كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
455

من أرحامه و غيرهم، و لا تجب عليه إذا خدش وجهه في مصاب أحد، أو جز شعره، أو نتفه، و ان أثم إذا كان ذلك من الجزع و عدم الرضا بالقضاء.

و لا تجب الكفارة على المرأة إذا شقت ثوبها لفقد زوجها أو ولدها أو أحد سواهما من الأقارب و الأباعد عنها و لا تجب على الرجل و لا على المرأة إذا شقا لغير مصاب من غضب و نحوه.

المسألة 19:

تجب الكفارة على الرجل إذا شق ثوبه لموت ولده لصلبه سواء كان ذكرا أم أنثى، و تجب عليه إذا شق ثوبه على ولد ولده على الأحوط بل على الأقوى، و لا يترك الاحتياط في ولد البنت.

المسألة 20:

القسم الرابع من الكفارات: كفارة الجمع، و هي ما يجب فيها على المكلف أن يأتي بجميع الخصال التي عينها الشارع في المورد و لا يكفيه أن يأتي ببعض الخصال، و هي كفارتان:

(الأولى): كفارة من قتل مؤمنا عامدا ظالما.

(و الثانية): كفارة من أفطر في صيام شهر رمضان عامدا و كان إفطاره على محرم.

فإذا ارتكب المكلف أحد الأمرين، وجب عليه أن يعتق رقبة مؤمنة، و أن يصوم شهرين متتابعين، و ان يطعم ستين مسكينا على الأقوى في الكفارة الأولى، و على الأحوط لزوما في الكفارة الثانية.

المسألة 21:

تجب كفارة الجمع في قتل المسلم إذا كان القاتل عامدا ظالما، سواء كان المقتول ذكرا أم أنثى، و حرا أم عبدا، و كبيرا أم صغيرا، بل و ان كان جنينا قد ولجته الروح، و سواء كان القاتل أمه أم أباه أم أجنبيا.

المسألة 22:

إذا اشترك جماعة في قتل المسلم و كانوا جميعا عامدين ظالمين وجبت‌

456

كفارة الجمع على كل واحد منهم، و إذا كان بعضهم عامدا في قتله و بعضهم مخطئا، وجبت كفارة الجمع على العامد منهم و وجبت كفارة قتل الخطأ على المخطئ، و قد ذكرناها في المسألة الثالثة.

و إذا كفر أحد القتلة عن نفسه لم تسقط الكفارة عن الآخرين منهم، و إذا دفع أحدهم الكفارة و قصد بها التكفير عن نفسه و عن الآخرين على وجه التشريك لم تجزه كفارته عن نفسه و لا عن الآخرين.

المسألة 23:

إذا أفطر الصائم في نهار شهر رمضان عامدا على محرم، لزمته كفارة الجمع على الأحوط كما ذكرنا، سواء كان المحرم الذي أفطر عليه محرما بالأصالة كالخمر و اللحم غير المذكى و الطعام المغصوب، و كالزنا و اللواط أم كان محرما بالعارض كجماع الزوجة في حيضها أو نفاسها، و أكل لحم الحيوان الجلال و شرب لبنه، بل و أكل ما يضره ضررا لا يتحمل عادة.

المسألة 24:

إذا حلف المكلف بالبراءة من اللّه أو من الإسلام أو من الرسول (ص) أو من الأئمة المعصومين أو من أحدهم (ع) ثم حنث بيمينه، فالأحوط له لزوما أن يطعم عشرة مساكين، يدفع لكل مسكين منهم مدا من الطعام، و يستغفر اللّه سبحانه مما فعل، و قد تقدم هذا في المسألة التاسعة عشرة من كتاب الأيمان.

المسألة 25:

إذا نام الرجل عن صلاة العشاء فلم يصلها، و لم ينتبه من نومه حتى تجاوز نصف الليل، أتي بالصلاة قبل أن يصبح، و عليه أن يصوم ذلك اليوم على الأحوط احتياطا لا يترك، و الظاهر عدم الفرق بين ان ينام عن صلاة العشاء وحدها، و أن ينام عن صلاتي المغرب و العشاء معا، و قد ذكرنا في فصل الأوقات من كتاب الصلاة أن منتصف الليل هو آخر وقت صلاتي العشاءين للمختارين و أن طلوع الفجر آخر وقتهما للمعذورين فليراجع.

457

المسألة 26:

لا يترك الاحتياط بقضاء صوم اليوم في الفرض المتقدم إذا كان المكلف فيه مريضا أو مسافرا سفرا لا يصح فيه الصوم، أو اتفق ذلك للمرأة و حاضت أو تنفست في ذلك اليوم، أو كان يوم عيد و نحوه مما لا يجوز فيه الصوم، فيقضي يوما بدلا عنه على الأحوط.

المسألة 27:

من تزوج امرأة ذات زوج، أو تزوجها و هي في عدة من رجل وجب عليه أن يفارقها، و إذا دخل بها فهما زانيان يجب عليهما الحد و إذا كانا محصنين أو كان أحدهما محصنا فعلى المحصن الرجم و الأحوط للرجل أن يكفر بخمسة أصوع من الدقيق يدفعها لمسكين واحد أو أكثر، و الأقوى عدم وجوب ذلك، و لا فرق في ذات الزوج بين أن يكون نكاحهما دائما أو منقطعا.

المسألة 28:

إذا وطأ الرجل زوجته في أيام حيضها و هو عامد و عالم بتحريم ذلك أثم و استحب له أن يتصدق بدينار إذا كان وطؤه إياها في أول حيضها، و بنصف دينار إذا كان في وسطه، و بربع دينار إذا كان في آخره، و قيل بوجوب ذلك عليه و هو المشهور بين المتقدمين، و الأقوى الاستحباب و قد ذكرنا هذا في فصل أحكام الحيض من كتاب الطهارة.

المسألة 29:

إذا وطأ الرجل أمته و هي حائض تصدق بثلاثة أمداد من الطعام على ثلاثة مساكين و قد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، و الأقوى عدم وجوبه، و لا بأس بأن يؤتى به برجاء المطلوبية.

المسألة 30:

إذا نذر المكلف صوم يوم أو أيام معينة أو غير معينة ثم عجز عن الصيام في الوقت المعين أو عجز عن الصيام مطلقا في النذر المطلق فلم يقدر على الوفاء كان عليه على الأحوط لزوما أن يتصدق عن كل يوم من الأيام التي نذر صيامها بمد من الحنطة، و ورد في بعض النصوص‌

458

أن يعطي من يصوم عنه كل يوم من الأيام المنذورة مدين، و قد ذكرنا هذا في المسألة السبعين من فصل النذر.

الفصل الثاني في أحكام الكفارات

المسألة 31:

يشترط في الرقبة التي تعتق في الكفارة- أي كفارة كانت- أن تكون مسلمة، فلا يجزي في الكفارة عتق المملوك الكافر أو المرتد، و لا يجزي عتق ناصب أو غال أو خارجي، بل الأحوط استحبابا أن تكون الرقبة مؤمنة بالمعنى الخاص.

و لا فرق في المملوك الذي يجزي عتقه بين الذكر و الأنثى و الكبير و الصغير إذا كان أحد أبويه مسلما، فإنه بحكم المسلم، و يستثنى من ذلك كفارة القتل عمدا أو خطأ فالأحوط لزوما فيهما أن يعتق البالغ المؤمن و لا يكتفي بغير البالغ أو غير المؤمن.

المسألة 32:

يشترط في الرقبة التي يراد عتقها في الكفارة- أي كفارة كانت- أن تكون سليمة من العيوب التي يكون حدوثها سببا لانعتاق المملوك قهرا على المالك، كالعمى و الإقعاد و الجذام، و أن لا تكون قد نكل بها المالك أو مثل فقطع بعض أعضاء العبد مثلا أو جدع أنفه فإن العبد ينعتق بذلك قهرا على المالك، فلا يتحقق بعد ذلك عتقه عن الكفارة بل و لا يصح و ان كان تنكيله به بقصد عتقه بذلك للكفارة، فإن العمل المحرم لا يمكن أن يكون مقربا.

و إذا حدث في العبد أحد العيوب التي لا توجب الانعتاق كالصمم و الخرس و العرج و العور و فقد بعض القوى و لم يكن حدوث ذلك بفعل المالك و تنكيله بل حدث بعروض بعض الأمراض أو الطواري لم يخرج العبد بذلك عن ملك سيده فيصح له عتقه في الكفارة، و كذلك إذا نكل به غير مولاه.

459

المسألة 33:

يجزي في الكفارة أن يعتق المكلف عبده الآبق منه و ان لم يعلم موضع العبد في أي بلد من البلدان أو أي قطر من الأقطار، و يعتبر على الأحوط في اجزاء عتقه في الكفارة أن تقوم عند مالكه بعض القرائن و الامارات على أن العبد لا يزال حيا كما إذا أخبره أحد برؤيته أو حصل له ظن بوجوده من بعض الملابسات و القرائن.

المسألة 34:

العبد المدبر هو المملوك يقول له سيده أنت حر بعد موتي، أو أنت حر إذا حدث علي حادث الموت و أمثال ذلك، فيتشبث من أجل ذلك بالحرية، و لا يجزيه عتقه في الكفارة، لأن ملك سيده له غير تام بعد هذا الإيقاع إلا إذا نقض السيد تدبيره و أرجعه إلى ملكه، فيكفيه عتقه في الكفارة حين ذلك.

المسألة 35:

العبد المكاتب هو الذي يكاتبه سيده و يوقع المعاملة معه على أن يدفع للسيد عوضا معينا إلى أجل معين، و يكون حرا إذا وفى لسيده بذلك.

و المكاتبة تقع على نحوين: مطلقة و مشروطة، فالمكاتبة المطلقة هي التي تكون سببا لتحرير العبد بنسبة ما يؤديه من مال الكتابة لسيده، فإذا أدى خمس المال مثلا انعتق خمس العبد، و إذا أدى الربع انعتق منه الربع، و إذا أدى النصف أو الثلثين من المال انعتق نصف العبد كذلك أو ثلثاه من العبودية، و إذا أدى جميع العوض انعتق جميعه.

و المكاتبة المشروطة هي المعاملة التي يشترط السيد فيها على العبد أن يؤدي جميع المال بحيث لا يتحرر من العبد شي‌ء حتى يؤدي العوض كله و ان أدى بعضه أو أكثره.

و نتيجة لذلك، فإذا كان المكاتب مطلقا ثم أدى بعض المال انعتق منه جزء بنسبة ما أداه إلى مجموع العوض، و لذلك فلا يجزيه إذا أعتقه في الكفارة، لأن السيد لا يملك رقبته كلها و لا يكون عتقه عتق رقبة تامة، و إذا كان المكاتب مطلقا و لم يؤد من مال الكتابة شيئا، أو كانت‌

460

المكاتبة مشروطة بأداء جميع العوض، فالعبد لا يزال كله مملوكا لسيده، فإذا أعتقه فقد أعتق رقبة تامة و كفاه ذلك عن الكفارة، أي كفارة كانت.

المسألة 36:

الأمة المستولدة هي المملوكة التي تحمل من سيدها بوطئه إياها بالملك، فيكون حملها منه سببا لتعلق أحكام خاصة بها، و لكنها لا تخرج بالاستيلاد عن ملك سيدها، و لذلك فيجوز له عتقها، و يكفيه عتقها عن الكفارة.

المسألة 37:

الكفارة عبادة من العبادات، سواء كانت مترتبة في الخصال أم مخيرة ما بينها، أم مخيرة مرتبة، أم كفارة جمع، فإذا وجبت على المكلف احدى الكفارات و أراد امتثالها فلا بد في صحة امتثاله من النية حين يدفع الخصلة المعينة أو المخيرة، فيعتبر فيها أن يقصد العمل الذي يأتي به عتقا مثلا أو صياما، أو إطعاما، و أن يقصد القربة بفعله امتثالا لأمر اللّه به و أن يقصد أن ما يأتي به هو الكفارة الخاصة التي وجبت عليه.

المسألة 38:

إذا وجبت على المكلف كفارات متعددة، فإن كانت من أنواع متعددة وجب عليه في النية أن يعين النوع الخاص الذي يؤدي الكفارة عنه، و مثال ذلك أن تكون على الرجل كفارة يمين، و كفارة مخالفة نذر، و كفارة ظهار، فإذا أراد عتق رقبة للوفاء بإحدى الكفارات التي وجبت عليه أو أراد إطعاما وجب عليه أن يعين الكفارة التي يؤدي عنها، و إذا هو أعتق الرقبة أو أطعم المساكين و لم يعين الكفارة التي أدى عنها لم يجزه عمله عن شي‌ء منها.

و ان كانت الكفارات التي وجبت على المكلف كلها من نوع واحد، كفاه أن يدفع الكفارة وفاء عن النوع الذي في ذمته، و لم يجب عليه أن يعين الفرد الخاص، و مثال ذلك أن تكون عليه عدة كفارات لافطار أيام من شهر رمضان من سنة واحدة أو أكثر، فإذا أعتق رقبة أو أطعم‌

461

ستين مسكينا كفاه في صحة عمله أن يقصد أن ما يأتي به كفارة عن الإفطار، و لا يجب عليه أن يقصد انها كفارة عن الإفطار في أي يوم و من أي سنة مثلا.

