي تذهب بعض ألوانه عند ذلك فنرى الحمرة.

فالنور عند ما يصطدم بالطبقة الهوائية القريبة من الأرض فينكسر و يتخفف بعض ألوانه، فيكون حمرة شديدة، فالانكسار مع الاشتباك بالظلمة يؤدي إلى انعدام بعض أجزاء النور في طبقات الجو العليا إذا كانت أبخرة و غيوم، و لهذا يظهر أحيانا قوس قزح في فصل الشتاء.

إذا اتضح ذلك فما في بعض العبائر الفقهاء من أن حمرة سمت الرأس تتأخر في الانعدام عن قدر القامة في شريط الافق الشرقي ليس في محله، و لذلك ذكر السيد البروجردي (قدس سره) أن سمت الراس هو ذهاب الحمرة بقدر القامة من الشريط المشرقي، إلّا أن الصحيح أن الانعدام عن سمت الرأس يلازم انعدام الحمرة المشرقية عن معظم المشرق و قريب أن ينعدم عن ربع الفلك كله.

230

مقدمات البحث

في معرفة اختلاف الآفاق، الحسي و الترسي و الحقيقي.

قسم علماء الهيئة الدوائر إلى دائرة عظيمة و دائرة صغيرة، و المقصود من الدائرة العظيمة هي التي تنصف الكرة الارضية إلى قسمين متساويين و بخلاف ذلك الدوائر الصغيرة، و لا تكون لصيقة بجرم الكرة الارضية لانها فرض فضائي، كما أنها تنقسم إلى شخصية و كلية، أي في كل نقطة تفرض غير الفرض في نقطة أخرى.

و الافق الحقيقي دائرة عظيمة قطباها سمت الرأس وسمت القدم و الخط الواصل بينهما محورها، و مركزها مركز الأرض و توازي دائرة الافق الحسي، و هي تقسم سماء الرؤية إلى قسمين، المرئي و يكون فوق دوائر الافق الحقيقية، و غير مرئي و يكون تحت دائري الافق، و المنجمون كالبيروني و الجغميني (1) يصرحون بأن قوس النهار هو مدار حركة الشمس فوق دائرة الافق الحقيقي و قوس الليل هو بنزولها تحت دائرة الافق الحقيقي لا بدائرة الافق الحسي المرئي، و يوافق هذا ما ذكره الميرداماد فيما تقدم.

____________

(1) التفهيم ص 62- 69، شرح الملخص في الهيئة للجغميني عند تعريف دائرة الافق.

231

أمّا الافق الحسي المرئي فهي دائرة صغيرة مماسة لسطح الأرض و توازي دائرة الافق الحقيقي و قطباها سمت الرأس وسمت القدم، و هي كحلقة تقشط الأرض قليلا.

232

و كذا دائرة الافق الحسي الترسي.

و ظاهر كلام الشيخ الطوسي (رحمه الله) اختياره و ان لم يصرح به لما ذكره من المقابلة بين القولين الملازم لاختياره هذا المبنى، قال: و في اصحابنا من يراعي زوال الحمرة من ناحية المشرق و هو الاحوط، فأما على القول الأول إذا غابت الشمس عن البصر و رأى ضوئها على قلل الجبال أو مكان عال مثل منارة اسكندرية أو شبهها، فانّه يصلى و لا يلزمه حكم طلوعها بحيث طلعت، و على الرواية الاخرى لا يجوز ذلك حتى تغيب في كل موضع تراه، و هو الاحوط (1).

و أشار المحقق النراقي (رحمه الله) في المستند إلى ذلك اشارة خفيّة.

و هي دائرة ثابتة يرتسم محيطها من طرف خط يخرج من البصر إلى السماء مماساً الأرض ثمّ يدار ذلك الخط، فيكون سطح الدائرة المرتسم من الخط المزبور مركزه البصر على هيئة الترس.

____________

(1) المبسوط ج 1 ص 74.

233

و ذكر في شرح الملخص في الهيئة للجغميني: أنها قد تكون عظيمة و قد تكون صغيرة إذ ربما ينطبق على الافق الحقيقي و ربما يقع تحتها أو فوقها و تحت الافق الحسي المرئي بحسب اختلاف قامة الناظر و هي الفاصلة بين ما يرى و ما لا يرى حقيقة أما الافق الحقيقي فقد يفصل بينهما و قد لا يفصل، و ان تعريف الماتن لا يخلو من الخلل حيث أن ظاهر المتن أن الفاصل بين ما يرى و ما لا يرى هي دائرة الافق الحقيقي، و نبّه غير واحد من المتأخرين على ذلك.

و أن تعريف الافق الحقيقي بأنها العظيمة الفاصلة بين الظاهر و الخفي من الفلك «السماء» أو ما يرى و ما لا يرى لا يخلو من مسامحة.

لكن هذا ان تم فبلحاظ الابراج و نحوها ذات المسافات البعيدة جداً حيث أن شعاع البصر المائل (1) يوجب كون المرئي من السماء أكثر من غير المرئي.

