كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
155

الأصلي عنه، صرف الثمن في حاجات مسجد غيره، فإذا لم يوجد أو لم يمكن ذلك صرف في الأقرب فالأقرب إليه من المصالح.

المسألة 139:

إذا خرب الوقف و ذهبت جميع منافعه، و أمكن أن يباع بعضه و يعمر الباقي بثمن البعض المبيع لزم ذلك على الأحوط و لا يباع الجميع، و إذا خرب بعض الوقف و كان البعض الآخر محتاجا إلى الإصلاح جاز أن يباع البعض الخرب و يصرف ثمنه في إصلاح البعض الآخر.

المسألة 140:

إذا طرأ أحد مسوغات بيع الوقف المتقدم بيانها، و أريد بيعه، رجع في ذلك الى الحاكم الشرعي فيكون هو أو وكيله المتولي لبيعه، و هذا في جميع الأعيان الموقوفة التي يجوز بيعها، نعم، إذا كان الوقف على اشخاص معينين كالوقف على الذرية أو على زيد و ذريته، و أريد بيعه فالأحوط أن يرجع فيه الى الحاكم الشرعي و الموقوف عليهم معا.

المسألة 141:

إذا بيع الوقف، فالأحوط لزوما أن يشتري بثمنه ملكا و يجعله وقفا على نهج الوقف الأول المبيع.

المسألة 142:

قد يلاحظ الإنسان في وقفه للعين أنه يسبل المنفعة المقصودة بذاتها للأشخاص أو العنوان أو الجهة الموقوف عليها على نحو تمليك المنفعة أو على نحو صرف المنفعة عليها من غير تمليك كما إذا وقف ضيعته أو بستانه أو بنايته على الذرية أو على العلماء أو على السادة مثلا، أو وقفها على المسجد أو المشهد أو المأتم، و يسمى هذا القسم، وقف منفعة، و قد يلاحظ أنه يسبل الانتفاع بالمنفعة المقصودة، كما إذا وقف الدار لسكنى ذريته فيها و وقف الشارع و القنطرة لمرور المارين و العابرين و وقف المدرسة لسكنى طلاب العلم فيها، و وقف الخان لنزول المسافرين، و يسمى هذا القسم وقف انتفاع.

و لا ينبغي الريب في أن ما يوقف من الأشياء وقف منفعة تجوز إجارته، سواء كان وقفا عاما أم خاصا و سواء كان على أشخاص أم على عنوان‌

156

أم على مصلحة، فإن المقصود أن تصل المنفعة إلى الموقوف عليه ليستوفيها أو يستوفى بدلها، و اما ما كان وقفه وقف انتفاع كما في الأمثلة المتقدم ذكرها، فلا تجوز إجارتها فلا تصح للذرية اجارة الدار الموقوفة لسكناهم فيها، و لا تصح للطلاب اجارة المدرسة الموقوفة لسكناهم و دراستهم فيها، و لا للعابرين و المارين اجارة الشارع و القنطرة.

المسألة 143:

إذا كانت العين موقوفة على الذرية أو على غيرهم وقفا مرتبا، فآجرها البطن الأول من الموقوف عليهم مدة معينة، ثم انقرض البطن الأول قبل أن تنقضي مدة الإجارة، بطلت الإجارة في بقية المدة، فإذا أراد البطن الثاني إبقاء الإجارة، فلا بد له من إنشاء اجارة جديدة على الأحوط و لا يكفي أن يجيزوا الإجارة الأولى لأنهم لم يكونوا مالكين في حال الإجارة.

و كذلك الحكم إذا كان وقف العين على نحو التشريك، و آجرها الموجودون من الموقوف عليهم مدة، ثم ولد من يشاركهم في منفعة الوقف، فلا تصح الإجارة الأولى في حصة المولود الجديد، و لا بد من الإجارة لحصته بعد أن يولد على الأحوط، و لا تكفي إجازة الإجارة الأولى، لأن المجيز لم يكن مالكا حين الإجارة.

المسألة 144:

إذا آجر المتولي العين الموقوفة مدة معينة، و كانت إجارته لمصلحة الوقف، ثم انقرض البطن الأول جميعهم قبل أن ينقضي مدة الإجارة نفذت اجارة المتولي على البطن الثاني و استحقوا حصتهم من الأجرة، و كذلك إذا كانت إجارة المتولي لمصلحة البطون و كانت ولايته شاملة لهم فتصح إجارته في الجميع و يستحق البطن الثاني حصته من الأجرة.

و كذلك الحكم إذا كان الوقف على نحو التشريك، و آجر المتولي العين ثم ولد من يشارك السابقين في الوقف عليهم، فتصح اجارة المتولي في الصورتين المذكورتين، و يستحق المولود الجديد حصته من مال الأجرة.

المسألة 145:

يجوز للرجل أن يقف البستان أو الضيعة و يستثني لنفسه منها نخلة‌

157

معينة أو شجرة معينة أو أكثر، فيكون المستثنى ملكا للواقف و لا يدخل في الوقف، و يجوز له إبقاؤها في الأرض، و يصح له الدخول إليها و الخروج عنها بمقدار ما يحتاج إليه في صلاح ملكه و الانتفاع به و لا يحق للموقوف عليه قلعها.

و إذا انقلعت شجرة الواقف أو نخلته المستثناة فلا حق له في مكانها من الأرض فلا يجوز له أن يغرس فيه نخلة أو شجرة أخرى بدلها.

و يجوز له أن يقف الدار و يستثني لنفسه غرفة معينة منها، فيصح له الدخول إليها و الخروج منها متى أراد، و تكون أرض الغرفة ملكا له، فإذا انهدمت الغرفة بقيت أرضها ملكا له، فيصح له البناء فيها.

المسألة 146:

ما يخرج من الفسيل في النخيل أو الأرض الموقوفة بعد وقفها لا يدخل في الوقف، بل يكون من منافعه و نمائه، فإذا نمى الفسيل في موضعه و صار نخلا أو قلع و غرس في موضع آخر من الأرض الموقوفة حتى أصبح نخلا لم يمكن وقفا بل يكون ذلك النخل و ثمره من نماء الوقف، و نتيجة لذلك فيصح بيعه و المعاوضة عليه و يصرف ثمنه على الأشخاص الموقوف عليهم و في الجهة الموقوف عليها.

و كذلك الحكم في الأغصان التي تقطع من الشجر لإصلاحه، فإذا غرست و نمت و أصبحت شجرا مثمرا لم تكن من الوقف بل تكون من نمائه، فيجوز بيعها كما تباع منافع الوقف الأخرى و يصرف ثمنها في مصارف منفعة الوقف، و اما فسيل النخيل و ودي الأشجار الصغيرة الموجودة في حين إنشاء الوقف فهي داخلة في الوقف فتجري فيها أحكام العين الموقوفة، فلا يجوز بيعها و المعاوضة عليها إلا إذا جاز بيع الوقف لأحد المسوغات الآنف ذكرها.

المسألة 147:

إذا وقف المالك حصته من العين المشتركة بينه و بين صاحبه صح وقفه، فإذا قبض الموقوف عليه الحصة الموقوفة تم وقفها و نفذ، و كذلك إذا وقف المالك حصة معلومة من العين التي يملك جميعها كما إذا وقف نصف داره أو نصف ضيعته فيصح الوقف، و تكون العين مشتركة بين‌

158

الوقف و الملك الطلق، و تصح القسمة بتمييز أحدهما عن الآخر، و يتبع الطريق الذي ذكرناه في فصل القسمة من كتاب الشركة، و يتولى القسمة بينهما متولي الوقف و مالك الحصة المملوكة، و إذا لم يكن للوقف متول مخصوص تولاها الحاكم الشرعي أو منصوبه، و الأحوط أن يشترك الحاكم الشرعي مع الموقوف عليهم في تولي القسمة.

و تصح قسمة العين المشتركة بين وقفين، سواء كان الواقف واحدا أم متعددا، و مثال الأول أن تكون الضيعة مشتركة بين زيد و عمرو على سبيل الإشاعة بينهما، فيقف كل واحد منهما حصته من الضيعة على أولاده، و مثال الثاني أن تكون الضيعة كلها مملوكة لزيد، فيقف نصفها المشاع على الفقراء و يقف نصفها الآخر على اليتامى.

و اما قسمة الوقف الواحد على الموقوف عليهم إذا تعددوا، فيشكل الحكم بصحتها، و خصوصا إذا كانوا بطونا مترتبين.

المسألة 148:

إذا شرط الواقف في صيغة الوقف شرطا و كان الشرط صحيحا مشروعا، وجب العمل به، فإذا شرط على الموقوف عليه أن يتصدق في كل شهر بمقدار معين مثلا أو أن يطعم عددا معلوما من المؤمنين لزمه ذلك، و إذا شرط عليه أن لا يؤجر العين أكثر من سنة لم تجز له المخالفة.

المسألة 149:

يثبت كون العين موقوفة بالشياع إذا أفاد العلم أو أفاد الاطمئنان بذلك، و يثبت بالبينة الشرعية، و بإقرار صاحب اليد على العين بأنه وقفها، و بإقرار ورثته من بعده جميعا بأن مورثهم قد وقف العين، و إذا أقر بعضهم دون بعض ثبت الوقف في حصة المقر، و ثبت كذلك في حصة الآخرين من الورثة إذا توفرت في المقر شروط البينة الشرعية، فإذا لم تتوفر فيه شروطها لم ينفذ إقراره في حقهم، و هذا إذا لم يكن الورثة أصحاب يد بالفعل على العين الموقوفة.

المسألة 150:

يقبل اخبار صاحب اليد على العين بأصل الوقف كما ذكرنا، و يقبل اخباره بالخصوصيات التي يكون عليها الوقف، فإذا أخبر بأن الوقف‌

159

ترتيبي أو تشريكي، أو بأنه على الذكور و الإناث أو على الذكور فقط، أو بأنه على وجه التساوي بين الموقوف عليهم أو على وجه الاختلاف في الحصص بينهم، قبل قوله و نفذ.

و يقبل اخبار صاحب اليد أيضا إذا كان اخباره بفعله لا بقوله، و مثال ذلك: ان تكون العين تحت يده و هو يتصرف فيها و يعاملها معاملة العين الموقوفة من غير معارض، فيثبت الوقف بهذا الاخبار و كذلك إذا كان يتصرف في العين على نهج الوقف الترتيبي أو التشريكي بين الطبقات أو على الذكور و الإناث معا أو على الذكور خاصة، و على وجه التساوي في الحصص أو الاختلاف فيها فيقبل خبره الفعلي بذلك إذا لم يعارضه اخبار بعض أصحاب اليد معه فيتصرف بخلافه.

المسألة 151:

لا يحكم بثبوت الوقف على الكتاب أو المصحف أو الإناء بمجرد وجود كتابة عليه انه وقف ما لم تقم معها قرينة تورث العلم أو الاطمئنان بتحقق وقفه، فلعل المالك كتب ذلك ليقف الشي‌ء ثم عدل قبل الوقف، فإذا كان الكتاب أو المصحف أو الإناء بيد شخص و هو يدعي ملكيته جاز الشراء منه إذا لم يعلم أو يطمئن بثبوت الوقف من بعض القرائن الحافة به.

و كذلك إذا ظهرت ورقة كتب عليها ان زيدا وقف داره المعلومة أو بستانه المعين لم يثبت الوقف بمجرد ذلك ما لم يقترن بأمارات أو عبارات تدل على الاعتراف بوقوع الوقف منه مع توقيعه عليه أو شهادات موثوقين بذلك، و لا يكفي مجرد كون الورقة بخطه، فلعله كتبها قبل الوقف ثم عدل عنه كما قلنا.

المسألة 152:

إذا كانت في يد الإنسان ضيعة أو عين أخرى و هو يتصرف في العين على انها ملكه حكم بأنها ملكه كذلك و ترتبت عليها آثار الملك شرعا و أجاز شراؤها منه و شراء ثمارها و استئجارها و ان علم بأن العين في السابق كانت وقفا أو ثبت ذلك بالبينة، لاحتمال عروض بعض مسوغات بيع الوقف فبيعت العين على ذلك الشخص أو على مورثه، فيحكم‌

160

بأن العين ملكه بمقتضى يده و لا تنتزع من يده إلا إذا ثبت أنها وقف بالفعل.

و إذا ادعى أحد أن هذه العين كانت وقفا على آبائه نسلا بعد نسل، فأقر الإنسان الذي هي في يده بأنها كانت وقفا ثم طرأ أحد مسوغات البيع، فبيعت عليه، أخذ بإقراره بأنها كانت وقفا، و انتزعت العين من يده حتى يثبت كلا الأمرين اللذين ادعاهما، و هما عروض أحد المسوغات للبيع و شراؤه للعين.

المسألة 153:

قد يقف الإنسان داره أو بستانه أو ضيعته من أجل أن يتحقق له غرض خاص يرغب في حصوله، و قد جعل وقف العين وسيلة لتحقق تلك الرغبة، و لا تتوقف صحة الوقف على حصول الرغبة التي أرادها، فإذا وقف العين و لم يحصل الغرض لم يبطل الوقف.

و مثال ذلك أن تكون للرجل رغبة ملحة في أن يستعين أولاده على طلب العلم بتهيئة موضع السكنى لهم أو بتوفير سبب المعيشة في حياتهم فيقف عليهم الدار ليسكنوها و الضيعة لينتفعوا بها، أو أن يتخلصوا بذلك من بعض النزاعات، فإذا لم تحصل له تلك الرغبة لم يبطل الوقف، و هذا الحكم عام في جميع المعاملات، فلا يبطل العقد أو الإيقاع إذا تخلفت الرغبة التي أرادها من إنشاء تلك المعاملات، فلم يحصل له الربح من ذلك البيع أو الشراء و لم تحصل الغاية المبتغاة من ذلك التزويج.

