كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
55

و يشترط فيه زائدا على ذلك أن يكون غير محجور عليه لفلس، و لا يعتبر هذا الشرط في الضامن، فيصح للمفلس أن يضمن ما في ذمة غيره من الدين، و لكن المضمون له لا يشارك غرماء المفلس الضامن في الضرب في أمواله الموجودة بل يبقى هذا الدين المضمون في ذمة الضامن حتى يؤديه في ما يأتي بعد الفلس.

المسألة السابعة:

لا يشترط في الشخص المضمون عنه أن يكون بالغا أو أن يكون عاقلا، فيصح للضامن أن يضمن ما في ذمة الصغير من الدين و أن يضمن ما في ذمة المجنون، و لا يشترط فيه أن يكون غير محجور لسفه أو لفلس، فيصح للضامن أن يضمن ما في ذمة السفيه أو المفلس.

المسألة الثامنة:

إذا ضمن الرجل ما في ذمة الصغير أو المجنون لم يجز له أن يرجع عليهما بعوض ما أداه عنهما و ان كان ضمانه بإذنهما، و إذا كان المجنون أدواريا، و كان ضمان الضامن عنه بإذنه في دور إفاقته صح له الرجوع عليه إذا أدى عنه الدين، و إذا ضمن ما في ذمة المحجور السفيه أو المفلس لم يجز له كذلك أن يرجع عليهما بالعوض و ان كان الضمان بإذنهما.

المسألة التاسعة:

إذا ضمن الرجل ما في ذمة الصغير باذن وليه، و كان اذن الولي له بالضمان لمصلحة تعود للصغير، جاز للضامن أن يرجع على الصغير بالعوض على الظاهر، و لا يبعد أن يكون الحكم كذلك إذا ضمن ما في ذمة المجنون، أو ضمن ما في ذمة السفيه بإذن الولي، و قد لاحظ الولي في اذنه بالضمان مصلحة تعود للمجنون، و للسفيه.

المسألة العاشرة:

لا يصح الضمان من العبد المملوك إذا كان غير مأذون من مالكه، و في الآية الكريمة (ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ)، و هي ظاهرة الدلالة على ان العبد مملوكة عينه و مملوك فعله فهو لا يقدر على شي‌ء من ذلك، و ان سلطان ذلك كله بيد مالكه، من غير فرق بين ما ينافي حق المولى من أفعاله و شؤونه و ما لا ينافيه، و لا ريب في ان ذمة‌

56

العبد كسائر شؤونه داخلة في هذه الكبرى، فهو لا يقدر على أن يشغل ذمته بضمان أو غيره الا إذا حكم الشارع بذلك كما إذا أتلف مال غيره، أو أذن له مولاه بأن يشغل ذمته لأحد بدين أو بضمان.

المسألة 11:

إذا أذن السيد لمملوكه صح للعبد أن يضمن ما في ذمة غيره، سواء كان الاذن خاصا أم عاما، و يتبع في ضمانه ما حدد له السيد في اذنه، كما إذا عين له أن يكون الضمان في ذمة السيد أو في ذمة العبد أو في كسبه، و إذا كان الاذن مطلقا و لم يعين شيئا، فالظاهر من الإطلاق أن الضمان يكون في ذمة العبد و نتيجة ذلك تختلف باختلاف شأن العبد مع سيده، فقد يكون السيد قد قيد ارادة العبد و تصرفه في أموره و أفعاله بإرادة السيد بحيث يكون متسلطا على شؤون العبد و أعماله و تكون جميع أفعاله و تصرفاته و كسبه و ماله تحت رعاية المالك و اختياره، فيكون ذلك قرينة على ان السيد يتعهد بما في ذمة العبد و ما يضمنه باذنه، فعلى السيد أن يؤدي ضمان العبد من أي أمواله شاء، من كسب العبد أو من غيره.

و قد يكون السيد قد أطلق إرادة العبد في تصرفه، و اذن له في ان يفعل ما يشاء كالأحرار، و على هذا فيكون الوفاء بالضمان في عهدة العبد يؤديه من كسبه أو من أمواله الأخرى.

المسألة 12:

يشترط في عقد الضمان أن يكون منجزا على الأحوط لزوما، فلا يصح إذا كان معلقا على شي‌ء سواء كان التعليق للضمان نفسه، و مثال ذلك أن يقول الموجب للمضمون له: ضمنت لك ما في ذمة زيد من الدين إذا أذن لي أبي بالضمان عنه، أم كان التعليق لوجوب الوفاء، و مثال ذلك أن يقول للمضمون له: ضمنت لك ما في ما في ذمة زيد و أؤدي الدين عنه إذا هو لم يؤد الدين عن نفسه إلى مدة شهر.

المسألة 13:

يشترط في الضمان على الأحوط لزوما أن يكون الدين الذي يراد ضمانه ثابتا بالفعل في ذمة الشخص المدين، سواء كان ثبوته مستقرا،

57

كعوض القرض، و كالثمن في بيع النسيئة، و المثمن في بيع السلف إذا كانا مما لا خيار فيه، و كالمهر المؤجل للزوجة بعد الدخول، أم كان ثبوته متزلزلا، كالثمن و المثمن في الذمة في البيع الخياري، فلا يصح ضمان الدين قبل أن يتحقق سبب ثبوته كعوض القرض قبل أن يقترض، و كالمهر المؤجل قبل أن يتزوج المرأة، و كالثمن أو المثمن قبل أن يتحقق البيع، و كنفقة المرأة قبل أن يتزوجها.

المسألة 14:

لا يكفي في صحة الضمان أن يتحقق المقتضي لثبوت الدين قبل أن يتم السبب له و تشتغل الذمة به بالفعل فلا يصح أن يضمن الضامن نفقة الزوجة قبل أن تشتغل بها ذمة الزوج و ان تحققت الزوجية بينهما، و لا يصح أن يضمن مال الجعالة قبل أن يأتي العامل المجعول له بالعمل، و لا يصح أن يضمن مال السبق و الرماية قبل أن يتحقق سبق السابق، و ان وجد المقتضي لاستحقاق المال، و هو العقد، و سيأتي التعرض لها في ما يأتي ان شاء اللّه تعالى.

المسألة 15:

اعتبر جماعة من الفقهاء (قدّس اللّٰه أنفسهم) في الضمان: ان لا يكون الضامن مدينا للمضمون عنه بمثل الدين الذي يريد أن يضمنه عنه، و جعلوا هذا هو الفارق بين الضمان و الحوالة، فكلاهما عندهم تعهد بما في ذمة المدين لدائنه، فإذا كان الضامن مدينا للشخص المضمون عنه بمثل الدين الذي يضمنه عنه كان حوالة، و إذا كان غير مدين له بذلك كان ضمانا.

و الأقوى عدم اعتبار ذلك، فيصح الضمان سواء كان الضامن مشغول الذمة بذلك أم كان بريئا، و فائدة الضمان هي نقل الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، فإذا تم عقد الضمان و ثبتت شروطه انتقل الدين إلى ذمة الضامن و برئت ذمة المضمون عنه، و سيأتي بيان ذلك.

و الضمان و الحوالة عقدان متخالفان في مفهوميهما و في أحكامهما و آثارهما، و قد تقدم ان إنشاء العقد في الضمان يكون بالإيجاب من‌

58

الضامن و لا يعتبر فيه رضى المضمون عنه، و سيأتي في كتاب الحوالة ان إنشاء العقد فيها يكون بالإيجاب من المحيل، و بينهما فوارق أخرى سيأتي بيان بعضها في مواضعه ان شاء اللّه تعالى.

المسألة 16:

إذا كان زيد مدينا لعمرو مائة دينار، و كان خالد مدينا لزيد بمثل ذلك، ثم ضمن خالد لعمرو ما يستحقه في ذمة زيد، و زيد هو دائنه كما ذكرنا، فان كان خالد قد استأذن زيدا في ضمان ما في ذمته، ثم أدى ما ضمنه لعمرو، أصبح خالد بعد أداء الضمان دائنا لزيد بمال الضمان و هو مدين له أيضا بالدين السابق، فيتساقط الدينان، و ليس ذلك من الحوالة كما ذكرنا في المسألة المتقدمة.

و إذا ضمن خالد ما في ذمة دائنه زيد بغير اذنه كان متبرعا بضمانه عنه، و أصبح بعد الضمان مدينا لعمرو بمال الضمان، و مدينا لزيد بدينه السابق، فإذا أدى مال الضمان لعمرو برئت ذمته من دين عمرو و بقيت ذمته مشغولة لزيد بدينه السابق.

المسألة 17:

يعتبر في الضمان أن يكون الدين الذي يراد ضمانه متميزا عند الضامن بحيث يصح منه ان يكون قاصدا لضمانه، و لذلك فلا يصح إذا كان الدين مبهما مرددا عنده، و مثال ذلك أن يكون لزيد دينان مختلفان في ذمة عمرو، فيضمن له خالد أحد هذين الدينين من غير تعيين، فلا يصح ذلك و ان كان المضمون له و المضمون عنه معينين متميزين، و مثال ذلك أيضا أن يكون لزيد دين في ذمة عمرو، و دين آخر في ذمة بكر، فيضمن خالد لزيد أحد الدينين و لا يعين ان ضمانه لأيهما.

و يشترط كذلك ان يكون الشخص المضمون له متميزا عند الضامن، بحيث يصح منه قصد الضمان لذلك الشخص فلا يصح إذا كان مبهما مرددا كما ذكرنا في الدين المضمون، و مثال ذلك أن يكون عمرو مدينا لزيد بمبلغ من المال، و مدينا لبكر بمبلغ آخر، فيضمن خالد عن عمرو‌

59

أحد هذين الدينين اللذين في ذمته و لا يعين ان المضمون له هو زيد أو بكر، فلا يصح الضمان.

و يشترط أيضا أن يكون الشخص المضمون عنه متميزا عند الضامن بحيث يصح منه قصد الضمان عنه، فلا يصح إذا كان مبهما مرددا، و مثال ذلك أن يكون لزيد دين معين على عمرو و دين معين على بكر، فيضمن خالد لزيد أحد الدينين المذكورين و لا يعين أن الشخص المضمون عنه هو عمرو أو بكر. فلا يصح الضمان في كل أولئك.

المسألة 18:

يكفي في صحة الضمان أن يكون الدين المضمون متميزا في قصد الضامن بحيث يصدق في نظر أهل العرف أنه قصد ضمان هذا الدين لصاحبه، و ان لم يميز الدين على وجه التفصيل، أو لم يتعين عنده الدائن على وجه التفصيل أو لم يتعين عنده المدين كذلك، فإذا علم الرجل أن على صديقه زيد دينا و لكنه لا يعلم بمقداره و لا يعلم ان دائنه خالد أو عمرو، جاز له ان يضمن الدين، لأنه متميز يصح قصده، فإذا ضمنه لصاحبه الواقعي و رضي الدائن بضمانه لما بلغه الأمر صح الضمان و ترتبت عليه آثاره و برئت ذمة زيد مما عليه.

و كذلك إذا علم الرجل أن لزيد دينا على أحد صديقيه عمرو أو خالد، و لا يعلم بمقدار الدين و لا يدري أن المدين أي الصديقين، فيمكن له ضمانه لأنه متميز كما تقدم فإذا ضمنه لزيد و رضي زيد بضمانه صح الضمان و برئت ذمة المدين أيا كان منهما.

و كذلك يصح للرجل أن يضمن عن زيد جميع ديونه التي في ذمته و ان لم يعلم بمقادير الديون و لا بعددها و لا بأصحابها لأنها متميزة في الواقع و يصح منه قصدها، فإذا بلغ الخبر أصحاب الديون و قبلوا بضمان الضامن صح ضمانه و ترتبت آثاره و برئت ذمة زيد منها جميعا، و إذا قبل بعضهم بضمانه دون بعض، صح الضمان في من قبل ضمانه و لم يصح غيره و يصح أن يضمن لزيد جميع الديون التي له على الآخرين على النهج المتقدم فتجري الأحكام السابقة كلها.

60

المسألة 19:

إذا كان الدين متميزا عند الضامن على النحو الآنف ذكره جاز له أن يضمن جميع الدين و ان يضمن جزءا مشاعا منه فيقول للمضمون له:

ضمنت لك نصف دينك على فلان أو ثلثه أو ربعه، فإذا رضي المضمون له صح الضمان و برئت ذمة المدين من ذلك الجزء المعين من الدين، و جاز له أن يضمن مقدارا معينا منه، فيقول للمضمون له: ضمنت لك مائة دينار من دينك على فلان، فإذا تم العقد ثبت الضمان حسب ما عين.

