كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
205

الذي يملكه هو المعد لاحتضان البيض و استفراخه حتى أنتج، فالفراخ الناتجة ملك لمالك البيض، و لا يستحق الغاصب على عمله أجرة و كذلك إذا غصب دجاجا أو غيره من ذوات البيض، فأنتجت بيضا ثم فراخا، فالبيض و الفراخ لمالك الدجاج المغصوب، و لا أجرة للغاصب على عمله.

المسألة 79:

إذا غصب فحل بقر أو فحل غنم أو غير ذلك من فحول الحيوان و أنزاه على إناث من جنسه فلقحت و أولدت، فالنتاج لمالكي الإناث، و إذا كانت الإناث ملكا للغاصب نفسه فالنتاج له و تجب عليه أجرة الفحل لمالكه.

المسألة 80:

يملك الكافر الذمي الخمر و الخنزير إذا كان يستتر بشرب الخمر و أكل لحم الخنزير و لا يتجاهر بهما كما هو أحد شروط الذمة عليه، فإذا غصبهما منه غاصب و تلفا عنده بعد الغصب كان ضامنا لقيمتهما عند أهل الذمة.

و إذا ملك المسلم عصيرا و انقلب عنده خمرا كان له حق الاختصاص به، فلا يحل لأحد غصبه منه، فإذا انقلب بعد ذلك خلا كان ملكا له، و نتيجة لذلك فإذا غصبه منه غاصب بعد ان انقلب خمرا، وجب على الغاصب رده اليه لاختصاصه به، و كذلك إذا غصبه منه عصيرا ثم انقلب عند الغاصب خمرا فيجب عليه رده، و مثله ما إذا اختص المسلم بالخمر بسبب آخر ليجعل الخمر خلا، أو لغير ذلك من الغايات المباحة، فإذا غصبه أحد وجب عليه رده، و إذا انقلب عند الغاصب خلا ثم تلف كان الغاصب ضامنا لقيمته خلا، و إذا تلف عند الغاصب و هو خمر و قد غصبه خلا ضمن قيمة الخل كذلك و إذا غصبه خمرا و تلف عنده خمرا ففي ضمانه اشكال، و لا يترك الاحتياط بأن يصالحه عن حق الاختصاص.

المسألة 81:

تجري جميع أحكام الضمان التي تقدم تفصيلها و بيانها في كل يد توضع على مال الآخرين بغير حق، و ان لم تكن اليد غاصبة و لا ظالمة، و لم يكن واضعها عاصيا و لا آثما، كما إذا وضع الرجل يده على مال‌

206

غيره و هو يعتقد أن المال له ثم علم أنه مال غيره، و كما إذا أخذ المال من أحد بشراء أو هبة أو عارية و هو يعتقد أن المال ملك لذلك الشخص، ثم ظهر له انه سارق، و قد تقدم ان جميع هذه الأحكام تجري في الأشياء التي يقبضها الإنسان بالسوم أو يقبضها بالمعاملة الفاسدة. و يسمى الضمان في جميع هذه الموارد بضمان اليد، لقوله (ص): (على اليد ما أخذت حتى تؤدي)، و لا ضمان على صاحب اليد إذا كان أمينا سواء كانت أمانته من قبل المالك كالوديعة و العارية أم كانت بحكم الشارع كالعين المستأجرة و نحوها.

الفصل الثالث في بعض ما يوجب الضمان

المسألة 82:

إذا أتلف الإنسان مال غيره لزمه ضمان ما أتلف، سواء كان عامدا في فعله أم غير عامد كما إذا كسر الإناء أو أراق المائع و هو نائم أو و هو ساه أو غافل، فيلزمه ضمانه، و كذلك إذا أتلف الشي‌ء في حال صغره و عدم تكليفه فيكون عليه ضمان التالف، و يؤديه عنه الولي من مال المولى عليه و إذا لم يكن له و لي أو لم يكن له مال لزمه اداؤه بعد البلوغ.

المسألة 83:

قد يكون إتلاف الإنسان لمال الغير بنحو المباشرة للإتلاف كما إذا ضرب الإناء أو أوقعه من شاهق فكسره، أو رمى الحيوان ببندقية أو بسهم أو بحجر فقتله أو ألقى الشي‌ء في النار أو في البحر فأحرقه أو أغرقه، و قد يكون إتلافه إياه بنحو التسبيب، كما إذا وجه الأعمى نحو بئر أو هاوية في الطريق فسقط فيها و مات، أو ساق الدابة بعنف و هي لا تدري نحو بئر أو هاوية أو حافة جبل فوقعت فيها و هلكت، أو جعل في الطريق بعض المزالق أو المعاثر فانزلق فيها بعض الغافلين أو بعض الأطفال أو الحيوان أو بعض أدوات النقل فتلف، فإذا حصل التلف بأحد النحوين كان المتلف المباشر أو المسبب ضامنا لما حصل، فيضمن المال لصاحبه بمثله إذا كان مثليا و بقيمته إذا كان قيميا و إذا حدث‌

207

بفعله أو بسببه عيب في الشي‌ء أو حصلت جناية على صغير أو كبير ضمن أرش العيب و أرش الجناية.

المسألة 84:

إذا ذبح الإنسان حيوانا يملكه غيره على غير الوجه الشرعي، أو ذبحه على الوجه الشرعي و كان الحيوان مما لا ينتفع به بحسب العادة بعد ذبحه بأكل و نحوه، كالفرس و البغل و الحمار فان هذه الحيوانات لا يؤكل لحمها عادة و لا ينتفع بها بعد ذبحها و ان كانت محللة اللحم، و لذلك فهي مما تعد تالفة بالذبح، و يكون الذابح لها ضامنا، و إذا ذبح حيوانا يملكه غيره على الوجه الشرعي و كان الحيوان مما يؤكل لحمه و ينتفع باجزائه بعد التذكية كالبقر و الغنم و الإبل، فلا يعد تالفا، و لا يكون الذابح له ضامنا للإتلاف، و يضمن للمالك تفاوت قيمة الحيوان ما بين كونه حيا و مذبوحا، و إذا ذبحه و أكل لحمه أو قسم لحمه كان ضامنا لقيمته.

المسألة 85:

إذا أثبت في الطريق وتدا ليعثر به بعض المارة أو بعض الحيوان، فيصيبه بسبب ذلك عطب أو كسر كان ضامنا لما يحدث بسبب فعله من جناية أو خسارة أو تلف مال، كما إذا عثر بالوتد إنسان أو دابة فوقعت و تلف المتاع الذي تحمله، و كذلك إذا لم يقصد به ذلك و لكن وضع الوتد في ذلك الموضع مظنة لحدوث مثل ذلك، و إذا جعل الوتد لغاية صحيحة و لم يكن وضعه في ذلك مظنة لذلك، فاتفق حدوث مثله ففي ضمانه اشكال.

و من صغريات المسألة ما إذا أصاب الوتد عجلة سيارة أو وسيلة نقل أخرى فأحدث جناية أو تلف مال أو عيبا أو نحو ذلك فيجري فيه البيان الآنف ذكره.

المسألة 86:

و من ذلك ما إذا جعل في الطريق عقبة توجب نفور الدابة إذا مرت بها، فإذا وضع العقبة بهذا القصد أو كانت مظنة لذلك، فنفرت الدابة حين اجتازت بها، فوقعت و أصابها عقر أو كسر، أو جنت على راكبها‌

208

أو على شخص آخر أو أتلفت مالا، كان واضع العقبة ضامنا لما حدث بسببه.

المسألة 87:

إذا فك الرجل القيد عن المجنون و تركه مطلقا كان ضامنا لما يجني و لما يتلف، إذا كان من شأنه أن يقيد، و كذلك الحيوان إذا كان من طبعه أن يؤذي أو يجني كالكلب العقور و الفرس المؤذي و الدابة الصائلة، فيجب على صاحبه أن يربطه للاحتراز منه، فان فرط في التحفظ فتركه مهملا، أو حله من رباطه في وقت يجب فيه التحفظ كان ضامنا لما يحدث بسببه، و إذا حله أحد بعد أن ربطه مالكه كان هو الضامن.

المسألة 88:

إذ فك الإنسان دابة أو حيوانا يملكه غيره من رباطه، فشرد أو دخل في حظيرة حيوان آخر فجنى الحيوان عليه أو قتله كان الإنسان الذي فكه ضامنا لقيمته و لأرش الجناية عليه و كذلك إذا فتح الرجل القفص فطار الطائر منه و لم يقدر صاحبه على إمساكه، فيضمن الرجل قيمته لصاحبه، و يضمن أيضا ما تتلفه الدابة بعد ما فكها من الرباط، أو يتلفه الطائر بخروجه من القفص، و يضمن قيمة الطائر إذا عطب بسبب الخروج منه، كما إذا كان باب القفص ضيقا فاضطرب الطائر فيه حتى عطب أو انكسر.

المسألة 89:

إذا غصب الرجل الشاة و ترك ولدها صغيرا، فمات بعدها جوعا، فان ترك الولد و لا غذاء له غير ارتضاعه من أمه كان الغاصب هو السبب في تلف الولد فيلزمه ضمان قيمة الولد لمالكه و ان لم ينحصر غذاؤه بلبن أمه، فلا ضمان على الغاصب بتلفه.

المسألة 90:

إذا حبس الرجل راعي الماشية أو مالكها عنها، فهلكت بعد غيبته عنها، فان كانت الماشية ترعى أو تقيم في أرض ذات سباع أو ذئاب مثلا و كان مالك الماشية أو راعيها هو الحارس لها من أخطارها كان‌

209

الحابس هو السبب في هلاكها، فيكون ضامنا لقيمتها، و الا فلا ضمان عليه.

المسألة 91:

إذا حل الرجل وكاء الظرف، فسأل المائع الذي جعل فيه من سمن أو عسل أو غيره كان ذلك الرجل ضامنا لقيمة المائع.

و إذا فتح بعض وكاء الظرف و كان الظرف مسندا الى جدار و نحوه فلا يسيل ما فيه بحسب العادة بمجرد فتح رأسه و اتفق ان حط عليه طائر، أو حركة حيوان فانقلب، أو قلبته ريح عاصفة فسال ما فيه، أشكل الحكم على الرجل بالضمان.

و يقوي الحكم عليه بالضمان إذا كان مظنة لحدوث مثل ذلك كما إذا في مهب ريح عاصفة أو في موضع تكثر فيه طيور أو حيوانات تعبث بمثله.

المسألة 92:

لا يضمن مالك الجدار إذا وقع جداره في الطريق أو في بيت غيره أو في ملكه فأتلف مالا، أو أتلف نفسا أو جنى عليها، و إذا مال الجدار الى الطريق أو الى ملك الغير أو بناه صاحبه مائلا كذلك، و لم يزل صاحبه خطره أو يصلحه مع تمكنه من ذلك، فسقط الجدار و أتلف أو جنى، كان على صاحب الجدار ضمان ذلك، و كذلك إذا تمكن من الاعلام بالخطر و لم يعلم به حتى وقع المحذور، و انما يكون صاحب الجدار ضامنا إذا كان الشخص المجني عليه أو الشخص الذي تلف ماله لا يعلم بالحال، فإذا كان الشخص عالما بأن الجدار منهار و مائل للانهدام و وقف تحته أو وضع ماله بقربه فسقط الجدار و تلف المال أو حصلت الجناية، فلا ضمان على صاحب الجدار.

المسألة 93:

إذا أوقد الرجل في منزله أو في ملكه نارا لبعض الأغراض، و كان من شأن النار التي أوقدها أن تسري الى بيت غيره أو ملكه لوجود ريح قد تحمل اللهب و قد تطير الشرر، فسرت النار و أتلفت، كان موقد‌

210

النار ضامنا لما يحدث بسبب فعله، سواء تجاوز في النار التي أوقدها عن مقدار حاجته أم لم يتجاوز عنه، و سواء علم أو ظن بأن النار تتعدى و تسري أم لم يعلم و لم يظن أم اعتقد بعدم السراية فاتفق أن تعدت و سرت لوجود الريح.

و إذا أوقد نارا ليس من شأنها التعدي لسكون الريح، و اتفق ان عصف الهواء و حمل الشرر فسرت النار الى ملك غيره، فالظاهر عدم الضمان بذلك.

المسألة 94:

إذا أرسل الإنسان الماء في بيته أو في ملكه فتعدي الى ملك شخص آخر فأفسد أو أضر به كان المرسل ضامنا لذلك سواء كان يعتقد بعدم وصول الماء الى ملك الآخر أو عدم الضرر به أم يعتقد خلاف ذلك.