المسألة 39:

إذا وجبت على المكلف كفارة واحدة و نسي انها من أي نوع من أنواع الكفارات، فإذا كانت الأنواع التي يحتمل وجوبها عليه متحدة في الخصال كفاه في الامتثال أن يأتي بالخصلة وفاء عما في ذمته، و مثال ذلك ان يعلم بوجوب كفارة عليه و لا يدري انها كفارة إفطار يوم من شهر رمضان أو كفارة اعتكاف أو كفارة مخالفة عهد فيجزيه أن يأتي ببعض الخصال المخيرة بقصد الأداء عما في ذمته.

و كذلك إذا تردد في الكفارة التي في ذمته هل هي كفارة ظهار أو كفارة إفطار يوم من شهر رمضان، و أراد العتق فيكفيه أن يعتق الرقبة للوفاء عما في ذمته من الكفارة.

و إذا اختلفت الأنواع التي يحتمل وجوبها عليه في الخصال وجب عليه الاحتياط فيجمع بين الخصال التي يحتمل وجوبها عليه و مثال ذلك أن يتردد في الكفارة التي وجبت عليه بين أن تكون كفارة ظهار أو كفارة إفطار في قضاء شهر رمضان فيجب عليه أن يعتق رقبة لاحتمال كونها كفارة مظاهرة، و أن يطعم عشرة مساكين لاحتمال كونها كفارة إفطار في قضاء الشهر، و إذا عجز عن عتق الرقبة وجب عليه ان يصوم شهرين متتابعين لاحتمال الأولى و ان يطعم عشرة مساكين لاحتمال الثانية.

المسألة 40:

يتعين على الرجل إذا وجبت عليه كفارة ظهار أو كفارة قتل خطأ، أن يعتق رقبة مؤمنة، على ما تقدم بيانه في الكفارة المرتبة الخصال في المسألة الثالثة، و لا يجزي عنه أن يأتي بغير العتق من خصال الكفارة، فإذا عجز عن عتق الرقبة، وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، و تعين عليه ذلك، فلا يجزي عنه في الوفاء بتكليفه أن يطعم المساكين، فإذا عجز عن الصوم تعين عليه ان يطعم ستين مسكينا.

462

و يتحقق عجز المكلف عن عتق الرقبة بعدم وجود رقبة مؤمنة لتعتق، أو لتشتري ثم تعتق، و يتحقق كذلك بعدم وجود ثمنها عند المكلف، و بعدم قدرته على شرائها و ان كان ثمنها موجودا لديه، و يتحقق عجزه كذلك عن عتق الرقبة مع وجودها عنده بحاجة المكلف الى خدمتها لعلو شأن و رفعة مقام عن مباشرة الأشياء بنفسه فلا بد له من مملوك يباشر خدمته و يقوم بشؤونه، أو لضرورة أخرى من كبر سن أو مرض أو شلل أو زمانة أو غير ذلك مما يضطره الى وجود مملوك يدبر أمره و يقوم بخدمته.

و المدار في جميع ذلك أن يكون عتق الرقبة الموجودة عنده موجبا للحرج و العسر عليه.

و يتحقق العجز عن العتق مع وجود ثمن الرقبة عند المكلف إذا كان بحاجة إلى الثمن لنفقته أو نفقة من تجب عليه نفقته أو لأداء ديونه، أو للوفاء ببعض الواجبات التي يجب عليه صرف المال فيها، بحيث يكون صرف المال في شراء الرقبة و عتقها موجبا للعسر و الحرج عليه.

المسألة 41:

لا تصرف في شراء الرقبة و عتقها مستثنيات الدين، و هي الأشياء التي يكون بيعها في وفاء الدين أو في شراء المملوك و عتقه في الكفارة موجبا لوقوع المكلف في العسر و الحرج و قد ذكرناها مفصلة في كتاب الدين في المسألة الثامنة عشرة و في مواضع كثيرة أخرى فليراجعها من أراد.

المسألة 42:

إذا وجدت الرقبة المملوكة للبيع و كان المكلف ممن يجد ثمنها و يتمكن من شرائها وجب عليه ان يشتري الرقبة و يعتقها في الكفارة و ان كان الثمن الذي تباع به أكثر من ثمن المثل، إلا إذا كان بذل ذلك الثمن موجبا للعسر و الحرج عليه فيسقط عنه الوجوب لذلك.

المسألة 43:

إذا وجدت الرقبة المملوكة للبيع و كان للمكلف مال غائب يرجو وصوله اليه وجب عليه ان ينتظر و لا يكون بذلك عاجزا عن العتق‌

463

لينتقل حكمه الى الصوم، حتى ييأس من وصول المال اليه أو من شراء العبد، و كذلك الحكم إذا وجد لديه الثمن و لم توجد الرقبة بالفعل و لكنه يتوقع وجودها و التمكن من شرائها فيجب عليه الانتظار و لا يكون بذلك عاجزا عن عتق الرقبة حتى يحصل له اليأس أو تطول المدة جدا بحيث يعد التأخير تسويفا بالواجب أو يكون التأخير موجبا للحرج على المكلف، و مثال ذلك ما إذا كان المظاهر شديد الشبق بحيث يكون تأخير التكفير و الجماع موجبا للعسر عليه و الوقوع في الضيق، و لا يمكنه سد حاجته بطريق محلل آخر، فلا يجب عليه الانتظار و ينتقل حكمه الى التكفير بصوم شهرين متتابعين و ان عسر عليه ذلك انتقل إلى الإطعام و كذلك في الفرض السابق.

المسألة 44:

إذا عجز المكلف عن صيام شهرين متتابعين في الكفارة المرتبة و لم يستطع ذلك وجب عليه أن يطعم ستين مسكينا، و تعين عليه ذلك، و يتحقق عجزه عن الصيام إذا كان مريضا مرضا يمنعه من الصوم، و إذا خاف مع الصوم من حدوث مرض مانع منه، أو خاف زيادة مرضه أو طول مدته أو عسر علاجه، و قد ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب الصوم فليرجع إليه في فصل شرائط صحة الصوم و شرائط وجوبه.

المسألة 45:

لا يكفي في تحقق العجز وجود المرض المانع من الصوم في الحال أو خوف حدوثه أو خوف زيادته أو طول مدته أو عسر علاجه كذلك إذا كان يرجو البرء و تغير الحال و تجدد القدرة على الصوم في ما يأتي من الوقت، فلا بد مع وجود ذلك في الحال من اليأس من زوال العذر.

و إذا يئس من البرء أو ظن عدم البرء من المرض و استمرار العذر فأطعم ستين مسكينا، ثم زال العذر و أمكنه الصوم وجب عليه صيام شهرين متتابعين و لم يكفه الإطعام الذي أتى به.

المسألة 46:

إذا كان صوم الشهرين المتتابعين يوجب العسر و الحرج على المكلف‌

464

و الوقوع في المشقة الشديدة التي لا تتحمل عادة، سقط عنه وجوب الصوم و تحقق العجز عنه و انتقل فرضه إلى إطعام المساكين.

المسألة 47:

إذا حاضت المرأة أو تنفست وجب عليها الإفطار إذا كانت صائمة، و كان لها ذلك عذرا شرعيا، فلا ينقطع بإفطارها تتابع الصوم إذا كان مما يجب فيه التتابع، و قد ذكرنا هذا في كتاب الصوم و في كتاب النذر و في مواقع أخرى، و لذلك فلا يكون طروء الحيض أو النفاس على المرأة موجبا لعجزها عن صوم الكفارة، و انتقال حكمها إلى الإطعام، بل يجب عليها أن تصوم بعد ارتفاع الحدث عنها و تبني على صيامها المتقدم الى أن تتم الشهرين المتتابعين، و كذلك إذا أفطر المريض لعروض مرض يوجب له الإفطار كان له ذلك عذرا شرعيا فلا ينقطع بإفطاره تتابع الصوم و قد ذكرنا ذلك في المسألة المائتين و الثالثة و العشرين من كتاب الصوم. و كذلك السفر الذي يسلب من المكلف اختياره و يكون فيه مقسورا على قطع المسافة كما ذكرناه في المسألة الثانية و الثمانين من فصل النذر، فلا يكون إفطاره في هذا السفر موجبا لقطع التتابع في صوم الكفارة، بل يبني على صومه بعد ارتفاع العذر الى أن يتم الشهرين، و لا يكون عروض مثل هذا السفر موجبا للعجز عن الصيام المتتابع و انتقال حكمه الى الإطعام كما إذا فرض عروض ذلك له في كل شهر.

المسألة 48:

انما يكون الحيض أو النفاس عذرا شرعيا لا ينقطع به التتابع في الصوم إذا لم يكن حدوثهما بفعل المرأة نفسها، فإذا تناولت المرأة بعض الحبوب أو المستحضرات فأنزلت الحيض أو النفاس عليها باختيارها و أفطرت من صومها لذلك انقطع تتابع صومها بذلك على الظاهر، و كذلك المريض إذا أمرض نفسه بفعل نفسه، فيكون إفطاره بسبب هذا المرض الطاري عليه بفعله موجبا لانقطاع تتابع الصوم.

المسألة 49:

إذا سافر المكلف في أثناء صومه فأفطر انقطع بإفطاره تتابع صومه‌

465

سواء كان مختارا في سفره أم مضطرا اليه، الا إذا كان اضطراره بنحو القسر الذي يسلبه الاختيار فيه، كما ذكرناه في المسألة السابعة و الأربعين هنا، و في المسألة الثانية و الثمانين من فصل النذر.

المسألة 50:

المدار في القدرة و العجز في الكفارة المرتبة، عليهما في وقت أداء الكفارة لا في وقت وجوبها على المكلف، فإذا وجبت عليه كفارة الظهار مثلا و كان في وقت وجوبها عليه قادرا على ان يعتق رقبة لتيسر وجود الرقبة و وجود ثمنها، فتأخر في أداء الكفارة حتى فقدت الرقبة أو انعدم ثمنها لديه و أصبح غير قادر على العتق، وجب عليه صيام الشهرين و سقط عنه وجوب العتق.

و إذا كان عند وجوب الكفارة عليه عاجزا عن العتق، فلم يبادر بالصوم ثم وجدت الرقبة و أصبح قادرا على عتقها، لزمه العتق، و لم يكفه الصوم.

المسألة 51:

إذا عجز المكلف عن عتق الرقبة في الكفارة المرتبة و أصبح غير قادر عليه في نظر أهل العرف، و ابتدأ بصوم الشهرين المتتابعين، فصام أياما أو ساعات من يوم، ثم وجد الرقبة و أصبح قادرا على عتقها كفاه أن يتم الصوم و لم يجب عليه عتق الرقبة على الأقوى، و يجوز له رفع اليد عن الصوم و اختيار العتق، بل الظاهر أن ذلك هو الأفضل، و إذا انقطع تتابع الصوم لبعض الطواري، وجب عليه العتق إذا كان لا يزال قادرا عليه و لم يكفه أن يعيد الصيام.

و إذا عجز عن صوم الشهرين المتتابعين لبعض الأعذار الآنف ذكرها، فشرع في إطعام المساكين ثم زال العذر و أصبح قادرا على الصوم، فلا بد له من صوم الشهرين و لم يكفه الإطعام كما مر ذكره في المسألة الخامسة و الأربعين.

المسألة 52:

إذا أفطر الصائم في قضاء شهر رمضان عامدا بعد الزوال، وجبت‌

466

عليه الكفارة التي ذكرناها في المسألة الثالثة، و هي كما تقدم مرتبة من خصلتين، فيتعين عليه أن يطعم عشرة مساكين، و لا يجزيه أن يصوم ثلاثة أيام إلا بعد العجز عن الإطعام و يجري الترتيب بين الخصلتين على نحو ما ذكرناه في الكفارة المرتبة قبلها و تجري فيه أحكامها.

المسألة 53:

إذا وجبت على الرجل كفارة حنث اليمين أو ما هو بحكمه كالإيلاء من الزوجة و مخالفة النذر، جرى فيها حكمها المتقدم بيانه في المسألة الرابعة عشرة، و قد مر أن هذه الكفارة مخيرة مرتبة، فيتخير فيها بين أن يعتق رقبة مؤمنة و أن يطعم عشرة مساكين و أن يكسوهم، و لا يتعين عليه العتق إذا كان قادرا عليه، و لا يتقدم بعض هذه الخصال الثلاثة على بعض، فإذا عجز عن هذه الخصال جميعا و لم يتمكن من الإتيان بأي واحدة منها تعين عليه أن يصوم ثلاثة أيام، و يجري الترتب بين مجموع الخصال المتقدمة و الصيام على نحو ما تقدم في الكفارة المرتبة و تنطبق أحكامها.

المسألة 54:

يجب التتابع في صوم الشهرين في كفارة الظهار من الزوجة، و في كفارة القتل خطأ، و في الكفارة المخيرة و في كفارة الجمع، و يجب التتابع في صوم الشهر في كفارة العبد المملوك إذا ظاهر من زوجته، و في صوم الأيام الثلاثة في كفارة اليمين و ما بحكمه، و في صوم الأيام الثلاثة التي يجب صومها على المتمتع بالحج إذا لم يجد الهدي الواجب عليه في حجه، عدا ما استثني، و قد ذكرناها و ذكرنا مورد الاستثناء فيها في كتاب الصوم و في كتاب الحج. و لا يجب التتابع على الأقوى في صوم باقي الكفارات، و ان كان الأحوط استحبابا للمكلف أن يتابع الصوم في جميعها.