و يشكل ضمان جزء غير معين منه كما إذا قال له: ضمنت لك شيئا من الدين أو جزءا منه، و لم تدل قرينة على تعيين المقصود من الشي‌ء أو الجزء.

المسألة 20:

إذا اجتمعت شروط الصحة في الضمان و تم الإيجاب و الرضى به انتقل الدين إلى ذمة الضامن و برئت ذمة المضمون عنه، فلا يجوز للدائن أن يطالبه بالدين بعد ذلك.

المسألة 21:

إذا شرط الدائن في عقد الضمان أن تضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في اشتغالهما بالدين بحيث يصح له أن يطالب أيهما شاء بدينه أو يطالبهما معا، لم يصح هذا الشرط على الأقوى، لأنه مخالف للكتاب و السنة، و لا يبطل العقد ببطلان الشرط فيصح ضمان الضامن و ينتقل المال الى ذمته خاصة.

المسألة 22:

إذا تم عقد الضمان، ثم أبرأ الدائن ذمة الضامن من الدين برئت ذمة الضامن بالإبراء، كما برئت ذمة المضمون عنه بالضمان، فلا يبقى له حق عندهما جميعا، و سيأتي ان الدائن إذا أبرأ ذمة الضامن من الدين فلم يدفع منه شيئا فليس للضامن أن يرجع على المضمون عنه بشي‌ء.

61

و إذا أبرأ الدائن ذمة المضمون عنه لم يؤثر هذا الإبراء شيئا، فإن ذمة المضمون عنه قد برئت بالضمان و انتقل الدين منها إلى ذمة الضامن، و لا تبرأ ذمة الضامن بذلك، الا ان يعلم من القرائن ان الدائن يريد إبراء ذمة الضامن، و إسقاط حقه من الدين عن الضامن و المضمون عنه، و إذا دلت القرائن على ذلك فليس للضامن ان يرجع على المضمون عنه بشي‌ء.

الفصل الثاني الضمان من العقود اللازمة

المسألة 23:

عقد الضمان لازم فلا يجوز فسخه من قبل الضامن، و لا من قبل المضمون له على الأصح، سواء وقع العقد باذن المضمون عنه و رضاه أم كان متبرعا به من الضامن.

و نسب الى القول المشهور بين العلماء: أنه يشترط في لزوم العقد من جهة المضمون له، أن يكون الضامن موسرا في حين صدور العقد، فإذا كان موسرا في ذلك الحال كان العقد لازما على المضمون له، و كذلك إذا كان الضامن معسرا في حال العقد و كان المضمون له عالما بإعساره، فلا يجوز له فسخ الضمان في هاتين الحالتين.

و إذا كان الضامن معسرا و كان المضمون له جاهلا بإعساره، جاز له فسخ العقد، و فرعوا على ذلك فروعا ذكروها في كتبهم.

و الظاهر عدم ثبوت هذا الاشتراط و لا هذه الفروع، فإذا تم عقد الضمان و توفرت شروط الصحة فيه كان لازما من قبل الضامن و من قبل المضمون له معا، فلا يجوز له فسخ العقد و ان كان الضامن معسرا و كان المضمون له جاهلا بذلك.

المسألة 24:

يجوز للضامن أن يشترط في عقد الضمان خيار الفسخ لنفسه في مدة معينة أو يشترطه مطلقا، و يجوز للمضمون له ان يشترط ذلك‌

62

لنفسه، و يجوز أن يشترط ذلك كل منهما لنفسه، فيكون الفسخ جائزا لكل من الطرفين.

المسألة 25:

يصح لكل من الضامن و المضمون له أن يشترط على صاحبه في ضمن العقد ما يريد، فإذا قبل صاحبه بالشرط كان لازما و وجب العمل به إذا كان مستجمعا لشرائط الصحة، فإذا لم يف له صاحبه بالشرط ثبت له خيار تخلف الشرط.

المسألة 26:

تقدم منا في المسألة الرابعة: انه لا يعتبر في صحة الضمان رضى المضمون عنه، فيصح الضمان و ان لم يرض بضمان ما في ذمته و لم يأذن به، و يكون ضمانا متبرعا به، و إذا تم الضمان برئت ذمة المضمون عنه من الدين، سواء كان متبرعا به أم مأذونا فيه، ثم هما يختلفان بعد ذلك في بعض الأحكام الآتي بيانها.

المسألة 27:

إذا ضمن الضامن الدين و أداه لصاحبه، و لم يستأذن المدين في الضمان عنه و لا في الأداء فليس له الرجوع على المدين بشي‌ء، و كذلك إذا ضمن الدين عنه بغير اذنه، ثم أذن له بأن يؤدي عن نفسه ما استقر عليه بسبب الضمان، أو أمره به، فإذا أداه الضامن فليس له الرجوع على المضمون عنه بشي‌ء.

نعم، إذا أراد المدين التبرع عن الضامن بوفاء الدين الذي استقر عليه بسبب الضمان، فقال للضامن: أد الدين الذي استقر في ذمتك بسبب الضمان عني ثم ارجع به علي، فالظاهر صحة ذلك، فإذا أدى الضامن الدين صح له الرجوع على المدين في هذه الصورة.

المسألة 28:

إذا ضمن الرجل ما في ذمة الشخص المدين و كان ضمانه باذنه، ثم أدى الدين لصاحبه، صح للضامن أن يرجع على المضمون عنه بذلك، و ان لم يستأذنه في الأداء.

63

المسألة 29:

إذا أذن المدين للرجل أن يتبرع له و يضمن الدين الذي في ذمته، فضمنه عنه ثم أداه كان متبرعا بالضمان و الأداء فليس له الرجوع على المدين بشي‌ء، و لا اثر لهذا الإذن لأنه اذن بالتبرع بالضمان عنه.

المسألة 30:

إذا ضمن الرجل ما في ذمة المدين و كان ضمانه باذنه فلا يصح له الرجوع على المدين حتى يؤدي المال الذي ضمنه عنه، فإذا أدى جميع المال صح له أن يرجع عليه بالجميع، و إذا دفع الى الدائن شيئا من الدين و استمهله في دفع بقيته صح له أن يرجع على المدين بالمقدار الذي أداه منه و لم يجز له الرجوع عليه بالباقي حتى يدفعه، و إذا صالح الدائن عن الدين بمقدار منه، فليس له الرجوع على المدين الا بالمقدار الذي صالح الدائن به، و إذا أبرأ الدائن ذمة الضامن من الدين كله لم يرجع على المضمون عنه بشي‌ء من الدين، و إذا أبرأ ذمته عن بعض الدين، فلا يجوز للضامن ان يرجع على المضمون عنه بمقدار ذلك البعض الذي أبرأه منه.

و إذا تبرع أحد عن الضامن فأدى عنه الدين أو تبرع بضمانه عنه لم يرجع على المدين بشي‌ء، و إذا تبرع احد عن الضامن فأدى عنه بعض الدين أو ضمن بعضه عنه لم يرجع بذلك البعض، و كذلك إذا ضمن الضامن الدين بأقل منه و رضي المضمون له بذلك، فليس له الرجوع على المدين الا بذلك المقدار إذا دفعه إليه.

المسألة 31:

إذا ضمن الرجل الدين عن أحد و كان ضمانه باذن المدين، ثم احتسب المضمون له دينه على الضامن زكاة أو خمسا أو صدقة، فقد أدى الضامن الدين الى صاحبه، و لذلك فيجوز للضامن أن يرجع على المدين بدينه، و كذلك الحكم إذا قبض المضمون له دينه من الضامن ثم وهبه إياه، أو وهبه الدين الذي في ذمته من غير أن يقبضه منه، أو مات المضمون له و رجع الدين بعده ميراثا للضامن، فيجوز للضامن في جميع هذه الصور أن يرجع على المضمون عنه بالدين.

64

المسألة 32:

يجوز للضامن أن يضمن عن غيره الدين سواء كان حالا أم مؤجلا، و إذا كان الدين حالا أمكن له أن يضمنه حالا أو مؤجلا، و إذا كان مؤجلا أمكن له أن يضمنه مؤجلا كذلك أو حالا، و إذا كان مؤجلا أمكن له ان يضمنه مؤجلا بمثل أجله أو بأكثر منه أو بأقل، فيصح له جميع ذلك إذا رضي به الطرفان.

و إذا استأذن الضامن المدين في أن يضمن عنه ما في ذمته، فقد يكون اذنه له بالضمان مطلقا غير مشروط بالأجل و قد يشترط عليه أن يكون ضمانه إلى أجل، و قد يشترط عليه أن يكون ضمانه حالا غير مؤجل، و إذا اشترط عليه في اذنه أن يكون الضمان مؤجلا فضمنه حالا، أو شرط عليه أن يضمنه حالا فضمنه مؤجلا، انتفى الاذن و كان ضمانه متبرعا به و غير مأذون فيه.

المسألة 33:

إذا أذن المدين لأحد في ان يضمن ما في ذمته، و كان الدين حالا فضمنه الشخص المأذون مؤجلا إلى مدة معينة، ثم أسقط حقه من التأجيل فأدى الدين قبل حضور الأجل، فإن كان المضمون عنه قد اذن له بالضمان إذنا مطلقا و لم يشترط فيه أن يكون الضمان إلى أجل، صح للضامن أن يرجع عليه بعد أداء الدين للدائن و ان لم يحل الأجل، و إذا كان قد اشتراط عليه في اذنه أن يكون الضمان مؤجلا أشكل الحكم بجواز الرجوع عليه في الحال بعد أداء الدين و قبل حلول أجله، إذ لعل المقصود من اشترط التأجيل في الضمان أن لا يرجع عليه في الحال.

و كذلك الحكم إذا مات الضامن قبل انقضاء الأجل، فحل ما عليه من الدين بسبب موته، و أخذ الدائن الدين من تركته، فان كان اذن المضمون عنه مطلقا غير مشروط بالأجل صح لوارث الضامن ان يرجع عليه بعد أداء الدين، و ان كان اذنه مشروطا بالأجل، أشكل الحكم بجواز الرجوع عليه قبل انقضائه.

المسألة 34:

إذا أذن المدين بضمان ما عليه و كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن‌

65

مؤجلا كذلك، ثم أسقط حقه من الأجل و أدى الدين حالا، أو مات قبل حلول الأجل و أخذ الدائن دينه من التركة كما تقدم، جرى فيه التفصيل الآنف ذكره، فيصح له الرجوع على المدين في صورة إطلاق الاذن من المضمون عنه، و يشكل الحكم إذا اشترط فيه التأجيل.

المسألة 35:

إذا أذن المدين لأحد بضمان ما عليه، و كان الدين الذي في ذمة المدين مؤجلا فضمنه الضامن حالا و أدى الدين لصاحبه، فالظاهر انه يصح له الرجوع على المدين بعد أداء الدين، إذا كان الاذن مطلقا غير مشروط بالتأجيل، و إذا فهم من اذنه بالضمان و لو مؤجلا أن لا يرجع عليه بالدين قبل الأجل لم يصح له الرجوع، و إذا احتمل ذلك أشكل الحكم كما تقدم.

المسألة 36:

إذا كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن بأقل من اجله و أداه كذلك، و كان الضمان باذن المدين جرى فيه التفصيل المتقدم، و كذلك إذا كان الدين مؤجلا فضمنه الضامن بأكثر من أجله مع اذن المدين ثم أسقط حقه من التأجيل و أدى الدين حالا، أو مات الضامن و حل دينه بسبب موته قبل الأجل و أخذ الدائن من تركته، فيجري في هذه الفروض ما تقدم من التفصيل.

المسألة 37:

إذا دفع المضمون عنه الدين إلى الدائن المضمون له و لم يستأذن الضامن بدفعه، برئت ذمة الضامن لوفاء دينه، و برئت ذمة المضمون عنه لأن الضامن لم يؤد المال فلا يحق له الرجوع على المضمون عنه، و كذلك الحكم إذا تبرع أحد فدفع الدين للدائن بغير اذن الضامن فتبرأ بذلك ذمة الضامن و المضمون عنه.

المسألة 38:

إذا طلب الضامن من الشخص المضمون عنه أن يدفع عنه مال الضمان للدائن فدفعه عنه برئت بذلك ذمة الضامن و المضمون عنه، فالمضمون عنه قد وفى دين الضامن بأمره، و من أجل ذلك يصبح الضامن مدينا له بالمبلغ الذي دفعه للدائن، و الضامن قد ضمن ما في ذمة المدين باذنه‌

66

ثم ادى الدين عنه، فيصبح المضمون عنه مدينا للضامن بالمبلغ، فيتقابل الدينان و يحكم الشارع بسقوطهما معا.