و أما المسافات القريبة الكونية الفضائية كالشمس فلا يكاد يؤثر ميلان ذلك الشعاع الخارجي من البصر المارّ بسطح الأرض (2) في تشكيل دائرة عظيمة منطبقة على الافق الحقيقي فضلا عن تشكيل الدائرة الصغيرة التي تقع تحت الافق الحقيقي، بحيث يكون الافق الترسي هو الفاصل بين المرئي و غير المرئي.

إذ كما ذكر أخيرا في الابحاث العلمية (3) أن الارتفاع بمقدار 100 متر عن سطح البحر يلازم مداراً مرائيا بوسع 36 كيلم تقريبا و الارتفاع بمقدار 1000 متر يلازم مداراً مرئياً بوسع 112 كيلم تقريبا، و الارتفاع بمقدار 5000 متر يلازم مداراً مرئياً بوسع 253 كيلم تقريبا.

بينما قطر الأرض يقرب من 12756 كيلم و محيطها 40009 كيلم، و هذا يعني أن حدبة الكرة الارضية و بمقدار قرصها حاجب عن الرؤية و أن الشعاع المزبور‌

____________

(1) بدأ من العين مارّاً بسطح الأرض ممتداً إلى مقعر السماء.

(2) و ان فرض الناظر واقف فوق برج ايفيل الفرنسي أو قمة جبل هملايا.

(3) سلسلة ابراهيم حلمي غوري في معرفة الفضاء و الأرض 1/ 53.

234

المائل في الارتفاعات المتوسطة في بداية امتداده الفضائي كالخط الممتد افقياً تقريباً هذا فضلا عن الارتفاعات اليسيرة المعتادة.

و لذلك يظهر من علماء الهيئة الحديثة الاعتداد في المطالع و المغارب بالافق الحقيقي المغاير لديهم مع المرئي الحسي كما أنهم يعتدون بالاستواء الارضي بجعل خط الاستواء السماوي المطابق له و كذا دوائر العرض السماوية التي تطابق العروض الارضية.

235

و على كل تقدير ففيما نحن فيه لا شك في كون الافق الترسي فوق الافق الحقيقي، فهي ترسم حسب الشعاع الخارج من العين الباصرة بحسب مرتفع و مكان الناظر للنقطة الفاصلة بين السماء و الأرض، كأن يكون الانسان على جبل مثلا أو في وادي منخفض فتتفاوت بحسب ذلك، إذ شروق و غروب الشمس فوق الجبل يكون مختلفاً عمّا هو على سطح الأرض، فمن كان على برج «ايفيل» الفرنسي مثلًا تشرق الشمس عليه قبل أن ترى في مدينة باريس، و كذا تتأخر في الغروب عن سطح الأرض، ففي هذه الحالة يتقدم وقت الصلاة و الصوم عند من يكون على البرج المزبور.

و قد ذكر أبو ريحان البيروني (1) أن بالافق الحقيقي الذي ينصف الكرة، بداية‌

____________

(1) التفهيم ص 62- 69.

236

الليل و النهار ببداية حركة الشمس من دائرة الافق العظيمة غاية الامر القوس النهاري لحركة الشمس فوق دائرة الافق و القوس الليلي تحت دائرة الافق.

فهو ينص على أن بدأ اليوم و الليلة هو بالتجاوز أو النزول عن دائرة الافق الحقيقي، كما و ذكر أنه في وقت بداية النهار اختلف الشرع و المتشرعة عن الهيويين حيث أن بدء اليوم النهاري عند المتشرعة بطلوع الفجر، و كذا عند أهل الكتاب، أما علماء الهيئة فان بدء اليوم النهاري عندهم هو ببدء حركة القرص فوق دائرة الافق.

قال: و أما الغروب فلا يوجد خلاف بين المتشرعة مطلقا مع الهيويين، و أنه بنزول الشمس عن دائرة الافق.

فهو لم يلمس من تعبيراتهم في الغروب أن هناك خلافاً بين الهيويين و المتشرعة، و المرتكز عنده أن المناط هو الافق الحقيقي لا الحسي المرئي، و هذا يوافق ما تقدم عن الميرداماد (رحمه الله) من كون ذهاب الحمرة المشرقية هو مختار الحكماء و الهيويين.

كما أنه ذكر في علم الهيئة الحديثة (1) في تعريف الفجر و مقابله الغروب أن الشمس عند ما تكون في الافق غير المرئي و دون الافق الحسي المرئي تضرب باشعتها الطبقة العليا الجوية فوقنا فتضيئها، غاية الامر الحال في الغروب أن الشمس بعده- بعد سقوط قرصها عن الافق الحسي المرئي- بمدة يرى في السماء حمرة مثل التي في طلوع الصبح، لكن هذه الحمرة- الحمرة المشرقية- تأخذ في الانجلاء عن فوق الرأس مع بقاء ضياء ضعيف لكون الشمس فوق الافق غير المرئي فتضرب بأشعتها طبقات الجو للعليا و هي تعكس لنا ذلك الضياء الضعيف، و بالتدرج يزول هو أيضا و تأخذ ظلمة الليل في الاحاطة.

____________

(1) هيئة فلاماريون (المنجم الفرنسي) ص 34- 35 المترجم باللغة الفارسية.