المسألة 55:

التتابع في الصوم هو أن يوالي المكلف بين أيام الصوم، فلا يتخلل ما بينها إفطار لا يعذر فيه شرعا، و لا يتخلل ما بينها صوم آخر لا يعذر فيه كذلك، فإذا أخل بالتتابع في الموارد التي يجب التتابع فيها، وجب‌

467

عليه أن يستأنف الصوم متتابعا، فإذا ابتدأ في صوم ثلاثة أيام لكفارة اليمين مثلا و أفطر في أثنائها لا لعذر أو صام في أثنائها صوما آخر معينا أو غير معين بطل صوم تلك الكفارة و وجب عليه استئنافها و ان كان الصوم الذي أتى به في أثنائها صوم شهر رمضان أو صوم كفارة غيرها أو صوم نذر معين أو غير معين.

و قد ذكرنا بعض الموارد التي يعذر المكلف فيها بتخلل الإفطار في صومه في المسألة السابعة و الأربعين و الثامنة و الأربعين و ما بعدهما، فلا يكون إفطاره فيها مخلا بالتتابع، و ذكرنا أيضا بعض الموارد التي يعذر المكلف فيها بتخلل الصوم الآخر في المسألة الثامنة و الثمانين من فصل النذر، فلا يكون مخلا بالتتابع، فليلاحظ ذلك، و لعلنا نذكره قريبا على نحو الاجمال.

المسألة 56:

إذا وجب على الإنسان صوم متتابع، كفارة أو غيرها، فلا يجوز له أن يجعل صيامه في زمان يعلم بأنه لا يقدر على الإتيان بالصوم فيه متتابعا، فإذا وجب عليه صوم شهرين متتابعين لم يجز له أن يبتدئ صومه في أول شهر شعبان، لدخول شهر رمضان عليه قبل أن يحصل له شرط التتابع في صومه، و لم يجز له ان يبتدئ صومه في شهر قد نذر صوم يوم منه أو أكثر، و لم يجز له أن يبتدئ صومه في شهر يكون فيه أحد العيدين و أيام التشريق إذا كان بمنى ناسكا أو غير ناسك.

المسألة 57:

لا تخل المنافيات بتتابع الصوم إذا وقعت من المكلف على سبيل الالتجاء و عدم الاختيار كما إذا قسره المتغلب على أمره فأوقعه في الإفطار مجبرا من غير اختيار له في ذلك، فلا ينقطع بذلك تتابع صومه، و قد تقدم حكم السفر مع الاضطرار القاسر، و حكم المرض و عروض الحيض أو النفاس إذا لم يكن حدوثها بفعل المكلف نفسه و لا يضر بتتابع الصوم ما إذا نسي المكلف نية الصوم في بعض الأيام المتتابعة حتى فات وقت النية فلم يتذكرها الا بعد الزوال، فيبطل بذلك صوم اليوم و لا ينقطع به تتابع الصوم، و لا يضر بالتتابع أن ينسى فينوي صوما آخر و لا‌

468

يتذكر الا بعد الزوال، و قد تقدم أيضا حكم من نذر أن يصوم كل خميس ما دام حيا، ثم وجب عليه صوم الشهرين المتتابعين للكفارة أو النذر أو ما هو أقل من الشهرين أو أكثر، فيصوم كفارته متتابعة، و يصوم أيام الخميس منها لنذره السابق و لا يكون صومها مخلا بالتتابع، و لكنه يخل بصوم الأيام الثلاثة و نحوها إذا كانت متتابعة فيجب عليه أن يصومها متتابعة في غير الخميس بأن يجعل آخرها يوم الأربعاء مثلا.

المسألة 58:

يحصل التتابع الشرعي في صيام الشهرين للكفارة بأن يصوم المكلف منها شهرا و يوما متتابعا، فإذا أتم ذلك و تابع فيه جاز له تفريق الصوم في بقية الشهر الثاني، و لا يضره ذلك و ان حصل منه اختيارا من غير عذر سواء كانت الكفارة مرتبة أم مخيرة.

و إذا وجب على المكلف صوم شهرين متتابعين بالنذر أو الحلف أو العهد، و قصد بنذره أو يمينه التتابع الشرعي جاز أن يفعل كذلك، فيصوم شهرا و يوما متتابعا، ثم يفرق الصوم في بقية الشهر الثاني، و إذا قصد بنذره التتابع في جميع الأيام أو كان ذلك هو الذي ينصرف اليه لفظ النذر كما إذا نذر التتابع العرفي أو نذر أن يصوم شهرين هلاليين متصلين وجب عليه ان يصوم جميع أيام الشهرين متتابعة و لم يجز له التفريق مطلقا.

و كذلك إذا نذر أن يصوم شهرا متتابعا جرى فيه التفصيل المتقدم فان قصد التتابع الشرعي جاز له أن يصوم منه خمسة عشر يوما متتابعة، ثم يفرق صوم الباقي من الشهر، و ان قصد التتابع في جميع الأيام أو كان ذلك هو المنصرف اليه من لفظ النذر كما إذا نذر صوم شهر هلالي وجب عليه التتابع في الجميع و لم يجز له التفريق، و حكم اليمين و العهد هو حكم النذر.

و لا يجري الحكم المذكور في بقية أفراد الصوم المتتابع فلا يجوز له أن يصوم أكثر من نصفه متتابعا و يفرق بقية أيامه.

469

المسألة 59:

إذا وجب على الإنسان صوم شهرين متتابعين للكفارة، و ابتدأ بصومهما في أول الشهر القمري أجزأه أن يصوم شهرين هلاليين سواء كانا تامين أم ناقصين، و إذا شرع في صومهما في أثناء الشهر فالأحوط له لزوما أن يتم كل واحد من الشهرين ثلاثين يوما و لم يجزه إتمام الشهر الهلالي إذا كان ناقصا.

المسألة 60:

إذا نذر الإنسان أو حلف أن يصوم شهرين متتابعين اتبع قصده الخاص، فان قصد صوم ما يسمى شهرا عند أهل العرف سواء كان عدديا أم هلاليا، جرى فيها الحكم الآنف ذكره في الكفارة فإذا ابتدأ بالصوم في أول الشهر القمري كفاه أن يصوم شهرين هلاليين و ان كانا ناقصين، و إذا شرع فيه في أثناء الشهر لزمه على الأحوط أن يصوم كل واحد من الشهرين ثلاثين يوما، و ان قصد الشهر العددي وجب ان يتم كل شهر منهما ثلاثين يوما و ان شرع في صومه في يوم الهلال، و إذا أطلق نذره أو حلفه و لم يعين شيئا انصرف الى الأول و جرى عليه حكمه، و ان كان الأحوط له استحبابا ان يتم كل شهر منهما ثلاثين يوما.

المسألة 61:

إذا وجب على الشخص صوم شهرين متتابعين، أمكن له أن يبدأ صوم الشهرين قبل أن يهل شعبان بيومين، فإذا صام كذلك فقد أحرز أنه صام قبل شهر رمضان شهرا و يوما و حصل له التتابع الشرعي في صومه فلا يضره دخول شهر رمضان بعد ذلك، فإذا أتم صوم شهر رمضان صام بعد العيد بقية الشهرين متتابعة إذا شاء أو متفرقة، و لا يكفيه أن يبدأ بصوم الشهرين في أول شهر شعبان فان تتابع صومه ينقطع بدخول شهر رمضان سواء كان شهر شعبان تاما أم ناقصا لعدم حصول التتابع الشرعي، و لا يكفيه أن يبدأ بصوم الشهرين قبل شهر شعبان بيوم واحد، فقد ذكرنا في المسألة التاسعة و الخمسين ان المكلف إذا ابتدأ بالصوم في أثناء الشهر، فلا بد له من إكمال الشهر ثلاثين يوما و لا يكفيه الشهر الهلالي‌

470

و نتيجة لذلك، فلا بد للمكلف بالشهرين المتتابعين من أن يبتدئ بصومهما قبل أول شعبان بيومين، و هذا إذا لم يحصل له التفريق بعروض مرض أو حيض أو نفاس في هذه المدة، و إذا اتفق له ذلك فأفطر أياما بسبب أحد هذه الأعذار لم يكفه ذلك بلا ريب، و على وجه الاجمال فلا يصح له الصوم المتتابع حتى يكمل صوم واحد و ثلاثين يوما تامة غير الأيام التي يفطرها لهذه الأعذار.

و يجوز له أن يبدأ بصوم الشهرين قبل عيد الأضحى بواحد و ثلاثين يوما ليحصل له بذلك التتابع الشرعي كما تقدم، و لا يكفيه أن يصوم قبل العيد بثلاثين يوما و ان كان شهر ذي القعدة ناقصا، و الكلام في هذا الفرض هو الكلام في نظيره السابق.

المسألة 62:

يتضح مما تقدم أن المكلف متى ابتدأ بصوم الشهرين المتتابعين في أثناء الشهر وجب عليه ان يتم صوم الشهرين ستين يوما تامة، سواء أتى بالجميع متتابعة، أم تابع في الواحد و الثلاثين يوما الأولى منها، و فرق الصوم في الباقي، و سواء عرض له بعض الأعذار المسوغة فأفطر في الأثناء أم لا.

المسألة 63:

إذا وجب الإطعام في الكفارة على المكلف معينا أو مخيرا بينه و بين غيره، تخير المكلف بين أن يشبع المسكين و أن يدفع اليه المقدار المحدد عليه شرعا من الطعام، و أن يشبع بعض العدد الذي يجب عليه أن يطعمه من المساكين، و يسلم الطعام الى البعض الآخر، فإذا وجب عليه إطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين مثلا، جاز له أن يشبع جميع العشرة، و أن يدفع إليهم القدر المعين من الطعام، و أن يشبع خمسة مساكين منهم، و يسلم المقدار الواجب من الطعام إلى الخمسة الآخرين، و كذلك إذا وجب عليه إطعام ستين مسكينا في كفارة إفطاره في شهر رمضان، فيصح له أن يدعو الرجال الى بيته مثلا فيشبعهم، و يسلم الى النساء ما يجب دفعه إليهن حتى يتم إطعام الستين.

471

المسألة 64:

ليس للإشباع في الكفارة أو في غيرها قدر محدد، بل المدار أن يبذل المكلف طعامه للمسكين، و يأكل المسكين من الطعام حتى يكتفي، سواء قل ما يأكله أم كثر، و ما زاد من الطعام على أكل المساكين فهو لا يزال ملكا لصاحب الطعام يصنع به ما يشاء.

و إذا اختار المكلف أن يسلم الطعام الى المساكين وجب عليه أن يدفع الى كل مسكين منهم مدا من الطعام و لا يجزيه أن يدفع إليه أقل من ذلك و هذا هو المقدار المحدد للمسكين الواحد في جميع الكفارات غير كفارة الظهار، فإن الأحوط فيها أن يدفع لكل مسكين مدين من الطعام و لا يترك فيها هذا الاحتياط، و الأحوط استحبابا أن يدفع للمسكين مدين في جميع الكفارات.

المسألة 65:

المد الذي يجب على المكلف دفعه الى المسكين في الكفارة يبلغ مائة و ثلاثة و خمسين مثقالا صيرفيا و ثلاثة عشر حمصة و نصفا، و الحمصة هي جزء واحد من أربعة و عشرين جزءا من المثقال الصيرفي الواحد، و هو ربع الصاع الشرعي الذي يجب دفعه في زكاة الفطرة.

و المدان اللذان يلزمه دفعهما الى المسكين الواحد في كفارة الظهار على الأحوط يبلغان ثلاثمائة و سبعة مثاقيل صيرفية و ثلاث حمصات، و هما نصف الصاع، و إذا دفع المكلف الى المسكين في كفارة الظهار كيلو غرام و نصفا، فقد زاد على المدين بضعة عشر مثقالا صيرفيا، و إذا دفع إليه ثلاثة أرباع الكيلو في الكفارات الأخرى فقد زاد على المد الواجب بضعة مثاقيل، و لتراجع المسألة المائة و الخامسة و الثلاثين من كتاب الصوم.

المسألة 66:

يجب في الإطعام في الكفارة أن يتم عدد المساكين الذين يطعمهم المكلف في كفارته من غير فرق بين الإشباع و التسليم، فإذا أشبع المكلف المسكين الواحد مرتين أو دفع اليه مدين لم يكفه ذلك عن إطعام مسكينين في حال الاختيار و وجود العدد، و إذا أطعم في كفارة اليمين و شبهها أو‌

472

في كفارة الإفطار في قضاء شهر رمضان، وجب عليه أن يتم عدد المساكين عشرة، و لا يكفيه أن يشبع خمسة مساكين مرتين أو يدفع لكل واحد من الخمسة مدين.

و كذلك إذا أطعم في كفارة الإفطار في شهر رمضان أو كفارة الظهار أو القتل، فلا يجزيه إطعام المسكين الواحد عن أكثر من مسكين واحد و ان كرر له الإشباع أو ضاعف له الأمداد.

المسألة 67:

لا يجب أن يكون إطعام المساكين في الكفارة الواحدة في وقت واحد أو في مكان واحد أو أن يكون طعامهم من جنس واحد، أو أن يكونوا من أهل بلد واحد، فإذا فرق كفارته في عدة قرى أو عدة بلاد و أوقات أجزأه ذلك و أبرأ ذمته.

