كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
105

كتاب الوقف و توابعه و فيه ثمانية فصول‌

الفصل الأول في الوقف و شروطه

المسألة الأولى:

الوقف صدقة جارية باقية كما وصفته الأحاديث الكثيرة الواردة عن الرسول (ص) و عن أئمة الهدى المطهرين من آله، (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، فعن الامام أبي عبد اللّه (ع): (ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال، صدقة أجراها في حياته، و هي تجري بعد موته، و سنة هدى سنها فهي يعمل بها بعد موته، و ولد صالح يدعو له).

و في الصحيح عن معاوية بن عمار: (قلت لأبي عبد اللّه (ع): ما يلحق الرجل بعد موته، قال: سنة يسنها يعمل بها بعد موته فيكون له مثل أجر من عمل بها من غير ان ينتقص من أجورهم شي‌ء، و الصدقة الجارية تجري من بعده، و الولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما و يحج و يتصدق و يعتق عنهما و يصلي و يصوم عنهما). و من ذلك و من أمثاله مما ورد فيه يعلم عظم أجره و كبير خطره في الإسلام.

المسألة الثانية:

الوقف هو أن يحبس الإنسان العين المملوكة له و يسبل منفعتها، و تحبيس العين: هو المنع من التصرف فيها على الوجه الذي يتصرف به في الأعيان المملوكة، فلا تباع و لا توهب و لا تورث و لا تنقل بأي ناقل شرعي و تبقى على وجهها الذي وقفت عليه مؤبدة محبوسة، و تسبيل المنفعة هي إباحة المنفعة التي قصدها الواقف من تلك العين، للموقوف عليهم أو في الجهة المعينة التي وقفت العين عليها أو لأجلها على المناهج التي يأتي بيانها في مواضعها ان شاء اللّه تعالى.

106

المسألة الثالثة:

لا بد في تحقق الوقف من الصيغة الدالة على إنشاء التحبيس المؤبد المذكور، يوقعها مالك العين أو من يفوض إليه أمرها، و مثال ذلك ان يقول المالك: وقفت هذه الدار المعينة أو هذه البناية المعينة لتكون مسجدا، أو يقول: وقفتها على أولادي، أو على الفقراء، أو وقفت هذه العمارة مدرسة لطلاب العلم أو رباطا يقيم فيه الفقراء، و يكفي أن يقول: تصدقت بها في هذا السبيل المعين صدقة مؤبدة لاتباع و لا تورث و لا توهب، أو جعلتها موقوفة.

و لا يشترط في الصحة أن يكون إنشاء الصيغة باللغة العربية أو بالفعل الماضي، بل يصح أن يكون الإنشاء بالفعل المضارع و بالجملة الاسمية، فيقول: ارضي المعينة موقوفة على الوجه المعين، و يصح إنشاؤها بأي لغة من اللغات التي يحسنها الواقف و يعبر فيها تعبيرا دالا على المقصود في عرف أهل تلك اللغة.

المسألة الرابعة:

لا تكفي كلمة حبست وحدها في الدلالة على معنى الوقف، و لا كلمة سبلت، حتى يضم الكلمة الثانية منهما إلى الأولى، و تتعلق كلمة حبست بالعين التي يريد المالك وقفها و تتعلق كلمة سبلت بالمنفعة الخاصة التي يقصد إباحتها في الوجه الخاص، فيقول: حبست داري المعينة و سبلت منفعتها لتكون مسجدا، أو يقول: حبست العمارة المعينة على أولادي و سبلت منفعتها لهم لتكون مسكنا لهم، أو لتؤجر و يصرف حاصلها في مصالحهم أو لغير ذلك من الوجوه التي يقصدها و يعينها.

المسألة الخامسة:

يشترط في وقف المسجد أن يقصد الواقف في وقفه أن تكون الأرض أو يكون البناء مع الأرض مسجدا، فيقول: وقفت هذا الموضع المعين مسجدا، أو وقفته ليكون مسجدا، و إذا قال: وقفت المكان على الصلاة أو على العبادة، أو على المصلين صح وقفه مصلى أو معبدا، و لم يصح مسجدا و لم تترتب عليه آثار المسجد و لا فضله و لا أحكامه.

107

المسألة السادسة:

تكفي المعاطاة في إنشاء الوقف لبعض الموقوفات، فإذا بنى الإنسان أرضه المملوكة أو المحجرة بقصد إنشاء المسجدية ثم أذن للناس في الصلاة في الموضع الذي بناه بهذا القصد و صلى فيه بعض الناس صح وقفه مسجدا و ترتبت عليه آثار المسجد و أحكامه.

و إذا بنى في الأرض بنائه بقصد وقفها مدرسة لطلاب العلم، أو رباطا يقيم فيه الفقراء أو ينزل فيه بعض ذوي الحاجة من المسافرين و غيرهم، ثم اذن بالسكنى فيه فسكن المدرسة بعض الطلاب و اقام في الرباط بعض الفقراء و ذوي الحاجة صح الوقف و تم.

و إذا حدد قطعة من أرضه المملوكة بقصد إنشاء وقفها مقبرة للمسلمين و اذن لهم بالدفن فيها ثم دفن فيها بعض الموتى، تم الوقف، و هكذا في وقف الطريق أو الشارع أو القنطرة، و وقف الفرش و الحصر و المصابيح و أجهزة الانارة و السقاية و التبريد و التدفئة في المشاهد و المساجد و المدارس و الحسينيات فإذا وضع الفراش أو الجهاز في الموضع بقصد إنشاء وقفه و قبضه المتولي أو استعمل في احتياجات المشهد أو المسجد أو الموضع المعين صح وقفها.

المسألة السابعة:

إذا كانت للرجل دار مملوكة أو موضع تام البناء و أراد وقفه مسجدا أو مدرسة أو رباطا أو حسينية، فلا يترك الاحتياط بإنشاء صيغة الوقف، و لا يكتفي بأن يصرف الناس في الصلاة في الموضع بقصد إنشاء وقفه مسجدا أو يصرف الطلاب في السكنى فيه بقصد وقفه مدرسة أو رباطا.

و كذلك إذا كانت له دار مملوكة أو بستان مملوك و أراد أن يجعلها وقفا على ذريته أو لبعض ذوي الحاجات أو على بعض القربات، فلا يترك الاحتياط في إنشاء الصيغة و لا يكتفي بالمعاطاة بقصد إنشاء الوقف المعين.

المسألة الثامنة:

يصح التوكيل في إجراء الوقف سواء كان ذلك بإنشاء الصيغة أم‌

108

كان إنشاؤه بالفعل و المعاطاة على النهج الذي سبق بيانه، و يشكل جريان الفضولية فيه، فلا بد من الاحتياط بتركه فإذا وقف الرجل مال غيره فضولا و أراد المالك إنفاذ الوقف، فلا بد له من تجديد صيغة الوقف من المالك أو وكيله، و لا يكتفي بإجازة الصيغة التي أوقعها الفضولي على المال.

المسألة التاسعة:

إذا أنشأ المالك أو الوكيل عنه الإيجاب في الوقف على الوجه الصحيح أو أنشأه بالمعاطاة على الوجه المطلوب، صح الوقف و نفذ و لا يحتاج بعده الى القبول على الأقوى سواء كان الوقف بنفسه من الجهات العامة كالمساجد و الربط و المقابر و الشوارع و القناطر، أم كان وقفا على عناوين عامة كالوقف على الفقراء و على ذرية الرسول (ص) أو على الفقهاء أم كان وقفا خاصا كالوقف على الذرية أو على زيد و ذريته، فلا يعتبر القبول في جميع أقسام الوقف، و الأحوط استحبابا اعتبار ذلك و خصوصا في الوقف الخاص.

المسألة العاشرة:

لا يشترط في صحة الوقف أن يقصد الواقف فيه التقرب الى اللّه، من غير فرق بين الأوقاف العامة و الخاصة.

المسألة 11:

يشترط في صحة الوقف أن يقبض الموقوف عليه العين الموقوفة، فلا يصح الوقف إذا لم يحصل القبض، و إذا مات الواقف قبل القبض بطل الوقف و عادت العين ميراثا لورثة الواقف، و إذا وقف الدار على زيد و ذريته و مات زيد قبل أن يقبض الدار بطل الوقف في حصة زيد و عادت الحصة ملكا للواقف، و إذا لم يحصل القبض من زيد و لا من ذريته بطل في الجميع و عاد ملكا للواقف.

و لا يعتبر في القبض ان يقع فورا، فإذا وقف العين و حصل القبض بعد مدة صح الوقف و نفذ، و نتيجة لذلك فإذا وقف العين على زيد و ذريته و لم يقبض زيد حتى مات، ثم قبض ذريته العين بعد مدة بطل‌

109

الوقف في حصة زيد، و صح في حصة ذريته إذا كانوا موجودين حين إنشاء الوقف.

المسألة 12:

القبض هو استيلاء القابض على العين الموقوفة و وضع يده عليها، سواء كان المقبوض من المنقولات أم من غيرها، و يراجع في تفصيل ذلك ما ذكرناه في المسألة المائتين و الخامسة و الثمانين من كتاب التجارة.

المسألة 13:

يعتبر- على الأحوط لزوما- أن يكون القبض باذن الواقف، فلا يتحقق الشرط المعتبر في الوقف إذا قبض العين الموقوفة بغير إذنه، فالأحوط تجديد القبض بعد الاذن، و إذا كانت العين وديعة أو عارية بيد الشخص ثم وقفها المالك عليه و هي بيده، فان دلت القرائن على رضى الواقف بالقبض الموجود و اعتباره قبضا للوقف، صح و لم يحتج الى قبض جديد، و ان لم تدل القرائن على شي‌ء فالأحوط تجديد الاذن و مضي زمان بعد ذلك و هي في يد الموقوف عليه ليتحقق شرط الوقف.

المسألة 14:

إذا وقف الأب بعض أملاكه على أولاده غير البالغين، كان قبض الأب قبضا لهم بالولاية عليهم، و يتعين عليه أن يقصد بقبضه بعد الوقف القبض عنهم على الأظهر، و لا يكتفي بمجرد استمرار قبضه من غير أن يقصد ذلك، و كذلك الحكم في الجد أبى الأب إذا وقف بعض الأشياء على أولاد ولده، و كانوا صغارا، و في كل ولي إذا وقف بعض ما يملكه على من ولي أمره، فلا بد من قصد القبض عن المولى عليه بحسب الولاية.

المسألة 15:

إذا كان الوقف على اشخاص معينين، اشترط في صحة الوقف قبض الموقوف عليهم و مثال ذلك أن يقف دارا أو بستانا على أولاده أو على ذريته أو يوقفهما على زيد و ذريته، فلا بد من قبض الموقوف عليهم إذا كانوا بالغين، و إذا كانوا قاصرين أو كان بعضهم قاصرا قبض عن القاصر منهم وليه الشرعي.

110

و يكفي قبض الطبقة الأولى من الموقوف عليهم عن بقية الطبقات اللاحقة، فلا يشترط في صحة الوقف قبض الطبقات المتأخرة إذا حصل القبض من الطبقة الأولى، و إذا كان بعض الطبقة الأولى موجودا كفى قبضه عن البعض الآخر الذي يوجد بعد ذلك منها و لا تتوقف صحة الوقف على قبضه حين يوجد، و مثال ذلك أن يقف الدار على أولاده ثم على أولاد أولاده، فإذا كان الموجودون من الأولاد أربعة و قبضوا العين الموقوفة صح الوقف بقبضهم و نفذ، فإذا ولد له ولد خامس أو أكثر شملهم الوقف و لم يحتج الى قبضهم كما لا يحتاج الى قبض أولاد الأولاد و من بعدهم كما ذكرنا، فقد كفى عنهم قبض الموجودين من الطبقة الأولى. و إذا وقف الشي‌ء على ولده الكبار و قبض بعضهم و لم يقبض الباقي، صح الوقف في حصة من قبض و لم يصح في حصص من لم يقبض كما تقدم، و إذا قبض الباقون بعد ذلك صح الوقف في حصصهم أيضا إذا كان قبضهم قبل موت الواقف، و كذلك الحكم إذا قبض الجميع، و كان قبض بعضهم باذن الواقف و قبض الآخرين بغير اذنه فلا يصح الوقف في حصص من قبض بغير إذن، إلا إذا قبضوا بعد ذلك مع الاذن من الواقف و كان قبضهم في حياته.

المسألة 16:

إذا كان الوقف على عنوان من العناوين العامة كما إذا وقف الرجل بستانه أو عمارته على العلماء أو على طلاب العلم أو على ذرية الرسول (ص) أو على الفقراء، فان كان الواقف قد جعل على الوقف متوليا خاصا، اشترط في صحة الوقف قبض المتولي لتلك العين الموقوفة، و ان لم يعين أحدا، قبضها الحاكم الشرعي.

و كذلك الحكم إذا كان الوقف على الجهات و المصالح العامة، كوقف المساجد و المدارس و القناطر و المقابر و الشوارع و ما يشبه ذلك، فيقبضه المتولي المنصوب من الواقف و إذا لم يجعل الواقف له قيما قبضه الحاكم الشرعي.

المسألة 17:

إذا كان الوقف على عنوان من العناوين العامة فالظاهر أنه يكفي‌

111

في صحة الوقف قبض بعض مستحقي الوقف ممن ينطبق عليه العنوان الموقوف عليه، فإذا كان وقف الدار على العلماء و قبضها بعض العلماء ليسكنها، أو كان وقف البستان على ذرية الرسول (ص) و قبضه بعض الذرية ليستوفي منه ما يستحق صح القبض و تحقق شرط الوقف، و هكذا في وقف العين على الفقراء و الطلاب، و لا بد من أن يقبض المستحق العين الموقوفة ليستوفي منها الحق، و لا يكفي أن يقبض المستحق بعض حاصل العين الموقوفة و فوائدها ليصرفه في حاجاته من غير أن يقبض العين نفسها.

المسألة 18:

يكفي في قبض المسجد بعد وقفه أن يصلي فيه أحد المؤمنين بإذن الواقف بقصد أنها صلاة في المسجد، و يكفي في قبض المقبرة بعد وقفها أن يدفن فيها ميت واحد باذن الواقف بقصد انه دفن في مقبرة، و يكفي في قبض الحسينية بعد وقفها أن يقام العزاء فيها للأئمة (ع) باذن الواقف، بقصد أنه أقامه عزائهم (ع) في حسينية، و هكذا.