المسألة 154:

لا تجب الزكاة في العين الموقوفة إذا كانت من الأعيان الزكوية، فلا زكاة فيها على الواقف لخروجها عن ملكه، و لا على الموقوف عليهم و ان قيل بملكهم للعين، و بلغت مقدار النصاب، و لا تجب الزكاة في منفعة العين إذا كان الوقف على نحو صرف المنفعة على الموقوف عليهم من غير تمليك، كما إذا وقف الضيعة على إطعام أولاده أو على كسوتهم أو تزويجهم، أو على إطعام الفقراء، فلا تجب الزكاة لعدم الملك كما ذكرنا و ان بلغت حصة الفرد منهم مقدار النصاب.

161

و إذا كان الوقف على أشخاص الموقوف عليهم بنحو تمليك المنفعة لهم و كانت المنفعة من الأعيان الزكوية كالتمر و الزبيب، وجبت الزكاة على من تبلغ حصته منهم مقدار النصاب أو تزيد عليه.

و إذا كان الوقف على عنوان عام للأفراد بنحو تمليك المنفعة، كما إذا وقف البستان على الفقراء، لم تجب الزكاة أيضا إذا كان قبض الفرد لحصته بعد وقت تعلق الزكاة بالغلة، لعدم الملك، فان الفرد لا يملك الحصة من المنفعة حتى يقبضها، فإذا قبضها بعد الوقت لم تجب عليه الزكاة.

نعم إذا أعطى الولي الفرد الفقير مقدارا من منفعة الوقف قبل زمان تعلق الزكاة بها و بقيت في ملكه حتى حل الوقت وجبت الزكاة في حصته، إذا بلغت حد النصاب، و قد ذكرنا في المسألة الحادية و الثمانين من كتاب الزكاة في هذه الرسالة وقت تعلق الزكاة بالغلة فلتراجع.

المسألة 155:

تعارف بين الناس أن يجمعوا المال من الأفراد المتبرعين لإقامة بعض الشعائر المطلوبة فيجمع أهل البلد أو القرية الأموال منهم لإقامة مأتم الحسين (ع) في بلدهم أو في قريتهم، و يجمعها صنف خاص من العمال أو من القبائل لإقامة مأتم لهم، أو لإطعام الطعام في أيام معلومة بمناسبة معلومة، و يجمعونها كذلك ليذهبوا مجتمعين الى كربلاء لزيارة الحسين (ع) في الأربعين و اقامة المأتم و العزاء فيها، و يجمعونها ليذهبوا مجتمعين الى زيارات أخرى و يقيموا العزاء و الإطعام بمناسبات أخرى، و هي على الأقوى: نوع خاص من الصدقات و البذل في قربات خاصة يشترط صرفه في تلك الجهات المعينة.

و نتيجة لذلك فلا يبقى المال بعد دفعه بهذا القصد ملكا لصاحبه و لا تترتب عليه آثار ملكه، فلا يحق لصاحبه الذي بذله للجهة أن يرجع به الا إذا شرط ذلك فترك الاشتراك في المشروع، و لا يرثه وارثه إذا مات قبل أن يصرف المال، و لا يحل لدائنه أن يأخذ المال وفاء لدينه.

و إذا اجتمع المال و لم يمكن صرفه في الجهة المشترطة أو زاد على المقدار المحتاج الى صرفه، فإن أمكن تأخيره مدة و صرفه في الجهة المعينة‌

162

لزم ذلك، و ان تعذر ذلك أو لم يمكن حفظ المال، صرف على الأحوط في ما هو أقرب فأقرب إلى تلك الجهة المشترطة.

المسألة 156:

إذا دفع المالك المال الى الشخص الذي يتولى جمع المال من المتبرعين للمناسبة المتقدم ذكرها، و ظهر من القرائن أنه انما يدفع المال أمانة بيد الشخص، الآخذ و يراه وكيلا عنه في صرف المال في الجهة المعلومة، لم يخرج المال عن ملك صاحبه بهذا الدفع، فيجوز له أن يسترد المال قبل صرفه و إذا مات المالك قبل صرفه رجع ميراثا لوارثه، و لدائنه ان يرجع على الآخذ فيأخذ المال وفاء لدينه إذا فلس أو مات و قصرت تركته عن ديونه، و إذا تعذر صرف المال في الجهة المعينة وجب على الآخذ مراجعته في صرف المال، و كذلك الحكم إذا احتمل انه انما دفع المال كذلك و لم تدل القرائن على شي‌ء.

المسألة 157:

قد تجمع الأموال من المتبرعين بها لبناء مسجد، أو لبناء حسينية، أو لإقامة مشروع ديني آخر، و الحكم في المال المجتمع نظير ما تقدم، فهو نوع خاص من الصدقات و القربات الخاصة، و لا بد بعد جمعه من صرفه في الجهة المعينة التي بذل لها، الى آخر ما ذكرناه في المسألتين المتقدمتين و إذا قام الآخذ ببناء المسجد و إنشاء وقفه، أو ببناء الحسينية و إنشاء وقفها بالأموال المتبرع بها صح وقفها على النهج الذي قام به و جمع المال من أجله، فان المتبرعين قد فوضوا الأمر إليه في ذلك، و إذا زاد المال المتبرع به عن بناء المسجد و أراد المتولي للصرف أن يبني به مرافق للمسجد مثلا و مواضع للتطهير و نحو ذلك مما يحتاج المسجد اليه جاز له ذلك إذا كان المتبرعون قد فوضوا له الأمر أو كان ذلك هو الأقرب الى الجهة المتبرع لها، و كذلك إذا زاد المال المجتمع عن بناء الحسينية، فأراد أن ينشئ لها مرافق و موضعا للطبخ، و مخزنا لحفظ الأثاث و الأدوات و الفرش و نحو ذلك.

المسألة 158:

إذا دفع بعض المشتركين في جمع المال لبناء المسجد شيئا من الزكاة‌

163

من سهم سبيل اللّه، فعليه أن يعلم آخذ المال بذلك ليضعه في الموضع الذي يصح وضعه فيه، و على الآخذ أن يرجع في ذلك الى أهل المعرفة ليضع الأمور في مواردها، و إذا أراد ان يدفع شيئا من حق الامام (ع) فعليه أن يستعلم عن فتوى مقلده في ذلك و يستأذن فيه إذا كان محتاجا الى الاذن، و عليه أن يعلم آخذ المال بذلك ليضع كل شي‌ء في موضعه الصحيح.

الفصل السابع في الحبس و أخواته

المسألة 159:

الفارق الأساس بين الوقف و الحبس ان وقف العين يوجب زوال ملك المالك عنها في جميع أقسام الوقف سواء كان وقفا على جهة عامة أو خاصة أم كان وقفا على عنوان كذلك أم كان وقفا على اشخاص، كما ذكرنا في المسألة المائة و الثالثة عشرة، على اشكال في الوقف إذا كان منقطع الأخير، و أن حبس العين لا يوجب زوال الملك عنها، و انما يوجب لزوم صرف نماء العين و منافعها على الناحية التي ذكرها الحابس و على الوجه الخاص أو العام الذي عينه في إنشائه.

المسألة 160:

يصح الحبس على كل ما يصح الوقف عليه و يمنع عن كل ما يمنع الوقف عليه، و تجري فيه اقسامه المتقدم ذكرها، فقد يكون الحبس على جهة من الجهات، فيحبس الرجل ملكه على مسجد أو على مشهد أو على حسينية أو مدرسة، و قد يكون على عنوان من العناوين، فيحبس ملكه على العلماء أو على الطلاب أو على الفقراء أو اليتامى، و قد يكون على اشخاص معينين فيحبس الملك على ولده علي أو على أخيه زيد و ذريته، و نحو ذلك مما يجري في الوقف.

المسألة 161:

يعتبر في التحبيس قبض العين المحبوسة، و يعتبر كذلك أن يقصد الحابس القربة بحبسه للعين، و هل الشرطان المذكوران شرطان في صحة التحبيس أم هما شرطان في لزومه، لا يبعد الثاني، و ان كان الأحوط‌

164

الأول، فلا ينبغي تركهما، فإذا لم يحصل القبض حتى مات المالك أشكل الحكم بصحة الحبس.

المسألة 162:

إذا حبس الرجل بعض ما يملكه على سبيل معين من سبل الخير، أو على موقع من مواقع العبادات كالكعبة المعظمة أو أحد المشاهد المشرفة أو أحد المساجد، أو على مطلق سبيل اللّه، على ان تصرف منافع العين على تلك الجهة، فقد يطلق الحابس إنشاءه، فلا يقيده بدوام و لا بمدة معينة فيكون حبسه لازما، فلا يجوز له الرجوع فيه ما دامت العين موجودة، و كذلك إذا قيد إنشاء حبسه بالدوام، فلا يجوز له الرجوع فيه، و لا يرث المنفعة وارثه إذا مات، و إذا حبس ملكه على الجهة مدة معينة كان حبسه لازما في تلك المدة، فلا يجوز له الرجوع فيها، فإذا انتهت المدة انتهى تحبيس المال و رجع الى المالك إذا كان موجودا و الى وارثه إذا كان ميتا.

المسألة 163:

إذا حبس الرجل بعض ما يملكه على شخص معين أو على عدة أشخاص مدة معلومة و قصد الحابس القربة و تحقق القبض كما ذكرنا كان الحبس لازما في المدة المعلومة، فلا يجوز للحابس الرجوع في حبسه ما دامت المدة، فإذا انقضت رجع المال الى المالك إذا كان حيا، و الى وارثه إذا كان ميتا، و إذا مات الحابس قبل ان تنقضي المدة لم ينته الحبس بموته، بل يبقى حتى تنتهي المدة، ثم يعود بعدها ميراثا، و كذلك إذا حبس ملكه على الشخص مدة حياة ذلك الشخص، فيجري فيه الحكم على التفصيل الآنف ذكره.

و إذا حبس الرجل ملكه على شخص مدة حياة الحابس نفسه لم يجز الرجوع به في حياة الحابس، فإذا مات رجع بعده ميراثا.

و كذلك إذا حبس ملكه على شخص و لم يذكر للتحبيس مدة معلومة و لا حدده بحياة أحدهما، كان الحبس لازما الى موت الحابس، فإذا مات رجع بعد موته ميراثا، و لا يبطل بموت الشخص المحبس عليه و تنتقل المنفعة بعده الى ورثته.

165

المسألة 164:

إذا حبس الرجل ملكه على أحد العناوين مدة معينة فقال: حبست داري على اليتامى أو على المساكين مدة عشر سنين، كان الحبس لازما في المدة المعينة، فلا يجوز للحابس الرجوع فيها، و إذا أطلق الحبس و لم يعين له مدة كان الحبس لازما ما دام الحابس حيا، فإذا مات رجع ميراثا.

المسألة 165:

إذا حبس الإنسان العين المملوكة له على أن تصرف منفعتها في جهة معينة كان ذلك إيقاعا كما هو الشأن في الوقف، فيكفي في تحققه إنشاء الإيجاب من المالك و لا يحتاج الى قبول، و إذا حبس العين على شخص أو على أشخاص معينين، ففي اعتبار القبول في صحته تأمل، و ان كان اعتباره أحوط فلا يترك الإتيان به، و يكفي فيه اي لفظ يدل على الرضا بالتحبيس عليه.

المسألة 166:

تلحق بالحبس أمور ثلاثة: (السكنى) و (العمرى) و (الرقبى)، و هي من العقود فلا بد في كل واحد منها من الإيجاب و القبول، و لا بد في كل واحد منها من أن تجتمع فيه شروط العقد و شروط المتعاقدين و قد ذكرناها مفصلة في كتاب التجارة فليرجع إلى المسائل المتعلقة بذلك من الكتاب المذكور.

المسألة 167:

يختص عقد (السكنى) بالمساكن و لا يجري في غيرها من الأعيان المملوكة، فإذا سلط المالك أحد على سكنى داره أو سكنى شقة من شقق عمارته مع بقاء العين على ملك المالك سمي ذلك (سكنى) و يقع الإيجاب في عقد السكنى بكل لفظ يدل على تسليط الساكن على سكنى المنزل المعين، فيقول المالك له: أسكنتك داري المعلومة أو شقتي المعينة، أو جعلت لك سكناها، و نحو ذلك مما يقع به الإنشاء المقصود، و يحصل القبول بأي لفظ يدل على رضا الساكن بالإيجاب المذكور فيقول: قبلت أو رضيت أو نحوهما.

166

المسألة 168:

إذا أسكن المالك أحدا داره، فقد يعين للاسكان مدة محددة فيقول له أسكنتك داري مدة خمس سنين، و قد يسكنه إياها مدة عمر الساكن نفسه، فيقول له: أسكنتك الدار مدة عمرك أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو ذلك، و قد يسكنه إياها مدة عمر المالك فيقول له أسكنتك الدار مدة حياتي أو مدة عمري أو ما بقيت حيا أو نحو ذلك، و قد يطلق المالك الإسكان فلا يذكر له مدة معينة و لا يقيده بعمر المالك و لا بعمر الساكن.