المسألة 68:

يكفي المكلف أن يشبع المسكين مرة واحدة، فإذا أطعمه غداءا أو عشاء أو فطورا أو سحورا، و أشبعه كفاه ذلك عن إطعام مسكين، و أفضل من ذلك أن يشبعه في يومه و ليلته.

المسألة 69:

يجزيه في إطعام المسكين أن يشبعه بما يتعارف عند الغالب من الناس في أطعمتهم و أقواتهم و ما اعتادوا أن يأكلوه و يقتاتوا به و يطعموه أهليهم من أجناس المأكولات و أنواعها: مطبوخات و مشويات و مخبوزات و غيرها، و يكفيه أن يشبعه من خبز الحنطة وحده و من خبز غيرها كالشعير و الذرة و الدخن و أشباهها، إذا كان متعارفا و قوتا لغالب الناس، و الأفضل أن يضيف إليه إداما يأكله معه، و قد ورد في النصوص أن أدنى الإدام الملح و أوسطه الخل و أرفعه اللحم، و الروايات المذكورة واردة في ما كان متعارفا في زمان صدورها.

المسألة 70:

لا يترك الاحتياط في كفارة اليمين و ما بحكمها من كفارة الإيلاء و نحوها، بأن يكون المد الذي يدفعه الى المسكين من الحنطة أو دقيقها‌

473

أو خبزها أو من التمر، و يجزي في غيرها من الكفارات أن يدفع للمسكين ما يسمى طعاما كالحنطة و الشعير و دقيقهما و خبزهما و الأرز و التمر و الزبيب و الماش و العدس، بل و الأقط و الذرة و الدخن إذا كان ذلك قوتا معتادا.

المسألة 71:

يجوز للمكلف أن يطعم الأطفال المساكين في الكفارة، فإذا كان إطعامه إياهم بنحو الإشباع احتسب كل اثنين من الصغار بواحد على الأحوط لزوما، من غير فرق بين أن يشبعهم مختلطين مع الكبار أم منفردين عنهم، و من غير فرق بين الإناث و الذكور، و اما الطفل الرضيع و شبهه الذي قد يأكل القليل من الطعام، فلا يحتسب بشي‌ء.

و إذا كان إطعامه إياهم بدفع الطعام إليهم، وجب عليه أن يدفع للمسكين الصغير بقدر ما يدفع للكبير، فيدفع اليه مدين في كفارة الظهار و مدا واحدا في سائر الكفارات، و يحتسبه مسكينا واحدا كما يحتسب الكبير، و لا فرق كذلك بين الإناث و الذكور، و لا يدفع للرضيع و شبهه شيئا، و لا يحتسبه مسكينا إذا دفع إليه.

المسألة 72:

يجوز للمكلف أن يطعم المجنون من الكفارة إذا كان مسكينا، فيشبعه كما يشبع المساكين الآخرين، و يدفع له المد أو المدين كما يدفع للآخرين، و يحتسبه من عدد المساكين.

المسألة 73:

يجب أن يكون دفع المد أو المدين إلى ولي الصغير و ولي المجنون، و لا يجزيه ما يدفعه الى الصغير نفسه أو الى المجنون بغير اذن وليه، و لا يشترط في اشباعهما أن يستأذن الولي بذلك على الأقوى.

المسألة 74:

إذا سلم المكلف المد أو المدين في الكفارة إلى المسكين ملكه بالقبض، و جاز له أن يتصرف فيه بما يريد، فيجوز له أن يأكله و أن يطعمه لعياله أو لغيرهم و أن يبيعه أو يهبه أو يتصدق به و لا يتعين عليه الأكل.

474

المسألة 75:

إذا وجبت على الشخص عدة كفارات متفقة أو مختلفة، جاز له أن يطعم المسكين الواحد مرة واحدة في كل واحدة من الكفارات الواجبة عليه، فإذا كانت عليه عشر كفارات يمين أو عشر كفارات إفطار من شهر رمضان، صح له أن يدفع للمسكين عشرة أمداد، من كل كفارة مد، و صح له أن يشبعه عشر مرات، كل إشباعه من كفارة، فإذا وجد في البلد ستون مسكينا و كان الشخص مكلفا بثلاثين كفارة للإفطار في رمضان، كفاه أن يطعم الستين مسكينا ثلاثين مرة، اما بالإشباع أو بالتسليم، و يجوز له أن يدفع الأمداد للمسكين في الفروض الآنف ذكرها في وقت واحد.

المسألة 76:

المسكين الذي يجب إطعامه في الكفارة- أي كفارة كانت- هو الذي لا يملك قوت سنته لنفسه و لمن يعوله، لا بالفعل و لا بالقوة، و هو الفقير الذي يستحق الزكاة و يستحق زكاة الفطرة و قد تعرضنا لذكره مفصلا في المسألة المائة و الخامسة و العشرين و ما بعدها من كتاب الزكاة في فصل مصارف الزكاة، فليرجع إليها من أراد التفصيل.

و يشترط فيه أن يكون مسلما بل و يعتبر فيه أن يكون مؤمنا بالمعنى الأخص، نعم يجوز إعطاء المستضعفين و من لا يعرف بالنصب لأهل البيت (ع).

المسألة 77:

لا يشترط في مستحق الكفارة أن يكون عادلا، بل و لا يعتبر فيه أن يكون غير فاسق، و يمنع منها إذا كان متجاهرا بالفسق و بارتكاب المنكرات أو بترك الواجبات، و لا تدفع إليه إذا كان ممن يستعين بها و بأمثالها على فعل المعاصي، و ممن يكون الدفع إليه اعانة له على الإثم أو إغراء له بالقبيح.

المسألة 78:

لا يجوز للمكلف أن يدفع كفارته أو يصرفها على من تجب نفقته عليه، و هم الأب و الأم و الجد و ان علا بأكثر من واسطة، و الأولاد و ان‌

475

كانوا بواسطة أو أكثر، ذكورا و إناثا، و المملوك، و الزوجة التي يكون نكاحها دائما.

و يجوز له دفع الكفارة لزوجته إذا كان نكاحها منقطعا و لسائر أرحامه و أقاربه الذين لا تجب عليه نفقتهم كالإخوة و الأخوات و أبنائهم و الأعمام و الأخوال و أبنائهم.

المسألة 79:

يجوز إعطاء الكفارة للهاشمي على الأقوى و ان كان الدافع لها غير هاشمي و ان كان الأحوط استحبابا الترك من الدافع و الاجتناب من المدفوع اليه الا عند الضرورة.

المسألة 80:

إذا لم يجد المكلف مسكينا مستحقا للكفارة في بلده نقلها الى بلد آخر يوجد فيه المسكين، و إذا وجد بعض عدد المساكين الذين يجب عليه إطعامهم في الكفارة و لم يجد الباقي نقلها الى بلد آخر ليتم العدد و يجوز له تفريق الكفارة اختيارا، فيطعم عشرين مسكينا في النجف مثلا و يطعم عشرين آخرين في كربلاء و عشرين في الكاظمية، في وقت واحد أو أوقات متعددة.

المسألة 81:

إذا وجد بعض العدد الذي يجب إطعامه و تعذر وجود الباقي و لم يمكنه الإطعام في بلد آخر حتى بنحو الاستنابة و التوكيل، جاز للمكلف أن يكرر الإطعام على الموجودين من المساكين حتى يتم العدد الواجب، و يجب عليه أن يقتصر في التكرار على المقدار المتعذر من العدد، فإذا وجب عليه إطعام ستين مسكينا و وجد ثلاثين مسكينا فحسب، أطعم الثلاثين مرتين، و لم يصح له أن يطعم خمسة عشر مسكينا منهم أربع مرات، أو يطعم عشرين منهم ثلاث مرات، و إذا وجد أربعين مسكينا أطعمهم جميعا ثم كرر إطعام عشرين منهم، و لا يكرر إطعام عشرة منهم مرتين و هكذا.

476

المسألة 82:

إذا اضطر المكلف الى التكرار في الإطعام ليتم العدد، فالأحوط له لزوما أن يكون التكرار في أيام متعددة، فإذا وجب عليه إطعام عشرة مساكين و لم يجد غير خمسة مساكين، أطعم الخمسة في يوم السبت مثلا ثم كرر إطعام الخمسة في يوم الأحد أو أيام أخر.

المسألة 83:

الكسوة للمساكين احدى الخصال الثلاث التي يتخير المكلف بينها في كفارة اليمين و ما بحكمها من الكفارات المخيرة المرتبة، و قد ذكرناها في المسألة الرابعة عشرة، و الخصال المخيرة فيها هي أن يعتق رقبة مؤمنة، أو يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، فان لم يقدر أن يأتي بواحدة من هذه الخصال وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام.

و المعتبر في كسوة المسكين أن يدفع المكلف اليه ما يعد لباسا في نظر أهل العرف، سواء كان اللباس جديدا أم غسيلا، إذا لم يكن مخرقا أو مرقعا أو قديما باليا يهلكه الاستعمال القليل.

و يكفي في أداء الواجب من الكسوة أن يدفع اليه ثوبا واحدا إذا كان يكسو الظهر و يواري العورة، فإذا لم يكن ساترا للعورة لرقته أو لقصره لم يجزه إذا دفعه وحده، و الأحوط عدم الاكتفاء بالسراويل وحدها و ان كانت طويلة و لا بالقميص القصير وحده و ان كان ساترا، و يكفيه ان يجمع بينهما.

المسألة 84:

يكفي في كسوة المسكين أن يدفع له جبة وحدها أو قباء، أو رداء، و يكفي أن يدفع اليه الفرو الكبير الشامل، و اللبادة المصنوعة كذلك، و الجلباب و ما يشبه ذلك مما يعد لباسا، و هي مختلفة في الشكل و الزي من قطر الى قطر.

المسألة 85:

لا يكفي المئزر وحده على الأحوط و ان ستر العورة، و يكفي إذا ضم اليه غيره بحيث يعد المجموع لباسا، و لا تكفي العمامة و الكوفية‌

477

و القلنسوة، و المنطقة، و الحزام، و لا يكفي الجورب و القفاز و الحذاء و شبه ذلك مما لا يعد لباسا، بل الأحوط عدم الاكتفاء بقميص قصير جدا مع سروال قصير جدا.

المسألة 86:

تكفي في أداء الواجب كسوة المسكين، سواء كان ذكرا أم أنثى، و كبيرا أم صغيرا، و لا يكتفى على الأحوط بكسوة الصغير جدا لاحتمال انصراف الأدلة عنه في الإطعام و الكسوة.

المسألة 87:

تكفي الكسوة سواء كانت من الصوف أم من الوبر، أم من القطن أم الكتان، أم الحرير أو الجلود التي يحل لبسها، أم من الأجناس الجديدة التي تصنع منها الأقمشة و الألبسة في الأزمنة الحاضرة.

و يعتبر في ما جرت العادة بخياطته من الألبسة أن يكون مخيطا، فإذا دفع اليه قماشا غير مخيط لم يكفه في أداء الواجب الا أن يدفع له أجرة الخياط و يوكله في خياطة الثوب ليلبسه، فإذا فعل ذلك و قبض الثوب بعد خياطته أجزأ، و أما الألبسة التي لا تحتاج إلى الخياطة كبعض الألبسة التي تنتجها المعامل جاهزة على هيئة المخيط، فالظاهر كفايتها إذا كانت مما يعد لباسا كما هو المفروض.

المسألة 88:

انما يتحقق إطعام المسكين بإشباعه من الطعام الذي يبذله له المكلف، أو بتسليم القدر المعين له من الطعام ليأكله إذا شاء كما تقدم بيانه، و لا يتحقق بدفع قيمة الطعام اليه من المكلف، و لذلك فلا يجزي دفع القيمة إلى المسكين في أداء الواجب عن المكلف و إبراء ذمته من الكفارة الواجبة عليه.

و كذلك القول في الكسوة، فالاكساء انما يحصل بدفع نفس الثوب أو اللباس الى المسكين ليلبسه إذا شاء، و لا يتحقق بدفع قيمة الكسوة إليه، فلا تبرأ ذمة المكلف إذا دفع القيمة إلى المسكين.

نعم يمكن للمكلف أن يدفع القيمة للمستحق أو لصاحب العائلة‌

478

الفقيرة أو لولي المسكين و يجعله وكيلا عنه في شراء الطعام المقدر بالقيمة التي دفعها اليه ثم يأكله هو أو يصرفه على عائلته أو على المسكين المولى عليه، فإذا تولى العمل بالوكالة عنه و أنجزه كما أراد برئت ذمة المكلف من الواجب، و كذلك القول في الكسوة فيشتريها بالوكالة عن المكلف ثم يقبضها لنفسه أو لعائلته أو للمسكين المولى عليه، و لا تبرأ ذمة المكلف بدفع القيمة إذا لم ينجز الوكيل العمل.

المسألة 89:

إذا دفع المكلف الكسوة إلى المسكين و قبضها منه ملكها المسكين، و صح له التصرف فيها، فيجوز له أن يلبسها و يجوز له أن يكسوها أو يهبها لغيره، و أن يبيعها أو يفعل بها ما شاء، كما تقدم في الطعام، و إذا مات بعد قبضها انتقلت الى وارثه و ان كان غنيا.