المسألة 39:

إذا دفع المدين الى الضامن مقدار الدين الذي ضمنه عنه قبل أن يؤديه الضامن الى صاحبه، فقد يقصد بذلك أن يكون المبلغ المدفوع أمانة بيد الضامن، فإذا هو أدى عنه مال الضمان و استحق الرجوع عليه بما ضمن من الدين احتسب هذه الأمانة وفاء لدينه، فيكون المال أمانة كما قصد حتى يفي به الدين.

و قد يقصد بذلك أن يكون المبلغ المدفوع وفاء عما في ذمته بالفعل، فيشكل الحكم بصحته كذلك، و إذا بقي المال في يد الضامن حتى أدى للدائن مال الضمان، صح له أن يحتسبه عما له في ذمة المضمون عنه، و لا يحتاج إلى إذن جديد بذلك إذا بقي الإذن السابق و لو بالاستصحاب.

المسألة 40:

إذا تبرع زيد فضمن ما في ذمة صديقه عمرو من الدين و لم يستأذنه في الضمان عنه، ثم استأذن خالد فضمن عن زيد مال ضمانه، فإذا أدى خالد و هو الضامن الثاني مال الضمان، برئت بذلك ذمة زيد و ذمة عمرو من الدين، و صح لخالد أن يرجع على زيد بما أدى عنه لأنه قد ضمن عنه باذنه، و لم يصح له أن يرجع على عمرو فان زيدا كان متبرعا بالضمان عنه و لم يصح لزيد ان يرجع على عمرو.

المسألة 41:

إذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو و كان ضمانه عنه باذنه، ثم تبرع خالد فضمن عن زيد مال الضمان بغير إذنه، فإذا أدى خالد مال الضمان برئت بذلك ذمة زيد و ذمة عمرو من دينهما، و لم يصح لخالد أن يرجع على زيد بما أدى عنه فإنه متبرع بالضمان عنه، و لم يصح لزيد أن يرجع على عمرو فان زيدا لم يؤد مال الضمان عنه بل تبرع خالد بأدائه عنه.

المسألة 42:

إذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو من الدين و كان ضمانه باذنه، ثم‌

67

ضمن خالد عن زيد مال الضمان و كان ضمانه عنه بإذنه أيضا، فإذا أدى خالد مال الضمان برئت ذمة زيد و ذمة عمرو، و صح لخالد و هو الضامن الثاني ان يرجع على زيد بما أدى عنه، و صح لزيد و هو الضامن الأول أن يرجع على عمرو كذلك إذا أدى لخالد ما عليه من مال الضمان، و لا يرجع عليه إذا لم يؤد.

المسألة 43:

يمكن أن يترامى الضمان، فيضمن الضامن الأول دين المدين، ثم يضمن الضامن الثاني مال الضمان عن الضامن الأول، و يضمن الثالث ما في ذمة الثاني و يضمن الرابع عن الثالث و هكذا، مع مراعاة المناهج و الشروط الآنف ذكرها في الضمان.

فإذا ضمن زيد دين عمرو برئت ذمة عمرو بالضمان، و استقر الدين في ذمة زيد، و إذا ضمن خالد مال الضمان عن زيد برئت ذمة زيد منه و استقر في ذمة خالد، و إذا ضمن الضامن الثالث ما في ذمة خالد برئت ذمة خالد منه و استقر في ذمة الضامن عنه، و هكذا حتى يستقر الدين في ذمة الضامن الأخير و تبرأ ذمم من سبقه من الضامنين فإذا أدى الضامن الأخير مال الضمان الى المضمون له و هو الدائن الأول برئت ذمته منه، و إذا كان ضمانه باذن الشخص الذي ضمن عنه، جاز له أن يرجع عليه بما أداه من دينه، فإذا أدى ذلك الشخص له الدين رجع على سابقه إذا كان ضمانه عنه باذنه، و هكذا حتى يرجع الى الضامن الأول فيرجع على المدين الأول إذا كان ضمانهم جميعا مع الاذن، و لا يرجع اللاحق على السابق إذا لم يؤد ما عليه، و لا يرجع اللاحق على السابق إذا كان ضمانه عنه متبرعا به من غير اذن.

و نتيجة لذلك فإذا كان الضامن الأخير متبرعا بضمانه لم يرجع على من ضمن عنه و لم يرجع أحد من الضامنين قبله ممن ضمنوا عنهم الى المدين الأول، و كذلك الحكم إذا كانت السلسلة كلها متبرعة بالضمان من غير اذن.

و إذا كان بعض السلسلة متبرعا بضمانه و بعضها مأذونا فيه لم يرجع المتبرع على من ضمن عنه، و لم يرجع من كان قبله من السلسلة‌

68

و ان كان ضمانه مأذونا فيه الى أن يصل الأمر إلى الضامن الأول و المدين الأول.

المسألة 44:

ذكروا (قدس اللّٰه أرواحهم): انه يجوز للإنسان أن يضمن الدين عن غيره بأقل منه، فإذا كان الرجل مدينا بمائة دينار مثلا، فيصح للآخر أن يضمن ما في ذمته بثمانين دينارا، و الظاهر ان المراد من ذلك أن الضامن يضمن المقدار الأقل من مجموع الدين، و يبرئ الدائن ذمة المدين من الزائد عليه، فيضمن ثمانين دينارا من الدين في المثال المتقدم، و يبرئ ذمة المدين من بقية المائة، فإذا اتفق الجميع على ذلك صح الضمان كما اتفقوا عليه، فإذا أدى الضامن المقدار الأقل و هو المضمون من الدين رجع به على المدين و لم يرجع بالزائد فإن الذمة قد أبرئت منه كما هو المفروض.

و ذكروا أنه يجوز أن يضمن الدين بأكثر منه، و هو مشكل، الا ان يراد ان الضامن يلتزم بأن يدفع الزائد للدائن مجانا و من المعلوم ان ذلك ليس من الضمان.

المسألة 45:

يجوز أن يضمن الضامن الدين و يشترط في العقد أو يشترط الدائن عليه أن يكون الوفاء بغير جنس الدين، و إذا ضمن الدين كذلك و أداه إلى الدائن كما شرط، صح له الرجوع على المضمون عنه بنفس الدين و لم يجز له الرجوع عليه بغير الجنس الا مع التراضي.

المسألة 46:

يجوز للدائن أن يشترط على الضامن في العقد أن يجعل على الدين الذي ضمنه رهنا فإذا اشترط عليه ذلك وجب على الضامن الوفاء بالشرط فيجعل الرهن على الدين بعد الضمان، و كذلك إذا اشترط عليه ذلك في ضمن عقد آخر بعد عقد الضمان.

المسألة 47:

إذا ضمن الضامن الدين، و كان المدين قد جعل على الدين رهنا، فان كان المدين قد وضع الرهن عند الدائن وثيقة لفراغ ذمته من الدين‌

69

كما هو الظاهر انفك الرهن بالضمان لتحقق فراغ الذمة بذلك و ان كان الرهن وثيقة لوفاء الدين، فالرهن باق بحاله حتى يحصل الأداء، و قد ذكرنا ان الظاهر هو الأول.

المسألة 48:

يجوز للضامن أن يضمن الدين و يقيد ضمانه بأن يكون وفاء الدين من مال معين من أمواله و يجوز له أن يشترط ذلك في عقد الضمان، و يجوز أن يكون الدائن المضمون له هو الذي يقيد ضمان الضامن بذلك أو يشترطه عليه، و إذا قيد أحدهما الضمان بذلك أو شرطه فيه لزم الضامن ذلك فيجب عليه ان يفي الدين من ذلك المال المعين.

و إذا تلف المال المعين ثبت للمشترط خيار فسخ الضمان من غير فرق بين التقييد و الاشتراط، فإذا كان مأخوذا بنحو التقييد ثبت للمشترط خيار تخلف الوصف، و إذا كان مأخوذا بنحو الاشتراط ثبت للمشترط خيار تخلف الشرط و إذا نقص المال ثبت الخيار كذلك للمشترط، فإذا هو لم يفسخ الضمان وجب على الضامن ان يتم وفاء الدين من مال آخر، و إذا كان التقييد بذلك بنحو وحدة المطلوب بطل الضمان بتلف المال.

المسألة 49:

إذا كان للضامن مال معين و أراد أن يجعل ضمان الدين على المال المعين و لا تشتغل ذمة الضامن بشي‌ء لم يكن ذلك ضمانا بالمعنى المصطلح للفقهاء، و المبحوث عنه في هذا الكتاب، بل يكون ذلك منه تعهدا خاصا و معاملة مستقلة بينه و بين الدائن و تدل على صحتها عمومات وجوب الوفاء بالعقود.

المسألة 50:

لا يصح- على الأقوى- للإنسان أن يضمن دينا عن مدين فقير على ان يفي دينه من الخمس أو من الزكاة أو المظالم و نحوها من الحقوق الشرعية التي تنطبق على ذلك الفقير، سواء كانت ذمة الضامن مشغولة بذلك الحق بالفعل أم لا.

المسألة 51:

يجوز للرجل أن يضمن دين المدين الثابت في ذمته من الخمس أو‌

70

الزكاة أو غيرهما من الحقوق، و الدائن المضمون له هو الجهة العامة التي جعل الشارع لها ذلك الحق، و ولي الجهة هو الحاكم الشرعي، فإذا أراد الرجل ضمان الدين لها عن المدين راجع الحاكم الشرعي أو وكيله و ضمن الدين له بالولاية على الجهة.

المسألة 52:

يصح ضمان الضامن و هو في مرض موته، فإذا مات قبل أداء الدين المضمون أخرج مال الضمان من أصل تركته على الأقوى سواء كان الضمان باذن المدين أم كان متبرعا به بغير إذنه.

المسألة 53:

يصح أن يشترك شخصان بالضمان عن رجل واحد و يضمنا عنه مجموع دينه بالمناصفة بينهما أو بالتفاوت، و يصح أن يقع ذلك منهما بعقدين مستقلين، فيضمن أحدهما عن الرجل حصة من الدين بعقد مستقل، ثم يضمن الثاني بقية الدين بعقد آخر، و يجوز أن يوقعا الضمان بعقد واحد، فيوكل أحدهما صاحبه أو يوكلا غيرهما فينشئ عقد ضمان يشتركان فيه حسب اتفاقهما من المناصفة أو غيرها فإذا رضي المضمون له تم الضمان و ترتبت آثاره و أحكامه كما أوقعاه.

و كذلك إذا كانوا أكثر من شخصين، فيصح لهم ان يشتركوا في الضمان عن واحد على الوجه المتقدم بيانه.

و يجوز للشخصين أو الأشخاص أن ينشئوا عقد الضمان من غير إشارة إلى مقادير حصصهم في ضمان الدين، فينصرف العقد إلى التساوي بينهم في الحصص، فإذا كانوا شخصين كان ضمانهما للدين بالمناصفة، و إذا كانوا ثلاثة كان ضمانهم له بالمثالثة، و كذلك إذا زاد العدد فالحصص متساوية و تكون بعدد الشركاء في الضمان.

المسألة 54:

إذا اشترك شخصان أو أشخاص في ضمان دين رجل واحد على النحو الذي بيناه في المسألة المتقدمة، انفرد كل واحد منهم بضمان حصته من الدين، و جاز له أن يؤدي ما عليه، فإذا أداه برئت ذمته سواء أدى‌

71

الضامن الآخر ما عليه أم لم يؤد، و يجوز للدائن المضمون له أن يطالب كل شخص منهم بأن يؤدي ما عليه، و يجوز له أن يطالب واحدا منهم و يؤجل الآخر في حصته، أو يبرئ ذمته من الدين إذا شاء.

و إذا كان أحد الشركاء مأذونا في ضمانه و كان الآخر متبرعا بغير اذن، و أديا ما عليهما، جاز للمأذون منهما ان يرجع على المدين بما أدى عنه، و لم يجز للآخر المتبرع في ضمانه ان يرجع على المدين بشي‌ء كما هي القاعدة في الضمان.

المسألة 55:

إذا تعدد الضامنون عن رجل واحد، و كان ضمان كل واحد منهم على نحو الانفراد بدين الرجل جميعه لا على سبيل الاشتراك فيه كما تقدم، فان كان ضمانهم مترتبا في وقوعه، فضمن الأول منهم و رضي الدائن بضمانه لم يصح ضمان الضامن الثاني بعده فإن ذمة المدين قد برئت من الدين و لا موضع لضمان الثاني عنه بعد براءة ذمته من الدين.

و إذا ضمن الضامن الأول ثم ضمن الثاني ثم ضمن الثالث، ثم رضي الدائن بواحد منهم، فالضامن هو من رضي الدائن بضمانه و ان كان هو الأخير منهم، و إذا رضي بواحد ثم رضي بآخر، فالضامن هو من رضي به أولا و لا حكم للآخر الذي يرضى به بعد ذلك.

