هيويات فقهية

- الشيخ محمد السند المزيد...
279 /
257

المغرب مقدار زمني هو بمقدار الوقت الذي كان يوتره الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) قبل الفجر.

و أورد على هذا البيان أن الرواية غاية ما تدل عليه أن الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) كان لا يأتي بالصلاة عند الاستتار و انما يؤخرها قليلا، و لعل هذا بسبب مقدمات الصلاة و انتظار الجماعة، و نحوها من الامور العادية.

و فيه: ان هذا خلاف ظاهر قوله: «إلى صلاة المغرب»، أي إلى وقت مبدأ صلاة المغرب، و دأب الرسول الاكرم (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) كان بالمبادرة بالاتيان بصلاة المغرب و التعجيل بأدائها كما سيأتي في رواية، مع أن رواية أبان لم تتعرض لدأبه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في صلاة المغرب و انما لوتره و انه على مثل الفاصل بين سقوط القرص الحسي و وقت صلاة المغرب، و انما يعلم من الممثل له «صلاة الوتر» حيث أن الحدّ بينهما و بين صلاة الفجر عزية أن الحدّ و الفاصل بين السقوط و وقت المغرب عزيمة أيضا.

الرواية السادسة

صحيحة بكر بن محمد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، انه سأل سائل عن وقت المغرب؟

فقال: «إن اللّٰه يقول في كتابه لإبراهيم: «فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً قٰالَ هٰذٰا رَبِّي» فهذا أول الوقت، و آخر ذلك غيبوبة الشفق، و أول وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة، و آخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل» (1).

وجه الدلالة: ما ذكره صاحب الوسائل عن بعض المحققين أنه موافق لما تقدم، لان ذهاب الحمرة المشرقية يستلزم رؤية كوكب غالباً، و يجوز حمله على عدم ظهور المشرق و المغرب- كوجود حاجب جبلي و نحوه- لكن الاحتمال الثاني خلاف الظاهر بعد كون الرواية في صدد تحديد الوقت لا التعرض لكيفية الاحراز‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 6.

258

عند الشك.

و الفرق بين التعبير بالنجم و الكوكب ان الكوكب أكبر إضاءة من النجم فلا يطلق إلّا على النجم الكبير أو الشديد الاضاءة.

و استشكل صاحب الذخيرة وعدة من المتأخرين: بأن كثيرا ما ترى الانجم قبل ذهاب الحمرة المشرقية فلا تدل على قول المشهور.

و فيه: أن الكوكب يستعمل في المضي‌ء الكبير و لا يكون مرئيا عند سقوط القرص عن الحس المرئي بل مع ذهاب الحمرة و يكفي في ذلك كونه الغالب فهذا كناية عن ذهاب الحمرة إذ شرط الكناية الغالبية.

و لعل المراد به في محاجة ابراهيم: «فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً ...... فَلَمّٰا رَأَى الشَّمْسَ ....»، القمر، بقرينة القياس مع الشمس.

ثمّ انّ الأظهر في مفاد الرواية كما هو مقتضى قوله تعالى: «فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ»، هو الاستشهاد بالليل لا بظهور الكوكب فقط حيث أن الليل في الوضع اللغوي هو الظلمة عند ما تزحف من طرف الشرق إلى الغرب على اقل التقادير، و لا يكون هناك ليل مع سطوع اشعة الشمس في الافق و وجود ضحضاح من النور.

فقوله تعالى: «جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ»، اي استوى و احاط و غشي من الخفاء و الاستتار كاستعمال مادة «ج ن ن» في الجنّ و الجنة و الجنين حيث انه مستتر و مخفي، و تعاضد هذه الرواية الآية: «أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ».

فالرواية ظاهرة في التحديد و التقدير الواقعي لا في مرحلة الشك و الظاهر، كما لا وجه لحملها على الاستحباب، إذ أن سؤال الراوي عن أول الوقت لا عن وقت الفضيلة و ان اشتمل الجواب عن منتهى وقت الفضيلة.

259

الرواية السابعة

حسنة بريد بن معاوية قال: سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول: «إذا غابت الحمرة من هذه الجانب يعني ناحية المشرق فقد غابت الشمس في شرق الأرض و غربها» (1).

و الرواية حاكمة تفسر وقت الغروب بدرجة من ذهاب القرص هو المأخوذ في موضوع الحكم، و هي الرواية الاولى المتقدمة بطريق الكليني إلّا أنها بطريقي الشيخ.

الرواية الثامنة

رواية محمد بن علي قال: صحبت الرضا (عليه السلام) في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق يعني السواد (2).

و خدش في دلالتها أنه فعل مجمل إذ قد يكون وجهه أول وقت الفضيلة لا أول وقت دخول الفريضة، فهو لا يدل على اللزوم و الوجوب.

و فيه: ان أفضل اوقات الصلاة حين وجوبها لا سيما المغرب كما يأتي، و تأخرها للابراد و انتظار الجماعة ليس من باب الاستحباب الاولى بل هو استحباب ظرفي طاري.

و أشكل أيضا بان الفحمة قد تكون في نقطة المشرق فقط، و هو خلاف مفاد الفحمة إذ هي السواد الحالك المغطي للشريط الافقي الشرقي.

الرواية التاسعة

رواية شهاب بن عبد ربه قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «يا شهاب إنّي أحبّ إذا صلّيت المغرب أن أرى في السماء كوكباً» (3).

و في السند محمد بن حكيم و الراوي عنه ابن ابي عمير، و هو الراوي لا عم رواية دلالة في القرعة، و قد روى عنه ما يربوا على الاحد عشر من أصحاب الاجماع‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 7 و حديث 11 بسند آخر.

(2) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 8.

(3) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 9.

260

و غيرهم من الثقات الاجلاء و روى الكشي بسند صحيح ما يدل على تجليل الكاظم (عليه السلام) له و مكانته عنده.