المسألة 169:

يعتبر في السكنى و في العمرى و الرقبى أن يقبض الساكن العين على الأحوط كما تقدم في الحبس، فإذا لم يحصل القبض حتى مات المالك ففي صحة العقد إشكال.

المسألة 170:

إذا أسكن المالك شخصا داره مدة معينة كما إذا أسكنه الدار مدة خمس سنين سميت سكنى كما تقدم و سميت رقبى أيضا، فيصح أن ينشئ الإيجاب بقوله أرقبتك الدار مدة خمس سنين، فإذا تم الإيجاب و القبول بأحد النحوين المذكورين و حصل القبض لزم العقد، فلا يجوز للمالك الرجوع في إسكانه ما دامت المدة المضروبة، و لا يحق له ان يخرج الساكن من الدار قبل ان تنتهي المدة، و إذا انقضت رجع المسكن الى المالك إذا كان موجودا و الى وارثه إذا كان ميتا.

المسألة 171:

إذا اسكن المالك الشخص منزله مدة عمر الساكن أو مدة عمر المالك، و أجرى العقد على ذلك سميت سكنى كما تقدم، و سميت عمري أيضا، فيصح له أن ينشئ العقد بقوله: أعمرتك الدار مدة حياتك أو مدة حياتي، فإذا تم الإيجاب و القبول بين المالك و الساكن على أحد الوجهين، و حصل القبض من الساكن لزم العقد، فلا يجوز للمالك ان يرجع بإسكانه أو إعماره ما دامت حياة أحدهما الذي قدرت العمرى‌

167

بمدة حياته، فإذا انتهت المدة المضروبة رجع المسكن الى المالك أو الى وارثه.

المسألة 172:

إذا كان اعمار الدار مقدرا بمدة عمر المالك فمات الساكن في حياة المالك، فان كان المالك قد جعل للساكن في عقد العمرى مجرد الانتفاع بالسكنى له و لتوابعه مدة عمر المالك، لم تنتقل السكنى إلى ورثة الساكن بعد موته بل ترجع الى المالك، و ان كان المالك قد جعل للساكن في العقد تمليك السكنى ما دام المالك حيا، انتقلت السكنى بعد موت الساكن الى ورثته فيملكونها ما دام المالك حيا، و إذا مات المالك رجعت الى ورثته.

و كذلك الحكم في إسكان الدار مدة معينة الذي ذكرناه في المسألة المائة و السبعين إذا مات الساكن في المدة، فتنتقل السكنى الى ورثته في الفرض الثاني، و ترجع الى المالك في الفرض الأول.

المسألة 173:

إذا قال المالك لأحد: أسكنتك هذه الدار لك و لعقبك من بعدك، و قبل الرجل، و قبض الدار لزم العقد و لم يجز للمالك و لا لورثته الرجوع في العقد ما دام الساكن موجودا و ما دام عقبه، فإذا انقرض و انقرض عقبه رجعت الدار الى المالك و الى ورثته إذا كان ميتا.

المسألة 174:

إذا أسكن المالك الشخص و أطلق عقد السكنى، و لم يعين له مدة معلومة، و لا قيده بعمر الساكن و لا بعمر المالك، و حصل القبول و القبض من الساكن لزم العقد، و وجبت له السكنى بما يتحقق معه مسمى الإسكان و لو مدة يسيرة، و جاز للمالك بعد ذلك ان يرجع بالسكنى و يأمره بالخروج في أي وقت أراد.

المسألة 175:

إذا ثبت للساكن أو لورثته حق السكنى في المنزل بعد موت المالك في المواضع التي ذكرناها في ما سبق، لم يجز لورثة المالك إخراجهم من المنزل الى ان تنتهي المدة المحددة لسكناهم.

168

المسألة 176:

إذا أطلق المالك عقد السكنى جاز للساكن ان يسكن في الدار هو و أهله و أولاده و خدمه و ضيوفه و من جرت العادة بأن يسكن معه، و الحيوان و الدابة التابعة له إذا كان في المنزل موضع معد لذلك، و يصح له أن يقتني ما جرت العادة لمثله باقتنائه من أثاث و أمتعة و غلات و أدوات و نحوها مما يعد من شؤونه و توابعه.

المسألة 177:

لا يجوز على الأحوط للساكن أن يؤجر الدار الذي استحق السكنى فيها بعقد السكنى أو العمرى أو الرقبى، أو أن يعيرها لغيره أو يهب له سكناها أو يصالحه عليها، على تأمل في ذلك و لكنه احتياط لا يترك.

المسألة 178:

لا تخرج العين المحبوسة و لا الدار المعقود عليها بعقد السكنى أو العمرى أو الرقبى عن ملك مالكها، فيجوز للمالك بيع العين، و لا يبطل ببيعها عقد السكنى و لا العمرى و الرقبى، فيبقى للساكن حق السكنى فيها على الوجه الذي جعله المالك له في العقد، و تنتقل العين إلى المشتري مسلوبة المنفعة، مدة العقد المجعول، و لا يجوز للمشتري ابطال العقود التي أجراها المالك، و إذا كان المشتري جاهلا بوجود العقد عليها ثبت له الخيار بين ان يفسخ البيع و أن يمضيه بجميع الثمن.

و تستثنى من ذلك صورة واحدة، و هي ما إذا كانت السكنى مطلقة غير موقتة بمدة و لا بعمر أحدهما و تحقق مسمى الإسكان، فإذا باع المالك العين بقصد فسخ السكنى صح البيع و انفسخ عقد السكنى بذلك.

المسألة 179:

يجري عقد العمرى في غير المساكن من الأعيان المملوكة كالعقار و الأثاث و الحيوان، فكلما يصح وقفه يصح إعماره و تجري فيه أحكام العمرى الآنف ذكرها، و اما عقد الرقبى ففي جريانه في غير المساكن اشكال، فالأحوط ان لم يكن الأقوى إلحاقه بالسكنى، فلا يجري بغير المساكن.

169

الفصل الثامن في الصدقة

المسألة 180:

توفرت الأدلة بل تواترت، و تآزرت في الدلالة على استحباب الصدقة، و تنوعت ألسنتها في الترغيب فيها و الحث عليها، (فإن الصدقة تقضي الدين و تخلف بالبركة)، كما يقول الإمام أبو عبد اللّه جعفر بن محمد (ع)، و عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع): (البر و الصدقة ينفيان الفقر و يزيدان في العمر، و يدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة السوء)، و عن أبي عبد اللّه (ع) (ان لكل شي‌ء مفتاحا و مفتاح الرزق الصدقة)، و عن أمير المؤمنين (ع): (إذا أملقتم فتاجروا اللّه بالصدقة)، و عن أبي جعفر (ع) في قول اللّه عز و جل (فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ وَ اتَّقىٰ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنىٰ)، قال (ع): (و ان اللّه يعطي بالواحدة عشرة إلى مائة ألف فما زاد).

و عن النبي (ص): (بكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها)، و في وصيته (ص) لعلي (ع): (يا على الصدقة ترد القضاء الذي أبرم إبراما، يا علي صلة الرحم تزيد في العمر، يا علي لا صدقة و ذو رحم محتاج، يا علي لا خير في القول الا مع الفعل، و لا في الصدقة إلا مع النية)، و عن أمير المؤمنين (ع): (الصدقة جنة من النار)، و عن أبي عبد اللّه (ع): (صدقة العلانية تدفع سبعين نوعا من أنواع البلاء، و صدقة السر تطفئ غضب الرب)، و عنه (ع): (قال سئل رسول اللّه (ص): أي الصدقة أفضل؟ قال (ص) على ذي الرحم الكاشح)، و المراد به المعادي، و عن أبي عبد اللّه (ع): (لو جرى المعروف على ثمانين كفا لأوجروا كلهم، من غير أن ينقص صاحبه من اجره شيئا).

و يتأكد استحباب الصدقة و يتضاعف أجرها في بعض الأوقات من الأيام المخصوصة كيوم الجمعة و يوم عرفة و أيام الأعياد و شهر رمضان و بعض الأيام و الأشهر الأخرى، و يتأكد استحبابها على الجيران و الأرحام‌

170

و بعض الأشخاص و الأصناف ممن تكون لهم خصائص تفضلهم على غيرهم من التقوى و العلم و شرف النسبة إلى الرسول (ص) و الفضائل الأخرى.

المسألة 181:

الأقوى الذي تدل عليه ظواهر الأدلة ان الصدقة هي الإحسان بالمال على وجه القربة، و هي تختلف باختلاف مواردها، فقد يكون الإحسان بتمليك المال للمستحق، بهبة أو صلح على وجه القربة فيكون عقدا يفتقر إلى إيجاب و قبول، و يكون ذلك مصداقا من مصاديق الصدقة، و قد يكون الإحسان بوقف العين على المستحق على وجه القربة فيكون من الإيقاع المفتقر إلى الإيجاب وحده، و قد يكون الإحسان بإبراء ذمة المدين المستحق مما عليه من دين و نحوه، فيكتفى فيه بالإيجاب الدال على ذلك، فيقول الدائن: أبرأت ذمة زيد من الدين قربة الى اللّه، و قد يكون الإحسان بدفع شي‌ء من المال قليل أو كثير للمستحق قربة الى اللّه فيكون من المعاطاة فيها، و قد يكون الإحسان ببذل المال له من مأكول أو ملبوس أو غيرهما قربة الى اللّه، فيكفي فيه الاذن بالتصرف في المال المبذول، و هو في جميع هذه الموارد صدقة و إحسان على وجه القربة تشمله الأدلة و يتناوله الحث البالغ الذي طفحت به الأدلة و استفاضت و تواترت به النصوص.

المسألة 182:

و قد استبان مما ذكرناه أن الصدقة تختلف كذلك بحسب اختلاف مواردها في اشتراط القبض فيها و عدم اشتراطه، فيشترط فيها القبض إذا كانت عقد هبة أو وقفا أو صلحا على عين مملوكة أو معاطاة بمال و نحوه على وجه القربة، فإن صحة هذه المعاملات مشروطة بالقبض و لا يشترط فيها القبض إذا كانت إبراء لذمة المستحق أو بذل مال له و نحو ذلك.

المسألة 183:

إذا تحققت الصدقة في مورد من مواردها و تحقق قصد القربة و تم ما يعتبر في موردها من عقد أو إيقاع و قبض أو غير ذلك كانت لازمة‌

171

لا يجوز الرجوع بها و ان كانت هبة لأجنبي على الأصح، إذا قصد الواهب بها القربة كما هو الشرط في الصدقة.

المسألة 184:

و قد ظهر مما ذكرناه أيضا أن الفارق الأساس بين الصدقة و غيرها مما يتحقق في مواردها هو قصد القربة، فإذا وهب الرجل أو صالح أو أبرأ أو وقف أو أعطى و لم يقصد بفعله التقرب الى اللّه كانت المعاملة هبة و صلحا و إبراء و وقفا و عطية و لم تكن صدقة، و إذا قصد بعمله القربة تحققت المعاملات المذكورة و كانت صدقة أيضا.

المسألة 185:

إذا كان المتصدق هاشميا حلت صدقته لغيره، سواء كان هاشميا أم غير هاشمي، و سواء كانت صدقته زكاة مال أم زكاة فطرة، أم صدقة أخرى واجبة أم مندوبة و تبرأ ذمة المتصدق بأخذه لها مع اجتماع بقية الشرائط فيه.

و يحرم على الهاشمي أن يأخذ زكاة المال أو زكاة الفطرة من غير الهاشمي، و إذا أخذها لم تحل للآخذ و لم تبرأ ذمة الدافع، و يجوز للهاشمي على الأقوى أن يأخذ من غير الهاشمي صدقاته الأخرى سواء كانت واجبة كفدية الصوم، و الكفارات و رد المظالم و ما اشتغلت به الذمة من مجهول المالك و شبهه، أم كانت مندوبة، فيجوز له أخذها من غير الهاشمي، و ان كان الأحوط له استحبابا الاجتناب عن الواجبات منها.

و في جواز أخذه للصدقات اليسيرة التي يقصد بها دفع البلاء و شبه ذلك مما يكون من مراسم الذل و الهوان عادة اشكال، فالأحوط لزوما للهاشمي الاجتناب عنها، بل الأحوط للمتصدق عدم دفعها له.

المسألة 186:

يجوز دفع الصدقة المندوبة للفقير و الغني و للمؤمن و المخالف إذا لم يكن ناصبيا، و للكافر إذا كان ذميا، و لا يجوز دفعها للناصب و الكافر الحربي و ان كانا رحمين قريبين.

172

المسألة 187:

يتضاعف أجر الصدقة إذا كانت سرا، و قد تقدم في حديث الامام الصادق (ع): (ان صدقة السر تطفئ غضب الرب)، و عن أحدهم (ع):

(صدقة السر تطفئ غضب الرب و تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار و تدفع سبعين بابا من البلاء)، و عن النبي (ص): (سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل الا ظله، الى ان قال (ص): و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله.

المسألة 188:

يستحب استحبابا مؤكدا أن يوسع الرجل على عياله في معيشتهم، و هي أفضل من صدقته على غيرهم، فإذا كان عنده مبلغ من المال و دار أمره بين أن يوسع به على عياله و أن يتصدق ببعضه على من سواهم فالأفضل له أن يختار الأول، و قد ورد عن أبي عبد اللّه (ع): (قال رسول اللّه (ص): أفضل الصدقة صدقة تكون عن فضل الكف)، و عنه (ص):

(كل معروف صدقة و أفضل الصدقة عن ظهر غنى، و ابدأ بمن تعول).