237

إذا اتضح ذلك فما أفاده المحقق النراقي (رحمه الله) و السيد الخوئي (قدس سره) من أن قوس الليل و النهار بسقوط القرص عن الدائرة الحسية، في غاية الغرابة و البعد.

238

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

239

الدليل العقلي «موضوع المسألة»

و يمكن أن يدلّل على نظرية الهيويين و المنجمين من أن المناط في حساب الليل و النهار هو الدوائر العظيمة لا الدوائر الصغيرة الحسية، و ان الغروب هو بذهاب الحمرة المشرقية عن ربع الفلك كما هو رأى مشهور الفقهاء لا استتار القرص، بعدة وجوه:

الوجه الأول: لزوم نسبية غروب الافق الواحد على القول بالافق الحسي.

بيان ذلك: انه قد جرب كثيراً من أن الناظر إذا كان بعيداً عن البحر بمقدار عدة من الكيلومترات فانه عند الغروب يرى القرص يسقط و يستتر، فاذا تحرك بطرف البحر بسرعة بعد استتار القرص عنه في البعد المزبور، فانه حين أخذه في الاقتراب إلى ساحل البحر سوف يرى و كأن قرص الشمس يرتفع فوق الافق و يظهر مرة أخرى بعد استتاره حينما كان على ذلك البعد المفترض، و ذلك بسبب كور الأرض فالواقف على شاطئ البحر يمكنه أن يرى السفينة التي على بعد 8 كيلومتر، إلّا انه يرى أعاليها لا غير، ثمّ بعد ذلك و عند الاقتراب أكثر فأكثر يراها بأكملها.

فهل استتار الشمس يا ترى في البقعة الارضية الواحدة ذات 6 كيلم عرضا تواري قرصها في الافق الحسي في الجانب الشرقي يتفق و يتحد في آن واحد مع استتارها في الافق الحسي في الجانب الغربي ام يختلف؟

لا ريب أن هناك تفاوت بمقدار خمس أو ست دقائق تقريبا، و عليه فلا بد أن‌

240

يكون المقياس هو استتار القرص عن الافق الحقيقي و إلّا يلزم تبعّض و تعدّد الغروب في منطقة ذات افق واحد، و كون مدينة واحدة ذات الزوال و الفجر الواحد غروبها متعدد.

فلا محيص من كون المدار في قوس النهار و الليل هو الافق الحقيقي، و إلّا فتحصل النسبية في غروب المدينة ذات الافق الواحد مع انه غير صحيح بداهة، فمراعات الافق الحسي اذاً يوجب تشكيكية الافق الواحد و يكون نسبيا بحسب نقاط الافق الواحد و المدينة الواحدة و هذا لا يمكن الالتزام به.

و مع وحدة الزوال يكون الغروب و لا يتأتى هذا إلّا بالافق الحقيقي لا الافق الحسي المرئي أو الحسّي الترسي، فالمدار ليس علىٰ الأفق الحسّي أو الترسي.

نعم النسبية في الأفق الحقيقي موجودة أيضاً، إلا أنّ هذه المداقة فيه ليست محطاً للدليل إذ حتى الهيويين لا يعيرون لهذه المداقة أهمية إذ هم يحسبون البقاع الشاسعة افقاً واحداً.

ان قلت: فليعدّ الافق الحسي في البقاع الشاسعة أفقاً واحداً كما ارتكب في الحقيقي.

قلت: حينئذ يكون منطبقا على الافق الحقيقي تقريبا.

بينما الفرق بين الافق الحسي و الحقيقي ليس هو دقيقة واحدة كما ادعى ذلك المحقق السبزواري (رحمه الله) بل يصل إلى 12 دقيقة أو 15 دقيقة.

241

الوجه الثاني لزوم ابتداء الليل مع وجود أشعة الشمس على الابنية.

ذكره صاحب الجواهر و الرياض و غيرهما من المتأخرين، و ذلك فيما لو كانت أشعة الشمس ضاربة على قلل الجبال أو المنازل العالية مع سقوط القرص عن الافق الحسي، حيث أنه لا يمكن حينئذ أن يحسب ذلك من الليل إذ الشمس لم تغب بعد لكون شعاعها ضارب على قلل الجبال.

مضافا إلى أنه على القول بكفاية ذهاب و استتار القرص يحلّ وقت صلاة المغرب و افطار الصائم، و يكون وقت المغرب قد حان لمن هو في اسفل الجبل اما من هو على قمة الجبل فان الشمس لا زالت باقية لم تغب بعد.

و عليه يكون مكان واحد أفقه واحد و زواله و فجره واحد، يتعدد غروبه إلى غروبات كثيرة قد تصل إلى أكثر من اثني عشر غروبا، إذ كلما صعد و ارتفع الإنسان إلى الاعلى يكون افقه الحسي الترسي يختلف عما هو أسفل.

فمن كان على سطح الأرض يمكن أن يرى دائرة مقدارها أصغر، و من كان على ارتفاع متر من على سطح الأرض يرى مدارا أكبر و هلم جرا.