المسألة 90:

لا تؤدى الكفارة بنصفين من خصلتين، فإذا وجبت على الإنسان كفارة مخيرة لافطار يوم من شهر رمضان مثلا، فلا يكفيه أن يكفر بصيام شهر واحد متتابع و إطعام ثلاثين مسكينا، و إذا وجبت عليه كفارة يمين، لم يصح له أن يطعم خمسة مساكين و يكسو خمسة مساكين، و إذا لزمته كفارة مرتبة لظهار أو قتل نفس خطأ، و استطاع أن يصوم شهرا متتابعا فحسب، لم يكفه أن يصوم الشهر الذي استطاع صومه و يطعم ثلاثين مسكينا، بل يكون عاجزا عن الصوم، و يتعين عليه أن يطعم ستين مسكينا.

المسألة 91:

إشباع المساكين من أكل الطعام، و تسليم الأمداد إليهم ليسا خصلتين مختلفتين من خصال الكفارة و انما هما فردان من خصلة واحدة، و هي إطعام المساكين، فإذا وجب على المكلف إطعام ستين مسكينا، فأشبع ثلاثين منهم و دفع أمداد الطعام الى ثلاثين، كفاه ذلك في أداء الواجب، و لا يكون ذلك من أداء الكفارة بنصفين من خصلتين، بل هو أداء بفردين من خصلة واحدة.

479

المسألة 92:

لا تجب المبادرة في أداء الكفارة، سواء كانت مالية كالعتق و إطعام المساكين و كسوتهم، و كالذبح في كفارات الإحرام و الصدقة، أم كانت بدنية كالصوم، فيجوز للمكلف التأخير في أدائها ما لم يتضيق وقتها بظن عروض الموت أو ظن فوت الواجب لبعض الطواري و ما لم يؤد التأخير إلى التهاون بأمر اللّه و التسامح في أداء الواجب.

المسألة 93:

لا تصح النيابة و الوكالة في أداء الكفارة عن الحي إذا كانت بدنية كالصوم، فيجب على المكلف أن يباشر أداءها بنفسه، و لا يصح التبرع بأدائها من الآخرين، و تصح الاستنابة فيها و الإجارة على أدائها عن المكلف بعد موته، و يصح التبرع بأدائها عنه.

و يجوز للمكلف أن يوكل غيره في إخراج الكفارات المالية من ماله و أدائها عنه، كعتق الرقبة و الإطعام و الصدقة و الذبح في كفارات الإحرام، و يجوز له أن يوكل الغير في الاستقراض له من ماله أو مال الآخرين ثم دفعه الى الفقراء كفارة عنه.

المسألة 94:

إذا استناب المكلف غيره في إخراج الكفارة من ماله و تأديتها عنه أو وكله في ذلك، كما إذا وكله في عتق عبده عنه في الكفارة أو وكله في ذبح الشاة، فالمتولي للنية في الإخراج و الأداء هو الوكيل، و الأحوط لزوما أن ينوي المالك أيضا ذلك حين ما يجري الوكيل العمل مع الإمكان و حين ما يدفع الوكيل الحصة إلى الفقير.

و إذا أخرج المكلف الكفارة بنفسه ثم وكل غيره في إيصالها إلى الفقير، فالمتولي للنية هو المالك، فينوي الإيصال إلى الفقير بدفع حصته الى الوكيل.

المسألة 95:

لا يصح التبرع من الآخرين بالكفارة المالية عن المكلف إذا كان حيا، بأن يخرجوها عنه من أموالهم سواء كانت عتقا أم إطعاما أم غير ذلك،

480

و لا تبرأ ذمة المكلف بأدائهم عنه و ان غرم لهم ما أدوا عنه، و يجوز لهم أن يملكوه شيئا من أموالهم فإذا تملكه منهم صرفه هو في كفارته عتقا أو إطعاما أو ما شاء.

المسألة 96:

الظاهر أن الكفارة المخيرة لا تكون من الديون التي تشتغل بها ذمة المكلف، و التي يجب إخراجها من أصل تركته إذا مات قبل أدائها، بل هي من سنخ الواجبات غير المالية، و ان كان بعض خصالها ماليا، فإذا أوصى بها المكلف قبل موته وجب على الوصي و الورثة إخراجها من ثلثه، و إذا هو لم يوص بها لم يجب عليهم إخراجها، سواء كانت لافطار شهر رمضان أم لاعتكاف أم لغيرهما من الأسباب التي فصلناها في المسألة الخامسة، و كذلك الحكم في كفارة اليمين و كفارة النذر و ما بحكمها بل و كفارة الجمع.

و يشكل الحكم في الكفارة المرتبة، إذا تعين على المكلف المال، و في الكفارات المالية الأخرى، فهل تخرج من الأصل أو من الثلث؟ و لا يترك الاحتياط.

المسألة 97:

إذا مات المكلف و قد تعين عليه الصوم في الكفارة المخيرة أو المرتبة لعجزه عن غير الصوم من الخصال فالأقوى وجوب قضاء الصوم على وليه من بعده، و قد ذكرنا المراد من الولي في فصل قضاء الصلاة و في فصل قضاء الصوم عن الميت فليرجع إليهما.

و إذا كان المكلف قبل موته قادرا على كل من الصيام و الإطعام في الكفارة المخيرة، أشكل الحكم بوجوب الصوم على الولي بعد موت المكلف، و لا يترك الاحتياط بأن يقضي الصوم عنه في هذه الصورة إذا لم يقبل الورثة بإخراج الإطعام من التركة، و إذا مات المكلف و قد تعين عليه العتق أو الإطعام لعجزه عن الصوم، لم يجب على الولي قضاء الصوم.

المسألة 98:

إذا عجز المكلف عن جميع الخصال في كفارة الإفطار في شهر رمضان‌

481

فلم يستطع أن يأتي بواحدة منها، وجب عليه أن يتصدق بما يمكنه، فإذا عجز عن الإتيان بأي صدقة وجب عليه أن يستغفر اللّه و لو مرة.

و إذا عجز عن الإتيان بجميع الخصال في غيرها من الكفارات، تعين عليه أن يصوم ثمانية عشر يوما، و الأحوط ان تكون متتابعة، فإذا لم يستطع ذلك وجب عليه الاستغفار و لو مرة، و إذا تجددت له القدرة بعد ذلك و تمكن من أداء الكفارة وجب عليه أن يأتي بها على الأحوط في الصورتين.

المسألة 99:

إذا عجز الإنسان عن عتق الرقبة في كفارة الجمع وجب عليه أن يأتي ببقية الخصال فيها و لزمه الاستغفار بدلا عن الخصلة التي عجز عنها على الأحوط، و كذلك الحكم إذا عجز عن غير العتق من الخصال، فيأتي بالخصال التي يقدر عليها و يستغفر اللّه بدلا عن الخصلة غير المقدورة على الأحوط.

المسألة 100:

في الحديث عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سئل رسول اللّه (ص) ما كفارة الاغتياب؟ قال (ص) تستغفر لمن اغتبته كما ذكرته.

و عن الامام الصادق (ع) انه قال: كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان.

و عنه (ع) انه قال: كفارة الضحك، اللهم لا تمقتني.

و عنه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): كفارة الطيرة التوكل.

و عن الرسول (ص): من ختم مجلسه بهؤلاء الكلمات ان كان مسيئا كن كفارات لإساءته، و ان كان محسنا، ازداد حسنا، و هي سبحانك اللهم و بحمدك اشهد ان لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك.

و عن الصادق (ع): كفارات المجالس أن تقول عند قيامك منها:

سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

482

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

483

كتاب الوكالة

484

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

485

كتاب الوكالة و فيه فصلان:

الفصل الأول في الوكالة و شرائطها

المسألة الأولى:

الوكالة هي أن يستنيب الشخص غيره في التصرف في أمر أو في إنشاء التصرف في أمر، أو في إمضائه و ترتيب الآثار عليه، بحيث يكون تصرف النائب في حياة الشخص المنوب عنه، و يكون الأمر قابلا للاستنابة فيه، فإذا كانت الاستنابة في التصرف بعد حياة المنوب عنه كانت وصاية لا وكالة، و إذا كان الأمر غير قابل للنيابة فيه لم تصح الوكالة فيه و سيأتي بيان ذلك ان شاء اللّه تعالى.

المسألة الثانية:

الوكالة عقد من العقود، و لذلك فلا بد فيها من الإيجاب من الموكل و القبول من الوكيل، و يصح أن يقع الإيجاب فيها بأي لفظ يدل على تولية الوكيل في التصرف المقصود، و على استنابته فيه، فيقول الموكل للوكيل: أنت وكيلي في بيع داري المعينة بألف دينار، أو يقول له:

وكلتك في ذلك، أو أنبتك، أو استنبتك فيه أو فوضته إليك، أو خولتك أمره، بل يصح أن يقول له: بع الدار المعينة على زيد بكذا، و يصح أن تقول المرأة: زوجني من فلان على ألفي دينار، إذا هي قصدت بقولها جعله وكيلا عنها على إنشاء صيغة الزواج و دلت القرائن على ذلك لا على مجرد موافقتها على الزواج و المهر، و كذلك في قوله: بع الدار.

و يقع القبول بأي لفظ يدل على رضا النائب بإيجاب الموجب، فيقول: قبلت الوكالة أو رضيت، و يصح ان يكون القبول بالفعل،

486

فإذا قال المالك: أنت وكيلي على بيع داري من زيد بألف دينار، فقال الوكيل لزيد: بعتك دار موكلي فلان بألف صحت الوكالة و وقع قبولها بذلك مع إيجاب البيع، فإذا قبل المشتري صح البيع و تم أيضا.

و إذا قالت سعاد للرجل: وكلتك على تزويجي من علي بألفي دينار، فقال الوكيل لعلي: زوجتك موكلتي سعاد بألفي دينار، تم القبول و وقع إيجاب التزويج بهذه الصيغة، فإذا قبل الزوج عقد الزواج تم النكاح أيضا.

المسألة الثالثة:

تصح الوكالة بالمعاطاة كما تصح بالعقد اللفظي، و من أمثلة ذلك أن يدفع المالك للدلال سلعة أو متاعا بقصد توكيله في بيعهما و يقبضهما الدلال منه بقصد قبول الوكالة منه، أو يسلمه داره أو دكانه، بقصد جعله وكيلا في إجارتهما و يتسلمهما الدلال بقصد القبول، و قد جرت سيرة المتشرعة و العقلاء على إجراء أمثال هذه المعاملات و العمل بها.

و الظاهر أن الوكالة تتحقق أيضا بالمراسلة، فإذا أرسل الإنسان الى أحد كتابا يوكله فيه على إنفاذ شي‌ء أو إجراء معاملة و رضي المرسل اليه بذلك كان وكيلا عنه و نفذ تصرفه في ما وكله فيه، و كذلك إذا جعله وكيلا عنه بمكالمة هاتفية أو لاسلكية و نحوهما من وسائل الإبلاغ مع القطع بالصدق، و مثله ما إذا بلغه الوكالة و الاعتماد عليه على لسان رسول يوثق بصدقه و يطمأن بقوله، فتصح الوكالة و ينفذ تصرف الوكيل في جميع هذه الفروض.

المسألة الرابعة:

إذا قال الرجل للمالك: هل توكلني على بيع دارك من زيد بألف دينار مثلا؟ فقال له المالك: نعم، و قصد بقوله: نعم، إنشاء الوكالة له بهذا الجواب، فالظاهر صحة إنشائه، و الأحوط لزوما ان يقول الوكيل: قبلت أو نحوها بعد قول المالك: نعم، ليحصل القبول بعد الإيجاب.

487

و كذلك الحكم إذا قال الرجل للمرأة، هل توكلينني في أن أزوجك من فلان على ألفي دينار فقالت: نعم، فيصح منها إيجاب الوكالة له بهذا القول، فإذا قبل الوكيل بعد قولها صحت الوكالة و نفذ تصرف الوكيل، نعم، لا بد في صحة ذلك من العلم بأن قولها: نعم بقصد إنشاء الوكالة، و ليس للدلالة على الرضا بالزواج وحده و إذا شك في ذلك لم تصح الوكالة و كذلك في الفرض السابق.

المسألة الخامسة:

الظاهر انه لا تشترط الموالاة بين الإيجاب و القبول في صحة عقد الوكالة، فإذا تأخر القبول عن الإيجاب مدة لم يبطل العقد بذلك، كما إذا أرسل الرجل الى صاحبه رسالة يوكله فيها على إيقاع معاملة و لم تصله الرسالة إلا بعد مدة، فإذا وصلت الرسالة، و قبل صاحبه وكالته صحت الوكالة و نفذ تصرف الوكيل و ان تأخر قبوله عن الإيجاب كل هذه المدة.

نعم، يعتبر في الصحة وحدة العقد عرفا، فإذا قال المالك لصاحبه و هما في مجلس واحد: أنت وكيل عني في بيع داري فسكت الوكيل و لم يجب الا بعد شهر مثلا، فقال: قبلت الوكالة منك على بيع الدار، أشكل الحكم بالصحة و خصوصا إذا كانت الوكالة في أمر الفروج، بل الظاهر عدم الصحة إذا لم يكن للتأخير سبب عقلائي، و إذا كان له سبب فلا يترك الاحتياط.

المسألة السادسة:

يشترط في صحة الوكالة على الأحوط أن يكون إنشاء العقد فيها منجزا، فلا تصح إذا علق الموكل وكالته على وجود شي‌ء مشكوك، أو على حدوث أمر مرتقب، و مثال ذلك أن يقول الموكل لصاحبه: ان كانت هذه الليلة هي ليلة الفطر، فأنت وكيل عني في إخراج زكاة الفطرة من مالي عني و عن أهل بيتي، أو يقول له: إذا ملكني زيد هذه الدار فأنت وكيل على إجارتها أو على وقفها.