و إذا أرسل الماء في ملكه فعداه غيره الى ملكه لينتفع به فأضره، فلا ضمان على المرسل الأول، و إذا عداه الثاني إلى ملكه فأضر بملك الثالث كان الثاني ضامنا للثالث و لا ضمان على الأول.

المسألة 95:

إذا حمل الحمال سارية ضخمة من الخشب أو من الحديد على ظهره ليوصلها الى مكان فصدم بها جدارا أو بناء فصدعه أو هدمه كان ضامنا لما فعله، و إذا اجهده حمل السارية فأسندها الى جدار أحد ليستريح، و لم يستأذن مالك الجدار بذلك، فأوجب اسنادها صدعا في الجدار أو انهيارا، أو وقع الجدار بسبب ذلك فأتلف مالا أو نفسا كان الحمال ضامنا لكل ذلك إذا كان وقوع الجدار أو تصدعه أو إتلاف الشي‌ء مستندا إلى اسناد الخشبة اليه، و ان تأخر وقوع الجدار عن إسناد الخشبة اليه ساعة مثلا أو أكثر، و إذا وقعت السارية فأتلفت بوقوعها شيئا لزم الحمال ضمانه أيضا.

المسألة 96:

إذا دخلت دابة الرجل أو حيوانه الى مزرعة أحد فأكلت زرعه أو أفسدته ضمن مالكها ما أكلته و ما أفسدته إذا كان المالك مع الدابة في‌

211

دخولها راكبا عليها أو قائدا أو سائقا لها أو مصاحبا لها، و إذا لم يكن المالك معها في دخولها كان ضامنا لما أتلفته إذا وقع ذلك ليلا، و لا ضمان عليه إذا كان نهارا.

المسألة 97:

إذا جعل المالك الدابة أو الحيوان عند الراعي أو بيد مستأجر لها أو بيد مستعير فدخلت مزرعة الغير و أكلت زرعه أو أفسدته، فالضمان الذي ذكرناه في المسألة السابقة على الراعي و على المستأجر و على المستعير و لا ضمان على المالك.

المسألة 98:

إذا اجتمع سببان تامان من فعل شخصين في إتلاف نفس أو إتلاف شي‌ء، و لم يسبق أحدهما على الآخر في التأثير، فالأقوى أن الشخصين كليهما يكونان مشتركين في ضمان التالف و كذلك إذا سبق أحدهما على الآخر في وجوده بعد أن كان الأثر و هو تلف التالف انما تحقق بهما جميعا.

و مثال ذلك: ما إذا حفر رجل بئرا أو حفيرة عميقة ليوقع فيها بعض العابرين، و لما اجتاز أحدهم صرخ به رجل آخر صرخة أذهلته فوقع في البئر من غير اختيار، أو ضرب في الهواء طلقة نارية ففزع و سقط في البئر من شدة الفزع فمات أو انكسر بعض أعضائه، و من أمثلة ذلك: أن يضع الرجل لغما في الماء ليقتل به شخصا و يفزعه الآخر فيغرق في الماء و يصيبه اللغم فيهلك بفعلهما معا فيكونان شريكين في الضمان، إلا إذا علم أن التلف حصل بفعل أحدهما خاصة، فيكون هو الضامن.

المسألة 99:

إذا كان أحد الشخصين سببا في إتلاف التالف بفعله، و كان الآخر هو الفاعل المباشر لذلك، فالضمان على المباشر للفعل، فإذا حفر أحدهما الحفيرة ليهلك بها الشخص ثم دفعه الآخر فيها، فالجاني هو الدافع لا الحافر، و إذا وضع أحدهما اللغم و أوقعه الثاني عليه فالجاني عليه هو من أوقعه على اللغم لا من وضع اللغم في طريقه.

212

و يستثنى من ذلك ما إذا كان السبب أقوى في حصول الأثر من المباشر، كما إذا وضع الرجل الإناء عند رجلي النائم فدفعه النائم برجله و كسره، أو أغرى به طفلا أو مغفلا فألقاه من شاهق فتحطم و ما أشبه ذلك.

المسألة 100:

إذا أكره القوي ضعيفا على إتلاف مال غيره، و هدده بأن يوقع به ما يكرهه إذا هو لم يفعل ما ألزمه به، و خشي الضعيف منه أن يوقع به ما هدده به إذا لم ينفذ قوله، فأتلف المال كما أمره به، فالضمان على القوي المكره لأن السبب أقوى من المباشر.

و هذا في المال الذي لم يلزم المتلف ضمانه من قبل كمال الوديعة أو العارية أو العين المستأجرة أو مال الغير الذي لم يكن تحت يده، و إذا أكرهه على إتلاف المال الذي غصبه و لزمه ضمانه بسبب الغصب أو الذي قبضه بالسوم أو بالمعاملة الفاسدة، فأتلفه للإكراه، تخير مالك المال بالرجوع على كل من المتلف أو على من أكرهه، فإن أخذ بدل ماله من المتلف كان للمتلف الرجوع بالغرامة على من أكرهه، و إذا أخذ البدل من المكره لم يرجع بغرامته على المتلف.

المسألة 101:

إذا أكره القوي الضعيف على قتل أحد فقتله كان الضمان على القاتل و لا يسقط الضمان عنه بالإكراه، فإنه لا إكراه في الدماء، و لا يرجع على من أكرهه بشي‌ء و ان كان عاصيا و آثما بفعله.

المسألة 102:

إذا غصب الغاصب طعاما أو شرابا، فاستضاف مالكه و أطعمه طعامه أو سقاه شرابه و المالك لا يعلم بأن المال ماله، ضمن الغاصب له ذلك المال، فان السبب و هو الغاصب أقوى من المباشر لجهله و كذلك إذا غصب منه شاة أو بقرة و طلب الغاصب من المالك ذبحها، فذبحها و هو يجهل بأنها ملكه، فيجب على الغاصب ان يرد لحم الحيوان المذبوح‌

213

و أجزاءه التي ينتفع بها على مالكه، و يضمن له التفاوت ما بين قيمة الحيوان حيا و قيمته مذبوحا كما ذكرنا في المسألة الرابعة و الثمانين.

المسألة 103:

إذا غصب زيد طعام عمرو أو شرابه و استضاف رجلا غير مالك الطعام و الشراب فأطعمه أو سقاه إياه و الرجل يجهل أن الطعام و الشراب ملك الغير، فالظاهر ان الغاصب و الآكل كليهما ضامنان للمال، و يتخير المالك ان يأخذ بدل ماله من الغاصب أو من الآكل، فإذا أخذ البدل من الغاصب لم يكن له أن يرجع على الآكل بشي‌ء منه، و إذا أخذه من الآكل جاز له أن يرجع على الغاصب بما غرم لأنه مغرور منه.

المسألة 104:

إذا سعى الرجل بأحد إلى شخص متنفذ سعاية فأخذ المتنفذ منه مبلغا من المال بغير حق فهو آثم بسعايته بالرجل، و لا ضمان على الساعي لما غرمه المتنفذ من المال بل يكون الضمان على آخذ المال، و كذلك إذا شكاه اليه بحق أو بغير حق فغرمه مالا، فيكون الضمان على آخذ المال.

المسألة 105:

إذا تلفت العين المغصوبة و كانت قيمية اشتغلت ذمة الضامن بقيمة المغصوب في يوم تلفه لا بعينه، و هو ظاهر صحيحة أبي ولاد، و نتيجة لهذا فإذا اختلف مالك العين المغصوبة و غاصبها بعد أن تلفت العين في مقدار القيمة في يوم التلف، و لم توجد بينة تعين المقدار، فالقول قول الغاصب مع يمينه لأنه ينكر الزائد. و كذلك الحكم إذا تنازعا في وجود صفة في العين المغصوبة تزيد بها قيمتها، فادعى المالك بأن العبد قد تعلم الصنعة حين الغصب أو بعده فالزيادة مضمونة و أنكر الغاصب وجودها، فالقول قول الغاصب مع يمينه لأنه منكر.

المسألة 106:

إذا تنازعا في ثياب على العبد المغصوب أو الأمة المغصوبة أو في سرج على الفرس المغصوب أو في فراش في الدار المغصوبة فقال المالك: انها‌

214

ملك له و ادعى الغاصب انها له، فالقول قول الغاصب مع يمينه لأنه صاحب اليد على هذه الأشياء التي يدعي بها و ان كان غاصبا للعين.

المسألة 107:

ما يضمنه الإنسان بسبب الغصب أو بسبب الإتلاف يكون في ذمته و في ماله و لا يكون على عاقلته.

215

كتاب الحجر

216

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

217

كتاب الحجر‌

المسألة الأولى:

الحجر في اللغة يعني المنع من الشي‌ء، فيقولون: زيد محجور من دخول البلد إذا منعه مانع من دخوله، و يصح فيه ضم الحاء و فتحها و كسرها، و يختص عند الفقهاء بأن يكون الشخص ممنوعا عن أن يتصرف بماله، لوجود أحد الأسباب الموجبة لذلك، و هي كثيرة.

و المهم من الأسباب المانعة للشخص من التصرف في ماله ستة أمور، و سنتعرض هنا لأربعة منها فقط، لاهتمام الفقهاء بها، و هي صغر السن، و السفه، و الفلس، و المرض الذي يموت الشخص فيه، و أما الجنون فقد ذكرنا المهم من أحكامه في كتاب التجارة و كتاب النكاح و غيرهما من أبواب الفقه و فيها ما يغنينا عن التكرار هنا و أما الرق فإن قلة الابتلاء بأحكام العبيد و الإماء في الأزمان المتأخرة يغنينا عن البحث فيها، و قد ذكرنا جملة وافرة منها في أبواب المعاملات و في بعض كتب العبادات.

و بعد فما نتعرض له من أحكام الحجر يحتوي على أربعة فصول:

الفصل الأول في صغر السن

المسألة الثانية:

يحجر الصبي الصغير شرعا من أن يتصرف في أمواله بأن يبيع أو يشتري أو يهب أو يتهب أو يصالح أو يقبل الصلح عليها أو على شي‌ء منها، أو يقرض أو يؤجر أو يودع أو يعير أو يجري غيرها من أنواع التصرف، و لا ينفذ تصرفه في المال و لا تترتب عليه آثاره إذا هو أجراه.

218

و المراد بالصغير من لم يصل الى أوان البلوغ الشرعي و ان كان مميزا رشيدا، و كان تصرفه موافقا للمصلحة لنفسه و لمن يتعامل معه و للمال.

و منع المشهور من صحة تصرفه في المال حتى مع اذن الولي له قبل التصرف أو إجازته له بعد التصرف، فلا تصح معاملته على هذا القول على الإطلاق، و هو ممنوع و سيأتي التعرض لذلك و سنذكر بعض المستثنيات ان شاء اللّه تعالى.

المسألة الثالثة:

يحجر الصبي الصغير عن أن يتصرف في ذمته فيشغلها ببعض المعاوضات، فلا يصح له أن يقترض من أحد مالا فيصبح مال القرض في ذمته أو ببيع على أحد أو يشتري منه سلفا أو نسيئة، و يحجر كذلك عن أن يتصرف في نفسه، فليس له أن يتولى تزويج نفسه أو طلاق زوجته، أو يؤجر نفسه لعمل أو يجعل نفسه عامل مضاربة أو مزارعة أو مساقاة أو غير ذلك من أنواع التصرف في النفس.

المسألة الرابعة:

تقدم منا في المسألة الثالثة و السبعين من كتاب التجارة: أن ولي الصبي إذا قام بالمعاملة على بيع مال الصبي حتى أتم المساومة و حصل الاتفاق بينه و بين المشتري ثم وكل الصبي نفسه في أن يجري صيغة البيع على المشتري، فالأقوى صحة المعاملة و نفوذها إذا كان الصبي مميزا و صحيح الإنشاء، و كذلك إذا أتم الولي معاملة الشراء له ثم وكله في إنشاء القبول، فالصبي غير مسلوب العبارة لصغره على الأقوى إذا كان يحسن الإنشاء.

و ذكرنا في المسألة ذاتها: أن الظاهر صحة معاملة الصبي المميز في الأمور غير الخطيرة، فيصح له أن يتولى معاملة البيع و الشراء مستقلا في هذه الأمور، إذا اذن له الولي بأصل المعاملة لا في خصوص إنشاء الصيغة.