المسألة 189:

الصدقة على الرحم المحتاج أفضل من الصدقة على غيره، و قد تقدم قول الرسول (ص): (لا صدقة و ذو رحم محتاج)، و أفضل من ذلك الصدقة على الرحم الكاشح، و قد تقدم في حديث أبي عبد اللّه (ع) أنه قال: (سئل رسول اللّه أي الصدقة أفضل؟، قال (ص): على ذي الرحم الكاشح)، و المراد به: القريب للإنسان في النسب و هو يضمر له في باطنه العداء.

المسألة 190:

يستحب للرجل أن يكون وسيطا في إيصال الصدقة من المالك الى المستحق، و قد ورد عن الرسول (ص) في بعض خطبة انه قال: (و من تصدق بصدقة عن رجل الى مسكين كان له مثل أجره و لو تداولها أربعون ألف إنسان ثم وصلت الى المسكين كان لهم أجر كامل)، و عن أبي عبد اللّه (ع): (المعطون ثلاثة، اللّه رب العالمين، و صاحب المال، و الذي يجري على يديه).

173

المسألة 191:

يكره للإنسان أن يسترجع الى ملكه مالا دفعه الى المستحقين في صدقاته الواجبة أو المندوبة، فيشتريه من المستحق أو يتهبه منه أو يتسبب الى تملكه منه بسب اختياري آخر، و لا يكره إذا عاد المال الى ملكه بالميراث.

المسألة 192:

يكره للإنسان أن يرد سائلا يسأله و ان كان يظن انه غني غير محتاج، فيعطيه و لو شيئا يسيرا أو يرده ردا جميلا، فقد جاء في بعض كلمات أمير المؤمنين (ع): (ان المسكين رسول اللّه إليكم، فمن منعه فقد منع اللّه، و من أعطاه فقد اعطى اللّه)، و عن أبي عبد اللّه عن أبيه (ع): ان رسول اللّه (ص) قال: (ردوا السائل ببذل يسير و بلين و رحمة).

المسألة 193:

يكره للرجل أن يسأل أحدا و ان كان محتاجا، فعن الامام أبي جعفر (ع): (لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا، و لو يعلم المعطي ما في العطية ما رد أحد أحدا)، و عن أبي عبد اللّه (ع): (إياكم و سؤال الناس فإنه ذل في الدنيا، و فقر تستعجلونه، و حساب طويل يوم القيامة).

المسألة 194:

لا يجوز للإنسان- على الأحوط، ان لم يكن ذلك هو الأقوى- أن يسأل أحدا من غير حاجة، فعن أبي عبد اللّه (ع): (ما من عبد يسأل من غير حاجة فيموت حتى يحوجه اللّه إليها، و يثبت اللّه له بها النار)، و عنه (ع): (من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الخمر)، و عن أبي جعفر (ع):

(اقسم باللّه و لهو حق- ما فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح اللّه عليه باب فقر).

174

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

175

كتاب الغصب

176

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

177

كتاب الغصب و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول في الغصب و ما يلحق به

المسألة الأولى:

الغصب هو استيلاء الشخص على مال غيره، أو على شي‌ء من حقوقه ظلما، و قد تطابقت الأدلة على تحريمه و شدة العقاب عليه، و سيأتي ذكر أمور تلحق بالغصب في بعض أحكامه فيكون الشخص المستولي على الشي‌ء ضامنا له إذا تلف أو إذا طرأ عليه نقص أو عيب، و يجب عليه رده الى صاحبه إذا كان الشي‌ء موجودا، و ان لم يكن الاستيلاء عليه غصبا محرما.

المسألة الثانية:

قد يتحقق الغصب و الاستيلاء ظلما على كل من العين المملوكة و على منفعتها معها من مالك واحد، و مثال ذلك: أن يأخذ الشخص دار زيد منه و يسكنها ظالما له في كليهما، فيكون غاصبا للدار و غاصبا لمنفعتها من زيد باستيلائه على الدار و على المنفعة، و كلتاهما مملوكتان لزيد نفسه.

و قد يتحقق الغصب للعين من مالك، و يكون الغصب لمنفعتها من مالك آخر و مثال ذلك: أن تكون الدار مستأجرة لشخص آخر، فيستولي الظالم على الدار من مالكها، و على المنفعة من المستأجر فيكون غاصبا لكل واحدة منهما من مالكها، و قد يستولي على الدار غصبا مدة الإجارة، و لا يستطيع أن يستولي على المنفعة من المستأجر لعدم قدرته على غصبها‌

178

منه، أو يستولي على المنفعة وحدها، و لا يمكنه غصب الدار، فيكون غاصبا لإحداهما دون الأخرى.

و قد يحصل الغصب بالاستيلاء على حق مالي للغير، كما إذا استولى على أرض قد حجرها شخص، أو غصب عينا مرهونة عند أحد، فيكون غاصبا لحق الشخص الذي حجر الأرض و لحق المرتهن الذي ثبت له في العين حق الرهن، و كما إذا غصب الحجرة من الطالب الذي سكنها في المدرسة أو غصب المكان ممن سبق إليه في المسجد أو المشهد.

المسألة الثالثة:

قد يكون المغصوب منه شخصا معينا من الأشخاص كما في الأمثلة الآنف ذكرها، و قد يكون المغصوب منه نوعا من الأنواع، و مثال ذلك:

أن يعين المالك زكاته أو خمسه في مال معين فيستولي عليه الغاصب قبل ان يدفعه المالك الى مستحق معين، فيكون المغصوب منه هو نوع المستحق للزكاة أو الخمس، و كما إذا استولى على مدرسة موقوفة فمنع الطلاب أن يسكنوها، أو استولى على الضيعة الموقوفة على الفقراء أو على اليتامى فمنعهم أن يتصرفوا بمنفعتها، فيكون المغصوب منه في جميع هذه الأمثلة هو النوع.

المسألة الرابعة:

يحرم الغصب في جميع اقسامه، سواء كان الشي‌ء المغصوب عينا أم منفعة أم حقا، و يجب على الغاصب فيها جميعا رفع اليد عن الشي‌ء المغصوب و رده الى صاحبه، إذا كان الشي‌ء موجودا، و إذا كان تالفا أو طرأ عليه نقص أو عيب، و كان عينا أو منفعة لزم الغاصب ضمانه في صورة التلف، و لزمه ضمان ما نقص منه في صورة النقص، و ضمان أرشه في صورة العيب، و كذلك إذا كان حقا يبذل بإزائه المال كحق التحجير و حق الاختصاص، و لا ضمان عليه إذا كان الحق مما لا يبذل بإزائه المال، كحق السبق الى المكان في المسجد أو المشهد.

المسألة الخامسة:

لا يتحقق الغصب بالاستيلاء على الإنسان إذا كان حرا، فإذا استولى عليه ظالم و وضع يده عليه لم يكن مغصوبا، سواء كان ذلك الحر‌

179

المستولي عليه كبيرا أم صغيرا، و ضعيفا أم قويا و ان كان الذي استولى عليه ظالما له و آثما بفعله، و لا يدخل الحر بسبب ذلك في ضمانه، فإذا مات المحبوس تحت استيلاء المستولي أو طرأ عليه حادث، فهلك بغير تسبيب من الحابس فلا ضمان عليه بسبب استيلائه عليه، و لا يضمن منافعه التي تفوت بسبب ذلك، فإذا كان الحر المستولي عليه صاحب صنعة و لم يعمل بصنعته في تلك المدة لم يضمن الحابس أجرتها.

المسألة السادسة:

إذا هلك الحر المستولي عليه تحت استيلاء ظالمه، و كان هلاكه بتسبيب من المستولي كما إذا حبسه و منعه من الماء أو من الأكل، فهلك جوعا أو عطشا، أو وضعه في مكان يتعرض فيه للدغ الحشرات، أو لأذى بعض الحيوانات أو السباع، فهلك بسبب ذلك كان ضامنا لهلاكه أو للعيب الذي يصيبه من ذلك، و ضمانه من حيث تسبيبه للهلاك لا من جهة الغصب.

و إذا استوفى المستولي من الحر بعض منافعه بعمل أو استخدام ضمن المنافع التي استوفاها منه، فيجب عليه دفع أجرتها، و إذا كان الحر المستولي عليه أجيرا لأحد، فمنعه المستولي عن العمل في المدة المعينة للعمل، كان المستولي ضامنا للمستأجر ما فوته عليه من المنفعة المملوكة له على الأجير في تلك المدة.

و إذا كان الحر المستولي عليه أجيرا للمستولي نفسه على عمل، فمنعه بسبب استيلائه عليه من العمل لزمه أن يدفع له الأجرة المسماة له بعقد الإجارة بينهما، و ضمان المستولي في هذه الصور بأسباب أخرى توجب الضمان لا بسبب الغصب.

المسألة السابعة:

إذا منع الرجل صاحب الدابة المرسلة من أن يمسك دابته، لم يكن بذلك غاصبا لعدم استيلائه على الدابة، و ان ظلم صاحب الدابة بمنعه عن إمساكها و أثم لذلك، فإذا عطبت الدابة بغير تسبيب منه لم يضمن عطبها و لا عوارها.

180

و كذلك إذا منع صاحب السلعة من أن يبيع سلعته، فلا يكون غاصبا للسلعة بذلك، و لا يضمن نقص قيمتها إذا نقصت بعد ذلك، و كذا إذا منع صاحب الدار من ان يدخل داره، أو منع صاحب الفراش أن يتصرف في فراشه أو أن يرفعه من موضعه، فلا يكون غاصبا للدار و لا للفراش، و يأثم لمنعه صاحب الحق عن حقه، فإذا انهدمت الدار أو سرق الفراش بغير تسبيب منه فلا ضمان عليه.

المسألة الثامنة:

المدار في تحقق الغصب للشي‌ء هو أن يكون الشي‌ء تحت استيلاء الإنسان عدوانا، فإذا كان الشي‌ء في بيته و طالبه المالك به فامتنع من دفعه له و حرص على منعه منه عدوانا كان غاصبا و ان لم يحصل نقل للشي‌ء و لا أخذ، و كذلك في سائر الأموال من الحيوان و غيره من المنقولات و غير المنقولات من الدور و الضياع و الدكاكين و القرى و المزارع و غيرها.

و يتحقق غصب المنافع بانتزاع العين ذات المنفعة من يد مالك المنفعة، فإذا استأجر زيد الدار من مالكها، ثم انتزعها المؤجر من المستأجر عدوانا أو استولى عليها شخص آخر فمنع المستأجر منها ظلما كان غاصبا للمنفعة، سواء استوفى المنفعة في مدة الإجارة أم لا.

المسألة التاسعة:

إذا سكن الرجل الدار مع مالكها ظالما له بذلك، و كان مالك الدار غير قادر على إخراج هذا المستولي من داره، فقد يكون استيلاء هذا الرجل العادي مختصا بطرف معين من الدار فيكون تصرفه و سكناه في تلك الجهة منها خاصة، و لا يعم بقية الأطراف من الدار، فيكون الغصب مختصا بالجهة المستولي عليها و يكون الضمان مختصا بها كذلك و لا يعم بقية الدار.

و قد يعم استيلاؤه و تصرفه جميع الدار بحيث يكون استيلاؤه و استيلاء المالك على مجموع الدار بنسبة واحدة فيكون غاصبا لنصف الدار مشاعا و يكون ضامنا لنصفها كذلك، فإذا انهدم جميع الدار فهو ضامن لنصفها و إذا انهدم بعضها، فهو ضامن لنصف ذلك البعض المنهدم، و كذلك حكمه في ضمان المنفعة.

181

و إذا استولى على الدار رجلان ظلما فسكنا مع المالك داره على نهج ما سبق، كان كل واحد من الرجلين العاديين غاصبا لثلث الدار و كان كل واحد منهما ضامنا لثلثها على البيان الآنف ذكره، و إذا كانوا ثلاثة كان غصب كل واحد منهم لربع الدار و كان ضمانه لربعها. و هكذا.

المسألة العاشرة:

الظاهر انه لا يتحقق الغصب في الفرض الذي ذكرناه في المسألة السابقة، إذا كان الرجل العادي الذي سكن الدار مع المالك ضعيفا، و كان مالك الدار قويا قادرا على إخراجه منها متى شاء، فلا يحصل الغصب بسكناه مع المالك، و لا ضمان عليه إذا طرأ تلف أو عيب في الدار، و يستحق المالك عليه أجرة المثل عن المنفعة التي استوفاها بسكنى الدار مع المالك.

المسألة 11:

إذا كان مالك الدابة راكبا على ظهرها، فأخذ رجل بزمام الدابة ظلما و قادها و استولى عليها فان كان المالك الراكب عليها ضعيفا لا يملك مقاومة المستولي في ما يصنع بدابته، فالظاهر تحقق الغصب بذلك فيكون قائد الدابة ضامنا لها، إذا أصابها عطب أو عيب أو كسر.

و ان كان المالك قويا قادرا على دفع المستولي و على مقاومته، لم يتحقق الغصب بذلك و ان استسلم لقيادته موقتا لبعض الأغراض، فلا ضمان على القائد إذا تلفت الدابة أو أصابها كسر أو جرح بغير تسبيب منه و يضمن ما يصيبها أو يصيب المالك الراكب بسبب تصرفه، كما إذا قادها بعنف فسقطت و انكسرت أو جرحت أو هلكت أو أصاب المالك شي‌ء من ذلك، و كذلك إذا ساقها بعنف فجمحت أو سقطت، فيكون ضامنا لما يحصل بسببه.