و إذا رضي بضمانهم على وجه الإطلاق و لم يعين واحدا منهم كان لهذا الفرض الحكم الآتي في ما إذا ضمنوا جميعا عن الرجل دفعة واحدة غير متعاقبين.

و إذا وقع الضمان منهم دفعة واحدة، فإن رضي الدائن المضمون له بضمان واحد معين منهم دون الباقين كان ذلك الواحد هو الضامن، و إذا رضي بضمانهم على وجه الإطلاق و لم يعين واحدا جاز له ان يطالب بالدين أيهم شاء، و إذا طالب أحدهم في هذه الصورة و استوفى منه دينه، و كان ضمان هذا الضامن باذن المضمون عنه صح للضامن أن يرجع عليه بما أدى عنه، و إذا كان متبرعا بضمانه عنه لم يرجع عليه بشي‌ء.

72

المسألة 56:

إذا كان لزيد دين معين على عمرو، و له دين آخر على خالد، فضمن كل واحد من المديونين ما في ذمة الآخر، و رضي الدائن و هو زيد بضمانهما، صح الضمان و انتقل دين عمرو إلى ذمة خالد، و تحول دين خالد إلى ذمة عمرو.

فإذا كان الدينان مختلفين في المقدار أو في الجنس أو في تأجيل أحدهما و تعجيل الآخر، أو في مقدار الأجل بينهما فالأمر واضح لا خفاء فيه، و كذلك إذا كان على أحد الدينين رهن من المدين دون الآخر أو كان على كل دين منهما رهن معين، فينفك كل رهن بضمان الدين عن راهنه كما ذكرنا في المسألة السابعة و الأربعين. و تظهر الثمرة كذلك في ما إذا أبرأ الدائن أحد الدينين معينا، فيسقط ضمان ذلك الدين، و يبقى ضمان الدين الآخر بحاله.

و إذا رضي الدائن بضمان أحد الشخصين و لم يرض بضمان الآخر كان جميع الدينين في ذمة المدين الذي رضي بضمانه فإذا أدى جميع ما عليه و كان ضمانه باذن المدين الآخر جاز له الرجوع عليه في مقدار ما أدى عنه، و إذا كان متبرعا عنه لم يرجع عليه بشي‌ء.

المسألة 57:

إذا أدى المدين الضامن في الفرض المتقدم ذكره بعض ما في ذمته، و قصد في نفسه ان ما أداه يكون وفاء عن دينه الخاص به، أو عن دين الضمان اتبع ذلك و كان كما قصد، و إذا اختلف هو مع الدائن أو المدين الآخر فادعى أنه عين دينه أو عين دين الضمان صدق قوله، و إذا تنازعا عند الحاكم الشرعي، فالقول قوله مع يمينه، إذا لم يقم المدعي بينة على صحة ما يقول.

و إذا أدى شيئا عما في ذمته و لم يعين في قصده انه وفاء عن أي الدينين كان مخيرا في التعيين بعد ذلك، فإذا عين أحدهما كان وفاء عنه.

المسألة 58:

إذا أبرأ الدائن ذمة المدين الضامن في الفرض المتقدم ذكره من أحد الدينين و قصد في نفسه انه أبرأ ذمة المدين من دينه الأصلي، أو من‌

73

دين الضمان اتبع ما قصده، فتبرأ ذمته من الدين الذي عينه الدائن، و إذا اختلف مع المدين فادعى الدائن انه عين احد الدينين و أنكره المدين فالقول قول الدائن، و إذا أبرأ ذمة المدين من احد الدينين و لم يعين أيهما، تخير بعد ذلك، فإذا عين واحدا منهما برئت ذمة المدين منه.

المسألة 59:

يمكن أن يدور الضمان، فيضمن رجل دين رجل آخر، ثم يضمن غيرهما عن الضامن الأول، ثم يضمن المدين المضمون عنه أولا عن الضامن الثاني، و لا مانع من ذلك، فإذا ضمن زيد ما في ذمة عمرو من الدين فانتقل الدين إلى ذمة زيد، ثم ضمن خالد ما في ذمة زيد من مال الضمان، فأصبح ضامنا عن الضامن، ثم ضمن عمرو و هو المدين المضمون عنه أولا- عن خالد ما تحول في ذمته، صح ضمان الجميع إذا توفرت شروط الضمان في الجميع، و رضي الدائن المضمون له بضمانهم، و اشتغلت ذمة عمرو بالمال بسبب ضمانه عن خالد بعد ما برئت ذمته منه أولا بسبب ضمان زيد عنه.

فإذا كان عمرو قد جعل على دينه رهنا في المرة الأولى، فقد انفك رهنه بعد ان برئت ذمته من الدين بسبب ضمان زيد عنه، و لا يعود الرهن بعد عودة الدين الى ذمته بسبب ضمانه عن خالد، الا أن يجدد الرهن عليه بعقد جديد، فإذا أدى عمرو الدين إلى الدائن المضمون له برئت ذمته و برئت ذمة زيد و ذمة خالد من المال لسقوط الضمان لسقوط موضوعه و هو الدين، سواء كان الضمان متبرعا به أم مأذونا فيه.

و تظهر الثمرة أيضا بالحلول و التأجيل في الدين، كما إذا كان دين عمرو في المرة الأولى حالا و في الثانية مؤجلا أو بالعكس، و بالاختلاف في مقدار الأجل كما إذا كان الدين في المرة الأولى مؤجلا إلى شهرين و في المرة الثانية إلى ستة أشهر أو بالعكس، و بغير ذلك من وجوه الاختلاف الممكنة.

المسألة 60:

لا يختص الضمان بالأعيان التي تكون في الذمم بل تشمل الديون‌

74

التي تشتغل بها الذمة من المنافع و الأعمال، فإذا استأجر أحد من المالك دارا كلية موصوفة للسكنى مدة سنة مثلا و اشتغلت ذمة المؤجر له بمنفعة الدار الموصوفة و أصبحت دينا في ذمته، جاز لغيره أن يضمن للمستأجر تلك المنفعة، و إذا استأجر أجيرا لعمل كلي من الأعمال و لم يشترط فيه المباشرة، و أصبح العمل دينا للمستأجر في ذمة الأجير جاز لشخص آخر أن يضمن للمستأجر ذلك العمل، فإذا ضمنه عنه و رضي المضمون له بضمانه صح و ترتبت عليه الآثار المتقدم بيانها، و إذا اشترط عليه المباشرة في العمل لم يصح ضمانه.

المسألة 61:

إذا اشترط الدائن على المديون في ضمن العقد أن يكون أداء الدين من مال معين يملكه المديون نفسه لم يصح ضمان ذلك الدين.

الفصل الثالث الضمان العرفي

المسألة 62:

يصح ضمان نفقة الزوجة عن زوجها إذا استقرت في ذمته و أصبحت دينا ثابتا عليه، و الظاهر من الأدلة أن الزوجة تستحق النفقة و تملكها في ذمة الزوج متى احتاجت الزوجة إلى النفقة و كانت ممكنة للزوج من نفسها، و لا ريب في صدق ذلك في النفقة للمدة الماضية إذا كانت الزوجة فيها ممكنة للزوج من نفسها، و كذلك في نفقة اليوم الحاضر عند تحقق المعيار المذكور، فإذا استحقت النفقة و ملكتها في ذمة الزوج صح للضامن ضمانها، و لا تستحق النفقة في اليوم الحاضر إذا لم يتحقق المعيار الآنف ذكره.

و اما نفقتها للمدة المستقبلة فلا يصح لأحد ضمانها بمعنى الضمان المبحوث عنه بين الفقهاء فإن ذمة الزوج لم تشتغل بها بعد لتنقل بالضمان إلى ذمة الضامن.

و يصح التعهد و الالتزام بها إذا وجد المقتضي لثبوتها في ذمة الزوج و المقتضي هو تحقق الزوجية بينهما و التعهد المذكور هو الضمان بالمعنى‌

75

العرفي و هو معاملة مستقلة غير الضمان المصطلح فإذا تمت هذه المعاملة و تم العقد بين المتعهد و المتعهد له صحت المعاملة و وجب ترتيب آثارها، فيجب على المتعهد دفع النفقة عند حضور وقتها و الحاجة إليها و قد تقدم لها عدة نظائر و ستأتي لها نظائر أخرى.

المسألة 63:

لا يصح ضمان مال الجعالة قبل أن يأتي العامل بالعمل المجعول عليه، فإذا قال الرجل: من رد علي ضالتي فله عندي دينار مثلا، أو قال من خاط لي ثوبي أو من عمل لي العمل المعين فله علي ديناران، لم يصح لأحد أن يضمن للعامل مال الجعالة قبل أن يأتي بالعمل المعين، فان مال الجعالة لا يكون مستحقا للعامل المجعول له و لا يثبت في ذمة الجاعل حتى يأتي العامل بالعمل المعين و لذلك فلا يجري فيه الضمان المصطلح، و إذا أنشأ الجاعل إيقاع الجعالة و تصدى العامل للعمل المعين ثبت المقتضي لاستحقاقه المال، و جاز التعهد به قبل الإتيان بالعمل على النحو المتقدم في نفقة الزوجة للمدة المستقبلة، فإذا تمت المعاملة كما ذكرنا صحت و وجب ترتيب آثارها و تكون من الضمان العرفي.

و كذلك الحكم في مال السبق و الرماية، فلا يصح ضمانه قبل أن يتحقق سبق السابق، و إذا ثبت المقتضي له جاز التعهد به كنظائره المتقدم ذكرها.

المسألة 64:

الأعيان التي حكم الشارع بضمانها على واضع اليد عليها، كالأشياء المضمونة على الغاصب أو المقبوضة بالعقد الفاسد و الأمتعة المقبوضة بالسوم و أمثال ذلك من الأعيان المضمونة شرعا، لا يجوز ضمانها عن الأشخاص الذين حكم الإسلام عليهم بضمانها و وجوب ردها إلى أهلها إذا كانت موجودة و وجوب دفع بدلها إذا تلفت و وجوب دفع أرشها إذا نقصت أو ظهر فيها عيب.

و مثال ذلك: أن يضمن الضامن العين المغصوبة عن الغاصب، أو العين المقبوضة بالعقد الفاسد عن المشتري أو بالإجارة الفاسدة عن المستأجر، أو العين إذا قبضها الرجل بالسوم و لم يتم بيعها أو المعاملة‌

76

الأخرى عليها، فلا يصح ضمانه بالمعنى المبحوث عنه بين الفقهاء، و هو الضمان الذي ينقل الدين من ذمة إلى ذمة أخرى.

و يصح ضمانها بالضمان العرفي، و هو أن يتعهد الضامن للشخص المضمون له بالعين المضمونة، فإذا تراضيا و تم العقد شملته عمومات الوفاء بالعقود و ترتبت عليها آثارها، فيجب على المتعهد ان يرد العين على صاحبها إذا كانت موجودة و ان يدفع له مثلها أو قيمتها إذا تلفت، و أن يدفع له أرشها إذا ظهر فيها عيب أو نقص.

و كذلك الأعيان غير المضمونة كالوديعة و مال المضاربة و الرهن و سائر الأمانات قبل ان تتحقق أسباب الضمان لها من التعدي أو التفريط فلا يجوز ضمانها و يصح التعهد بها.

المسألة 65:

إذا اشترى رجل من غيره أرضا أو دارا أو متاعا، و دفع الثمن إلى البائع، فقد يشك المشتري في انتقال المبيع الى ملكه و سبب شكه هو احتماله ان يكون البائع قد باعه ملك غيره، أو يكون البيع باطلا لفقد شرط من شروط صحة البيع و لذلك فهو يطلب من البائع ضامنا يضمن له عهدة الثمن الذي دفعه إليه إذا ظهر المبيع ملكا لغيره أو ظهر ان البيع باطل لبعض الجهات التي تخفى عليه.

و قد نقل عن الأصحاب ره صحة هذا الضمان، و سموه ضمان درك الثمن، و فرعوا على ذلك فروعا عديدة، و الحكم بصحة هذا الضمان مشكل إذا أريد به الضمان بمعناه الاصطلاحي، و يصح الضمان في ذلك و في جميع فروعه التي ذكروها إذا أريد به الضمان العرفي، و هو التعهد و الالتزام الذي مر ذكره في المسائل المتقدمة، فإذا تم العقد و التعهد بين الضامن و المضمون له كان صحيحا و لزم الوفاء به، و لا يكون من الضمان الاصطلاحي.