و قد ذكرت الحسابات العلمية الحديثة- التي مر ذكرها- أن من كان على ارتفاع متر من سطح البحر يرى مدارا يقرب من 4 كيلم و من كان على ارتفاع 10 امتار من سطح البحر يرى مدارا 12 كيلم و من كان على ارتفاع 100 مترى يرى مدارا 36 كيلم و من كان على ارتفاع 1000 متر يدارى مدارا يقرب من 112 كيلم و من كان على ارتفاع خمسة آلاف مترا يرى مدارا يقرب من 253 كيلم.

242

الوجه الثالث أن ضيق وقت المغرب لا ينطبق على ما بين سقوط القرص و ذهاب الشفق

بل على ما بين ذهاب الحمرتين، و هذا الوجه ملفق من مقدمة شرعية و أخرى عقلية، و قد ذكره ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله).

اما الاولى فقد ثبت ضيق وقت المغرب بروايات سوف يأتي ذكرها انشاء اللّٰه تعالى، و المقصود من ضيق وقتها ضيق وقت فضيلتها.

و أما الثانية فبما اعتبره الكليني (رحمه الله) بالتجربة أن من يباشر صلاة المغرب بعد ذهاب الحمرة المشرقية و يأتي بالنافلة بتؤدة يرى أن الشفق قد زال و هو آخر وقت الفضيلة.

ففي الحديث عن زرارة و الفضيل قالا: قال أبو جعفر (عليه السلام): ان لكل صلاة وقتين غير المغرب فإن وقتها واحد و وقتها وجوبها و وقت فوت سقوط الشفق، و روي أيضا أن لها وقتين آخر وقتها سقوط الشفق (1).

و قال الكليني: و ليس هذا مما يخالف الحديث الأول ان لها وقتا واحدا لان الشفق هو الحمرة و ليس بين غيبوبة الشمس و بين غيبوبة الشفق إلّا شي‌ء يسير و ذلك أن علامة غيبوبة الشمس بلوغ الحمرة القبلة و ليس بين بلوغ الحمرة القبلة و بين غيبوبتها إلّا قدر ما يصلي الإنسان صلاة المغرب و نوافلها إذا صلّها على تؤدة و سكون، و قد تفقدتُ ذلك غير مرة و لذلك صار وقت المغرب ضيّقا (2).

و مراده كما ذكرت المجلسي (قدس سره) من الجمع أن أول الوقت و آخره وقتان للمستعجل بإيقاعها فيهما، و أما المختار فيوقعها منطبقة على ما بينهما، و يؤيد تفسير الوقتان بأول و آخر الوقت ما ورد في صحيح زرارة (3). فضيق الوقت لا يتلاءم مع ذهاب القرص عن الافق الحسي لكنه يلتئم مع سقوطها عن الافق الحقيقي.

____________

(1) فروع الكافي ج 3 ص 280.

(2) المصدر.

(3) الوسائل: أبواب أحكام شهر رمضان باب 7 حديث 2.

243

الوجه الرابع لزوم الرجوع إلى أهل الاختصاص و الخبرة بالموضوع.

بعد كون النهار بدؤه و نهايته موضوعاً تكوينياً و كذا الليل، و لما يثبت من الشارع أنه تصرف في هذا الموضوع التكويني ضيقا و توسعة، اما لتعارض ما ورد أو لإجماله و ارشاده.

و تقدم أن حقيقة الغروب و الشروق هو ببدء حركة الشمس في قوس الليل و النهار المبتدئان من دائرة الافق الحقيقي و هذا محل اتفاق (1) الهيويين و المنجمين قديما و حديثا.

و أوضحوا ذلك بعدم صدق الاستتار حيث أن هالة الشمس و تاجها ترى عند سقوط القرص و كأنك ترى نفس القرص، و الهالة هي ضوء النهار بينما الغروب هو بمعنى الاستتار و بداية الليل و استتار القرص دون الهالة كمصباح كهربائي ضوئه ظاهر و قرصه لا يرى لا يقال انه مستتر.

و ذكروا أنه بعد سقوط القرص لا تزال الحمرة ترى في السماء- كالتي ترى في الصبح- و هي المشرقية و تزول إلى أن تصل إلى سمت الرأس بعد استتار القرص بمدة، و هذه الحمرة متولدة من الأشعة الشمسية، و هذه الحمرة الموجودة فوق الافق كالخط الافقي الممتد إلى قرص الشمس و هذا يوضح أن قرص الشمس لم يغب بعد و ان الليل لم يحن بعد.

و آن زوال الحمرة من فوق الرأس هو آن غلبة الليل على النهار، فوجود الحمرة في كل أطراف الافق ملازم لوجود القرص فوق سطح الكرة الارضية غاية الامر قد حجب بكور و حدبة الأرض، و لكونه فوق سطح الأرض أي فوق الافق الحقيقي فانه يرسل بأشعته مستقيما عبر طرفي الكور و حافتي الحدبة فيستضي‌ء منه الافق‌

____________

(1) مر كلام الميرداماد و كلام أبي ريحان البيروني في التفهيم، و ما في هيئة فلاماريون في علم الهيئة الحديث.

244

في الجانب الشرقي.

و هذا وجه براسه و قد أشير إليه في رواية تأتي انشاء اللّٰه تعالى و غير ذلك من جهات كلامهم التي تقدم بعض منها في مقدمات المسألة.