و يصح له أن يقول لصاحبه: أنت وكيل عني، فإذا كانت هذه الليلة هي ليلة الفطر أخرجت من مالي زكاة الفطرة، و ان يقول له: أنت‌

488

وكيلي فإذا ملكني زيد هذه الدار توليت عني إجارتها، و الفارق واضح بين المقصدين، فإن إنشاء الوكالة في المثالين الأولين معلق على وجود الشرط، فان كانت الليلة هي ليلة الفطر فالوكالة محققة و ثابتة، و ان لم تكن فلا وكالة، و ان ملكه زيد الدار فصاحبه وكيل على إجارتها، و ان لم يملكه فلا وكالة، فتبطل الوكالة لأن إنشاءها مشكوك، و لا تعليق في الوكالة في المثالين الأخيرين، فصاحبه وكيل على كل تقدير و وكالته منجزة، سواء كانت الليلة هي ليلة الفطر أم لم تكن، و سواء ملكه زيد الدار أم لم يملكه، و التعليق انما هو للعمل الذي وكله فيه، فهو وكيل على إخراج الزكاة إذا كانت الليلة هي الليلة المعينة، و هو وكيل على الإجارة إذا ملكه زيد الدار المعينة.

المسألة السابعة:

يشترط في الموكل أن يكون بالغا، فلا يصح توكيل الصبي في كل ما يشترط فيه البلوغ من المعاملات و التصرفات كالبيع و النكاح و سائر الأمور التي لا تنفذ فيها معاملة الصبي بغير اذن وليه، و قد تقدم ذكر اشتراط البلوغ في البيع و الصلح و الهبة، و الإجارة و المضاربة و الشركة، و الرهن و الوقف و كثير من المعاملات الأخرى فإذا لم تصح المعاملة من الصبي قبل بلوغه و لم ينفذ تصرفه فيها بغير اذن وليه، لم يصح له أن يجعل فيها وكيلا عن نفسه.

المسألة الثامنة:

تقدم منا في كتاب البيع و في كتاب الحجر ان الصبي المميز غير مسلوب العبارة في المعاملة، فإذا نظر ولي الطفل في المعاملة على مال الطفل، و وجد المصلحة في البيع أو في الشراء له، و عين الثمن و المثمن مع المشتري أو مع البائع، أمكن للولي أن يوكل إجراء الصيغة إلى الصبي نفسه إذا كان ممن يحسن ذلك، فيجري الصبي صيغة البيع على مال نفسه بالثمن المعين، أو يجري قبول الشراء لنفسه للمثمن المعين، و يكون إجراؤه للصيغة على ماله بالوكالة عن الولي.

و تصح المعاملة من الصبي المميز كذلك على مال الغير إذا أذن مالك المال للصبي في المعاملة على ماله، و وكله في إجراء المعاملة كلها لا في‌

489

إيقاع الصيغة فحسب، و ان لم يأذن ولي الصبي له بتولي ذلك.

المسألة التاسعة:

يشترط في الموكل ان يكون عاقلا على التفصيل الذي ذكرناه في كتاب البيع و في كتاب الحجر و اشترطناه في سائر المعاملات المتقدم ذكرها، فلا يصح توكيل المجنون في جميع معاملاته في ماله و غير ماله.

و يشترط في الموكل ان يكون قاصدا للمعنى الذي ينشئه في صيغة الوكالة، فلا يصح توكيله إذا كان غافلا، أو هازلا أو سكران أو غاضبا غضبا يسلبه القصد، و أن يكون مختارا في فعله، فلا يصح توكيله إذا كان مكرها لا خيرة له في ما يفعل.

المسألة العاشرة:

يشترط في الموكل أن يكون نافذ التصرف في العمل الذي يوكل فيه، فلا يصح توكيل إذا كان محجورا عليه لسفه أو فلس أو غيرهما، فإذا كان سفيها قد حجر عليه عن التصرف في الأموال خاصة لم يصح توكيله في كل معاملة تتعلق بالمال و يجوز له التوكيل في المعاملات الأخرى التي لا تتعلق به كالطلاق و دعاوي الجنايات التي تستوجب القصاص و مطلق الدعاوي التي لا تتعلق بالمال، و إذا كان سفيها قد حجر عليه في ماله و في نفسه كما فصلناه في كتاب الحجر لم يصح له التوكيل في كل أولئك.

و إذا كان مفلسا قد حجر عليه عن التصرف في أمواله الموجودة فليس له التوكيل في ما يتعلق بها خاصة و يصح له التوكيل في غيرها من المعاملات التي تتعلق بذمته و بنفسه.

و لا يصح له إذا كان محرما أن يوكل أحدا ان يجري له عقد نكاح أو أن يبتاع له صيدا أو يمسكه له، سواء كان الوكيل محلا أم محرما.

المسألة 11:

لا يشترط على الأقوى في الوكيل أن يكون بالغا، فيصح أن يوكل الصبي المميز في إيقاع صيغ المعاملات إذا كان ممن يحسن القيام بها و يراعي الشرائط المعتبرة فيها، و قد تقدم في المسألة الثامنة انه يصح لمالك المال أن يعتمد على الصبي المميز و يوكله في إجراء المعاملة على ماله‌

490

إذا كان الصبي ممن يحسن ذلك و لا يختص بإجراء الصيغة و لا تتوقف صحة الوكالة و لا نفوذ المعاملة التي يجريها على اذن الولي له بذلك، و الظاهر ان ذلك لا يختص بالمعاملة على المال فيصح توكيله في غيرها من المعاملات إذا كان الصبي يحسن القيام بها على الوجه الصحيح.

و قد تقدم أيضا: انه يصح لولي الصبي المميز أن يوكله في إجراء صيغة المعاملة على مال الصبي نفسه بعد ان يتم الولي المعاملة و يقوم بإحراز شروطها، كما تقتضيه ولايته، ما عدا إجراء الصيغة.

نعم، يمنع الصبي من أن يجري المعاملة مستقلا على ماله نفسه بغير اذن وليه و ان كانت معاملته موافقة للمصلحة، و يمنع من إجراء الصيغة في المعاملة على ماله أو على نفسه إذا لم يوكله الولي في إجرائها، و يمنع من أن يجعل وكيلا للولي أو لغيره إذا لم يكن مميزا تام التمييز.

المسألة 12:

يشترط في الوكيل أن يكون عاقلا و أن يكون قاصدا للمعنى حين يتولى قبول الوكالة، و ان يكون مختارا غير مكره و لا مجبر، و أن يكون نافذ التصرف في العمل الذي وكل فيه، فلا تصح الوكالة له إذا كان سفيها محجورا عليه في تصرفه في نفسه، و إذا كان محرما فلا يجوز لأحد أن يوكله في إجراء عقد نكاح أو أن يبتاع له صيدا أو أن يمسكه له سواء كان الموكل له محلا أم محرما.

المسألة 13:

يجوز للمسلم أن يوكل كافرا أو مرتدا مليا أو فطريا في تولي بعض معاملاته أو في القيام ببعض أعماله، أو في استيفاء بعض حقوقه أو في بعض مخاصماته مع الناس، و ان كان الأحوط استحبابا عدم توكيله إذا كانت المخاصمة أو استيفاء الحق من مسلم، و يجوز توكيله في شراء مصحف للمسلم أو شراء عبد مسلم له و خصوصا إذا تسلمهما الموكل المسلم نفسه، و لم تثبت للوكيل الكافر عليهما يد.

المسألة 14:

يجوز للمسلم أن يكون وكيلا لكافر أو مرتد في بعض شؤونه‌

491

و معاملاته و أعماله، إلا إذا وكله على أمر لا يجوز في الإسلام، و مثال ذلك: أن يوكله في إجراء معاملة ربوية، أو في استيجار أمكنة لبيع بعض المحرمات أو عملها، أو خزنها، أو القيام بأعمال محرمة أخرى، أو وكله في بيع خمر أو خنزير أو شرائهما، و كما إذا وكله في شراء مصحف له على الأحوط لزوما، أو في شراء عبد مسلم له، فلا يتولى المسلم الوكالة عن الكافر أو المرتد في ذلك.

المسألة 15:

لا يحجر على المفلس أن يتصرف في مال غيره إذا أذن له صاحب المال و كان التصرف طبقا للموازين الصحيحة، و لذلك فيصح له أن يكون وكيلا عن الغير في معاملاته و أعماله سواء تعلقت وكالته بالمال أم بغيره.

و كذلك القول في السفيه فإذا كان محجورا عن التصرف في ماله، فهو غير محجور عن التصرف في مال غيره مع الاذن، فيصح له أن يتولى الوكالة عن الغير في أمواله و شؤونه، إلا إذا كان سفهه موجبا للحجر عليه في التصرف في نفسه أيضا، فلا يصح له أن يتولى الوكالة عن الغير في هذه الصورة.

المسألة 16:

سيأتي ان شاء اللّه تعالى في كتاب الوصية: ان الصبي المميز لا يحجر عن الوصية بماله إذا بلغ من العمر عشر سنين، و كانت وصيته في البر و المعروف و في وجوه الخير، سواء كانت لأرحامه أم لسواهم، فتنفذ وصيته بذلك على الأقوى، و لذلك فيصح له أن يوكل غيره في إنشاء الوصية المذكورة، سواء كان الغير الذي يوكله في ذلك كبيرا بالغا أم كان صبيا مميزا قد بلغ عشر سنين.

المسألة 17:

كل شرط من الشروط التي ذكرناها في الموكل أو في الوكيل، كما يجب تحققه في ابتداء الوكالة، فإذا لم يوجد الشرط لم تصح الوكالة، فهو كذلك شرط يجب تحققه على الأحوط في بقائها، فإذا ارتفع أي شرط منها حكم ببطلان الوكالة على الأحوط احتياطا لا يترك.

492

فإذا جن الموكل بعد أن أتم الوكالة، أو جن الوكيل كذلك كانت الوكالة باطلة، سواء كان الجنون الذي طرأ عليه مطبقا أم أدوارا، و سواء كان عروضه قبل ان يبدأ الوكيل بالعمل الذي وكل فيه أم كان في أثنائه و قبل إتمامه، و كذلك إذا عرض لأحدهما الإغماء، أو طرأ على الموكل سفه أو فلس فحجر عليه عن التصرف في ماله، فيبطل توكيله السابق للوكيل إذا كان متعلقا بالمال و كان الحجر على الموكل قبل ان يتم الوكيل العمل.

و مثله ما إذا حجر الوكيل عن التصرف في نفسه، فتبطل الوكالة في هذه الفروض على الأحوط كما ذكرنا، و إذا زال العارض فأفاق المجنون أو المغمى عليه و ارتفع الحجر عن المحجور لم تعد الوكالة الأولى و يجوز لهما ان يجددا وكالة أخرى إذا أرادا.

المسألة 18:

يشترط في العمل أو الأمر الذي تتعلق به الوكالة أن يكون مباحا، فلا يصح التوكيل في أمر محرم شرعا. و مثال ذلك أن يوكله في غصب مال أحد أو في ضربه أو شتمه من غير حق، أو يوكله في معاملة محرمة أو مخاصمة بغير حق أو في استيجار محل ليكون مبغى أو معملا يعمل فيه الخمر أو يخزن فيه أو يباع، أو في استيجار سيارات و عمال لحمله و نقله و شبه ذلك.

و لا يصح التوكيل في أمر لا سلطان للموكل على إيقاعه، و مثال ذلك أن يوكل أحدا في بيع مال الغير بغير وكالة و لا ولاية له على المال أو على مالكه.

المسألة 19:

يجوز للإنسان أن يوكل أحدا على أخذ ماله من يد الغاصب بالقوة أو بوسيلة أخرى يستطيعها الوكيل، و ان كان صاحب المال نفسه غير قادر على أخذ ماله منه و التصرف فيه.

المسألة 20:

إذا كان الفعل غير مقدور للشخص عقلا أو غير مقدور له شرعا،

493

و لكنه يصبح مقدورا له بالفعل بعد حصول أمر معين من الأمور، و من أمثلة ذلك عتق عبد لا يملكه فعلا، فإنه غير مقدور له شرعا فإذا اشترى العبد من مالكه أصبح العتق مقدورا له بالفعل و جاز له شرعا، و من أمثلة ذلك بيع دار لا يملكها بالفعل أو وقفها فان ذلك غير مقدور له شرعا، فإذا اشترى الدار من مالكها صح له بيعها أو وقفها، و من أمثلته تزويج الرجل بامرأة ذات بعل أو ذات عدة، فإنه لا يقدر على ذلك شرعا و لا يصح له الا إذا فارق المرأة زوجها فطلقها أو مات عنها، و خرجت ذات العدة من عدتها، فيجوز له الزواج بها، و من أمثلة ذلك طلاق امرأة أجنبية عنه، فإنه لا يقدر على ذلك شرعا إلا إذا تزوج الرجل المرأة، فإذا تزوجها أمكن له طلاقها.