و سيأتي ان شاء اللّه تعالى في كتاب الوصية: ان الأقوى صحة الوصية من الصبي إذا بلغ عشر سنين و كانت وصيته في الخيرات و المبرات و وجوه المعروف، فتنفذ وصيته و يلزم العمل بها بعد موته.

219

المسألة الخامسة:

تصح معاملة الصبي المميز على الأقوى في بيع مال غيره إذا وكله مالك المال و اذن له بذلك، و يصح الشراء له كذلك، فيتولى اجراء المعاملة له في البيع و الشراء بالوكالة عنه، و تترتب على معاملته آثارها و ان لم يأذن ولي الصبي له بذلك، و قد ذكرنا هذا في المسألة الرابعة و السبعين من كتاب التجارة.

المسألة السادسة:

سيأتي في كتاب الطلاق (ان شاء اللّه تعالى) ان الاحتياط لا يترك في الطلاق و لا في آثاره إذا وقع من الزوج الصبي و قد بلغ عشر سنين، فالأحوط أن لا يصدر منه، و إذا وقع منه لزم مراعاة الاحتياط في ترتيب الآثار في صغريات موارده التي تحدث، فلا يطأ المطلق الزوجة إلا بعقد جديد، و لا تتزوج المطلقة غيره الا بعد طلاق جديد و هكذا.

المسألة السابعة:

لا يمنع الصغير لصغره من حيازة المباحات الأصلية، و يتحقق له ملكها إذا حازها على الوجه المعتبر فيها، فإذا احتطب أو احتش أو استقى الماء أو اصطاد سمكا أو طيرا صحت حيازته و ملك ما حازه، و تصح منه النية إذا نوى بحيازته تملك الشي‌ء و لم يفتقر في ذلك الى اذن الولي له بالحيازة أو بالتملك، و الظاهر صحة ذلك منه حتى في مثل إحياء الأرض الميتة و تحجيرها إذا تحققت منه على الوجه الصحيح.

المسألة الثامنة:

يعلم تحقق البلوغ الشرعي في كل من الذكر و الأنثى بنبات الشعر الخشن في موضع الشعر من العانة، و لا يكفي خروج الزغب الناعم في الموضع قبل أن يقوي الشعر و يخشن، و يعلم تحققه بخروج المني من الذكر أو الأنثى، و هو الماء الذي يوجب خروجه غسل الجنابة، سواء كان خروجه في اليقظة أم في المنام، و سواء خرج بجماع أم بغيره، و يعلم تحققه في الأنثى بخروج دم الحيض، و يعلم تحققه بأن يكمل الذكر خمسة عشر عاما من حين ولادته، و أن تكمل الأنثى تسعة أعوام،

220

و لا يكفي أن يدخل الذكر في السنة الخامسة عشرة قبل أن يتمها أو تدخل الأنثى في عامها التاسع قبل أن تتمه.

المسألة التاسعة:

لا يرتفع الحجر عن الصبي الذكر و لا عن الصبية الأنثى بتحقق البلوغ وحده حتى يحصل معه الرشد في العقل، و سيأتي بيان المراد منه في الفصل الثاني، فإذا لم يتحقق الرشد مع البلوغ لم يزل محجورا عن التصرف في ماله و ان كبرت سنه.

المسألة العاشرة:

يثبت الرشد عند اشتباه الأمر في الغلام عند البلوغ أو قبله باختباره في الأمور التي تناسب شأنه و حاله من التصرف في المال من بيع و شراء و اجارة و صرف و إنفاق و نحو ذلك من الأمور التي تكشف بحسب العادة عن رشده و مراعاته لمصلحة المال و الحفاظ على شؤونه التي يجري عليها العقلاء في معاملاتهم حتى يستبين أمره، و سيأتي مزيد من القول في تفصيل ذلك.

و يثبت كذلك بشهادة البينة العادلة من الرجال المطلعة على الحال في رشد الذكر و في رشد الأنثى و يشكل الحكم في ثبوت رشد الأنثى بشهادة النساء، فلا بد في ذلك من مراعاة الاحتياط.

المسألة 11:

تثبت للأب و للجد أبى الأب ولاية التصرف في مال الصبي غير البالغ و الصبية غير البالغة و النظر في مصالحهما و شؤونهما، و ينفذ تصرفهما في مال المولى عليه من بيع و شراء و صلح و اجارة و هبة لهما أو منهما و غير ذلك كما أوضحناه في فصل شرائط المتعاقدين.

و تثبت لهما ولاية التصرف في المعاملات التي تتعلق بذمته، فلهما أن يقترضا له أو يقرضاه من مالهما، و أن يبيعا له و يشتريا سلما أو نسيئة، و تثبت لهما ولاية التصرف في نفسه، فلهما أن يزوجاه بمهر معجل من ماله أو مؤجل في ذمته، و ان يؤجراه عاملا لما يريدان له من الأعمال، مع وجود المصلحة له في جميع ذلك، بل و مع عدم المفسدة على الأقوى، إلا في الصورة التي سنذكر استثناءها من ذلك.

221

و إذا فقد الأب و الجد للأب، فالولاية على التصرف في ماله للقيم الذي يوصي اليه الأب أو الجد للأب و يجعله ناظرا على الطفل، و قد أوضحنا ولايته و بينا حدودها و شروطها في فصل شرائط المتعاقدين من كتاب التجارة، و في مبحث أولياء العقد من كتاب النكاح.

و إذا لم يكن للصغير غير البالغ أب و لا جد للأب، و لا قيم مجعول من أحدهما، فالولاية عليه للحاكم الشرعي، فإذا لم يوجد فالولاية عليه في أمواله على الأحوط للعدول من المؤمنين، فان لم يوجد العدول فلثقاة المؤمنين.

المسألة 12:

لا ولاية على التصرف في مال الصبي أو الصبية غير البالغين للأم و لا للجد أبي الأم، و لا للأخ الكبير أو الصغير، أو العم أو الخال، الا أن يجعله الأب أو الجد للأب أو الحاكم الشرعي قيما، و وليا على التصرف في ماله، أو كان من عدول المؤمنين إذا لم يكن له ولي سواهم، أو كان من ثقاتهم إذا لم يوجد العدل.

المسألة 13:

لا يشترط في صحة ولاية الأب أو الجد للأب على الصغير أن يكونا عدلين، فتثبت ولايتهما و ينفذ تصرفهما و ان كانا فاسقين، و لا يجب على الحاكم الشرعي إن يفحص عنهما و عن تصرفهما في أموال الصغير و شؤون ولايتهما عليه، و إذا استبان له من باب الاتفاق سوء سلوكهما و ان تصرفهما مما يضر بالمولى عليه عزلهما عن الولاية و منعهما من التصرف في ماله.

المسألة 14:

لا ترتب في الولاية بين الأب و الجد للأب، فهما مشتركان في الولاية على الصبي أو الصبية، فأيهما أجرى المعاملة على ماله أو عليه كان تصرفه ماضيا نافذا، و لم تتوقف صحة تصرفه على اذن الآخر أو إجازته، و إذا تصرفا معا فان سبق أحدهما على الآخر كان تصرف السابق نافذا و بطل تصرف اللاحق، فإذا باع الأول دار الصبي على رجل ثم باعها الثاني على رجل آخر صح بيع الأول و بطل بيع الثاني، و إذا اقترنا في‌

222

إيقاع المعاملة في وقت واحد و لم يتقدم أحدهما على الآخر قدم الجد إذا كانت المعاملة التي أوقعاها عقد نكاح، كما إذا زوج الجد البنت الصغيرة من أحد و زوجها الأب من غيره و تقارنا في إيقاع عقد التزويج، فيقدم عقد الجد و يلغى عقد الأب، و إذا كانت المعاملة التي أجرياها مقترنين غير عقد النكاح، فلا بد من مراعاة الاحتياط في ترتيب الآثار، فإذا باعا داره على شخصين في وقت واحد أو آجراها من شخصين تقايلوا من البيع أو الإجارة ثم آجروا المعاملة حسب ما يتفقون.

المسألة 15:

لا فرق في ثبوت ولاية الجد للأب بين القريب من الأجداد و البعيد منهم، فلا يتقدم القريب على البعيد فيها، فالجد و أبو الجد و جد الجد إذا وجدوا فجميعهم مشتركون في الولاية على الطفل، و جميعهم يشاركون الأب فيها.

المسألة 16:

ذكرنا هاهنا و في مواضع سبقت الإشارة إليها: انه لا يشترط في صحة تصرف الأب أو الجد في مال الصغير أو الصغيرة أن يكون التصرف مشتملا على مصلحة للصغير أو للمال، بل يكفي في الصحة عدم وجود مفسدة في التصرف، و تستثنى من ذلك صورة واحدة، و هي ما يكون تصرفهما محتويا على تفريط في مصلحة الصغير، فإذا كان تصرف الأب أو الجد يستلزم أو يحتوي على تفريط في مصلحته لم يصح ذلك التصرف و لم ينفذ، و قد ذكرنا هذا و ذكرنا مثاله في المسألة المائة و الخامسة من كتاب التجارة.

المسألة 17:

إذا كانت الولاية على أموال الصغير أو الصغيرة للقيم المنصوب من أبيهما أو جدهما لأبيهما اشترط في صحة تصرفه في مالهما أن توجد المصلحة في تصرفه، و لا يكفي عدم وجود المفسدة، كما في ولاية الأب و الجد، فإذا أراد القيم بيع دار الصغير أو عقاره أو أراد إجارته أو أراد إيقاع أي تصرف آخر في ماله، فلا بد له من إحراز هذا الشرط، و قد ذكرنا في المسألة المائة و العاشرة من كتاب التجارة أن الميزان في‌

223

ذلك أن يكون التصرف مشتملا على المصلحة في نظر العقلاء من الناس و لا يكفي في الصحة اعتقاد الولي بذلك إذا كان العقلاء يرونه مخالفا، و تراجع المسألة المذكورة.

المسألة 18:

إذا كانت الولاية في أموال الصغير للحاكم الشرعي، فالتصرف في المال يكون منوطا برأيه من حيث لزوم مراعاة المصلحة في ذلك و عدم لزومها، و ان كان الأحوط استحبابا له أن يقتصر في تصرفه على ما يلزم من تركه حصول ضرر أو فساد.

المسألة 19:

إذا كانت الولاية في مال الصغير للعدول من المؤمنين أو لثقاتهم فالأحوط لزوما أن يقتصر الولي في تصرفه في المال على ما يلزم من تركه الضرر فإذا خاف تلف المال باعه و إذا خشي تلف المنفعة آجر العين.

المسألة 20:

يجوز للولي ان يدفع مال الصغير الى احد مضاربة أو بضاعة إذا كان العامل الذي يجري معه عقد المضاربة أو البضاعة ثقة أمينا، و إذا ضاربه و كان غير ثقة أمين كان الولي ضامنا لتفريطه فإذا تلف المال لزم الولي دفع بدله.

و يجوز للولي بحسب ولايته على المال و على الصغير أن يأذن لنفسه بأن يتجر بمال المولى عليه بحصة معينة من ربح المال و تكون الحصة الأخرى منه للمولى عليه، و يكفيه حصول الاذن بذلك في قصده و نيته فيتولى الاتجار و العمل له بنفسه و إذا ربحت التجارة استحق الحصة المعينة، و تلاحظ المسألة المائة و الثامنة و الثلاثون من كتاب المضاربة.

المسألة 21:

مما يرجح فعله للولي و لا ينبغي تركه أو التسامح فيه، سواء كان الولي أبا أم جدا أم غيرهما، بل هو من الشؤون الأولى للولاية أن يعلم الصبي أو الصبية القراءة و الخط و الحساب و غيرها من مواد التعليم، فيدفعه الولي إلى شخص مأمون أو يجعله في معهد موثوق يتلقى فيه‌

224

مبادئ ذلك و نتائجه، و يتلقى فيه مبادئ اللغة العربية و علومها و العلوم الأخرى التي تضع بيد الصغير مفاتيح النجح و الفوز و الخير في هذه الحياة و ما بعدها، و تغرس في قلبه و في نفسه محبة الخلق الرضي و أصول الطباع الكريمة المهذبة النافعة له في دينه و دنياه و يجب ان يتولى الولي و الثقات من معلميه و مرشديه صيانته عما يفسد الخلق و يشين الحياة و يضر بالدين أو العقيدة.