و دلالتها كدلالة صحيحة بكر بن محمد المتقدمة في التقريب و دفع الاشكال.

و قد يستشعر من قوله (عليه السلام): «اني احب»، الاستحباب، فتكون شاهد جمع على التعارض بين الروايات.

و فيه: ان الروايات المتقدمة ليس لسانها الفضيلة بل مفادها التحديد و التعيين لبداية الوقت الشرعي لصلاة المغرب.

و التعبير في الرواية بكلمة «أحب» مداراة لقول العامة القائلين بذهاب القرص.

الرواية العاشرة

موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «انما امرت أبا الخطاب أن يصلي حين زالت الحمرة (من مطلع الشمس) فجعل هو الحمرة التي من قبل المغرب، و كان يصلي حين يغيب الشفق» (1)، و المتن في الوسائل يختلف يسيرا عن التهذيب و هما عن الاستبصار.

و الامر في الرواية لم يقيد بالشك او بوجود مانع في الافق كتلال او نحو ذلك فليس ذهاب الحمرة علامة ظاهرية.

و حمل الامر على الاستحباب بحاجة إلى قرينة، و روايات سقوط القرص لا تصلح للقرينة لانه ذو درجات يوافق في بعضها ذهاب الحمرة فروايات سقوط القرص لا شهادة في كثرتها على الاستحباب.

و ما في التنقيح من كون زوال الحمرة في الموثقة من نقطة المشرق الملازم لسقوط القرص عن الحس لا عن الافق الشرقي بتمامه.

ففيه: ان كلمة «مطلع» و ان أفادت نقطة المشرق، لكن مقابلة حمرة المشرق مع‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 10.

261

حمرة المغرب و تخطئة ابي الخطاب في التطبيق شاهد على ان المقصود من مطلع الشمس تمام ربع الفلك، كما أن المقصود من الشفق كل الحمرة.

الرواية الحادية عشر

رواية محمد بن شريح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن وقت المغرب؟ فقال:

«إذا تغيرت الحمرة في الافق، و ذهبت الصفرة و قبل أن تشتبك النجوم» (1).

و اشكل على دلالتها: انه إذا كان تغيّر الحمرة بالسواد فيدل على قول المشهور، اما إذا تغيرت من صفرة إلى حمرة فلا تدل على المشهور.

و فيه: ان التغير اسند إلى الحمرة و الذهاب اسند إلى الصفرة فلا يكفي حصول الثاني مجرداً، و الأول هو التغير إلى السواد.

الرواية الثانية عشر

صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قال لي: «مسّوا بالمغرب قليلا فان الشمس تغيب من عندكم قبل ان تغيب من عندنا» (2).

و أشكل بأنها مجملة الدلالة من جهة التعليل إذ يعقوب كوفي و الامام (عليه السلام) في المدينة و أفق المدينة مخالف لأفق الكوفة فالرواية مجملة، نعم هي على اجمالها تصلح للاستحباب.

و استشكل ايضا في التنقيح: بأن الامر بالمسّ ليس مغياً إلى زوال الحمرة و يكفي في المسّ المدة اليسيرة بعد سقوط القرص لا بمقدار 12 دقيقة ذهاب الحمرة المشرقية.

و يدفعان: بحمل الرواية على وحدة الافق، إذ من عادة الرواة الكوفيين الذهاب إلى مكة ثمّ إلى المدينة، فتحمل الرواية على حال اقامة الراوي بمكة، او على فترة تواجد الامام (عليه السلام) بالحيرة و الراوي بالعراق.

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 12.

(2) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 13.

262

و لزوم وحدة الافق قرينة على الحمل المزبور و قد ورد في الرواية انما عليك مشرقك و مغربك.

و على هذا فالرواية تدل على لزوم غيبوبة القرص عن تمام النقاط المتحدة في الافق و عدم كفاية غيابه عن نقطة من المتحدة دون البقية و هذا لا يتلاءم إلّا مع ذهاب الحمرة المشرقية كما عرفت.

و الامر بالمسّ ظاهر في اللزوم بعد عدم الترخيص بل ان التعليل لا ينسجم مع الاستحباب، إذ التعليل لأصل تحقق الغيبوبة لا لجهة فضيلة الوقت، كما أن الصحيحة صريحة في كون المسّ لتحقيق الموضوع و انوجاده لا لعلاج الاحتمال و من باب الاحتياط أو الامارية في ظرف الشك و أنما هو بيان لحد الموضوع الواقعي.

و بجانب هذا سيأتي اعتراف غير المشهور بان الصلاة بعد ذهاب الحمرة فضيلة راجحة لكونه أمر طافح كشعار لدى الشيعة و الروايات، فبضميمة تلك الروايات التي تغلظ النهي عن تأخير صلاة المغرب يعلم أن وقت مشروعية صلاة المغرب هو ذهاب الحمرة المشرقية.

الرواية الثالثة عشر

صحيحة عبد اللّٰه بن وضاح قال: كتبت إلى العبد الصالح (عليه السلام) يتوارى القرص و يقبل الليل ثمّ يزيد الليل ارتفاعا، و تستتر عنا الشمس، و ترتفع فوق الجبل حمرة، و يؤذن عندنا المؤذنون، أ فأصلي حينئذ و افطر ان كنت صائما؟ أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل، فكتب إلى: «أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، و تأخذ بالحائطة لدينك» (1).

و سليمان بن داود الراوي عن ابن وضاح و ان كان مشتركاً لكنه منصرف إلى‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 14.

263

المنقري و هو موثق و ان ضعّفه ابن الغضائري، و ما في نسخة الاستبصار المطبوعة «عبد اللّٰه بن صباح» فمغلوطة بعد كون نسخة التهذيب و نسخة الوسائل ما تقدم حيث ان نسخته بسند صحيح.