المسألة 19:

إذا كان الوقف على بعض الجهات العامة أو على بعض العناوين العامة و جعل الواقف نفسه متوليا على الوقف كفى في صحة الوقف أن يقبض الوقف بنفسه من حيث انه ولي على الوقف المعين، و لا يكفي مجرد القبض إذا لم يقصد به الحيثية المذكورة.

المسألة 20:

ينفرد وقف المسجد عما سواه من أقسام الوقف الآتي بيانها، بأن وقف المسجد لا يكون له موقوف عليه، و لا تلاحظ فيه منفعة خاصة تصرف أو تملك لموقوف عليه عام أو خاص، و انما يلاحظ في تحبيس أصله و تسبيل منافعه مجرد أن يكون الموضع مسجدا و أن يبقى كذلك ما دامت الأرض و ما دامت العين، و قد أشرنا الى هذا في ما تقدم، و ذكرنا أن الواقف إذا لاحظ منفعة معينة، فوقف المكان أو البناية على أن تقام فيها الصلاة أو على العبادة أو على الذكر و الدعاء، لم يكن‌

112

مسجدا و لم تترتب عليه أحكامه بل يكون مصلى أو معبدا أو موضعا للذكر و الدعاء حسب ما قصده الواقف.

المسألة 21:

قد يلاحظ الواقف أشخاصا أو عنوانا عاما ينطبق على أفراد كثيرين، فيجعل العين موقوفة عليهم، و مثال الأول أن يقف الأرض أو الدار المعينة موقوفة على أولاده ثم على أولادهم، و أولاد أولادهم طبقة بعد طبقة، و مثال الثاني ان يقف الأرض أو الدار موقوفة على العلماء أو على الطلاب أو على المحتاجين من ذرية الرسول (ص)، و يعين في وقفه أن تكون منافع الأرض أو الدار الموقوفة ملكا تاما للموقوف عليهم، الخاصين أو العامين على النحو الذي يحدده في وقفه، فتكون الثمار و الفوائد ملكا طلقا للموقوف عليهم كما جعل فيجوز لهم التصرف فيها كما يتصرفون في أملاكهم الأخرى بالبيع و الشراء و الهبة، و سائر المعاوضات و التصرفات، و تترتب عليها أحكام الأملاك و الفوائد من وجوب الزكاة و الخمس إذا توفرت شروطهما و من ضمان إذا أتلفها متلف أو غصبها غاصب أو أحدث فيها محدث عيبا أو نقصا. و إذا مات الموقوف عليه بعد أن ملك حصته من المنفعة ملكها وارثه من بعده، و هذا هو القسم الثاني من أقسام الوقف.

المسألة 22:

و قد يحدد الواقف في وقفه أن تصرف منافع العين الموقوفة على الموقوف عليهم في الوفاء بحاجاتهم و مطاليب حياتهم و معيشتهم و تدبير أمورهم من غير أن يملكوا من المنافع شيئا، و لازم ذلك أن لا تترتب آثار الملك على المنافع التي تصل إليهم من هذا الوقف، فلا تصح لأحدهم المعاوضة على حصته من المنافع ببيع أو هبة أو غيرها و لا تجب عليه الزكاة إذا بلغت حصته منها نصابا زكويا، و لا يرث الوارث ما يتركه الموقوف عليه من الحصة إذا مات قبل أن يصرفه في حياته، و إذا أتلفها أحد في حياته أو غصبها كان المتلف و الغاصب ضامنا لها، و هذا هو القسم الثالث من أقسام الوقف.

113

المسألة 23:

إذا عين الواقف في وقفه أن تصرف منافع العين الموقوفة في شؤون الموقوف عليهم و معيشتهم من غير تمليك كما ذكرنا في المسألة المتقدمة، فقد يشترط في وقفه أن تصرف المنفعة بعينها على الموقوف عليهم لا بأثمانها و أعواضها، و مثال ذلك أن يقف على أولاده نخيلا أو شجرا ليأكلوا تمر النخيل و ثمر الشجر، و يتعين على متولي الوقف في هذا الفرض أن يصرف الثمرة بعينها على الموقوف عليهم، فيعطي كل فرد منهم حصته من تمر النخيل أو من ثمر الشجر نفسه، و لا يصح له أن يبيع الثمرة و يقسم بينهم أعواضها و قد يجيز الواقف في وقفه للولي أن يبدل المنفعة الموقوفة بشي‌ء آخر و يقسمه عليهم لينتفعوا به، فيصح للولي ذلك، و إذا أبدلها الولي، أو قسم المنفعة نفسها بينهم و أعطى كل واحد منهم حصته ليصرفها على نفسه لم يجز له المعاوضة على حصته المدفوعة إليه كما تقدم، و قد عرفت ان المنفعة إذا جعلت كذلك فهي مضمونة إذا غصبت أو أتلفت.

المسألة 24:

قد ينظر الواقف في وقفه أن يستوفي الموقوف عليهم منفعة العين الموقوفة بأنفسهم فيقف كتب العلم مثلا ليقرأ فيها طلاب العلم و ينتفعوا بقراءتها بأنفسهم، و يقف المدرسة ليسكنها الطلاب و أهل العلم و ينتفعوا بالسكنى فيها بأنفسهم، و كذلك في وقفه خانات المسافرين، و الرباطات للفقراء و القناطر و الشوارع للعابرين.

و من الواضح أن منافع هذه الموقوفات لا يملكها الموقوف عليهم فلا يحل لهم المعاوضة عليها و لا يرثها الوارث من بعدهم كما لا تحل المعاوضة عليها من ولي الوقف، و يشكل الحكم بضمانها إذا غصبت أو أتلفت، و هذا هو القسم الرابع من أقسام الوقف.

المسألة 25:

يشترط في صحة الوقف الدوام، و المراد بالدوام أن لا يوقت الواقف وقفه بمدة، فإذا قال: وقفت هذه الدار على الفقراء أو على أولادي مدة عشر سنين أو مدة عشرين سنة، و قصد بذلك إنشاء الوقف كان باطلا.

114

و الفروض المحتملة في هذه الصيغة ثلاثة:

الأول: أن يقصد الموجب بهذه الصيغة إنشاء وقف الدار في المدة المحدودة، و لا ريب في بطلانه، فلا يصح وقفا للدار، لعدم الدوام فيه، و لا يصح تحبيسا لها في المدة المعينة لأن الموجب لم يقصد الحبس و انما قصد الوقف.

الفرض الثاني: أن يقصد بهذه الصيغة إنشاء تحبيس الدار على الفقراء أو على أولاده في المدة المذكورة، و الظاهر صحته حبسا كما قصد فإن الصيغة التي اتى بها كافية في إنشاء ذلك مع وجود القصد اليه، و لا يكون وقفا لعدم قصده، و لعدم الدوام فيه.

الفرض الثالث: ان لا يعلم أن الموجب قصد بالصيغة إنشاء الوقف أو قصد التحبيس و الظاهر صحته حبسا كما هو ظاهر الصيغة و لا يبعد أن ذلك هو مقتضى صحيحة محمد بن الحسن الصفار.

المسألة 26:

إذا وقف الواقف العين على من ينقرض بحسب العادة، و مثال ذلك:

أن يقف الدار أو الأرض على زيد و الطبقة الأولى من أولاده، فالظاهر صحة الوقف، فإذا انقرض زيد و أولاده رجع الوقف الى ملك الواقف إذا كان موجودا، و رجع الى ورثته إذا كان ميتا.

و كذلك الحكم إذا وقف العين على زيد و أولاده، فإذا هم انقرضوا فهي وقف على الكنائس أو هي وقف على طبع كتب الضلال، فان الوقف على الكنائس أو على طبع كتب الضلال باطل بحكم الإسلام، فيكون الفرض المذكور من الوقف المنقطع الآخر، فإذا انقرض زيد و أولاده عاد الوقف ملكا للواقف و لورثته من بعده.

المسألة 27:

و مثله في الحكم ما إذا وقف الإنسان العين على من لا ينقرض في الغالب ثم اتفق انهم انقرضوا و مثال ذلك أن يقف الأرض على زيد و على ذريته من بعده طبقة بعد طبقة، و اتفق أن جميعهم انقرضوا فان العين الموقوفة بعد انقراضهم ترجع ملكا لواقفها، و إذا كان ميتا رجعت لورثته.

115

و إذا علم ان الواقف قد وقف الأرض صدقة مؤبدة على الفقراء مثلا أو في وجوه الخير، و انه انما جعله لزيد و ذريته من بعده لأنهم من وجوه الخير، لم يبطل الوقف بانقراض زيد و ذريته، بل يبقى وقفا على الجهة التي قصدها الواقف.

المسألة 28:

إذا انقرض الموقوف عليهم في الفروض الآنف ذكرها و كان الواقف ميتا رجع الوقف إلى ورثة الواقف حين موته على الأقوى، لا الى ورثته حين انقراض الموقوف عليهم، فإذا كان للواقف عند موته ثلاثة أولاد، قسمت العين عليهم على حسب سهامهم في المواريث، للذكر مثل حظ الأنثيين، و إذا مات بعضهم انتقل نصيبه الى ورثته كذلك، فيشاركون اعمامهم في الميراث من عين الوقف، و ينتقل نصيب الولد الذكر منهم الى وارثه و ان كان بنتا، و ينتقل نصيب الأنثى منهم الى وارثها و ان كان عدة أولاد.

المسألة 29:

قد يكون الوقف الذي يقفه الرجل منقطع الأول، و من أمثلة ذلك:

أن يقف الرجل العين أولا على جهة لا يصح الوقف عليها في الإسلام، كالعبادات المبتدعة، و هياكل الأديان الباطلة، و نشر كتب الضلال، ثم من بعدها على جهات صحيحة كالفقراء و المحتاجين، و لا ريب في بطلانه في الأول، و لا يترك الاحتياط بأن يجدد صيغة الوقف بعد انقراض الأول أو إنشاء الوقف بالمعاطاة، و قد يكون الوقف منقطع الوسط و من أمثلته أن يقف الرجل العين على زيد، ثم من بعده على جهة غير صحيحة ثم على الفقراء، فيصح الوقف في الأول، و يبطل في الوسط، و يكون بالنسبة إلى الأخير كالمنقطع الأول فلا يترك الاحتياط بتجديد صيغة الوقف بعد انقراض الوسط.

المسألة 30:

إذا وقف الإنسان داره أو أرضه على بعض الأشخاص أو على بعض الجهات، و اشترط في وقفه أن تعود العين ملكا له إذا هو احتاج إليها، صح الوقف و الشرط، فتكون العين وقفا على الجهة المعينة ما دام الواقف‌

116

غنيا عن العين الموقوفة غير محتاج إليها، فإذا احتاج إليها انقطع وقفها و رجعت ملكا له و تكون من الوقف المنقطع الآخر، فتدخل في ملكه، و إذا مات بعد ذلك كانت ميراثا لوارثه، و إذا لم يحتج فالعين باقية على وقفها و لا تعود الى الواقف و لا الى وارثه من بعده.

المسألة 31:

يشترط في صحة الوقف أن يقفه الواقف منجزا، فلا يصح إذا علقه في الصيغة على حصول شي‌ء في المستقبل، سواء كان الشي‌ء الذي علق الوقف عليه مما يعلم بحصوله في الآتي، و مثال ذلك: ان يقول: وقفت داري على الفقراء إذا هل هلال شهر رمضان، أم كان الشي‌ء الذي علقه عليه مما يحتمل حصوله و يحتمل عدم حصوله في المستقبل، و مثال ذلك:

أن يقول: وقفت الدار على الفقراء إذا ولدت لي زوجتي ولدا ذكرا، فلا يصح الوقف في الصورتين، للتعليق و لأنه وقف منقطع الأول.

و كذلك إذا علق الوقف على أمر حالي يجهل الواقف تحققه و عدم تحققه بالفعل، و كان الأمر المذكور مما لا تتوقف عليه صحة الوقف، و مثال ذلك أن يقول: وقفت داري على الفقراء إذا كان هذا اليوم هو يوم الجمعة أو إذا كان اليوم أول الشهر، و كان الواقف لا يعلم بذلك، فيكون الوقف باطلا على الأحوط لزوما، بل لعله الأقوى أيضا.

و إذا علق الوقف على حصول أمر حالي و هو يعلم بحصوله، فالظاهر صحة الوقف، و مثال ذلك ان يقول: وقفت داري إذا كان هذا اليوم يوم الجمعة و هو يعلم بتحقق ذلك، و مثله ما إذا علقه على حصول أمر في الحال، يجهل حصوله و عدم حصوله و كان الشي‌ء مما تتوقف صحة الوقف عليه، و مثال ذلك أن يقول: وقفت داري على الفقراء إذا كانت الدار ملكا لي و هو يجهل ذلك، فالظاهر صحة الوقف إذا علم بعد ذلك أو ثبت بالبينة أو غيرها ان الدار ملك له.

المسألة 32:

إذا قال الرجل: داري المعينة وقف بعد وفاتي على الفقراء، فالظاهر من هذه العبارة أنها صيغة لإنشاء وقف معلق على الموت، فيكون وقفا باطلا، إلا إذا دلت القرائن و فهم منها أن القائل أراد الوصية بأن توقف‌

117

الدار بعد موته، فيجب على الورثة العمل بوصيته، مع مراعاة شروط الوصية و أحكامها فإذا كانت الدار بمقدار الثلث أو أقل منه، وجب على الورثة إنفاذ الوصية، و إذا كانت أكثر من الثلث، وجب عليهم أن يقفوا مقدار ثلث التركة من الدار و لم يجب عليهم وقف الزائد إلا إذا أجازوا ذلك.

المسألة 33:

يشترط في صحة الوقف أن يخرج الواقف نفسه عن الوقف، فلا يصح أن يقف الشي‌ء على نفسه، و إذا وقف الشي‌ء على نفسه و على غيره، و علم من الصيغة انه يريد الوقف على وجه التشريك بطل الوقف في حصته، و صح في حصة شريكه، و يعلم مقدار الحصة بالقرائن الدالة عليه، فإذا قال: وقفت الدار على نفسي و على زيد، فالظاهر من هذا القول انه يريد التنصيف، فيصح الوقف في نصف زيد و يبطل في نصف الواقف، و إذا قال: داري وقف علي و على زيد و عمرو معي، فالظاهر منه انه يريد المثالثة فيبطل في ثلثه، و يصح في الباقي.