المسألة 22:

يجوز للولي أن يدفع الصبي الى من يثق بأمانته و بحسن سلوكه و معاملته ليعلمه بعض الصنائع أو يعوده على بعض الأعمال التي تنفعه في الحياة، أو يجعله أجيرا أو عاملا لديه في الأمور التي يمكنه القيام بها مقابل أجر معين في أوقات محددة، فيتعود بذلك على الكسب المحلل و الحفاظ على الوقت و أداء الواجب، و احترام العمل و احترام الناس.

المسألة 23:

إذا كان الصغير يتيما و كان إنفاق الولي عليه من مال الصغير نفسه فعليه مراعاة الاقتصاد و التوسط في ذلك بلا سرف و لا تقتير و أن يلاحظ شأن الصغير و شأن أمثاله في المجتمع و الشرف و المنزلة و في التمكن و عدمه في كل من الطعام و الشراب و اللباس و السكنى، و إذا زاد في الإنفاق على ما يقتضيه الحال كان ضامنا للزيادة التي أتلفها في إنفاقه، و إذا قتر في الصرف وجب عليه أن يحفظ للطفل ما تركه للتقتير.

المسألة 24:

إذا كان اليتيم من أفراد العائلة التي يكفلها الولي و يقوم بالإنفاق عليها جاز له أن يخلط اليتيم مع العائلة في مأكلهم و مشربهم و مسكنهم، و يصرف عليهم صرفا واحدا، ثم يوزع مجموع ما ينفقه على رؤوسهم بالمساواة، فينال اليتيم ما ينال أحدهم من حصة و يأخذها الولي من ماله، و جاز له أن يفرده في مأكله و مشربه و مسكنه، و أما اللباس فلا بد و ان يكون لكل فرد منهم ملبسه الخاص به، و كذلك إذا كان الولي يقوم بالإنفاق على عدة من اليتامى و كانوا من أسره واحدة أو كانوا متماثلين في الشأن و في التمكن، فيجوز للولي أن يخلط اليتامى كلهم في‌

225

المأكل و المشرب و المسكن، و يوزع ما ينفقه عليهم جميعا بالحصص فينال كل فرد منهم مقدار حصته و تخرج من ماله كما ذكرنا، و يجوز له ان يفرد كل واحد منهم بنفقته.

المسألة 25:

إذا كان للصغير مال في ذمة غيره و كان المدين ممن لا يوثق بوفائه لجميع الدين، فاضطر الولي إلى مصالحته عن الدين ببعضه ليستنقذ منه بعض المال حل للولي ذلك و لا يحل للمدين باقي المال، و لا يجوز للولي إسقاطه.

المسألة 26:

إذا بلغ الصغير الحلم و ثبت رشده و أراد استلام المال، فادعى الولي انه قد أنفق على الصبي قبل بلوغه أو أنفق على ماله أو على بعض شؤونه مقدارا من المال، فأنكر المولى عليه أصل الإنفاق عليه أو أنكر الإنفاق في بعض الأمور التي ذكرها الولي أو أنكر مقدار الإنفاق، فالقول قول الولي مع يمينه، لأنه أمين، الا أن يقيم المولى عليه بينة على ما يقول.

المسألة 27:

تجري في المجنون جميع أحكام الحجر التي ذكرناها في الصغير، إلا في الموارد التي قلنا بصحة التصرف فيها من الصغير المميز، كالبيع و الشراء منه في الأمور غير الخطيرة، و كصحة إنشائه إذا أتم الولي المعاملة على مال الصغير ثم وكله في إنشاء الصيغة، و صحة معاملته في مال غيره إذا وكله المالك في إجراء المعاملة و اذن له فيها، و غير ذلك مما تقدم ذكره فإنها لا تجري في المجنون إذا كان مطبقا.

المسألة 28:

إذا كان جنون المجنون أدوارا، صح التصرف منه في أدوار إفاقته إذا كان تام الإفاقة فيها، و لا يحتاج معه إلى اذن الولي أو إجازته.

المسألة 29:

إذا جن قبل أوان بلوغه أو حدث جنونه مقترنا مع بلوغه فاتصل‌

226

جنونه بصغره جرت فيه جميع أحكام الحجر و أحكام الولاية المتقدم ذكرها في الحجر على الصغير كما بينا.

و إذا تجدد جنون المجنون بعد ان بلغ الحلم و كمل رشده، فلا يترك الاحتياط بأن تكون ولاية التصرف في ماله بيد كل من الحاكم الشرعي و من الأب أو الجد إذا كانا موجودين و القيم المنصوب من أحدهما إذا كانا مفقودين على وجه الانضمام، فيرجع الى الحاكم مع الأب أو الجد في الصورة الأولى، و الى الحاكم مع القيم في الصورة الثانية، و إذا فقد الأب و الجد و الوصي اختصت الولاية بالحاكم الشرعي.

المسألة 30:

يحجر المجنون كما ذكرنا عن اي تصرف في ماله أو في ذمته أو في نفسه أو في مال غيره و لا يجدي في تصحيح معاملاته أن يأذن له وليه بالتصرف قبل إيقاع المعاملة أو يجيزها بعد إيقاعها و لا يجدي في تصحيحها أن يجيزها هو بعد ان يفيق، فإذا أراد تصحيحها فلا بد له من إيقاع المعاملة تامة بعد الإفاقة.

الفصل الثاني في حجر السفيه

المسألة 31:

السفه صفة في نفس السفيه تقابل صفة الرشد في نفس الرشيد، و تبدأ صفة السفه طبيعية في أيام الطفل الأولى، لعدم قدرته على التمييز بين ما يصلحه من الأمور و ما لا يصلحه، و ما ينفعه من التصرف و ما لا ينفعه، و قد تستمر معه هذه الصفة و ينشط أثرها و تعمق لعدم تنبه قواه المميزة أو لضعفها، أو لوجود بعض المنشطات للصفة، فتبقى الى البلوغ و الى ما بعد البلوغ.

و قد تتنبه القوى المميزة في الطفل مبكرة، بنفسها أو بفعل المربي الناجح، ثم تعتاد و تقوى و ترسخ فيكون الطفل مميزا بين ما يصلح و ما لا يصلح و ما يجدي و ما لا يجدي من الصفات و من الأعمال و من المعاملات، فيرشد قبل أوان الرشد و ينشط تفكيره و تصح موازينه‌

227

و أفعاله قبل ميعاد النشاط، و تستمر معه الصفة و تقوى مع طول الاعتياد و طول المران.

و قد تختلف الحال في بعض الأطفال فتبدأ الصفة فيه ضعيفة، ثم تقوى ثم تضعف لبعض العوارض و المؤثرات ثم تقوى، و هكذا بين إرخاء و شد و أخذ ورد.

المسألة 32:

يثبت سفه السفيه باختباره في تصرفه بماله الذي يوضع بيده، و في معاملته مع الناس بالمال، فإذا علم من حاله انه لا يعتني بحفظ المال كما يعتني به الناس العقلاء، فلا يبالي أن يصرفه في أي موقع اتفق، و أن يتلف المال أو ينقص في أي موضع كان، و أن معاملاته مع الآخرين لا تبتني على التحفظ من حصول الغبن فيها أو الانخداع من معامليه كما هو دأب العقلاء و المتعاملين من الناس، فإذا علم ان تلك هي صفته الموجودة فيه و الثابتة له في تصرفه و معاملاته، فهو سفيه ثابت السفه في المال، و لا يثبت السفه باتفاق صدور ذلك منه في بعض حالات الغفلة أو الغلط أو التسامح الذي لا يقاس عليه، و لا يكون السفه صفة ثابتة له.

المسألة 33:

قد يكون الرجل رشيدا تام الرشد في تصرفه بماله و في معاملته مع الناس فلا يغبن و لا ينخدع و لا يتلف المال أو يتسامح فيه بغير سبب موجب، و لكنه سفيه في الأمور التي تتعلق بذمته، فلا يبالي بأن يقع في الغفلة أو في الانخداع في المعاملات التي يوقعها في ذمته من اقتراض أو شراء أو بيع نسيئة أو سلم أو استدانه في صورة أخرى، فيعلم ان تلك هي صفته الثابتة له في هذه الأمور.

و قد يثبت سفهه في التصرفات التي تتعلق بنفسه، كالتزويج و اجارة نفسه عاملا و جعل نفسه مضاربا أو مزارعا أو مساقيا أو نحو ذلك من المعاملات التي يوقعها على نفسه فلا يتحفظ من وقوع الغبن أو الانخداع أو التسامح فيها.

228

و قد يثبت سفهه في عامة أموره و تصرفه و معاملته سواء تعلقت بالمال أم بالذمة أم بالنفس فيكون سفهه عاما في جميع معاملاته.

المسألة 34:

إذا ثبت سفه الرجل في تصرفاته المالية حجر عليه شرعا فيها، فلا تصح منه أي معاملة يوقعها في ماله، فلا ينفذ بيعه إذا باع شيئا من أمواله و لا شراؤه إذا اشترى و لا إجارته إذا آجر و لا صلحه و لا هبته و لا وديعته و لا عاريته، و الظاهر أن الحجر عليه لا يحتاج الى حكم الحاكم الشرعي به سواء بلغ سفيها فاتصل سفهه بصغره أم تجدد له السفه بعد أن بلغ و رشد، فمتى حصل السفه للرجل حجر عليه شرعا، فإذا ثبت له الرشد بعد ذلك ارتفع عنه الحجر و صح منه التصرف، و إذا سفه ثانية حجر عليه، و هكذا.

و كذلك الحكم عليه إذا ثبت له السفه العام في جميع تصرفاته حجر عليه حجرا عاما في المال و غيره على الأحوط و لم يحتج الى حكم الحاكم في حدوث الحجر عليه و لا في ارتفاعه كما ذكرنا. و إذا زال السفه في البعض ارتفع الحجر عنه في ذلك البعض.

المسألة 35:

إذا ثبتت للشخص صفة السفه في التصرف الذي يتعلق بذمته حجر عليه شرعا في هذه التصرفات على الأحوط و لم يمنع من غيرها إذا لم يكن سفيها فيها، و لم يفتقر الى حكم الحاكم كما ذكرنا في الحجر عليه في المال فلا يصح له أن يقترض أو أن يضمن ما في ذمة غيره أو يبيع أو يشتري في الذمة على الأحوط ما دام سفيها كذلك و إذا زال السفه عنه زال الحجر، و إذا عادت الصفة عاد الحكم، و كذلك إذا ثبت له السفه العام كما سبق في نظيره فيحجر عليه في تصرفاته المتعلقة بذمته كما يحجر في غيرها على الأحوط و إذا زال عنه السفه فيها خاصة ارتفع الحجر عنه فيها خاصة و بقي في الباقي.

المسألة 36:

إذا كان الرجل سفيها في تصرفه الذي يتعلق بنفسه حجر عليه في ذلك على الأحوط و لم يحجر عليه في سواه، فلا يصح له تزويج نفسه‌

229

و لا جعل نفسه أجيرا لعمل أو عاملا في مضاربة أو نحوها، و إذا ثبت له السفه العام حجر عليه في الناحية المذكورة و في غيرها على الأحوط كما قدمنا فلا تصح منه التصرفات المتعلقة بنفسه ما دام سفيها و جرى فيه ما تقدم.

المسألة 37:

إذا بلغ الغلام الحلم و هو سفيه فاتصل سفهه بصغره، حجر عليه كما ذكرنا لسفهه بعد ان كان محجورا عليه لصغره، و كانت الولاية عليه في تصرفاته لأبيه وجده لأبيه إذا كانا موجودين، أو كان أحدهما موجودا، و للوصي الذي يجعله أحدهما قيما عليه بعد موتهما، فإذا لم يكن له أب و لا جد و لا وصي من أحدهما كانت الولاية عليه للحاكم الشرعي، و إذا طرأ له السفه بعد البلوغ و ثبوت الرشد، فالولاية عليه للحاكم الشرعي أيضا.

المسألة 38:

الحكم بحجر السفيه عن التصرف في المجالات التي تثبت له فيها صفة السفه يعني انه غير نافذ التصرف و المعاملة إذا أجراهما مستقلا بغير اذن من الولي، فإذا أذن له الولي قبل أن يوقع المعاملة صحت منه و ترتبت عليها آثارها.

المسألة 39:

إذا أوقع السفيه المعاملة بغير اذن سابق عليها من الولي ثم أجازها الولي بعد ان أوقعها المولى عليه، فان كانت المعاملة مما تجري فيه الفضولية و هي العقود كالبيع و الإجارة و النكاح، صحت المعاملة بالإجازة اللاحقة من الولي، و يشكل الحكم بالصحة إذا كانت من الإيقاعات كالعتق و الوقف للإشكال في جريان الفضولية فيها.