الوجه الخامس مقتضى الاشتغال العقلي لزوم احراز الشرط بعد كون الوقت شرطا للواجب

و ان كان حدوثه شرطاً للوجوب، فعند تردد مبدأه بين استتار القرص أو ذهاب الحمرة، لا يقين بالفراغ إلّا بتأخير ايقاع الصلاة إلى ذهاب الحمرة المشرقية.

245

الدليل النقلي

و الروايات في المقام على طائفتين و لسانين، و قد استقصاهما صاحب الذخيرة، فالطائفة الاولى لسانها سقوط القرص، و الطائفة الثانية لسانها ذهاب الحمرة المشرقية، و قد ذكر غير المشهور وجوه من الجمع و كلها غير تامة.

جمع غير المشهور

الوجه الأول: أن الروايات صريحة في سقوط القرص و هو منصرف إلى سقوطه عن الافق الحسي بل هو نص فيه، فيحمل ما دل على ذهاب الحمرة المشرقية على الاستحباب، إذ ما هو نص في ذهاب القرص أصح و أكثر سندا بل يمكن أن يكون متواتر إجمالا.

الوجه الثاني: أن ما دل على ذهاب الحمرة المشرقية ليس تامّاً سندا و دلالة، بخلاف روايات غياب القرص فانها تامة سندا و دلالة.

الوجه الثالث: أن الروايات التي تفيد أن وقت المغرب ذهاب الحمرة المشرقية مطلقة، بينما روايات سقوط القرص مقيدة، إذ الحمرة المشرقية ذات درجات، كذهابها من أصل نقطة المشرق أو بقدر القامة او عن سمت الرأس أو ربع الفلك فهي مطلقة تقيّد بروايات ذهاب و سقوط القرص.

الوجه الرابع: أن روايات ذهاب القرص مستفيضة بل متواترة اجمالا فلا تقوى روايات ذهاب الحمرة المشرقية على المعارضة اما للمرجوحية أو لعدم حجية مخالف السنة الثابتة بالتواتر.

246

الوجه الخامس: أعمية الشعار من الواجب و المستحب.

فان قيل: مما لا اشكال فيه ان شعار الشيعة ذهاب الحمرة على مر الاجيال، و شعار العامة بذهاب القرص.

كان الجواب: ان الشعار اعم من كونه مستحباً او لازماً، إذ كثير من الشعارات هي افعال مستحبة لكنها شعاراً للمذهب كالجمع بين الصلاتين مع كونه جائزاً أصبح من شعائر الشيعة.

فكونه شعاراً لا يعنى ذلك أنه لزومي، فالتأخير إلى ذهاب الحمرة من شعار الشيعة لكنه مستحب، و ينسجم مع الاستحباب أيضا.

الوجه السادس: النقض بطلوع النهار و منتهى اداء صلاة الصبح، إذ لو التزم بذهاب الحمرة في الغروب فاللازم الالتزام بأن طلوع القرص فوق الافق الحقيقي أي حصول الحمرة المغربية عند الصباح يصيّر الوقت قضاءً لصلاة الصبح و ينتهي وقت أدائها، و كذا النقض باتساع وقت العصر إلى سقوط القرص عن الافق الحقيقي و أنها تقع أداء عند سقوطه عن الحس المرئي.

هذا مضافا إلى أن حمل روايات الحمرة على الاستحباب له نظائر، حيث ورد استحباب تأثير المغرب عن وقتها للحجاج في يوم عرفة، و كذا تأخير وقت الظهر للابراد في الصيف، و كذا التأخير لادراك الجماعة.

خصوصا مع تضمن روايات المقام ألفاظ مثل: «لا احب أن ... أني لأحب أن أصلي داخل الوقت و إن ... احب إلى من أن اصلي قبل الوقت».

جمع المشهور

و ذكروا أيضاً وجوها للجمع بين الروايات.

الوجه الأول: ان ما دل على ذهاب الحمرة المغربية خاص فيقيّد ما دل على ذهاب القرص و سقوطه عن الافق، إذ هو مطلق لعدة أفراد، كسقوطه عن الافق‌

247

الحسي أو الترسي أو الحقيقي، و ذهاب الشمس مطلق شامل لذهاب الأشعة أو بدونها مع الهالة أو بدونها.

الوجه الثاني: أن ما دل على ذهاب الحمرة حاكم دلالة على ما دل على سقوط القرص.

بيان ذلك: ان سقوط القرص حيث كان له درجات و حالات و له معنى عرفي و هو الحسي المرئي، يكون نظير مفاد «زيد» في مثل قول المتكلم: «أتى زيد»، ثمّ قوله بعد ذلك: «أتى زيد مع ذويه»، حيث لا تنافي بنى الجملتين إذ في قوله: «أتى زيد»، أجمل الكلام مردداً مقصوده أنه بمفرده أم معه أحد، و حينما قال ثانية: «أتى زيد مع ذويه»، كان حاكماً و مفسراً لما أراده في الجملة الاولى.

فكذلك في المقام يكون ما دل على ان وقت الغروب سقوط القرص مفسرا و محكوما بما دل على أن سقوط القرص مع الحمرة.