و إذا قال: وقفت الدار على نفسي ثم على زيد بعدي أو قال: ثم على ذريتي من بعدي، فالظاهر من هذا القول انه أراد الترتيب، فيبطل الوقف في حصته، و يكون الوقف منقطع الأول و قد تقدم ذكر حكمه في المسألة التاسعة و العشرين، و إذا قال: وقفت الدار على أخي الكبير، ثم من بعده على نفسي، صح الوقف في حصة أخيه و بطل في حصة نفسه، و كان الوقف منقطع الأخير، و قد تقدم بيان حكمه في المسألة السادسة و العشرين، و إذا قال: هي وقف على أخي فلان ثم من بعده على نفسي، ثم من بعدي على ذريتي، كان الوقف منقطع الوسط و قد سبق حكمه في المسألة التاسعة و العشرين.

المسألة 34:

إذا وقف الإنسان داره على أولاده أو على اخوانه و ذريتهم، و اشترط في صيغة الوقف على الموقوف عليهم أن يوفوا عنه ديونه، أو يؤدوا عنه ما وجب عليه من زكاة و خمس و حقوق شرعية أخرى، فإن كان المقصود من الوقف و الشرط: ان الموقوف عليهم قد ملكوا منافع الوقف كلها،

118

و ان الواقف يشترط عليهم أن يؤدوا عنه ديونه أو يوفوا عنه ما عليه من واجبات مالية من تلك المنافع التي ملكوها بالوقف، أو يشترط عليهم أن يؤدوا ذلك عنه من أموالهم الخاصة، فالظاهر صحة الوقف و صحة الشرط، فيجب عليهم الوفاء بالشرط، و لا يكون ذلك من الوقف على نفسه.

و ان كان المقصود من الوقف و الشرط أن يكون بعض منافع الوقف للواقف نفسه لوفاء ديونه و الواجبات التي عليه كان الوقف باطلا لأنه يكون من الوقف على نفسه.

و كذلك التفصيل و الحكم إذا شرط على الموقوف عليهم ان يقوموا بمؤنته مدة معينة أو مدة حياته كلها، أو يقوموا بمئونة عياله و أضيافه أو بنفقة زوجته و نحو ذلك من سائر شؤونه، فيصح الوقف و الشرط إذا كان من الصورة الأولى و يبطل إذا كان من الصورة الثانية.

المسألة 35:

أجاز بعض الفقهاء (قدس سرهم) للرجل أن يقف شيئا مما يملكه لتنفق منافعه بعد الموت في وفاء ديونه و أداء الواجبات المالية التي عليه من زكاة و خمس و كفارات و نحو ذلك، و هذا الحكم مشكل، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه، و كذلك الإشكال في أن يقف عينا على قضاء ما عليه من العبادات بعد وفاته فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه.

المسألة 36:

إذا أراد الإنسان أن يستوفي بعض المنافع من العين التي يريد وقفها، و أراد أن يتخلص من اشكال الوقف على نفسه، فقد ذكر بعض الأكابر من الفقهاء (قدس سرهم) وجوها لذلك.

أحدها: أن يؤجر الإنسان الدار أو العين على غيره مدة معينة بمبلغ معين، و يشترط لنفسه خيار فسخ الإجارة، ثم ينشئ وقف العين على الجهة التي يقصدها، فيثبت بذلك وقفها مسلوبة المنفعة في مدة الإجارة، فإذا تم وقف العين و قبضها، فسخ الواقف عقد الإجارة بالخيار أو بالتقايل بينه و بين المستأجر، فتعود منفعة العين في مدة الإجارة بعد فسخها الى ملك الواقف، فيجوز له أن يستوفي المنفعة في تلك المدة حتى تنقضي‌

119

لأن المنفعة ملكه و ان كانت العين موقوفة، فإذا انقضت المدة كانت المنفعة التي تتجدد بعدها الى الموقوف عليهم.

هكذا أفاد، و هو ممنوع، فإن منفعة العين بعد فسخ الإجارة تتبع العين، فتكون للموقوف عليه لا للواقف، و قد ذكرنا هذا في كتاب الإجارة في المسألة الثامنة و الأربعين، و ذكرنا: ان المالك إذا آجر العين مدة معلومة ثم باعها انتقلت العين إلى المشتري مسلوبة المنفعة في مدة الإجارة، فإذا فسخت الإجارة بخيار أو بإقالة تبعت المنفعة العين، فتكون للمشتري و لا حق فيها للبائع، و هذا بنفسه هو الحكم في المقام، فلا يكون في المنفعة حق للواقف.

المسألة 37:

الوجه الثاني: أن يقف الواقف العين على الجهة التي أراد الوقف عليها، و يشترط في صيغة الوقف أن تبقى منافع العين على ملكه مدة معينة، أو مدة حياته، فتكون المنافع ملكا له عملا بشرطه، فله أن يتصرف فيها كما يريد، و هو مشكل، فمن المحتمل أن يرجع اشتراط ذلك في صيغة الوقف الى الوقف على نفسه، و قد تقدم منعه.

نعم، يصح ذلك على الظاهر إذا كان بنحو الاستثناء، لا بنحو الشرط، فيقف الواقف العين على الجهة المقصودة له، و يستثني من منافعها، منفعتها في المدة المعينة بحيث تكون غير داخلة في الوقف و لا مشمولة للصيغة و تبقى على ملك الواقف قبل إيقاع الوقف على العين و خاصة به و لذلك فيصح له التصرف فيها.

المسألة 38:

الوجه الثالث: أن يملك الإنسان داره أو عينه التي يرغب في وقفها لشخص غيره بهبة أو صلح أو غيرهما. و يقفها الشخص الآخر الذي ملكها على الوجه الذي يريد المالك الأول، فيشترط هذا الواقف الأجنبي في صيغة الوقف ان توفي من منافع العين ديون المالك الأول، أو تؤدى منها ما عليه من واجبات مالية أو يعطى منها ما يقوم بمئونته مدة حياته أو غير ذلك من الانتفاع، و هو وجه صحيح لا اشكال فيه إذا كان التمليك لذلك الشخص صحيحا لا صوريا، و كان وقفه للعين بعد ما ملكها حقيقيا‌

120

كذلك فيشترط فيه ما يريد و لا يكون من شرطه لنفسه.

المسألة 39:

يجوز للرجل ان ينتفع بما وقفه من الأعيان على الجهات و المصالح العامة، فيصلي في المسجد الذي وقفه، و يتوضأ و يغتسل و يستقي من المطهرات و الآبار و العيون التي وقفها، و يمر و يعبر في الشوارع و القناطر التي وقفها، و يسكن في المدرسة التي وقفها إذا كان من الطلاب الذين وقفت المدرسة ليسكنوها و يطلبوا العلم فيها، و ينزل الخان الذي وقفه لاستراحة المسافرين و الغرباء و الحجاج و الزوار فيه إذا كان منهم، و يقرأ في كتب العلم و في كتب الأدعية و الزيارات التي وقفها للقراءة و الإفادة منها، و لا يمنع من ذلك أن يكون هو الواقف لهذه الأشياء على جهاتها المعينة.

المسألة 40:

إذا وقف الرجل أرضا أو بستانا أو بنائه على العلماء أو على الطلاب أو على ذرية الرسول (ص) أو على الفقراء أو شبه ذلك من العناوين العامة، و كان الواقف ممن يندرج في العنوان الموقوف عليه، و كان المقصود من الوقف ان توزع منفعة العين الموقوفة على الأفراد، فتكون لكل فرد منهم حصة من المنفعة، لم يجز للواقف أن يأخذ حصة منها، و لم يجز له أن يقصد في أصل الوقف دخول نفسه في الموقوف عليهم.

و كذلك الحكم- على الأحوط- إذا كان المقصود من الوقف أن تكون الأفراد الموقوف عليهم مصارف للمنفعة و ان لم توزع عليهم، فلا يأخذ منها شيئا، بل الأحوط ان يقصد خروج نفسه، و إذا هو قصد خروج نفسه لم يجز له الأخذ من المنفعة قطعا.

المسألة 41:

إذا وقف الرجل العين و كملت شروط الوقف، نفذ و كان لازما، فلا يصح للواقف ان يفسخه أو يرجع فيه، و ان رضي الموقوف عليهم و اتفقوا على ذلك، و إذا أوقع الواقف الوقف و هو في مرض الموت نفذ من أصل التركة و لم يتوقف على اجازة الورثة فليس لهم رده و لا الخيار فيه و ان زاد على ثلث التركة و سيأتي بيان هذا في منجزات المريض.

121

الفصل الثاني في الواقف و ولي الوقف

المسألة 42:

يشترط في الواقف أن تجتمع فيه جميع الشروط التي اعتبرها الشارع في صحة التصرف المالي، و قد تكرر ذكرها في أكثر المعاملات المتقدمة، فلا بد فيه من البلوغ، فلا يصح الوقف من الصبي غير البالغ على تأمل في من بلغ عشر سنين و هو عاقل مميز، و لكن الأحوط اشتراط البلوغ فيه أيضا و ان كان وقفه بإذن الولي، فلا يترك الاحتياط فيه.

و لا بد فيه من العقل، و لا بد فيه من الاختيار فلا يصح وقفه إذا كان مكرها، و لا بد من أن يكون قاصدا فلا يكون هازلا في قوله أو ساهيا أو ناسيا، و لا بد فيه من ان يكون غير محجور عليه لسفه أو فلس أو رق‌

المسألة 43:

سيأتي في كتاب الوصية (ان شاء اللّه تعالى): أن الأقوى صحة الوصية من الصبي إذا بلغ عشر سنين و هو عاقل مميز و كانت وصيته في وجوه الخير و المعروف، سواء كانت لأرحامه أو لغيرهم، فإذا أوصى و هو ابن عشر سنين كذلك بوقف بعض ما يملكه على الجهات المذكورة وجب على الوصي إنفاذ وصيته، فيجب عليه وقف العين التي أوصى بوقفها على الجهة التي عينها، و يكون الوقف نافذا.

المسألة 44:

لا يشترط في صحة الوقف أن يكون الواقف مسلما، فيصح وقفه إذا كان كافرا على الأقوى.

المسألة 45:

يصح للواقف أن يجعل الولاية على الوقف لنفسه خاصة ما دام حيا أو في مدة معينة، و يجوز له أن يجعلها لشخص آخر ما دام ذلك الشخص حيا أو في مدة معينة، و يجوز له أن يجعل الولاية لنفسه و لغيره على سبيل الاشتراك بينهما على النحو الذي يأتي بيانه، و يجوز له أن يجعل الولاية‌

122

لشخصين غيره أو أكثر على نحو الانضمام أو الاستقلال، فيجوز له جميع ذلك و إذا جعل شيئا منه نفذ و وجب العمل به.

و يجوز له أن يجعل الأمر في تعيين الولي بيد زيد مثلا، فأي شخص يعينه زيد يكون هو المتولي و ان لم يكن زيد نفسه وليا للوقف، و يجوز له أن يجعل الولاية لزيد و يجعل له كذلك أمر تعيين الولي من بعده، ثم يعين هذا الولي المجعول من زيد بعده من يشاء و هكذا.

و يجوز للواقف أن يجعل على ولي الوقف ناظرا يشرف على تصرفاته و أعماله في العين الموقوفة، أو يجعل ناظرا يرجع إليه الولي في النظر قبل التصرف و العمل، فإذا عين الواقف شيئا من الأمور المتقدمة لزم العمل حسب ما عين و حدد.

المسألة 46:

انما ينفذ قول الواقف و تعيينه و اشتراطه في الوقف و في الولاية على الوقف و النظارة على الولي إذا كان القول أو التعيين أو الاشتراط في نفس إيقاع الوقف و في ضمن صيغته و متعلقاتها فإذا تم الإيقاع فليس للواقف أن يلحق به أمرا أو يحدد شيئا أو يعين له وليا أو ناظرا بعد ذلك و ليس له أن يعزل وليا أو ناظرا، و يكون شأنه شأن الأجنبي في ذلك، إلا إذا شرط لنفسه في ضمن إيقاع الوقف أن يكون له الحق في تعيين ولي أو ناظر أو في عزله، فإذا اشترط ذلك صح شرطه و نفذ، و يجري ذلك حتى في ولايته نفسه على الوقف أو نظارته إذا جعلهما في الوقف، فليس له أن يعتزل إلا إذا شرط لنفسه ذلك في إيقاع الوقف، فيجوز له أن يعتزل، و كذلك إذا شرط ذلك لغيره، فعزله الشخص المشروط له.

المسألة 47:

يجوز للواقف أن يجعل لنفسه الولاية على الوقف أو النظارة عليه و تثبت بذلك ولايته و نظارته و ان لم يكن عدلا، و لا يشترط في غير الواقف إذا أراد أن يجعله وليا أو ناظرا على الوقف ان يكون عدلا، و يعتبر فيه على الأحوط الامانة و الكفاءة لما يعينه له، فلا يصح له أن يعين لذلك خائنا لا يوثق به أو من لا كفاءة له، و خصوصا إذا كان‌

123

الوقف على المصالح و الجهات المهمة العامة و كانت الولاية على أمور بالغة الاهتمام في تدبير أمر الوقف كإجارة و ادارة و تقسيم و صرف في أمور مختلفة.

المسألة 48:

إذا علمت الخيانة من الولي أو النظير على الوقف، جعل الحاكم الشرعي معه من يمنعه عن الخيانة فان لم يمكن ذلك أو لم يجد نفعا عزله الحاكم الشرعي عن الولاية أو النظارة، و ليس للواقف نفسه ان يعزله و يعين غيره الا إذا اشترط لنفسه الحق في ذلك كما ذكرنا قريبا.

المسألة 49:

لا يجب على الشخص أن يقبل ولاية الوقف أو نظارته إذا جعله الواقف وليا على الوقف أو نظيرا عليه و ان لم يكن حاضرا في مجلس إيقاع الوقف، و لم يبلغه خبر جعله وليا أو نظيرا الا بعد موت الواقف، فيجوز له الرد و عدم القبول.

و إذا جعل الواقف الولاية لأشخاص مترتبين، واحدا بعد واحد، و قبل الأول منهم لم يجب القبول على الآخرين، فيكون الوقف بعد موت الأول بلا ولي، و إذا قبل الأخير و لم يقبل الأول كان الوقف بلا ولي من أول الأمر، و إذا جعل الواقف الولاية لشخص و قبل ذلك، فليس له عزل نفسه بعد ذلك، على الأحوط، و لعل ذلك هو الأقوى أيضا.