و يجري نظير هذا التفصيل في الحكم في السيارة إذا كان المالك متوليا لقيادتها و أراد رجل آخر غصبها منه و الاستيلاء عليها، فتجري فيها الصور المتقدمة و تنطبق آثارها فيتحقق الغصب في بعضها و لا يجري في البعض و يحصل الضمان إذا تحققت أسبابه و لا يحصل إذا لم تتحقق.

182

المسألة 12:

إذا اشترك رجلان في غصب الدار أو السيارة من المالك في الفرض المتقدم فتآمرا بينهما على استغفال المالك و مقاومته و الاستيلاء على الشي‌ء المغصوب، ضمن كل واحد من الغاصبين مقدار ما استولى عليه من الدابة أو السيارة، فإن كان استيلاؤهما عليها بالتساوي كان كل واحد منهما ضامنا لنصفها و إذا كان استيلاؤهما متفاوتا ضمن كل واحد ما استولى عليه منها، من غير فرق في الحكم بين أن يكون الرجلان معا سببا واحدا في حصول الاستيلاء، أو كان كل واحد منهما سببا مستقلا في الاستيلاء على العين، و مثال ذلك: أن يكون الرجلان ضعيفين لا يمكن لهما الاستيلاء على الشي‌ء إلا إذا تآزرا معا فقاوما المالك و استوليا على ماله، أو كان كل واحد منهما سببا مستقلا كافيا في حصول الاستيلاء إذا انفرد عن صاحبه.

المسألة 13:

الظاهر أن غصب الأوقاف التي تفيد تمليك المنفعة للموقوف عليهم يوجب ضمان العين و المنفعة إذا تلفت أو حدث فيها نقص أو عيب، سواء كانت وقفا على أشخاص أم على عنوان عام أو خاص، و كذلك غصب الأوقاف التي تفيد صرف المنفعة على الموقوف عليهم من غير تمليك في الموارد المذكورة، فإذا غصب الوقف منها غاصب كان ضامنا له و لمنفعته.

المسألة 14:

إذا كان الوقف وقف انتفاع لا وقف منفعة، كوقف المصاحف و كتب العلم و كتب الأدعية للقراءة فيها و الانتفاع منها، و وقف المدارس لينتفع الطلاب بسكناها، و وقف خانات المسافرين و الرباطات للفقراء و القناطر و الشوارع للعابرين، و غصبه غاصب أو أتلفه متلف أشكل الحكم بضمانه فلا يترك الاحتياط فيه.

المسألة 15:

إذا غصب المسجد غاصب فالظاهر انه لا ضمان عليه بذلك فلا يضمن عينه إذا تلفت بعد الغصب أو انهدمت جدرانه أو تصدعت و حدثت فيها‌

183

عيوب، و لا يضمن أجرته إذا سكن فيه أو اتخذه مخزنا لبعض أمواله أو موضعا لبعض أعماله.

المسألة 16:

يتحقق الغصب بالاستيلاء على العبد المملوك أو الأمة المملوكة أو الدابة المملوكة، و تترتب عليه جميع أحكامه و يكون الغاصب ضامنا للعين و لمنافعها، سواء استوفاها الغاصب أم لم يستوفها.

المسألة 17:

إذا لم يستول الإنسان على العبد المملوك و لم يضع يده عليه و لكنه منعه عن عمل خاص له أجرة من غير أن يستوفي منفعته، لم يضمن ذلك الإنسان عمله الفائت لعدم الغصب و ان كان آثما بمنعه عن الإتيان بالعمل، و الفارق في ضمان منفعة العبد في المسألة المتقدمة و عدم الضمان هنا، هو تحقق الغصب في تلك المسألة و عدمه هنا فلا التباس بين المسألتين.

و إذا كان العبد أجيرا على ذلك العمل فمنعه الرجل عن الإتيان به و فات العمل بسبب منعه على المستأجر ضمنه للمستأجر و قد تقدم نظيره في الحر في المسألة السادسة.

المسألة 18:

يلحق بالشي‌ء المغصوب في الحكم بضمانه على الغاصب الشي‌ء المقبوض بالعقد الفاسد فيكون مضمونا على القابض، فإذا كان البيع فاسدا، فالمبيع الذي يقبضه المشتري و الثمن الذي يأخذه البائع يكونان مضمونين عليهما إذا تلفا بعد القبض أو حدث فيهما عيب أو نقص، و إذا كانت الإجارة فاسدة فالعين المستأجرة التي يقبضها المستأجر، و الأجرة التي يقبضها المؤجر يكونان في ضمانهما كذلك، و إذا كان النكاح فاسدا فالمهر الذي تقبضه الزوجة يكون في ضمانها، سواء كان المتعاقدان عالمين بفساد العقد أم جاهلين به، و قد تعرضنا لبعض الفروض التي تتعلق بذلك في فصل شروط المتعاقدين من كتاب التجارة.

و يلحق بالشي‌ء المغصوب في الحكم بالضمان أيضا الشي‌ء الذي يقبض بالسوم قبل العقد، كالعين التي يقبضها الشخص المستام لينظر أوصافها‌

184

و يتعرف على خصائصها، فإذا وافقت رغبته اشتراها أو استأجرها فتكون العين في ضمانه إذا تلفت أو حدث فيها نقص أو عيب، و ان لم يكن غاصبا و لا آثما في قبضه للعين.

المسألة 19:

إذا غصب الإنسان أمه حاملة أو غصب أنثى من الحيوان المملوك حاملة دخل الحمل في الغصب و تعلقت به أحكام الغصب كما تعلقت بأمه و يكون الاستيلاء على أمه استيلاء عليه فيكون الغاصب ضامنا للحمل كما هو ضامن للحامل فإذا مات الجنين في بطنها أو أسقطته ميتا أو مات في الولادة أو هلك بعد الولادة أو سقط ناقصا أو معيبا كان الغاصب ضامنا له في جميع ذلك و يضمن الجنين و أمه إذا نقصا في الإجهاض معا أو الولادة أو تعيبا أو تلفا.

الفصل الثاني في أحكام الغصب

المسألة 20:

يجب على الغاصب رد العين التي غصبها الى مالكها إذا كانت موجودة، و ان كان ردها يكلفه بذل مال و تحمل مؤنة، كما إذا كان المالك في بلد آخر و كان نقل العين المغصوبة إليه يتوقف على صرف مقدار من المال، بل و ان استلزم رد العين ضررا شاقا على الغاصب، كما إذا كان قد جعل الحديد أو الخشب المغصوب أجزاء من سقف بيته أو أعمدة يقوم عليها بناؤه، فإذا أرادها المالك وجب على الغاصب إخراجها من البناء و إرجاعها اليه و ان أوجب ذلك خللا أو هدما لبنائه، فإنه قد تعمد كل ذلك بفعله و تصرفه عاديا بغير حق.

المسألة 21:

إذا أدخل الغاصب لوحا أو ألواحا مغصوبة في تعمير سفينته وجب عليه نزع اللوح أو الألواح من السفينة في الحال و إرجاعها إلى مالكها و ان أوجب ذلك خرق السفينة أو تحطيمها و إذا اتفق كونه في ذلك الحال في البحر و خاف من الغرق إذا هو نزع اللوح و خشي هلاك نفس محترمة‌

185

جاز له تأخير ذلك، فإذا ارتفع المحذور وجب عليه نزع المغصوب و رده الى صاحبه، و كذلك إذا خشي في البحر تلف مال محترم لغير الغاصب، و إذا كان المال للغاصب العامد ففي جواز التأخير إشكال.

و يجب رد الخيوط المغصوبة إذا خاط الغاصب بها الثوب و ألزمه المالك بنزعها فيجب عليه نزعها و ان فسد الثوب.

المسألة 22:

إذا أخرج الخشب أو الحديد المغصوب من البناء أو انتزع اللوح المغصوب من السفينة، أو الخيط من الثوب، فأوجب ذلك نقصا في تلك الأشياء المغصوبة لزم الغاصب ضمان أرشها، و إذا لم تبق لها قيمة بعد النزع وجب على الغاصب دفع بدلها الى المالك و كانت بحكم التالف فلا يحق للمالك أن يطالبه بالعين مع عوض المنفعة.

المسألة 23:

يجري حكم العين المغصوبة الآنف ذكره في المال المأخوذ بالمقامرة و المال المأخوذ اجرة على عمل محرم كالأجرة على الزنا أو على اللواط أو على عمل الخمر أو على حمله أو على خزنه أو على بيعه، فيجب رده الى صاحبه و ان دفعه اليه باختياره و كان شريكا في الكبيرة أو في العمل المحرم.

المسألة 24:

إذا استولى الغاصب على العين مدة و كانت ذات منفعة، وجب عليه رد العين على مالكها، و دفع بدل منفعتها تامة في تلك المدة، سواء كان قد استوفى المنفعة أم لم يستوفها فإذا هو غصب الدار مدة سنة، وجب عليه رد الدار، و دفع أجرة المثل لسكنى الدار في مدة السنة، و ان لم يسكن الدار في المدة أو سكنها في بعض المدة أو أسكنها غيره، و كذلك إذا غصب الحانوت أو غصب الأرض أو غصب السيارة، فعليه رد العين و دفع قيمة المثل لمنفعتها.

المسألة 25:

إذا كانت العين المغصوبة ذات منافع متعددة يمكن أن تستوفى منها،

186

وجب عليه رد العين، و وجب عليه دفع البدل عن المنفعة الشائعة المتعارفة بين الناس من منافع تلك العين، و لا يضمن أجرة المثل للمنافع الأخرى، و ان أمكن استيفاؤها من العين، فإذا غصب الدار وجب عليه رد الدار و دفع أجرة المثل عن سكناها خاصة، فإنها هي المنفعة المتعارفة لها و ان أمكن له ان يجعل الدار معملا أو مخزنا لبعض الأموال أو معرضا للبضائع، و إذا غصب السيارة وجب عليه ردها، و دفع أجرة المثل لركوبها في تلك المدة، إذا كان الركوب فيها هو المنفعة المتعارفة لمثلها، أو دفع اجرة المثل لحمل الأثقال و الأمتعة فيها إذا كانت تلك هي منفعتها الشائعة، و هكذا في بقية الأعيان ذات المنافع.

المسألة 26:

إذا كانت العين المغصوبة ذات منافع متعددة، و كانت منفعتها الشائعة المتعارفة متعددة أيضا، فإن كانت أجرة المثل لكل واحدة من منافعها المتعارفة متماثلة لا يزيد بعضها على بعض، كما إذا كانت السيارة المغصوبة تتخذ عادة للركوب و للحمل على السواء، و كانت أجرة المثل لكل منهما على السواء أيضا، فأجرة المثل لها عن ركوبها أو الحمل فيها هي خمس دنانير في اليوم الواحد مثلا، وجب على الغاصب رد العين و دفع تلك الأجرة الواحدة عن منفعتها عن كل يوم في مدة الغصب، و إذا كانت الأجرة مختلفة بين المنفعتين وجب عليه أن يدفع الأعلى من الأجرتين.

المسألة 27:

الظاهر أنه لا فرق في ترتب الأحكام التي بيناها بين أن يكون الغاصب قد استوفى بعض المنافع من العين أم لم يستوف منها شيئا، و لا بين أن يكون ما استوفاه من منافعها من المنافع المتعارفة أم من غيرها، الا أن يكون ما استوفاه أكثر أجرة من المنافع المتعارفة فيجب عليه دفع الأكثر.

المسألة 28:

إذا استولى الغاصب على السيارة، و وزع بعض أدواتها أو جميعها لينتفع بها في إصلاح سيارات أخرى، وجب عليه أن يرد أعيان الأدوات إلى مواضعها من السيارة المغصوبة ثم يرد السيارة تامة الأجزاء الى‌

187

مالكها، و إذا باع بعض الأدوات على غيره وجب عليه ان يسترد المبيع و لو بأكثر من ثمنه.

و يجب عليه أن يرد مع العين أجرة المثل لاستعمال تلك الأدوات الموزعة في جميع المدة، و إذا نقصت قيمة الأدوات باستعمالها وجب أن يرد معها أرشها و هو التفاوت ما بين قيمتها تامة و ناقصة، و إذا سقطت قيمتها لكثرة استعمالها لزمه ضمان قيمتها و لم يجب عليه رد نفس الأدوات المذكورة التي سقطت قيمتها، و كذلك إذا باع الأدوات و لم يمكنه استرداد عينها فعليه ضمان قيمتها.

و إذا سقطت قيمة السيارة المغصوبة بسبب توزيع أدواتها و لم يمكن له استردادها بإرجاع الأدوات إليها، ضمن قيمة السيارة تامة و ضمن منفعة استعمال ادواتها في تلك المدة.

المسألة 29:

إذا كان الشخص المغصوب منه كاملا غير محجور عليه، وجب على الغاصب رد العين المغصوبة و الغرامات التي تلحقه بسبب غصبها و غصب منافعها اليه أو الى وكيله الذي خوله حق القبض عنه و لا يجزيه أن يدفع ذلك الى غيرهما، و إذا كان صغيرا أو مجنونا أو محجورا عليه لسفه و نحوه دفع ذلك الى وليه، و لا يجزيه أن يدفعه الى الصغير نفسه أو المجنون أو السفيه، إلا إذا رضي الولي الشرعي بالدفع إليه.