الوجه الثالث: مخالفة روايات الحمرة للعامة، و كثير ما نرى في الابواب روايات كثيرة و صحيحة توافق العامة و في قبالها روايات أقل عدداً لكنها معمول بها.

ففي باب ذبائح اهل الكتاب روايات عديدة صحيحة السند و صريحة المتن تفيد حلية ذبائحهم، و هناك روايات مخالفة معمول بها.

و في خصوص هذه المسألة كان الائمة (عليهم السلام) أمام محذورين، محذور مخالفة رأى العامة و هو ذهاب القرص و محذور بدعة الخطابية إذ جعلوا الوقت عند اشتباك النجوم، و في الروايات شواهد على ذلك سيأتي التنويه بها.

لا يقال انها تحمل على الاستحباب، و مع الجمع الدلالي لا تصل النوبة للترجيح، إذ الاستحباب لا يلائم لسان الاحراز و التعليلات الواردة في الروايات فالتعارض مستحكم، و لمكان تلك التعليلات يضعف القول بأمارية الحمرة كعلامة ظاهرية‌

248

احتياطية، حيث أن الظاهر منها أنها حد و لازم لواقع الغروب، هذا مع كون الروايات في مقام التحديد فلا تحمل على الاستحباب.

أما النقض بطلوع النهار ففيه:

أولًا: لا مانع من الالتزام به كما التزم به الشهيد في المقاصد العلية أن الصباح قبل خروج القرص للحس المرئي، و يدل عليه رواية الدعائم وفقه الرضا، و هو مقتضى ما تقدم في مقدمات البحث.

و ثانياً: بالفرق بين عنوان الغروب و الطلوع فان اجمال الأول لا يسري إلى الطلوع البيّن معنىً و عرفاً و هو طلوع الشمس إلى الحس فتأمل.

ثالثاً: هناك فرق هيوي بين المشرق و المغرب كما قد يستشعر من عبارة الصادق (عليه السلام) في ذلك: «المشرق مطل على المغرب، هكذا و رفع يمينه فوق يساره» (1)، لميل و ترنّح محور الأرض، حيث أن حركة الأرض من المغرب إلى المشرق فعند الغروب يكون المشرق و الجانب الشرقي للبلد مرتفعا و مشرفا على المغرب و على الجانب الغربي للبلد نتيجة الميل و اتجاه الحركة و على العكس عند الشروق فيكون المغرب و الجانب الغربي مرتفعا و مشرفا على المشرق و على الجانب الشرقي.

فعند الغروب يكون الجانب الشرقي و البقاع الشرقية في حالة ارتفاع و تصاعد و في عقبه الجانب الغربي، و عند الشروق يكون الجانب الشرقي و المشرق يتهاوى، فالغروب بسبب الميل المحوري للارض و اتجاه حركتها من المغرب إلى المشرق- ارتفاع للنقاط الارضية المتوالية- و الشروق هوي لها، و هذا المعنى صالح لحمل الرواية عليه: «المشرق مطل- أي عند الغروب- على المغرب»، و الرسم التالي يوضح المعنى.

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب حديث.

249

و على هذا يتم الفرق فتدبر و تأمل.

و رابعا: بالفرق للتعبد في الغروب دون الطلوع.

و أما اتساع الوقت إلى السقوط عن الافق الحقيقي- فمع امكان منعه باعتبار تحقق أول درجات الغروب بالغيبوبة عن الحس و تفكيكه عن وقت صلاة المغرب لاعتباره الدرجة الثانية من الغروب الحقيقي لا الحسي الظاهري- يمكن الالتزام به كما يستفاد من بعض الروايات المعتبرة الآتية، و كما هو مفاد صحيحة الحلبي الآتية.

250

تفاصيل الروايات

الرواية الاولى

رواية بريد بن معاوية عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا غابت الحمرة من هذا الجانب- يعني المشرق- فقد غابت من شرق الأرض و غربها» (1).

و الرواية لا بأس بها سنداً و ان وقع فيه القاسم بن عروة إذ هو ممن روى عنه جمع من اصحاب الاجماع و غيرهم كالبزنطي و ابن ابي عمير و علي بن مهزيار و الحسن بن علي بن فضال و الحسين بن سعيد و البرقيان و هارون بن مسلم و محمد بن عيسى و العباس بن معروف، و كتابه كما قيل حسن الاحاديث.

و أشكل غير المشهور دلالة الرواية بالاجمال لإضافة الشرق و الغرب لكل الأرض، و عدم دلالتها على أن غيبة الحمرة حد و وقت للمغرب بل على أنها امارة و علامة عليه و أن غيبوبة الحمرة من المشرق تكشف عن غيبوبة الشمس من شرق الأرض و غربها.

بل لو سلم دلالتها على اللازم و الحد الواقعي فالظاهر من قوله (عليه السلام): «إذا غابت الحمرة من هذا الجانب»، هو النقطة التي تطلع منه الشمس فحسب لا ناحية المشرق في مقابل المغرب، فالمشرق بمعنى محل الشروق كما أن المغرب بمعنى محل الغروب، و قد عبّر في بعض الروايات بمشرق و مغرب الشمس و المقصود منه ما ذكر.