المسألة 50:

إذا عين الواقف وليا و اشترط فيه شرطا و انتفى الشرط منه لم تثبت ولايته، و مثال ذلك أن يجعل الولاية لزيد إذا كان عدلا، فلم تتحقق فيه العدالة، و كذلك إذا كان عدلا في أول الأمر ففسق، فينعزل بذلك عن الولاية و يكون الوقف بلا ولي.

المسألة 51:

إذا جعل الواقف ولاية الوقف لشخصين أو أكثر، و اشترط في ولايتهما ان ينضم أحدهما إلى الآخر في التصرف، لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف عن صاحبه لا في جميع الوقف و لا في بعضه و ان اتفقا بينهما على ذلك، أو اقتسما الوقف برضاهما، بالتبعيض، فجعلا نصف‌

124

العين الموقوفة بيد أحدهما، و النصف الآخر بيد الثاني، أو بالمهاياة فجعلا جميع العين الموقوفة في يد أحدهما يتصرف فيها مستقلا في الشهر الأول مثلا، و جميعها في يد الآخر يتصرف فيها مستقلا في الشهر الثاني.

و إذا سقطت ولاية أحدهما بموت أو بفقد شرط، نصب الحاكم الشرعي وليا آخر ينضم إلى الولي الباقي منهما في التصرف على الوجه الذي حدده الواقف، و هذا هو الأحوط إذا لم يكن هو الأقوى.

المسألة 52:

إذا جعل الواقف الولاية لاثنين أو لأكثر، و ذكر ان ولايتهما على الوقف على نحو الاستقلال في التصرف، جاز لكل واحد منهما أن ينفرد في التصرف عن الثاني، و إذا تصرف أحدهما قبل صاحبه كان تصرفه نافذا، و إذا تقارنا في تصرفهما و كان تصرف أحدهما لا ينافي تصرف الثاني نفذا معا و مثال ذلك: ان يبيع أحدهما نصف ثمرة النخيل الموقوفة على زيد، و يبيع الآخر نصفها الثاني على عمرو في وقت واحد، فيصح البيعان و إذا كان التصرف منهما متنافيا بطل التصرفان معا، و مثال ذلك: أن يبيع أحد الوليين جميع ثمرة النخيل الموقوفة على زيد، و يبيع الثاني جميعها على عمرو في وقت واحد، فيبطل البيعان.

و يجوز لهما أن يقتسما الوقف بالتبعيض، فينفرد كل واحد منهما بقسم من الوقف يتصرف فيه و ان كان القسمان غير متساويين، و يجوز لهما أن يقتسماه بالمهاياة، فيتصرف أحدهما في العين الموقوفة شهرا أو أكثر، ثم يتصرف الآخر فيها بعد ذلك، و إذا سقطت ولاية أحدهما بموت أو فقد شرط، اختص الثاني بالولاية فيتصرف في الوقف منفردا و لا يجعل الحاكم الشرعي معه وليا غيره.

المسألة 53:

إذا جعل الواقف ولاية الوقف لشخصين أو أكثر، و لم يبين ان ولايتهما على نحو الانضمام أو على نحو الاستقلال، فالظاهر وجوب الانضمام، فلا يصح لأحدهما أن يتصرف منفردا، الا ان تدل القرينة على غير ذلك، و تجري بقية الأحكام التي ذكرناها في المسألة الحادية و الخمسين.

125

المسألة 54:

إذا نصب الواقف وليا على وقفه و أطلق ولايته و لم يحدد له وظيفة معينة، تولى جميع الوظائف و الأعمال المتعارفة التي يقوم بها أولياء مثل هذا الوقف ما بين الناس، فيقوم بتعمير الوقف أو إصلاحه إذا احتاج الى التعمير أو الإصلاح، و يجعل له الفلاحين و الأكارين و العمال إذا كان محتاجا الى ذلك، و يتولى جمع ثماره و إصلاحها، و يبيعها إذا كانت مما يباع، و يؤجر الوقف إذا كان مما يؤجر و يحصل مال الأجرة، و يقسم المنافع و الحاصلات على أصحابها و يصرف المصارف في أبوابها، و يدفع حقوق الفلاحين و العمال لما يقومون به من إصلاح و تعمير و حفظ و يضبط الصادر و الوارد و يؤدي الخراج و الضرائب و شبه ذلك مما يقوم به مثله من الأولياء. و إذا حدد الواقف له وظيفة خاصة تولاها و لم يتعدها، و أوكل الوظائف الأخرى الى من ينصبه الواقف لذلك أو الى من يوليه الحاكم الشرعي، و سيأتي التعرض لذلك.

المسألة 55:

إذا ثبتت للشخص الولاية على الوقف و عينت له وظيفة خاصة، أو شملت ولايته جميع النواحي، لم يجز لأحد أن يزاحمه أو يخالفه في حدود ولايته، و وجب عليه أن يراعي الاحتياط في تطبيق مراد الواقف و أن يراعي مصلحة الوقف و مصلحة أربابه في تلك الحدود و الشؤون التي جعلت له.

المسألة 56:

إذا جعل الواقف للمتولي مقدارا معينا من منفعة الوقف اختص به و كان ذلك المقدار أجرة له عما يقوم به من عمل في ولايته على الوقف، و ليس له المطالبة بأكثر منه و ان كان أقل من أجرة مثله. فان المفروض أنه قد قبل بذلك لما جعل الواقف له التولية و عين له المقدار و أقدم على ذلك باختياره.

و إذا جعل الواقف له التولية و لم يعين له شيئا، فإن كان عمله مما لا يستحق عليه اجرة في نظر أهل العرف فلا شي‌ء له، و كذلك إذا علم من القرائن أن الواقف لما جعله متوليا أراد منه أن يقوم بالعمل مجانا‌

126

دون اجرة، و قبل بذلك و أقدم عليه باختياره، فلا يستحق على عمله شيئا.

و إذا جعل له التولية و لم يعين له شيئا و كان عمله مما يستحق عليه الأجرة و لم يعلم من الواقف انه أراد منه القيام بالعمل مجانا، فالظاهر أن له اجرة المثل، و إذا جعل الواقف له مقدارا من المنفعة بعد أن تم إيقاع الوقف لم ينفذ ذلك، فإذا كان العمل مما يستحق عليه الأجرة و لم يقصد به التبرع و لم يشترط الواقف عليه في إيقاع الوقف ان يقوم بالعمل متبرعا استحق على عمله أجرة المثل.

المسألة 57:

لا يجوز للمتولي أن يجعل تولية الوقف لشخص غيره، سواء قصد بذلك أن ينقل توليته الى غيره، أم قصد أن يجعل لمنصوبه ولاية غير ولايته، فلا يصح له ذلك، إلا إذا كان الواقف قد جعل له هذا الحق في ضمن صيغة الوقف و حين عينه متوليا، فقال له: جعلتك متوليا على الوقف، و خولتك ان تجعل له متوليا غيرك إذا عجزت أو طرأ شي‌ء يمنعك عن القيام بأمر الولاية مثلا، فيجوز له جعل المتولي حين ذاك.

و يجوز له أن يوكل أحدا في أداء بعض الأعمال المنوطة به، إذا كان الواقف لم يشترط عليه المباشرة في ذلك العمل.

المسألة 58:

قد ذكرنا في المسألة الخامسة و الأربعين: إن للواقف أن يجعل على المتولي ناظرا، و هو على نوعين، فقد يقصد الواقف أن يكون للنظير مجرد الاشراف على تصرف المتولي و عمله، فيجب على المتولي أن يطلعه على أي عمل يريد القيام به في الوقف، و فائدة جعل الناظر مجرد الاستيثاق من وقوع العمل، و لا تتوقف صحة العمل على اذن الناظر بفعله.

و قد يقصد الواقف أن يكون النظير مرجعا للولي في تصويب نظره و صحة تصرفه، فلا يجوز للولي أن يعمل عملا أو يتصرف تصرفا حتى يصوب النظير رأيه و تصرفه و يأذن له فيه.

127

و إذا تردد أمر النظير المجعول بين النوعين، فلم يعلم أن مراد الواقف أيهما لزم مراعاة الأمرين، فعلى المتولي اطلاع الناظر على عمله و استئذانه بالتصرف حتى يكون تصرفه باذنه.

المسألة 59:

إذا لم يعين الواقف متوليا للوقف، أو عين له متوليا فمات بعد التعيين، أو اشترط في المتولي وجود شرط معين، فانتفى الشرط و لم يوجد فيه، أو كان الشرط موجودا فيه ثم فقد منه بعد ذلك، أو عين للوقف متوليا، و حدد ولايته في بعض الجهات التي يحتاج إليها تدبير أمر الوقف، و ترك بعض النواحي التي يحتاج إليها، فلم يدخلها في ولاية ذلك المتولي المجعول، و لم يعين لها متوليا آخر يقوم بها. فان كان الوقف نفسه من الجهات العامة كالمساجد و المشاهد و المعابد، و المدارس و القناطر و المقابر و شبهها، أو كان من الأوقاف على هذه الموقوفات العامة، أو كان من الوقف على العناوين العامة، كالوقف على أهل العلم أو على ذرية الرسول (ص) أو على الفقراء و ما يشبه ذلك، فالولاية عليه للحاكم الشرعي أو المنصوب من قبله.

المسألة 60:

إذا كان الوقف من الأوقاف الخاصة كالوقف على الذرية، أو على أخيه زيد و ذريته و كان الوقف على نحو صرف المنفعة على الموقوف عليهم لا على سبيل تمليك منفعة الوقف لهم، و لم يعين الواقف له متوليا أو كان من أحد الفروض التي ألحقناها به في الحكم في المسألة المتقدمة، فالولاية فيه أيضا للحاكم الشرعي أو المنصوب من قبله.

و إذا كان الوقف خاصا و كان المقصود به تمليك منفعته للأفراد الموقوف عليهم، فالظاهر فيه التفصيل فالأمور التي ترجع إلى مصلحة الوقف أو الى بقائه أو الى مصلحة البطون اللاحقة من الموقوف عليهم كالإجارة لهم، و تعمير الوقف و إخراج البئر أو العين فيه و صون أصوله و غرس الأشجار و النخيل الجديدة فيه، تكون الولاية فيها للحاكم الشرعي أو منصوبه.

128

و الأمور و الأعمال التي ترجع الى النمو الفعلي للوقف و الى نمو ثماره و منافعه الفعلية كتأبير النخيل، و إصلاح الثمرة و جذاذها و جمعها و تشميسها و بيعها و اجارة الوقف لمصلحة البطن الموجود و تقسيم المنفعة على أرباب الوقف الموجودين و شبه ذلك تكون الولاية فيها للموجودين من الموقوف عليهم.

المسألة 61:

إذا جعل الواقف تولية وقفه بيد رجلين عدلين على وجه الانضمام فمات أحدهما، فالأحوط أن يضم الحاكم الشرعي عدلا ثانيا الى العدل الباقي من الوليين فيتصرفا في الوقف منضمين، و كذلك إذا فسق أحد العدلين اللذين جعلهما الواقف، أو لم يتفق من أول الأمر إلا وجود عدل واحد، فيضم الحاكم الشرعي عدلا آخر الى العدل الموجود كما تقدم.

و إذا جعل الولاية لعدلين فلم يوجد حتى عدل واحد، أو مات العدلان معا بعد أن عينهما الواقف أو فسقا معا، رجعت الولاية إلى الحاكم الشرعي، و جاز له أن يكتفي بنصب عدل واحد على الأقوى و الأحوط استحبابا أن ينصب عدلين.

المسألة 62:

إذا احتاج الوقف الى التعمير، جاز للمتولي أن يأخذ من منافع الوقف نفسه إذا كانت موجودة فيصرفها في تعميره، و يكون ذلك مقدما على الجهات الأخرى التي يحتاج إليها الوقف و على حصص الموقوف عليهم من المنافع، سواء كان وقفه عليهم على نحو الصرف أو على نحو التمليك، و ان استوعب المنافع الموجودة كلها أو زاد عليها و احتاج الى الاستدانة على ما يأتي منها.

و إذا لم يوجد من منافع الوقف شي‌ء، أو قصر الموجود منها عن المقدار الذي يحتاج إليه في التعمير، جاز للولي أن يستدين لتعميره بقصد أن يفي الدين من حاصلات الوقف في المستقبل أو من منافع الموقوفات على ذلك الوقف كالمسجد يقترض الولي لتعميره مبلغا بقصد أن يفي المبلغ الذي اقترضه له من منافع الموقوفات على المسجد، مما يصح انطباقه‌

129

على التعمير، و كالمدرسة و الرباط، كذلك. و كالبستان و الدار الموقوفين يحتاجان الى التعمير فيستدين المتولي لهما بقصد أن يفي الدين من منافعهما المقبلة، و يكون وفاء هذا الدين مقدما على حقوق الموقوف عليهم.

و يجوز للمتولي أن يصرف على تعمير الوقف من ماله بقصد أن يستوفي عوض ماله من منافع الوقف الآتية.

الفصل الثالث في العين الموقوفة

المسألة 63:

يشترط في الشي‌ء الذي يراد وقفه أن يكون عينا متشخصة في الخارج، فلا يصح وقف ما يكون دينا، و مثال ذلك أن يشتري الرجل ببيع السلف من الآخر بساطا موصوفا في ذمته أو متاعا موصوفا، فيقول المشتري:

وقفت البساط أو المتاع الذي ملكته في ذمة زيد على الفقراء، أو يكون له على زيد دين بسبب آخر، فيقول: وقفت الدين الذي استحقه على زيد، فلا يصح الوقف.

و لا يصح وقف ما يكون كليا قبل أن يتعين، و مثال ذلك: أن تكون له عدة أفراس أو عدة عبيد، فيقول: وقفت فرسا، أو وقفت عبدا على الجهة الخاصة من غير أن يشخص عبدا أو فرسا معينا، و لا يصح وقف ما يكون منفعة فيقول: وقفت منفعة داري المعينة أو منفعة بستاني المعلوم على الفقراء، فيكون الوقف باطلا في جميع ذلك، لفقد الشرط المذكور.