و وجه دلالتها ظهور الحمرة في المشرقية و أما التعليل في الرواية «بالحائطة» فيحمل على التقية و إلّا فان الامام في الشبهة الحكمية لا يتأتى لديه الاحتياط كالمجتهد، إذ هو معدن الاحكام الواقعية فهذا التعبير لاجل اقناع العامة.

نعم قد تفسر بأنها علامة ظاهرية شرعية عند وجود المانع في الافق و أن الشبهة موضوعية.

و يخدش في فرض الرواية: «و ترتفع فوق الجبل»، أن هذا الجبل هل هو في طرف المشرق او المغرب، فان كان الثاني فلا تدل على رأي المشهور، لان تواري القرص خلف الجبل، لا يدل على الغروب حتى لو ظهرت الحمرة على الجبل لان هذه الحمرة على أن القرص سقط على الافق، بل سقط عن الجبل فغلبته الحمرة، فلا نحرز سقوط القرص عن الافق بمجرد علو الحمرة المغربية «الشفق» فوق الجبل بل لا بد من زوالها كي يحرز سقوط القرص.

و ان كان الجبل من ناحية المشرق فهي و ان اشترطت زوال الحمرة لكنها تدل أيضا على ان المنطقة جبلية، فلعلّ هناك جبال و هضاب من طرف المغرب، فلذلك اشترط ذهاب الحمرة لاحراز سقوط القرص، و هو احتياط في الشبهة الموضوعية.

و الجواب: أنه من الواضح تعيّن الاحتمال الأول و هو كون الجبل في طرف المشرق إذ لا معنى لاشتراط زوال الحمرة المغربية في الفرض الثاني كي يحرز سقوط القرص، إذ هي تزول بعد أكثر من نصف ساعة من سقوط القرص، إذ يمكن احراز سقوط القرص في الفرض الثاني بظهور الكواكب أو زوال الحمرة المشرقية لا بزوال الحمرة التي تعلو الجبل لو فرض في الغرب.

264

و على هذا ففرض السائل هو وجود جبل في طرف المشرق و الحمرة المفروضة التي تعلوه هي المشرقية و قد يقصد بها الأشعة التي تضرب اعالي الجبل الشرقي مع استتار القرص عن الحس، و بذلك يتضح جلياً أن سؤاله عن حد وقت الصلاة و أنه بالاستتار عن الحس المرئي أو بذهاب الحمرة، فمصب السؤال عن الشبهة الحكمية و أما التعليل بالحائطة فهو للتقية كما تقدم بعد فرض الراوي أذان المؤذنين من العامة، و لذلك قابل الراوي في سؤاله بين ذهاب الحمرة و استتار القرص الذي يعتدّ به المؤذنون من العامة مع فرضه تحقق الاستتار المزبور.

و التعبير بالحائطة للدين ورد في الشبهات الحكمية كما في الروايات العلاجية للتعارض و مناسبته في المقام لرفع محذور مخالفة العامة بتصوير أن الاخذ بذهاب الحمرة هو للاحتياط لا لكونه حدا للوقت مخالفا لهم، و ذهاب الحمرة على أية حال كما تقدم ليست حقيقة الغروب بل لازم واقعي له و الفرق بين العلامة الواقعية و الظاهرية أن الواقعية ملازمة دائما لذي العلامة و ليس مفادها حكماً ظاهراً قابل للتخلف، فانوجاد هذه العلامة انوجاد لذيها اما العلامة الظاهرية فهي اعم أو اخص و قد يتخلف الواقع عنها.

ثمّ ان تركيز الراوي في سؤاله بالترديد بين استتار المس أو ذهاب الحمرة المشرقية مع فرض مقدار الحمرة بالتي تعلو الجبل، صريح في كون الترديد بين الاستتار و ذهاب الحمرة عن سمت الرأس لا عن نقطة المشرق فقط و هو المقدار الذي يراه المشهور و التعليل على أية حال لا يلائم فضيلة التأخير و الندبية.

265

الرواية الرابعة عشر

موثقة جارود قال: قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «يا جارود ينصحون فلا يقبلون، و إذا سمعوا بشي‌ء نادوا به، أو حدثوا بشي‌ء أذاعوه، قلت لهم: مسوا بالمغرب قليلا فتركوها حتى اشتبكت النجوم، فأنا الآن أصليها إذا سقط القرص» (1).

تقريب الدلالة: ان الامر بالمس بالمغرب أو راجح سواء كان لزومياً أو استحبابياً، و كان الائمة (عليهم السلام) في صدد نشر هذا الحكم الرّاجح و اخفائه عن العامة.

فهو حكم واقعي أريد إخفاءه عن العامة و لكن حدث ما حدث من فتنة و بدعة ابي الخطاب فعالج الامام (عليه السلام) ظاهرة البدعة و تشنيع العامة بالتظاهر بالصلاة عند سقوط القرص، فتحمل روايات سقوط القرص على التقية من هذه الجهة.

و خدش في الاستدلال بها:

أولًا: انه لو لم يكن سقوط القرص هو الوقت الشرعي لصلاة المغرب لكانت صلاة الامام عليه تقع قبل حلول الوقت، مع أن الرواية صريحة في ان الامام (عليه السلام) يصليها عند سقوط القرص، فهذا كاشف على ان سقوط القرص هو الوقت الشرعي لصلاة المغرب، إذ التقية لا تستدعي أن يصلي الامام (عليه السلام) خارج الوقت.

ثانياً: قوله (عليه السلام): «مسّوا بالمغرب»، أعم من ذهاب الحمرة المشرقية، كما أن الامر اعم من الندب و الاستحباب.

ثالثا: ان الرواية صريحة في ان سقوط القرص بمعنى سقوطه عن الافق الحسي.

و يرد الأول: أن هذا أخبار و ليس بفعل خارجي و هو للتقيّة لكي يشاع ذلك عن الامام (عليه السلام)، إذ من افتراءات العامة علينا اننا نصلي عند اشتباك النجوم.