و الظاهر انه لا يجوز للشخص أن يوكل أحدا على فعل ذلك الأمر غير المقدور له بالفعل، فلا يصح له أن يوكله في المرأة المعتدة فعلا ليزوجه إياها بعد انقضاء عدتها، و في المرأة ذات الزوج ليزوجه إياها بعد أن يطلقها زوجها أو بعد أن يموت عنها، و لا يصح له أن يوكله في طلاق امرأة سيتزوجها، و في عتق عبد سيملكه و في وقف دار سيشتريها.

المسألة 21:

يصح للرجل في الفروض الآنف ذكرها أن يوكل أحدا في الأمرين معا، إذا كان الأمر الأول مقدورا له بالفعل، فيجوز له أن يوكل أحدا في شراء العبد المملوك ثم عتقه بعد تملكه، و يوكله في شراء المتاع، و بيعه بعد شرائه و يوكله في شراء الدار و وقفها بعد ملكها، و يوكله في زواجه بالمرأة و طلاقها بعد التزويج إذا وجدها لا تليق به.

المسألة 22:

إذا وكل الرجل غيره وكالة عامة على أن يتولى عنه جميع أموره و أن يتصرف في جميع ما يملك التصرف فيه مما هو موجود تحت قدرته بالفعل و ما يتجدد بعد ذلك، صح للوكيل أن يتولى العمل في جميع الفروض المتقدم ذكرها، فإذا اتفق ان خرجت المرأة ذات العدة من عدتها أو فارق ذات الزوج زوجها جاز للوكيل ان يزوج موكله إياهما،

494

و إذا اتفق أن ملك الرجل العبد جاز للوكيل عتقه و بيعه، و إذا ملك الدار جاز للوكيل وقفها و إجارتها، و هكذا.

المسألة 23:

الوكالة كما ذكرنا من قبل استنابة للوكيل في أن يوجد الشخص العمل أو الشي‌ء الذي يوكله فيه، و لذلك فيشترط في صحة الوكالة أن يكون العمل أو الشي‌ء الذي يوكل الإنسان غيره في إيجاده مما يقبل النيابة.

و توضيح ذلك: أن الأعمال و الأشياء التي لاحظها الشارع الأعظم و رتب عليها أحكامها و آثارها قد يكون الشارع قد اعتبر فيها أن تصدر من الإنسان بنحو المباشرة بنفسه، فلا تكون وافية بالغاية التي أرادها و جعل الأحكام من أجلها إلا إذا صدرت من الإنسان كذلك، و من أمثلة ذلك الصلاة و الصيام، المفروض منهما و المندوب في الغالب، و الحج و العمرة و الطهارات الثلاث: الوضوء و الغسل و التيمم في الأكثر، فإن الشارع قد اعتبر في هذه الأعمال أن يوجدها المكلف بنفسه بنحو المباشرة عدا ما استثني منها و هو ما يأتي التنبيه عليه ان شاء اللّه تعالى، فيكون هذا النوع من الأعمال و الأشياء مما لا يقبل النيابة.

و قد تكون مما لم يعتبر الشارع فيها ان تصدر من الإنسان بنحو المباشرة، بل لاحظ انه يكفي في صحتها و حصول الغاية المقصودة منها و ترتب الأحكام و الآثار عليها مجرد صدورها من الإنسان و لو بنحو التسبيب، كما هو الحال في أكثر المعاملات و الأعمال و في بعض العبادات، و يكون هذا النوع مما يقبل النيابة.

المسألة 24:

المتبع في تمييز أحد هذين النوعين من الأعمال و الأشياء عن الآخر هو ما دلت عليه ظواهر الأدلة الشرعية المثبتة لأحكام تلك الأشياء و آثارها و ما تدل عليه إطلاقاتها المقامية و القرائن العامة الحافة بها، من الاعتماد في ذلك على فهم المتشرعة و أهل العرف من تلك الأدلة فيمتاز بذلك ما يقبل النيابة و ما لا يقبلها.

495

المسألة 25:

لا ريب في ان الصلاة و الصيام فرائضهما و نوافلهما مما تجب فيها المباشرة و لا تقبل النيابة و التوكيل عن الحي، إلا صلاة الطواف في بعض الموارد الخاصة، و من أمثلة ذلك الشخص الذي يستطيع حج البيت استطاعة مالية، و يعجز عن الإتيان به لكبر سن أو مرض أو نحوهما، فيجب عليه أن يستنيب من يحج، و يجب على النائب أن يأتي بجميع أفعال الحج و عمرة التمتع إذا كان ممن فرضه التمتع، و منها طواف العمرة و طواف الحج و طواف النساء، و صلاة الطواف لكل واحد منها.

و منها فروض أخرى في من نسي الطواف أو نسي صلاة الطواف حتى خرج من مكة و لم يمكنه الرجوع و يرجع في بيان جميع ذلك الى ما كتبناه في مناسك الحج من أحكام ذلك، و قد ذكرنا في مبحث صلاة الاستئجار أن الأقوى صحة النيابة عن الحي في بعض الصلوات المستحبة.

و لا ريب في ان الطهارات الثلاث: الوضوء و الغسل و التيمم مما تجب فيه المباشرة و لا يقبل النيابة و التوكيل إذا كان المكلف قادرا على مباشرة أعمالها بنفسه، و اما العاجز فإنه تصح له الاستنابة فيها، فيستنيب من يجري الغسلات و المسحات على أعضائه، و يجب عليه ذلك و يستنيب من يعجز عن التيمم من يضرب بيدي المكلف أو بيديه على التراب و يمسح بها على أعضائه و تفصيل أحكام ذلك قد سبق ذكره في مباحث الوضوء و الغسل و التيمم في كتاب الطهارة.

المسألة 26:

تجوز النيابة و التوكيل في إيتاء الزكاة، فيصح لمالك المال الذي تعلقت به الزكاة أن يوكل غيره إذا كان الوكيل ثقة في أن يخرج الزكاة من مال المالك و يدفعها للمستحق، و ينوي الوكيل إيتاء الزكاة عن مالك المال حينما يدفعها للمستحق، و الأحوط ان ينوي المالك إيتاء الزكاة أيضا في ذلك الوقت مع الإمكان.

و يجوز للمالك أن يعين زكاة ماله في شي‌ء مخصوص ثم يوكل ثقة في إيصال ذلك الشي‌ء إلى المستحق، و ينوي المالك إيصال الزكاة إلى‌

496

الفقير بدفعها الى الوكيل، و الأحوط أن تبقى نية المالك مستمرة حتى يدفع الوكيل المال الى الفقير.

و كذلك الحكم في إيتاء الخمس، فيجوز للمالك أن يوكل الثقة في إخراج الخمس من المال و دفعه الى مستحقه و يجوز له أن يوكله في الإيصال على الوجه الذي ذكرناه في الزكاة و أمر النية في الموردين على السواء و كذلك الحكم في الكفارات المالية، و قد ذكرناه في كتاب الكفارات، و أما الكفارات البدنية فهي مما لا تقبل النيابة و التوكيل فيها.

المسألة 27:

تصح الاستنابة و الوكالة في إجراء صيغ العقود جميعا من البيع بجميع أقسامه، و الإجارة، و الصلح و الهبة و المضاربة و الشركة و المزارعة و المساقاة، و القرض و الرهن و الضمان و أخواته و النكاح و غير ذلك من العقود اللازمة و الجائزة، و حتى في عقد الوكالة نفسه، فيصح للشخص أن يوكل من ينشئ صيغة العقد عنه إيجابا و من يتولى عنه قبول الإيجاب و من يجري المعاملة عنه بنحو المعاطاة إذا كان العقد مما تجري فيه المعاطاة.

المسألة 28:

تجوز الاستنابة و التوكيل في إنشاء الوقف و الوصية، و في الطلاق و العتق، و في إبراء ذمة المدين من الدين، و في إسقاط الحق و الأخذ به في موارد ثبوته، و في فسخ العقد عند ثبوت الخيار و أخذ الأرش في مواضع ثبوت الأرش، و يجوز التوكيل في المخاصمات و الدعاوي و إثبات الحقوق عند القضاة و الحكام و رفع الظلامات.

المسألة 29:

الظاهر أنه يصح للرجل ان يوكل أحدا في الرجوع بمطلقته الرجعية، فيقول له مثلا: أنت وكيل عني أن ترجع فلانة إلى زوجيتها إذا رأيت شدتها الأولى قد تبدلت الى ما هو أحسن، أو يقول له: أنت وكيلي في أمر فلانة، فمتى وافقت على السكنى مع عائلتي في الدار فأرجعها إلى زوجيتها، و مثل ذلك ما إذا كانت المرأة مطلقة بالخلع، فيقول الزوج‌

497

للرجل: أنت وكيل عني في أمر فلانة، فإن رجعت هي بما بذلت فأرجعها إلى نكاحها.

نعم قد يكون التوكيل في الرجوع بها بنفسه تمسكا بزوجيتها كما إذا قال للرجل: أنت وكيل عني ان تقول لها: اني قد رجعت بزوجيتها، فيكون قوله هذا بنفسه رجوعا بها لا وكالة بالرجوع، و هذا انما يكون بحسب القرائن الدالة على المقصود.

المسألة 30:

إذا قال الرجل لغيره: أنت وكيل عني أن تقر لزيد بأن له في ذمتي مائة دينار مثلا، كان قوله هذا بنفسه إقرارا لزيد بالمبلغ المعين و ليس توكيلا في الإقرار، و الرجل انما هو شاهد عليه بالإقرار.

المسألة 31:

إذا قال الرجل لغيره: أنت وكيل أن تشهد بالوكالة عني بأن هذه الدار ملك لزيد مثلا، فيمكن أن يقال بأن قوله هذا شهادة منه بأن الدار لزيد، و الوكيل انما هو شاهد على شهادته بذلك و ليست توكيلا في أن يشهد عنه، و لذلك فيشكل الحكم بصحة هذه الوكالة، فإذا كان الأمر المشهود به مما لا تقبل فيه شهادة الفرع، أو كانت شهادة الفرع غير تامة الشرائط من العدد و العدالة لم تثبت بها شهادة الأصل.

المسألة 32:

يشكل الحكم بصحة الاستنابة و التوكيل في أن يحلف الوكيل عن موكله يمينا، بحيث تلزم الموكل أحكام حلفه، فيجب عليه الوفاء به و تحرم عليه مخالفته و تلزمه الكفارة إذا حنث به، و يشكل كذلك أن يوكله في ان ينذر بالوكالة عنه نذرا أو يعاهد اللّه عنه عهدا، أو يوكله في أن يظاهر بالوكالة عنه من زوجته، أو يولي منها بالوكالة عنه إيلاء، أو يلاعنها، بحيث تلزم الزوج الموكل أحكام الظهار و الإيلاء و اللعان.

المسألة 33:

تصح الاستنابة و التوكيل في التسليم و القبض الذي تقتضيه المعاملات،

498

سواء توقفت عليهما أو على أحدهما صحة المعاملة أم توقف عليه لزومها، أم لم يتوقف عليه شي‌ء منهما، و انما هو أمر يقتضيه الجري على المعاملة و الترتيب لآثارها، فيجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يوكل أحدا في قبض الشي‌ء الذي استحقه بالمعاملة بينهما، و في تسليم الشي‌ء الذي استحقه صاحبه بموجبها، كالثمن و المثمن في عقد البيع، و العين المستأجرة و بدل الإجارة في عقد الإجارة، و العين الموقوفة في الوقف، و العين الموهوبة و عوضها في الهبة المعوضة، و العين الموهوبة خاصة في الهبة غير المعوضة، و العين المرهونة في الرهن، و المهر في عقد النكاح، و بدل الخلع أو المبارأة في طلاق الخلع أو المبارأة، فإذا دفع أحد المتعاملين العوض أو الشي‌ء الذي جرت عليه المعاملة إلى وكيل الآخر و قبضه الوكيل منه برئت ذمته.

و يجوز للدائن أن يوكل غيره في استيفاء ما يستحقه في ذمم الآخرين من الديون، و يجوز للمدين أن يوكل غيره في وفاء ما في ذمته من المال، فإذا دفع وكيله المال الى مالكه أو الى وكيله المفوض و قبضه منه برئت ذمته، و إذا كان على الدين المدفوع رهن، و قبض وكيله العين المرهونة برئت ذمة المرتهن منه.

المسألة 34:

يجوز للفقير المستحق أن يوكل أحدا في قبض ما يستحقه من الزكاة أو من الكفارات أو من الصدقات أو من الخمس، و ينوي مالك المال إيتاء الزكاة أو إيتاء الخمس، أو الكفارة، أو الصدقة عند دفعه المال الى وكيل الفقير المستحق، و تبرأ ذمة المالك بقبضه المال.

المسألة 35:

حق قسم الليالي بين الزوجات خاص بالزوج و خاص بالزوجات، فلا يجوز للزوج أن يوكل أحدا في تولي قسمة الليالي بين زوجاته، و لا يجوز للزوجة أن توكل غيرها في أخذ قسمتها من ليالي زوجها إذا لم تكن الوكيلة من زوجاته، و يجوز لها أن تهب ليلتها لغيرها من زوجاته أو توكلها في أخذ قسمتها.

499

المسألة 36:

يصح للرجل أن يوكل أحدا في أن يطلق زوجته منه، و يصح للزوج ان يوكل غيره في ان يوكل من يطلقها، من غير فرق بين أن يكون الزوج حاضرا وقت الطلاق أو غائبا، و من غير فرق بين أن يكون الوكيل على إجراء صيغة الطلاق عنه رجلا أو امرأة إذا كانت تحسن إنشاء الصيغة و تراعي الشروط المعتبرة في الطلاق.