و كذلك الحكم في المعاملة إذا أوقعها السفيه ثم زال عنه السفه و أجاز المعاملة بعد ارتفاع الحجر عنه، فتصح المعاملة إذا كانت من العقود التي تجري فيها الفضولية، و يشكل الحكم بصحتها إذا كانت من الإيقاعات.

230

المسألة 40:

لا يصح للسفيه الذي حجر عليه التصرف بالمال ان يزوج نفسه إذا كان زواجه بغير اذن من وليه و لا اجازة، و ان كان غير محجور عليه في التصرف في نفسه فان الزواج يستلزم تصرفا بالمال فيكون محجورا منه بغير اذن، و يصح له في هذه الحال ان يطلق زوجته أو يبارئها أو يخلعها أو يظاهر منها، و يشكل الحكم بصحة طلاقه و خلعه و ظهاره إذا حجر عليه في التصرف في نفسه‌

المسألة 41:

يقبل إقرار السفيه إذا كان إقراره لا يتعلق بالمال، فإذا أقر بامرأة مثلا أنها أمه أو بنته، نفذ إقراره في اللوازم غير المالية، فيحرم عليه نكاح المرأة، و يجوز له النظر إليها و يشكل الحكم بقبول إقراره في اللوازم المالية كوجوب النفقة عليه، و إذا أقر بقتل شخص أو بالجناية عليه نفذ إقراره إذا كان موجبا للقصاص منه، و أشكل الحكم بقبوله إذا كان موجبا للدية، و إذا أقر بسرقة مال قبل إقراره في ما يوجب قطع يده و أشكل قبوله في ما يوجب ضمان المال.

المسألة 42:

لا يمنع السفيه من أن يتولى المعاملة في مال غيره بالوكالة عنه، فإذا وكله المالك في ان يبيع ماله أو يهبه أو يشتري له سلعة أو يؤجر دارا، صح له أن يقوم بذلك و نفذ تصرفه سواء و كله المالك في إجراء المعاملة كلها أم في إجراء الصيغة فيها.

المسألة 43:

إذا ارتكب السفيه عملا يوجب عليه كفارة مالية على نحو التعيين كما في كفارات الإحرام لزمه الإتيان بها و لم يسقط عنه الحكم لوجود السفه المانع عن التصرف بالمال، و إذا ارتكب عملا يوجب عليه كفارة مخيرة بين الصوم و غيره من الماليات، كما إذا أفطر يوما من أيام شهر رمضان تعين عليه أن يأتي بالصوم على الأحوط إذا كان متمكنا منه، و إذا لم يتمكن من الصوم تعين عليه ان يأتي بالعتق أو الإطعام و ان كان ماليا.

231

المسألة 44:

إذا حلف السفيه على فعل شي‌ء مما يتعلق بماله أو على تركه لم ينعقد يمينه، فإذا خالف اليمين لم تجب عليه الكفارة لمخالفته و كذلك إذا نذر فعله أو تركه أو عاهد اللّه على أحدهما فلا ينعقد النذر و لا العهد، فإذا خالفهما لم تجب عليه الكفارة بمخالفته.

و إذا حلف على فعل شي‌ء لا يتعلق بالمال أو حلف على تركه انعقد حلفه، فإذا حنث في يمينه وجبت عليه الكفارة بالمخالفة، و يتعين عليه الإتيان بالصوم من خصال الكفارة على الأحوط إذا كان الصوم ممكنا، فإذا لم يمكنه الصوم لزمه إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم و ان كان ماليا و كذلك إذا نذر فعل الشي‌ء أو تركه أو عاهد اللّه عليه، فإذا خالف لزمته الكفارة و تعين عليه الصوم إذا كان ممكنا على الأحوط، فإذا لم يمكنه الصوم اتى بإحدى الخصال الأخرى و ان كانت مالية.

المسألة 45:

إذا ثبت للسفيه حق القصاص على أحد لجنايته عليه أو على احد من متعلقيه، بحيث يكون السفيه هو صاحب الحق في الجناية، جاز له أن يعفو عن الجاني فيسقط حقه من القصاص و إذا ثبت له الحق في أخذ الدية أو أرش الجناية من الجاني، فليس له أن يعفو عنها و يسقط حقه من أخذها، إلا إذا أذن له الولي بذلك، لأنه تصرف في مال فهو محجور عنه.

المسألة 46:

إذا أجرى السفيه معاملة على بعض أمواله بغير اذن الولي، فباع شيئا منها مثلا أو اشترى، ثم علم الولي بتصرفه و وجد أن لا مصلحة في إجازة العقد، كفى في إلغاء العقد عدم أجازته كما ذكرنا في ما تقدم مرارا، و إذا كان السفيه قد قبض العوض و أقبض المعوض وجب على الولي بعد رد المعاملة أن يسترد مال المولى عليه و يحفظه له، و ان يرجع العوض الآخر إذا كان موجودا الى مالكه، و إذا كان تالفا فالظاهر ان السفيه يكون ضامنا له، فيلزمه دفع مثله الى المالك إذا كان مثليا و دفع‌

232

قيمته إذا كان قيميا، إلا إذا كان سفه السفيه واضحا، لتبين سفهه و تبين حكمه عند المالك، بحيث يصدق عند أهل العرف أن المالك- لوضوح الأمر- قد سلط السفيه على إتلاف المال مجانا، فلا يكون السفيه ضامنا في هذه الصورة، لأن السبب و هو المالك أقوى من المباشر، و يضمن السفيه إذا كان المالك حين دفع المال الى السفيه جاهلا بسفهه أو كان جاهلا بأن السفيه محجور عليه شرعا. عن التصرف.

المسألة 47:

إذا اقترض السفيه من أحد مبلغا من المال بغير اذن الولي ثم أتلف المال الذي اقترضه، فالحكم في ضمان السفيه للمال و عدم ضمانه يبتني على الوجوه التي ذكرناها في المسألة السابقة فيجري فيه التفصيل الآنف ذكره، فيضمن السفيه إذا كان المقرض جاهلا بسفهه أو كان جاهلا بحكمه، و لا يضمن إذا كان المقرض عالما بالحال على الوجه المتقدم من وضوح الأمر لديه بحيث يكون سببا في إتلاف ماله أقوى من المباشر في نظر أهل العرف.

المسألة 48:

إذا أودع شخص وديعة عند السفيه، فأتلف السفيه وديعته كان السفيه ضامنا لها فيجب عليه أن يدفع للمالك المودع بدلها من المثل أو القيمة، سواء كان صاحب الوديعة عالما بسفه السفيه حينما أودعه أم كان جاهلا به، الا إذا تحقق الفرض الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة فكان السبب- و هو مالك الوديعة- أقوى من المباشر لإتلافها، لوضوح سفه السفيه لديه و وضوح حكمه بحيث يصدق عرفا ان المالك قد سلطه على إتلاف المال مجانا، فلا يكون السفيه ضامنا في هذا الفرض.

و إذا أودعه الشخص الوديعة فتلفت عند السفيه و لم يكن هو الذي أتلفها و لم يفرط في حفظها فلا ضمان عليه، و إذا فرط السفيه في حفظ الوديعة فتلفت عنده من غير أن يكون هو المتلف لها، فالحكم على السفيه بالضمان أو بعدمه مشكل، فلا بد في هذا الفرض من مراعاة الاحتياط بالتصالح.

233

المسألة 49:

إذا كان للسفيه مال معين عند أحد، وديعة أو عارية أو غيرهما من وجوه الأمانة أو كان الشخص مدينا للسفيه بمبلغ من المال، فلا يجوز له ان يدفعه الى السفيه، و لا تبرأ ذمته إذا سلمه اليه الا إذا اذن له ولي السفيه بذلك فيصح له حين ذاك و تبرأ ذمته بدفعه إليه.

المسألة 50:

لا يصح لولي السفيه أو الأمين على ماله أن يسلم مال السفيه اليه، الا إذا علم برشده أو ثبت ذلك ببينة شرعية أو حكم حاكم شرعي، و إذا اشتبه الأمر فيه، فلا بد من الاختبار.

و المعروف من طرق الاختبار أن يفوض اليه التصرف في بعض الجهات التي تناسبه من بيع و شراء، و أخذ و عطاء و اجراء بعض المعاملات الأخرى، و صرف و إنفاق، من غير فرق بين أن يقع الاختبار في ماله أو في أموال آخرين، و لا بد أن يكون الاختبار تحت ملاحظة من يعتمد عليه في ذلك من قريب أو من بعيد، فإذا اختبر كذلك مرارا، و في مدة يعتد بها حتى حصل الوثوق و الاطمئنان برشده و صحة تصرفه، و تحفظه في معاملته و في أخذه و رده من الوقوع في الغبن و تضييع المال و صرفه في غير حقه و وضعه في غير مواضعه، فإذا أنس منه الرشد و اطمأن به دفع اليه ماله و ارتفع عنه الحجر و نفذ تصرفه و عول على معاملته.

و كذلك الحال في المرأة السفيهة، فتختبر عند اشتباه حالها بما يناسب شأنها من التصرفات المنزلية و غير المنزلية و شبهها من الأمور و الشؤون التي يتولى العمل فيه أمثالها بحسب العادة، و يتكرر الاختبار حتى تحصل الثقة بثبوت الرشد و زوال السفه و صحة التصرف، و قد يحتاج الاختبار في الرجل و المرأة إلى طول مدة حتى يكتشف الرشد و يعلم بثبوت الصفة في المولى عليه، و خصوصا إذا كان السفه شديدا و كانت مدته طويلة، فلا بد من الاختبار كذلك.

المسألة 51:

إذا كان للصبي غير البالغ مال عند وليه أو عند أمين آخر، و احتمل ثبوت الرشد له قبل البلوغ وجب أن يجرى الاختبار عليه قبل البلوغ،

234

فإذا أنس منه رشده وجب ان يسلم اليه ماله عند تحقق بلوغه و لا يجوز التأخير إلا برضاه، و إذا لم يحتمل ثبوت الرشد له مبكرا، وجب ان يختبر رشده في أي زمان يحتمل فيه ثبوت رشده، فيختبر في أول البلوغ مثلا أو بعده بمدة قصيرة أو مدة طويلة، فلا يتأخر الاختبار عن وقت احتمال حصول الرشد، لئلا يتأخر تسليم المال الى صاحبه.

المسألة 52:

إذا ادعى السفيه المحجور عليه للسفه حصول الرشد له، و احتمل الولي صدق قوله وجب عليه اختباره، و إذا احتمل الولي حصول الرشد له و لم يدع المولى عليه ذلك فلا يترك الاحتياط للولي باختباره.

الفصل الثالث في حجر المفلس

المسألة 53:

لا تمنع الشخص كثرة ديونه التي تكون في ذمته من أن يتصرف في أمواله الموجودة عنده كما يريد، ببيع أو هبة أو صلح أو وقف أو غير ذلك من التصرفات التي تخرج المال عن ملكه، بل يجوز له إخراجها جميعا عن ملكه مجانا، كما تجوز له المعاوضة عليها بثمن مثلها أو أكثر أو أقل، إلا إذا ثبت سفهه بسبب ذلك فيحجر عليه للسفه، أو يحجر عليه الحاكم الشرعي للفلس كما سيأتي، و إذا كثرت عليه الديون فوهب جميع أمواله لغيره بغير عوض أو صالحه عليها كذلك و كان ذلك بقصد الفرار من أداء الديون أشكل الحكم بصحة ذلك منه، فلا يترك الاحتياط باجتنابه، و كذلك إذا أراد وقف جميع ما يملكه بهذا القصد.

المسألة 54:

لا يجوز للحاكم الشرعي أن يحجر على المفلس إلا إذا توفرت لديه أربعة شروط:

(الأول): أن تكون الديون التي على المفلس ثابتة عليه بأحد المثبتات الشرعية، و يكفي أن تكون الديون التي يراد من أجلها الحجر ثابتة عليه كذلك و ان لم تكن بقية ديونه ثابتة شرعا.

235

(الثاني): أن تكون الأموال الموجودة عند المدين قاصرة عن الوفاء بديونه، و يراد بالأموال الموجودة لديه جميع ما يملكه بالفعل من أرض و عقار و دور و سلع و أمتعة و عروض اخرى و منافع و ديون له على الناس، ما عدا الأمور المستثنيات في الدين، و قد تقدم ذكرها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين.