و قد وردت روايات عديدة في باب التقية بأن يصلي المؤمن معهم في المسجد ثمّ يعيد الصلاة في البيت، فلا استبعاد في ذلك، لاجل نفس الشياع لا لكونه وقت.

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 15.

266

و يرد الثاني: ان الامر بالمسّ مطلقاً لزوماً يغاير السقوط عن الحس المرئي مع أنه قد تقدم في صحيحة ابن شعيب بيان مقدار المسّ بالغيبوبة عن كل نقاط البقاع المتحدة في الافق بل ان في هذه الموثقة المقابلة بين المسّ و اشتباك النجوم و سقوط القرص الظاهر منها تباين الحدود الثلاثة و أن المسّ وسطي بمعنى ذهاب المشرقية.

كما مر في موثق عمار الساباطي انه (عليه السلام) أمر ابا الخطاب بالصلاة عند ذهاب الحمرة من مطلع الشمس المراد بها المشرقية.

و أما دعوى الندبية فلا وجه لها لعدم ورود الترخيص، و روايات سقوط القرص لا تصلح قرينة إذ هذه الموثقة دالة على كون حد سقوط القرص لمراعاة العامة، مضافا إلى منافاة التعليل المتقدم في صحيحة ابن شعيب للندبية، كما أن مثل هذا الاهتمام في حدّ الوقت و خوف الاذاعة و حيطة التكتم لا يلائم الندبية و لسان الروايات طافح بانه (عليه السلام) بين محذوري مخالفة العامة و بدعة ابي الخطاب و منه يظهر الحال في الثالث.

الرواية الخامسة عشر

صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن وقت افطار الصائم؟ قال: «حين يبدو ثلاثة أنجم» (1).

و الثلاثة انجم لا تبدوا إلّا بذهاب الحمرة المشرقية لا بمجرد سقوط القرص عن الحس.

و خدش فيها ان بدو ثلاثة أنجم بعد سقوط القرص بقليل لا بقدر ذهابها، بل تظهر الانجم في بعض الاحيان عند سقوط القرص.

و فيه: أن التعبير ب‍ «ثلاثة أنجم» كناية عن الذهاب للحمرة المشرقية- إذ باستتار‌

____________

(1) الوسائل: ابواب ما يمسك عنه الصائم باب 52 حديث 3.

267

القرص لابتدوا ثلاثة نجوم كما هو مشاهد- و اللازم في الكناية الغالب، و التعبير به من باب التقية المدلول عليها في موثقة جارود في قبال اشتباك النجوم بدعة الخطابية و ان كانت الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام)، فالعلامة ليلية.

الرواية السادسة عشر

ما نقله ابن إدريس الحلي في مستطرفاته من كتاب أبي عبد اللّٰه السياري صاحب موسى و الرضا (عليهما السلام) عن محمد بن سنان عن رجل سماه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قول اللّٰه عز و جل: «أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ»، قال: سقوط الشفق (1).

قال صاحب الوسائل: هذا محمول على استحباب تقديم الصلاة على الافطار، و قال صاحب القاموس: الشفق محركة الحمرة في الافق من الغروب إلى العشاء الآخرة أو إلى قريبها، أو إلى قريب العتمة، انتهى.

و في اللسان الشفق الحمرة بعد غروب الشمس و الحمرة الحاصلة من غروب الشمس من دون تقييد لها بالافق الغربي، نعم قيدها بعض اللغويين بذلك، فيحمل على سقوط الحمرة المشرقية عن سمت الرأس.

الرواية السابعة عشر

صحيحة يونس بن يعقوب قال: قلت لابي عبد اللّٰه (عليه السلام): متى نفيض من عرفات؟

فقال: «إذا ذهبت الحمرة من هاهنا، أشار بيده إلى المشرق و إلى مطلع الشمس» (2)، و للرواية سند آخر معتبر ايضا و فيها «إذا ذهبت الحمرة- يعني من الجانب الشرقي» (3).

و الرواية صريحة في اعتبار ذهاب الحمرة المشرقية، حيث أن الافاضة معلقة على الغروب سيما و أن الغروب غاية و حدّ الواجب في الوقوف.

____________

(1) الوسائل: ابواب ما يمسك عنه الصائم باب 52 حديث 8.

(2) الوسائل: ابواب احرام الحج و الوقوف بعرفة باب 22 حديث 2.

(3) المصدر حديث 3.

268

الرواية الثامنة عشر

رواية رزيق الخلقاني عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: كان (عليه السلام) يصلى المغرب عند سقوط القرص قبل ان تظهر النجوم (1).

و فيها مقابلة بين سقوط القرص و ظهور النجوم، كما تقدم في صحيحة زرارة المتضمنة للامر بالمغرب إذا ظهرت ثلاثة أنجم، و الراوي غير موثق لعله عامي.

و دلالتها مفسرة بما تقدم من الروايات الدالة على أن تظاهره و صلاته (عليه السلام) عند سقوط القرص بعد ظهور بدعة ابي الخطاب و تشنيع العامة بذلك على الخاصة علاجا لكلا المحذورين.

الرواية التاسعة عشر

رواية أبان بن تغلب عن الربيع بن سليمان و أبان بن أرقم و غيرهم (غيرهما) قالوا: أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادى الاخضر إذا نحن برجل يصلي و نحن ننظر إلى شعاع الشمس، فوجدنا في أنفسنا، فجعل يصلي و نحن ندعو عليه «حتى صلى ركعة و نحن ندعو عليه» و نقول: هذا شباب من شباب أهل المدينة، فلما أتيناه إذا هو ابو عبد اللّٰه جعفر بن محمد (عليه السلام)، فنزلنا فصلينا معه و قد فاتتنا ركعة، فلما قضينا الصلاة قمنا إليه فقلنا:

جعلنا فداك، هذه الساعة تصلي؟! فقال: «إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت» (2).