المسألة 66:

إذا باع الرجل على غيره دارا أو أرضا أو متاعا بثمن شخصي معين و حصل القبض من المتبايعين، فقد يشك البائع في انتقال الثمن اليه‌

77

و سبب شكه هو احتمال ان يكون المشتري قد اشترى منه بثمن يملكه غيره أو يكون البيع باطلا لفقد بعض الشروط كما تقدم في المشتري و لذلك فالبائع يطلب من المشتري ضامنا يضمن له درك المبيع، و الحكم فيه كما تقدم في ضمان درك الثمن، فهو مشكل إذا أريد الضمان بالمعنى الاصطلاحي المتقدم بيانه و يصح بمعنى التعهد العرفي على ما سبق في نظائره.

المسألة 67:

إذا اشترى الرجل من غيره أرضا بثمن معين و تقابض المتبايعان، و أراد المشتري أن يحدث في الأرض التي اشتراها غرسا أو بناء، و هو يشك في صحة البيع فقد تكون الأرض لغير بائعها و لذلك فهو يطلب من البائع ضامنا يضمن له درك ما يحدثه في الأرض من البناء و الغرس.

و قد قال بصحة الضمان على ذلك جماعة من الأكابر كالشهيد الأول و الشهيد الثاني (قدس اللّٰه أرواحهم)، و القول بذلك مشكل إذا أريد به الضمان الاصطلاحي، و لكنه يصح و ينفذ إذا أريد به الضمان العرفي الذي تقدم بيانه في الفروض المتقدمة، فإذا أجري العقد على ذلك كان صحيحا و لازما، سواء كان المتعهد هو البائع نفسه أم كان شخصا غيره يتعهد للمشتري بما يريد.

المسألة 68:

إذا قال أحد ركاب السفينة لآخر منهم: ألق متاعك في البحر و علي ضمانه، فألقاه في البحر كما أمره، فإن كان ذلك لخوف غرق السفينة كان الآمر بالإلقاء ضامنا لمتاع صاحبه، و الضمان هنا من الضمان العرفي الذي تقدم ذكره، و كذلك إذا كان ذلك لغاية عقلائية أخرى كخفة السفينة أو الخوف من ظالم أو سارق، فيصح منه التعهد، و يكون ضامنا للمتاع إذا ألقاه صاحبه، و إذا لم تكن له فائدة يقصدها العقلاء لم يصح التعهد فإن إلقاء المتاع في البحر لا لغاية يكون من المحرمات، و ضمان عوضها يكون من التعويض عن المحرم فلا يكون صحيحا، و ان أريد به التعهد و الضمان العرفي.

78

الفصل الرابع في بعض منازعات الضمان

المسألة 69:

لا يشترط في صحة الضمان أن يعلم الضامن مقدار الدين حين ضمانه كما أشرنا إليه في المسألة الثامنة عشرة، فإذا علم بوجود الدين على وجه الاجمال فضمنه، صح ضمانه، فإذا علم بمقداره بعد ذلك أو شهدت به بينة شرعية وجب عليه أداء ذلك المقدار، و كذلك إذا ثبت مقدار الدين بإقرار المضمون عنه أو باليمين المردودة على الدائن، إذا كان الإقرار أو اليمين المردودة سابقين على الضمان، بل و ان كان الإقرار به بعد الضمان أيضا إذا كان الضمان باذن المضمون عنه، فيجب على الضامن أداء المقدار الذي أقر به المضمون عنه، ثم يرجع به عليه إذا شاء، و كذلك الحكم- على الأحوط- إذا ثبت المقدار باليمين المردودة بعد الضمان، و كان الضمان مأذونا فيه، و إذا أقر المضمون عنه به بعد الضمان أو ثبت باليمين المردودة بعد الضمان كذلك و كان غير مأذون فيه لم يجب أداؤه على الضامن و لزم على المضمون عنه.

المسألة 70:

انما يجب على الضامن أداء المقدار الذي تشهد به البينة إذا شهدت بأنه مقدار الدين في حال صدور الضمان من الضامن، و لا يلزمه الأداء إذا شهدت بأن ذلك هو مقدار الدين بعد الضمان أو أطلقت شهادتها فلم تعين ان ذلك هو مقداره حين الضمان أو بعده.

المسألة 71:

إذا قيل للرجل: ان بينة شرعية مقبولة تدل على أن صديقك زيدا مدين بمبلغ من المال، فقال: ضمنت للدائن ما تشهد به البينة على زيد من الدين، جاز ضمانه فإذا رضي الدائن صح و نفذ، و وجب عليه ان يؤدي ما تشهد البينة المذكورة بثبوته على زيد من الدين حينما ضمن الضامن.

المسألة 72:

إذا ادعى الدائن ان مقدار الدين المضمون مائة دينار مثلا و أنكر‌

79

الضامن هذا المقدار و قال: انما هو خمسون دينارا، و صدقه المضمون عنه فأنكر المائة، ثم تنازع الدائن و الضامن في ذلك الى الحاكم الشرعي فوجه اليمين على الضامن لأنه منكر، و ردها الضامن على الدائن و حلف الدائن على ما يدعيه و ثبت عند الحاكم باليمين المردودة ان الدين المضمون مائة دينار، فإذا أداها الضامن لم يحق له أن يرجع على المضمون عنه بجميع المائة لأنه منكر لها و انما يرجع عليه بالخمسين.

و كذلك الحكم إذا أقر الضامن بالمائة فثبت ذلك بإقراره، فلا يرجع بها على المدين المضمون عنه، بل يرجع عليه بمقدار ما يعترف به هو من الدين لا بمقدار ما يقر به الضامن.

المسألة 73:

إذا ادعى الدائن على زيد انه قد ضمن له دينه على عمرو و أنكر زيد الضمان، فأقام الدائن بينة على ما يقول و ثبت الضمان على زيد و أدى المال، فلا يحق لزيد أن يرجع على عمرو بما أدى لأنه اعترف بأن الدائن أخذ المال منه بغير حق.

المسألة 74:

إذا تنازع المدين مع الدائن فادعى المدين أن الدين الذي كان عليه قد ضمنه عنه ضامن فهو يزعم ان ذمته قد برئت من الدين و أنكر الدائن الضمان و لذلك فهو يزعم ان على المدين أن يؤدي ما عليه، فالقول قول الدائن المنكر مع يمينه.

و كذلك الحكم إذا اختلفا فادعى المدين أن الضامن قد ضمن عنه جميع ديونه، فلا حق للدائن عنده، و أنكر الدائن ذلك و ادعى ان الضامن انما ضمن عنه دينا واحدا و لم يضمن الدين الثاني فعلى المدين أن يؤديه فالقول قول المنكر مع يمينه، و مثله أن يدعي المدين ان الضامن ضمن جميع دينه و يدعي الدائن انه ضمن نصف دينه أو ربعه.

المسألة 75:

إذا اختلف الدائن المضمون له و المدين المضمون عنه، فادعى المضمون له انه قد اشترط الخيار لنفسه في عقد الضمان فيجوز له أن يفسخ الضمان و يأخذ دينه من المدين، و أنكر المضمون عنه هذا الاشتراط‌

80

فليس للدائن أن يفسخ الضمان و ان ذمته قد برئت بضمان الضامن، فالقول قول المضمون عنه مع يمينه لأنه منكر.

و إذا اختلفا في صحة الضمان و فساده، فالقول قول من يدعي الصحة منهما مع يمينه، و الغالب ان المضمون عنه هو الذي يدعي الصحة، فإن صحة الضمان تستلزم براءة ذمته من الدين، فإذا اتفق الأمر بعكس ذلك فادعى المضمون له صحة الضمان، كان القول قوله مع يمينه.

المسألة 76:

إذا اختلف الدائن مع الضامن، فادعى أحدهما أن الضامن منهما قد ضمن الدين و أنكر الآخر الضمان و ادعى عدمه، فالقول قول من يدعي العدم مع يمينه، و الغالب ان الضامن هو الذي يدعي عدم الضمان فان لازم ذلك براءة ذمته من الدين، فإذا اتفق الأمر بعكس ذلك فادعى الضامن انه ضمن الدين و أنكر الدائن فادعى عدم الضمان كان القول قوله مع يمينه.

و كذلك الحكم إذا اختلفا في مقدار الدين، أ هو مائة دينار أو ثمانون، أو اختلفا في أن الضامن ضمن للدائن دينا واحدا أو دينين، أو اختلفا في ان الدائن قد اشترط على الضامن التعجيل في أداء الدين أم لم يشترط عليه ذلك، أو انه اشترط عليه تقصير مدة الأجل أو لم يشترط ذلك، أو أنه اشترط عليه شرطا آخر في عقد الضمان أو لم يشترط، فالقول في جميع ذلك قول من يدعي العدم مع يمينه، و هو الضامن في الغالب، فإذا اتفق الأمر بعكس ذلك فادعى الدائن العدم كان القول قوله مع يمينه.

المسألة 77:

إذا ضمن الضامن دين الرجل و كان الدين حالا، فاختلف الضامن و الدائن في أنهما هل اشترطا في العقد تأجيل الدين إلى مدة أم لم يشترطا، فادعى أحدهما وجود هذا الشرط و أنكره الآخر فادعى عدم اشتراط ذلك، فالقول قول من يدعي العدم مع يمينه كما تقدم و الغالب هنا ان من يدعي عدم الاشتراط هو الدائن المضمون له، لأنه يريد‌

81

أخذ دينه، معجلا، و إذا اتفق عكس ذلك فادعى الدائن الاشتراط و ادعى الضامن العدم كان القول قول الضامن مع يمينه لأنه المنكر.

و مثله ما إذا كان الدين مؤجلا فادعى أحدهما انهما قد اشترطا الزيادة في المدة و أنكر الآخر، أو اختلفا فقال أحدهما: قد اشترطنا في العقد أن يبرئ الدائن ذمة الضامن من الدين أو من بعضه و أنكر الآخر، أو اختلفا في أن الضامن قد اشترط لنفسه خيار الفسخ لعقد الضمان فادعاه أحدهما و أنكره الثاني، فيقدم في جميع ذلك قول من يدعي العدم، و الغالب في هذه الموارد أن يدعي المضمون له ذلك فيكون القول قوله مع يمينه، و إذا انعكس الأمر فادعى الضامن العدم كان القول قوله كما تقدم.

المسألة 78:

إذا ضمن الضامن عن المدين و اداه عنه ثم تنازع الضامن و المضمون عنه فادعى الضامن أن ضمانه عنه كان باذنه، فيجوز له أن يرجع عليه بما أدى عنه، و قال المضمون عنه: انه لم يأذن بالضمان فلا حق للضامن بالرجوع عليه، قدم قول المضمون عنه مع يمينه، و كذلك إذا ضمن الضامن الدين عنه باذنه ثم تنازعا، فادعى الضامن انه قد ادى الدين للدائن فيصح له الرجوع على المضمون عنه، و أنكر المضمون عنه أداء الدين، فيقدم قول المضمون عنه مع يمينه.

المسألة 79:

إذا ضمن الضامن الدين باذن المضمون عنه و اداه للدائن ثم تنازعا في مقدار الدين فادعى الضامن أنه مائة دينار مثلا، و قال المضمون عنه: ان الدين ثمانون دينارا و أنكر الزيادة، فالقول قول المضمون عنه مع يمينه، و إذا ادعى المضمون عنه ان الدين مائة دينار فعلى الضامن أن يدفعها جميعا، و قال الضامن: انه ثمانون فحسب و أنكر الزيادة فالقول قول الضامن مع يمينه.

المسألة 80:

إذا ادعى الضامن أنه أدى الدين للدائن، و أنكر الدائن المضمون له ذلك، فان صدق المدين المضمون عنه دعوى الضامن بالوفاء و كان‌

82

ضمانه باذنه صح للضامن الرجوع عليه سواء حلف الدائن لإنكاره دعوى الضامن أم لم يحلف، و ان لم يصدقه في دعوى وفاء الدين لم يرجع الضامن عليه بشي‌ء.

و إذا حلف الدائن لإنكاره دعوى الضامن و أخذ المال منه لم يرجع به على المضمون عنه إذا لم يصدقه في دعوى الوفاء لأن الضامن يعترف بأن هذا المال أخذ منه بغير حق.

المسألة 81:

يصح للمدين المضمون عنه ان يشهد للضامن بأداء الدين إذا كان يعلم بذلك و كان جامعا لشروط قبول الشهادة من عدالة و عدم تهمة و غير ذلك.

المسألة 82:

إذا طلب المدين من أحد أن يفي عنه دينه فأداه عنه اجابة لطلبه جاز له ان يرجع عليه بما أدى عنه و ان لم يضمن عنه، و كذلك إذا أمره أن يدفع الى زيد مبلغا أو ينفق في بعض السبل شيئا و لم تقم القرائن على طلب التبرع، فإذا أعطى أو أنفق اجابة لأمره جاز له الرجوع عليه بما دفع و بما أنفق، و هذا ليس من الضمان المصطلح و لا من التعهد العرفي.