و فيه: ان المقصود «من شرق الأرض و غربها»، شرق و غرب تلك المدينة و كل نقاط أفق البلد و قد مر تفصيل ذلك.

و ظاهر الشرطية هي الملازمة الواقعية و أن غيبوبة الحمرة مشير إلى درجة و حد الموضوع مقتضى القرن في التعليل بين غروب الشمس من شرق الافق و غربه، أن‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 1.

251

غيبوبته عن الحس المرئي في أحد الجانبين غير كافية في تحقق ذلك الحد للموضوع و أن الاعتداد بغيبوبة القرص عن جميع النقاط الحسية، و لا يحصل إلّا بغيبوبته تحت الافق الحقيقي كما تقدم، و لا سيّما في المدن الكبيرة مثل الكوفة قديما بلد الراوي.

و لا يخفى ايماء التعبير بالارض بدل المدينة أو البلد إلى عدم الاعتداد بموضع الناظر و حسه المرئي بل بتمام النقاط ذات الافق المشترك المتحد، و من كل ذلك يظهر امتناع حمل المشرق على نقطة الشروق في الرواية.

الرواية الثانية

رواية ابي ولاد قال: قال ابو عبد اللّٰه (عليه السلام): «ان اللّٰه خلق حجابا من ظلمة مما يلي المشرق، و وكل به ملكا، فاذا غابت الشمس اغترف ذلك الملك غرفة بيديه، ثمّ استقبل بها المغرب يتبع الشفق و يخرج من بين يديه قليلا قليلا، و يمضي فيوافي المغرب عند سقوط الشفق فيسرح الظلمة، ثمّ يعود إلى المشرق، فاذا طلع الفجر نشر جناحيه فاستاق الظلمة من المشرق إلى المغرب حتى يوافي بها المغرب عند طلوع الشمس» (1).

و قد يشكل في السند بوجود سهل بن زياد، لكن الامر فيه سهل كما قال الشيخ البهائي، مضافا إلى أنه يرويه عن الحسن بن محبوب و طريق الشيخ إلى جميع رواياته صحيح فيمكن تعويض السند إليه و تبديله كما حررناه في بحث الرجال.

و أما دلالة الرواية فتثبت الملازمة بين غروب الشمس و الظلمة التي هي ذهاب الحمرة لا بمجرد بالاستتار عن الحس المرئي فقوله (عليه السلام): «فاذا غابت الشمس اغترف ذلك الملك ...»، دال على أن غيبوبة الشمس هي بدأ الظلمة من المشرق باتجاه المغرب أي زوال الحمرة المشرقية، و قوله: «ثمّ استقبل بها المغرب يتبع الشفق و ...»،

هو امتداد الظلمة إلى النصف الفلكي السمائي الغربي بعد ذهاب الحمرة المشرقية‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 2.

252

و هذا بيان تكويني في كيفية حصول غيبوبة الشمس و الغروب لا تعبد بإمارة ظاهرية.

الرواية الثالثة

مرسلة علي بن احمد بن اشيم عن بعض اصحابنا عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

سمعته يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، و تدري كيف ذلك؟

قلت: لا، قال: لان المشرق مطل على المغرب هكذا، و رفع يمينه فوق يساره، فاذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا» (1).

و في هذه الرواية اشارة إلى كروية الأرض و ميل محورها و اتجاه حركتها كما بيناه في الجواب عن النقض بطلوع النهار، مع أن السائد في الوسط العلمي في الهيئة آنذاك نظرية بطلموس، و علو المضمون مع كون الارسال بلفظ بعض أصحابنا جابر للصدور.

و كون المشرق مطل على المغرب يمكن تفسيره بما تقدم أو ببيان أن الافق الشرقي كالمرءات العاكسة لما يشع في الافق الغربي لا يحجبه كور الأرض المحدب إلّا إذا خفي النيّر تحت الافق، و إلّا فما دام هو فوق الافق الحقيقي و ان كان قرصها مختفيا تحت الافق الحسي فانه تنعكس أشعته في الافق الشرقي المقابل، لكروية الأرض و كروية الغلاف الجوي الغازي المحيط بها العاكس للطرف المقابل ما دام لم يغب تحت قطر الأرض و الافق الحقيقي.

فبعبارة موجزة: ان النيّر إذا لم يختف وراء جرم الأرض أي كان موجودا في الافق الحقيقي فانه ليس بمحجوب حقيقة عن الافق الشرقي و لو بلحاظ حافتي الحدبة و طرفي الكور، و بملاحظة الشكل أدناه يتضح الفرض جليا.

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 3.

253

نعم الاحتمال الأول أنسب بالتعبير باطلال المشرق على المغرب لكون الآفاق الشرقية نسبتها مع الآفاق الغربية عند الغروب نسبة العلو و السفل فتكون مطلة عليها و ذلك لترنح الأرض و ميل محورها بمقدار 23 درجة و نصف، مع كون حركتها الوضعية من المغرب إلى المشرق و هذا بالنسبة إلى المواجهة للشمس، كما هو واضح في الرسم المتقدم.

و قد خدش في دلالتها انها من باب العلامية و هي اعم من كونها حداً و مبدأً لوقت الغروب، كما أن وقت المغرب أعم من كونه للفضيلة أو للمشروعية.