المسألة 64:

يشترط في العين التي يراد وقفها أن تكون مملوكة أو هي بحكم المملوكة، فلا يصح وقف العين إذا كانت غير قابلة للتملك شرعا كالإنسان الحر، و كالعرصة الموقوفة مسجدا، فلا يصح وقفها و ان أراد الواقف‌

130

الجديد أن يقفها مسجدا أيضا، و سيأتي أن خراب المسجد لا يوجب زوال المسجدية عنه، و لا يصح بيعه و تملكه ليقفه الواقف مرة أخرى مسجدا أو غير مسجد.

و لا يصح وقف المباحات الأصلية قبل أن تحاز و تملك، كالأرض المباحة و الحيوان المباح و الشجر المباح.

المسألة 65:

إذا أخذ الحاكم الشرعي زكاة الأنعام من مالكها إبلا أو بقرا أو غنما، و لم تدفع في مصارفها، أو أخذها العامل المنصوب لذلك، و أراد الحاكم الشرعي وقف هذه الأنعام المأخوذة لتكون فائدتها أكثر، جاز له ذلك و ان لم تكن مملوكة، فإنها بحكم المملوكة، لولاية الحاكم الشرعي على المستحقين و على سائر مصارف الزكاة، و إذا أراد مالك الأنعام الزكوية وقفها كذلك ففي صحة وقفه إياها إشكال.

المسألة 66:

يشكل الحكم بصحة وقف العين المملوكة إذا كانت مرهونة عند الغير و لم يأذن المرتهن قبل إيقاع الوقف عليها، و الأحوط تركه، و إذا أذن المرتهن قبل إجراء صيغة الوقف فالظاهر الصحة و النفوذ، و يشكل، بل يمنع على الأحوط، وقف الأمة إذا كانت أم ولد للمالك، فلا يصح وقفها لخدمة مشهد أو معبد أو غير ذلك.

المسألة 67:

يعتبر في العين التي يراد وقفها أن تكون مما يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، فلا يصح وقف العين إذا كانت مما لا منفعة له في نظر أهل العرف، كما إذا كانت الأرض المملوكة غير صالحة للزراعة و الغرس لكثرة الموانع التي تمنع من الزراعة و النمو فيها، و غير قابلة للبناء لينتفع بها دارا أو مخزنا أو موضعا لعمل أو لشي‌ء آخر لبعدها كثيرا عن مواضع العمران و الأماكن التي يطلب الناس السكنى فيها و العمل و تعذر مطاليب الحياة فيها أو تعسرها، و هي لذلك و لغيره غير قابلة لاجارتها أرضا فارغة لينتفع المستأجر فيها بوجه من الوجوه، فإذا اتفق‌

131

أن الأرض المملوكة أو العين الأخرى كذلك لم يصح وقفها، لعدم منفعة يسبلها.

و إذا أمكن أن توقف الأرض المذكورة مسجدا أو مصلى لينتفع بعض المارة بالصلاة فيه، لم يصح وقفها لغير ذلك.

المسألة 68:

لا يصح وقف الشي‌ء الذي لا ينتفع به الا بإتلاف عينه كالمأكولات و المشروبات و كالحطب و النفط و الغاز لا ينتفع به الا بوقده و حرقه، و كالطاقة الكهربائية لا ينتفع بها الا بصرفها أما الأدوات و الأجهزة و الآلات و المصابيح الكهربائية فلا ريب في صحة وقفها فهي مما ينتفع به مع بقاء عينه.

و لا يصح وقف العين إذا كانت المنفعة التي يقصدها الناس منها تنحصر في المحرم، كالآت اللهو، و آلات القمار، و ان أمكن أن تكون لها منفعة محللة، و لكنها نادرة و غير مقصودة للناس في العادة، و لا يصح وقف العين إذا كانت المنفعة التي قصدها الواقف و أوقع وقفه بلحاظها منفعة محرمة كمن يقف الدابة أو السيارة أو وسيلة النقل الأخرى لحمل الخمر، أو يقف الدار أو المحل ليكون معملا للخمر أو مخزنا له أو موضعا لبيعه و شربه أو موضعا للبغاء أو غيره من أنواع الفسوق و المحرمات.

المسألة 69:

ذكرنا في ما سبق: انه يعتبر في الشي‌ء الذي يراد وقفه أن يكون مما ينتفع به مع بقاء عينه، و المراد أنه ينتفع به مع بقائه بقاء معتدا به في نظر العقلاء، فلا يكفي بقاؤه مدة يسيرة كما إذا أراد الرجل أن يقف الريحان أو الورد للشم، أو يقف النار للاصطلاء بها أو للطبخ عليها فلا يصح مثل هذا الوقف لقلة مدة الانتفاع به.

المسألة 70:

لا يشترط في صحة وقف الشي‌ء المملوك أن يكون مما يمكن قبضه في حال إنشاء الوقف فإذا وقف الإنسان عبده الآبق، أو جمله الشارد، أو طيره الطائر في الهواء، أو سيارته المسروقة ثم حصل القبض بعد‌

132

ذلك صح الوقف و ان تأخر قبضه مدة، و إذا لم يتحقق القبض بطل الوقف.

المسألة 71:

ظهر من مجموع ما ذكرناه: أن كل عين مملوكة إذا كانت مما يمكن أن ينتفع بها منفعة محللة مع بقاء العين مدة معتدا بها، فهي مما يصح وقفها، كالدور و البساتين و سائر العقارات و الأرضين، و الكتب و السلاح و الحيوان و أدوات النقل و الأجهزة و الفرش و الأثاث و الثياب و غيرها مما تتحقق فيه الشروط المتقدمة.

المسألة 72:

لا تختص المنفعة المقصودة في الوقف، بالمنفعة المقصودة في الإجارة كسكنى الدار و الكسب في الحانوت و المحل، و حرث الآلة و الدابة، و الحمل و الركوب و حمل الأثقال و شبهها، بل تعم النماءات و الثمار و أعواض الإجارة للعين، و اللبن و الصوف و الوبر و الشعر و النتاج و غيرها، فيصح وقف العين بلحاظ جميع ذلك.

المسألة 73:

لا يشترط في صحة الوقف أن تكون المنفعة المقصودة حاصلة بالفعل في حال الوقف، فيكفي أن تكون متوقعة الحصول و لو بعد حين، فإذا وقف الرجل الدابة الصغيرة صح وقفها، و ان لم يمكن ركوبها و الحمل عليها الا بعد سنين، و إذا وقف فسيل النخيل أو أصول الشجر المغروسة صح وقفها و ان كانت لا تثمر و لا تؤتي نماءها و نتاجها الا بعد أمد طويل، و إذا آجر المالك داره مدة ثم وقفها بعد الإجارة صح وقفها و ان لم تملك منفعتها الا بعد انتهاء مدة الإجارة، و انقضاء ملك المستأجر.

المسألة 74:

إذا وقف الواقف العين و كان على النخيل و الشجر الموقوفة ثمر موجود في حال إنشاء الوقف، لم يدخل هذا الثمر الموجود في الوقف، فلا يكون للموقوف عليهم أو الجهة الموقوف لها، بل يبقى ملكا للواقف، سواء كان الوقف بنحو تمليك المنفعة أم كان بنحو صرفها على الموقوف عليهم‌

133

أم كان وقفا على جهة عامة، و إذا آجر المالك داره مدة ثم وقفها بعد الإجارة، لم يدخل مال الإجارة في الوقف فهو ملك للواقف، و قد تقدم:

أن الوقف في هذه الصورة يثبت للدار و هي مسلوبة المنفعة في مدة الإجارة، و إذا وقف دابة أو أمة و كانت حاملا في حال إنشاء الوقف لم يدخل الحمل الموجود في بطنها في الوقف بل هو ملك للواقف.

و يشكل الحكم في الصوف و الشعر و الوبر الموجود على الحيوان الموقوف في حين إنشاء الوقف، و في اللبن الموجود في ضرع الأنثى الموقوفة فهل يدخل في الوقف أم لا؟ فلا يترك الاحتياط فيه، و كذلك في ما يتجدد من المذكورات بعد إنشاء الوقف و قبل القبض فلا يترك الاحتياط فيه.

المسألة 75:

إذا أطلق الواقف وقف العين و كانت لها منافع عديدة متنوعة دخلت جميعا في وقف العين و ان كانت كثيرة، فيكون جميعها للموقوف عليهم إذا كانوا أشخاصا، و للجهة الموقوف لها إذا كان الوقف على جهة، فإذا وقف عبدا و كان كثير المنافع و الفوائد، فجميع منافعه و فوائده داخلة في وقفه و مختصة بالأشخاص أو الجهة الموقوف عليها، و إذا وقف أرضا أو بستانا أو نخيلا أو شجرا، فجميع ثمرتها و حاصلها مشمولة للوقف حتى السعف و الأغصان اليابسة، و أكمام الطلع، و الفسيل، و قضبان الشجر التي تقطع منه للغرس أو لغرض آخر، و إذا وقف ناقة أو بقرة أو شاة أو حيوانا آخر فجميع نتاجه و نمائه داخلة كذلك، و إذا كانت العين الموقوفة متعددة المنافع كما ذكرنا فلا يترك الاحتياط باجتناب تخصيص الوقف ببعض المنافع دون بعض.

المسألة 76:

يصح وقف الحلي من الذهب و الفضة و نحوهما للتزين به و التحلي، فيقف الحلي على ذريته طبقة بعد طبقة أو على أقربائه، أو على المحتاجين مثلا أو على جهة عامة كما في غيره، و له أن يقف الحلي عليهم للتحلي به و يجيز لهم أن يؤجروه مدة على الآخرين و يقتسموا مال الإجارة بينهم‌

134

بالحصص على نحو التمليك أو على نحو الصرف عليهم في شؤونهم، و يصح وقف الدراهم و الدنانير كذلك إذا جعلت حليا يتحلى بها أو ما يشبه الحلي و عد ذلك منفعة يعتد بها العقلاء، و هو أمر تابع لجريان العادة فيه، و إذا لم يعد منفعة بين الناس و لم تجر به العادة أشكل الحكم بصحة وقفها.

الفصل الرابع في الموقوف عليه

المسألة 77:

ينقسم الوقف بلحاظ الأشخاص أو العنوان أو الجهة التي وقف عليها الواقف الى عدة أقسام.

(الأول): قد يلاحظ الواقف أشخاصا، فيخصصهم بالمنفعة المقصودة من الوقف، و يسمى هذا القسم وقفا خاصا، باعتبار أن الملحوظين أشخاص معينون و ان كان عاما باعتبار أنه شامل لجميع أفراد الطبقة أو الطبقات الملحوظة، فإذا قال الرجل: وقفت داري أو بستاني على أولادي طبقة بعد طبقة، شمل الوقف كل فرد من أفراد الطبقة الأولى منهم، ثم شمل كل فرد من أفراد الطبقة الثانية، و هكذا حتى يعم كل طبقة، و كل فرد على الوجه الذي قصده في وقفه.

و كذلك إذا قال: وقفت الدار على ذرية أبي طبقة بعد طبقة، أو قال: وقفتها على زيد و ذريته نسلا بعد نسل.

ثم أن الواقف قد يخصص الموقوف عليهم بمنفعة الوقف على وجه التمليك حصصا، و قد يجعلها لهم على أن تصرف في حاجاتهم و معيشتهم من غير تمليك، و قد تقدم بيان ذلك في بعض مسائل الفصل الأول فيرجع هذا القسم الى قسمين: باعتبار اختلاف الجهة الملحوظة للواقف، و الأثر الذي ينتجه هذا اللحاظ.

المسألة 78:

و قد يلاحظ الواقف عنوانا عاما ينطبق على أفراد كثيرة أو قليلة، فيجعل منفعة الوقف للأفراد من حيث انطباق العنوان المذكور عليهم،

135

فيقول مثلا: وقفت الدار أو البستان على الفقراء أو على الفقهاء أو على المحتاجين من ذرية الرسول (ص) أو على الأيتام، و هذا القسم كسابقه يرجع الى قسمين، فقد يجعل الواقف المنفعة للأفراد على وجه التمليك لهم، و قد يجعلها لهم على أن تصرف في حاجاتهم و شؤونهم من غير تمليك، فتكون الأقسام أربعة.

المسألة 79:

و قد يلاحظ الواقف جهة من الجهات أو مصلحة من المصالح شرعية أو دنيوية، فيجعل منفعة العين موقوفة على أن تصرف في تلك الجهة الملحوظة، كما هو الحال في وقف المساجد و المشاهد و كما في وقف المدارس و القناطر و الشوارع و الربط و الخانات المعدة لنزول العابرين و المسافرين و أمثالها، و الوقف في هذا القسم لا يكون على نحو التمليك و انما يكون على نحو التصرف، فيكون قسما واحدا.

و لكن الجهة أو المصلحة الملحوظة، قد تكون عامة كما في الأمثلة التي ذكرناها، و قد تكون خاصة كما في الوقف على الرسول (ص) أو على أمير المؤمنين (ع) أو على أحد المعصومين (ع) أو على جميعهم (ع)، و هذا القسم في واقعة وقف على جهة و مصلحة شرعية و ان كان في صورته وقفا على شخص أو أشخاص، فالأقسام ستة.

المسألة 80:

إذا كانت الطبقة الأولى من الموقوف عليهم موجودة جميعا حين إنشاء الوقف من الواقف، أو كان منهم من هو موجود بالفعل، صح الوقف الخاص عليهم، و صح الوقف بتبعهم على المعدوم الذي سيوجد منهم، و على الحمل الموجود في بطن أمه، و على المعدوم الذي قد مات إذا أدخلهم الواقف في الوقف، فيشملهم الوقف تبعا للموجود، سواء كانوا من طبقته أم كانوا من طبقة متأخرة عنه.

و لا يشترط في صحة الوقف وجود موقوف عليه في كل زمان، و نتيجة لذلك فإذا وقف الواقف على زيد ثم على أولاده، و مات زيد قبل أن يولد ولده لم يبطل الوقف على الحمل و لا على أولاده بعد ان شملهم الوقف في حياة زيد و بتبع وجوده.

136

المسألة 81:

إذا وقف الرجل داره على ولده الذي قد مات ثم من بعده على أولاد هذا الولد الذين سيوجدون، لم يصح هذا الوقف لعدم وجود الطبقة الأولى حين إنشاء الوقف.