المسألة 37:

الأحوط ان لا يوكل الرجل زوجته في أن تطلق نفسها بنفسها، و لا يوكلها في أن توكل عنه من يطلقها، و ان كان الأقرب صحة توكيلها في الصورتين، و يرجع الى ما نبينه ان شاء اللّه تعالى في مبحث الصيغة من كتاب الطلاق.

المسألة 38:

يجوز للإنسان أن يوكل شخصا في أن يجوز له بعض المباحات العامة كالحطب و الكلاء و الماء و الرمل و الحجر و الحصى و الجص و السمك و الطير من مواضعها المباحة، فإذا حازه الوكيل بالنيابة عن موكله كانت الحيازة للموكل، و كان الشي‌ء الذي حازه الوكيل ملكا للموكل كذلك، و تراجع المسألة المائة و السابعة و التسعين من كتاب الإجارة.

المسألة 39:

لا بد في صحة الوكالة من أن يكون الشي‌ء الموكل فيه معينا، شخصيا، أو عاما أو مطلقا، و لا تصح إذا كان الأمر الذي وكله فيه مجهولا غير معلوم، و مثال ذلك ان يقول له: أنت وكيل عني و لا يذكر شيئا تتعلق به الوكالة، و لا تصح الوكالة كذلك إذا وكله على أمر مبهم و مثال ذلك ان يقول له: وكلتك على بعض أعمالي أو على اجراء بعض العقود التي تكون لي، أو وكلتك في بعض ما أملك و لم يعين ذلك البعض الذي وكله فيه.

500

الفصل الثاني في بعض أحكام الوكالة

المسألة 40:

الوكالة التي يوقعها الإنسان لغيره قد تكون وكالة خاصة في أمر مشخص معين، فيقول له مثلا: أنت وكيل عني في أن تبيع هذه الدار المعينة على زيد بألف دينار، أو يقول له: وكلتك على أن تقبض عني ديني الذي أملكه في ذمة عبد اللّه و هو مائة دينار، أو تقول المرأة لأحد:

وكلتك أن تزوجني من إبراهيم على ألفي دينار معجلة، و لا ريب في صحة الوكالة إذا أنشئت كذلك، و تم قبولها.

المسألة 41:

يصح أن يوكل الإنسان غيره وكالة عامة في موضوع خاص معين، فالأمر الموكل فيه عام من حيث التصرف و خاص من حيث موضوعه و مثال ذلك أن تكون للمالك أرض معينة، فيقول لأخيه: وكلتك في أمر هذه الأرض وكالة عامة أن تتصرف فيها كيفما تشاء، فإن شئت ان تبيعها أو تؤجرها أو توقفها أو تغرسها بستانا أو تبنيها عمارة أو ما شئت من وجوه التصرف التي تراها، فإذا تم القبول جاز للوكيل أن يتصرف في الأرض المعينة أي تصرف يريد.

و اما احتمال ان تكون الوكالة بهذه الصورة أو الصور الآتية من الوكالة العامة أو المطلقة موجبة للضرر على الموكل فيكون ذلك موجبا لبطلانها، فهو مدفوع بأنه يشترط في الوكالة ان يراعي الوكيل المصلحة في ما يقوم به من العمل للموكل، و نتيجة لذلك فلا تشمل الوكالة و ان كانت عامة أو مطلقة أي تصرف يوجب ضرر الموكل، بل و لا التصرفات التي لا مصلحة فيها و لا ضرر، و لا تنفذ من الوكيل مثل هذه التصرفات، و سيأتي ذكر هذا الشرط ان شاء اللّه تعالى.

المسألة 42:

يجوز للإنسان أن يوكل غيره في أن يتصرف تصرفا خاصا في جميع ما يملك، فيكون الأمر الموكل فيه خاصا من حيث التصرف و عاما من‌

501

حيث موضوعه بعكس ما فرض في المسألة المتقدمة، و مثال ذلك ان تكون للرجل عدة ممتلكات من الأشياء و الأنواع المختلفة، و يحتاج الى بيعها جميعا، فيقول للدلال: وكلتك على أن تبيع لي كل ما أملكه من أرضين و بساتين و دور، و عمارات و محلات، و فرش، و أثاث، و أمتعة و أجهزة و غير ذلك، فإذا قبل الوكيل صحت وكالته و جاز له بيع جميع ما وكله في بيعه.

المسألة 43:

يصح للإنسان أن يوكل غيره وكالة عامة في جميع التصرفات الممكنة، و في جميع مملوكاته و معاملاته و أعماله و شؤونه العامة و الخاصة، فيقول لمن يعتمد عليه في ذلك: أنت وكيل عني في جميع ما أملكه من أشياء، و ما أملك التصرف فيه من معاملة و عمل و من شؤون، على أن تتصرف في جميع ذلك بأي تصرف تريد، فيكون الأمر الموكل فيه عاما من كلتا الجهتين الآنف ذكرهما، فإذا قبل الوكيل هذه الوكالة، جاز له أي تصرف في الجهات المذكورة كلها، فله أن يبيع و ان يهب و أن يصالح و أن يقف و أن يتصدق و أن يعتق و أن يطعم و أن ينفق، و له أن يتولى تزويجه و تطليق زوجاته، و أن يوقع جميع ما يجوز للموكل إيقاعه من الأعمال التي تقبل النيابة و التوكيل.

المسألة 44:

يصح للشخص أن يوكل غيره وكالة مطلقة، و يراد بكونها مطلقة انها مرسلة غير مقيدة، و تجري في الوكالة المطلقة نظائر الفروض التي ذكرناها في الوكالة العامة، فإن المالك قد يجعل غيره وكيلا عنه في شي‌ء معين من أملاكه و يجعل وكالته فيه مطلقة من حيث التصرف، فيوكله في أن يتصرف في أرضه المعينة بأي تصرف يريده الوكيل، فيجوز للوكيل أن يبيع الأرض و أن يهبها، و أن يغرسها، و أن يبنيها عمارة أو دارا أو حوانيت، أو ما شاء من وجوه التصرف.

و قد يجعله وكيلا على أن يتصرف تصرفا معينا في شي‌ء من الأشياء التي يملكها، فيوكله على أن يبيع إحدى دوره أو محلاته أو بساتينه،

502

و يترك تعيين المبيع لإرادة الوكيل، و يكون الأمر الموكل فيه هو التصرف المعين و هو البيع في مطلق الأشياء التي يملكها الموكل لا على التعيين.

و قد يجعله وكيلا في أن يتصرف أي تصرف يريده في أي شي‌ء أو ناحية من الأشياء و النواحي التي يقدر الموكل على التصرف فيها، فتكون الوكالة مطلقة من كلتا الناحيتين.

المسألة 45:

إذا وكل المالك شخصا في أن يقوم له بأحد أعمال معينة على وجه التخيير بينها، ففي صحة الوكالة كذلك اشكال، و الأظهر الصحة، و مثال ذلك أن يقول له: أنت وكيل في أن تبيع لي هذه الدار، أو تؤجر لي هذا المحل، أو تقف لي هذا البستان، فلك ان تختار أي عمل تأتي به من الأعمال المذكورة، فتصح الوكالة على الأظهر، و ينفذ العمل الذي يأتي به من الأعمال الثلاثة التي وكله فيها و خيره بينها.

المسألة 46:

يشترط في صحة عمل الوكيل و نفوذه أن يراعي الوكيل مصلحة المالك الموكل، فإذا كانت الوكالة عامة أو مطلقة، فلا يجوز للوكيل أن يقوم بتصرف يوجب ضرر المالك أو يوجب عدم المصلحة له، و ان كان ما عمله موافقا لإطلاق الوكالة أو عمومها، و لا ينفذ منه ذلك التصرف الموجب للضرر أو المنافي للمصلحة، الا أن تقوم قرينة على رضى المالك بالتصرف و ان أوجب الضرر عليه أو خالف المصلحة، و مثال ذلك ان يعلم ان المالك يريد بيع الدار عاجلا أو خفية و ان كان بأقل من ثمن المثل أو بأقل من ثمن شرائها.

المسألة 47:

يجب على الوكيل في تصرفه عن الموكل أن يلاحظ ما تحتوي عليه عبارة عقد الوكالة من إطلاق أو تقييد أو عموم أو تخصيص، و ما تدل عليه العبارة بصراحتها أو ظهورها أو بسبب القرائن الخاصة أو العامة الكاشفة عن مراد الموكل فيقتصر عليه و لا يتجاوزه، فقد يوكله المالك على بيع الدار مثلا، و تدل القرائن على أن مقصود الموكل هو إنشاء صيغة البيع فحسب، فيقتصر الوكيل على ذلك، و يكون المرجع في‌

503

تقدير الثمن، و في تعجيله أو تأجيله، و في تسليم الدار و قبض الثمن و غير ذلك الى الموكل نفسه، و قد تدل القرائن على ان المراد أن يتولى الوكيل معاملة البيع كلها أو بعضها، فيكون الوكيل هو المعتمد في كل أولئك أو في بعضه.

المسألة 48:

إذا وكل الرجل شخصا ليشتري له سلعة خاصة، و علم أن ثمن السلعة في السوق عشرة دنانير مثلا فدفع الى الوكيل المبلغ ليشتري به السلعة، و لما ساوم الوكيل على السلعة قبل البائع منه بثمانية دنانير جاز له شراؤها للموكل بالثمانية، فإن عقد وكالته شامل لمثل ذلك عرفا، فيدفع الى البائع ثمانية دنانير مما في يده و يرجع باقي العشرة إلى الموكل.

المسألة 49:

إذا دفع المالك الى الرجل سلعة ليبيعها له كان الرجل وكيلا عنه في بيع السلعة، و في تسليمها للمشتري، بل و في قبض ثمنها منه إذا كان مالك السلعة غائبا، أو كان حاضرا و لكنه يكره أن يعرف بأنه مالك السلعة مثلا، و على وجه الاجمال، فالمدار في إطلاق الوكالة في ذلك و تقييدها على ما يدل عليه ظهور الحال أو ظهور القول.

المسألة 50:

إذا تعدى الوكيل في تصرفه عما حدد له المالك في عقد الوكالة، و عما دلت القرائن على دخوله فيها لم ينفذ منه ذلك التصرف، فإذا كان عقدا من العقود أو كان من الأمور الأخرى التي يجري فيها حكم الفضولي، شملها حكمه، فإن أجاز المالك ذلك التصرف نفذ، و ان لم يجزه كان باطلا.

و من أمثلة ذلك أن يوكل المالك وكيله في ان يبيع داره أو دكانه، فيؤجر الدار أو الدكان بدلا من بيعه، أو يوكله في أن يصالح على الشي‌ء، فيهبه بدلا من الصلح، و من أمثلة ذلك أن يوكله في بيع الأرض من زيد فيبيعه البستان بدلا عنها، أو يوكله في بيع الشي‌ء نقدا فيبيعه نسيئة، أو يوكله في أن يبيع الدار بشرط الخيار إلى مدة فيبيعها بغير‌

504

خيار و من أمثلة ذلك أن يوكله في بيع الدار على زيد فيبيعها على عمرو، فلا يصح تصرفه في جميع ذلك و يكون من الفضولي كما ذكرنا.

و إذا كان تصرفه مما لا يجري فيه حكم الفضولي، كالطلاق و العتق، وقع باطلا و لم تصححه اجازة الموكل، و قد تعرضنا لذكر المواضع التي يجري فيها حكم الفضولي و المواضع التي لا يجري فيها في عدة مسائل من أبواب المعاملات.

المسألة 51:

إذا عين الموكل للوكيل أن يبيع السلعة في سوق مخصوصة أو بثمن معين أو على مشتر معين، فان دلت القرائن العامة أو الخاصة على أن وكالته عامة شاملة و ان مراد الموكل تحصيل الفائدة و انما ذكر السوق المخصوصة و عين المشتري و عين الثمن لأنها أحد الأفراد أو لمجرد حصول الفائدة، و الرغبة عند عرض السلعة للبيع، لا لخصوصية فيها جاز للوكيل ان يبيع في غير السوق المخصوصة، أو بأكثر من الثمن المعين أو على غير المشتري المعين إذا حصل على الفائدة المقصودة.

و ان كان للموكل غرض خاص من تحديد السوق أو الثمن أو المشتري وجب على الوكيل الاقتصار عليه و لم يجز له التعدي عن المحدود، و إذا تعدى عنه كان فضوليا، فلا يصح تصرفه إلا بإجازة المالك، و كذلك إذا احتمل ان له غرضا خاصا من التحديد و كان الاحتمال مما يعتد به العقلاء، فلا يصح للوكيل التعدي عنه.

المسألة 52:

يصح للولي الشرعي على القاصر، كالأب و الجد للأب، و الوصي من أحدهما و الحاكم الشرعي و القيم المنصوب منه، ان يوكل غيره في إجراء بعض المعاملات أو بعض الأعمال التي تقتضيها ولايته على أموال القاصر و على شؤونه، فيبيع الوكيل بعض أموال القاصر أو يستدين له بعض المال أو يبني له داره، و هو يفعل ذلك بالوكالة عن الولي لا عن القاصر، و يصح للأب أو الجد للأب أن يوكل أحدا فيجري للصبي أو الصبية عقد النكاح و يراجع فصل أولياء العقد في ما يتعلق بولاية الأب و الجد في‌