المسألة 30:

إذا كان المغصوب منه نوعا من الأنواع لا شخصا من الأشخاص، كما إذا غصب الغاصب وقف منفعة للفقراء، أو غصب مال الزكاة أو الخمس بعد أن عزله المالك و قبل أن يدفعه الى المستحقين، وجب على الغاصب أن يرد المغصوب إلى المتولي الخاص على ذلك المال، فان لم يكن له متول خاص رده الى الحاكم الشرعي أو وكيله المنصوب لذلك، و لا يجزيه أن يدفعه إلى أفراد النوع المغصوب منه، فيدفع وقف الفقراء المغصوب الى بعض الفقراء مثلا، و يدفع مال الزكاة أو الخمس المغصوب الى بعض المستحقين.

188

المسألة 31:

إذا غصب الغاصب مسجدا أو شارعا موقوفا أو قنطرة موقوفة أو رباطا أو شبه ذلك مما يكون وقفه وقف انتفاع لا وقف منفعة، كفى في رد المغصوب أن يرفع الغاصب يده عن العين، و يتركها على حالها الذي وقفت عليه، و كذلك إذا غصب مدرسة كفاه ان يرفع يده عنها و يدعها للطلاب الذين يستحقون الانتفاع بالسكنى فيها، و الأحوط ان يرد المدرسة إلى المتولي الخاص عليها، فان لم يكن فالى الحاكم الشرعي، و يتأدى الاحتياط بأن يردها الى الساكنين في المدرسة قبل الغصب باذن المتولي الشرعي عليها.

المسألة 32:

إذا كان المالك و العين المغصوبة في بلد واحد، و كان هو البلد الذي وقع فيه الغصب وجب على الغاصب أن يرد العين على المالك في ذلك البلد، سواء كان هو بلد الغاصب أيضا أم لا.

و إذا كان المالك في بلد الغصب و كانت العين في بلد آخر، وجب على الغاصب أن ينقل العين الى المالك في بلد الغصب. و إذا كان المالك في بلد العين المغصوبة، و هو غير البلد الذي وقع فيه الغصب، جاز للمالك أن يخير الغاصب بين أن يرد اليه العين في ذلك البلد، و ان ينقلها الى بلد الغصب فيرد العين اليه هناك، و يلزمه بأحد هذين الأمرين.

و إذا كان المالك في غير بلد الغصب و غير بلد المال المغصوب، جاز للمالك أن يلزم الغاصب بتسليم المال إليه في بلد الغصب، و يشكل أن يلزمه بنقل المال المغصوب الى بلد المالك، إلا إذا توقف على ذلك صدق رد المغصوب، و مثال ذلك ما إذا كان المالك غريبا في البلد الذي وقع فيه الغصب ثم رجع الى وطنه، فان رد المغصوب انما يكون بدفعه الى مالكه، و بدون ذلك لا يتحقق للغاصب معنى أداء ما أخذت يده الذي دل عليه دليل الضمان.

المسألة 33:

إذا حدث في العين المغصوبة نقص أو عيب لزم على الغاصب رد العين الناقصة أو المعيبة على مالكها، و لزمه مع ذلك أن يدفع له أرش النقصان‌

189

أو العيب الطاري عليها، و المراد بالأرش هو التفاوت الحاصل ما بين قيمة العين و هي صحيحة و قيمتها و هي ناقصة أو معيبة، و لا يحق للمالك أن يلزم الغاصب بأخذ العين الناقصة و يدفع له قيمتها صحيحة تامة.

و لا فرق في هذا الحكم بين أن يكون العيب الحاصل في العين مستقرا، كما إذا كسرت رجل الدابة أو قطع بعض أعضائها، و أن يكون مما يتزايد و يسري، كما إذا تعفنت الحنطة المغصوبة، فإن التعفن فيها قد يتزايد حتى يتلف المال، و كالجرح العميق في العبد أو الدابة المغصوبة، فإن مثل هذا الجرح قد يسري حتى يأتي على حياة العبد أو الدابة.

و المرجع في ذلك الى أهل الخبرة و التمييز في هذه الأمور، فإذا عدوا العين معيبة لزم الغاصب رد العين مع دفع الأرش الآنف ذكره، و إذا عدوها تالفة لزمه دفع قيمة المغصوب صحيحا إذا كان قيميا، و مثله إذا كان مثليا.

المسألة 34:

إذا كانت العين المغصوبة موجودة غير ناقصة و لا معيبة، و حدث هبوط في قيمتها في السوق أجزأ الغاصب أن يرد العين نفسها على المالك و لم يضمن نقصان قيمتها في السوق إذا لم يكن النقصان ناشئا عن طول استعمال العين و استهلاك طاقتها وجدتها.

المسألة 35:

إذا تلفت العين المغصوبة قبل أن يردها الغاصب الى مالكها لزمه ضمان العين التالفة، بأن يدفع للمالك مثلها إذا كانت العين مثلية و يدفع له قيمتها إذا كانت قيمية، و كذلك العين المقبوضة بالعقد الفاسد و المقبوضة بالسوم كما بينا في المسألة الثامنة عشرة.

و المراد بالمثلي ما تساوت أجزاؤه في الصفات التي يطلبها الناس من ذلك الجنس و الخصائص التي يرغبون فيها، و كان ذلك سببا لتساوي اجزائه في القيمة كالحبوب و الأدهان و العقاقير و أمثالها، و منه ما تنتجه المصانع و المعامل الحديثة من أشياء و أدوات و أجهزة و أثاث و أقمشة لتقاربها في الصفات كذلك و القيمي هو ما لا تتساوى أجزاؤه في القيمة لعدم تساويها في الصفات و الخصائص كالأراضي و العقارات و الحيوان‌

190

و أمثالها، و قد ذكرنا ذلك في المسألة التاسعة و التسعين من كتاب التجارة و في موارد متعددة أخرى فليرجع إليها.

المسألة 36:

المعيار الذي ذكرناه هنا و في المواضع السابقة للمثلي انما يجري بلحاظ الأصناف من الجنس الواحد، فتساوي الأجزاء في الصفات و في القيمة انما هو بلحاظ كل صنف على انفراده من أصناف الجنس، لا بين الصنف و الصنف الآخر منه، فنحن نحكم بأن الحنطة من المثلي لأن كل صنف واحد منها يكون متساوي الأجزاء في الصفات المطلوبة و في القيمة كما بينا، و قد يحصل اختلاف بين أفراد الصنف الواحد و لكنه اختلاف يسير لا ينظر اليه، و لا يضر بصدق المعيار المذكور، و اما الاختلاف بين الصنفين من الجنس الواحد في صفاتهما و في قيمتهما، فهو واضح، و ليس من محل الكلام في الفارق المذكور و كذلك الحال في الأرز و العدس و السمسم و غيرها من الحبوب و سائر المثليات.

المسألة 37:

إذا تلفت العين المغصوبة و كانت من المثليات، وجب على الغاصب دفع مثلها للمالك كما بيناه، فإذا أعوز وجود المثل وجب عليه أن يدفع له قيمة المثل، و إذا اختلفت قيمة المثل في السوق وجب عليه أن يدفع قيمة المثل في يوم أداء القيمة، فإذا كان الغاصب ضامنا للمالك عن عينه التالفة منا من الحنطة، و تعذر وجود الحنطة، وجب عليه أن يؤدي له قيمة المن الذي في ذمته يوم دفع القيمة، سواء كانت قيمته قبل ذلك أقل منها أم أكثر.

المسألة 38:

إعواز وجود المثل الذي يحكم معه بوجوب دفع القيمة بدلا عنه، هو عدم وجود المثل في البلد و في ما حوله مما ينقل منه الى البلد بحسب العادة، فإذا فقد المثل كذلك انتقل الضمان إلى القيمة.

المسألة 39:

إذا أعوز وجود المثل مدة ثم وجد بعد ذلك، فان كان الغاصب قد‌

191

دفع القيمة بعد تحقق الإعواز أجزأه ما دفع و برئت ذمته من الضمان، و ان لم يدفع القيمة بعد وجب عليه أن يدفع المثل و لم تجزه القيمة.

المسألة 40:

إذا وجد المثل بأزيد من ثمن المثل، وجب على الغاصب شراؤه و دفعه للمغصوب منه و ان لزم منه الحرج، فان الحرج لا يسقط حق الغير.

المسألة 41:

إذا وجب على الغاصب أن يدفع المثل و كان موجودا أجزأ الغاصب أن يدفعه للمالك و ان هبطت قيمته السوقية عن قيمته السابقة، فلا يحق للمالك ان يطالب الغاصب بالقيمة الأولى، و لا يحق له أن يأخذ منه المثل و يطالبه بنقصان القيمة، و لا يحق له أن يمتنع عن أخذ المثل بالفعل ليبقى في ذمة الغاصب الى ان ترتفع قيمته، إلا إذا رضي الغاصب بذلك.

المسألة 42:

إذا وجب على الغاصب أن يدفع للمغصوب منه مثل العين المغصوبة ثم سقط المثل عن المالية لبعض الطواري أو الحالات، لم يكف الغاصب أن يدفع المثل في تلك الحال، و لم تبرأ ذمته من الضمان بدفعه و هو ساقط القيمة، إذا لم يرض به المالك.

و من أمثلة ذلك: أن يغصب الغاصب من المالك ثلجا في شدة الحاجة إليه من أيام الحر في الأمكنة الحارة و يريد أن يدفع اليه مثل الثلج المغصوب في أيام شدة البرد و عدم القيمة له، أو يغصب منه قربة من الماء في أيام الصيف و في مكان يعز فيه وجود الماء، و يريد أن يدفع اليه مثل تلك القربة في مكان تكثر فيه الأنهار و العيون المتفجرة بالمياه العذبة، فلا يكفيه ذلك إذا دفعه اليه، و يحق للمالك أن يطالب الغاصب بالفعل بقيمة المغصوب، و يجوز له ان ينتظر الى زمان أو مكان يكون فيه المثل ذا قيمة فيطالبه به.

و إذا طالب الغاصب بالقيمة فعلا، فهل تراعى قيمة المغصوب في زمان تلف المغصوب و مكانه إذا كان تالفا، و آخر أزمنة وجود المالية له و آخر أمكنتها إذا كان باقيا كما هو غير بعيد، أو تراعى قيمة‌

192

المغصوب في زمان الغصب و مكانه كما يراه جماعة من الأعيان؟ لا يترك الاحتياط بالتصالح لإشكال الحكم في المسألة.

المسألة 43:

إذا تلفت العين المغصوبة و كانت من القيميات، لزم الغاصب ان يدفع قيمة العين للمالك فإذا كانت قيمتها متفاوتة في السوق وجب عليه أن يدفع له قيمتها في يوم تلفها.

المسألة 44:

إذا اختلفت أحوال العين في مدة الغصب، فسمنت الدابة مثلا في بعض الأيام، و هزلت في بعضها و كان ذلك سببا في اختلاف قيمتها، فكانت قيمة الدابة في أيام هزالها عشرين دينارا مثلا، و أصبحت في أيام سمنها ثلاثين دينارا، فإذا تلفت بعد ذلك ضمن الغاصب أعلى القيمتين، سواء كانت أيام السمن متقدمة على أيام الهزال أم متأخرة عنها، و كذلك الحكم في البستان أو الضيعة، فزاد نموها في بعض الأوقات و ضعف في بعضها، و كانت قيمتها في أيام زهرتها خمسمائة و عند ضعف نموها ثلاثمائة، ثم تلفت، فيكون الغاصب ضامنا لقيمتها في أحسن أحوالها.

المسألة 45:

إذا كانت قيمة العين في يوم غصبها مساوية لقيمتها في يوم تلفها، و لكن قيمتها في ما بينهما زادت لزيادة سمن الدابة و نمو الشجر في الفترة ما بين الوقتين، ثم عادت الى حالتها الأولى فإذا تلفت بعد ذلك ضمن الغاصب أعلى القيمتين و لم ينظر الى يوم التلف.

المسألة 46:

إذا كانت قيمة العين المغصوبة و هي في بلد الغصب عشرة دنانير ثم نقلت الى بلد آخر، فكانت قيمتها فيه خمسة عشر دينارا، و تلفت فيه، فلا يترك الاحتياط بالتصالح عن القيمة.

المسألة 47:

إذا تعذر على الغاصب تسليم العين المغصوبة لمالكها تعذرا عاديا،

193

وجب على الغاصب أن يدفع له بدلها مثلها أو قيمتها، و المراد بالتعذر العادي أن يحكم أهل العرف بامتناع وقوع التسليم بمقتضى العادات المتعارفة بينهم و ان لم يكن ذلك مستحيلا عقلا.

و يسمى البدل الذي يدفعه الغاصب في هذا الحال بدل الحيلولة، و يكون هذا البدل المدفوع ملكا للمغصوب منه ما دامت هذه الحال، مع ان العين المغصوبة لا تزال في ملكه أيضا. و إذا اتفق ان تبدلت الحال المتعارفة فتمكن الغاصب من العين المغصوبة و ردها الى المغصوب منه استرجع منه البدل الذي دفعه اليه و من أمثلة ذلك أن تسرق العين المغصوبة أو تغرق، أو يأبق العبد المغصوب أو تشرد الدابة، فلا يستطيع الغاصب ان يرد العين على المالك بمقتضى حكم العادة و يجري فيها الحكم الآنف ذكره.

المسألة 48:

يملك المغصوب منه البدل الذي يدفعه له الغاصب عند الحيلولة بينه و بين العين المغصوبة بما ذكر من سرقة أو غرق أو إباق أو شرود دابة و نحو ذلك، فلا يتمكن بسبب هذا الحائل من رد العين الى مالكها، و إذا ملك البدل المدفوع له ملك منافعه و نمائه الذي يتجدد ما دام الحائل موجودا و ما دام رد العين المغصوبة عليه ممتنعا، فإذا تمكن الغاصب و رد العين، استرد البدل من المالك، و لم يسترد معه المنافع و النماءات التي تجددت له في الفترة المذكورة لأنها ملك المالك.