و كذلك الحكم على الأحوط إذا وقف الرجل داره على ولده الحمل في بطن أمه، أو على أولاده الذين سيوجدون فلا يصح الوقف إلا إذا وقف على شخص موجود بالفعل حين إنشاء الوقف، و كان الوقف على الحمل و على الذين يوجدون تبعا للموجود في طبقته أو من بعده.

المسألة 82:

إذا وقف الواقف العين على الموجودين من أولاده و اشترط انه إذا وجد له أولاد بعدهم كانوا مقدمين في الطبقة على الموجودين، فالظاهر صحة الوقف و الشرط، فإذا وجدوا اختصوا بالوقف و تأخر السابقون عنهم، و كذلك الحكم إذا اشترط انه إذا وجد لأولاده أولاد قدموا في الوقف على آبائهم.

المسألة 83:

إذا وقف الإنسان داره أو بستانه على عنوان من العناوين العامة كاليتامى و المساكين و غيرهما لم يشترط في صحة الوقف أن يتحقق وجود العنوان الموقوف عليه في حين إنشاء الوقف، بل يكفي في صحة الوقف أن يكون وجود العنوان في ضمن بعض أفراده ممكنا، ثم يتحقق وجوده في بعض الأوقات فإذا وقف على اليتامى و لم يوجد يتيم حال إنشاء الوقف ثم وجد بعد ذلك كان الوقف صحيحا، و إذا وجد اليتيم أولا ثم فقد لم يبطل الوقف بذلك، فيجب حفظ الغلة حتى يوجد الفرد الذي ينطبق عليه.

المسألة 84:

الأحوط لزوما أن يعين الواقف الشخص الموقوف عليه في إنشاء الوقف، فلا يقف داره مثلا على أحد المشهدين من غير تعيين أو على أحد المسجدين أو على أحد الشخصين، فإذا هو ردد كذلك في إنشاء الوقف و لم يعين المقصود منهما، ففي صحة وقفه إشكال.

137

المسألة 85:

لا يصح الوقف على جهة محرمة في الإسلام كالوقف على البيع و الكنائس، و معابد الأديان الباطلة و نشر كتب الضلال، و شراء آلات اللهو، و لا على شخص يصرف منفعة الوقف في معصية كمن يصرفه في تعاطي الموبقات و الآثام و سائر المعاصي.

المسألة 86:

يشكل الحكم بالصحة أو عدمها في وقف المسلم على الكافر الحربي و على المرتد الفطري، فلا يترك الاحتياط باجتنابه، و يجوز الوقف على الكافر الذمي و على المرتد غير الفطري و خصوصا إذا كانا رحما للواقف.

المسألة 87:

إذا وقف الرجل على جهة أو شخص يصح الوقف عليه، و على جهة أو شخص لا يصح الوقف عليه و كان الوقف على نحو التشريك بينهما، صح الوقف في حصة الأول من العين الموقوفة و بطل في حصة الثاني منها.

المسألة 88:

إذا وقف الرجل على جهة أو شخص يصح الوقف عليه، ثم على جهة أو شخص لا يصح الوقف عليه و كان الوقف بنحو الترتيب، صح الوقف في الأول، و بطل في الأخير، فيكون من الوقف المنقطع الأخير، و إذا انعكس الفرض فقدم الجهة أو الشخص الذي لا يصح الوقف عليه بطل الوقف من أصله و كان من المنقطع الأول، و إذا وقف على ما يصح الوقف عليه أولا ثم على ما لا يصح الوقف عليه ثانيا، ثم على ما يصح الوقف عليه أخيرا كان من الوقف المنقطع الوسط و قد تقدم حكم ذلك في المسألة التاسعة و العشرين.

المسألة 89:

إذا وقف الإنسان داره أو بستانه على عنوان معين كالفقراء و اليتامى اتبع في استحقاق الأفراد الموقوف عليهم ما يعينه الواقف لهم من منفعة الوقف مع الإمكان، و إذا أطلق الوقف و لم يعين شيئا اتبع ما دلت عليه القرائن الموجودة، من وحدة الفرد الموقوف عليه و تعدده و انحصار‌

138

العدد و عدم انحصاره، و من قلة منفعة الوقف و كثرتها و أمثال ذلك من القرائن التي تدل على المراد، فإذا وقف البستان على امام المسجد في البلد، و كان واحدا اختص بالمنفعة كلها و إذا تعدد الأئمة فيه اقتسموا منفعة الوقف بالسوية الا أن يعلم غير ذلك.

و إذا وقف الدار أو البستان على فقراء القرية و كانوا قليلين في العدد وزعت المنفعة عليهم بالسوية، الا أن يعلم غير ذلك، و إذا قلت المنفعة و لم تتسع لاستيعابهم، لم يجب ذلك، و إذا كان افراد العنوان الموقوف عليه غير محصورين عددا، لم يجب استيعابهم كذلك، و قد تكون المنفعة كثيرة، فتكون كثرتها دليلا على ارادة الاستيعاب، فتجب مراعاة ذلك بقدر الإمكان. و هكذا.

المسألة 90:

إذا وقف الواقف بستانه على الامام الحسين (ع) انصرف على الأكثر الغالب من هذه الموقوفات إلى إقامة مجالس عزائه و ذكر استشهاده (ع) و بذل الطعام أو غير الطعام في ذلك على النحو المألوف المعروف في عرف الواقف و بلده، و قد تعين القرائن لذلك أياما خاصة كأيام شهادته (ع) أو أيام أربعينه فتتعين كذلك، و قد تدل القرائن على ان المراد الحسين (ع) لا خصوص اقامة عزائه فيصرف في الخيرات المحبوبة عند اللّه و يهدى ثوابها للحسين (ع).

و كذلك إذا وقف على النبي (ص) أو على أحد المعصومين من أهل بيته (ع) فينصرف إلى إقامة المجالس لبيان فضلهم و مناقبهم و ذكر مصائبهم على النحو المتقدم، و قد تدل القرائن على غير ذلك فتتبع دلالتها.

المسألة 91:

إذا وقف الواقف العين على امام العصر (عليه السلام) و علم ان الواقف قصد الوقف على الجهة كما في غيره من المعصومين، كان الحكم فيه كما تقدم في الوقف على آبائه (ع) و ان علم ان الوقف على نحو التمليك له (ع) كان الحكم فيه هو الحكم في حق الامام (ع) من الخمس.

139

الفصل الخامس في المراد من بعض عبارات الوقف

المسألة 92:

إذا قال الرجل: وقفت داري على الفقراء أو على المساكين، و كان الواقف مسلما كان ذلك قرينة على ان المراد من كلمة الفقراء في عبارته فقراء المسلمين و مساكينهم، و إذا كان من الشيعة فالمراد منها فقراء الشيعة و ينصرف الى فقراء فرقته فيختص بالاثني عشريين إذا كان اثني عشريا، و بالاسماعيليين إذا كان اسماعيليا، و هكذا الا ان تدل القرينة على غير ذلك.

و إذا كان الواقف سنيا انصرف مراده الى فقراء السنة، و إذا كان كافرا فالمراد فقراء أهل دينه خاصة فيكون وقفه على فقراء اليهود إذا كان يهوديا و على فقراء المسيحيين إذا كان مسيحيا، و هكذا.

المسألة 93:

إذا وقف الرجل على فقراء قبيلة معينة و كانوا غير محصورين في العدد، كما إذا وقف على فقراء بني هاشم أو على فقراء بني تميم مثلا، لم يجب على الولي الاستيعاب، فيكفيه ان يوزع منفعة الوقف على بعض فقراء القبيلة المعينة، و كذلك إذا كان العدد محصورا و كانت المنفعة قليلة لا تتسع لجميعهم، فلا يجب الاستيعاب، و إذا كان العدد محصورا و كانت المنفعة كثيرة تتسع للجميع وجب على متولي الوقف استيعابهم، و يجب عليه ان يتتبع الغائبين و أن يحفظ حصصهم حتى يوصلها إليهم، و إذا عسر عليه احصاؤهم و لم يمكن له الفحص وجب عليه أن يستقصى من يمكنه منهم و لا يلزمه الحرج باستقصائهم.

المسألة 94:

إذا قال: هذه الدار وقف على أولادي فالظاهر منه العموم فيشمل الجميع و يجب الاستيعاب و كذلك إذا قال: هي وقف على أخوتي، أو على ذرية أبي، أو على أرحامي فيجب استيعاب الجميع.

140

المسألة 95:

إذا قال الواقف: هذه العين وقف على المسلمين و لاحظ أن يكون وقفه شاملا لعامة من ينتسب إلى الإسلام كان الوقف لكل من أقر بالشهادتين، و إذا هو لم يلاحظ ذلك اختص وقفه بمن يعتقد هو بإسلامه و لم يشمل من اعتقد بكفره و ان أقر بالشهادتين، و عم الذكور و الإناث و البالغين و غيرهم، و إذا قال: هي وقف على المؤمنين و كان اثني عشريا اختص وقفه بالإمامية الاثني عشرية، و إذا كان من غيرهم اختص وقفه بالمؤمنين في معتقده.

المسألة 96:

إذا قال الواقف: هذا الشي‌ء وقف على الشيعة، و كان اثني عشريا، اختص وقفه بالإمامية الاثني عشرية و لم يشمل غيرهم من فرق الشيعة، و إذا كان الواقف من غيرهم شمل عمومه كل من قال بتقديم علي (ع) بالخلافة بعد الرسول (ص)، و إذا قامت القرينة في عرف الواقف على اختصاص كلمة الشيعة بطائفة معينة اختص وقفه بها.

المسألة 97:

إذا قال: داري وقف في سبيل اللّه أو قال: هي وقف في البر و وجوه الخير، شمل وقفه كل ما يتقرب به الى اللّه من الطاعات و القرب و ما يكون فعله أو الإنفاق فيه سببا لنيل الثواب.

المسألة 98:

إذا قال: هذا وقف على قرابتي أو على ذوي رحمي، شمل وقفه كل من حكم العرف بأنه من قرابته و أرحامه، من الكبير و الصغير و الذكر و الأنثى، و إذا قال: هو وقف على الأقرب الي فالأقرب، نزل الوقف على طبقات الوارثين منه دون غيرهم و كان الوقف عليهم ترتيبيا، فيكون وقفا على الوارثين منه بالفعل، فإذا فقدوا فعلى الوارث من بعدهم، و هكذا، و في شمول الوقف لمن يرث منه بالولاء إشكال.

المسألة 99:

إذا قال: وقفت هذه الدار على أولادي اشترك الذكر منهم و الأنثى و الخنثى في استحقاقهم من منفعة الوقف و كانوا في الحصص على السواء،

141

و قد تختص كلمة الأولاد في عرف بعض البلاد بالذكور فقط، فإذا كان الواقف من أهل هذا العرف اختص وقفه بالذكور و لم يشمل الإناث و كذلك الحكم إذا وقف على أولاده، و أولاد أولاده فيشمل الوقف جميع الذرية من الذكور و الإناث و الخناثى و أولادهم على التساوي في الحصص، و يكون الوقف بين جميعهم على التشريك لا على نحو الترتيب.

و إذا كانت كلمة الأولاد و أولاد الأولاد في عرف الواقف مختصة بالذكور فقط كما تقدم اختص الوقف بهم و بالذكور من أولادهم.

المسألة 100:

إذا قال: وقفت الدار على أبنائي لم يشمل البنات و لا أبناء البنات، و إذا قال: وقفت على ذريتي شمل الذكر و الأنثى منهم، و شمل من كان للصلب و من كان بواسطة أو أكثر، و كانوا في الاستحقاق و في التشريك على السواء، و إذا قال: وقفت على أولادي فالظاهر أنه يعم أولاد الأولاد و ان نزلوا على نحو التشريك، إلا إذا وجدت قرينة تخصه بأولاده بلا واسطة فلا يعم أولاد الأولاد.

المسألة 101:

إذا قال الرجل: وقفت الدار على أولادي الأقرب منهم فالأقرب أو قال: بطنا بعد بطن أو نسلا بعد نسل، أو طبقة بعد طبقة، فالظاهر من جميع هذه العبارات ان الوقف ترتيبي بين الأولاد و أولادهم و أولاد أولادهم فلا تستحق الطبقة الثانية من الوقف شيئا إذا وجد أحد من الطبقة التي تكون قبلها.

المسألة 102:

إذا قال الرجل: وقفت هذا الشي‌ء على أخوتي، شمل وقفه جميع اخوته الذكور، سواء كانوا للأبوين أم للأب وحده، أم للأم وحدها، و كانوا متساوين في مقدار استحقاقهم من منفعة الوقف، و لم تشاركهم الأخوات، و لم يشمل الوقف أبناءهم.

و إذا قال: وقفت الشي‌ء على أجدادي اشترك في الوقف أجداده لأبيه و أجداده لأمه، سواء كانوا بلا واسطة، أم كانوا بواسطة واحدة أو‌

142

أكثر و كان استحقاقهم منه على السواء و لم يتقدم بعضهم على بعض، و لم تشاركهم الجدات.

و إذا قال: وقفته على أعمامي شمل الوقف أعمامه: اخوان أبيه لأبويه كليهما، و اخوان أبيه للأب وحده، و اخوان أبيه للأم وحدها، و كانوا في الاستحقاق على السواء، و لم تشاركهم العمات و لا أعمام الأب و لا أعمام الأم.

و إذا وقف على أخواله شمل أخواله اخوان أمه لأبويها، و اخوان أمه لأحدهما و كانوا في الوقف على السواء و لم تشاركهم الخالات و لا أخوال الأب و لا أخوال الأم.

المسألة 103:

إذا قال: وقفت الدار على أولادي الذكور نسلا بعد نسل أو قال:

طبقة بعد طبقة، اختص وقفه بأولاده الذكور و بأولاد أولاده الذكور من الذكور في جميع الطبقات، و لم يشمل الإناث من أولاده و لا الذكور الذين يتولدون من أولاده الإناث، و هذا إذا علم أن مراده التقييد بالذكور في جميع الطبقات.

المسألة 104:

إذا علم أن الرجل وقف داره على ذريته، و لم يعلم أن وقفه كان على نحو التشريك بين جميعهم أو على نحو الترتيب بين طبقاتهم، دفعت الى الطبقة المتقدمة حصتهم من الوقف، ثم أقرع على المقدار الزائد و هو الذي تردد أمره بين أن يكون للطبقة المتقدمة أيضا و أن يكون لمن بعدهم، و أعطي لمن تعينه القرعة، و الأحوط الرجوع الى المصالحة في المقدار الزائد.