(الثالث): أن تكون الديون التي على المدين حالة غير مؤجلة، أو تكون الديون الحالة عليه مما تقصر أموال المدين الموجودة لديه عن الوفاء بها وحدها، فلا يحجر عليه إذا كانت الديون كلها مؤجلة لم يحل ميعادها، و لا يحجر عليه إذا كان بعض الديون حالا و بعضه مؤجلا و كانت أمواله الموجودة لا تقصر عن الوفاء بالديون الحالة.

(الرابع): أن يطلب الغرماء الذين حلت ديونهم من الحاكم الشرعي أن يحجر عليه و كانت أمواله تقصر عن وفائهم كما ذكرنا.

المسألة 55:

إذا طلب بعض الغرماء الذين حلت ديونهم من الحاكم أن يحجر على المدين و لم يطلب الآخرون ذلك، فان كان دين ذلك البعض الذي طلب الحجر وحده لا يفي به مال المفلس، وجب على الحاكم أن يحجر على المفلس بطلب ذلك البعض، فإذا حجر عليه كان الحجر عاما بالنسبة الى جميع الديون الحالة للغرماء، من طلب منهم الحجر و من لم يطلب، فتقسم أموال المفلس الموجودة على ديونه الحالة عليه جميعا بالحصص، و لا يسهم للديون المؤجلة.

المسألة 56:

إذا كانت الديون التي في ذمة المفلس جميعها لمجنون أو يتيم وليه الحاكم الشرعي نفسه و كانت حالة غير مؤجلة، أو كان بعض الديون لهما، و كان دينهما حالا و لا يفي به مال المفلس جاز للحاكم الشرعي في هاتين الصورتين ان يحجر على المفلس و ان لم يطلب منه الغرماء الحجر عليه.

236

المسألة 57:

إذا كان المدين المفلس نفسه يتيما أو مجنونا و وليه الحاكم الشرعي، جاز للحاكم أن يحجر على هذا المدين المولى عليه إذا اقتضت مصلحته ذلك، فيحجر عليه و تقسم أمواله على الديون الحالة بالحصص و ان لم يطلب الغرماء منه الحجر، و لا يحجر على المفلس في ما سوى هذه الصور الا بطلب جميع الغرماء الذين حلت ديونهم عليه.

المسألة 58:

إذا اجتمعت شروط الحجر الآنف ذكرها لدى الحاكم الشرعي و حكم بالحجر على المفلس تعلق حق الغرماء الذين حلت ديونهم، بأموال المفلس الموجودة، فلا يجوز له بعد الحجر أن يتصرف بشي‌ء منها، من غير فرق بين أن يكون تصرفه في المال بعوض كالبيع و الإجارة و الهبة المعوضة، و الصلح بعوض، و أن يكون تصرفه بغير عوض، كالوقف و الهبة غير المعوضة و العطية و العتق، فلا يصح له شي‌ء من ذلك إلا إذا أذن له الغرماء به قبل الفعل، أو أجازوه له بعد الفعل.

المسألة 59:

لا يمنع الحجر المفلس عن التصرفات غير الابتدائية، و هي التصرفات التي تحققت أسبابها و ثبت له جوازها قبل الحجر عليه، فإذا كان المدين قد باع سلعة أو اشتراها قبل أن يحجر عليه و اشترط لنفسه خيار الفسخ، ثم حجر عليه الحاكم بعد ذلك، صح له أن يأخذ بخياره فيفسخ البيع أو يمضيه و لم يمنعه الحجر عن ذلك و ان لم يأذن له الغرماء، و إذا باع شريكه حصته من الدار أو من الأرض المشتركة فثبت للمفلس حق الشفعة فيها، ثم حجر عليه بعد ذلك، لم يسقط بالحجر حقه من الشفعة، فيجوز له أن يشفع بالحصة المبيعة و لا يحتاج إلى إذن الغرماء.

المسألة 60:

إذا ثبت للمدين المفلس حق مالي على أحد قبل أن يحجر عليه، كما إذا جنى عليه أحد أو جنى على عبده المملوك له أو على دابته المملوكة له أو على شي‌ء مما يملك، فثبتت له بسبب ذلك دية على الجاني أو أرش‌

237

جناية أو ضمان تلف أو أرش عيب أو غيرها فلا يجوز له بعد الحجر عليه أن يسقط حقه المالي الذي ثبت له قبل الحجر فيعفو عن الحق أو عن المال أو عن بعضه.

المسألة 61:

إذا حجر الحاكم الشرعي على المفلس منع عن التصرف في أمواله الموجودة لديه حين الحجر، فإذا تجددت له أموال بعد الحجر، كما إذا حصل له إرث من بعض أقربائه، أو ملك شيئا بهبة من أحد أو بوصية إليه من موص، أو دفع اليه من سهم الفقراء في الزكاة أو الخمس، أو اكتسب بالحيازة لبعض المباحات، فالظاهر عدم شمول الحجر المتقدم لهذه الأموال المتجددة، فلا يمنع من التصرف فيها، إلا إذا حجرها الحاكم حجرا جديدا بعد أن ملكها المفلس.

المسألة 62:

إذا أقر المفلس- بعد أن حجر عليه الحاكم الشرعي- لأحد بدين عليه سابق على الحجر، صح إقراره و نفذ، و كان الدائن الذي أقر له شريكا مع الغرماء السابقين بدينه هذا، فيضرب معهم في الأموال الموجودة بنسبة مقداره الى مجموع الديون، و كذلك إذا شهدت بينة شرعية بعد الحجر، بدين سابق على الحجر لشخص و لم يكن يعلم بالدائن من قبل، أو ثبت الدين بوجه آخر من المثبتات الشرعية فيكون الدائن شريكا مع الغرماء السابقين فيضرب بحصته في الأموال الموجودة من مجموع الديون.

المسألة 63:

إذا أقر المفلس- بعد الحجر عليه- بأنه قد اقترض من أحد مبلغا بعد حجر الحاكم عليه أو أنه اشترى منه مالا في ذمته، فأصبح مدينا له بكذا، صح إقرار المفلس و ثبت به دين ذلك الدائن المقر له، و لكنه لا يشارك الغرماء السابقين في الضرب في الأموال الموجودة.

المسألة 64:

إذا أتلف المفلس مالا لأحد- بعد أن حجر الحاكم الشرعي عليه- ضمن قيمة التالف و كان الضمان في ذمته، و إذا جنى على أحد ضمن‌

238

أرش الجناية في ذمته كذلك، و يشكل الحكم بمشاركة هذا الدائن بالضرب مع الغرماء السابقين في أموال المفلس الموجودة، و كذلك إذا أقر المفلس بأنه أتلف المال أو جنى الجناية فثبت الضمان عليه بإقراره، فيشكل الحكم بمشاركته مع الغرماء السابقين بهذا الدين المقر به.

المسألة 65:

إذا حجر الحاكم الشرعي على المفلس، فمنعه من التصرف في الأموال الموجودة، فأقر المفلس بعد الحجر أن عينا خاصة من الأموال التي بيده ملك لزيد مثلا، نفذ إقراره في حقه و لم ينفذ في حق الغرماء، فإذا اتفق سقوط حق الغرماء بإبراء ذمة المفلس، أو بتسديد الدين من وجه آخر و انفك الحجر عنه بسبب ذلك، وجب على المفلس دفع تلك العين الى الشخص الذي أقر له بملكها، و إذا لم تسقط حقوق الغرماء أشكل الحكم بدفع العين الى المقر له، فلا بد فيها من الاحتياط.

المسألة 66:

إذا حكم الحاكم على المفلس بالحجر في أمواله الموجودة لديه، و ضبطت اعدادها و أعيانها، بدأ فأخرج منها مستثنيات الدين و قد تقدم بيانها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين، ثم أخرج الأعيان التي رهنها المفلس عند بعض الديان إذا اتفق وجود ذلك، فان المرتهن أحق بالعين المرهونة عنده من بقية الديان، فتباع العين و يستوفي المرتهن دينه من ثمنها و لا يشاركه فيها الغرماء الآخرون، و قد ذكرنا هذا في المسألة السبعين من كتاب الرهن، و إذا زاد من ثمن العين المرهونة شي‌ء عن دين المرتهن و وزع الزائد على بقية الغرماء بنسبة حصصهم من مجموع الديون و إذا قصر ثمن العين المرهونة عن الوفاء بدين المرتهن شارك سائر الغرماء في بقية دينه فضرب معهم في أموال المفلس الأخرى ببقية دينه.

المسألة 67:

إذا عينت أموال المفلس المحجور عليها و أخرجت منها مستثنيات الدين و الأعيان المرهونة كما تقدم ذكره، بيعت الأموال ثم قسمت أثمانها بين الغرماء بالحصص بنسبة دين كل فرد منهم الى مجموع‌

239

الديون، فإذا كان مجموع الديون ألف دينار مثلا، و كان لأحد الغرماء خمسمائة دينار و هي نصف الألف و للثاني مائتا دينار و هي خمسه، و للثالث ثلاثمائة دينار و هي خمسه و نصف خمسه، و بيعت الأموال بثمن معين، كان للغريم الأول نصف مجموع الثمن الذي بيعت به الأموال مهما نقصت حصته عن قدر دينه فان المفروض قصور أموال المفلس عن الوفاء بدينه، و كان للغريم الثاني خمس مجموع الثمن، و للثالث الباقي منه و هو خمسه و نصف خمسه، و هكذا في كل ما يفرض من مقادير الديون و مقادير اثمان الأموال المبيعة.

المسألة 68:

إذا وجد بعض الغرماء في أموال المفلس العين التي اشتراها المفلس منه و بقي ثمنها دينا في ذمته، تخير هذا الغريم بين أن يفسخ البيع بينه و بين المفلس في العين المذكورة فيأخذ الغريم عين ماله التي وجدها، و أن يمضي البيع و يبقى الثمن دينا يضرب به مع الغرماء.

المسألة 69:

إذا اقترض المفلس عينا خارجية من أحد و بقي عوض القرض دينا في ذمته ثم أفلس و حجر عليه، فوجد المقرض العين التي أقرضه إياها باقية في أمواله جرى فيه الحكم المتقدم في البيع، فيتخير المقرض بين أن يفسخ القرض و يأخذ عين ماله، و أن يمضي القرض فيبقى عوضه دينا يضرب به في أموال المفلس، على نهج ما تقدم في العين المبيعة.

المسألة 70:

قال بعض الأصحاب (قدس سرهم) ان التخيير المذكور لصاحب العين في المسألتين المتقدمتين فوري يسقط مع التأخير، فإذا لم يبادر صاحب العين فيفسخ البيع أو القرض و يرجع بالعين، سقط حقه و تعين عليه أن يضرب بالدين مع الغرماء، و لا ريب في ان ذلك أحوط، و لكن الأظهر عدم سقوط حقه من الفسخ بالتأخير و عدم المبادرة، غير انه إذا أفرط في التأخير و لم يختر أحد الأمرين حتى أوجب تأخيره تعطيلا لتقسيم المال بين الغرماء، تدخل الحاكم الشرعي فخيره بين الأمرين،

240

فإذا امتنع عن اختيار أحدهما حكم عليه بأن يضرب بالثمن مع الغرماء و إذا لم يمكن ذلك تولى عنه الضرب معهم بالدين.

المسألة 71:

اشترط بعض الأصحاب (قدس سرهم) في رجوع صاحب العين بها إذا وجدها باقية في أموال المفلس: ان لا تكون من مستثنيات الدين، فإذا كانت عند المفلس من المستثنيات لم يصح لصاحبها أن يرجع بها، و هذا الحكم مشكل، فلا بد من الاحتياط في ذلك.

المسألة 72:

انما يتخير صاحب العين في الفرضين الآنف ذكرهما بين أن يأخذ العين و أن يضرب بثمنها مع الغرماء إذا كان دينه على المفلس حالا، فلا يجوز له فسخ البيع أو القرض و أخذ العين إذا كان دينه مؤجلا.

و إذا كان دينه مؤجلا فحل موعده قبل أن يفك الحجر عن المفلس و كانت العين باقية، كفى ذلك في الحكم بجواز أخذه للعين، فيختص بها إذا أراد ذلك و تنتقض به القسمة الأولى كما يجوز له أن يضرب مع الغرماء بدينه.

المسألة 73:

إذا حجر على المفلس بديونه الحالة، و قسمت أمواله الموجودة على الديان، ثم حل بعض الديون المؤجلة قبل أن يفك الحجر عنه في أمواله انتقضت القسمة الأولى و شارك الدائن الذي حل دينه الغرماء السابقين بالضرب في الأموال الموجودة، و قد أشرنا الى بعض أفراد هذا الحكم في المسألة المتقدمة.