و يسترد الغاصب مع البدل نماءه المتصل، فإذا كان البدل دابة و سمنت في تلك الفترة أو كان شجرة فنمت و زاد ارتفاعها فان هذا النماء تابع لعين البدل، فإذا استرده الغاصب بعد دفع العين المغصوبة استرد معه هذه النماءات المتصلة التابعة له.

و اما نماء العين المغصوبة و منافعها التي تتجدد في مدة الحيلولة سواء كانت متصلة أم منفصلة فهي ملك المالك تبعا للعين، فتكون مضمونة على الغاصب إذا تلفت قبل أن يقبضها المالك، و لكن الغاصب لا يضمن منافع العين غير المستوفاة في تلك المدة على الأقوى.

194

المسألة 49:

إذا لزم الغاصب أن يدفع للمالك قيمة العين، وجب أن تكون القيمة بالنقد الذي تجري به المعاملات في البلد من الذهب و الفضة المسكوكين بسكة المعاملة و ما يجري مجراهما من المسكوكات الأخرى و من العملة الورقية المتداولة في البلد، سواء كانت العين المغصوبة من القيميات أو من المثليات و قد لزمته القيمة لتعذر وجود المثل، و كذلك في جميع الضمانات و الغرامات التي تلزم الإنسان فلا يصح للضامن دفع غيرها إلا بالتراضي به عوضا عن النقد الآنف ذكره و يقيسه الطرفان إليه.

المسألة 50:

النحاس و الرصاص و الحديد، و النيكل و الشبه و سائر الفلزات و المعادن المنطبعة، كلها من المثليات، فإذا غصبت فهي مضمونة بمثلها، و إذا تعذر وجود المثل ضمنت بقيمة المثل كما ذكرنا في حكم المثليات، و يراد بالمنطبعة أنها قابلة للطرق و التمديد، و يقابلها غير المنطبعة منها كالياقوت و الزمرد و الفيروزج، و هذه من القيميات.

المسألة 51:

الذهب و الفضة مثليان كما ذكرنا في المعادن المنطبعة، سواء كانا مسكوكين أم غير مسكوكين فيضمنان بالمثل، و إذا أعوز المثل ضمنا بالقيمة في يوم الأداء، و إذا أعوز المثل في الفضة و قومت بالذهب أو بغير الذهب و الفضة من المسكوكات أو بالأوراق النقدية صح و لم يكن فيه اشكال، و كذلك إذا أعوز المثل في الذهب فقوم بغير الذهب، فيصح من غير اشكال، و إذا قوم الذهب بالذهب أو قومت الفضة بالفضة، و كان العوض و المعوض متساويين في الوزن صح كذلك و لم يكن فيه اشكال، و إذا قوم أحدهما بجنسه، مع التفاوت في الوزن بين العوض و المعوض أشكل الحكم بالصحة لاحتمال طروء الربا في هذا الفرض و لذلك فلا يترك الاحتياط بأن يكون التقويم بغير الجنس، و إذا كان التقويم بالجنس روعي أن يكون العوضان متساويين في الوزن لتسلم المعاملة من شبهة الربا.

195

المسألة 52:

إذا تعاقبت الأيدي العادية على المال المغصوب، فغصبه الغاصب الأول من المالك ثم غصبه الغاصب الثاني من الأول و الثالث من الثاني، تعلقت أحكام الغصب بالغاصبين جميعا، فإذا كانت العين المغصوبة موجودة و ردها بعضهم الى المالك تحقق امتثال الحكم منه، و سقط الحكم بوجوب الرد عن الباقين منهم.

و إذا تلفت العين المغصوبة، ضمنوا جميعا للمالك، و جاز للمالك أن يرجع عليهم بمثلها إذا كانت مثلية و بقيمتها إذا كانت قيمية، و تخير بين أن يرجع بالبدل على بعضهم و على جميعهم بالتوزيع بالتساوي أو بالتفاوت كما يشاء.

فإذا رجع المالك على الغاصب الأخير و هو الذي تلفت العين المغصوبة في يده لم يرجع هذا على من قبله بل يستقر عليه الضمان، و إذا رجع على من قبل الأخير بالجميع أو بالتوزيع صح لهذا أن يرجع بما غرمه للمالك على الأخير الذي تلف بيده المال و يصح له أن يرجع به على الغاصب الذي يليه و إذا رجع الى من يليه جاز لهذا ان يرجع الى الغاصب بعده حتى يستقر ضمان الجميع على الأخير.

و كذلك إذا ترتبت الأيدي على الغصب و ان لم يغصب الثاني من الأول كما إذا وهب الأول الثاني العين المغصوبة أو باعه إياها أو نقلها إليه بصورة أخرى، و يجري الحكم المذكور في ما يلحق بالغصب و ان لم يكن غصبا محرما كالمقبوض بالسوم و المقبوض بالعقد الفاسد.

المسألة 53:

قد تكون المادة التي تتخذ منها العين من المثليات، و يدخل عليها أثر عمل أو صنعة فتصبح بسبب ذلك الأثر الطاري عليها من القيميات كالثياب الجاهزة التي تستورد من الخارج و بعض ما يصنع منها في الداخل، فهي بسبب التجهيز و الأثر الداخل عليها تعد من القيميات و الظاهر أن الناس لا يختلفون في ذلك.

و قد تصبح العين بسبب ذلك موضع شك و تردد كالأواني التي تتخذ من النحاس أو المعدنيات الأخرى إذا كانت الآثار التي تدخل عليها من‌

196

الصناعات اليدوية و الأعمال الشخصية، و كالحلي الذي يتخذ من الذهب و الفضة، فهل تكون العين مركبة من المثلي و القيمي فتضمن المادة بالمثل و تضمن الهيئة التي أدخلت عليها بالقيمة، أو يعد المجموع من المادة و الهيئة فيها قيميا فتضمن كذلك؟ و الظاهر الرجوع في استيضاح أمرها إلى ثقات أهل الخبرة في ذلك، و أما الأواني و الظروف و الأدوات و الثياب و نحوها التي تنتجها المصانع الحديثة متشابهة في الصفات و متقاربة في القيمة فقد تقدم هنا و في أمكنة أخرى انها تعد من المثليات.

المسألة 54:

إذا غصب الإنسان شيئا مثليا أو قيميا و عليه أثر صناعة أو فن تزيد في ماليته، فأفسد الغاصب الهيئة أو الفن الموجود فيه، و بقيت العين خالية من ذلك، وجب على الغاصب ان يرد على المالك العين الموجودة و ضمن له قيمة الهيئة التي أتلفها و اثر الفن الذي أفسده، و مثال ذلك: أن يغصب حليا مصوغا من الذهب أو من الفضة فأتلف الغاصب صياغته أو غصب آنية أو شيئا من المعدنيات، و عليهما أثر من الفن و التزويق الذي يوجب الرغبة و الزيادة في قيمتهما، فأفسد الغاصب ما فيهما من أثر و صنعة، وجب على الغاصب ان يرد للمالك العين و عليه ضمان ما أتلف و أفسد، و لا يحق لمالك العين ان يلزم الغاصب بأن يعيد الهيئة أو أثر الفن و الصنعة التي أفسدها، و لا يجب على المالك القبول من الغاصب إذا بذل له ذلك و التزم أن يعيد الهيئة و الأثر كما سبق.

المسألة 55:

إذا غصب الإنسان شيئا من آلات اللهو أو الأصنام أو الصلبان أو غيرها من الأشياء المحرمة غير المحترمة في الإسلام و تلفت لم يضمن الغاصب هيئتها و صورتها التي بها تكون آلة للهو و موضعا للعبادة المحرمة و مدارا للحكم بالتحريم في الشريعة، و يجب عليه أن يرد المادة خالية من الصناعة المحرمة إذا كانت المادة موجودة، و إذا كان قد أتلف الجميع ضمن مثل المادة وحدها إذا كانت مثلية و ضمن قيمتها إذا كانت قيمية.

197

المسألة 56:

تقدم منا في فصل الأواني من كتاب الطهارة، و في المسألة الرابعة عشرة من كتاب التجارة: انه يجوز للإنسان أن يقتني آنية الذهب و الفضة إذا لم يكن الاقتناء للاستعمال أو الانتفاع بها، أو ليجعلها متاعا معدا للانتفاع به و ان لم يستعملها بالفعل، بل كان اقتناؤها لحفظها أو حفظ المالية بهذه الصورة و نحو ذلك من الغايات المحللة، و نتيجة لذلك، فلا تكون الصناعة فيها محرمة و غير محترمة إذا كانت للغايات المباحة، فإذا أتلفها الغاصب كان ضامنا لها، و لا يعمها الحكم المذكور في المسألة المتقدمة.

المسألة 57:

يضمن الغاصب نقص العين المغصوبة و عيبها إذا حدث أحدهما بعد الغصب، فيضمن أرش النقص و العيب و قد تقدم ذكر هذا.

المسألة 58:

إذا زاد الغاصب في العين المغصوبة شيئا بعد ما غصبها و استولى عليها، فقد تكون الزيادة أثرا خالصا و لا عين فيه، كما إذا غزل القطن أو الصوف أو الوبر الذي غصبه، و كما إذا خاط الثوب أو العباءة التي غصبها بخيوط مملوكة له، و كما إذا مرن الفرس التي غصبها، و عودها على الخصال الممدوحة في الخيل عند العدو و الوقوف و خفة الحركة و الانتباه للاشارات في المسابقة، و قد تكون الزيادة عينا خالصة كما إذا غصب أرضا فارغة فغرسها نخيلا و شجرا و شق فيها نهرا أو استنبط فيها بئرا، و قد تكون الزيادة التي جعلها في العين أثرا و عينا مشوبين، فصبغ السيارة التي غصبها أو الثوب الذي غصبه، و لكل من هذه التصرفات أثره و أحكامه عند رد العين المغصوبة كما سيأتي بيانه في المسائل الآتي ذكرها، فلتلاحظ.

المسألة 59:

إذا زاد الغاصب في العين و كانت زيادته فيها أثرا محضا و مثال ذلك ان يعلم العبد المغصوب القراءة و الكتابة أو يعلمه صنعة منتجة، أو‌

198

يطحن الحنطة المغصوبة أو يصوغ الفضة أو الذهب المغصوب، أو ينسج الغزل المغصوب.

و إذا كانت العين موجودة و لم تتلف، وجب على الغاصب ردها الى مالكها و لا يستحق الغاصب على المالك شيئا للزيادة التي عملها في العين، و لا يستحق على عمله فيها أجرة، و لا يجوز له أن يبدل العين المغصوبة فيدفع للمالك مثلها خاليا من الزيادة إذا كانت موجودة كما هو الفرض، و لا يجوز له أن يزيل الأثر الذي عمله في العين، كما إذا أراد أن يزيل الصياغة من الفضة أو الذهب المغصوب و يعيدهما سبيكتين كما غصبهما و يجوز للمالك ان يلزم الغاصب بذلك إذا كان ممكنا، و كان له فيه غرض يقصده العقلاء، فإذا ألزمه المالك بذلك و فعله لم يضمن له قيمة الصنعة، و إذا حدث في العين بسبب ذلك نقص أو عيب ضمن للمالك أرشه.

المسألة 60:

إذا غصب الغاصب الأرض فزرعها أو غرسها شجرا أو نخيلا، و كان الحب الذي زرعه، و الفسيل و الودي الذي غرسه مملوكا للغاصب، فالزرع و الغرس و النماء جميعه للغاصب، و تجب عليه أجرة المثل للأرض ما دام الزرع و الغرس فيها، و يجب على الغاصب ازالة زرعه و غرسه من الأرض إذا لم يرض المالك ببقائه فيها، و ان دخل الضرر على الغاصب بإزالته، و إذا رضي المالك ببقاء زرع الغاصب و غرسه في الأرض مجانا جاز له إبقاؤه، و كذلك إذا رضي ببقائه مع الأجرة فيتراضيان على تعيين المدة و مقدار الأجرة، و إذا بذل الغاصب أجرة الأرض ليبقى زرعه و غرسه فيها الى أن يدرك لم يجب على المالك القبول و كذلك إذا بذل له قيمة الأرض ليشتريها منه فلا يجب عليه القبول، و إذا رغب المالك ان يشتري الزرع و الغرس من الغاصب فبذل له قيمته لم تجب على الغاصب اجابته الى ذلك.

و إذا أزال الغاصب زرعه و غرسه من الأرض وجب عليه طم حفرها و ان يدفع للمالك أرش نقصها الذي يحدث فيها بسبب فعله.

199

المسألة 61:

إذا غصب الغاصب الأرض و بنى فيها بناء و كانت مادة البناء و حجارته و اجزاؤه ملكا للغاصب نفسه جرى فيها جميع الأحكام المتقدمة في الزرع و الغرس، فالبناء و نتاجه ملك للغاصب، و تلزمه أجرة المثل للأرض ما دام البناء موجودا عليها، و تجب على الغاصب ازالة البناء من الأرض الا إذا رضي المالك ببقائه مع الأجرة أو بدونها حسب ما يتراضيان عليه، و هكذا في جميع الأحكام و الآثار التي ذكرناها في المسألة المتقدمة.