المسألة 105:

يتبع ما حدده الواقف في الترتيب بين الموقوف عليهم إذا كان وقفه على نحو الترتيب، فإنه قد يجعل الترتيب بين جميع أفراد الطبقة اللاحقة و سابقتها، فلا يستحق أحد من الطبقة اللاحقة شيئا من منفعة الوقف مع وجود أحد من الطبقة السابقة، فلا يشارك الولد إذا مات‌

143

عنه أبوه أعمامه و عماته في الاستحقاق من الوقف، و لا يشارك إذا ماتت عنه أمه أخواله و خالاته.

و قد يجعل الترتيب بين الولد و أبيه خاصة و بينه و بين أمه خاصة، فإذا مات عنه أبوه استحق من الوقف و شارك أعمامه و عماته، و إذا ماتت عنه أمه استحق كذلك من الوقف و شارك أخواله و خالاته.

المسألة 106:

المعيار في تعيين المراد على ما يقصده الواقف، و ما يدل عليه العرف الذي جرى عليه في إنشائه صيغة الوقف، فإذا قال: وقفت هذه الضيعة على العلماء، اختص بعلماء الشريعة من أهل مذهب الواقف إذا كان شيعيا، و لم يشمل علماء العلوم الأخرى من طب و هندسة و فلسفة و غير ذلك إلا إذا كان من علماء الشريعة أيضا.

المسألة 107:

إذا وقف الرجل على أهل بلد اختص وقفه بمن اتخذ ذلك البلد وطنا له و سكن فيه، و لم يشمل المسافر اليه و الزائر و ان مكث فيه طويلا أو كثر تردده عليه لتجارة أو زيارة أو عمل آخر.

المسألة 108:

إذا قال: هذا الشي‌ء وقف على اخوتي نسلا بعد نسل شمل وقفه اخوته دون أخواته على نحو التشريك. كما تقدم و شمل جميع أولادهم الذكور و الإناث على نحو الترتيب.

المسألة 109:

إذا قال: هذا وقف على أولادي و من بعدهم على أولادهم كان الوقف بين أولاده و أولادهم على الترتيب، و كان بين طبقات أولاد الأولاد على نحو التشريك.

المسألة 110:

إذا وقف الرجل داره أو بستانه على مسجد معين أو على مشهد معين أو على عنوان معين، ثم تردد الولي ان الموقوف عليه أي المسجدين، أو‌

144

أي المشهدين أو أي العنوانين، رجع في ذلك الى القرعة، فيصرف منفعة الوقف على الذي تعينه القرعة منهما.

المسألة 111:

إذا وقف الدار أو البستان على المسجد، صرف الولي منافع الوقف و نماءه في حاجات المسجد و مصالحه كالتعمير و الانارة و الفرش و التنظيف و التبريد و التدفئة، و اعداد مواضع الوضوء و تعميرها و الخادم و أمثال ذلك، و يشكل صرف بعضه لإمام الجماعة في المسجد و للمؤذن الراتب فيه. و كذلك الأمر في الوقف على المشهد، و انما يصرف منه على خادم المشهد إذا كان مواظبا على الأعمال التي يحتاج إليها المشهد أو المتعلقة به تعلقا مباشرا.

المسألة 112:

إذا وقف على جهتين مختلفتين، أو على عنوانين أو على شخصين مختلفين كذلك، و لم يذكر مقدار ما يختص به كل واحد منهما من العين الموقوفة، فالظاهر أن كل واحد منهما يختص بنصف الوقف و انه بينهما على نحو التشريك.

فإذا قال: وقفت داري المعينة على المسجدين المعروفين في البلد، كانت الدار وقفا على المسجدين اللذين ذكرهما على نحو التشريك بينهما و اختص كل واحد منهما بنصف الدار، و كذلك الحكم إذا وقفها على مأتمين معينين، أو وقفها على الفقراء و اليتامى في البلد، أو وقفها على زيد و ذريته، و على عمرو و ذريته فتكون الدار وقفا على ما عينه من الناحيتين بالتنصيف بينهما و على نحو التشريك، الا ان يعلم خلاف ذلك.

الفصل السادس في أحكام الوقف

المسألة 113:

إذا تم الوقف و تحققت شروطه، فالظاهر خروج العين الموقوفة عن ملك الواقف، سواء كان الوقف على الجهات العامة كالمسجد و المشهد و المعبد، و الشارع و القنطرة و المقبرة و المدرسة، و الحسينية و كالموقوفات‌

145

على احدى هذه الجهات، و ما أشبه ذلك، أم كان الوقف على العناوين العامة كالوقف على الفقراء أو على طلاب العلم أو على اليتامى، و ذرية الرسول (ص) من غير فرق بين أن يكون وقفها على نحو تمليك المنفعة للموقوف عليهم أو على وجه صرف المنفعة عليهم من غير تمليك، أم كان الوقف خاصا على أحد الوجهين المتقدم ذكرهما، فالظاهر زوال ملك الواقف عن العين الموقوفة في جميع ذلك، نعم يشكل الحكم بزوال الملك في الوقف المنقطع الآخر.

المسألة 114:

إذا حصل الوقف و تمت شروطه، نفذ و وجب ترتيب آثاره على حسب ما عينه الواقف و حدده، و لم يجز تغييره عن ذلك، و لم يجز للواقف نفسه أن يحدث تغييرا أو تبديلا في الموقوف عليه فلا يصح له أن ينقل الوقف من جهة إلى جهة أخرى، أو من عنوان الى عنوان غيره أو من أشخاص إلى أشخاص غيرهم، و لا يصح له أن يخرج بعض الموقوف عليهم من الوقف بعد ان أدخله في الوقف، أو يدخل معهم أحدا كان خارجا عنه، و إذا شرط لنفسه في أصل الوقف أن يكون له الحق في أن يدخل في الوقف من يشاء، و يخرج عنه من يشاء، لم يصح له هذا الشرط، و لا ينفذ إذا شرط، و لكن بطلان الشرط لا يبطل الوقف.

المسألة 115:

ليس للواقف أن يقف العين على أشخاص معينين و يشترط لنفسه انه إذا وجد له أولاد أو اخوان مثلا فله الحق أن ينقل الوقف من الموقوف عليهم إلى أولاده أو إخوانه الذين وجدوا و يصح له أن يقف العين على اشخاص معينين و على أولاده الذين سيوجدون، و يشترط في الوقف انه متى وجد له أولاد كانوا مقدمين في الوقف على الموقوف عليهم السابقين، و الفرق بين المسألتين واضح جدا لا التباس فيه و قد ذكرنا هذا الفرض الأخير في المسألة الثانية و الثمانين.

المسألة 116:

إذا وقف الرجل داره أو بستانه على بعض العناوين الخاصة أو العامة، لتصرف منفعة الوقف على أفراده، و جهل متولي الوقف ذلك‌

146

العنوان الموقوف عليه فتردد عنده بين عنوانين أو أكثر و لذلك عدة فروض تختلف أحكامها.

(الفرض الأول): ان تكون العناوين التي تردد المتولي ما بينها غير متباينة فهي مما تتصادق في بعض الأفراد و مثال ذلك أن يشك المتولي في أن الواقف وقف داره على عامة طلاب العلم، أو على خصوص العدول منهم، و الحكم في ذلك أن يقتصر المتولي في صرف منفعة الوقف على الطلاب العدول، و كذلك الحكم إذا تردد في أن الواقف وقف الدار على العلماء أو على السادات، فيجب عليه أن يصرف المنفعة على مورد التصادق و هو العلماء السادة.

المسألة 117:

(الفرض الثاني): ان تكون العناوين التي احتملها ولي الوقف و تردد ما بينها متباينة لا تتصادق في الأفراد و مثال ذلك أن يتردد المتولي: هل وقف الواقف داره على فقراء أهل هذا البلد أو على فقراء البلد الآخر؟ أو يتردد هل وقف الدار على هذا المسجد أو على على المسجد الآخر؟ و الحكم في هذا الفرض أن يرجع في تعيين الموقوف عليه إلى القرعة، فيصرف منفعة الوقف على من تعينه القرعة، و قد ذكرنا هذا في المسألة المائة و العاشرة.

المسألة 118:

(الفرض الثالث): ان يجهل المتولي مصرف الوقف الذي عينه الواقف، و يتردد بين عناوين و أشخاص غير محصورة العدد، فان علم بأن الوقف عليهم كان بنحو تمليك المنفعة لهم جرى في منافع الوقف حكم مجهول المالك، فيتصدق بها عن الموقوف عليهم باذن الحاكم الشرعي، و ان علم بأن الوقف كان بنحو الصرف على الموقوف عليهم من غير تمليك أو جهل ذلك، أو كان الوقف مرددا بين جهات غير محصورة العدد، صرف الولي منافع الوقف في وجوه البر، على أن لا يخرج في صرفه عن الوجوه المحتملة في الوقف.

المسألة 119:

إذا وقف الرجل العين و اشترط في الموقوف عليهم ان يكونوا موصوفين‌

147

بأوصاف خاصة، كانت الأوصاف المشترطة داخلة في عنوان الموقوف عليهم، فإذا انتفى الوصف المشترط في أحد الأفراد خرج ذلك الفرد عن عنوان الوقف فلا يكون من الموقوف عليهم، فإذا وقف المدرسة على طلاب العلم بشرط أن يكونوا عدولا أو بشرط أن يكونوا مواظبين على الاشتغال بطلب العلم، و فقدت العدالة من طالب العلم في الفرض الأول و انتفت صفة المواظبة عنه في الفرض الثاني خرج عن عنوان الموقوف عليهم فلا يصح له سكنى المدرسة الموقوفة.

و إذا وقف العين و لم يذكر للموقوف عليهم أوصافا و لكنه اشترط عليهم أن يقوموا بأعمال معينة، فإذا لم يقم الفرد منهم بالعمل الذي اشترط عليه القيام به، ففي خروجه بذلك عن الموقوف عليهم اشكال، و مثال ذلك أن يقف المدرسة على طلاب العلم و يشترط على كل فرد منهم أن يكون ملازما لصلاة الجماعة أو يواظب على الصلاة في أول وقتها، فإذا لم يقم الطالب بالعمل المشروط عليه كان الحكم بخروجه عن عنوان الموقوف عليهم و عدم خروجه عنه مشكلا، و لا يترك فيه الاحتياط، و إذا قصد الواقف من الشرط دخله في العنوان و لم يف به الشخص خرج عن الموقوف عليهم بلا ريب.

المسألة 120:

إذا وقف الإنسان ضيعته أو عمارته أو عقاره الآخر على أولاده و أطلق الوقف، فالظاهر من ذلك انه ملكهم منفعة العين الموقوفة، فيجوز لهم استنماؤها و استثمارها، و بيع ما يحصل من ثمارها و منافعها أو المعاوضة عليه بغير البيع مما يصح لهم من المعاوضات و اجارة ما يؤجر و أن يقتسموا الحاصل على الوجه الذي حدده الواقف من الحصص و التقدم و التأخر، فان لم يكن قد حدد شيئا اقتسموا الحاصل بالسوية، و ليس لهم أن يختص بعضهم بمنفعة الضيعة مثلا و ينفرد بعضهم بأجرة البناية، إلا إذا خولهم الواقف بذلك.

المسألة 121:

إذا وقف الدار أو العمارة لسكنى أولاده تعينت لذلك، فلا يصح لهم أن يؤجروا الدار أو العمارة على غيرهم و يقتسموا مال الإجارة بينهم‌

148

و ان تراضوا بذلك، بل يتعين لهم الانتفاع بالسكنى خاصة، فإذا أمكن لهم أن يسكنوها جميعا سكنوها، و لا يصح لبعضهم ان يستقل بسكنى الدار و يمنع الآخرين، و إذا اختلفوا في اختيار المساكن من الدار أو العمارة و كان الواقف قد جعل للوقف متوليا و جعل له النظر في تعيين المساكن لهم وجب عليهم اتباع نظره، و إذا لم يجعل على الوقف متوليا خاصا، أو كان قد جعل أولياء متعددين و اختلفوا في التعيين رجعوا الى الحاكم الشرعي في حسم نزاعهم، و إذا فقد الحاكم الشرعي أو تعذر عليهم الوصول اليه، رجعوا في تعيين المساكن بينهم إلى القرعة.

و إذا عين الولي أو الحاكم الشرعي لهم المساكن أو عينتها القرعة، و امتنع بعضهم عن السكنى جاز للبعض الآخر أن يستقل بسكنى الدار، و لا حق للممتنع في أن يطالبه بالأجرة عن حصته.

المسألة 122:

إذا لم تكن الدار كافية لسكنى جميع الموقوف عليهم اقتسموا السكنى فيها بالمهاياة، بأن يسكنها بعضهم أياما معلومة، أو أسبوعا، أو شهرا، أو سنة مثلا، ثم يسكنها الآخر مثل ذلك، فإذا تنازعوا في ذلك رجعوا إلى المتولي، ثم الى الحاكم الشرعي ثم إلى القرعة على النهج الذي تقدم بيانه و ليس لبعضهم أن يمتنع عن السكنى بالمهاياة و يطالب من سكن منهم بالأجرة عن حصته.

المسألة 123:

إذا وقف الرجل شيئا مما يملكه على مصلحة معينة، فبطلت المصلحة الموقوف عليها، و مثال ذلك أن يقف نخيلا يملكها على مسجد في القرية، فيخرب المسجد الموقوف عليه حتى لا يمكن تعميره أو تخرب القرية التي هو فيها و ينقطع المصلون فيه، فلا يكون موردا لصرف منفعة الوقف فيه، أو يقف بستانا على مدرسة، فتخرب المدرسة و لا يستطاع تعميرها، أو تنقطع هجرة طلاب العلم الى البلد التي هي فيه، فلا تصبح المدرسة موردا لصرف منفعة الوقف فيها، أو يقف شيئا على قنطرة، فيندرس النهر فلا يحتاج إلى قنطرة أو تنقطع المارة فتلغى فائدتها.

149

فان كان وقف ذلك الشي‌ء على المصلحة المعينة بنحو تعدد المطلوب كما هو الغالب في وقف هذه الأشياء وجب أن تصرف منفعته بعد بطلان تلك المصلحة في مصلحة أخرى من جنسها، فإذا كان وقفا على مسجد معين صرفت منفعته على مسجد آخر، و إذا كان وقفا على مدرسة صرفت منفعته على مدرسة ثانية، و إذا كان وقفا على إقامة مأتم الحسين (ع) في بلد معين أو في حسينية معينة و لم يمكن ذلك، صرفت المنفعة في إقامة مأتمه (ع) في بلد آخر، أو في حسينية أخرى، و هكذا.