المسألة 74:

إذا وجد البائع بعض العين التي اشتراها المفلس منه و لم يجد بعضها الآخر، تخير بين أن يفسخ البيع فيأخذ ما وجده من العين، و يأخذ معه حصة البعض الآخر الذي لم يجده منها من الثمن، فيضرب بحصته من الثمن مع الغرماء، و أن يمضي البيع فيضرب بجميع الثمن مع الغرماء.

241

و كذلك الحكم في المقرض إذا وجد بعض العين التي أقرضها المفلس و لم يجد بعضها الآخر، فيتخير كما هو الحكم في البائع فيأخذ البعض الذي وجده من العين و يأخذ معه حصة البعض الآخر من العوض أو يضرب مع الغرماء بجميع الدين.

المسألة 75:

ذهب بعض العلماء (قدس سرهم) إلى إجراء الحكم المتقدم في المؤجر أيضا و مثال ذلك: ما إذا آجر الرجل من المفلس دارا مثلا ليستوفي منفعتها مدة معينة و بقي مال الإجارة دينا في ذمة المفلس، ثم حجر الحاكم عليه فوجد المؤجر الدار التي استأجرها المفلس منه قبل استيفاء المنفعة أو بعد ما استوفى شيئا منها، فقال (قدس سرهم): بتخيير المؤجر بين أن يفسخ الإجارة و يأخذ العين و المنفعة في الصورة الأولى، و يأخذ ما بقي من المنفعة و يأخذ معها حصة ما مضى منها من مال الإجارة في الصورة الثانية، و أن يمضي الإجارة و يضرب بجميع الدين مع الغرماء، و هذا القول مشكل، فلا يترك الاحتياط في كلا الفرضين.

المسألة 76:

إذا وجد البائع أو المقرض في العين التي باعها من المفلس أو أقرضها له زيادة متصلة كالسمن في الحيوان، و الطول و النمو في النخلة و الشجرة و البلوغ في الثمرة و نحو ذلك مما لا يصلح للانفصال فان كانت الزيادة متعارفة رجع بها البائع أو المقرض مع العين، و ان كانت الزيادة أكثر مما يتعارف فالأحوط أن يتصالح البائع أو المقرض مع الغرماء عن هذه الزيادة، و كذلك في الصوف و الوبر و الشعر و نحوها مما يصلح للانفصال، فلا يترك الاحتياط فيها بالمصالحة.

و إذا وجد مع العين زيادات منفصلة كالولد و الحمل و اللبن و الدهن، و الثمرة على الشجرة و التمر على النخيل، فهي من أموال المفلس يضرب فيها الغرماء بديونهم، و لا يحق للبائع و المقرض أخذها مع العين.

المسألة 77:

إذا وجد العين معيبة عند المفلس، فقد يكون العيب الحادث عنده بسبب آفة سماوية، و قد يكون بفعل المشتري المفلس و قد يكون بفعل‌

242

شخص أجنبي، و المسألة بجميع فروضها و شقوقها خالية من النص و الاحتمالات فيها متقابلة، فالأحوط التخلص بالصلح في جميعها.

المسألة 78:

إذا باعه أرضا بثمن في الذمة، فغرس المشتري في الأرض التي اشتراها غرسا أو بنى فيها بناء ثم أفلس المشتري و حجر عليه، فإذا أراد البائع فسخ البيع و أخذ الأرض المبيعة جاز له ذلك، فإذا أخذها كانت الأرض للبائع، و الغرس و البناء للمشتري، و لا حق للمشتري في أن يبقى غرسه و بناءه في الأرض الا بالتراضي بينهما مع الأجرة أو مجانا، و إذا لم يتراضيا فالمسألة محل اشكال، و إذا بيع البناء و الغرس على مالك الأرض، أو بيعت الأرض و ما فيها من غرس و بناء من مالكيهما على شخص آخر وصل كل منهما الى حقه و تخلصا من الإشكال.

المسألة 79:

إذا باعه شيئا مثليا، فخلطه المشتري بماله ثم أفلس و حجر عليه، فان كان قد خلطه بشي‌ء من جنسه جاز للبائع أن يرجع بماله، فإذا رجع به كان هو و المشتري شريكين في المال المخلوط بنسبة مقدار ماليهما الى المجموع، فإذا باعه منا من الحنطة، و خلطه المشتري بمن من الحنطة و كان الخليطان متساويين في الجودة و الرداءة فهما شريكان بالمناصفة، و إذا أرادا قسمة المال اقتسماه بنسبة ماليهما كذلك فلكل منهما نصف المجموع لأن المفروض تساوي المالين في المقدار و في الجودة و الرداءة.

المسألة 80:

إذا خلط المشتري المال الذي اشتراه بما هو أجود أو بما هو أردأ، و رجع البائع بماله كانا شريكين بنسبة مقدار ماليهما كما في الفرض المتقدم، فإذا خلط المن بمقداره فهما شريكان بالمناصفة و إذا خلط المن بمنين فهما شريكان بالمثالثة فلصاحب المن الثلث و لصاحب المنين الثلثان، و هكذا و إذا أرادا التوصل الى حقيهما، بيع المجموع و قسم الثمن بينهما بنسبة ما لكل واحد من المالين من القيمة، فإذا كانت قيمة من الحنطة غير الجيدة دينارا واحدا، و قيمة من الحنطة الجيدة دينارين،

243

فلصاحب الحنطة الأولى الثلث و لصاحب الحنطة الثانية الثلثان، فيأخذان من الثمن بهذه النسبة.

و هكذا إذا كان المالان أكثر من ذلك، فإذا كانت الحنطة غير الجيدة منين، و كانت الحنطة الجيدة أربعة أمنان، فيكون مجموع قيمة الأولى دينارين، و مجموع قيمة الثانية ثمانية دنانير، و مجموع كلتا القيمتين عشرة دنانير و قيمة الأولى وحدها خمس المجموع، و قيمة الثانية وحدها أربعة أخماسه، فإذا بيع المجموع بثمن معين اعطي صاحب الحنطة الأولى خمس الثمن، و دفع لصاحب الحنطة الثانية أربعة أخماسه، و كذلك إذا خلط المال بما هو أردأ.

المسألة 81:

إذا خلط المشتري المال الذي اشتراه بشي‌ء من غير جنسه ثم فلس و حجر عليه، فان كان خلطهما مما تعد معه العين المبيعة تالفة في نظر أهل العرف و ليست قائمة بعينها لم يجز للبائع الرجوع بها و وجب أن يضرب بدينه مع الغرماء، و إذا لم تتلف العين في نظر أهل العرف و صدق انها لا تزال قائمة بعينها، جاز للبائع أن يرجع بماله فيكون شريكا مع المشتري في المجموع بنسبة مقدار المالين بالمناصفة أو المثالثة أو غيرهما، و إذا بيع المجموع قسم الثمن بنسبة القيمة على نهج ما تقدم، و إذا عسر تقويم المالين بعد خلطهما رجع الى المصالحة بينهما.

المسألة 82:

إذا اشترى المشتري من البائع غزلا فنسجه، أو اشترى منه دقيقا فخبزه، أو اشترى منه ثوبا فصبغه ثم حجر على المشتري للفلس، فالظاهر جواز الرجوع للبائع بالعين، فان العرف يعد أن العين التي باعها منه لا تزال باقية و ان تغيرت بعض صفاتها، ثم يتوصل البائع و المشتري الى حقهما بالتقسيم بحسب القيمة أو بحسب المصالحة بينهما.

المسألة 83:

إذا مات الرجل و هو مدين، و وجد البائع أو المقرض عين ماله في تركة الميت و كانت تركته وافية بديون الغرماء، جاز للبائع أو المقرض ان يرجع بعين ماله كما هو الحكم في المفلس الحي، و جاز له أن يضرب‌

244

بدينه في التركة مع بقية الغرماء، و إذا قصرت تركة الميت عن الوفاء بديونه لم يجز لصاحب العين أن يختص بها، بل يكون كبقية الغرماء، فيضرب معهم بدينه في التركة الموجودة، سواء كان الميت قد حجر عليه قبل الموت أم لا.

المسألة 84:

إذا حجر الحاكم على المفلس، و منعه عن التصرف في أمواله وجب أن تجري نفقته و كسوته و نفقة من تجب نفقته عليه و كسوته من المال من يوم الحجر عليه الى يوم قسمة ماله، و ان يجري عليه جميع ذلك بحسب عادته، و إذا اتفق موته في ذلك الحال وجب أن يقدم كفنه و جميع مؤنة تجهيزه على حقوق الغرماء، و يجرى ذلك بحسب ما يتعارف لأمثاله من حيث النوع و المقدار، و ان كان الأحوط استحبابا أن يقتصر فيهما على ما يتأدى به الواجب فقط.

المسألة 85:

إذا حجر الحاكم الشرعي على المفلس و قسم أمواله على الغرماء بنسبة ديونهم، ثم ظهر بعد القسمة غريم آخر له دين قد حل على المفلس، نقضت القسمة الأولى و أبدلت بقسمة أخرى على جميع الغرماء بنسبة ديونهم، فإذا كانت للغريم الجديد عين مال اختص بها على المناهج التي تقدم تفصيلها و كذلك إذا حل بعض الديون المؤجلة قبل ان يفك الحجر عنه و قد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة و السبعين فلتراجع.

الفصل الرابع في تصرف المريض و منجزاته

المسألة 86:

لا ريب في صحة تصرف الإنسان الصحيح في ماله كيفما شاء، و في نفوذ جميع تصرفاته التي يجريها في ما يملكه، و ان خرج منه جميعا إذا لم يطرأ عليه أحد أسباب الحجر الأخرى، و كذلك الحكم في المريض الذي لم يتصل مرضه بموته، فيصح منه اي تصرف يجريه في‌

245

ماله، سواء أجراه بعوض أم بغير عوض، و سواء كان العوض الذي يأخذه عن ماله قليلا أم كثيرا و لا ريب في ذلك أيضا.

و يستثنى من ذلك ما يوصي الإنسان بإنفاذه بعد موته، فإنه لا يصح الا إذا كان المال الموصى به بمقدار ثلث ما يملك من الأموال و لا ينفذ في ما يزيد عليه، و هذا الاستثناء يجري في كل انسان من غير فرق بين الصحيح و المريض الذي لم يتصل مرضه بموته و المريض الذي يموت بسبب مرضه، و سيأتي تفصيله في كتاب الوصية ان شاء اللّه تعالى.

المسألة 87:

تصح المعاوضات من المريض الذي يتصل مرضه بموته إذا كان العوض في المعاملة لا يقصر عن عوض المثل، فينفذ بيعه إذا باع الشي‌ء بثمن مثله أو أكثر، و تنفذ إجارته إذا آجر الشي‌ء بأجرة مثله أو أكثر و هكذا في جميع المعاوضات التي يوقعها على ماله، و لا خلاف في ذلك بين العلماء (قدس اللّٰه أرواحهم)، و تصح منه التصرفات الأخرى التي يوقعها في المال من صرف و إنفاق على نفسه و على من يعوله و من صرف و إنفاق في النواحي التي يعدها العقلاء من شؤونه و مستلزمات شرفه و مكانته الاجتماعية، و لا يعدونها خارجة عن حدوده المتعارفة لأمثاله، و ان لم تكن تلك المصارف من المعاوضات، و لا خلاف في ذلك.

المسألة 88:

ينحصر الخلاف بين العلماء في هذا الباب بالمنجزات، و هي التصرفات التي يجريها الإنسان ليتحقق منه أثرها بالفعل و هو في حياته و لا تكون معلقة على حصول موته و التي تتصف بصفة المحاباة أو التبرع، فهي اما مجانية لا تشتمل على تعويض أو مبادلة، كالوقف و العتق و الإبراء و الهبة من غير عوض و الصلح من غير عوض، و اما معوضة بأقل من عوض المثل كالبيع بأقل من ثمن المثل، و الإجارة بأدنى من اجرة المثل، و الصلح و الهبة بأقل من عوض المثل، أقول: ينحصر الخلاف في هذا النوع من التصرفات الفعلية المنجزة المشتملة على المحاباة أو التبرع إذا أوقعها المريض الذي يتصل مرضه بموته و العلماء في المسألة على قولين:

أحدهما ان تكون تصرفاته هذه نافذة منه من أصل ماله، سواء زادت‌

246

على ثلث ماله أم قلت عنه، بل و ان استوعبت جميع المال، فتصح منه في جميع الصور، و لا تحتاج إلى إمضاء ورثته، الثاني انها انما تكون نافذة منه إذا كانت بمقدار الثلث أو أقل منه، فإن هي زادت على الثلث لم تنفذ في الزائد، إلا إذا أمضاها وارثه من بعده، فإن أمضاها نفذت في الجميع و ان لم يمضها نفذت في مقدار الثلث و بطلت في الزائد و لم تصح، و القول الأول هو الصحيح المختار.