و إذا أذن المدين لأحد بوفاء دينه و لم يطلب ذلك منه، لم يحق له الرجوع عليه إذا وفاه عنه الا إذا أفهمته القرائن انه لا يؤدي تبرعا، و انه إذا وفى له دينه رجع عليه بما أدى، فيرجع عليه حين ذاك.

83

كتاب الحوالة و الكفالة

84

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

85

كتاب الحوالة و الكفالة و فيه فصلان.

الفصل الأول في الحوالة و شرائطها و أحكامها

المسألة الأولى:

الحوالة اسم للمعاملة الخاصة التي ينقل بها المديون دائنه بالحق الذي يستحقه في ذمته إلى ذمة رجل آخر، يقال: أحال الرجل غريمه بدينه الى غيره، إذا نقل دين الغريم من ذمة نفسه إلى ذمة ذلك الغير، فالمدين الذي نقل الدين محيل، و الدائن الذي نقل المحيل دينه إلى ذمة الرجل الآخر محال، و الشخص الآخر الذي انتقل الدين الى ذمته محال عليه، و الدين الذي نقله المحيل من ذمة إلى ذمة محال به، و المعاملة التي يحصل بها هذا النقل حوالة.

و الغالب في الشخص الثاني الذي ينقل الدين من ذمة المحيل الى ذمته أن يكون مدينا للمحيل، فالمحيل في الغالب مدين للمحال، و دائن للمحال عليه، و قد تكون الحوالة على شخص بري‌ء الذمة، و سيأتي بيان ذلك ان شاء اللّه تعالى.

المسألة الثانية:

لا بد في عقد الحوالة من الإيجاب و هو يكون من المحيل، و القبول من المحال، و يكفي في الإيجاب كل لفظ يدل على المعنى المراد، و هو احالة المدين دائنه على الشخص الآخر المحال عليه، و اللفظ المتعارف في ذلك ان يقول الموجب لدائنه: أحلتك بما تستحقه في ذمتي من الدين على زيد، فيقول الدائن المحال: قبلت الحوالة أو يقول: قبلت الإحالة منك على زيد بالدين المعين، أو يقول: رضيت بذلك.

86

و يعتبر في صحة عقد الحوالة على الأحوط رضى المحال عليه أيضا، بل لا يخلو اعتباره من قوة، و خصوصا إذا كان المحال عليه بري‌ء الذمة من دين المحيل، أو كان مدينا له و كانت الحوالة عليه بغير جنس الذي في ذمته.

المسألة الثالثة:

يعتبر في صحة الحوالة أن يكون المديون المحيل بالغا، و أن يكون عاقلا، و ان يكون غير سفيه و غير مكره، على النهج الذي تقدم إيضاحه في كتاب البيع و غيره من العقود المتقدم ذكرها، و يعتبر جميع ذلك أيضا في الدائن المحال، و في الشخص الآخر المحال عليه، فلا يصح العقد إذا كان أحد الأطراف الثلاثة المذكورين صغيرا أو مجنونا أو سفيها أو مكرها.

المسألة الرابعة:

الظاهر صحة الحوالة إذا كان المحيل مفلسا أو كان المحال أو كان المحال عليه مفلسا كذلك، إذا كانت الحوالة انما تستلزم تصرفا في ذمته و لا تفيد تصرفا في أمواله المحجور عليها للفلس و التي يكون التصرف فيها منافيا لحقوق الغرماء.

المسألة الخامسة:

يعتبر في صحة عقد الحوالة أن يكون منجزا على الأحوط كما سبق في نظائره من العقود، فلا يصح إذا كان معلقا على شرط أو على وصف.

المسألة السادسة:

ليس من الحوالة أن يحيل الشخص على نفسه أحدا بدين له في ذمة غيره فيقول لزيد مثلا: أحلتك على نفسي بالدين الذي تملكه في ذمة خالد، فيقبل زيد منه العقد، و يكون الإيجاب من المحال عليه لا من المدين، بل و قد لا يحصل منه الرضى بالحوالة، فلا يكون ذلك من الحوالة المصطلحة، و لا يكون من الضمان، بل هو من الحوالة اللغوية، فإذا اتفق المتعاقدان المحال عليه و المحال كما بينا و أوقعا عقد الحوالة بينهما فأحاله بدينه على نفسه، صحت معاملة مستقلة و شملها عموم أدلة الوفاء بالعقود و لزم الوفاء بها، و قد سبقت له نظائر في كتاب‌

87

الضمان، سواء كان الشخص الذي أحال الدائن على نفسه بري‌ء الذمة، أم كان مدينا لخالد، و سواء كانت الحوالة بغير جنس ما عليه أم بجنسه.

المسألة السابعة:

يشترط في صحة الحوالة المصطلحة أن يكون الدين المحال به ثابتا للدائن بالفعل في ذمة المحيل، سواء كان ثبوته في ذمته مستقرا أم كان متزلزلا، فلا تصح الحوالة به قبل أن يتم سببه و يثبت في الذمة بالفعل، و مثال ذلك أن يحيله بالدين الذي سيستقرضه منه، أو بثمن السلعة التي سيشتريها به أو ببدل الإجارة الذي سيستأجر به الدار أو يحيل المرأة بالمهر المؤجل الذي سيتزوجها به، و لا يصح أن يحيل الزوجة بنفقتها للمدة الآتية، أو يحيل العامل بمال الجعالة قبل أن يأتي بالعمل المجعول عليه، أو يحيل بمال السبق قبل أن يتحقق سبق السابق، و قد سبق نظير هذا في الدين الذي يراد ضمانه، فلا تصح الحوالة المصطلحة في هذه الفروض و ما أشبهها، و تصح فيها الحوالة بالمعنى اللغوي إذا وقع الاتفاق و جرى العقد فتكون معاملة مستقلة كما سبق نظيرها هنا و تقدمت نظائرها في فصل الضمان العرفي.

المسألة الثامنة:

لا يشترط في صحة الحوالة المصطلحة أن يكون الدين المحال به معلوما للمحيل و المحال على وجه التفصيل حين صدور عقد الحوالة بينهما، فإذا علم المحيل و المحال بالدين على وجه الإجمال فأحاله به، ثم علما بعد ذلك بجنسه و مقداره، برجوعهما الى وثائق و مستندات و سجلات أوضحت لهما ذلك و ذكرت تفاصيله صحت الحوالة و ترتبت آثارها، و كذلك إذا أحال الدائن بما تشهد به البينة ثم سألا البينة فأوضحت بشهادتها لهما تفاصيل الدين.

المسألة التاسعة:

لا تصح الحوالة إذا كان الدين المحال به مبهما مرددا و مثال ذلك:

أن يحيل المدين دائنه بأحد الدينين على وجه الترديد من غير تعيين، أو يحيله على المحال عليه بشي‌ء من دينه من غير تحديد لمقدار الشي‌ء الذي أحاله به من الدين، فلا تكون الحوالة صحيحة.

88

المسألة العاشرة:

إذا كان لرجل دينان يختلف أحدهما عن الآخر في ذمة شخص واحد، يصح للمدين ان يحيل دائنه المذكور بأحد دينية على نحو الواجب التخييري على الشخص المحال عليه، و مثال ذلك أن يكون لزيد في ذمة عمرو دين بخمسمائة دينار، و له في ذمته كذلك دين آخر بستمائة دينار، فيحيل عمرو دائنه زيدا بالدينين معا على خالد، على أن يختار المحال عليه و هو خالد أحد الدينين المحال بهما فيسدده، فإذا اختاره و قام بوفائه سقطت الحوالة عليه بالدين الآخر.

المسألة 11:

يشكل الحكم بصحة الحوالة إذا كان المحيل أو المحال جاهلا بجنس الدين المحال به أو جاهلا بمقداره في حال الحوالة و لا يحصل له العلم به بعد ذلك كما إذا كان عمرو مدينا لزيد بمبلغ لا يعلمان مقداره أو لا يعلمان جنسه و ليس عندهما ما يعين ذلك لهما، فيشكل الحكم بصحة الحوالة بهذا الدين المجهول.

و تصح الحوالة به بالمعنى اللغوي الذي تقدم بيانه فإذا تراضى بها الجميع كذلك و اجري العقد صح و كانت الحوالة معاملة مستقلة كنظائرها المتقدمة.

المسألة 12:

لا يشترط في صحة الحوالة أن يتفق المال المحال به مع المال المحال عليه في جنسهما و نوعهما و وصفهما فإذا كان لزيد دين في ذمة عمرو مبلغ من الدراهم، و كان مدينا لخالد بمبلغ من الدنانير أو بمقدار من الحنطة و أراد زيد ان يحيل دائنه خالدا على مدينة عمرو بأن يدفع له دنانير أو حنطة بدل الدراهم التي لزيد في ذمته، صح له ذلك إذا تراضى به الجميع و إذا أحاله كذلك مع الرضى به حصل الوفاء.

المسألة 13:

لا يشترط في صحة الحوالة أن يكون الشخص المحال عليه مدينا للمحيل، فتصح الحوالة عليه و ان كان بري‌ء الذمة على الأقوى.

89

المسألة 14:

تصح الحوالة بأي دين تشتغل به ذمة المدين، سواء كان من الأعيان أم من المنافع أم من الأعمال كما إذا استأجر الرجل من المالك دارا كلية موصوفة بأوصاف معينة للسكنى فيها أو استأجر أجيرا ليقوم له بأعمال معلومة في ذمته و لم يشترط عليه المباشرة، فكانت المنفعة المملوكة بالإجارة دينا في ذمة المؤجر و كان العمل المستأجر عليه دينا في ذمة الأجير، فتصح الحوالة بذلك من المدين على شخص آخر، سواء كان المحال عليه مشغول الذمة للمدين بمثل تلك المنفعة و مثل ذلك العمل أم كان بري‌ء الذمة.

و يجري ذلك في الصلاة و الصيام و الحج و العمرة و الزيارة و غيرها من الأعمال إذا كانت ديونا في الذمة و لم تشترط فيها المباشرة.

المسألة 15:

تصح الحوالة بالمال سواء كان مثليا أم قيميا إذا وصف وصفا ترتفع به الجهالة المضرة بالحوالة.

المسألة 16:

إذا أحال المدين بدينه و تمت شروط الحوالة و توفر جميع ما يعتبر فيها برئت ذمة المحيل من دينه المعلوم بالمقدار الذي أحال به دائنه، و انتقل دين الدائن المحال إلى ذمة الشخص المحال عليه بذلك المقدار و برئت ذمة المحال عليه من دين المحيل إذا كان مشغول الذمة له بمقدار ما أحال به عليه من المال و كان المال مثليا و الحوالة عليه بمثله.

و إذا كانت الحوالة بغير مثل الدين، أو كان المحال عليه بري‌ء الذمة اشتغلت ذمة المحيل له بما أحال عليه ثم يتحاسبان بعد ذلك إذا شاءا أو يتصالحان.

المسألة 17:

إذا أنشأ المديون الإيجاب في عقد الحوالة لم يجب على المحال قبول الإيجاب، بل يتخير في القبول و عدمه و ان كان الشخص المحال عليه مليا، و غير مماطل في أداء المال.

90

المسألة 18:

إذا تم الإيجاب و القبول في الحوالة، و تحقق الرضى بالمعاملة من المحيل و المحال و المحال عليه كانت الحوالة لازمة على الأشخاص الثلاثة جميعا، فلا يجوز لأحدهم فسخ الحوالة و ان كان المحال عليه بريئا، فلا يجوز له الفسخ بعد أن تحقق منه الرضى، و قد ذكرنا ان دين الدائن ينتقل إلى ذمة المحال عليه إذا تمت الحوالة، و توفرت شروطها.

و يستثنى من ذلك ما إذا كانت الحوالة على رجل معسر، و كان الدائن المحال جاهلا بإعساره، ثم علم بإعساره بعد ذلك، فيجوز له فسخ الحوالة و الرجوع بالدين على المحيل.

و يراد بإعسار المحال عليه هو ان لا يكون عنده ما يفي به دينه زائدا على الأمور المستثنيات في الدين و التي ذكرناها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين، و المدار في ذلك هو ان يكون المحال عليه معسرا كذلك في حال الإحالة عليه، و أن يكون المحال جاهلا بالإعسار كما ذكرنا، فلا يثبت الخيار للمحال إذا كان المحال عليه مليا في حال الحوالة و ان تجدد له الإعسار بعد ذلك، و لا يثبت الخيار للمحال إذا قبل الحوالة على الرجل و هو يعلم بإعساره.