المسألة 62:

إذا حفر الغاصب في الأرض المغصوبة بئرا أو شق فيها نهرا، فان طلب المالك منه ان يطم البئر أو النهر لغرض من الأغراض المقصودة، كما إذا أراد أن يبني فيها عمارة، وجب عليه ذلك و لزمه ان يطم الأرض و يساوي الحفر، و إذا لم يطلب المالك ذلك لم يجز له طم البئر و النهر سواء منعه المالك عن ذلك أم لم يمنعه، و لم يطلب منه إزالتهما.

المسألة 63:

إذا غرس الغاصب في الأرض المغصوبة غرسا أو زرع فيها زرعا أو بنى فيها بناء و كان الودي و الفسيل الذي غرسه فيها و الحب الذي زرعه و أجزاء البناء الذي اقامه ملكا لمالك الأرض، فجميع الغرس و الزرع و البناء الذي أحدثه في الأرض يكون للمالك و لا يحق للغاصب أن يزيل منه شيئا أو يطالب مالك الأرض عنه بأجرة عمل، و يجوز لمالك الأرض أن يلزمه بإزالة ما أحدث في الأرض إذا كان له من ذلك غرض يقصده العقلاء، فإذا ألزمه بذلك وجب على الغاصب أن يزيله و إذا حدث بسببه نقص في الأرض لزم الغاصب دفع أرش الأرض و وجب عليه طم حفرها.

المسألة 64:

قد تكون الزيادة التي يزيدها الغاصب في العين أثرا مشوبا بعين، و قد شاع التمثيل بين الفقهاء لهذه الصورة بما إذا غصب ثوبا ثم صبغه بصبغ يملكه الغاصب، و هذا المثال قد يصعب تطبيقه على بعض الفروض‌

200

التي يدور الحديث عليها في المسألة، و كذلك إذا مثل له بما إذا غصب سيارة ثم صبغها، أو غصب دارا ثم صبغها بصبغ يملكه، و الأمر سهل في المثال بعد وضوح المراد.

و إذا غصب العين ثم صبغها كما في المثال، فقد يكون من الممكن للغاصب أن يزيل الصبغ عن الثوب أو السيارة أو الدار المغصوبة، بحيث تبقى العين خالية من الصبغ، و يبقى الصبغ عينا متمولة بعد ازالته عن العين المغصوبة، فإذا أمكن ذلك، جاز للغاصب أن يفعله، و لا يحق لمالك العين أن يمنعه من فعله، و يجوز لمالك العين أن يلزم الغاصب بفعله فيختص كل واحد منهما بما يملك، و إذا أزال الغاصب الصبغ عن العين المغصوبة فأوجب ذلك حدوث نقص فيها كان الغاصب ضامنا للنقص فيجب عليه دفع أرشه سواء كان فعله باختياره هو أم بطلب من مالك العين.

و إذا طلب مالك العين من الغاصب أن يملكه الصبغ ليكون المجموع له لم تجب على الغاصب اجابته الى طلبه، و كذلك إذا طلب الغاصب من المالك أن يملكه العين فبذل له قيمتها لم تجب على المالك إجابته.

المسألة 65:

إذا لم يمكن للغاصب أن يزيل الصبغ عن العين، و كانت للصبغ عين متمولة و هو في هذا الحال، كان مالك العين و مالك الصبغ شريكين في العين المصبوغة بنسبة القيمة، فإذا كانت قيمة العين و قيمة الصبغ متساويتين كانا شريكين بالمناصفة، و إذا كانت القيمتان متفاوتتين كان كل واحد شريكا في المجموع بنسبة قيمة ماله، فإذا كانت قيمة الثوب وحده عشرة دنانير و قيمة الصبغ وحده خمسة دنانير فلمالك الصبغ الثلث من المجموع و لمالك الثوب الثلثان، و هكذا في الزيادة و النقيصة. و إذا حدث نقص في قيمة العين بسبب الصبغ أو بسبب آخر كان الغاصب ضامنا للنقص، و لا يضمنه إذا كان النقص بسبب هبوط القيمة في السوق.

و كذلك الحكم إذا أمكنت إزالة الصبغ و لكنهما تراضيا على بقاء‌

201

الاشتراك بينهما فيكونان شريكين بنسبة القيمة على نهج ما تقدم بيانه و تفصيله في المسألة.

المسألة 66:

إذا صبغ العين التي غصبها بصبغ مغصوب أيضا، و كانت للصبغ عين متمولة في قبال العين المغصوبة كما فرضنا في المسألة السابقة، و لم تمكن الإزالة حصلت الشركة بين مالك العين و مالك الصبغ بنسبة قيمة ماليهما على نهج ما سبق، و إذا طرأ على أحدهما نقص بسبب فعل الغاصب كان الغاصب ضامنا لأرشه، و إذا طرأ النقص عليهما معا ضمن الغاصب لكل واحد منهما النقص الذي ورد على العين التي يملكها بالسوية إذا كان النقص متساويا و بالنسبة إذا كان متفاوتا.

المسألة 67:

إذا غصب الرجل شيئا مثليا فخلطه بجنسه مما يملك حتى فقد التمييز بينهما و كان المالان متماثلين في الصفات و في الجودة و الرداءة، كان الغاصب مع المالك شريكين في مجموع المال بنسبة مقدار كل واحد من المالين الى المجموع، و جرت عليه أحكام المال المشترك، و لا يكون الغاصب ضامنا لمثل المال المغصوب أو قيمته، و لا يجوز له التصرف في المجموع الا برضى المالك، و يجب عليه تسليم المال المشترك ليفرز بينه و بين شريكه برضاهما و يقسم عليهما بنسبة ماليهما، أو ليباع المجموع و يأخذ كل واحد منهما حصته من الثمن بتلك النسبة، و يتخيران في ذلك.

المسألة 68:

إذا غصب الرجل شيئا مثليا و خلطه بشي‌ء من جنسه مما يملك حتى ارتفع التمييز بين المالين كما ذكرنا في الفرض المتقدم، و كان المال المغصوب أجود من ماله الذي خلطه به، كان الغاصب مع المالك شريكين في مجموع المال بنسبة مقدار المالين كما سبق، فإذا خلط منا مغصوبا من الحنطة بمن من الحنطة يملكه فهما شريكان بالمناصفة في مجموع المال، و إذا خلطه بمنين مما يملكه فهما شريكان بالمثالثة و يكون لصاحب العين المغصوبة ثلث المجموع و للغاصب الثلثان منه، و إذا أرادا تقسيم المال أو أرادا بيعه لزم أن يكون التقسيم و البيع بنسبة القيمة، فإذا‌

202

كانت قيمة المن المغصوب عشرة دنانير لأنه أجود و كانت قيمة المن الذي يملكه خمسة دنانير كانت الشركة بينهما بالمناصفة لتساوي المالين في المقدار و لزم أن يكون التقسيم بينهما بالمثالثة، فيجعل لمالك المن المغصوب سهمان من المجموع لأنه يملك ثلثي القيمة و يجعل للغاصب سهم واحد منه، لأنه يملك ثلث القيمة، و كذلك إذا باعا مجموع المال، فيكون للأول ثلثا الثمن و للثاني ثلثه.

و الأحوط في الفرض و في جميع نظائره مما يختلط فيه المالان و هما من جنس واحد مما يكال أو يوزن، و يكونان مختلفي القيمة أن يختار البيع و تقسيم الثمن بحسب القيمة تخلصا من شبهة الربا، و ان كان الأقوى عدم جريان أحكام الربا في القسمة كما ذكرناه في المسألة الخامسة و الثلاثين من كتاب الشركة.

المسألة 69:

إذا غصب الشي‌ء المثلي و خلطه بمثله مما يملك حتى فقد التمييز بين المالين، و كان المال المغصوب أردأ من ماله الذي خلطه به كان المالك و الغاصب شريكين في المال الممتزج و جرت فيه الأحكام التي ذكرناها في المسألة الثامنة و الستين سواء بسواء و لا حاجة الى التكرار.

المسألة 70:

إذا غصب الرجل الشي‌ء و مزجه بغير جنسه حتى عد المال المغصوب تالفا في نظر أهل العرف، و مثال ذلك أن يمزج ماء الورد المغصوب بالماء المطلق حتى يصبح المجموع ماء مطلقا، أو يمزجه بزيت أو خل أو نحوهما مما لا يبقى معه لماء الورد عين و لا خصوصيته في نظر الناس، فيكون الغاصب ضامنا للعين المغصوبة بمثلها إذا كانت مثلية و بقيمتها إذا كانت قيمية.

و إذا مزجه بجنس آخر و لم يعد تالفا في نظر أهل العرف، بل يعدونه مالا ممتزجا بغيره، جرى فيه الحكم المتقدم في خلط الشي‌ء بما هو أجود منه أو أردأ، فيكون الغاصب و المالك شريكين في العين بنسبة مقدار ما لأحدهما من المال الى مجموع المالين، و إذا أرادا القسمة أو أرادا بيع‌

203

المال كانت القسمة بنسبة قيمة كل واحد من المالين إلى قيمة مجموعهما كما فصلناه في المسألتين السابقتين.

المسألة 71:

إذا خلط الغاصب المال المغصوب بمال آخر هو أجود منه أو أردأ، أو خلطه بمال من جنس آخر فكان هذا الخلط سببا لنقص قيمة المال المغصوب عن قيمته قبل الخلط، كان الغاصب ضامنا لهذا النقص، فإذا قسم المال أو بيع، أخذ المالك مقدار قيمة ماله المغصوب قبل خلطه و كان الباقي للغاصب.

المسألة 72:

منافع العين المغصوبة كلها و نماءاتها و فوائدها مملوكة لمالك العين من غير فرق بين ما كان موجودا منها قبل الغصب و ما تجدد بعده، و الغاصب ضامن لها جميعا، من غير فرق بين الأعيان منها كالولد و الثمر و اللبن و الزبد و الصوف و الشعر و الوبر، و المنافع كركوب السيارة و الفرس و الدابة و الحمل عليها، و منافع الدار و العقار و الضيعة و البستان و فوائدها التي تحصل من إجارتها و غيرها، و كل صفة تزيد بسبب وجودها قيمة العين المغصوبة، فإذا وجدت الصفة بعد الغصب ثم فقدت فكان زوالها موجبا لنقصان قيمة العين بعد زيادتها، فهي مضمونة على الغاصب و ان كانت قيمة العين حين الرد مساوية لقيمتها حين الغصب.

المسألة 73:

إذا غصب عبدا مملوكا فعلمه بعد الغصب صنعة زادت لها قيمة العبد، ثم نسي العبد الصنعة فهبطت قيمته كان الغاصب ضامنا لتلك الزيادة المفقودة، فإذا تعلم العبد تلك الصنعة مرة ثانية فزادت قيمته، فلا ضمان على الغاصب للزيادة الأولى بعد رجوع الصفة و القيمة الى ما كانت، الا أن تنقص قيمته الثانية عن قيمته الأولى، فيكون الغاصب ضامنا للتفاوت الذي حصل بين القيمتين، و كذلك الحكم إذا سمنت الدابة فزادت قيمتها، ثم هزلت فنقصت القيمة كان الغاصب ضامنا لتلك القيمة، و إذا عاد لها سمنها و عادت قيمتها، فلا ضمان عليه‌

204

لقيمتها الأولى، إلا إذا قلت قيمتها في المرة الثانية، عن قيمتها الأولى فيكون ضامنا للتفاوت.

المسألة 74:

إذا حصلت في العين المغصوبة صفة فزادت لذلك قيمتها، ثم فقدت تلك الصفة، فنقصت القيمة، ثم تجددت في العين صفة أخرى زادت لها قيمة العين مرة ثانية لم يزل عن الغاصب ضمان القيمة الأولى بتجدد الصفة و القيمة الثانية.

و مثال ذلك: أن يتعلم العبد صنعة أو لغة فتزيد لذلك قيمته، ثم ينسى الصنعة فتهبط قيمته لذلك و يكون الغاصب ضامنا لتلك الزيادة، فإذا تعلم العبد صنعة ثانية و رجعت قيمته أو زادت عن الأولى فلا يزول بذلك ضمان الغاصب للزيادة الأولى، و من أمثلة ذلك أن تسمن البقرة فترتفع لذلك قيمتها ثم تهزل فتقل قيمتها الأولى و يكون الغاصب ضامنا لها، ثم يكثر بعد ذلك لبن البقرة فترتفع قيمتها مرة ثانية، بسبب ذلك و لا يزول بذلك ضمان الغاصب للزيادة الأولى.

المسألة 75:

إذا تجددت في العين المغصوبة صفة و لم توجب الصفة زيادة في قيمة العين لم يضمنها الغاصب إذا فقدت، و مثال ذلك: أن يسمن العبد المملوك ثم يزول سمنه فلا يكون الغاصب ضامنا لذلك.

المسألة 76:

إذا جب الغاصب العبد المغصوب وجبت عليه دية الجناية على العبد، و ان زادت بسبب ذلك قيمة العبد.

المسألة 77:

إذا غصب الرجل حبا فزرعه كان الزرع و نتاجه لمالك الحب، سواء زرعه الغاصب في أرضه و سقاه من مائه أم زرعه في أرض المغصوب منه و سقاه من مائه، و كذا إذا غصب فسيلا أو وديا فغرسه، فالغراس و نتاجه لمالك الفسيل و الودي و تلاحظ المسألة الثالثة و الستون.

المسألة 78:

إذا غصب الغاصب بيضا فأحضنه دجاجته أو جعله في الجهاز الحديث‌