و الحديث في سنده عدة مجاهيل، و هي تدل على قول المشهور و ان استدل بها على مسلك غير المشهور.

و تقريب الدلالة: أن صدرها ظاهر في كون المقرر لدى الشيعة بشكل متسالم أن وقت المغرب هو ذهاب الحمرة، و أما صلاته (عليه السلام) فهي من باب التقية و العلاج لكلا المحذورين السابق ذكرهما سيما و أن أداءهما لا يقلع إلّا بالتظاهر بالفعل عند سقوط القرص.

____________

(1) مستدرك الوسائل: ابواب المواقيت باب 13 حديث 2 نقلا عن الشيخ في المجالس.

(2) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 23.

269

قد يقال انه لا مورد للتقية و هو في وادي لا يراه فيه أحد.

و فيه: ان القائلين بسقوط القرص يلتزمون بأرجحية ذهاب الحمرة بل ان الكثير منهم لا يذهبون إلى دخول الوقت مع وجود الأشعة الضاربة على قلل الجبال و ان سقط القرص و على هذا فصلاته (عليه السلام) موجهة على كلا القولين، سيما و أن للمسافر مندوحة في تأخير الصلاة عن أول وقتها فكيف و أن التأخير على أية حال راجح أو لازم.

مضافا إلى دلالة التعمية و الاجمال في جوابه (عليه السلام) على ذلك إذ غيبوبة الشمس كما في الروايات السابقة ذات درجات كما في قوله: «إذا غابت هاهنا و ذهبت الحمرة من هاهنا»، فهو من باب تعليم الخاصة و تربيتهم في مقابل بدعة ابي الخطاب و منع الصاقها بهم و تصحيح مسارهم.

قال الحر: و يحتمل كونه صلى بعد ذهاب الحمرة بالنسبة إلى الوادي، و يكون الشعاع خلف الجبل إلى الناحية المغرب، و قد رآه الجماعة من أعلى الجبل و قد ذكر ذلك الشيخ أيضا و اللّٰه أعلم.

و ديدن الاصحاب في الابواب المختلفة على الاكتفاء برواية لحمل العديد من الروايات على التقية فكيف بالمقام الوارد فيه هذه الاحاديث الكثيرة و الاشعارات و التلميحات و الظرف الخاص للمسألة من اقتران بدعة ابي الخطاب و تشهير العامة.

الرواية العشرون

مرسلة علي بن الحكم عمن حدثه عن أحدهما (عليهما السلام) أنه سئل عن وقت المغرب؟ فقال: «إذا غاب كرسيها، قلت: و ما كرسيها؟ قال: قرصها، فقلت: متى يغيب قرصها؟ قال: إذا نظرت إليه فلم تره» (1).

و هي و ان استدل بها غير المشهور لكن الاولى التمسك بها للمشهور و الوجه في‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 25.

270

ذلك ان نفس الاجمال في الاجابة في الابتداء و التحوير في الجواب شاهد على التقية فلما أصرّ الراوي أجابه الامام بالتقية، و معهود في اسلوب الروايات أن الالتفاف في الاجابة معناه ان الظرف ليس مأتي للتصريح بالحكم الواقعي، و هذا قد يتفق حصوله في فتوى الفقهاء.

مع أن الاظهر في مفاد كرسي الشمس هو ضوء الشمس و هالة شعاعها، حيث أنها كالمتكئ للقرص و كذلك التعبير بالغيبوبة.

الرواية الحادية و العشرون

موثقة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «وقت المغرب من حين تغيب الشمس إلى أن تشتبك النجوم» (1).

و يمكن عدها من أدلة المشهور بضميمة ما سيأتي من كون وقت صلاة المغرب مضيقاً و ان لها وقتاً واحداً، فوقت فضيلتها وقت وجوبها بخلاف بقية الصلاة، فيكون غروبها ذهاب الحمرة المشرقية و إلّا يكون موسعاً و هو ما دلت الروايات على خلافه.

الرواية الثانية و العشرون

صحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن وقت المغرب؟

قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق (2).

و هذه الرواية كالسابقة لانها تحدد الغاية و بضميمة ما دل على أن وقت المغرب مضيق يكون المراد من الغروب ذهاب الحمرة.

و قد يشكل بتسليم ضيق وقت الفضيلة و أنه من ذهاب الحمرة إلى سقوط الشفق لا أصل وقت الفريضة.

و يدفع بضم مقدمة ثالثة من ان أول اوقات الصلاة هي الفضيلة، مثل (3) ما في‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 26.

(2) الوسائل: أبواب المواقيت باب 16 ح 29.

(3) الوسائل: أبواب المواقيت باب 3.

271

روايات الذم لتأخير الصلاة و ستأتي موثقة ليث: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لا يؤثر على صلاة المغرب شيئا إذا غربت الشمس حتى يصليها» (1).

بل في مرسل محمد بن ابي حمزة عمن ذكره عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: ملعون من أخر المغرب طلب فضلها (2).

الرواية الثالثة و العشرون

صحيحة زرارة و الفضيل قالا: قال أبو جعفر (عليه السلام): «ان لكل صلاة وقتين غير المغرب فان وقتها واحد و وقتها وجوبها، و وقت فوتها سقوط الشفق» (3).

و الرواية متعرضة لتضيق الوقت و سقوط القرص كمبدإ و سقوط الشفق كغاية فتكون صريحة في تعيين سقوط القرص عن الافق الحقيقي الملازم لذهاب الحمرة المشرقية و هذا نوع من التقية المكشوفة، إذ صلاة المغرب مع نوافلها لا تستغرق اكثر من 15 دقيقة، بينما مدة سقوط القرص عن الافق الحسي المرئي إلى ذهاب الشفق من المغرب يستغرق 30- 40 دقيقة.