و هذا تكلف واضح إذ أن الغروب و ان كان بذهاب القرص لكن درجة الاستتار هل هو عن الحس المرئي ام الحقيقي، و في الرواية استدلال على الثاني بالامر‌

254

التكويني، الذي تقدم بيانه في الدليل العقلي و مثّله (عليه السلام) برفع يمينه فوق يساره ككفتي ميزان، و هذا أمر ملازم للحد الواقعي لوجود الموضوع لا انه أعم.

الرواية الرابعة

مرسلة ابن ابي عمير عمن ذكره عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «وقت سقوط القرص و وجوب الافطار ان تقوم بحذاء القبلة و تتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فاذا جازت قمة الراس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار و سقط القرص» (1).

و قيل ان هذه الرواية هي عمدة الروايات الصريحة لقول المشهور و لكن مع ما تقدم من التقريب لدلالة تلك الروايات ايضا تكون هي الاخرى صريحة على قول المشهور.

و الرواية و ان كان في سندها سهل لكن الامر- كما ذكرنا سابقا- فيه سهل، إذ ليس الضعف فيه و انما ضعّف لنسبة الفضل بن شاذان شيئاً من الحماقة إليه و عدم الضبط الذي لا يخل بالعدالة و نحو ذلك و هو من شيوخ الاجازة و قد أكثر في الكافي الرواية عنه متفرداً، و الارسال ليس من ابن ابي عمير بل من مجمد بن عيسى حيث نسي عمن روى عنه ابن ابي عمير.

و لسانها لسان الحكومة، حيث أنها في مقام التعريف و التفسير و تحديد الغروب بدرجة من السقوط لا مطلق السقوط و هو سقوط الشمس عن الافق الحقيقي للنقطة.

كما تنبّه أيضا على أن صلاة المغرب هو نفس وقت الافطار، و وقت الافطار هو الليل كما في قوله تعالى: «أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ»، و الليل هو الظلمة، و سقوط القرص مع وجود هالة الشمس ليس بليل.

و مع كل هذا النمط من التدليل كيف يحمل على أن ذلك وقت استحباب الفريضة،

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 4.

255

أم كيف يحمل على انها علامة احرازية احتياطية مع كون لسانها صريح في مقام بيان الحد الواقعي، ثمّ ان هذا اللسان ليس مخصوصا بهذه الرواية بل ان رواية بريد بن معاوية المتقدمة كذلك.

فالرواية حاكمة بالحكومة التفسيرية على روايات سقوط القرص و أنه بدرجة معينة لا مطلق الاستتار.

و كذا رواية ابن اشيم حيث فيها: «فاذا كانت هاهنا ...»، فليس غيابها مطلقاً وقتاً للغروب بل درجة معينة منه.

و ليس مفادها ان ذهاب الحمرة غروب و وقت، بل لسانها الاشارة بالذهاب المزبور إلى درجة سقوط القرص و أنه الملازم لذهاب الحمرة و ذلك يغاير العلامة الظاهرية.

و قد استشكل السيدان البروجردي و الخوئي رحمهما الله في دلالة الرواية: بأن مدلول الرواية غير مطابق لما هو المشاهد بالوجدان، فان من نظر إلى المشرق عند الغروب رأى أن الحمرة المشرقية قد ارتفعت و تنعدم و تحدث حمرة أخرى، لا أن تلك الحمرة باقية سارية تتعدى من المشرق إلى المغرب كما هو صريح الرواية حيث قال (عليه السلام): «فاذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب».

و فيه أولًا: بأن التعبير ب‍ «إذا جازت» متعارف بمعنى الافول حيث أن الحمرة مغطية للشرق و الغرب- فاذا جازت- بمعنى أفلت من الجانب الشرقي.

ثانيا: أن الحمرة الوليدة لحزمة من أشعة الشمس تنقل حقيقة من المشرق إلى المغرب و ذلك أن الشمس أول ما تنزل تسطع بتمام أشعتها في ناحية المغرب فيكون صفراوياً، أما المشرق فالاشعة الساطعة فيه خصوص العمودية من القرص عبر طرفي الكور و جانبي حدبة الأرض فيكون ضعيفا مختلطا بالظلمة فيحمّر كما تقدم في المقدمات.

256

فالاشعة الافقية تسطع من بطن الشمس و هي الحزمة التي تسبب الحمرة المشرقية، و لما تنزل الشمس أكثر تنوجد هذه الأشعة في المغرب و يتضح ذلك بالرسم التالي.

الرواية الخامسة

رواية ابان بن تغلب قال: قلت لابي عبد اللّٰه (عليه السلام): أي ساعة كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يوتر؟ فقال: على مثل مغيب الشمس إلى صلاة المغرب» (1).

و في الطريق اسماعيل بن ابي سارة و هو مهمل لكن الراوي عنه ابن ابي عمير فهو ثقة على المبنى المعروف.

و الرواية صريحة في أن مجرد استتار القرص عن الحس المرئي ليس هو الغروب الشرعي و لا بداية وقت صلاة المغرب، بل من مغيب القرص إلى صلاة‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 5.