المسألة 89:

ما يخرجه المريض في مرض موته من الواجبات المالية التي تكون في ذمته أو تجب عليه في ماله من زكاة أو فطرة أو خمس أو كفارة أو نذر أو مظالم أو ضمان مال، فهو نافذ من أصل ماله، و لا خلاف في ذلك، سواء وجب عليه في ذلك الحال أم كان دينا في ذمته من قبل ذلك.

المسألة 90:

ذكرنا ان المعاملات التي تشتمل على المحاباة تكون من المنجزات، و الوجه في ذلك: ان المعاملة إذا اشتملت على المحاباة لأحد، فباعه ما تبلغ قيمته في السوق مائتي دينار بمائة دينار مثلا، أو آجره ما تكون أجرته المتعارفة مائة دينار في الشهر الواحد بخمسين دينارا، فكأنه قد وهب المشتري أو المستأجر المبلغ الذي يكون به التفاوت ما بين القيمتين، فالمعاملة لذلك تعد من التصرفات المنجزة، و تدخل في موضع الخلاف في المسألة، و قد عرفت ان الأقوى انها تخرج من الأصل.

المسألة 91:

الصدقة بجميع أقسامها من المنجزات، حتى ما يدفعها المريض للفقير بقصد الشفاء من مرضه، أو يدفعها المسافر بقصد السلامة في سفره، أو يدفعها صاحب الحاجة بقصد قضاء حاجته، و نجح طلبته، فهي داخلة في موضع الخلاف و قد عرفت المختار فيها.

المسألة 92:

قد يشكل الأمر في بعض الفروض، بناء على القول بأن المنجزات تخرج من الثلث، كالمرض الذي يطول بالمرء سنين متعددة، و المرض الخفيف الذي يتفق به الموت، و كما إذا مات و هو مريض، و كان موته‌

247

بسبب آخر غير المرض نفسه، و لا أثر لهذا الاشكال و لا اختلاف في الفروض كلها، بناء على أن المنجزات تنفذ من أصل المال كما هو الحق في المسألة.

المسألة 93:

ألحق بعض العلماء بعض الأمور الخطرة التي يخشى فيها الهلاك بمرض الموت، كحالات الحرب و حالات الخوف من الغرق، و حالات الاجتياز بالأرض ذات السباع أو الحشرات القاتلة، و حالات الولادة و الطلق للمرأة، فذكر ان الشخص إذا أجرى بعض المنجزات المتقدم ذكرها في هذه الأحوال و اتفق موته فيها كان له حكم منجزات المريض، فتخرج من الثلث بناء على القول بذلك في المسألة، و من الظاهر انه لا أثر لهذه الفروض جميعها بناء على القول المختار من أن التصرفات المنجزة تخرج من الأصل، على أن إلحاق هذه الأمور بمرض الموت في غاية الإشكال، بل هو ممنوع و ان قلنا بخروج المنجزات من الثلث.

المسألة 94:

إذا أقر المريض لوارث من ورثته أو لشخص أجنبي عنه بدين، أو بشي‌ء مما هو في يده و كان إقراره له و هو في مرض موته، فان كان المريض المقر مأمونا لا يتهم بالكذب في قوله، صح إقراره و وجب إنفاذه من أصل المال، فيدفع الشي‌ء الذي أقر به للشخص المقر له و ان زاد في مقداره على ثلث ماله، و مهما بلغت زيادته، و ان كان المقر متهما في صدق قوله، نفذ إقراره في ثلث ماله خاصة و لم ينفذ في ما زاد عليه.

و يراد باتهامه أن توجد أمارات تدل على أنه يريد تخصيص الشخص الذي أقر له بالمال الذي أقر به، أو انه يريد حرمان بقية الورثة منه.

المسألة 95:

إذا أقر المريض بالدين أو بالعين لوارثه أو لأجنبي كما ذكرنا في الفرض السابق و لم يوجد من القرائن ما يدل على أن المقر متهم في إقراره أو غير متهم، ففي نفوذ إقراره في ما يزيد على الثلث اشكال، فلا يترك الاحتياط في هذا الفرض بالمصالحة ما بين الورثة و المقر له.

248

المسألة 96:

يراد بالثلث في هذا الباب ثلث جميع ما يتركه المريض حين ما يموت بمرضه من الأموال التي يملكها سواء كانت من الأعيان الخارجية أم من الديون في ذمم الآخرين أم من المنافع أم الحقوق التي يبذل بإزائها المال، و منها الدية و أرش الجنايات التي تكون له على الآخرين على الأقوى، فيجمع جميع ذلك و يستخرج مقدار ثلثه، و يكون ذلك هو المعيار في مسألة إقرار المريض مع الاتهام و في مسألة منجزات المريض إذا قيل بنفوذها من الثلث.

المسألة 97:

إذا قيل بأن منجزات المريض تخرج من الثلث و لا تنفذ من الأصل، فذلك انما هو إذا لم يجز الورثة تصرفه، فإذا أجاز الورثة ذلك نفذ الزائد على الثلث من الأصل، و إذا أجازه بعض الورثة دون بعض نفذ بمقدار حصة ذلك البعض المجيز من الأصل، و اختص في حصة الآخر بالثلث، فإذا كان الوارث و لدين مثلا و أجاز أحدهما و لم يجز الآخر نفذ في نصف الشي‌ء من الأصل و اخرج الزائد على ما يصيب الثلث منه من حصة المجيز، و نفذ في النصف الآخر من الثلث و لم ينقص من حصة الولد الثاني شي‌ء و إذا أجاز الورثة بعضا من الزائد على الثلث نفذ من الأصل بمقدار ما أجازوه، و قد عرفت المختار في مسألة المنجزات، فالتفصيل المذكور عندنا انما يجري في مسألة الإقرار مع الاتهام، و في الوصية إذا أجاز الورثة خروجها من الأصل.

المسألة 98:

إذا أجاز الورثة تصرف مورثهم في ما زاد على الثلث في المسائل المتقدم ذكرها و كانت إجازتهم بعد أن مات المورث، فلا ريب في صحة إجازتهم و نفوذ تصرفه من الأصل بسبب إجازتهم، و ان كانوا قد ردوه أولا قبل موت المورث، فلا يكون ردهم السابق مضرا في صحة إجازتهم اللاحقة.

و إذا أجازوا التصرف قبل موت المورث ثم ردوه قبل موته أيضا، بطلت الإجازة الأولى و لم تنفذ، و إذا أجازوا قبل موته و بقوا على‌

249

إجازتهم حتى مات المورث، فالظاهر صحة إجازتهم و نفوذها، و لا يضر بصحتها و نفوذها إذا هم عدلوا فردوا بعد الموت.

المسألة 99:

إذا أقر الإنسان و هو في حال صحته بدين لوارثه أو لشخص أجنبي عنه أو أقر لأحدهما بشي‌ء آخر مما يملك، أو أقر بذلك و هو مريض بغير مرض الموت، صح إقراره فإذا مات نفذ من الأصل من غير فرق بين أن يكون متهما في قوله أو مأمونا.

المسألة 100:

إذا قال الرجل للمدين: أبرأت ذمتك من الدين بعد وفاتي، لم يصح منه هذا الإبراء لأنه إنشاء معلق غير منجز، فلا يكون صحيحا سواء كان الدائن صحيحا أم مريضا، و في مرض الموت أم في غيره.

و إذا أجاز الورثة ذلك فأبرأوا ذمة المدين بعد موت مورثهم و انتقال الدين إليهم و قصدوا بالإجازة تنازلهم عن المال صح ذلك و برئت ذمة المدين، لأنه إبراء جديد، و إذا قصدوا بالإجازة إمضاء ما أنشأه المورث، أشكل الحكم فيه، بل الظاهر عدم الصحة.

250

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

251

كتاب اللقطة

252

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

253

كتاب اللقطة‌

المسألة الأولى:

اللقطة هي المال الضائع من صاحبه، و لا يد أمينه لأحد عليه، إذا وجده الإنسان و هو لا يعرف مالكه، فلا يكون المال غير الضائع من اللقطة و ان كان صاحبه مجهولا، و من أمثلة ذلك الوديعة و العارية و العين المستأجرة إذا نسي الإنسان من هو صاحبها، و من أمثلته المال المغصوب إذا أخذه الرجل من يد غاصبه و لا يعلم من هو مالكه، و العين التي قبضها بالسوم أو قبضها بالمعاملة الفاسدة و نسي من هو مالكها، فيجري على هذا و على أمثاله حكم مجهول المالك لا حكم اللقطة.

و لا يكون من اللقطة المال الذي يكون بيد أمينة و ان كان ضائعا و مجهول المالك، و مثال ذلك أن يلتقط المال الضائع أحد ثم يأخذه شخص آخر من يده، فيكون المال لقطة للآخذ الأول إذا كان معلوما لا للآخذ الثاني، و إذا كانت يد الآخذ الأول ليست أمينة، فلا اعتبار بها، كما إذا نوى الملتقط الأول في المثال المتقدم تملك المال قبل أن يعرف به فتكون يده خائنة، فللثاني أن ينتزعه منه، و إذا أخذه من يده جرت عليه أحكام اللقطة عنده.

المسألة الثانية:

تنقسم اللقطة بملاحظة نفس المال الضائع إلى ثلاثة أقسام، فالمال الضائع الذي يجده الإنسان و لا يعرف مالكه، قد يكون غير انسان و لا حيوان، و يسمى هذا القسم لقطة بالمعنى الأخص، و قد يكون حيوانا و ليس بإنسان، و يسمى بالضالة، و قد يكون إنسانا و يسمى اللقيط، و المعنى الشامل للأقسام الثلاثة هي اللقطة بالمعنى العام.

و الاقسام الآنف ذكرها مختلفة في الأحكام و في بعض الشروط و الآثار، فاللقيط مثلا لا يختص بالإنسان المملوك كما إذا كان محكوما‌

254

عليه بالحرية و لعل هذا هو الغالب فلا يعد مالا ليدخل في الأقسام، و لذلك لم يعده بعض الفقهاء من أقسام اللقطة بل عده من توابعها، و الأمر سهل بعد وضوح المقصود و صحة التقسيم باعتبار الإنسان المملوك.

فتفصيل الكلام في هذا الكتاب يكون في ثلاثة فصول.

الفصل الأول في اللقطة بالمعنى الخاص

المسألة الثالثة:

لا يكون المال لقطة تجري عليه أحكامها حتى يكون ضائعا من صاحبه كما ذكرناه في المسألة الأولى، و لذلك فلا بد في صدق اسم اللقطة على الشي‌ء من إحراز كونه ضائعا بأمارة، أو قرينة أو شاهد حال يدل على ذلك، و لا يكفي مجرد عدم العلم بمالكه، فإذا وجد الإنسان مالا و لم يقم اي شاهد يدل على ضياعه من مالكه لم تجر عليه أحكام اللقطة، بل يكون من مجهول المالك، فإذا تبدل ثوب الإنسان أو عباءته أو حذاؤه في بعض المجامع و لم يحرز ان بدل الثوب أو الحذاء الذي وجده مكانه ضائع من مالكه، لم تجر فيه أحكام اللقطة، فلعل المالك قد قصد التبديل عامدا أو مشتبها فلا يكون ماله ضائعا منه.

المسألة الرابعة:

لا يكون المال لقطة حتى يحصل أخذه و الاستيلاء عليه من الواجد، فلا يصدق على المال انه لقطة بمجرد انه رأى المال و علم أنه ضائع، و إذا رآه فأخبر به غيره، و أخذه ذلك الغير فالملتقط هو الذي أخذه و به تتعلق أحكام اللقطة لا بالذي رآه، و إذا رأى الرجل المال الضائع فقال لغيره:

ناولني إياه، فأخذه هذا الغير لنفسه لا للآمر كان هو الملتقط و تعلقت به الأحكام، و إذا قال له: ناولني المال، فأخذه و ناوله إياه، أشكل الحكم لحصول الأخذ من كليهما، فالأحوط تعريف كل واحد منهما بالمال إذا لم يعرف به الآخر.