و في الصحيحة ايماء بعدم تأخر وقت الصلاة و لو فضيلة عن وقت الوجوب، سواء وجوبها بمعنى ثبوت افتراضها أو بمعنى وجوب الشمس و سقوطها.

و الروايات الصريحة الدالة على أن صلاة المغرب وقتها مضيق كثيرة منها:

صحيحة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن وقت المغرب؟ فقال: ان جبرئيل أتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) لكل صلاة بوقتين غير صلاة المغرب فإن وقتها واحد، و ان وقتها وجوبها» (4).

و الصحيحة كالسابقة دالة على أنه ليس هناك تفكيك عن وقت الفضيلة و وقت الوجوب بأي من المعنيين المتقدمين.

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 18 حديث 9.

(2) الوسائل: ابواب المواقيت باب 18 حديث 12.

(3) الوسائل: ابواب المواقيت باب 18 حديث 2.

(4) الوسائل: ابواب المواقيت باب 18 حديث 1.

272

و موثقة الليث عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لا يؤثر على صلاة المغرب شيئا إذا غربت الشمس حتى يصليها» (1).

فلا بد أن يكون الغروب هو ذهاب الحمرة لكونه (صلى اللّٰه عليه و آله) يدمن على وقت الفضيلة فكل هذه الروايات تدل على مسلك المشهور.

نعم روي مرسلا و كذا صحيح ذريح أن لصلاة المغرب وقتين و قد تقدم عدم المنافاة بينه و بين تضيق وقتها بعد كثرة و صراحة ما دل على الضيق و الوحدة.

الرواية الرابعة و العشرين

رواية أبي أسامة الشحام قال: قال لابي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أُؤخر المغرب حتى تستبين النجوم؟ فقال: خطابية؟! ان جبرئيل نزل بها على محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) حين سقط القرص» (2).

هذه الرواية لا تدل على مسلك غير المشهور بضميمة رواية أديم بن الحر (3).

حيث أنها تدل على أن جبرئيل اتى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) بالصلوات كلها فجعل لكل صلاة وقتين إلّا المغرب فانه جعل له وقتاً واحداً و إذا كان وقت المغرب واحداً فلا يمكن ان يكون سقوط القرص عن الحس المرئي مع كونه مضيقا واحداً و آخره سقوط الشفق، و على هذا تحمل معتبرة ابي اسامة (4) و غيرها مما اشتمل على التعبير المزبور.

الرواية الخامسة و العشرون

صحيحة اسماعيل بن همام قال: رأيت الرضا (عليه السلام) و كنا- عنده- لم يصل المغرب حتى ظهرت النجوم، ثمّ قام فصلى بنا على باب دار ابن أبي محمود (5).

قد يقال أن عمل الامام عليه فعل، و الفعل أعم من الوجوب و الاستحباب و الجواز، و لعله (عليه السلام) أخرها لجهة معينة.

و فيه: ان ظاهر كلام الراوي المراقبة لفعله (عليه السلام)، و بيان جهاته و لم يستظهر في‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 18 حديث 9.

(2) الوسائل: أبواب المواقيت باب 18 حديث 18.

(3) الوسائل: ابواب المواقيت باب 18 حديث 11.

(4) الوسائل: ابواب المواقيت باب 18 حديث 16.

(5) الوسائل: ابواب المواقيت باب 19 حديث 9.

273

حكايته للفعل نكتة للتأخير او لكون الوقت وقت فضيلة، سيّما و أن صلاة المغرب وقتها مضيق كما مر بيانه، و لو كان التأخير لعذر لبينه، إذ ليس من دأبه (عليه السلام) تأخير الصلاة عن أول الوقت كما في قطعه (عليه السلام) للمناظرة مع عمران الصابي حين دخل وقت الصلاة ثمّ عاد، فيكون دالّا على ان الوقت هو ذهاب الحمرة، و لا يتوهم ان ظهور النجوم هو اشتباكها و سقوط الشفق التي هي بدعة أبي الخطاب.

و أما احتمال أنه اراد بيان المشروعية، فهذا المعنى مفروغ عنه عند الشيعة في زمان الامام (عليه السلام).

الرواية السادسة و العشرين

صحيحة داود الصرمي قال: كنت عند أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يوما فجلس يحدث حتى غابت الشمس، ثمّ دعا بشمع و هو جالس يتحدث، فلما خرجت من البيت نظرت و قد غاب الشفق قبل أن يصلي المغرب، ثمّ دعا بالماء فتوضأ و صلى (1).

و الشفق المذكور في الرواية ليس الحمرة المغربية، إذ هذا مستبعد، و الشفق كما في اللغة هو الحمرة بعد غروب الشمس من دون تقييد للحمرة بالافق الغربي و ان قيدها بعض اللغويين بذلك، و بعضهم عرفها بالحمرة الحاصلة من غروب الشمس من دون تقييد بالافق الغربي أيضا، بينما قيدوا البياض الحاصل بعد ذهاب الحمرة بالذي في الافق الغربي و الذي هو احد معاني الشفق.

و قد تقدم في بعض الروايات ان الشفق هو الحمرة المشرقية، بقرينة ان الامام لا يترك وقت الفضيلة.

الرواية السابعة و العشرون

معتبرة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: «إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

____________

(1) الوسائل: ابواب الميقات باب 19 حديث 10.

274

كِتٰاباً مَوْقُوتاً»، قال: «موجبا، انما يعني بذلك وجوبها على المؤمنين، و لو كان كما يقولون لهلك سليمان بن داود حين أخّر الصلاة حتى توارت بالحجاب، لأنّه لو صلّاها قبل أن تغيب لكان وقتا، و ليس صلاة أطول وقتا من العصر» (1).

فقوله تعالى: «حَتّٰى تَوٰارَتْ بِالْحِجٰابِ»، كما هو أحد الاقوال في تفسير الآية يعني حتى سقط القرص و توارى عن الانظار، فاذا استتر القرص عن الحسّ المرئي فلا يزال وقت صلاة العصر لم ينته بعد، إذ ليس العبرة بسقوط القرص عن الافق الحسي و انما سقوطه عن الافق الحقيقي.