و إذا تعذر وجود مصلحة من جنسها أو تعذر الصرف فيه، صرفت منفعة الشي‌ء الموقوف في الأقرب فالأقرب إلى المصلحة الأولى الموقوف عليها، و لا يكفي صرفها في مطلق وجوه البر و الخيرات، و إذا كان الوقف على المصلحة المعينة بنحو وحدة المطلوب، فالظاهر بطلان الوقف ببطلان المصلحة الموقوف عليها.

المسألة 124:

لا يجوز تغيير العين الموقوفة و ازالة عنوانها الذي جرى عليه الوقف، و ان كان التغيير الى عنوان آخر، كما إذا أراد الموقوف عليه أو أراد متولي الوقف ان يغير الدار الموقوفة إلى محلات لخزن البضائع للتجار، أو يبنيها شققا للإجارة أو يجعلها دكاكين للتجارة أو غير ذلك، فلا يصح التغيير، عدا ما يأتي استثناؤه في المسألة الآتية.

المسألة 125:

إذا كان الوقف وقف منفعة، فقد يعلم أو يثبت من إطلاق الصيغة في الوقف أو من قرينة دالة أخرى: أن مقصود الواقف هو حصول المنفعة بأية صورة تكون العين الموقوفة عليها، فإذا تحقق هذا الفرض، صح تغيير العين اختيارا الى ما هو أكثر منفعة و أجدى فائدة، و ان كانت صورتها الموجودة ذات فائدة كثيرة أيضا، و يتولى ذلك ولي الوقف إذا كانت ولايته مطلقة تشمل مثل هذا التصرف.

و قد يعلم من الواقف أو يثبت من إطلاق الإنشاء أو من قرينة أخرى، ان المراد بقاء العنوان الذي جرى عليه الوقف مهما كان له دخل في كثرة المنفعة من العين، و ان كان غيره أكثر منفعة منه، و إذا تحقق هذا‌

150

الفرض، لم يصح تغيير العين اختيارا حتى تقل منفعتها، فإذا قلت المنفعة جاز تغيير العين الى ما هو أكثر منفعة و أجدى، و تراجع المسألة المائة و الثانية و الأربعون في الفرق بين وقف المنفعة و وقف الانتفاع.

و إذا لم يكن لإنشاء الوقف إطلاق يدل على شي‌ء و لم تدل القرائن على جواز التغيير، لم يصح ذلك، و مما بيناه يظهر ان المدار في المسألة على العلم بمقصود الواقف من الوقف و ما يدل عليه إطلاق إنشائه و القرائن الحافة به الدالة على مراده، و لا تجوز المخالفة لذلك و ان كان الذي يريد التغيير هو ولي الوقف، بل و ان كان الذي يريد التغيير هو الواقف نفسه، إذا بدا له بعد الوقف فأراد أن يغير العين عما حدد لها في صيغة الوقف، فلا يجوز له ذلك و لا ينفذ إذا فعل.

المسألة 126:

إذا احتاجت العين الموقوفة إلى تعمير أو ترميم أو إصلاح يتوقف عليه بقاء العين و إيتاء ثمارها و توفية منفعتها، و كان الواقف قد لاحظ ذلك حين الوقف فعين ما يصرف على ذلك عند الحاجة إليه، اتبع تعيينه، و صرفت الحصة المعينة على الإصلاح و التعمير، و ان لم يعين الواقف لذلك شيئا، صرف عليه من منافع العين الموقوفة و كان ذلك مقدما على حق الموقوف عليهم، و قد ذكرنا هذا في المسألة الثانية و الستين بصورة أكثر تفصيلا، فلتراجع، و ذكرنا في المسألة المائة و الثالثة و الثلاثين من كتاب التجارة أن الوقف إذا خرب بعضه على وجه فصلناه هناك جاز أن يباع البعض الخرب من الوقف و يصرف ثمنه في إصلاح البعض العامر منه، و لعلنا نتعرض لذلك في ما يأتي من المسائل و من اللّه التوفيق.

المسألة 127:

إذا خرب المسجد و انهدم بناؤه و عفى أثره لم تخرج عرصة أرضه و بقايا آثاره الثابتة عن كونها مسجدا، و لذلك فتجري عليها أحكام المسجد، فلا يجوز تلويثها بالنجاسة و يجب تطهيرها إذا تنجست مع إمكان ذلك، و يحرم مكث الجنب و الحائض فيها، و لا يجوز بيعها أو المعاوضة عليها و صرف أثمانها و أعواضها في أحداث مسجدا آخر أو في‌

151

تعميره، و كذلك إذا خربت القرية و انقطعت المارة و المصلون عن المسجد لم يخرج بذلك عن كونه مسجدا، و جرى عليه جميع الأحكام المتقدمة.

المسألة 128:

لا يجوز بيع الوقف و لا ابداله، و لا نقله بأحد النواقل التي تنقل العين من مالك الى مالك كالهبة و الهدية و الصلح، و لا يجري عليه ميراث، سواء كان وقفا على مصلحة أم على عنوان أم على أشخاص، و سواء كان عاما أم خاصا، عدا ما يأتي استثناؤه عند طروء أحد مسوغات البيع فيه، و عند بطلان الوقف فيكون منقطع الآخر أو ما هو بحكمه، فترجع العين الى ملك الواقف أو الى ملك وارثه و قد ذكرنا هذا في ما تقدم.

و قد تقدم في المسألة السابقة حكم المسجد و انه لا يجوز بيعه و لا ابداله و ان خرب و بقي أرضا فارغة و كذلك الحكم على الأحوط لزوما في المشهد، فلا يجوز بيعه و ان خرب و زال عنوانه و تعطلت جهته.

المسألة 129:

لا تجوز اجارة المسجد و لا المشهد و ان خربا و بقي موضعهما أرضا فارغة، فلا تصح إجارتهما للزرع أو للغرس أو لشي‌ء آخر.

المسألة 130:

إذا خرب الوقف غير المسجد و المشهد، و زال عنوانه، فانهدمت حيطان الدار أو المدرسة أو البناية الموقوفة و بقيت عرصة فارغة مثلا، و جف الماء و تقلعت النخيل و يبست الأشجار من الضيعة أو البستان، و أمكن تعميره و اعادة عنوانه و بنائه و غرسه و منافعه بأن توجر الأرض و بقايا العين مدة معلومة، و ينفق مال الإجارة على تعمير الوقف و إصلاحه، أو بأن يستدين المتولي لذلك ثم يسدد الدين من مال الإجارة أو من منافع العين بعد عمارتها، لزم ذلك و تعين العمل به، و إذا أريدت إجارة الأرض و بقايا العين الخربة لذلك استؤذن متولي الوقف، و الموقوف عليهم على الأحوط.

المسألة 131:

إذا وقف الإنسان شيئا على مصلحة معينة أو على عنوان معين أو على‌

152

اشخاص معينين فخرب الوقف و لم يمكن تعميره و تجديده بإجارة أو استدانة كما سبق ذكره، و بقيت للعين منفعة يعتد بها، لم يبطل وقف العين، و وجب صرف المنفعة الباقية على الجهة الموقوف عليها، فإذا كان البستان موقوفا على مسجد أو على مأتم مثلا و خرب البستان حتى بقي عرصة خالية لا نبات فيها، و أمكن إيجار العرصة لبعض المنافع وجب إيجارها و صرف مال الإجارة على المسجد أو المأتم الموقوف عليه الا ان تدل القرائن على أن مقصود الواقف خلاف ذلك.

المسألة 132:

الآلات و الأثاث و الفرش و الأجهزة التي تجعل في المساجد أو المشاهد و أدوات التبريد و التدفئة و الإضاءة و تكبير الصوت التي تكون فيها، ليست أجزاء من المسجد أو المشهد، فلا تلحقها أحكامها، و انما هي موقوفات مستقلة للانتفاع بها في المسجد أو المشهد ما دام الانتفاع بها ممكنا و أعيانها باقية، و ان أصبح الانتفاع بها قليلا أو كان بصورة غير معتادة كما إذا استعمل الفراش سترا للنساء، أو ظلالا يقي عن الشمس أو البرد.

و إذا استغنى المسجد أو المشهد عن بعض هذه الأشياء استغناء تاما بحيث تعد ضائعة و يكون إبقاؤها فيه سببا لتلفها نقلت من ذلك المسجد الى مسجد آخر و من ذلك المشهد الى مشهد غيره، فان لم يوجد المماثل أو لم يمكن النقل اليه جعلت في الأقرب فالأقرب إلى المصلحة الأولى الموقوف عليها، فان لم يمكن الانتفاع بها و كان بقاؤها موجبا للتلف، بيعت الأعيان و صرفت أثمانها في مصالح المسجد أو المشهد الذي وقفت عليه، و إذا استغنى عن أثمانها صرفت في مصلحة تماثله من مسجد أو مشهد آخر فإذا استغنى عنها صرفت في الأقرب فالأقرب إليه من المصالح.

المسألة 133:

تقدم منا قريبا و في مواضع أخرى أن العين متى تم وقفها و اجتمعت شروط صحة الوقف فيها، لم يجز بيعها و لا المعاوضة عليها بهبة أو صلح أو غيرهما من المعاوضات أو النواقل، و الحكم بذلك اتفاقي‌

153

لا خلاف فيه، و قد استثني من ذلك عدة موارد يصح فيها بيع العين الموقوفة و المعاوضة عليها.

(المورد الأول): أن يخرب الوقف فلا تبقى له أي منفعة يمكن أن تستوفى الا بإتلاف عينه، كالحيوان الموقوف إذا وقذه المرض حتى أشرف على الموت، أو تردى في بئر أو من شاهق أو أشرف على الهلاك بسبب آخر فاضطر الى ذبحه و بيع لحمه، و كالفراش الموقوف إذا تخرق و تمزق و كالجذع الموقوف إذا بلي، فان العين الموقوفة في هذه الأمثلة و شبهها لا تبقى لها فائدة إلا بأكلها أو جعلها وقودا و إتلاف عينها بذلك، فيبطل وقفها و يصح بيعها و المعاوضة عليها.

المسألة 134:

(المورد الثاني): أن يخرب الوقف حتى يعد بين الناس معدوم الفوائد و المنافع و لا ينافي ذلك أن تبقى له منفعة قليلة لا يعتد أهل العرف بوجودها لقلتها و يحلقونها بالمعدوم، كما إذا جف ماء البستان الموقوف و تقلعت نخيله و يبست أشجاره و لم يمكن تجديده و بقي أرضا يابسة لا فائدة فيها سوى أن تؤجر لبعض الأمور بشي‌ء زهيد، و الحكم في هذا المورد كما في سابقه هو بطلان الوقف و جواز بيع العين و المعاوضة عليها و كذلك الحكم إذا سقطت العين عن الانتفاع بها أصلا بسبب آخر غير الخراب أو سقطت عن الانتفاع بها حتى أصبحت معدومة المنفعة في نظر أهل العرف و ان بقيت لها منفعة قليلة تلحق بالمعدوم و كان ذلك بسبب آخر غير الخراب.

المسألة 135:

(المورد الثالث): أن تتجدد أحداث أو تطرأ طوارئ يعلم معها بأن بقاء الوقف يستوجب خراب العين و بقاءها بغير منفعة أصلا فتكون من المورد الأول، أو يعلم معها بأن بقاءه يؤدي الى ذهاب جميع منافع العين التي يعتد بها الناس، و لا تبقى لها إلا منفعة يسيرة يلحقها أهل العرف لقلتها بالمعدوم فتكون من المورد الثاني، أو يظن ظنا يطمئن به عامة العقلاء و يعتمدون عليه بأن بقاء الوقف يؤدي الى أحدهما.

154

و الحكم في هذا المورد هو أن يؤخر الوقف الى آخر زمان يمكن فيه بقاء الوقف و استيفاء منفعته، فإذا انتهى ذلك جاز بيع الوقف و المعاوضة عليه، و لا يصح بيعه و لا المعاوضة عليه قبل ذلك.

المسألة 136:

(المورد الرابع): أن يقف الرجل العين، و يلاحظ فيها أن يكون لها عنوان خاص يجعله قواما للعين الموقوفة، و للمنفعة المقصودة من وقفها، و يجعل وقفه للعين دائرا مدار وجود ذلك العنوان و بقائه، فيلاحظ أن تكون العين الموقوفة حماما مثلا، و يكون ذلك هو العنوان المقوم لوقف العين بحيث يكون الانتفاع المقصود من الوقف مقيدا بأن يكون من هذا السبيل، أو يلاحظ أن تكون العين دارا للسكنى أو بستانا ينتفع الموقوف عليهم بثماره و نمائه، و نتيجة ذلك أن يكون الوقف مقيدا ببقاء ذلك العنوان الخاص، فإذا زال العنوان و لم يمكن تجديده بطل وقف العين و صح بيعها و المعاوضة عليها و ان وجدت لها منافع أخرى يمكن ان تستوفى بعد زوال العنوان.

المسألة 137:

(المورد الخامس): أن يقف الواقف العين و يشترط في صيغة وقفه أن تباع العين الموقوفة إذا احتاج الموقوف عليهم الى بيع العين، أو إذا قلت المنفعة منها، أو إذا طرأ طارئ معين آخر، فيكون أصل الوقف مقيدا بعدم حدوث ذلك الأمر، فإذا حدث ذلك الشي‌ء بطل الوقف و صح بيع العين.

المسألة 138:

إذا انهدم المسجد أو هدمه أحد لتجديد عمارته أو إصلاحه جرى في انقاضه و أخشابه و أجزائه الحكم المتقدم، فإن أمكن الانتفاع بنفس الانقاض و الأجزاء في المسجد نفسه وجب ان ترجع اليه و تستدخل في عمارته، و ان لم يمكن ذلك، و أمكن نقلها بأعيانها إلى مسجد آخر و الانتفاع بها في إصلاحه و ترميمه أو تعميره وجب ذلك و تعين، و إذا لم يمكن ذلك جاز بيع الانقاض و الاجزاء و المعاوضة عليها و يصرف ثمنها في حاجات المسجد الأصلي على الأحوط، و إذا استغنى المسجد‌