المسألة 19:

لا تجب المبادرة على المحال في فسخ الحوالة بعد ان يعلم بإعسار المحال عليه، فإذا تأخر في الفسخ لعذر أو لغير عذر لم يسقط حقه في خيار الفسخ على الأقوى، مع تحقق الفرض المتقدم الذي يثبت له فيه الخيار.

المسألة 20:

لا يسقط خيار الفسخ للمحال بعد ان يعلم بإعسار المحال عليه و ان أمكن للمحال عليه أن يقترض و يفي دينه من مال القرض، و لا يسقط الخيار كذلك إذا وجد من يتبرع عن المحال عليه بوفاء دينه بعد ما كان معسرا، في الفرض الذي يثبت فيه الخيار للمحال و لا يسقط الخيار إذا تجدد له اليسر بعد ما كان معسرا حال الحوالة و كان المحال جاهلا بعسره.

91

المسألة 21:

يجوز للمحال عليه أن يشترط لنفسه في ضمن العقد أن يفسخ العقد إذا شاء، فإذا شرط ذلك لنفسه و رضي به الآخر ان صح له الفسخ كما شرط، و يجوز كذلك للمحيل أو المحال ان يشترط الخيار لنفسه، و يثبت له حق الخيار إذا شرط.

المسألة 22:

يمكن الترامي في الحوالة، فيحيل المديون دائنه على شخص معين، ثم يحيل المحال عليه ذلك الدائن على محال عليه آخر، ثم يحيله هذا المدين الجديد على آخر ثم يحيله هذا على غيره، و هكذا فتترامي الحوالة و يتعدد المحال عليه، و الدائن المحال في الجميع واحد، و يصح الجميع.

و يجوز أن يحيل المدين دائنه على شخص، فإذا كان هذا الدائن مدينا لغيره صح له أن يحيل دائنه على الشخص الذي أحيل عليه و إذا كان الدائن الثاني مدينا لثالث جاز له أن يحيل دائنه على مدينة الذي أحيل عليه، و هكذا، فيتعدد المحال و يكون المحال عليه واحدا، فإذا ترامت العقود و توفرت شرائطها صحت جميعا، و ترتبت آثارها.

المسألة 23:

يجوز أن تدور الحوالة، و مثال ذلك أن يحيل المديون دائنه على شخص، ثم يحيل الشخص المحال عليه دائنه على شخص غيره في المرة الثانية، ثم يحيل هذا المدين الثالث دائنه على المدين الأول، فترجع سلسلة الحوالات من حيث ابتدأت و يكون الجميع صحيحا إذا توفرت فيها الشرائط المطلوبة، و قد تقدم نظير ذلك في كتاب الضمان.

المسألة 24:

إذا ترامت الحوالة، فأحيل الدائن بدينه مرتين أو أكثر على اشخاص متعددين، و انتقل دينه بسبب ذلك الى ذمة المحال عليه الأول ثم الى الثاني ثم الى الثالث ثم أحاله المدين الأخير بدينه على رجل له في ذمة الدائن مثل دينه، و قبل الطرفان الحوالة تقابل ما في ذمتيهما من الدين و حكم الشارع بتساقطهما معا، و إذا اختلف الدينان في الجنس اشتغلت ذمة كل منهما للآخر بدينه، ثم تحاسبا عن ذلك إذا شاءا أو تصالحا.

92

المسألة 25:

تبرأ ذمة الشخص المحال عليه من دين الدائن إذا هو وفى الدين و أدى مال الحوالة، و تبرأ ذمته إذا أحال الدائن على شخص آخر و قبل الدائن و المحال عليه بالحوالة الجديدة، و تبرأ ذمته إذا ضمن المال عنه ضامن، و كان الضمان برضى الدائن المضمون له، و تبرأ ذمته إذا تبرع احد فوفى عنه الدين، سواء كان المتبرع أجنبيا أم كان هو الشخص الذي أحال عليه بالمال، و تبرأ ذمته إذا أمر أحدا بوفاء الدين فأداه عنه اجابة لطلبه.

و يرجع موفي الدين عليه بما أداه عنه إذا كان الأداء بطلبه، أو كان الضمان عنه باذنه، سواء كان المؤدي أو الضامن هو المحيل نفسه، أم كان شخصا غيره، و لا يرجع عليه إذا كان متبرعا بالوفاء أو بالضمان و قد سبق تفصيل هذه الفروض و الأحكام جميعها، و نحن نذكرها للتنبيه.

المسألة 26:

إذا أدى المحال عليه مال الحوالة للدائن، ثم طالب المحيل بما أداه عنه، فادعى المحيل ان المحال عليه كان مشغول الذمة له بمثل الدين الذي أداه، فلا يحق له المطالبة به فإنما و في به دينه، و أنكر المحال عليه انه مشغول الذمة و ادعى ان الحوالة عليه كانت من الحوالة على البري‌ء، فالقول قول المحال عليه مع يمينه على أنه بري‌ء الذمة، فإذا أحلف على ذلك طالب المحيل ببدل ما أداه عنه.

المسألة 27:

إذا قبل المحال عليه الحوالة اشتغلت ذمته بدين الدائن و برئت ذمة المحيل عنه كما ذكرنا في المسألة السادسة عشرة، و نتيجة لذلك: ان المحال عليه إذا كان بري‌ء الذمة من الدين جاز له أن يرجع على المحيل بالمال بمجرد قبوله الحوالة عليه و لا يتوقف جواز رجوعه عليه على أداء المال، و لا يقاس الحكم في الحوالة على الضمان و الفارق بينهما هو النص.

المسألة 28:

إذا قبل المحال عليه الحوالة، ثم صالحه الدائن بأقل من دينه و ابرأ‌

93

ذمته من الباقي، فإن كان المحال عليه بري‌ء الذمة من دين للمحيل، جاز له أن يأخذ من المحيل جميع الدين الذي أحاله عليه، و ان كان مشغول الذمة للمحيل لم يجز له أن يأخذ من المحيل أكثر مما أدى عنه و هو الأقل.

المسألة 29:

إذا باع الرجل أرضا أو دارا يملكها و بقي الثمن في ذمة المشتري، فأحال المشتري البائع بالثمن على أحد و رضي المحال عليه بالحوالة، ثم تبين بطلان البيع، كانت الحوالة باطلة من أصلها، فإن بطلان البيع يعني أن ذمة المشتري غير مشغولة للبائع بشي‌ء لتصح احالته به على احد.

و إذا أحال البائع دائنا له على الثمن المذكور الباقي عند المشتري، ثم تبين بطلان البيع، فان كانت حوالة البائع لدائنه على المشتري مقيدة بثبوت الثمن في ذمته كانت الحوالة باطلة كذلك لانتفاء القيد، فإذا كان المحال قد قبض مال الحوالة، فالمقبوض باق في ملك صاحبه المحال عليه في كلتا الصورتين، فيجوز له الرجوع به إذا كان موجودا و إذا تلف فله الرجوع بعوضه على المحيل أو على المحال.

و إذا كانت حوالة البائع لدائنه في الصورة الثانية غير مقيدة بثبوت الثمن في ذمة المشتري بل كان ذلك بنحو الداعي للإحالة عليه كما هو الغالب لم تبطل الحوالة ببطلان البيع و كانت من الحوالة على البري‌ء.

المسألة 30:

إذا باع الرجل أرضه أو داره، و بقي الثمن في ذمة المشتري، و أحال المشتري البائع بالثمن على غيره، أو أحال البائع دائنا له على المشتري، كما في الفرض المتقدم، ثم انفسخ البيع بتقايل المتبايعين أو حصل الفسخ بأحد أسباب الخيار.

فإذا فسخت معاملة البيع قبل أن يقبض المال المحال به، فالظاهر بطلان الحوالة، فإن الثمن بسبب فسخ المعاملة بالتقايل أو بالخيار يرجع الى ملك المشتري، فلا يصح للبائع أخذه من المحال عليه، و إذا قبض المال المحال به أولا ثم حصل الفسخ بعد ذلك صحت الحوالة ثم رجع الثمن بعد الفسخ من البائع إلى المشتري.

94

المسألة 31:

إذا وضع الإنسان بعض أمواله عند وكيله أو استودعها عند أمين، جاز له أن يحيل دائنه على الوكيل أو الأمين ليفي دينه من المال الذي بيده، و هو من الحوالة العرفية، و ليس من الحوالة المصطلحة، فإذا أحال الدائن بالمبلغ و رضي المحال و المحال عليه، جاز للوكيل أو الأمين أن يدفع للدائن من المبلغ الموجود لديه، و لا يجب الدفع عليه الا إذا انحصر رد المال الى مالكه بذلك، بحيث لو لم يدفع المال إلى الدائن المحال، لم يمكن له أن يرد المال الى مالكه بعد ذلك. و كذا إذا علم من القرائن ان المالك لا يرضى برفض الحوالة، أو لا يرضى بتأخير دفع المال.

المسألة 32:

إذا تنازع المدين و الدائن في أن العقد الذي أوقعاه بينهما هل هو حوالة بالدين على الشخص المحال عليه أو هو وكالة للدائن في أن يقبض المال من ذلك الرجل، فهاهنا صور تختلف في الفرض و في الحكم، فلا بد من ملاحظتها.

(الصورة الأولى): أن يقع التنازع بينهما في ذلك قبل أن يقبض الدائن المال من الشخص المحال عليه، فمدعي الحوالة منهما يدعي ان ذمة المحيل قد برئت من دين المحال بسبب الحوالة، و يدعي كذلك أن ذمة المحال عليه قد برئت من دين المحيل بقبوله الحوالة، و يدعي أيضا ان المال المحال به لا يزال ملكا لصاحبه الأول و لم ينتقل الى ملك المحال، و مدعي الوكالة ينكر جميع ذلك فيكون قوله هو الموافق للأصول، و يكون هو المنكر، فإذا لم تكن لصاحبه بينة على قوله فالقول لمدعي الوكالة مع يمينه، سواء كان هو الدائن أم المدين.

المسألة 33:

(الصورة الثانية): أن يكون الاختلاف بينهما في ذلك بعد أن يقبض الدائن المال من المحال عليه، و تكون الوكالة المدعاة هي وكالة المحيل للمحال في أن يقبض من المحال عليه ما في ذمته من دين المحيل، و يأخذه لنفسه بعد القبض وفاء لدينه في ذمة المحيل، و لا ريب ان جميع الأصول المتقدم ذكرها تكون ساقطة في هذه الصورة.

95

فقد علم تفصيلا بأن ذمة الشخص المحال عليه قد برئت من دين المحيل اما بالحوالة من المحيل، و اما بدفع الدين الى وكيله، و علم أيضا بأن ذمة المحيل قد برئت من دين دائنه، اما بالحوالة و اما باستيفاء الدائن دينه بالوكالة بعد أن قبض المال من المدين المحال عليه، و علم بأن الدائن قد ملك المال المحال به اما بالحوالة و اما بقبض الدائن المال لنفسه بالوكالة، و إذا سقطت الأصول كما بينا فلا يكون قول مدعي الوكالة و منكر الحوالة موافقا للحجة ليحكم بتقديم قوله مع اليمين.

على ان الظاهر أن الدعوى في هذه الصورة تكون ساقطة بنفسها لأنها ليس لها أثر ملزم لأحد الطرفين، فلا تكون مقبولة.

المسألة 34:

(الصورة الثالثة): ان يكون التنازع بينهما في ذلك بعد أن يقبض الدائن المال من المحال عليه و تكون الوكالة المدعاة هي وكالة المدين للدائن في أن يقبض المال من المحال عليه و يبقيه امانة بيده يراجع المدين في أمرها و لا ريب في براءة ذمة المحال عليه من دين المحيل اما بالحوالة و اما بدفع دينه الى وكيله.

و لكن دين المحال على المحيل لا يزال مشكوك البقاء، فتجري فيه أصالة بقاء اشتغال ذمة المحيل للمحال، و تجري كذلك أصالة عدم ملكية المحال للمال الذي قبضه من المحال عليه، فيكون قول من يدعي الوكالة و ينكر الحوالة موافقا لهذين الأصلين، فإذا لم تكن لمدعي الحوالة بينة لإثبات قوله، فالقول قول المنكر مع يمينه.

الفصل الثاني في الكفالة

المسألة 35:

الكفالة هي أن يتعهد الإنسان لإنسان آخر بإحضار شخص معين له عليه حق، مال أو غيره، بل تعم اي شخص يستحق إحضاره في مجلس الشرع و ان لم يثبت عليه الحق بعد، فيكون التعهد بإحضاره من الكفالة المصطلحة، فالإنسان المتعهد بإحضار ذلك الرجل كفيل، و الإنسان‌

96

الآخر الذي تعهد له الكفيل بإحضار الرجل مكفول له، و الشخص الذي تعهد الكفيل بإحضاره مكفول.