فلو كان أول وقت المغرب هو سقوط القرص عن الافق الحسي المرئي لكان سليمان (عليه السلام) صلى صلاته قضاء و هذا ما ترده صحيحة زرارة و الفضيل في نفس الباب قالا: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): أ رأيت قول اللّٰه عز و جل: «إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً» قال: «يعني كتاباً مفروضاً، و ليس يعني وقت فوتها، ان جاز ذلك الوقت ثمّ صلاها لم تكن صلاة مؤداة، لو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داود (عليه السلام) حين صلاها بغير وقتها، و لكنه متى ما ذكرها صلاها» (2).

و علم إلى هاهنا أنه يدل على قول المشهور العديد من الصحاح و الموثقات و الحسان الصريحة أو الظاهرة دلالة.

الرواية الثامنة و العشرون

صحيحة الحلبي- في حديث- قال: سألته عن رجل نسي الاولى و العصر جميعا ثمّ ذكر عند غروب الشمس، فقال: ان كان في وقت لا يخاف فوت احدهما فليصل الظهر ثمّ يصلي العصر، و ان هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر و لا يؤخرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلي العصر فيما بقي من وقتها، ثمّ ليصلي الاولى بعد ذلك على أثرها (3).

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 7 حديث 5.

(2) الوسائل: ابواب المواقيت باب 7 حديث 4.

(3) الوسائل: ابواب المواقيت باب 4 حديث 18.

275

و الرواية كالصريحة- و مؤيدة للرواية السابقة- في ان مجرد غروب الشمس عن الافق الحسي ليس هو منتهى الظهرين و مبدأ الوقت الشرعي لصلاة المغرب، و لو كان كذلك لما أمر الامام (عليه السلام) الراوي بتفحص الوقت فان كان يسع الصلاتين صلاهما و إلّا قدم العصر و صلى بعدها الظهر، إذ على قول غير المشهور تكون كلا الصلاتين قضاء، و هذا ما تصرح الرواية بخلافه.

الرواية التاسعة و العشرون

صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها (1).

و هي و ان كانت ظاهرة في السقوط عن الحس المرئي إلّا أن غيبوبة القرص حيث أنها ذات درجات فما دل على تعين الافق الحقيقي حاكم و مفسّر لمثل هذا التعبير.

و مثلها صحيحة زرارة (2) و صحيحة صفوان الجمال (3)، بل في الرواية الاخيرة المقابلة بين ذهاب الشفق و ذهاب القرص و هو ظاهر في ذهاب الحمرة المشرقية.

الرواية الثلاثون

موثقة سماعة بن مهران قال: قلت لابي عبد اللّٰه (عليه السلام) في المغرب انّا ربّما صلّينا و نحن نخاف أن تكون الشمس خلف الجبل أو قد سترنا منها الجبل؟ قال: «ليس عليك صعود الجبل» (4).

و طريقها و ان وقع فيه احمد بن هلال إلّا أنا حققنا اعتبار رواياته حيث انه قوطع بعد انحرافه و لم يروى عنه، مع ان الصدوق رواها باسناده عن سماعة.

و مثلها في الدلالة رواية ابي اسامة أو غيره قال: صعدت مرة جبل أبي قبيس‌

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 16.

(2) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 17.

(3) الوسائل: ابواب المواقيت باب 18 حديث 24.

(4) الوسائل: ابواب المواقيت باب 20 حديث 1.

276

و الناس يصلون المغرب فرأيت الشمس لم تغب انما توارت خلف الجبل عن الناس فلقيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فأخبرته بذلك فقال لي: «و لم فعلت ذلك بئس ما صنعت، انما تصليها إذا لم ترها خلف الجبل، غابت او غارت ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها و انما عليك مشرقك و مغربك، و ليس على الناس أن يبحثوا» (1).

و استدل بهما على قول غير المشهور بتقريب أن الشك انما يتصور إذا كان الغروب عبارة عن سقوط القرص عن الافق الحسي، فيتردد بين استتارها خلف الجبل و بين سقوطها عن الافق الحسي، و أما لو كان عبارة عن ذهاب الحمرة المشرقية فلا مجال للشك و التردد، إذ يمكن استعلام ذهابها و الفحص مع وجود الجبل.

و أيضا تقرب دلالتهما أن ظاهرهما المدار على الغيبوبة عن الحس لا عن الافق الترسي و لا الحقيقي، إذ نفي البحث و تخصيص الافق المغربي بالمكلف و نفي الاعتداد بافق الناظرين فوق الجبل كل ذلك نافٍ للاخيرين كما هو واضح مما بيناه سابقا.

لكن المعروف في الكلمات هجرها و اجمالها بدعوى عدم انطباقها على كلا القولين، اما العدم على قول المشهور فظاهر مما تقدم، و أما العدم على قول غير المشهور فلان الوظيفة عند الشك هي استصحاب النهار و لزوم الاحتياط بتأخير صلاة المغرب، فكيف تسوّغ الرواية الدخول في الصلاة مع الشك.

و اجيب بانطباقها على قول غير المشهور و تمامية الاستدلال بهما عليه بفرض وجود امارة على سقوط القرص كالغيبوبة عن الحس في نقاط أخرى من البلد و نحو ذلك.

و الصحيح ان الروايتين لا ربط لهما بفرض الشك و التردد و ان كان ظاهر الاولى يوهم ذلك بل فرضها اختلاف الافق بمعانيه الثلاثة، بين الوادي و أعالي الجبل،

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 20 حديث 2.

277

و هذا الذي تنبّه و تشر إليه الروايتان.

و قد تقدم في مقدمات البحث اختلاف الافق الترسي فضلا عن الحسي المرئي باختلاف مكان و ارتفاع الناظر، و ان الارتفاع بمقدار 10 امتار يجعل الرؤية بمقدار 12 كلم و بمقدار 100 متر الرؤية بمقدار 36 كلم، و بمقدار 1000 متر الرؤية 112 كلم، و بمقدار 5000 متر الرؤية 253 كلم، و كذلك الحال في الافق الحقيقي مع اختلاف موضع الواقف فوق الجبل عن موضع الواقف في الوادي.

نعم الراوي حيث حسب اتحاد الافق بين الوادي و فوق الجبل عرض له الشك من جهة عدم تحقق الغروب للواقف فوق الجبل، فالرواية لا اجمال فيها كما لا دلالة لها على اعتبار سقوط القرص عن الحس المرئي، بل ان ذكر المشرق فيه اشعار بالحمرة المشرقية و ان كان الظاهر أنه لبيان جانبي الافق صباحاً و مساءً شروقاً و غروباً.

و يؤيد ما ذكرناه ما في مفادهما الاستثناء في ذيل الثانية: «ما لم يتجللها سحاب أو ظلمة تظلها»، حيث انه منقطع لاخراج الشك موضوعاً عن الالحاق بحكم فرض المستثنى الذي هو عدم الاعتناء بالشك في تحقق الغروب في الافق المغاير «فوق الجبل» لاختلاف الآفاق.

و قد استظهر هذا المفاد منها الشيخ حيث قال: «هذا لا ينافي ما اعتبرناه من غيبوبة الحمرة المشرقية لانه لا يمتنع أن تكون قد زالت الحمرة و الشمس باقية خلف الجبل، لانها تغرب عن قوم و تطلع على آخرين، و انما نهى عن صعود الجبل لانه غير واجب، بل الواجب عليه مراعاة مشرقه و مغربه».

ثمّ انه في الامر بالاعتداد بأفقه مشرقه و مغربه دون أفق فوق الجبل مع وجود الجبل كحائل في الفرض، لا يتم إلّا بذهاب الحمرة المشرقية لا بسقوط القرص عن الحس المرئي كما هو واضح.

278

الرواية الاحدى و الثلاثون

مصحح محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه قال: كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يصلي المغرب و يصلى معه حي من الانصار يقال لهم بنو سلمة، منازلهم على نصف ميل فيصلون معه، ثمّ ينصرفون إلى منازلهم و هو يرون مواضع سهامهم» (1).

و قد استدل بها لسقوط القرص عن الحس، حيث أنها تدل على وجود ضحضحة و اسفار من النور بعد فراغهم من الصلاة و هذا انما يتصور مع كون بدأها عند سقوط القرص لا عند ذهاب الحمرة المشرقية، و إلّا لكان الشفق ذاهبا عند فراغهم و الظلام حالكا مستولياً.

و فيه: أنه من المجرب كثيرا في مدن اليوم بعد الفراغ من صلاة المغرب وحدها- كما هو فرص الرواية حيث كان يفصل بينها و بين العشاء- امكان السير في الطرقات بوضوح عند انطفاء الأضوية البرقية الحديثة، فكيف بك و المدينة في العهد الأول مع العمران ذي العلو اليسير و مع كون ذلك الحي من الانصار تتوسط البرية سيرهم إلى منازلهم حيث انهم على فرسخ في أطراف المدينة.

الرواية الثانية و الثلاثون

عبيد اللّٰه بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «صحبني رجل كان يمسي بالمغرب و يغلس بالفجر و كنت أنا اصلي المغرب إذا غربت الشمس و اصلي الفجر إذا استبان الفجر، فقال لي الرجل: ما يمنعك ان تصنع مثل ما أصنع؟ فان الشمس تطلع على قوم قبلنا و تغرب عنا و هي طالعة على قوم آخرين بعد، قال: فقلت: انما علينا أن نصلي إذا وجبت الشمس عنه، و إذا طلع الفجر عندنا ليس علينا إلّا ذلك و على أولئك أن يصلوا إذا غربت الشمس عنهم» (2).

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 18 حديث 5.

(2) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 22.

279

و قد يقال أنها تدل بصراحة على عدم لزوم المسّ في المغرب، و أن دخول الوقت بمجرد غيبوبة الشمس و القرص عن الحس المرئي.

و فيه: ان الرجل المصاحب له (عليه السلام) كان يتوهم لزوم مراعاة الآفاق الاخرى، فلكي يحرز الغروب في الآفاق الاخرى يمسي في صلاته بمقدار كثير قد يصل إلى اشتباك النجوم حسب توهمه السابق، و لذلك أجابه (عليه السلام) بان لكل أفق حكماً بتبع تحقق الموضوع و عدمه، و لذلك علّق (عليه السلام) صلاة المغرب على غروب الشمس في مقابل الامساء الذي يصنعه ذلك الرجل.

و إلّا فذهاب الحمرة المشرقية راجح عند الكل، و حينذاك فكيف يتم مفاد جوابه (عليه السلام).

الرواية الثالثة و الثلاثون

موثقة اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن ابي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يصلي المغرب حين تغيب الشمس حيث تغيب حاجبها» (1).

و استدل بها على السقوط عن الحس ببيان أن الشمس عند الغروب عند ما يخمد نورها تبدو كالحاجب فعند ما يغيب حاجبها يسقط قرصها.

و فيه: أن حاجب الشمس غيرها و الاستعارة التمثيلية بتشبيه قرص الشمس بالعين و الهالة المحيطة بها كالحاجب، و حينئذ فاشتراط غيبوبة الحاجب زيادة عن سقوط القرص عن الحس المرئي.

و بالاحاطة بما تقدم في مفاد الاخبار يتضح باقي ما ورد في المقام.

و الحمد للّٰه أولا و آخراً و باطناً و ظاهراً و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

____________

(1) الوسائل: ابواب المواقيت باب 16 حديث 27.