و لا تصح الكفالة في ما إذا كان الحق الذي على الشخص حدا من حدود اللّه أو تعزيرا شرعه الإسلام عند ارتكاب الشخص بعض المحرمات أو تركه لبعض الواجبات، و تصح في ما إذا كانت العقوبة من حقوق الناس كالقصاص.

المسألة 36:

الكفالة عقد من العقود يكون الإيجاب فيه من المتعهد و هو الكفيل، و القبول من صاحب الحق و هو المكفول له، و يقع الإيجاب بأي لفظ يدل على التعهد و الالتزام بإحضار الشخص المقصود و من أمثلة ذلك ان يقول الموجب للمكفول له: تكفلت لك بإحضار فلان، أو تعهدت، أو التزمت بذلك أو يقول: أنا كفيل لك بإحضاره، و يكفي في القبول كل لفظ يدل على الرضى بتعهد الكفيل و منه أن يقول بعد الإيجاب: قبلت بكفالتك أو رضيت بتعهدك.

المسألة 37:

يشترط في صحة الكفالة أن يكون الكفيل بالغا و عاقلا، و مختارا غير مكره، و قاصدا غير ساه و لا هازل، و أن يكون قادرا على إحضار الشخص المكفول، و أن يكون غير محجور عليه لسفه، و يشترط فيه أن يكون غير مفلس إذا كان الحق الذي على المكفول حقا ماليا، كالمدين و الضامن، و إذا كان الحق الذي على المكفول من الحقوق غير المالية، ففي اشتراط أن يكون الكفيل غير مفلس، اشكال.

و لا يشترط في صاحب الحق: المكفول له أن يكون بالغا أو عاقلا، أو رشيدا، فتصح الكفالة للصبي و المجنون و السفيه، و يكون القبول من الولي عليهم.

المسألة 38:

لا يشترط في صحة الكفالة أن يرضى بها الشخص المكفول، و ليس طرفا من أطراف العقد على الأقوى، فإذا تم الإيجاب و القبول من الكفيل و المكفول له صح العقد و لزم الوفاء به و ان لم يرض المكفول‌

97

بذلك و سيأتي الاختلاف في بعض الآثار بين الكفالة إذا أذن المكفول بها و الكفالة إذا لم يأذن بها، و هذا لا يعني اشتراط صحة الكفالة برضاه.

المسألة 39:

تصح الكفالة بإحضار الشخص إذا كان عليه حق مالي و ان لم يعلم الكفيل بمقدار المال و تصح الكفالة كذلك إذا كان على المكفول حق و لم يعلم بأنه حق شفعة مثلا أو حق خيار، و تصح إذا كان عليه حق قصاص، و لم يعلم أنه قصاص في طرف أو قصاص في نفس، و تصح إذا كان عليه حق جناية و لم يعلم أنها جناية توجب دية أو جناية توجب قصاصا.

المسألة 40:

يصح أن توقع الكفالة حالة، و أن تكون مؤجلة و معنى إيقاعها حالة أن يتعهد الكفيل بإحضار المكفول في الوقت الحاضر و المراد بإيقاعها مؤجلة أن يتعهد بإحضاره بعد مدة، و إذا أوقعت مؤجلة فلا بد من تعيين الأجل فيها و تحديده على وجه لا تكون فيه زيادة و لا نقصان، و إذا أطلق الكفيل العقد و لم يذكر للكفالة وقتا اقتضى إطلاق العقد أن تكون حالة.

المسألة 41:

الكفالة من العقود اللازمة على المتعاقدين، فلا يجوز للكفيل و لا للمكفول له فسخ العقد، و يجوز لهما أن يتراضيا فيتقايلا منها، و يصح لأحدهما أن يشترط لنفسه خيار الفسخ فيها إلى مدة معينة، فإذا اشترط ذلك صح له الفسخ في الوقت المحدد، و يجوز أن يشترطا الخيار لكل منهما إلى مدة معينة كذلك و يمكن ان تكون المدة المشترطة لهما متساوية في المقدار و متفاوتة.

المسألة 42:

إذا تم عقد الكفالة و كانت حالة أو حل وقتها بعد أن كانت مؤجلة، جاز لصاحب الحق ان يطلب من الكفيل إحضار المكفول في الوقت المحدد، فإذا أحضره لديه و تمكن المكفول له منه تمكنا تاما برئت ذمة الكفيل من الكفالة، سواء استوفى المكفول له من الرجل حقه أم لا.

و إذا امتنع الكفيل من إحضار المكفول جاز لصاحب الحق أن يرفع الأمر إلى الحاكم الشرعي، فإذا رفع الأمر إليه حبس الحاكم الكفيل‌

98

حتى يحضر المكفول، من غير فرق بين أن يكون الحق الذي عليه ماليا أم غيره، و هذا هو الحكم الذي دلت عليه نصوص المسألة.

و في القول المعروف بين الأصحاب (قدس اللّٰه أرواحهم): أن الكفيل إذا امتنع عن إحضار المكفول جاز للمكفول له أن يحبسه عند الحاكم حتى يحضر المكفول أو يؤدي ما على المكفول من الحق.

و هو مشكل، فإن أدلة المسألة كما أشرنا إليه خالية عن هذا التخيير، و أداء ما على المكفول انما يمكن إذا كان الحق ماليا يمكن تسليمه كالدين و بدل الضمان للتلف و العيب، و لا يتم في مثل حق القصاص و في كفالة الزوجة الناشزة، و المرأة المدعى زوجيتها، و كفالة المدعى عليه في الدعوى، فلا بد فيها من إحضار المكفول بنفسه.

نعم إذا كان الحق الذي على المكفول ماليا، و اداه الكفيل باختياره برئت ذمته من الكفالة بسبب ارتفاع موضوعها بأداء الحق الذي كفل من أجله، فيجب إطلاقه من الحبس.

المسألة 43:

إذا كان الشخص المكفول غائبا في موضع يمكن للكفيل الوصول اليه و إحضاره منه، اعطي من النظرة في الوقت ما يمكنه فيها أن يصل الى الموضع المعين، و أن يفحص عن الرجل إذا كان العثور عليه يحتاج الى الفحص، حتى يحضره، و إذا أمهل كذلك و انقضت المدة و لم يحضره، رفع المكفول له أمره الى الحاكم الشرعي فحبسه حتى يأتي بالمكفول.

و إذا انقطع خبر المكفول و لم يعلم موضعه و كان الظفر به مرجوا مع الفحص، ألزم الكفيل بإحضاره و حبس لذلك، و قد سبق الإشكال في إلزام الكفيل بأداء الحق الذي على المكفول، و إذا أدى باختياره ما على المكفول من الحق ليتخلص بذلك من الحبس جاز له ذلك، و كفى.

و كذلك الحكم إذا انقطع خبر المكفول، و لم يرج الظفر به، و كان عروض هذه الحال بعد الكفالة فلا تبطل الكفالة بذلك، و يلزم بإحضار الرجل و يحبس لذلك، أو يختار بنفسه أداء ما على المكفول من الحق ليتخلص من الحبس، و خصوصا إذا كان ذلك بتفريط الكفيل في أمره حتى غاب الرجل و انقطع خبره.

99

و إذا أريد إنشاء الكفالة له ابتداء في مثل هذه الحال أشكل الحكم بصحتها.

المسألة 44:

إذا أدى الكفيل المال الذي على المكفول و كان اداؤه للمال بطلب من المكفول جاز للكفيل الرجوع بالمال عليه، و إذا أداه بغير طلب من المكفول، أشكل الحكم بجواز الرجوع عليه، و لا يترك الاحتياط بالمصالحة في ذلك.

المسألة 45:

إذا اشترط الكفيل أو المكفول له في العقد أن يكون إحضار المكفول في بلد معين، لزم العمل بالشرط، فلا يجب على الكفيل تسليمه في غير ذلك البلد، و لا يجب على المكفول له تسلمه من الكفيل إذا أحضره في غيره، و إذا أطلق العقد بينهما و لم يعينا موضعا للإحضار، فإن دلت القرائن على ارادة موضع خاص تعين ذلك، و من القرائن أن يوقعا عقد الكفالة في بلد المكفول له أو في موضع استقراره، فينصرف العقد الى لزوم التسليم في ذلك الموضع، و إذا لم يعينا موضعا و لم تدل القرائن على إرادة شي‌ء فالظاهر بطلان الكفالة.

المسألة 46:

يجب على الكفيل إحضار المكفول في الوقت المعين، و يلزمه ان يتخذ لذلك أي وسيلة يمكنه التوصل بها الى أداء الواجب إذا كانت الوسيلة مباحة غير محظورة في الإسلام و منها أن يستعين ببعض أهل النفوذ و السطوة إذا لم يكن في ذلك ظلم أو إضرار أو مفسدة.

المسألة 47:

إذا احتاج إحضار المكفول في موضع التسليم الى مؤنة فهي واجبة على المكفول، و إذا صرفها الكفيل و لم يقصد بها التبرع، و كان صرفها بطلب من المكفول، جاز له أن يرجع بها عليه، و كذلك إذا دلت القرائن على طلبه، و يشكل في غير ذلك.

المسألة 48:

إذا أحضر الكفيل الشخص المكفول و سلمه الى المكفول له تسليما‌

100

تاما برئت ذمة الكفيل من الكفالة كما تقدم بيانه، و تبرأ ذمة الكفيل كذلك إذا حضر المكفول بنفسه و سلم نفسه لصاحب الحق في موعد الكفالة، و مثله ما إذا أخذه المكفول له حتى تمكن من استيفاء حقه منه أو من إحضاره في مجلس الشرع، إلا إذا علم من الشرط في عقد الكفالة أو من القرائن الحافة به ان المراد حضوره بتوسط الكفيل لغرض خاص من الأغراض، فلا يسقط الوجوب عن الكفيل حين ذاك إلا بإحضاره، و تبرأ ذمة الكفيل كذلك إذا أبرأ المكفول له ذمته من الكفالة و رفع يده عنها، و إذا أبرأ ذمة الشخص المكفول من الحق الواجب عليه فارتفع بذلك موجب الكفالة و سقطت بارتفاع موضوعها.

المسألة 49:

إذا مات الكفيل بطلت الكفالة بموته، فلا يجوز للمكفول له أن يطالب ورثته بإحضار المكفول، و كذلك إذا مات الشخص المكفول فتبطل الكفالة بموته، فلا يحق للمكفول له أن يطلب من الكفيل إحضار وارثه من بعده، و إذا مات المكفول له لم تبطل الكفالة بموته، فيجوز لوارثه أن يطالب الكفيل بإحضار المكفول إلا إذا كان الحق الذي لمورثهم مما لا ينتقل الى الوارث فتبطل فيه كفالة الكفيل.

المسألة 50:

إذا كان للرجل حق على رجل آخر من دين أو عين أو غير ذلك مما يصح تمليكه، فكفله الكفيل لإحضاره ليوفي الدين أو يسلمه العين، أو ليثبت الدعوى فيه، ثم نقل المكفول له حقه المذكور الى ملك رجل غيره، فباعه منه أو صالحه عليه أو وهبه إياه أو احاله عليه بطلت الكفالة.

المسألة 51:

إذا أخذ الدائن مدينة ليطالبه بحقه الثابت له فقهره رجل آخر أو أجبره أو احتال عليه حتى خلصه من يده، كان هذا الشخص بمنزلة الكفيل و كان ضامنا لإحضاره عند الدائن، و ليس للدائن أن يطالبه بأداء ما على المكفول من الدين، و إذا هو أدى ما على الرجل باختياره كفى و سقط عنه الضمان، و لا يسقط الضمان في غير الدين و شبهه من‌

101

الماليات كما في الكفالة، فيجب عليه إحضار الرجل المضمون و يجبره الحاكم الشرعي على ذلك.

المسألة 52:

إذا خلص القاتل من يد ولي دم المقتول، وجب عليه أن يحضره أو أن يدفع الدية باختياره إذا كان القتل مما فيه الدية، و إذا كان القتل عمدا ألزم بإحضاره، فإذا مات القاتل قبل أن يتمكن منه، وجب عليه أن يدفع الدية.

المسألة 53:

يكره للإنسان أن يكفل غيره، ففي الأحاديث الشريفة ما يحذر عن تعاطي ذلك و التعرض له و في بعضها ما يدل على ان الكفالة خسارة غرامة ندامة، و انها أهلكت القرون الأولى.

102

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

103

كتاب الوقف و توابعه

104

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}